Полный текст (515 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المَطْلَبُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلهامٌ:
أقامَ المحدِّثونَ المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على أسسٍ دقيقةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، والسَّبرُ عمادُ هذهِ الأسسِ والقواعدِ، وقدْ جاءَتْ بعضُ عباراتِ المحدِّثينَ تُعارضُ هذا المنهجَ العلميَّ الدقيقَ - على رأيِ بعضِ المستشرقينَ ك «جولد تسيهر» (١) - وتُبيِّنُ أنَّهُ ضربٌ من الإلهامِ والكشفِ، أو الخرصِ والتَّخمينِ لا ينبني على أسسٍ، أَوْ أمرٌ مزاجيٌّ لا مُسَوِّغَ لَهُ في العِلْمِ، وأنَّهُ أقربُ إلى الكهانَةِ والعرافَةِ منهُ إلى العقْلِ والقواعِدِ العلميَّةِ الرَّصينةِ، ومنْ هذهِ الأقوالِ التي استدلُّوا بهَا: قولُ ابنِ مَهديٍّ (٢) «ت ١٩٨ هـ»: «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَو قُلْتَ لِلْعَالِمِ بِعِلَلِ الحَدِيثِ، أَينَ قُلْتَ هَذَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ». стр. 72
قالَ ابنُ نُمَيرٍ (١) «ت ٢٣٤ هـ»: «صَدَقَ لَو قُلْتَ: مِنْ أَينَ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ» (٢).
وَقالَ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «مَثَلُ مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ كَمَثَلِ فُصٍّ ثَمَنُهُ مِئَةُ دِينَارٍ، وَآَخَرَ مِثْلُهُ عَلَى لَونِهِ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَكَمَا لا يَتَهَيَّأُ للنَّاقِدِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَبَبِ نَقْدِهِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا عِلْمَاً لا يَتَهَيَّأُ لنَا أَنْ نُخْبِرَ كَيفَ عَلِمْنَا بَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ كَذِبٌ وَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا بِمَا نَعْرِفُهُ» (٣).
وَقَدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» لذلكَ بِقَولِهِ: «المَعْرِفَةُ بِالحَدِيثِ لَيسَتْ تَلْقِينَاً، وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ فِي القَلْبِ» (٤). وَأوردَ كلامَ الأئمَّةِ المتقدِّمِ في هذَا الشَّأنِ.
ومنْ ذلكَ أيضاً قولُ ابنُ القَيِّمِ (٥) «ت ٧٥١ هـ»: «وَمَعْرِفَةُ هَذَا الشَّأنِ وَعِلَلِهِ ذَوقٌ وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، يَقطعُ بهِ مَنْ ذَاقَهُ وَلا يَشُكُّ فِيهِ، وَمَنْ لَيسَ لَهُ هَذَا الذَّوقُ لا شُعُورَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا كَنَقْدِ الدَّرَاهِمِ لأَرْبَابِهِ، فِيهِ ذَوقٌ وَمَعْرِفَةٌ لَيسَتَا لِكِبَارِ العُلَمَاءِ» (٦).
وَنُجِيبُ عنْ هذَا الإشكالِ المُخْتَلَقِ بِمَا يأتي: стр. 73
١ - اجْتِزاءُ أقوالِ الأئمَّةِ، والأخذُ ببعضهِا دونَ البعضِ الآخرِ، أَوْ فَهْمُهَا بِغَيرِ مَا هِيَ عَلَيه: إنَّ مَا تمسَّكَ المستشرقونَ بأذيالِهِ منْ كلامِ أئمَّةِ الحديثِ، هوَ كلامٌ إمَّا مجزوءٌ أو مُقتطعٌ، غرضهُمْ منْ ذلكَ نسفُ صرحِ هذا العلمِ، وتقويضُ بنيانِهِ، للطَّعنِ في سنَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، فابنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ» الذي قالَ بأنَّ هذا العلمَ إلهامٌ، هو منْ قالَ: «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ» (١). وقيلَ لهُ: إنَّكَ تقولُ للشَّيءِ هذا يصحُّ وهذا لمْ يثبتْ، فعمَّنْ تقولُ ذلكَ؟ فقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَتَيتَ النَّاقِدَ فَأَرَيتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جَيِّدٌ وَهَذَا بَهْرَجٌ، أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ؟ قَالَ: لا بَلْ كُنْتُ أُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ، فَقَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ». لكنْ ذيَّلَ كلامَهُ هذَا مُبيِّنَاً العواملَ الَّتي تبنِي الملكةَ عندَ المُحدِّثِ، بقولِهِ: «لِطُولِ المُجَادَلَةِ والمُنَاظَرَةِ وَالخِبْرَةِ» (٢).
بالإضافةِ إلى أنّهمْ حَمَلُوا كلامَ الأئمَّةِ على غيرِ مُرادِهِ، فالأئمَّةُ شبَّهُوا معرفتَهُمْ للحديثِ بمعرفَةِ الصَّيرفيِّ للجوهَرِ، وهذِهِ المعرفَةُ مُكتسَبَةٌ عنْ طولِ خِبرةٍ، وكثرةِ ممارسَةٍ، ولا تأتِي منْ بابِ التَّخرُّصِ أو التَّخمِينِ.
٢ - الخبرةُ والمُمَارَسَةُ وطُولُ المُذَاكَرَةِ هِيَ العَامِلُ فِي أَحْكَامِ الرُّوَاةِ، لا التَّخَرُّصُ والتَّخمِينُ: لا يكونُ الإلهامُ إلا لأهلِ الخِبرةِ الطَّويلَةِ والتَّخَصُّصِ المكينِ في هذَا العلمِ، لذا نرى الأئمَّةَ يُشبِّهونَ تَمييزَهُمْ للحديثِ، بتمييزِ الصَّيارِفَةِ للجوهَرِ المُزيَّفِ منَ غيرِهِ، стр. 74
وذلكَ لعُمقِ الخِبرةِ وطولِ المُمَارسةِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلا بُدَّ فِي هذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارسَةِ وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ» (١).
وقال المُعلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «وَهَذِهِ المَلَكَةُ لَمْ يُؤْتَوهَا مِنْ فَرَاغٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَصَادُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الطَّلَبِ، وَالسَّمَاعِ، وَالكِتَابَةِ، وَإِحْصَاءِ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَحِفْظِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَكِنَاهُمْ، وَأَلَقَابِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَتَوَارِيخِ وِلادَةِ الرُّوَاةِ وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَابْتِدَائِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، وَارْتِحَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آَخَر، وَسَمَاعِهِمْ مِنَ الشُّيُوخِ فِي البُلْدَانِ، مَنْ سَمِعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ؟ وَمَتَى سَمِعَ؟ وَكَيفَ سَمِعَ؟ وَمَعَ مَنْ سَمِعَ؟ وَكَيفَ كِتَابُهُ؟، ثُمَّ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الشُّيُوخِ الذِينِ يُحَدِّثُ الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَأَوقَاتِ تَحْدِيثِهِمْ، وَعَادَتِهِمْ فِي التَّحْدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ مَرْوِيَّاتِ النَّاسِ عَنْ هَؤُلاءِ الشُّيُوخِ، وَعَرْضِ مَرْوِيَّاتِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيهَا، وَاعْتِبَارِهَا بِهَا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ. هَذَا مَعَ سَعَةِ الاِطِّلاعِ عَلَى الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَالخِبْرَةِ بِعَوَائِدِ الرُّوَاةِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَبِالأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالكَذِبِ، وَبِمَظَنَّاتِ الخَطَأِ وَالغَلَطِ، وَمَدَاخِلِ الخَلَلِ. هَذَا مَعَ اليَقَظَةِ التَّامَّةِ، وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَدَقِيقِ الفِطْنَةِ، … وَغَيرِ ذَلِكَ» (٢).
فعِلمُ الحديثِ علمٌ تخصُّصِيٌّ، شديدُ العمقِ، بعيدُ الغَورِ، لا يفهمهُ إلا منْ وقفَ عمرَهُ عليهِ، وصرفَ الُجهدَ فيهِ، قالَ ابنُ المَدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أخَذَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ стр. 75
على رجلٍ منْ أهلِ البَصرَةِ حديثاً، فغضِبَ لهُ جماعَةٌ، فأتَوهُ، فقالُوا: «يَا أبا سعيدٍ! منْ أينَ قلتَ هذا في صاحبِنَا؟ قالَ: فغضبَ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَتَى بِدِينَارٍ إلى صَيرَفِيٍّ، فَقَالَ: انْتَقِدْ لِي هَذَا. فَقَالَ: هُوَ بَهْرَجٌ. يَقُولُ لَهُ: مِنْ أَينَ قُلْتَ لي إِنَّهُ بَهرَجٌ؟ اِلزَمْ عَمَلِي هَذَا عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى تَعْلَمَ مِنْهُ مَا أَعْلَمْ» (١).
وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «أَشْبَهُ الأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ الزَّائِفَ وَالخَالِصَ والمَغْشُوشَ، وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُلُوبِ، بَعْدَ طُولِ المُمَارَسَةِ لَهُ، والاِعْتِنَاءِ بِهِ» (٢).
فطولُ المذاكرةِ والممارسةِ لكلامِ النَّبيِّ ﷺ تُحدِثُ مَلَكَةً عندَ الرَّاوِي في تَمييزِ كلامِهِ ﷺ منْ كلامِ غيرِهِ، قالَ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «وَتُعْرَفُ جَودَةُ الدِّينَارِ بِالقِيَاسِ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي الحُمْرَةِ وَالصَّفَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَيُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَلامَاً يَصْلُحُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ كَلامَ النُّبُوَّةِ» (٣).
٣ - قَصْرُ تَعْلِيلِ المُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، دُونَ الجَهَلَةِ فِي أُصُولِ وَقَوَاعِدِ هَذَا العِلْمِ: لعمقِ علمِ العللِ عندَ المحدِّثينَ نهى نُقَّادُ الحديثِ عنْ شرحِ كثيرٍ منْ عِللِ الأحاديثِ إلا عندَ أهلِ الحديثِ، لما يُخشَى منْ شرحِ ذلكِ على غيرِ أهلِ الحديثِ أنْ يكونَ سبباً في أنْ يَفْتِنُوا أو يُفْتَنُوا. قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» في «رسالتِهِ إلى أهلِ مكَّةَ»: «وَرُبَّما стр. 76
أَتَوَقَّفُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ - يَعْنِي: إِبْرَازَ العِلَلِ-، لأنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى العَامَّةِ أَنْ نُظْهِرَ لَهمْ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا مَضَى مِنْ عُيُوبِ الحَدِيثِ، لأنَّ عِلْمَ العَامَّةِ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ» (١).
وقالَ ابنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ» (٢).
قال شيخنا نور الدين (٣): «وَلمَاَّ كَانَ شَانُ العِلَلِ الدِّقَّةَ وَالخَفَاءَ، تَوَقَّفَ المُحَدِّثُونَ كَثِيرَاً عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَا يُعَلُّ بِهِ الحَدِيثُ، إِمَّا لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِ عِبَارَةٍ يُعَبِّرُونَ بِهَا، أَوْ لِعَدِمِ قَابِلِيَّةِ السَّامِعِ أَنْ يَتَفَهَّمَ» (٤).
وُيُحملُ كلامُ النُّقادِ على أَنَّ مَنْ يَجهَلُ هذا العلمَ لا يُمكنُهُ الإحاطةُ بطرائقِهِ وعناصرِهِ. وَعَرْضُ الدَّليلِ والبُرهَانِ يلزَمُ منهُ وُجودُ منْ يُدركهُمَا، وغيرُ ذوِي الاختصاصِ يكفيهِمْ معرفةُ الحكمِ المتضمِّنِ صِحَّةً أَوْ ضَعفَاً أَوْ بُطلانَاً، فإنْ أرادُوا معرفِةَ هذَا العلمِ فلا بدَّ أنْ يسلُكُوا مسلكَ النُّقَّادِ في إعدادِ الرَّصيدِ الكافِي الذي يمتلكُهُ هؤلاءِ الأئمَّةُ بمعرفتهِمُ الكاملةِ وإحاطتهِمُ التَّامَّةِ لأحاديثِ الرُّوَاةِ، وَهوَ ما عبَّرَ عنهُ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» بقولِهِ: «الحُجَّةُ فِي هَذَا العِلْمِ عِنْدَنَا الحِفْظُ وَالفَهْمُ وَالمَعْرِفَةُ لَا غَير» (٥). стр. 77
٤ - الحُجَجُ والبَرَاهِينُ حَاضِرَةٌ عندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ، لكنْ لا يحضُرُهُمْ التَّعبِيرُ عَنْهَا فِيمَا لَو سُئِلُوا عَنْهَا لِغَيرِ أَهْلِهَا: نجدُ أنَّ كثيراً منْ أقوالِ الأئمَّةِ في العللِ تحملُ الدليلَ والحجَّةَ والبُرهانَ، إذا كانتْ أسئلةً تدورُ بينَ جهابذَةِ هذا الفنِّ، فالتِّرمذيُّ يسألُ البُخاريَّ، وعبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ يسألُ أباهُ، وابنُ أبي حاتمٍ يسألُ أباهُ وأبا زُرعَةَ، والبُرْذُعِيُّ يَسألُ أبَا زُرْعَةَ، والبَرْقَانِيُّ والسَّهْمِيُّ يَسْألانِ الدَّارَقُطِنِيَّ، وأُلِّفت كتبٌ في علمِ العللِ، وتعليلِ الأحاديثِ.
قالَ الأعمشُ (١) «ت ١٤٨ هـ»: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ صَيرَفِيَّاً فِي الحَدِيثِ، كُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَعْرِضُ عَلَيهِ مَا سَمِعْتُهُ» (٢).
وَقَالَ الأوزاعِيُّ (٣) «ت ١٥٧ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا نَعْرِضُ الدِّرْهَمَ الزَّائِفَ عَلَى الصَّيَارِفَةِ، فَمَا عَرَفُوا أَخَذْنَا وَمَا أَنْكَرُوا تَرَكْنَا» (٤).
أمَّا إذَا كانَ بيانُ الحجَّةِ لغيرِ أهلِ هذَا الفنِّ، فإنَّ العبارَةَ تقِفُ عندَ ذلكَ، لجهْلِ غيرِ الأئمَّةِ بهذَا العلْمِ، لذلكَ عقَّبَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» على قولِ ابنِ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» (٥). فقالَ: «يَعْنِي يُعَبِّرُ بِهَا غَالِبَاً، وَإِلا فَفِي نَفْسِهِ حُجَجٌ لِلْقَبُولِ وَلِلرَّفْضِ» (٦). стр. 78
والحجَّةُ عندَ المحدِّثينَ بالنِّسبةِ للأُمِّيينَ في هذَا العلمِ، هوَ الاتِّفاقُ فيمَا بينهُمْ منْ غيرِ مُواطأَةٍ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» بعدَ أنْ شبَّهَ المحدثينَ بالصَّيارفَةِ: «وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلاءِ - أَي: المُحَدِّثِينَ وَالصَّيَارِفَةِ - لا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِ وَلا يُقِيمَ عَلَيهِ دَلِيلاً لِغَيرِهِ، وَآَيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْرِضُ الحَدَيثَ الوَاحِدَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ هَذَا العِلْمَ، فَيَتَّفِقُونَ عَلَى الجَوَابِ فِيهِ مِنْ غَيرِ مُوَاطَأَةٍ» (١).
ومنَ المعلومِ أنَّ الاتفاقَ منْ غيرِ مواطأةٍ لا يكونُ منْ بابِ التَّخْمينِ والتَّخَرُّصِ، وَإنَّمَا يكونُ نتيجةَ قواعدَ راسخةٍ معلومةٍ لدى أهلِهَا، يبنونَ عليهَا مسائلَهُمْ وأقوالَهُمْ، قالَ أبو زُرْعَة «ت ٢٦٤ هـ»، وقدْ قالَ لهُ رجلٌ: ما الحجَّةُ في تعليلِكُمُ الحديثَ؟ قالَ: «الحُجَّةُ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَأَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ مُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ بنِ وَارَةَ، فَتَسْأَلَهُ عَنْهُ وَلا تُخْبِرْهُ بِأَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ أَبَا حَاتِمٍ فَيُعَلِّلَهُ، ثُمَّ تُمَيِّزُ كَلامَنَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ بَينَنَا خِلافَاً فِي عِلَّتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلاً مِنَّا تَكَلَّمَ عَلَى مُرَادِهِ، وَإِنْ وَجَدْتَ الكَلِمَةَ مُتَّفِقَةً فَاعْلَمْ حَقِيقَةَ هَذَا العِلْمِ، قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا العِلْمَ إِلْهَامٌ» (٢).
وهوَ ما حصلَ معَ أبي حاتمٍ الرَّازيِّ في قصَّةٍ طويلَةٍ (٣) - يطولُ سردُهَا هنَا - مَا يُبَيِّنُ أنَّ هذَا العلمَ لهُ أصولُهُ وقواعدُهُ، لا يَخْبَرُهَا إلا منْ أمضى عمْرَهُ في دقائقِهَا والغوصِ في أغوارِهَا. стр. 79
إِنَّ تطبيقاتِ المحدِّثينَ وِفقَ قواعدَ علميَّةٍ دقيقةٍ، وعلى الأخصِّ منهَا السَّبْرُ وُموازنةُ المرويَّاتِ ومعارضتُهَا ببعضِهَا - والتي عَلَيهَا مدارُ بحثِنَا - هيَ أكبرُ برهانٍ على بطلانِ هذهِ الشُّبْهَةِ، بِالإِضافَةِ إلى أنَّ الأسبابَ التي يستنبطُهَا المحدِّثونَ في تنقيبِهِمْ، ويُعِلُّونَ بها الأحاديثَ كثيرةٌ، مثلَ الإرسالِ أو الانقطاعِ في الموصولِ، والوقفِ في المرفوعِ، أو الإدراجِ في الحديثِ … الخ، وقدْ ذكرَ الحاكمُ عشرةَ أجناسٍ للعلَّةِ، وأمَّا ما لمْ يُصَرِّحِ المحدِّثونَ بسببِ علَّتِهِ فللأسبَابِ التي أوردنَاهَا آنفَاً.
* * *
стр. 80
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَقْدُ السَّنَدِ «الخَارِجِيِّ» دُونَ المَتْنِ «الدَّاخِلِيِّ»:
تَقَدَّمَ في مبحثِ «أهميَّةُ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ» أنَّ السَّبرَ يشملُ كلاً منَ الإسنادِ والمتنِ على حدٍ سواءٍ، لكشفِ العلَّةِ فيهمَا أو في أحدهمَا، ولإبرازِ الفوائدِ فيهمَا أو في أحدهمَا، كمَا بينَّا أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لا يحكمُونَ على الرَّاوي ومرويَّاتِهِ، إلا بعدَ عرضِهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ ولو مِنْ حيثُ المعنى قُبِلَتْ، وإلا فَلا، ممَّا يُشيرُ إلى أنَّ الأئمَّةَ قامُوا بنقدِ السَّندِ والمتنِ معَاً، والاهتمامِ بهمَا جميعَاً. وقدْ أثارَ بعضُ المستشرقينَ - ك «غوستاف ويت» (١)، و «شاخت» (٢)، و «جولد تسيهر» (٣)، و «كاتياني» (٤) - شبهةً أنَّ المحدثينَ اهتمُّوا بالنَّقدِ الخارجيِّ «السَّندِ» стр. 81
للحديثِ، وأغفلوا النَّقدَ الدَّاخليَّ «المتنَ»، وتبعَهُمْ على ذلكَ بعضُ الكُتَّابِ - ك «أحمد أمين» (١) و «أحمد البهي» (٢)، و «محمود أبو رية» (٣) -.
وللرَّدِّ على هذِهِ الشُّبهةِ (٤) نقولُ:
١ - النَّقْدُ الدَّاخِلِيُّ للحَدِيثِ «المتن» كَانَ أَوَّلَ عُلُومِ الحَدِيثِ وُجُودَاً فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ: فحينَ كانَ النَّاسُ على العدالَةِ، لا يكذبُ بعضهُمْ على بعضٍ، نشأَ بينهُمْ منهجُ المعارضَةِ للمرويَّاتِ، والتثبُّتِ حينَ التَّحمُّلِ والأداءِ، على يدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ كمَا في حديثِ ميراثِ الجدَّةِ (٥)، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «كَانَ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ» (٦). стр. 82
وَعُمرُ الفاروقُ ﵁ كما في قصَّتِهِ معَ أبي موسَى الأشعرِيِّ ﵁ (١)، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «وَهُوَ الَّذِي سَنَّ لِلْمُحَدِّثِينَ التَثَبُّتَ فِي النَّقْلِ وَرُبَّمَا كَانْ يَتَوَقَّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ إِذَا ارْتَابَ» (٢). وهوَ أوَّلُ منْ عرضَ الرِّواياتِ على نصوصِ وقواعدِ الدِّينِ، فمَا خالفَ منها تركَ العملَ بِهِ، فحينَمَا سمِعَ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنَّ زوجَهَا طلَّقَهَا ثلاثَاً، فلمْ يجعَلْ رسولُ اللهِ ﷺ لا سُكنَى ولا نفقَةَ لهَا، قَالَ عُمَر ﵁: «لا نَترُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَولِ اِمْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة، قَالَ اللهُ : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾» (٣).
وعَلِيٌّ ﵁، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «كَانَ إِمَامَاً عَالِمَاً مُتَحَرِّيَاً فِي الأَخْذِ، بِحَيثُ إِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ مَنْ يُحَدِّثُهُ بِالحَدِيثِ … » (٤). وقدْ ردَّ حديثَ مَعْقِلِ بنِ سِنَانَ في مَهْرِ منْ ماتَ عنهَا زوجُهَا، ولمْ يدخُلْ بهَا، ولمْ يُسَمِّ لهَا مهرَاً، وقالَ ﵁: «لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَولِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيهِ» (٥).
وابنُ عُمَرَ ﵁ كَمَا في قصَّتِهِ معَ أبي هُريرَة ﵁ (٦).
وقدْ أكثرتْ عائشةُ ﵁ من نقدِ المتونِ ومعارضتِهَا، منْ ذلكَ حينَمَا سمعَتْ حديثَ عُمرَ وابنِهِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ». стр. 83
فَقَالَتْ: «رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، واللهِ مَا حَدَّثَ رسولُ اللِه ﷺ أنَّ اللهَ يُعذِّبُ المؤمنينَ ببكاءِ أحدٍ، ولكنْ قالَ: «إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابَاً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ». وقالتْ: حسبكُمُ القرآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١).
وقدْ جمعَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» كتاباً أسماه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة ﵁ على الصحابة» (٢).
فهذَا نقدٌ بَيِّنٌ لِمتونِ الأحاديثِ، منْ خلالِ عرضِهَا على كتابِ اللهِ . والإِسْنَادُ أتى مُتأخِّرَاً عن ذلكَ أيَّامَ الفتنةِ، كمَا أشارَ لذلكَ ابنُ سيرينَ (٣).
وكذلكَ كانَ دأبُ ومنهجُ المحدّثينَ منَ التَّابعينَ وتابعيهِم ومَن أتَى بعدهُم، قالَ الرَّبيعُ ابن خُثَيمٍ (٤) «ت ٦٣ هـ»: «إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثَاً لَهُ ضَوءٌ كَضَوءِ النَّهَارِ نَعرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثَاً لَهُ ظُلمَةٌ كَظُلمَةِ الَّليلِ نَعرِفُهُ بِهَا» (٥). стр. 84
وَقَدْ رَدَّ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ (١) «ت ٩٤ هـ» حَدِيثَ: «الصَّخْرَةُ عَرْشُ اللهِ الأَدْنَى». وَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! يَقُولُ اللهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٤٢]، وَتَكُونُ الصَّخْرَةُ عَرْشَهُ الأَدْنَى» (٢).
٢ - النَّقْدُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ شَمَلَ كُلاً مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: قسَّمَ العلماءُ الحديثَ باعتبارِ سندِهِ ومتنِهِ إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ، فمنْ شروطِ الصَّحيحِ «أنْ لا يكونَ شاذَاً ولا معلَّلَاً»، والشُّذوذُ يكونُ في السَّندِ والمتنِ، قالَ العِراقِيُّ «ت ٨٠٦ هـ» في تعريفِ الشَّاذِّ: «وَذُو الشُّذُوذِ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةُ فِيهِ المَلَا» (٣). قالَ السَّخَاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أي: بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِي السَّنَدِ أَوْ فِي المَتْنِ» (٤). والعلَّةُ تكونُ في المتنِ والإسنادِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ» (٥).
وَمنْ هذا القبيلِ نشأتْ أنواعٌ للحديثِ بالنَّظَرِ لمتنِهِ كالمقلوبِ، والمضطربِ، والمدرجِ، والمعلَّلِ، والمصحَّفِ، والموضوعِ، وزيادَةِ الثِّقَةِ … الخ، وكذلك ظهرتْ علومٌ تَخُصُّ المتْنَ، كالغريبِ، وأسبابِ الورودِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، والمُشكِلِ، стр. 85
والمُختَلِفِ، والمُحكَمِ. وكلُّ هذِهِ الأنواعِ والعلومِ سيأتِي تفصيلُهَا في «الفصلِ الثَّاني منَ البابِ الثَّالثِ منْ هذهِ الرِّسالةِ في بيانِ أثرِ السَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ في المتنِ» (١)، وبذلكَ تُرَدُّ كلُّ شُبهةٍ، ويُدفَعُ كُلُّ إشكَالٍ.
٣ - الحُكْمُ عَلى الحَدِيثِ يَشْمَلُ كُلاً مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: فالمُحدِّثونَ حِينمَا يقعُ في كلامهِمْ: «حديثٌ صحيحُ الإسنادِ» أو «حسنُ الإسنادِ» أو «سندٌ صحيحٌ»، فهوَ دونَ قولِهِمْ: «حديثٌ صحيحٌ»، و «حديثٌ حسنٌ» (٢)، فهذَا يشمَلُ كُلاً منَ المتنِ والسَّندِ، وذاكَ مُختصٌّ بالسَّندِ، قال المُعَلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «أَئِمَّةُ الحَدِيثِ إِذَا اسْتَنْكَرُوا الحَدِيثَ نَظَرُوا فِي سَنَدِهِ فَوَجَدُوا مَا يُبَيِّنُ وَهْنَهُ، فَيَذْكُرُونَهُ؛ وَكَثِيرَاً مَا يَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحَالِ المَتْنِ؛ انظُرْ «مَوضُوعَاتِ ابْنِ الجَوزِيِّ»، وَتَدَبَّرْ تَجِدْهُ إِنَّمَا يَعْمَدُ إِلَى المُتُونِ الَّتِي يَرَى فِيهَا مَا يُنْكِرُهُ، وَلَكِنَّهُ قَلَّمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكْتَفِي غَالِبَاً بِالطَّعْنِ فِي السَّنَدِ» (٣). وممَّا يَدُلُّ عَلَى شدَّةِ فحصِ الأئمَّةِ للسَّندِ والمتنِ معَاً، أنَّ الإمامَ لا يعدِلُ عنْ قولِهِ «صحيحٌ» إلى «صحيحِ الإسنادِ»، إلا لأمرٍ حاكَ في صدرِهِ (٤).
ولذا فقدْ قرَّرَ أئمَّةُ الحديثِ - احتياطاً منهم للحديثِ النَّبوِيِّ - أنَّهُ لا تلازُمَ بينَ السَّندِ والمتنِ صحَّةً أو ضعفَاً، قالَ السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَالحُكْمُ الصَّادِرُ مِنْ المُحَدِّثِ لِلْإِسْنَادِ стр. 86
بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالحُسْنِ، دُونَ الحُكْمِ مِنْهُ بِذَلِكَ لِلْمَتْنِ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ تَصْرِيحُهُمْ بَأَنَّهُ لا تَلازُمَ بَينَ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، إِذْ قَدْ يَصِحُّ السَّنَدُ أَوْ يَحْسُنُ لاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ مِنَ الاتِّصَالِ وَالعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ دُونَ المتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ» (١).
بيدَ أنَّ هناكَ اتصالاً وثيقاً بينَ نقدِ المتنِ ونقدِ الإسنادِ، لأنَّ إثباتَ ثقةِ الرَّاوِي لا يكونُ بمجرَّدِ عدالتِهِ وصدقِهِ، بلْ لا بُدَّ منْ اختبارِ مرويَّاتِهِ بعرضِهَا على رواياتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ رواياتُهُمْ مرويَّاتِ الثِّقاتِ - ولو منْ حيثُ المعنى، أو في الأغلَبِ - عرفنَا حينئِذٍ كونَهُ ضابطاً ثبتاً، قال المُعَلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «مَنْ تَتَبَّعَ كُتُبَ تَوَارِيخِ رِجَالِ الحَدِيثِ وَتَرَاجُمِهِمْ، وَكُتُبَ العِلَلِ، وَجَدَ كَثِيرَاً مِنَ الأَحَادِيثِ يُطْلِقُ الأَئِمَّةُ عَلَيهَا: «حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، بَاطِلٌ، شِبْهُ المَوضُوعِ، مَوضُوعٌ»؛ وَكَثِيرَاً مَا يَقُولُونَ فِي الرَّاوِي: «يُحَدِّثُ بِالمَنَاكِيرِ، صَاحِبُ مَنَاكِيرَ، عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، مُنْكَرُ الحَدِيثِ»؛ وَمَنْ أَنْعَمَ النَّظَرَ وَجَدَ أَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ وَلمَّا كَانَ الأَئِمَّةُ قَدْ رَاعَوا فِي تَوثِيقِ الرُّوَاةِ النَّظَرَ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَالطَّعْنَ فِيمَنْ جَاءَ بِمُنْكَرٍ، صَارَ الغَالِبُ أَنْ لا يُوجَدَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا وَفِي سَنَدِهِ مَجْرُوحٌ، أَوْ خَلَلٌ» (٢).
والارتباطُ يتجلَّى أيضَاً في أنَّ الإسنادَ الصَّحيحَ غَالباً ما يقودُنَا إلى متنٍ صحيحٍ وكذلكَ المتنُ الصَّحيحُ غَالباً ما يَرِدُنَا منْ طَرِيقٍ مُعتبَرٍ، قالَ الدُّكتور صبحِي الصَّالِحُ (٣) «ت ١٤٠٦ هـ»: стр. 87
«مَقَايِيسُ المُحَدِّثِينَ فِي السَّنَدِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ مَقَايِيسِهِمْ فِي المَتْنِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّوضِيحِ وَالتَّبْوِيبِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَّا فَالغَالِبُ عَلَى السَّنَدِ الصَّحِيحِ أَنْ يَنْتَهِيَ بِالمَتْنِ الصَّحِيحِ، وَالغَالِبُ عَلَى المَتْنِ المَعْقُولِ المَنْطِقِيِّ الَّذِي لَا يُخَالِفُ الحِسَّ أَنْ يَرِدَ عَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ» (١).
٤ - وُجُودُ عَلامَاتٍ وَضَوَابِطَ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ المَوضُوعِ مِنْ خِلالِ المَتْنِ، وَدُونَ الرُّجُوعِ إِلَى السَّنَدِ: مِنَ المعلومِ أنَّ نقدَ المتنِ عندَ المُحدِّثينَ يؤدِّي إلى الحُكمِ على الحديثِ بأشدِّ الأحكامِ وهوَ الوضعُ، حيثُ قرَّروا أنَّ الوضعَ قدْ يُعرَفُ منَ النَّظرِ في المرويِّ، قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «إِذَا رَأَيتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ، أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ، أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوضُوعٌ، فَلَا تَتَكَلَّفِ اعْتَبَارَهُ» (٢).
وقالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ» «وَأَهْلُ الحَدِيثِ كَثِيرَاً مَا يَحْكُمُونَ بِالوَضْعِ بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهمْ لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ (٣) النَّبِيِّ
هَيئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ عَرَفُوا بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لا يَجُوزُ» (٤).
وحينمَا سُئِلَ ابنُ القيِّمِ «ت ٧٥١ هـ»: هَلْ يُمكنُ معرفةُ الحديثِ الموضوعِ بضابطٍ منْ غيرِ أنْ يُنْظَرَ في سندِهِ؟. فقالَ: «إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، стр. 88
وَخُلِطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَاخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآَثَارِ، وَمَعْرِفَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَامُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيهِ وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشَرِّعُهُ لِلْأُمَّةِ، بِحَيثُ كَأَنَّهُ مُخَالِط لَهُ ﷺ بَينَ أَصْحَابِهِ الكِرَامِ» (١).
ولذا وضعَ أئمَّةُ الحديثِ علاماتٍ وضوابطَ يُعرفُ بهَا الحديثُ الموضوعُ، مِنْ غيرِ الرُّجوعِ إلى سندِهِ، منْ ذلكَ: ركاكَةُ اللفظِ في المروِيِّ، ومخالفةُ الحديثِ لنصِّ القرآنِ أو السُّنَّةِ المتواترَةِ، وما اشتملَ على وعدٍ في الثوابِ العظيمِ على الأمرِ الصَّغيرِ، أو وعيدٍ عظيمٍ على الفعلِ اليسيرِ (٢).
وَقَدْ ألَّفَ ابنُ قيِّمِ الجوزيَّة «ت ٧٥١ هـ» كتاباً أسماهُ «نقدُ المنقولِ والمحكُّ المُمَيِّزُ بينَ المردودِ والمقبولِ» (٣) بيَّنَ فيهِ ردَّ العلماءِ لكثيرٍ مِنَ الأحاديثِ بالنَّظرِ إلى متونِهَا.
وبهذَا يتقرَّرُ أنَّ المحدِّثينَ أقاموا منهجَهُمْ النَّقْدِيَّ على السَّنَدِ والمَتْنِ، فَشَمَلَ السَّبْرُ والتَّصحيحُ والتَّضعيفُ والإعلالُ كِليهِمَا، دونَ الاهتمامِ بجانبٍ على حسابِ إغفالِ الجانبِ الآخرِ.
* * * стр. 89
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الحَاجَةُ إِلَى السَّبْرِ، وَالأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إِلَيهِ:
بيَّنتُ في المبحثِ الثاني أهميَّةَ السَّبرِ عندَ المحدثينَ، وأنَّه العمودُ الفِقريُّ الذي يقومُ عليهِ عملهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجَرْحِ والتَّعديلِ، ولا بُدَّ منْ بيانِ الأسبابِ الدَّاعيةِ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ، والحاجةِ لذلكَ، ويعودُ ذلك لسببينِ رئيسينِ، وهمَا:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: كَثْرَةُ الأَسَانِيدِ وَتَعَدُّدُ المُتُونِ:
والسَّببُ في كثرةِ الأسانيدِ وتعدُّدِ المتونِ يرجعُ إلى أمرينِ، هما:
١) الاِهْتِمَامُ البَالِغُ بِالإِسْنَادِ مِنْ قِبَلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم: لأنَّ الإسنادَ هوَ الطَّريقُ الموصلَةُ للمتنِ، فالسَّندُ الصحيحُ غالباً ما يقودنَا إلى متنٍ صحيحٍ، فكانُوا يتحرَّونَ في نقلِ الأحاديثِ، ولا يقبلونَ منها إلا ما عرفُوا طريقَهُ، واطمأنُّوا إلى ثقةِ رواتِهِ وعدالتهِم، وذلكَ عن طريقِ الإسنادِ، فتعدَّدتِ الأسانيدُ بتعدُّدِ النَّقلةِ، وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّد الأسانيدِ، قال محمَّد بن سيرينَ (١) «ت ١١٠ هـ»: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ» (٢). стр. 90
وكانَ ابنُ شهابٍ الزهريُّ (١) «ت ١٢٤ هـ» إذا حدَّثَ أتى بالإسنادِ، وقالَ: «لَا يَصِحُّ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ بِدُونِ سُلَّمٍ» (٢). وقالَ مطرُ بنُ طَهْمَانَ الورَّاقِ (٣) «ت ١٢٥ هـ» في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]: «إِسْنَادُ الحَدِيثِ» (٤). وقال الأوزاعيُّ «ت ١٥٧ هـ»: «مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلَّا ذَهَابُ الإِسْنَادِ» (٥). وقالَ شعبةُ «ت ١٦٠ هـ»: «كُلُّ حَدِيثٍ لَيسَ فِيهِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فَهُوَ مِثْلُ الرَّجُلِ باِلفَلَاةِ مَعَهُ البَعِيرُ لَيسَ لَهُ خِطَامٌ» (٦). وقال الثَّوريُّ (٧) «ت ١٦١ هـ»: «الإِسْنَادُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ، إِذَا لمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِلُ» (٨). стр. 91
وقالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «الإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (١). وقالَ أيضَاً: «بَينَنَا وَبَينَ القَومِ القَوَائِمُ- أَي: الإِسْنَادُ» (٢).
وكانَ ابتداءُ التَّثبُّتِ والتَّحرِّي للإسنادِ في عهدِ الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهمْ، واشتدَّ الاهتمامُ به بدايةَ عهدِ الفتنةِ، قالَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدْعَةِ فَلَا يُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ» (٣).
ونشأَ على أيدي صغارِ الصَّحابةِ ممَّنْ تأخَّرت وفاتُهم عنْ عصرِ الفتنةِ، فقدْ رُويَ أنَّ بُشَيراً العدويِّ (٤) جاءَ إلى ابنِ عباسٍ (٥) ﵁ فجعلَ يُحَدِّثُ ويقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فجعلَ ابنُ عباسٍ لا يأذَنُ لحديثِهِ - أي: لا يستمعُ - ولا ينظرُ إليهِ، فقالَ: يا بنَ عبَّاسٍ ما لي لا أراكَ تسمَعُ لحديثِي، أحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا تسمَعُ، فقالَ ابنُ عباسٍ ﵁: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلَاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَينَا إِلَيهِ بِآَذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَاخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ» (٦). стр. 92
وكانوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ التثبُّتِ في الرِّوايةِ وإسنادِهَا إلى رواتِهَا، لنفيِ الخبثِ والدَّخيلِ عن الحديثِ النبويِّ الشريفِ، قالَ أبو العاليةِ (١) «ت ٩٠ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَى المَدِينَةِ فَنَسْمَعْهَا مِنْ
أَفْوَاهِهِمْ» (٢).
والاهتمامُ لم يكنْ بمجرَّدِ الإسنادِ، وإنَّما كانَ الاهتمامُ بمعارضةِ المرويَّاتِ والأخبارِ واعتضادِ بعضهِا ببعض.
٢) كثرةُ المشتغلينَ بروايةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ: حملَ الحديثَ النَّبويَّ الشَّريفَ عنِ الصَّحابةِ جمٌّ غفيرٌ من الرُّواةِ، تفرَّقُوا في البلادِ، وحملَ عنْ هؤلاءِ جمعٌ أكبرُ، وهكذا … حتَّى كثُرتِ الأسانيدُ والطُّرقُ للحديثِ الواحدِ، ومع تعدُّدِ الأسانيدِ تعدَّدَتِ المتونُ وكثرتْ بكثرةِ طُرقِهَا، واختلفَتْ تِبعَاً لاختلافِ قرائِحِ الرُّواةِ وحفظهِمْ، وكثُرتِ القوادحُ الكثيرةُ والعللُ الظَّاهرةُ والخفيَّةُ، فكانَ لا بدَّ منْ جمعِ هذهِ المرويَّاتِ وسبرِهَا لبيانِ الصَّحيحِ من الضَّعيفِ، والمنقولِ من الدَّخيلِ.
وشهدتِ الرِّحلةُ نشاطاً زائداً من أجلِ هذا الغرضِ، حتى عُدَّتْ من ضروراتِ التَّحصيلِ لطالبِ الحديثِ، فلا تعلمُ محدِّثًا لهُ شأنُهُ إلا وقدْ رحلَ في البلادِ في طلبِ الحديثِ، وأفادَ العلماءُ من رَحلاتهمْ هذهِ فوائدَ كثيرةً، حيثُ اطَّلعُوا على ما نشرَهُ стр. 93
الصحابَةُ في شتَّى الآفاقِ، ووازنوا بين الأسانيدِ والمتونِ، مما تفرَّعَ عنهُ كثيرٌ من الفوائدِ، قالَ القاسمِيُّ (١) «ت ١٣٣٢ هـ»: «أَمْعَنَ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَرَحَلُوا إِلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَبَحَثُوا عَنْ حَمَلَةِ العِلْمِ، فَكَثُرَ مِنَ الأَحَادِيثِ مَا لَا يَرْوِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، وَلَا يَرْوِيهِ عَنْهُ أَوْ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجْلَانِ، وَهَلُمَّ جَرَا» (٢).
وجمعَ هؤلاءِ الأئمةُ مع روايةِ الحديثِ الاهتمامَ بعلومِهِ درايةً، فقَد جرى حصرٌ شبهُ كاملٍ واستقراءٌ تامٌ لأحوالِ الرُّواةِ ومراتبهِم في الحفظِ وأخطائِهِم وعلَلِ أحاديثِهِم، ويظهَرُ هذا جَلِيَّاً في أحكامِ أئمَّة الجرحِ والتَّعديلِ على الرُّواةِ اعتماداً منهم على السَّبرِ، وكذلكَ بيانُهُم لعلَلِ الأحاديثِ وتصحيحِها وتضعيفِهَا من خلالِ السَّبر كذلكَ.
* * * стр. 94
المَطْلَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ وَتَمَايُزُهُمْ فِي أَدَاءِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
الاختلافُ أمرٌ فطريٌّ خاضعٌ لاختلافِ الملكاتِ عندَ الرُّواةِ، حالَ التَّحمُّلِ والأداءِ، قالَ ابنُ معينٍ «ت ٢٣٣ هـ»: «لَسْتُ أَعْجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُخْطِئُ، إِنَّمَا العَجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُصِيبُ» (١). فمنَ الرُّواةِ منْ بلغَ أعلى درجاتِ الضَّبطِ والإتقانِ، ومنهمْ منْ كانَ أدنى في ذلكَ منْ غيرِهِ، ومنهُمْ من كانَ يختَلُّ ضبطُهُ منْ وقتٍ لآخرَ مع تغيُّراتِ الزَّمانِ واختلافِ الأحوالِ وتبدُّلِ الصِّحَّةِ، ومنهمْ منْ كانَ يحرِصُ على مرويَّاتِهِ بالمذاكرَةِ والمتابعَةِ، بعكسِ البعضِ الآخرِ.
والفيصلُ في هذا الاختلافِ إنَّما يتأتَّى بسبرِ المرويَّاتِ ومقارنتِهَا لكشفِ ما يعتوِرُ الحديثَ من وهمٍ أو نقصٍ وما يعتريهِ منْ تغييرٍ، قالَ ابنُ جماعة (٢) «ت ٧٣٣ هـ»: «وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ - أَي الحَدِيثُ المُعَلُّ - جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ وَالنَّظَرُ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ وَضَبْطِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ» (٣).
وللاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ أسبابٌ منها ما هو مشتركٌ بينَ السَّندِ والمتنِ معاً، ومنها ما يختَصُّ بأحدهِمَا، ومنها ما هو حقيقيٌّ قادحٌ، ومنهَا ما هوَ ظاهريٌّ غيرُ قادحٍ، стр. 95
قالَ السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «مَيَّزَ الإِمَامُ مُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ حَتَّى فِي حَرْفٍ مِنَ المَتْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ مَعْنَىً، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ فِي المَعْنَى» (١).
وهذهِ الأسبابُ نُجملهَا فيمَا يأتي:
١ - الاِخْتِلَافُ الحَقِيقِيُّ: وهوَ ما كانَ الخلافُ فيه جوهرِيّاً حقيقيّاً وقادحَاً، وليسَ اختلافاً ظاهريَّاً، وهوَ: أن يختلفَ الرُّوَاةُ في متنِ حديثينَ، أحدُهُمَا يخالفُ أَوْ ينافي الآخرَ، أو أنْ يختلفَ الرُّوَاة في راوٍ أَوْ رواةٍ مختلفينَ عَنِ الآخرينَ معْ عدمِ إمكانِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ، وهو ما يُنبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ لا تستبينُ إلا بالسَّبرِ، ومنْ أسبابِ الاختلافِ هذا:
١) الوَهْمُ وَالخَطَأُ: وهما نتيجةُ السَّهوِ والنِّسيانِ اللذينِ جُبلَ الإنسانُ عليهما، ولا يسلمُ منهُما كبيرُ أحدٍ من الحفَّاظِ فضلاً عن صغارهِمْ، وهُمَا حاصلانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ فضلاً عن الضُّعفاءِ، وفي أحاديثِ المكثرينَ أكثرَ منهمَا في أحاديثِ المقلِّينَ، إلا أنَّ الوهمَ والخطأَ اليسيرينِ لا يؤثِّرانِ في الرِّوايَةِ والرَّاوِي ما لم يفحُشَا في حديثِهِ، قالَ ابن المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «وَمَنْ يَسْلَمُ مِنَ الوَهْمِ، وَقَدْ وَهَّمَتْ عَائِشَةُ ﵁ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ لِلْحَدِيثِ» (٢). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «وَمَنْ يَعْرَى مِنَ الخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ» (٣). стр. 96
وقالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَلَيسَ مِنْ نَاقِلِ خَبَرٍ وَحَامِلِ أَثَرٍ مِنَ السَّلَفِ المَاضِينَ إِلَى زَمَانِنَا - وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ تَوَقِّياً وَإِتْقَانَاً لِمَا يَحْفَظُ وَيَنْقُلُ - إِلَّا الغَلَطُ وَالسَّهْوُ مُمْكِنٌ فِي حِفْظِهِ وَنَقْلِهِ» (١). وقالَ التِّرمذيُّ (٢) «ت ٢٧٩ هـ»: «لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخَطَأِ وَالغَلَطِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ» (٣).
وينتجُ عنِ الوهمِ والخطأِ في الحديثِ: الاضطرابُ، والقلبُ، والتَّصحيفُ والتَّحريفُ ورفعُ الموقوفِ، ووقفُ المرفوعِ، ووصلُ المرسلِ، وإرسالُ الموصولِ، والإدراجُ في المتنِ والإسنادِ. وهذهِ المذكوراتُ تقعُ في المتنِ والإسنادِ على حدٍ سواءٍ، أحدهُمَا أو كِلاهُما.
٢) الاِخْتِلَاطُ: وهوَ منْ أسبابِ اختلالِ الضَّبطِ عندَ المحدِّثِ، والاختلاطُ كما عرَّفهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَحَقِيقَتُهُ فَسَادُ العَقْلِ وَعَدَمُ انْتِظَامِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، إِمَّا بِخَرَفٍ، أَوْ ضَرَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ مَوتِ ابْنٍ وَسَرِقَةِ مالٍ، كَالمَسْعُودِيِّ، أَوْ ذَهَابِ كُتُبٍ كَابْنِ لَهِيعَةَ، أَوْ احْتِرَاقِهَا كَابْنِ المُلَقِّنِ» (٤). أو فقدانِ بصرٍ كعبدِ الرَّزَّاقِ بن هَمَّامٍ الصَّنعانيِّ (٥). стр. 97
والسَّبرُ والاختبارُ هما المنظارُ الدَّقيقُ الذي يتمّ من خلالهِ الكشفُ عن اختلاطِ الرُّواةِ، قالَ حمادٌ (١) «ت ١٧٩ هـ»: «شُعْبَةُ كَانَ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْمَعَ الحَدِيثَ مَرَّةً، يُعَاوِدُ صَاحِبَهُ مِرَارَاً» (٢).
٣) اخْتِلَالُ الضَّبْطِ: الضَّبطُ التَّامُّ من أهمِّ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، وكلَّما خفَّ الضَّبطُ نزلَ الحديثُ عن رتبةِ الصَّحيحِ إلى الحسنِ فالضَّعيفِ فشديدِ الضَّعفِ ومنَ الرُّواةِ من يَخِفُّ ضبطهُم في بعضِ الأحايينِ، وهوَ بابٌ لدخولِ الوهمِ والخطأِ في حديثِ الرَّاوي، فينشأُ عنهُ الاختلافُ في المتنِ والإسنادِ، أحدُهما أو كلاهُما.
ولاختلالِ الضَّبطِ أسبابٌ عدةٌ نذكرُ منهَا:
١. الانشغالُ عن الحديثِ بغيرهِ: كانَ دأبُ المحدِّثينَ التَّفرُّغَ لهذا العلمِ الشَّريفِ، وعدمُ جمعِ أيٍ من العلومِ إليهِ، حتَّى قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ» (٣). ولذَا قالَ ابنُ حبانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «الفُقَهَاءُ الغَالِبُ عَلَيهِمْ حِفْظُ المُتُونِ وَأَحْكَامِهَا وَأَدَاؤُهَا بِالمعْنَى دُونَ حِفْظِ الأَسَانِيدِ وَأَسْمَاءِ المُحَدِّثِينَ» (٤). وكذلكَ قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: стр. 98
«الفُقَهَاءُ المُعْتَنُونَ بِالرَّايِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيهِمُ الاِشْتِغَالُ بِهِ، لَا يَكَادُونَ يَحْفَظُونَ الْحَدِيثَ كَمَا يَنْبَغِي، وَلَا يُقِيمُونَ أَسَانِيدَهُ وَلَا مُتُونَهُ، وَيُخْطِئُونَ فِي حِفْظِ الأَسَانِيدِ كَثِيرَاً وَيَرْوُونَ المُتُونَ بِالمَعْنَى، وَيُخَالِفُونَ الحُفَّاظَ فِي أَلْفَاظِهِ» (١). كحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، شيخِ أبي حنيفةَ النُّعمان، انشَغَلَ بالفقهِ عن الرِّوايَة (٢).
وكذلكِ الانشغالُ بالعبادَةِ عنِ الرِّوايَة: قال ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «الصَّالحُونَ غَيرُ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ عَلَى حَدِيثِهِمُ الوَهْمُ وَالغَلَطُ» (٣). وقالَ الإمامُ مالكٌ (٤) «ت ١٧٩ هـ»: «أَدْرَكْتُ بِهَذَا البَلَدِ - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - مَشْيَخَةً لهُمْ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ يُحَدِّثُونَ، مَا سَمِعْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثَاً قطُّ، فقيلَ لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْدِ الله؟ قَالَ: لَمْ يكونُوا يعرفُونَ ما يُحدِّثونَ» (٥). مِنْ هؤلاءِ أبَّانُ ابن أبي عيَّاش (٦).
٢. تحديثُ صاحبِ الكتابِ منْ حفظِهِ: الضَّبْطُ عندَ المحدثينَ اثنانِ: ضبطُ صدرٍ، وضبطُ سطرٍ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في شرطِ من يحتجُّ بروايتِهِ: «أَنْ يَكُونَ حَافِظَاً стр. 99
إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطَاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ» (١). فمنَ المحدثِّينَ مَنْ إذا حدَّثَ منْ حفظِهِ وَهِمَ، وإذَا حدَّثَ من كتابِهِ أتَى بهِ على الوَجهِ المرادِ، من هؤلاءِ حفصُ بن غياثٍ النَّخْعِيُّ (٢)، وكذلكَ إذا رَوَى في بلدٍ معينٍ لبُعدِهِ عن كُتُبِهِ، فيُحدِّثُ من حفظِهِ فيقعُ الاختلالُ بالضَّبطِ منْ جرَّاءِ ذلكَ، ومنْ هؤلاءِ إسماعيلُ بنُ عياشٍ (٣). وكذلكَ إذا سمعَ الحديثَ في بلدٍ معينٍ لعدمِ تأهُّبِهِ لذلكَ، أو أنَّ سماعَهُ لراوٍ ليسَ بصحيحٍ أو بعدَ الاختلاطِ، كزُهيرِ بنِ معاويةَ (٤).
٣. الاهتمامُ بالمتنِ دونَ الإسنادِ أو العكسُ: فمنَ الرُّواةِ من يخفُّ ضبطُهُ ويختلُّ في الإسنادِ دونَ المتنِ، من هؤلاءِ أبو مَعشرٍ نُجَيح بن عبد الرحمن السِّنديُّ، قالَ عنهُ ابنُ حنبلَ «ت ٢٤١ هـ»: «كَانَ صَدُوقَاً، لِكَنَّهُ لَا يُقِيمُ الإِسْنَادَ» (٥). وقالَ الدَّارقطنيُّ (٦) «ت ٣٨٥ هـ»: «كَانَ شُعْبَةُ ﵀ يُخْطِئُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِاشْتِغَالِهِ بِحِفْظِ المَتْنِ» (٧). стр. 100
ومنهمْ منْ يقيمُ الإسنادَ ولا يُحسنُ المتنَ، قال ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَينَا مِنَ الحُفَّاظِ كَانُوا يَحْفَظُونَ الطُّرُقَ، وَلَقَدْ كُنَّا نُجَالِسُهُمْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا عَلَى المُذَاكَرَةِ، وَلَا أَرَاهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ مَتْنِ الخَبَرِ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً يُشِيرُونَ إِلَيهَا» (١). وعقَّبَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» بقولِهِ: «وَإِنِّمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ عَدَمُ حِفْظِ المُتُونِ وَضَبْطِهَا، وَلَعَلَّهُ يَخْتَصُّ بِالمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الحُفَّاظِ، نَحْوَ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ حِبَّانَ» (٢). ولهذا فقدْ يصحُّ الإسنادُ دونَ المتنُ، وبالعكسِ.
٤) التَّدلِيسُ: هو أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ ما لم يسمعهُ منهُ بصيغةٍ توهمُ السَّماعَ، أو أن يسمِّيَ شيخَهُ أو يُكنِّيهِ على خلافِ المشهورِ لتعميةِ أمرِهِ. وَهُوَ منَ الأسبابِ الرئيسةِ التي تُدخِلُ الاختلافَ في المتونِ والأسانيدِ، لأن التَّدليسَ يكشفُ عن سقوطِ راوٍ أحياناً، وربَّما كان هذا السَّاقطُ ضعيفاً أو في حفظِهِ شَيءٌ، أو لم يضْبط حديثَهُ، فيكونُ لهذا السَّاقِطِ دورٌ في اختلافِ الأسانيدِ والمتونِ (٣).
٢ - الاِخْتِلَافُ الظَّاهِرِيُّ: وهوَ ما كانَ فيه الاختلافُ مفيداً أو غيرَ قادحٍ، بأنْ يكونَ الاختلافُ بينَ مترادفاتٍ تحملُ المعنى ذاتَهُ، أو تكونَ الزِّيادةُ فيهِ أو النُّقصانُ لفائدةٍ وزيادةِ معنىً، كأنْ يختلفَ الرُّواةُ في حديثينِ - سنداً أو متناً - اختلافاً لفظياً أو شَكلياً، معَ إمكانِ الجمعِ والتَّوفيقِ بينَ الرِّوايَاتِ المختلفةِ، وهوَ ما ينبئُ عن وجودِ فائدةٍ لا تتميَّزُ إلا بالسَّبرِ، وهذهِ جملةٌ من الأسبابِ الموجبةِ لهذا الاختلافِ نُجملهَا فيما يأتي: стр. 101
١) تعدُّدُ الحوادثِ والوقائعِ، ويقابلُهُ تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ: فقدْ يروي النَّبيُّ ﷺ الحديثَ عدَّةَ مرارٍ لتعدُّدِ الحوادثِ، فيرويهِ الصَّحابةُ عنهُ، فتتعدَّدُ الأسانيدُ وكذلك المتونُ، قالَ القاضي عياضٌ (١) «ت ٥٤٤ هـ» بعدَ ما ذكرَ رواياتِ الحوضِ: «هَذَا كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ، لَيسَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُحْسَبُ اخْتِلَافَاً وَاضْطِرَابَاً مِنَ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ» (٢). وقالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَينِ مُسْتَقِلَّينِ» (٣). وكذا قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «إِنْ ظَهَرَ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ، لَمْ يُحْكَمْ بِخَطَأِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الآَخَرِ، أَوْ نَقْصٌ مِنْهُ، أَوْ تَغَيُّرٌ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَهَذَا يَقُولُ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّنْعَةِ: هُمَا حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ» (٤). وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ، وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، أَوْ كَانَ سِيَاقُ الحَدِيثِ فِي حِكَايةِ وَاقِعَةٍ يَظْهَرُ تَعَدُّدُهَا، فَالذِي يَتَعَيَّنُ القَولُ أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَيَنِ مُسْتَقِلَّينِ، وَلَا يُعَلُّ أَحَدُهُمَا بِالآَخَرِ، وَلَا يَكُونُ الاِخْتِلَافُ مُؤَثِّراً» (٥). وأمَّا تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ فهذا طبيعيٌ بسببِ تعدُّدِ الرُّواةِ. стр. 102
٢) الرِّوَايةُ بالمعنَى، وروايةُ الحديثِ مُختصَرَاً أو مُطوَّلاً، ويقابِلُهُ الاختلافُ في ذكرِ الرُّواةِ: وينتج عن الرِّوايةِ بالمعنى الاختلافُ باللفظِ مع اتِّفاقِ المعنى واتِّحادِ المخرجِ، إلَّا إذَا كانَ الرَّاوي غيرَ عالمٍ بما يُحِيلُ المعنى فيتحوَّلُ إلى اختلالٍ في الضَّبطِ، قالَ العَلائِيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِذَا اتَّحَدَ مَخْرَجُ الحَدِيثِ وَتَقَارَبَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالْغَالِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَعَ الاِخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، لَا سِيَمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِهِ وَاقِعَةٌ تَبعُدُ أَنْ يَتَعَدَّدَ مِثْلُهَا فِي الوُقُوعِ» (١). وقالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «يُعْرَفُ كَونُ الحَدِيثِ وَاحِدَاً بِاتِّحادِ سَنَدِهِ وَمَخْرَجِهِ وَتَقَارُبِ أَلْفَاظِهِ» (٢).
وكذلكَ اختصارُ الحديثِ، وروايتُهُ بغيرِ الواقعَةِ التي نزلَ لأجلهَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «أَمَّا اخْتِصَارُ الحَدِيثِ فَالأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الذِي يَخْتَصِرُهُ عَالِماً، لِأَنَّ العَالِمَ لَا يُنْقِصُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا يُبْقِيهِ مِنْهُ، بِحَيثُ لَا تَخْتَلِفُ الدِّلَالَةُ، وَلَا يَخْتَلُّ البَيَانُ، حَتَّى يَكُونَ المَذْكُورُ وَالمَحْذُوفُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرَينِ، أَوْ يَدُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ» (٣).
فالرِّوايةُ بالمعنى واختصارُ الحديثِ سببانِ للاختلافِ الحاصلِ بينَ متونِ الأحاديثِ النَّبويَّةِ مختلفةِ الطُّرقِ. قالَ جريرُ بنُ حازِمٍ (٤) «ت ١٧٠ هـ»: «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ» (٥). стр. 103
والمقصُودُ بالاختلافِ في ذكرِ الرُّواةِ: أنْ يُذكرَ الرَّاوي مرَّةً باسمِهِ، ومرَّةً بكنيتهِ، ويذكُرَهُ بعضهُمْ بلقبِهِ، أو بنسبِهِ، أو بوصفٍ اشتهَرَ بِهِ، أو يوردُهُ مبهَماً، أو مُهمَلاً (١)، ولذا ألَّف الأئمةُ كُتباً في الكُنى والألقابِ والأنسابِ والمُبهماتِ وتقييدِ المهملينَ من الرُّواةِ والمتَّفِقِ والمفتَرِقِ للإفصاحِ عنْ حقيقةِ الرَّاوي، قالَ السُّيوطِيُّ «ت ٩١١ هـ» في النَّوعِ الخمسينَ: «الأسماءُ والكُنى»: «وَيَنْبَغِي العِنَايَةُ بِذَلِكَ، لِئَلَّا يُذْكَرَ مَرَّةً الرَّاوِي بِاسْمِهِ، وَمَرَّةً بِكُنْيَتِهِ، فَيَظُنُّهَا مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ رَجُلَينِ، وَرُبَّما ذُكِر بِهِمَا مَعَاً فَيُتَوَهَّمُ رَجُلَينِ» (٢).
٣) زيادَةُ الثِّقةِ في المتنِ، ويقابلهُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ: وهمَا من الأسبابِ التِي تُثَمِّر الخلافَ بينَ الرِّواياتِ في المتنِ والإسنادِ، فزيادةُ الثِّقةِ: ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ لفظةٍ أو جملةٍ في المتنِ يتفرَّدُ بها ثقةٌ عن بقيَّةِ الرُّواةِ، والمزيدُ في متَّصِلِ الأسانيدِ: هو ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ راوٍ في أثناءِ السَّندِ المتَّصلِ وهماً (٣)، وإنْ كانتْ هذهِ الزِّيادةُ غيرُ مفيدةٍ، حيثُ يستوي وجودُهَا وعدمُهَا، ولكنَّهَا تُحدثُ اختلافاً ظاهريَّاً، قالَ النَّوَويُّ (٤) «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الوَاحِدِ فِي القِصَّةِ الوَاحِدَةِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَفِظَ وَبَعْضَهُمْ نَسِيَ، فَيُؤْخَذُ بِمَا زَادَ الثِّقَةُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ الضَّابِطِ» (٥). стр. 104
٤) الإدراجُ في المتنِ: وقد بيَّنتُ أنَّ الإدراجَ في المتنِ والإسنادِ منْ أسبابِ الوهمِ والخطأِ، أي: يدخلُ في اختلافِ التَّضادِّ لا التَّنوُّعِ - إلا إذا كانَ الإدراجُ لتفسيرِ غريبٍ، فقد استثناهُ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» من الإدراجِ الممنوعِ، ويؤيِّدُهُ في ذلكَ صنيعُ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدينَ، كالزُّهريِّ وغيرِهِ، لكنْ ينبغي على المحدِّثِ تفصيلُهُ وبيانُهُ (١).
٥) طلبُ الإسنادِ بعلوٍّ، والاستخراجُ: قالَ الإمامُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «طَلَبُ عُلُوِّ الإِسْنَادِ مِنَ الدِّينِ» (٢). وكانَ العلماءُ يرحلونَ لأجلِ طلبِ علوِّ الإسنادِ، وهوَ سببٌ في تعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ تبعاً لذلكَ، ويتبعُهُ الاختلافُ في الرِّواياتِ الحديثيَّةِ.
وكذلكَ المستخرجاتُ (٣) من أسبابِ الاختلافِ، لأنَّها طريقٌ إلى حصولِ زيادةٍ في المتنِ، وتبايُنٍ في الإسنادِ، قال العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَمَا تَزِيدُ المُسْتَخْرَجَاتُ، أَوْ مَا يَزِيدُ المُسْتَخْرِجُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ عَلَيهِ، مِنْ تَتِمَّةٍ لمِحْذُوفٍ، أَوْ زِيَادَةِ شَرْحٍ فِي حَدِيثٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَاحْكُمْ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الصَّحِيحِ» (٤).
وللمستخرجاتِ فوائدُ تثمِّرُ الاختلافَ بينَ الرِّواياتِ، أوصلهَا ابن ناصرِ الدِّينِ الدِّمشقيِّ (٥) «ت ٨٤٢ هـ» إلى عشرةٍ، منهَا: «عُلُوُّ الإِسْنَادِ، وَالزِّيَادَةُ فِي قَدَرِ الصَّحِيحِ، لِمَا стр. 105
يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ، وَتَتِمَّاتٍ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، تَثْبُتُ صِحَّتُهَا بِهَذِهِ التَّخَارِيجِ، وَدَفْعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنَ النَّقْدِ عَلَى إِسْنَادِ الحَدِيثِ، كَأَنْ يَثْبُتَ فِي إِسْنَادِ المُسْتَخْرَجِ تَصْرِيحُ المُدَلِّسِ بِالسَّمَاعِ، وَتَعْيِينُ المُبْهَمِ، وَغَيرُ ذَلِكَ» (١).
هذهِ هيَ مُجملُ الأسبابِ للاختلافِ في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ سَنداً ومتناً، منها ما يكونُ اختلافَ تَضادٍّ، لا يمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عن قلَّةِ ضبطِ الرَّاوي، ومنهَا ما يكونُ اختلافَ تنوُّعٍ، يُمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن زيادةِ فائدةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عنْ دقَّةِ ضبطٍ في المرويِّ.
وطريقُ الكَشفِ عمَّا ذكرناهُ من أسبابِ الاختلافِ بنوعيهِ، هوَ السَّبرُ والموازنَةُ بين المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ، فبالسَّبر تستبينُ أوجهُ الاختلافِ والاتِّفاقِ لغرضِ الجمعِ بين المرويَّاتِ أو التَّرجيحِ بينَهَا أو طَرحِهَا، ومِنْ ثُمَّ الحكمُ على المرويَّاتِ بالتَّصحيحِ أو التَّضعيفِ وعلى الرُّواةِ بالجرحِ أو التَّعديلِ.
* * * стр. 106
الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ:
إذَا أردْنَا أنْ نؤرِّخَ لنشأةِ السَّبرِ، ونتكلَّمَ عنْ مراحلِ تطوُّرِهِ، لا بدَّ منَ الحديثِ عنْ نشأةِ كُلٍ منَ «الإسنادِ»، و «العلَّةِ»، و «الجرحِ والتَّعديلِ»، لأنَّهما - أي: الجرحُ والتَّعديلُ، والعلَّةُ - غرضانَ منْ أغراضِ السَّبرِ، والإسنادُ أداتُهُ.
فالسَّبرُ هو المرحلةُ التي تلي نشأَةَ الإسنادِ وتسبِقُ أو تتزامنُ مع نشوءِ «العلَّةِ» و «الجرحِ والتعديلِ»، وهوَ ما يُعبَّرُ عنْهُ ب «تسارُعِ وتزامُنِ تطوُّرِ المنهَجِ النَّقدِيِّ عندَ المحدِّثينَ».
نشأَ السَّبرُ بنشأَةِ الرِّوايَةِ للحديثِ النَّبوِيِّ الشَّريفِ، لكنَّ أغراضَ السَّبرِ كانتْ تختلفُ منْ قرنٍ إلى آخرَ، تبعاً لتطوُّرِ الإسنادِ والرِّوايَةِ.
* * *
стр. 107
أولاً: السَّبْرُ بِمَعْنَى المُعَارَضَةِ لِلتَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي «عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ»:
فَالسبرُ بمعنَى المعارضَةِ والمقابلَةِ لغرَضِ التثبُّتِ نَشَأَ في زمنِ الصَّحابَةِ ﵃، وقدْ عقدَ شيخنَا محمَّدُ عجاجِ الخطيبُ (١) باباً في كتابِهِ «السُّنَّةُ قبلَ التَّدوينِ» بيَّنَ فيهِ بالأمثلةِ المستفيضَةِ احتياطَ وتثبُّتَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في قبولِ الأحاديثِ، فقالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قُدْوَةً حَسَنَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ وَيَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي خَطَأٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ» (٢). ثمَّ أوردَ الأخبارَ التي تُبيِّنُ طريقَ الصَّحابةِ ومنهجَهُمْ في ذلكَ، مما سنأتي على ذكرِهِ. وقالَ الأعظمِيُّ (٣): «إِنَّ مَنْهَجَ المُعَارَضَةِ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ بَدَأَ فِي عَهْدٍ مُبَكِّرٍ جِدَاً، وَلَعَلَّ أَوَّلَ نَقْلٍ يُثْبِتُ هَذَا المَنْهَجَ وَصَلَنَا مِنْ عَهْدِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَيثُ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ النَّاقِدَ المُتَّبِعَ لِهَذَا المَنْهَجِ» (٤). ومنَ الأمثلةِ على ذلكَ: стр. 108
حينمَا جاءَتِ الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تلتمسُ ميراثَهَا، فقالَ: ما أجدُ في كتابِ اللهِ شيئاً، وما علمتُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذكرَ لكِ شيئَاً. ثمَّ سألَ النَّاسَ، فقامَ المغيرةُ، فقالَ: حضرتُ رسولَ اللهِ ﷺ يعطيهَا السُّدُسَ. فقالَ لهُ: هلْ معكَ أحدٌ؟ فشهدَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ مثلَ ذلكَ، فأنفذَهُ لهَا أبو بكرٍ ﵁ (١).
قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَوَّلُ مَنْ وَقَى الكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢).
وقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ» (٣).
وقالَ أيضاً: «إِلَيهِ المُنْتَهَى فِي التَّحَرِّي وَالقَبُولِ» (٤).
قالَ الأعظميُّ: «وَهُوَ الذِي دَلَّنَا عَلَى أَهَمِّ قَاعِدَةٍ لِلنَّقْدِ وَالتَّدْقِيقِ، وَهِيَ المُقَارَنَةُ بَينَ الرِّوَايَاتِ» (٥).
وقدْ مضى عمرُ ﵁ على المنهَجِ ذاتِهِ في مُقابلَةِ المرويَّاتِ ومعارضتِهَا ببعضٍ لغرضِ التثبُّتِ، ومنْ ذلكَ حينمَا جاءَ أبو موسىَ الأشعريُّ ﵁ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، فاستأذَنَ ثلاثَاً، ثمَّ رجَعَ، فأرسَلَ عمرُ ﵁ في أَثَرِهِ. فقالَ: مالَكَ لمْ تدخُلْ؟ فقالَ أبو موسى: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: الاستئذانُ стр. 109
ثلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لكَ فادخُلْ، وإلا فارجِعْ، فقالَ عُمَرُ ﵁: «وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ لَئِنْ لَمْ تَاتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ فَشَهِدَ مَعَهُ»، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ لأبي موسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١).
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ وَعَلِيَاً أَوَّلَ مَنْ فَتَّشَا عَنِ الرِّجَالِ في الرِّوَايةِ، وَبَحَثَا عَنِ النَّقْلِ فِي الأَخْبَارِ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ نَاسٌ عَلَى ذَلِكَ» (٢). ويُحملُ قولُ ابنُ حبَّانَ على أنَّهمَا أوَّلُ منْ وسَّعَ التَّثبُّتَ والتَّحرِّيَ في الرِّواياتِ، فأبو بكرٍ ﵁ هوَ أوَّلُ منْ قامَ بذلكَ.
وَكذلكَ ما وردَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵁ حينمَا روى حديثَاً مُخالفاً لفتوى ابنِ عبَّاسٍ ﵁، ثمُّ قالَ لصاحبِهِ: «إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ فَسَلْ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ، فَسَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ، فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ، فَاسْتَغْفَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ اللهَ ، وَقَالَ: هَذَا رَايٌ رَأَيتُهُ» (٣).
وعندمَا روى أبو هريرةَ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ». فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵁: «انظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ فَإِنَّكَ تُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵁ ا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁» (٤). стр. 110
وقدْ قامتِ السَّيدةُ عائشةُ ﵁ بنوعٍ جديدٍ منَ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ المروِيَّاتِ، وهوَ المعارضةُ بينَ مرويَّاتِ الرَّاوي نفسِهَا في أزمنَةٍ مختلفةٍ، للتبيُّنِ منْ ضبطِهِ وصحَّةِ مرويَّاتِهِ، فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، قالَ: قالتْ لي عائشةُ ﵁: «يَا بْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْماً كَثِيراً». قالَ: فلقيتُهُ، فساءَلْتُهُ عنْ أشياءَ يذكرُهَا عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكانَ فيمَا ذكرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعَاً، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوساً جُهَّالاً يُفْتُونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ». قالَ عروةُ: فلمَّا حدَّثتُ عائشةَ ﵁ بذلكَ أعظمتْ ذلكَ وأنكرتْهُ، وقالتْ: «أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟». قالَ عروةُ: حتَّى إذا كانَ قابلُ، قالتْ لهُ: إنَّ ابنَ عمرٍو قدْ قدمَ، فالْقَهُ، ثمَّ فاتحْهُ، حتَّى تسأَلَهُ عنِ الحديثِ الذي ذكرَهُ لكَ في العلمِ، قالَ: فلقيتُهُ فساءَلتُهُ، فذكرَهُ لي نحوَ ما حدَّثنِي بهِ في مرَّتِهِ الأولى، فلمَّا أخبرتُهَا بذلكَ، قالتْ: «مَا أَحْسِبُهُ إِلاَّ قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيئًا وَلَمْ يَنْقُصْ» (١). следующие страницы →