مقدمة
تقريظ
بقلم فضيلة الشيخ العلامة:
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتوحد بالكمال المستحق للإفراد بأنواع التعبد والابتهال وأشهد أن لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بدأ - امتثالا لأمر ربه- بالدعوة إلى إخلاص الدين وتحقيق عبادة رب العالمين ﷺ وعلى آله وصحابته الذين قاتلوا بعده من أشرك بالله أو كذب رسوله أو توقف عن العمل بشيء من شريعته وعلى أتباعهم بحق إلى الدين.
أما بعد فإن أئمة الدعوة النجدية قد ابتلوا في زمانهم بأعداء ألداء من جنود الشيطان يشككون الناس في التوحيد الصحيح , ويوهمون عوام الناس جواز ما يفعل بينهم من أنواع الشرك بالله من دعاء للأموات وتعلق على المخلوقين وصرف خالص حق الله تعالى لغيره ويسمون ذلك تبركا وتوسلا وتقربا، وقد جهدوا في جمع الشبهات التي يلبسون بها على العامة ولكن الله بفضله وكرمه قد قيض لتلك الشبه من تصدى لردها ودحضها بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة كما فعل الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في نبذته الصغيرة كشف الشبهات وتلميذه الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في رسالته الفواكه العذاب وسائر تلاميذه ومن بعدهم في ردودهم المختصرة والمطولة التي أبطلوا بها تمويه دعاة الضلال وبينوا بها وجوب إخلاص التوحيد وأنواع العبادة لرب العالمين فرحمهم الله وجزاهم عن المسلمين أحسن الجزاء.
стр. 2
وحيث أن لكل قوم وارث فإن أهل زماننا قد ابتلوا أيضا بمن روج لديهم تلك الشبهة ونشر مؤلفات قديمة وحديثة لدعاة الضلال يحسن فيها الغلو في الأنبياء والصالحين بما لا يستحق إلا الله وحده من علم الغيب وكمال التصرف في الكون ونحو ذلك مما هو شرك في الربوبية ومدعاة إلى الشرك في الإلهية.
وحيث أن مؤلفات أئمة الدعوة ﵏ طبعت قديما ضمن مجموعات كبيرة وبقيت في باطن الكتب فإنها قد خفيت على الكثير من الناس فأخذوا يسألون عن الجواب السديد لدحض تلك الشبهات التي يستدل بها من يبيح الشرك وتعظيم الأموات والغلو في الصالحين فيتلقون الجواب شفهيا ولكنه لا يكفي لسوء الفهم وسرعة النسيان وعدم تصور الجواب الكافي ويصعب عليهم البحث والتنقيب عن الجواب الموسع في بطون الكتب سيما تلك المجاميع التي لم يطلع عليها إلا الأفراد من الخواص.
وقد يسر الله إلى بعض شباب المسلمين المتحمسين للحق أن رعوا هذا الجانب التفاتا وعزموا على إحياء تراث الآباء والأجداد من أئمة الدعوة إلى التوحيد, وكان من بين أولئك الشباب الطالب النبيه المدعو عبد السلام بن برجس بن عبد الكريم الذي عزم موفقا إن شاء الله على تحقيق رسائل أئمة الدعوة التي تتعلق بهذا الموضوع , وعلى تحقيقها وتثبيت النصوص وتخريج الأحاديث والآثار وذكر درجتها، وذلك جهد كبير وعمل مبرور يثاب عليه إن شاء الله تعالى، وقد ابتدأ بإخراج هذه الرسالة القيمة المفيدة في هذا الموضوع من رسائل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين مفتي الديار النجدية في زمنه فصححها وحققها وخدمها الخدمة التامة وعزم على متابعة الرسائل أمثالها أعانه الله وسدد خطاه والله الموفق الهادي إلى سبيل الرشاد، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
١١/١٢/١٤٠٥هـ
стр. 3
تقريظ
بقلم الشيخ الفاضل حمد بن عبد الرحمن المزروع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الناس توحيدا لرب العالمين, أرسله الله على فترة من الرسل فدعا الخلق إلى التوحيد صادعا به بين العالمين، ولم يثنه عن ذلك ما لقيه في وجه الدعوة من أذى المشركين، بل استمر على ذلك ولم يخف في الله لومة لائمين, صلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه الذين سلكوا نهجه، ودعوا بدعوته، وعلى من سلك سبيلهم ودعا إلى هذا التوحيد إلى يوم الدين.
أما بعد: فلقد قرأت رسالة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀ التي سماها (دحض شبهات على التوحيد) فوجدتها جديرة باسمها، وغاية في موضوعها, وحجة على خصمها، والعاند لها. ولقد أجاد وأفاد، ورفع راية التوحيد وأشاد، ودحض الشرك وأباد، فأجزل الله لمؤلفها خير الجزاء, وأسكنه فسيح جناته، وجعلها الله له ذخرا يوم العرض والجزاء.
ولم يزل ولا يزال إن شاء الله لهذا الدين من يناضل عنه ويدفع شبهات المغرضين له, ولقد كان من بين من يناضل عن هذا الدين الشاب الطيب عبد السلام بن برجس العبد الكريم – فلقد قرأت له تخريج أحاديث هذه الرسالة، رسالة الشيخ أبا بطين وتحقيقها والتعليق عليها مع مقدمة لها ولسلسلة
стр. 4
رسائل علماء نجد الأعلام لوجدته قد قام بهذا العمل بدقة وأمانة, فقد أجاد في ذلك وبذل جهدا يشكر عليه. وفقه الله وزاده علما وعملا صالحا وفقها في الدين وإخلاصا لرب العالمين.
ولا شك أن هذه الرسالة حينما خرجت أحاديثها وحققت وعلق عليها زادها ذلك حسنا وجمالا، فجاءت ترفل بثوب جميل, فهي في نظري جديرة بالطبع والنشر والاستفادة منها؛ لأن دراسة كتب التوحيد والعقائد السلفية والتروي منها واعتقادها والعمل بها من أوجب الواجبات وأهم المهمات؛ لأن ذلك هو الأساس والأصل للعلم والعمل والقبول, فمتى تأسست الأصول صلحت إن شاء الله الفروع.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة وما يلحق بها من رسائل كلا ممن ألفها أو كتبها أو أعان على شيء منها أو قرأها أو سمعها أو حققها وعلق عليها وخرج أحاديثها، كما أسأله سبحانه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم مقربة إليه في جنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله أولا وآخرا, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال ذلك الفقير المحتاج إلى عفو ربه المنان
حمد بن عبد الرحمن المزروع
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين
стр. 5
تقريظ
بقلم الشيخ الفاضل عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الموحدين وسيد الخلق أجمعين ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن سلك طريقهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد! فقد اطلعت على الرسالة المسماة (دحض شبهات على التوحيد) للشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀, وسمعتها بقراءتها علي من محققها الأخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم، وقد قام - وفقه الله وزاده علما وفقها وعملا- بتحقيقها وتخريج أحاديثها والتعليق عليها. وقد رجع في هذا التحقيق والتعليق والتخريج إلى مراجع كثيرة ذكرها في آخر الرسالة.
وقد أجاد في هذه الرسالة وأفاد كل من مؤلفها ومحققها أثابهما الله تعالى فهي جديرة بالطبع والنشر والقراءة, ولاشك أن دراسة كتب التوحيد والعقائد وتحقيقها والعمل بها من أهم المهمات وأوجب الواجبات؛ لأنها أساس العلم والعمل والقبول.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة، وما يتبعها من رسائل من كتبها أو قرأها أو سمعها أو حققها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، ومن أسباب الفوز
стр. 6
لديه بجنات النعيم, وهو حسبنا ونعم الوكيل, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
١٧/١٠/١٤٠٥هـ
قاله الفقير إلى الله تعالى
عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله
стр. 7
مقدمة
سلسلة رسائل علماء نجد الأعلام
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد: فلقد امتن الله على عباده ببعثة نبيه محمد ﷺ ، والعالم يتخبط في ظلمات الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء، فأنقذهم بشريعته الغراء، من داء الشرك والضلال، إلى نور الهدى والإيمان، ففتح الله به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأتم به على عباده النعمة، وأكمل الدين كما قال أحكم الحاكمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ الآية.
стр. 8
وقد نهج الرسول ﷺ نهج الرسل قبله في الدعوة إلى توحيد الله ﷻ , وغرس ذلك في نفوس عباده. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ . قال ابن كثير ﵀: لم يزل الله تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح, وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب ... الخ (١) .
وليس المراد بالتوحيد الذي دعت إليه رسل الله سبحانه توحيد الربوبية- كما ظنه من قل نصيبه من العلم وخوى عقله من الفهم- لأن الخلق مفطورون ومجبولون على الإقرار بخالقهم ورازقهم. فهؤلاء كفار قريش الذين امتنعوا من الدخول في دين الله ﷻ ، وأنفقوا جميع ما يملكون من المال والأولاد، والأنفس في سبيل صد الناس عن هذا الدين يقول الله ﵎ عنهم:
﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ *قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ
стр. 9
مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ففي هذه الآيات وغيرها الدليل الصريح على أن كفار قريش مقرون بتوحيد الربوبية، ولكن هذا الإقرار بهذا النوع من التوحيد لم يدخلهم في الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ . وروى ابن جرير١٣/٧٧ عن مجاهد أنه قال: إيمانهم قولهم الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا, فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره.
ولو كان الرسول ﷺ يريد من كفار قريش الإقرار بأن الله موجود وهو الخالق الرازق المدبر.... لاستجابوا له وأذعنوا لقوله. ولكن الخطب أعظم من ذلك، فعندما قال لهم ﷺ : قولوا لا إله إلا الله- أي لا معبود بحق إلا الله- كان جوابهم كما حكى الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ، ولو كان الرسول ﷺ يريد منهم الإقرار بهذا النوع من التوحيد لما استحل دماءهم وأعراضهم وأموالهم؛ لأنهم مقرون بذلك مستيقنة به قلوبهم. وهذا فرعون الذي يتظاهر بإنكار الخالق ﷻ يتيقن وجود الله في قرارة قلبه كما قال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ الآية. وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية.
وهذا الأصل واضح ولله الحمد والمنة وضوح الشمس في نحر الظهيرة، قد قرره الله سبحانه في كتابه, وبينه الرسول ﷺ في سلوكه وخطابه، فلا يخفى بعد ذلك إلا على من أراد الله لهم الشقاوة والخسران.
والمقصود أن الرسل إنما بعثوا لأجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور بعبادة الله وحده لا شريك له وترك جميع ما يعبد من دونه, وهذا هو توحيد الإلهية.
стр. 10
روى الإمام أحمد وغيره بسند حسن عن عبد الله بن عمر أن الرسول ﷺ قال: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ... " الحديث. فكان الرسول ﷺ يدعو إلى هذا الأصل العظيم, والركن القويم، ويغرسه في نفوس أصحابه ويربيهم عليه، ويحمي حماه، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، والمحل الأسنى، فقام أصحابه من بعده بأعباء الدعوة إلى هذا الأصل العظيم حق القيام، وتحملوا في سبيله جميع المصاعب والأسقام، وألقوا إلى تابعيهم ما تلقوه عن مشكاة الأنام- ﷺ ثم سار التابعون لهم بإحسان على هذا المنهج القويم، والصراط المستقيم، وهكذا أتباع التابعين، إلى أن أذن الله ﷻ بإخراج أقوام اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فحرفوا كلام الله سبحانه عن مواضعه، وتركوا العمل بمحكمه، واتبعوا متشابهه، فضلوا وأضلوا عن الله وعن طريقه، واتبعوا الشيطان وما يمليه من تحريفه وتضليله، حتى أوشك عرش الإسلام بالحبوط، وقارب الانهيار والهبوط- لولا أن الله تعالى وفق رجالا للدفاع عن سبيله والذب عن حياضه وطريقه- لكان ذلك مشاهدا بالعيان، ومدونا في إخبار الزمان. ولكن الله جل وعلا تكفل لهذه الأمة بحفظ دينها وكتابها وذلك ببقاء طائفة منهم على الحق ظاهرين منصورين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (١) ، وأخبر الرسول ﷺ أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (٢) .
ونحن نستبشر بهذين الأثرين أيما استبشار, لما فيهما من تسلية الغرباء في كافة القرى والأمصار، وما زال الناس يرون تصديق هذين الخبرين بالأبصار، فكلما طمست معالم هذا الدين بظهور الفجار، وهدمت مساجده بقتل رجاله الأبرار، ونكست أعلامه في جميع الأقطار، انتدب الله من عباده فارسا مغوارا،
стр. 11
وهب نفسه وماله وعرضه في سبيل العزيز الغفار، فيحيي به الله الأرض بعد موتها، ويوقظ به القلوب بعد رقدتها، ويجول عن الأعين غشاوتها.
وإن من هؤلاء الفرسان الأعلام شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بلا حساب ولا عقاب، خرج في زمان نعته الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن عليه الرحمة والرضوان فقال: كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن, وشب الصغير، وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة، غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين, وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن البحر الأجاج شاربون، وبه راضون, وإليه مدى الأزمان داعون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات، والآيات البينات، يحتجون بما رووه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغبر الفترات، وكثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والسادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الآفات.
﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
стр. 12
وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .
(فلما تفاقم هذا الخطب وعظم، وتلاطم موج الكفر والشرك في هذه الأمة وجسم، واندرست الرسالة المحمدية، وانحمت منها المعالم في جميع البرية، وطمست الآثار السلفية، وأقيمت البدع الرفضية، والأمور الشركية.
تجرد الشيخ للدعوة إلى الله ورد هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار والعيون والمغار، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار، فجادل في الله وقرر حججه وبيناته، وبذل نفسه لله وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه التاركين له، وصنف في الرد على من عاند وجادل, وما حل حتى ظهر الإسلام في الأرض، وانتشر في البلاد والعباد, وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وانقمع أهل الشرك والفساد، واستبان لذوي الألباب والعلوم من دين الإسلام ما هو مقرر معلوم) انتهى كلامه (١) .
فأثمرت دعوة الشيخ في بلاد نجد وما جاورها من البلدان إثمارا ملموسا، وانتشرت في تلك القطاع انتشارا محسوسا، وانتفع بها كافة الناس من حاضر وباد، إلا من استهوته الشياطين فسلك طريق العناد، وأقبل عليها العلماء العالمون بالله وبما أعده للعباد، فمدحوا تلك الدعوة نظما ونثرا على رؤوس الأشهاد، وما زالت هذه البلاد تنعم في ظل هذه الدعوة المباركة إلى ما بعد النصف الأخير من القرن السابق وبعد هذا التاريخ – تقريبا- انقضت علينا المذاهب الهدامة المذمومة، والأفكار الشيطانية المسمومة، وذلك بتخطيط
стр. 13
رهيب، وتدبير مريب، من قبل أعداء هذا الدين الصليب، فوصلوا إلى ما أرادوا وأملوا، واستطاعوا الخلوص إلى قلوب الشباب فأفسدوا، ونتج عن ذلك انتشار الأوباء الخطيرة، والأمراض الفاتكة المريبة، وأصبح أهل هذا الزمان كما قال ابن عقيل الحنبلي عن أهل زمانه: من عجيب ما نقدت من أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق، وذم الزمن وأهله، وذكر نكد العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام، وتشعب الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتقضى الأعمار في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي، فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على ما فرط من عمره، ولا آسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببا إلا قلة مبالاتهم بالأديان, وعظم الدنيا في عيونهم، ضد ما كان عليه السلف الصالح يرضون بالبلاغ من الدنيا، وينوحون على الدنيا انتهى.
فلما وصل الحد بأهل زماننا إلى ما ذكره وأعظم، واشتدت بينهم غربة هذا الدين الأقوم، أحببت أن أشارك إخواني الدعاة في سعيهم إلى الإصلاح. فنظرت في هذا المجتمع، فإذا أضعف جانب فيه جانب التوحيد، ولو استقاموا عليه حق الاستقامة، لكانت لهم من الله الرفعة والمكانة. فعند ذلك تطفلت مع قصر الباع, وقلة البضاعة، على ما كتبه علماؤنا الكرام، وهداة الأنام- علماء نجد الأعلام من رسائل وكتب مفيدة، تعنى بجانب التوحيد والعقيدة، فوثقت نصوصها، وخرجت أحاديثها بقدر الاستطاعة، وكان الباعث لي على هذا العمل أمور منها:
الأول: إعراض كثير من الناس عن تعلم التوحيد، واشتغالهم عنه بما لا يجدي ويفيد، مع أنه أشرف العلوم على الإطلاق، إذ به معرفة ربنا الخلاق.
الثاني: انتشار أهل الشرك والضلال، ونشاطهم في بث السموم والأغلال، مستغلين فتور أهل التوحيد والإيمان، عن الدعوة إلى صراط الرحمن.
الثالث: إن ما كتبه وسطره علماء نجد الأعلام، لم يجد من الباحثين مزيد
стр. 14
اهتمام، وإنما اتجهت أنظار الباحثين إلى إخراج كتب ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ولاشك أن فيها شفاء العليل وإرواء الغليل- ولكن لو أخرج معها كتب ورسائل تلاميذه وتلامذتهم لكان ذلك نورا على نور, لذا فإني لا أخرج في هذه السلسلة من كتب الشيخ شيئا، وإنما أعتني بكتب ورسائل علماء نجد التي طبعت منذ عشرات السنين، وأصبحت اليوم كنزا دفينا، فأنتقي منها ما تمس إليه حاجة العصر، وينتفع به أبناء كل مصر.
وقد وقع الاختيار على أول رسالة نستفتح بها هذه السلسلة المباركة رسالة للشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين اسمها (دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث) (١) وهي على صغر حجمها قد احتوت على فوائد عظيمة، ودرر ثمينة، يشاهدها القارئ اللبيب حين قراءته لها.
وفي آخر هذه المقدمة أودُّ أن أشكر فضيلة الشيخ سعد بن عبد الله الحميّد على ما قدمه له من ملاحظات نفيسة استفدت منها خلال هذه الرسالة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الرياض في ١٥/٩/١٤٠٥هـ
حرره الفقير إلى ربه القدير
عبد السلام بن برجس بن ناصر العبد الكريم
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين
стр. 15
عملي في هذه الرسالة:
أولا: الأحاديث التي بنى المؤلف رسالته عليها توسعت في تخريجها نوعا ما.
ثانيا: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني لا أتوسع في تخريجه وجمع طرقه، وإن فعلت فلا التزم الكلام عليها من حيث صحتها وضعفها وذلك لأمرين: أحدهما: أن أصلها في الصحيحين أو أحدهما وهذا كاف في صحة الحديث وثبوته. الأمر الآخر: خشية الإطالة والإسهاب التي تورث الملل لقارئ الكتاب.
ثالثا: إذا استفدت من أي عالم كان أي فائدة ولو صغرت فإني أبينها بذكر موضعها في كتبه وذلك قياما بالأمانة العلمية.
هذا ما يتعلق بالحديث وتخريجه- أما بالنسبة للأصل الذي اعتمدت عليه في توثيق نص هذه الرسالة. فقد اعتمدت على أصلين:
أحدهما: نسخة خطية كتبت سنة ١٣٤٥هجرية بقلم عبد الله بن إبراهيم الربيعي- وهي نسخة حسنة الخط تقع في ضمن مجموع رسائل رقم (٣٤٢٢/١) في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية.
الأصل الثاني: النسخة المطبوعة سنة ١٣٤٩ هجرية في مطبعة المنار بمصر ضمن (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) .
وقد بينت مواضع الاختلاف بين النسختين في الحاشية- وما رأيته صوابا أثبته في الأصل.
стр. 16
ترجمة المؤلف (١)
رحمه الله تعالى
١ - نسبه ومولده ونشأته:
هو العالم الجليل المدقق الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سلطان بن خميس الملقب كآبائه أبا بطين بضم الباء وفتح الطاء وهم من آل المغيرة من عائذ بطن من (عبدة) القحطانية ولد هذا العالم في روضة سدير في ٢٠ من ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة وألف من الهجرة في بيت علم وشرف ودين فرباه أبوه أحسن تربية فقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب وهو يافع.
٢ - طلبه للعلم ومشايخه:
وشرع في طلب العلم في سن مبكرة، فقرأ على أبيه- وكان عالما جليلا من تلامذة الشيخ أحمد البسام- ولازم أباه ليله ونهاره وقرأ على محمد بن الحاج عبد الله بن طرد الحنبلي الدوسري لازمهما في الأصول والفروع والحديث، ثم سافر إلى شقراء فاستوطنها سكنا له ولازم علماءها، ومن أبرزهم العلامة الشيخ عبد العزيز بن حصين التميمي لازمه سنين في الأصول والفروع والحديث والتفسير وهو أكثر مشايخه نفعا له. كما قرأ على الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني كما قرأ على العلامة الشيخ حمد بن معمر مؤلف الفواكه العذاب ولازمهما في الأصول والفروع والحديث. وفي العربية قرأ على أحمد العفالقي المتقدم وعلى حسين الجفري وأجازه بسند متصل بالحديث. وقرأ
стр. 17
في الدرعية على علمائها ومن أبرزهم عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجد في الطلب وثابر عليه، وكان مكبا على المطالعة حتى نبغ في فنون عديدة فصار مضربا للأمثال، ومن أوعية العلم والحفظ والفهم.
٣ – تلامذته:
وقف المترجم له نفسه لنفع الخلق إفتاء وتدريسا فنفع الله به الأمة وتخرج عليه علماء وأئمة من أبرزهم محمد بن عبد الله بن حميد مؤلف السحب الوابلة وعثمان بن بشر مؤلف عنوان المجد وغيره وأحمد بن إبراهيم بن عيسى صاحب شرح نونية ابن القيم وتهديم المباني في الرد على النبهاني وغيرهما من المؤلفات النفيسة، وأبوه الشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى وصالح بن عيسى, وكان يستنيبه أحيانا على إمامة وخطابة الجمعة ومحمد بن عمر بن سليم وسليمان بن مقبل من قضاة بريدة , وعلي بن محمد الراشد قاضي عنيزة، وخلق كثير لا يحصيهم إلا الله. ومن عرف أن هؤلاء تلاميذه عرف منزلة الشيخ وقدره وقيمته.
٤ – أعماله:
عينه الإمام سعود بن عبد العزيز قاضيا على الطائف وملحقاته عام ١٢٢٠هـ وظل قاضيا فيها سنتين. قال ابن بشر ١/٢٣٥: ولاه الإمام تركي قضاء الوشم ثم قاضيا في سدير مع الوشم وملحقاتها, فكان يقيم بعض الزمن بسدير وبعضه بالوشم ا. هـ. وقال القاضي في الروضة١/٣٣٢: في عام ١٢٤٨هـ عينه الإمام تركي قاضيا في عنيزة وفي عام ١٢٥٠هـ بعد وفاة تركي عاد إلى الوشم وجلس للطلبة في شقراء. وانتهى الإفتاء والتدريس إليه فيها.
وقال ابن بشر٢/٦٩: وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين بعد الألف طلب رؤساء القصيم من الإمام فيصل أن يبعث إليهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين قاضيا في بلدانهم, ومدرسا لطلبة العلم في أوطانهم. وفي عام ١٢٧٠غضب الشيخ على أهل عنيزة لقيامهم على أميرهم جلوى بن تركي فخرج
стр. 18
متوجها إلى بريدة قاله ابن عيسى. قال: وفي هذه السنة رجع من عنيزة وبريدة إلى شقراء ا. هـ.
٥ – صفاته:
كان آية في العدالة والنزاهة مسددا في أقضيته, وكان يبت في القضية واشتهر بفراسته التي لا تخطيء، وكان حازما في شؤونه إماما في كل العلوم كما قال ابن بشر: دمث الأخلاق مهيبا قليل الكلام لا يحب الشهرة وقورا له حزب من الليل لا يتركه كثير التلاوة حسن الخط مستقيما في دينه وخلقه سخيا يضرب به المثل بالكرم يصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم. وكان ربعة من الرجال طلق الوجه أسمر اللون متوسط الشعر حسن الصوت.
٦ – مؤلفاته:
ألف مؤلفات كثيرة مفيدة منها مختصر بدائع الفوائد ومختصر إغاثة اللهفان. وله حاشية على الزاد وشرح المنتهى وكتابان رد بهما على الملحد داود بن جرجيس هما الانتصار وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس. وله فتاوى ورسائل لو جمعت لجاءت أسفارا وله رسالة في تجويد القرآن.
٧ – وفاته:
توالت عليه الأمراض وأرهقته الشيخوخة، فوافته المنية مأسوفا على فقده في ٧ من شهر جمادى الأولى من عام ١٢٨٢هـ وحزن الناس لفقده وصُليَ عليه في جوامع نجد ورثي بمراثي عديدة. فرحمه الله ورضي عنه.
стр. 19
صيغة الشبهة التي يوردها بعض أهل الأهواء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن مفتي الديار النجدية المعروف بأبا بطين عليه الرحمة والرضوان.
أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان أن أكتب له جوابا عما يورده بعض الناس من قوله ﷺ : " إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (١) .
стр. 20
(ويستدل به على استحالة وقوع شيء من الشرك في جزيرة العرب) (١) والحديث المروي "يا عباد الله احبسو"
стр. 21
_________
= (٨/٣٢٣) عن أبيه مجهول وذكره الذهبي في الضعفاء له.
وأعله الحافظ ابن حجر بعلة أخرى وهي الانقطاع بين عبيد الله بن بريدة وابن مسعود نقل ذلك ابن علان في شرح الأذكار٥/١٥٠.
تنبيه: وقع في النسختين المطبوعتين في مصر ولبنان من كتاب عمل اليوم والليلة زيادة (أبو معاذ السمرقندي) بين معروف بن حسان وسعيد بن أبي عروبة وهو خطأ وإنما (أبو معاذ) كنية معروف بن حسان، فيجب إلغاء كلمة (حدثنا) بين الاسمين والتصويب من النسخة الهندية.
وللحديث شاهد من حديث عتبة بن غزوان أخرجه الطبراني في الكبير١٧/١١٧ من طريق أحمد بن يحيى ثنا عبد الرحمن بن سهل حدثني أبي عن عبد الله بن عيسى عن زيد بن علي عن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﷺ قال:" إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد أحدكم عونا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله عبادا لا نراهم" وقد جرب ذلك.
قال الهيثمي في المجمع ١٠/١٣٢ رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن زيد بن علي (١) لم يدرك عتبة ا. هـ. قلت وعبد الرحمن بن سله هذا لم أجد له ترجمة والظاهر أن اسم (سهل) محرف من اسم (شريك) وذلك لأمور:
الأول: أن الشيخ محمد ناصر الدين نقل سند الطبراني من المخطوطة التي عنده فقال فيه: (.. عند عبد الرحمن بن شريك عن أبيه..) .
الثاني: أن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ليس في تلاميذه سهل هذا.
الثالث: أن أحمد بن يحيى الصوفي ليس في شيوخه عبد الرحمن بن سهل، وإنما فيهم عبد الرحمن بن شريك. فعلى هذا فالسند ضعيف لأن عبد الرحمن بن شريك قال فيه أبو حاتم: واهي الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:ربما أخطأ- وأما أبوه فهو شريك بن عبد الله النخعي القاضي صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء قاله الحافظ في التقريب. وفي السند علة أخرى وهي الانقطاع بين زيد بن علي وعتبة بن غزوان فإن عتبة توف قبل ولادة زيد بدهور نبّه على ذلك الحافظ ابن حجر كما في شرح الأذكار لابن علان ٥/١٥٠، وللحديث شاهد آخر عن ابن عباس يأتي إن شاء الله.
...............................
(١) وقع في المجمع (يزيد) وهو خطأ والتصويب من نسخة المعجم الكبير المطبوعة بالعراق. =
стр. 22
وعما يورده بعضهم من قوله لأسامة: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" (١) , وقوله:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٢) ويستدل بذلك
стр. 23
_________
والنعمان بن بشير وابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهم- وإليك تخريج أحاديثهم باختصار:
١ – أما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الإيمان ١/٧٥، ومسلم في صحيحه – كتاب الإيمان (٣٦) ,والبغوي في شرح السنة١/٦٧ كلهم من طريق واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" هذا لفظ البخاري.
٢ – أما حديث جابر فله عنه طريق:
الأول: عن أبي الزبير محمد بن مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ " أخرجه الإمام أحمد في المسند بدون ذكر الآية ٣/٢٩٥، وبذكرها ٣/٣٠٠، ومسلم في صحيحه- كتاب الإيمان (٣٥) ، والترمذي في سننه – كتاب التفسير٥/٤٣٩، والحاكم في المستدرك٢/٥٢٢.
الثاني: عن شريك بن عبد الله عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أن رسول الله ﷺ ... فذكره أخرجه الإمام أحمد في مسنده بدون ذكر الآية ٣/٣٣٢-٣٣٩-٣٩٤.
الثالث: عن الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره أخرجه الإمام مسلم بدون ذكر الآية (٣٥) وابن ماجة في سننه – كتاب الفتن (٣٩٢٨) .
الرابع: عن عبد الله بن طاووس قال: أشهد على أبي قال: أشهد على جابر بن عبد الله أنه قال: أشهد على رسول الله ﷺ ... فذكره أخرجه الطبراني في الكبير بدون ذكر الآية٢/١٩٨، وأبو نعيم في الحلية٤/٢٢، والخطيب في تاريخه٩/٣١٥.
٣ – أما حديث أبي هريرة فله عنه طرق:
الأول: عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الإيمان (٣٣) والنسائي في سننه – كتاب تحريم الدم٧/٧٧-٧٨.
стр. 24
_________
الثاني: عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لا أزال ... " الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣١٤ , والبغوي في شرح السنة١/٦٥.
الثالث: عن كثير بن عبيد أنه سمع أباهريرة يقول قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرم علي دمائهم وأموالهم وحسابهم على الله عزوجل" أخرجه الإمام أحمد في مسنده٢/٣٤٥، الدارقطني في سننه- كتاب الزكاة- ٢/٨٩.
الرابع: عن أبي صالح ذكوان السمان عن أبي هريرة قال.. فذكره مرفوعا أخرجه الإمام أحمد ٢/٣٧٧، ومسلم في صحيحه-كتاب الإيمان – (٣٥) ، والترمذي في سننه – كتاب الإيمان ٥/٣، وأبو داود في سننه – كتاب الجهاد- ٣/١٠١، والنسائي في سننه- كتاب تحريم الدم ٧/٧٩، وابن ماجة في الفتن ٢/١٢٩٥, وأخرجه الإمام أحمد ٢/٣٨٤ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن علي ﵁ في قصة راية خيبر.
الخامس: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزوجل" قال فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر تقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول.... الحديث. أخرجه الإمام أحمد ٢/٤٢٣و٥٢٨ واللفظ له و١١, ١٩ ,٣٥, ٤٧، والبخاري في صحيحه- كتاب الزكاة- ٣/٢٦٢، وفي استتابة المرتدين- ١٢/٢٧٥،ومسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – (٣٢) ،والترمذي في سننه – كتاب الإيمان –٥/٣، وأبو داود في سننه – كتاب الزكاة- ٢/١٩٨، والنسائي في سننه- باب مانع الزكاة٥/١٤، وكتاب تحريم الدم٧/٧٧-٧٨.
السادس: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا وزاد: "ويؤموا بي وبما جئت به" أخرجه مسلم في صحيحه (٣٤) كتاب الإيمان، والدارقطني في سننه – كتاب الزكاة٢/٨٩.
السابع: عن محمد بن عجلان قال سمعت أبي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ... فذكره. أخرجه الإمام أحمد٢/٤٣٩ – وأبو نعيم في أخبار أصبهان١/١٦٧.
الثامن: عن محمد بن الحنفية عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... به أخرجه الخطيب
стр. 25
_________
في التاريخ ١٢/٢٠١.
التاسع: عن أبي صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .... به أخرجه الإمام أحمد ٢/٤٧٥.
العاشر: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا أزال ... " الحديث أخرجه الإمام أحمد ٢/٤٨٢.
الحادي عشر: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .. به أخرجه الإمام أحمد ٢/٥٠٢، والبغوي في شرح السنة١/٦٥.
الثاني عشر: عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... به أخرجه الإمام أحمد ٢/٥٢٧.
الثالث عشر: عن زياد بن قيس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... به أخرجه النسائي في سننه ٧/٧٩ كتاب تحريم الدم.
الرابع عشر: عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... به وفيه "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" أخرجه ابن ماجة في سننه – المقدمة-١/٢٧،والدارقطني في سننه – كتاب الزكاة- ٢/٨٩،وأبو نعيم في الحلية ٢/١٥٩.
٤ – وأما حديث طارق بن أشيم-فأخرجه الإمام أحمد ٣/٤٧٢و٦/٣٨٤ و٣٩٥، ومسلم في صحيحه- كتاب الإيمان (٣٧-٣٨) والطبراني في الكبير٨/٣٨١ و٣٨٢ كلهم من طريق أبي مالك الأشجعي عن أبيه (طارق) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله.." الحديث وفي لفظ لمسلم والطبراني (من وحد الله..) .
٥ – وأما حديث فله عنه طرق:
الأول: عن حميد الطويل عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم" أخرجه الإمام أحمد في مسنده٣/١٩٩-٢٢٤- والبخاري في صحيحه- كتاب الصلاة ١/٤٩٧ (١) ، والترمذي – كتاب الإيمان من سننه- ٥/٣،=
......................................................
(١) قال البخاري حدثنا نعيم ثنا ابن المبارك عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره ,قال الحافظ: وقع في رواية الحماد بن شاكر عن البخاري (قال نعيم بن حماد) وفي رواية كريمة والأصلي "قال ابن المبارك" بغير ذكر حماد وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج، وأخرجه الدارقطني موصولا عن نعيم ... الخ.
стр. 26
الجواب عن حديث (إن الشيطان يئس ... )
...
على أن من قال لا إله إلا الله لا يجوز قتاله ولا قتله.
فالجواب: أما قوله ﷺ : " إن الشيطان يئس أن يعبده
стр. 27
المصلون في جزيرة العرب" فيقال:
أولا: من المعلوم بالضرورة أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ يدعوا إلى التوحيد – وهو توحيد الألوهية- وينهى عن الشرك وهو عبادة غير الله. وأما الشرك بالربوبية فمن المعلوم بنصوص الكتاب أن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ وقاتلهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن شركهم هو في توحيد العبادة, وهو توحيد الألوهية الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله , فعبدوا من عبدوه من دون الله ليشفعوا لهم عنده في نصرهم ورزقهم وغير ذلك كما قال تعالى أخبارا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر٣] ، ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس:١٨] فبعث الله رسوله محمدا ﷺ ينهاهم عن هذا الشرك ويدعوهم إلى توحيد العبادة وهذه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وهذا الأصل هو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
فإذا تبين أن هذا هو أصل الأصول, علمنا يقينا أن الله سبحانه لا يترك هذا الأمر ملتبسا بل لابد أن يكون بينا واضحا لا لبس فيه ولا اشتباه؛ لأنه أصل الدين، ومعرفته فرض على كل مسلم مكلف ولا يجوز فيه التقليد.
وحقيقة ذلك أن الشرك هو عبادة غير الله تعالى. والعبادة هي الطاعة بفعل ما أمر الله به ورسوله من واجب ومندوب، فمن أخلص ذلك لله فهو الموحد، ومن جعل شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك. قال تعالى:
стр. 28
﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] أي في العبادة. وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الكهف:١١٠] .
فإذا علم الإنسان حقيقة الشرك عرف يقينا أن الشرك وقع في الجزيرة كثيرا عند مشاهد وقبور يمنا وحجازا, من دعاء الأموات والغائبين، والاستغاثة بهم وسؤال الحاجات، وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، وكذلك الذبح للجن والاستغاثة بهم. وهذا أمر معلوم بالتواتر عند من شاهد ذلك، فإذا تحقق الإنسان ذلك علم أن قوله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" ليس فيه معارضة لهذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول، وليس فيه دلالة على استحالة وجود الشرك في أرض جزيرة (١) العرب.
فمن استدل بهذا الحديث على استحالة وجود الشرك في أرض العرب يقال له بين لنا الشرك الذي حرمه الله وأخبر أنه لا يغفره، فإن فسره بالشرك في توحيد الربوبية، فنصوص القرآن تبطل قوله؛ لأنه سبحانه أخبر عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية كما في قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] والآيات في ذلك كثيرة.
وإن فسر الشرك ببعض أنواع العبادة دون بعض, فهو مكابر ويخاف على مثله أن يكون من الذين في قلوبهم زيغ، يتركون المحكم ويتبعون المتشابه, مع أنه ليس في الحديث حجة لهم ولا شبهة, وإنما معنى الحديث: أنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر.
стр. 29
قال ابن رجب على الحديث: المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة كلها على الشرك الأكبر. وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا أن تراجعوا دينهم (١) – وكذا قال عطاء والسدي ومقاتل- قال: وعلى هذا يرد الحديث الصحيح: " إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (٢) .ا. هـ. فأشار إلى أن (٣) معنى الحديث يوافق لمعنى الآية، وإن معنى الحديث أنه يئس أن يرجع المسلمون عن دينهم إلى الكفر. قال غير واحد من المفسرين: إن المشركين كانوا يطمعون في عودة المسلمين إلى دينهم. فلما قوي الإسلام وانتشر يئسوا من رجوعهم عن الإسلام إلى الكفر، وهذا معنى إياس الشيطان لما رأى من ظهور الإسلام وانتشاره وتمكنه من القلوب ورسوخه فيها، وعلى هذا فلا يدل الحديث: أن الشيطان يئس من وجود شرك في جزيرة العرب أبد الآبدين.
ويدل لما ذكرنا ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة رنّ إبليس رنّة اجتمع إليه جنوده فقال: ايئسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم فافشوا فيهم النوح (٤) .
стр. 30
وأيضا ففي الحديث نسبة اليأس (١) إلى الشيطان مبنيا للفاعل لم يقل (أيس) بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس (٢) من عبادته في أرض العرب إياسا مستمرا فإنما ذلك ظن منه وتخمين، لا عن علم لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن:٢٦] فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤] أي من خير وشر, وهذا من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.
وقال النبي ﷺ : "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا
стр. 31
الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله" (١) . وكانت الشياطين والجن (٢) في زمن سليمان بن داود ﵉ يدعون علم الغيب فلما مات سليمان لم يعلموا بموته إلا بعد سنة (٣) وهم في تلك السنة دائبون في
стр. 32
التسخير والأعمال الشاقة، فلما علموا بموته تبين لهم أنهم لا يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (١) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] .
ونبينا ﷺ أخبر: "أنه يجاء برجال من أمته يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار فيقول: أصحابي أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٢) . فكيف يقال إن الشيطان يعلم ما تستمر عليه الأمة
стр. 33
من خير وشر وكفر وإسلام، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله، ومن يطلعه عليه من رسله.
فتبين بما ذكرنا أنه لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك في جزيرة العرب.
ويوضح ذلك أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره، ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع (١) من الشرك لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس:٦٠] أي لا تطيعوه، فعبادته طاعته. يوضح ذلك تفسير النبي ﷺ لقوله تعالى:
стр. 34
﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] إنه (١) طاعتهم في التحريم والتحليل (٢) فسمى ذلك الله شركا
стр. 35
وعبادتهم منهم للأحبار والرهبان.
وأيضا فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" (١) ، وقال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" (٢) ، وهو صنم كان لهم في الجاهلية بعث النبي
стр. 36
صلى الله عليه وسلم لهدمه (١) جرير بن عبد الله (٢) . فتبين أن عبادة الشيطان وجدت بعد موت النبي ﷺ في جزيرة العرب، وتوجد إلى (٣) آخر الزمان بهذه النصوص الثابتة، وقال النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قال: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (٤) .
وقال: "لتأخذن (٥) هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع" قالوا يا رسول الله: فارس والروم؟ قال: "ومن الناس إلا أولئك" (٦) . فأخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تفعل كما فعلت
стр. 37
الأمم قبلها: اليهود والنصارى وفارس والروم, وأن هذه الأمة لا تقصر عما فعلته الأمم قبلها، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (١) . نسأل الله أن يجعلنا منهم بفضله ورحمته وكرمه (٢) .
стр. 38
فصل في الجواب عن الحديث (ياعباد الله احبسوا) وبيان ضعفه
"فصل" (١)
وأما الجواب عن الحديث المروي فيمن انفلتت دابته في السفر (٢) أن يقول: "يا عباد الله احبسوا" (٣) فأجيب بأنه غير صحيح؛ لأنه من رواية معروف بن حسان وهو منكر الحديث قاله بن عدي.
ومن المعلوم - إن كان صحيحا- أن النبي ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن يطلب ردها وينادي من لا يسمعه وله قدرة على ذلك، كما ينادي الإنسان أصحابه الذين معه في سفره ليردوا دابته. وهذا (٤) يدل -إن صح- على أن لله جنودا يسمعون ويقدرون ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وروى زيادة لفظة في الحديث: "فإن (٥) لله حاضرا" (٦) ، فهذا صريح في أنه إنما ينادي حاضرا يسمع، فكيف يستدل بذلك على جواز الاستغاثة بأهل القبور والغائبين.
стр. 39
فمن استدل بهذا الحديث على دعاء الأموات لزمه أن يقول: إن دعاء الأموات ونحوهم، إما مستحب أو مباح؛ لأن لفظ الحديث "فليناد" وهذا أمر أقل أحواله الاستحباب أو الإباحة. ومن ادعى أن الاستغاثة بالأموات والغائبين مستحب أو مباح فقد مرق من الإسلام.
فإذا تحققت أن الرسول ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن ينادي من لا يسمعه ولا قدرة له على ذلك، وكما دل عليه قوله: " فإن لله (١) حاضرا" تبين لك ضلال من استدل به على دعاء الغائبين والأموات الذين لا يسمعون ولا ينفعون، وهل هذا إلا مضادة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ﴿وَ (٢) الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِ ير إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣-١٤] وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] ، وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء﴾ [الرعد:١٤] . فهذه الآيات وأضعافها نص في تضليل من دعا من لا يسمع دعاءه ولا قدرة له على نفعه ولا ضره, ولو قدر سماعه فإنه عاجز.
فكيف تترك نصوص القرآن الواضحة وترد بقوله: "يا عباد الله احبسوا" مع أنه ليس في ذلك معارضة لما دل عليه القرآن ولا شبهة معارضة ولله الحمد.
стр. 40
فصل في قتال من قال (لا إله إلا الله) إذا أتى بما يناقضها
"فصل" (١)
وأما من ادعى أن من قال لا إله إلا الله فإنه لا يجوز قتله ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة وإن فعلوا أي ذنب، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ولو طرد هذا القائل أصله لكان كافرا بلا شك.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ (٢) الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي عن الشرك (٣) ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فجعل قتالهم ممدودا إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بعد الإتيان بالتوحيد.
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك (٤) ﴿وَيَ كُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال:٣٩] .
وأما السنة فكثيرة جدا (منها) ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٥) .