دراسات إسبانية للسيرة النبوية
د. محمد برادة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول
١- تمهيد:
جاء الصادق الأمين في حياة الناس ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويعيد التوازن بعدما فشا في الأرض الكذب والبهتان، وتعددت الآلهة وطرق التقرب إليها. فكان مفتاح الخير والدال على الصراط المستقيم. وقد لخص الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب كل ما نريد أن نقوله منذ حوالي ألف وأربعمائة سنة، حينما كان ناطقا رسميا للمسلمين عند النجاشي فقال له: " أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور ..." فعدد عليه أمور الإسلام - (١) . من أجل كل هذه الخصال درستُ سيرة الرسول ﷺ ، وترجمتُ بعضَها عمليا عندما كنت أدرس بديار الأندلس عسى أن أغير فكرة بعض الغربيين عن الإسلام والمسلمين. فرسالة الإسلام في الغرب
стр. 2
تحتاج إلى من يقرأ السيرة العطرة، ويطبقها عملياً؛ لأن أفضل نظرية هي التطبيق. إن مانملكه نحن المسلمين كبير جداً وإذا استثمرناه آمن الغرب بالله كما فعل النجاشي. إذن لماذا لم يقرأ المسلمون في الغرب السيرة العطرة؟ ولماذا كوَّن الإسبان أحكاماً جزافاً عن الرسول؟ ولماذا نظروا إلى صاحب الرسالة العظمى نظراً شزراً؟ كلها أسئلة نجيب عنها في هذا البحث، آملين أن نغير ما بأنفسنا ليغير الغرب عموما والإسبان خصوصا نظرتهم لهذا الدين ولخاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه.
стр. 3
المبحث الأول: كلمة عن المعاجم
أصبحت المعاجم في وقتنا الراهن من الكتب الضرورية في حياة الباحث. فهي لا تساعد فقط على تفسير كلمة أو شرحها أو إعطاء السياق المناسب لاستعمالاتها، بل أصبح المعجم نفسه أداة من أدوات البحث العلمي للتأثير في شخصية الباحث. فعندما نقرأ تعريف القرآن كما يأتي: "الكتاب الذي يحتوي على الوحي الذي يظن محمد أنه أنزل عليه، وهو كتاب أساسي في دين المحمديين". يلحظ المتتبع أن المعجم أيضا كتاب فيه أفكار معينة مما يعني اقتناء هذه التعاريف بحذر شديد. والإسبان اليوم مهتمون بشكل كبير بمعاجمهم ونادراً ما تجد بيتاً من دون معجم. والغريب أن أهم معجم إسباني يعرّف شخص الحبيب كما يأتي: إنسان كسلان وغافل (descuidado y gandul) . ووضعوا لها في البداية أنها صفة وليست اسم علم. ويتساءل الإنسان العاقل ألا توجد كلمات أخرى لإعطاء الشروح نفسها في لغة تعدُّ من أغنى اللغات في العالم؟ إن الهدف واضح وتفسّره الكلماتُ التي تعقب كلمة محمد mahometano محمدي mahometismo ويقصدون بها الإسلام كما فعلوا بـ cristianismo...
ما نود توضيحه هنا هو أن هذه المعاجم لا تعترف بنبوة محمد ﷺ ، وتعد الإسلام عبارة عن secta وهي تعني عقيدة خاصة لبعض المؤمنين في دين
стр. 4
يعده المتكلم كاذبا (١) أي أن هذا الدين غير صحيح وباطل. وهي في كل تعاريفها تتكلم على دين محمد وكأنه جاء به من غير وحي، ونسوا أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]
стр. 5
المبحث الثاني: كلمة عن السيرة
يقول بعض الباحثين (١) : "تسلسل مدلول "السيرة" اللغوي من (المسلك) أو (طريقة الحياة) . والمعنيان يعدان تطورا طبيعيا للأصل سير أي (سلك) أو (ذهب في الأرض) . وفي القرآن الكريم نجد الكلمة قد وردت في موضع واحد (في سورة طه في الآية ٢١) : ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ .
فدلت من خلال سياقها في الآية الكريمة على الهيئة والحالة. والذي استقر عليه الاصطلاح في العصور المتأخرة هو: تسليط الضوء على حياة شخص ما من يوم مولده إلى يوم وفاته، مع قراءة شخصيته على ضوء الأحداث التي مر بها.
وإذا كان الجميع – تقريبا – يتفق على هذا القدر من التعريف لمعنى "السيرة" فإن هناك وجهات نظر متعددة تتعلق بتفاصيل هذا المضمون المعرفي... فأول ما يثار حوله مِنْ تساؤلات: أية تسمية هي الأوفق
стр. 6
"السيرة" أم "الترجمة"؟.. وتساؤل آخر يتعلق بطبيعتها: أين يجب تصنيفها؟
يقول إحسان عباس في كتابه فن السيرة (١) " ففي أحضان التاريخ إذن نشأت السيرة وترعرعت، واتخذت سمتا واضحا، وتأثرت بمفهومات الناس عنه على مر العصور، وتشكلت بحسب تلك المفهمومات، فكانت تسجيلا للأعمال والأحداث والحروب المتصلة بالملوك عند الصينيين والمصريين والأشوريين".
وهناك مقولة أخرى للباحث محمد بيومي مهران (٢) : "ولا ريب في أن الدراسات التي تبحث في سيرة النبي ﷺ ومغازيه، إنما هي من أعلى الكتابات منزلة، وأكرمها موضوعاً، وأحلاها أخباراً، وأنداها على القلوب المؤمنة روحاً وذكراً، وقد فطن لذلك الحافظ الذهبي فأنزلها المنزلة التي تليق بها، عندما أخذ في تصنيف المؤلفات التاريخية، وما تنطوي عليه من فنون، فأعطى فن السيرة الأولوية في تصنيفه الذي عدد فيه أربعة فنون، تنتهي في موضوعها إلى علم التاريخ، وتدخل في حيز المؤلفات التاريخية".
صحيح أن السيرة - عموماً - قد ابتعدت عن هذا الأصل التاريخي، حين أصبحت غايتها تعليمية أو أخلاقية، ولكن الطابع الغالب على
стр. 7
السيرة هو ذلك الفضاء التاريخي الذي يعرض للفرد في نطاق المجتمع، ويعرض الأعمال الجليلة التي قام بها والتي تكون سببا في تغيير مجتمع ما.
وإذا ما أردنا أن نربط موضوع السيرة بسيرة خير رسول، فإن المرء يجزم أن السيرة النبوية جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة بل البشرية كلها. نحن نميل إذن مع رأي بعض الباحثين (أمينة الصاوي وعبد العزيز شرف ومحمد عبد المنعم خفاجي) (١) في أن السيرة النبوية تلخص لنا فترة زاهرة من تاريخ الأمة الإسلامية، بل هي منبع تاريخ الإنسانية كلها. ونضيف إلى ذلك كلمة الشيخ محمد علي الحركان (٢) الذي قال: "وسيرته ﷺ هي أقواله وأفعاله وأخلاقه الكريمة وهي الرسالة التي حملها الرسول الكريم إلى المجتمع البشري" (٣) .
وقد كان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أول من استعمل كلمة "سيرة" وقصد بها حياة الرسول ﷺ وتتلمذ على يديه كل من موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والحق كما ذكر بعض الباحثين (٤) "أن فضل هؤلاء الثلاثة لا ينكر على السيرة النبوية".
стр. 8
المبحث الثالث: المستشرقون الإسبان والسيرة النبوية
اهتم الغربيون بتدوين سيرة رسول الله ﷺ وبترجمتها. وقد كانوا واعين بالمستوى الرفيع للمسلمين، ولهذا لم يكن بدٌّ من محاربتهم بالسيف والقلم، وذلك بدراسة القرآن الكريم وحياة الرسول العظيم.
بدأ اهتمام الإسبان بالسيرة والحديث النبويين منذ القرن التاسع الميلادي. وكان أول من أدخل هذه العلوم إلى إسبانيا السوري صعصعة ابن سلام (١) (٨٠٧م) .
وقد اهتم الإسبان بحادث الإسراء والمعراج على نحوٍ يلفت نظر الباحث. وسنخصص فقرات من هذا البحث لهذا الموضوع. هذا الاهتمام زاد عند الإسبان على غيرهم لأسباب نوردها تباعاً:
١- القرب الجغرافي من المسلمين فهم يبتعدون عن أول بلد مسلم بخمسة عشر كيلومتراً فقط.
٢- الصراع التاريخي بين الإسبان والمسلمين عموماً والمغاربة خصوصاً.
٣- التاريخ المشترك بين المسلمين والإسبان (لا يمكن أحداً مسح ثماني قرون من ذاكرته؛ لأنه اشترك فيها مع أجناس آخرين) .
стр. 9
١- الدور الرائد للكنيسة (إلى يومنا هذا) في اتخاذ القرارات التي تهم البلاد ومن جملتها التعرف على شخص الرسول للنيل منه وزرع الفتنة بين أتباعه.
٢- وجود عدد هائل من المستشرقين والمنصرين الإسبان على أرض المغرب إبان عهد الحماية واشتغالهم بترجمة ما يهمهم من الإسلام.
فالمدرسة الإسبانية _ " تتميز عن غيرها من المدارس الأوربية بعكوفها على الإنتاج الفكري الذي تركه المسلمون في إسبانيا. ومن ثمة أتيحت للإسبان فرصة تأسيس دراسات تاريخية – فكرية – نقدية اعتمادا على الوثائق والآثار الشاهدة وليس على الفرض والتخمين. بالإضافة إلى الثنائية الأولى (ذات/آخر) يأتي الوجه الآخر للإشكالية وهو (سيرة/تأريخ) = (سيرة/استشراق) " (١) .
فالإسبان ليسوا أغراراً بل لديهم زخم هائل من المعلومات والدراسات، فلا عجب أن نقرأ لأحدهم مثل هذا الكلام (٢) :
"Como hemos de entender a fondo nuestra historia nacional, ni escribirla con acierto, sin tener un verdadero conocimiento de los ritos y creencia de los arabes ? ".
"كيف بنا نعرف تاريخنا بعمق أو ندونه على حقيقته إذا لم يكن لدينا علم (دراية) حقيقي بمعتقدات ودين المسلمين (العرب) ".
стр. 10
الفصل الثاني: الكتابات الإسبانية للسيرة: دراسة ونقد
المبحث الأول: اهتمامات الباحثين الإسبان بالسيرة إلى غضون القرن التاسع عشر
قال الباحث الإسباني Forneas (١) عند تقديمه كتاب "الإنجيل والقرآن": "لن يكون للحضارة الإسلامية وجود بدون قرآن " وبدون سيرة لن نفهم هذا القرآن الكريم. هذه حقيقة لا أحد ينكرها.
إن الحضارة العريقة للأندلس اهتمت بسيرة النبي ﷺ ، ودليلنا كثرة المصادر التي تتحدث عن شخصه ﷺ . إلا أنه ومع كل هذا نميل إلى ما قيل من كون هذه المصادر قليلة بالمقارنة مع ما يتوقعه الباحث. فنادراً ما تجد كتابا جامعا شاملا لسيرة المصطفى، إلا إن كان مترجماً من الفرنسية أو الإنكليزية: " إن الباحث عن المصادر الإسبانية التي تؤرخ لشخصية الرسول ﷺ أو تقرؤها (بأسلوب فكري) لا يجد القدر الذي يتصوره، بل يحصل على أسماء قليلة، وذلك مقارنة مع ما يكون في أقطار أخرى (مثل فرنسا، ألمانيا...) كما يُحال على مصادر لو توجه قبلتها لخرج الموضوع عن هدفه ولما تمكن من شيء".
стр. 11
كل ما قلناه لا يلغي مشاركة بعض الأندلسيين في تدوين السيرة العطرة على نحو ما نجد عند الفقيه عبد الملك بن حبيب الألبيري، الذي تناول السيرة على نحو مفصل، وأبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي البلنسي (١) واهتمامهم أيضا بكتب الرعيل الأول من مؤلفي السيرة العطرة.
كتاب الإسراء والمعراج:
ترجم حادث الإسراء والمعراج (٢) إلى اللغة الإسبانية في عهد الملك ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم. وقد ترجمه أبراهام الحكيم الملقب بالطليطلي في ١٢٦٤م. حيث قام بعمل جبار على حد قول النقاد. فقد جمع العديد من الروايات المتداولة في الأندلس لعدم توفره على مخطوطات أصلية، وأنجز على ضوئها كتاب الإسراء والمعراج.
والمثير للغرابة أن حادث الإسراء والمعراج لم يشرب من منبعه، وإنما شربه المستشرقون عموما من كؤوس باريسية أو بريطانية أو إيطالية (٣) :
стр. 12
إنَّ حدث الإسراء والمعراج في صيغته المعروفة الآن في الغرب وصل إلينا عن طريق مخطوطات باريس وأكسفورد والفاتيكان، وكلها مخطوطات مترجمة من اللاتينية أو البروفنسال (لغة كانت متداولة في إسبانيا) .
ولكي نعرف الأفكار التي تروج من خلال هذا الكتاب نورد بعض الملاحظات كما جاءت في كتاب عبد الرحمن الفتحي وكتاب الإسراء والمعراج (دار Siruela) . فأولى هذه الملاحظات: أن النبي ﷺ كان في دار زوجه أم هانئ ليلة الإسراء. ثانيها كون الترجمات تحفظت في مسألة رفعه ﷺ إلى سدرة المنتهى ودنوه من الخالق . ثالثها: إسهابها في وصف جهنم متغافلة حقيقة ما جاء في الأحداث الحقيقية. إضافة إلى كل هذا لم تورد العديد من الترجمات وحتى الأصل اللاتيني حقيقة أو جملة من الحقائق التالية:
١- الصلاة التي صلاها الصادق الأمين.
٢- تغاضت الطرف أيضاً عن إمامته بالرسل الكرام.
٣- ذكر الأنهار الأربعة الموجودة في الجنة.
٤- رؤيته مالكاً خازن النار.
٥- الحوار الذي دار بين الله تعالى ونبيه وخليله (١) .
стр. 13
إن الله أسرى بعبده ورسوله كما جاء في آي القرآن الكريم والسنة العطرة، وعرج به ﷺ إلى السموات العلا ليطلع على عجائب الملكوت كما قال تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] .
إن حادث الإسراء والمعراج الذي جعل منه الغرب كتاباً، وصوَّروا لبعض قرائه أنه "كتاب مقدس" للمسلمين هو حدث أراد به بعض المستشرقين النيل من هذا الدين ويمكن أن ندخلهم في كلمة للشيخ محمد الغزالي حين قال: " إن الاستشراق كهانة جديدة تلبس مسوح العلم والرهبانية في البحث، وهي أبعد أن تكون عن بيئة العلم والتجرد، وجمهرة المستشرقين مستأجرون لإهانة الإسلام وتشويه محاسنه والافتراء عليه (١) ". فالعديد من الباحثين المسلمين ينعتون هذا الكتاب بالمتزن والحيادي ولا أراهم اطلعوا عليه كله.
وقد أثر الحادث في المؤلفات الأدبية والشعرية في إسبانيا، حتى إن الباحث لا يحصي تلك المؤلفات لكثرتها سواء في العصر الوسيط أو عصر النهضة (٢) عندهم. ولكي لا أطيل كثيراً أورد مجموعة من الكتاب الذين كتبوا عن الإسراء والمعراج (٣) : ألبرو دي كوردوبا، بيدرو دي بينرابلي، ريكلدو دي منتكرسي، سان بيدر بسكوال والكاردينال خوا دي
стр. 14
توركمادا alvaro de Cordoba, Pedro el Venerable, Ricoldo de Montecroce, San Pedro Pascual, El cardenal Juan de Torquemada...
يضيف الباحثون كتاباً يتميز -كما قالت أمنوح – "بإبعاد الآخر بعنف شديد ومبالغ فيه. والنماذج على هذا كثيرة، وأبرزها ما جاء في كتاب Verdadero caracter de Mahoma y de su religion justa idea de
este falso profeta sin alavarle con exceso ni deprimirle con odio
المميزة الحقيقية لمحمد ولدينه، الفكرة البارزة لهذا النبي غير الحقيقي، من دون مبالغة في مدحه أو كراهية لحطه وهو لسانطوطوماس دي أكينو Santo Thomas de Aquino.ولا يحتاج الأمر هنا إلى استنطاق نصوص وتأويل عسير بل عناوين البحوث صارخة من خلال مفاتيحها "Falso Profeta" (النبي المكذوب = المدعي = غير الحقيقي) وهو حكم يهدف إلى إبعاد النبي محمد ﷺ عن الحق وإبعاد الحق عن النبي..وإبعاد الفكرة الدينية الإسلامية عن الواقع المسيحي (وبخاصة إسبانيا) وذلك بالتنفير منها.
إقصاء الآخر بالتماس التسويغ؛ لأن شريعة النبي محمد ﷺ فيها الخطر الكبير والنبي ذاته خطر على الإسبان، ودائما مع التماس نوع من التسويغ الذي يقود إلى التناقض: Falso? Sin odio: أي غير حقيقي دون كراهية. كما أن هاجس الإقصاء (وليس الإلغاء) يقود إلى استعمال المنهج الإسقاطي وسيلة (وهي وسيلة هشة جداً) للتخلص من الطارئ المزعج
стр. 15
الأمر الذي يسبب الوقوع في أخطاء كثيرة في مواضع عدة، وبخاصة منها ما يحتاج إلى توثيق: أسماء، وأحداث، وتواريخ...
في الصفحة الأولى لهذا الكتاب نقرأ ما يلي: " ذلك الإنسان (يقصد النبي) المشهور بسلاحه وبسرعة فتوحاته ... والذي لا يسقط السلاح الأبيض من يديه، قد وجد أقلام كتاب تدافع عنه بالرغم من أنهم لم يعصبوا له عمامته". إن هذا الكاتب قد غاظه الحال عندما وجد أقلاماً منصفة من بني جلدته وهم يدافعون عن نبي الهدى. فحقده صار مضاعفا وهجومه زاد شراسة لعدم استقطابه هذه الأقلام. بل الأكثر من هذا كتابته في الصفحة (١٧) " أن الكتابة في هذا الموضوع (سيرة النبي) هو مضيعة للوقت "لأنه لا يستحق اهتماما. ويتساءل الإنسان العاقل كيف بنا ننتقد رسولا كريما ونحن لا نعرف حتى لغته؟ وحتى لو كان من أبناء هذه اللغة، أنملك القدرة على فهم كل ما جاء في هذا الدين إن لم نكن قد تتلمذنا على أيادي علماء مخلصين؟
فهذا الإلغاء للآخر يأتي حسب علماء النفس من ذلك الخوف الكبير الذي يجده ذلك الإنسان في نقصانه. فهو يرى سرعة انتشار الإسلام وكثرة أتباعه وبالرغم من هذا يقول في الصفحة (٢١٣) : "إن قانون محمد فيه أكاذيب كثيرة ومعتقدات ضد القانون الطبيعي بالرغم من كل هذا يتمسك المورو (المسلم) بها ... إن هذا المورو بليد؛ لأن جمال الدين لا يُرى من خلال ملاحظات أساتذته ولكن من خلال قداسة قانونه".
стр. 16
لقد كان الغرب عموما في صراع كبير مع الذات، وقد كان رجال الدين عندهم عاجزين عن إرجاع الناس إلى تدينهم بعد القطيعة التي عرفوها مع معتقداتهم، فكان الحل الوحيد عندهم هو الهجوم على الإسلام والمسلمين. وهيهات هيهات أن يحصلوا على مبتغاهم، فهذا الدين حفظه الله كما حفظ الذكر الحكيم (سنعود للرد على كتاب أكينوس في المبحث الرابع من الفصل الثاني) .
стр. 17
المبحث الثاني: القرن العشرين قرن الاهتمام بالسيرة:
١- دراسات أنجزت في أمريكا الجنوبية:
في سنة ١٩٩٠م أصدرت دار النشر Editorial de Ciencias Sociales la Habana كتابا تحت عنوان محمد والعرب (١) لكاتبه Waldo Dias Garcia وقد كان الكتاب مليئا بالمغالطات والسب والقذف والنيل من شخص رسولنا ﷺ . ويعد الكتاب نموذجا للكتابات غير العقلانية. ففي الصفحة (١٣٥) يقول الكاتب: "إن النبي ترعرع في وسط يسوده الشرك بالله، وبتأثير من اليهودية والنصرانية استطاع أن يصل إلى حقيقة وجود إله واحد". وتحت عنوان اليهودية والنصرانية في شخص محمد قال الكاتب: "عن طريق تأثره بالمسيحية والنصرانية تأكد للنبي ﷺ ما يلي:
١- وجود إله واحد عليم لا شريك له (إله النصارى ـ على حد قوله ـ يؤمن بالثالوث ولكنه في الأصل إله واحد) .
٢- أن الله خلق السموات والأرض والإنسان.
٣- أن الإنسان عند موته سيكون مآله إما إلى الجنة في حال إيمانه، أو إلى النار في حال جحوده.
стр. 18
٤- أن الملائكة خلائق موجودة.
٥- تجنب النجاسات في اللباس عندما يكون العبد في اتصال مع الله. (ص ١٣٨) .
ماذا يقصد الكاتب بكل هذه العبارات؟ يود Diaz Garcia إيصال فكرة واضحة المعالم: وهي أن النبي ﷺ أخذ عن اليهود والنصارى. إن الكاتب لم يقرأ نبوات عيسى وموسى ﵉. يعقب محمد رضا على مثل هذه الأقاويل الكاذبة بنصوص قطعية مستمدة من التوراة والإنجيل: فعيسى ﵇ يقول: (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم فارقليطا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم وفيكم) (١) .
وجاء في وصية موسى ﵇ (جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار. أحب الشعوب جميع الأطهار بيده والذين يقتربون من رجليه يقبلون من تعليمه) ويضيف محمد رضا أيضا: إن الله أخبر أن عيسى ﵇ بشر بالصادق الأمين في سورة الصف: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] . إن عيسى وموسى ﵉ براء
стр. 19
من هذه الأكاذيب وإنه ﷺ لم يقرأ ولم يكتب قط في حياته كما قلنا في دراسة فائتة:
" إنه مما لا شك فيه أن القرآن الكريم نزل على خير من طلعت عليه الشمس ﷺ وقد كان الحبيب أميا ودليلنا آيات كثيرة من آي القرآن منها الآيتان (١٥٧-١٥٨) من سورة الأعراف. وقد أكد الطبيب موريس بوكاي أنه في "كل مرة يتم فيها التأكيد أمام علماء الغرب على هذه الصفة في شخصية محمد، مقارنة بالقيمة الأدبية الرفيعة للقرآن، يثير هذا اهتماما كبيرا مما يبين استحالة أن يكون النبي هو مؤلف القرآن على عكس ما يزعمون في كثير من الأحيان في الغرب. فإذا لم تترجم كلمة أمي إلى Illiterate وإلى كلمة مماثلة فإن هذه الصفة الأساسية من صفات النبي يتم إخفاؤها". وقد حذا المترجمون الإسبان حذو المترجمين الأوروبيين الذين أبوا إلا أن يخفوا حقيقة ثابتة في القرآن والسنة. هذه الترجمة gentiles التي تعني كما قال الطبيب "نبي الوثنيين" تدل على غياب النزاهة العلمية عند هؤلاء المترجمين وغلبة الفكر التعصبي الذي لن يؤدي إلا إلى المزيد من التباعد بين المسلمين وغيرهم لأن هذا "الخطأ" الفادح يؤدي إلى المساس بجوهر الرسالة والإيمان بها"...وقبل أن نغلق باب هذا الموضوع الخطير لا بد أن نشير إلى الشروحات والتفسيرات التي يعطيها أبناء جلدتنا قاصدين من ورائها النيل من الإسلام والمسلمين. هؤلاء - للأسف الشديد - نثق بهم وهم يسقوننا سُمًّا مازجين معه العسل.
стр. 20
يقول محمد شحرور في كتابه "الكتاب والقرآن" (١) "إن النبي ﷺ كان أمياً، ولكنه يعرف الكتابة والقراءة". أمي بالنسبة لهذا القائل تعني الإنسان الجاهل بكتب النصارى واليهود. وأيضاً الإنسان الذي لا ينتمي لهاتين الفئتين، فالمهندس والطبيب والمحامي إذا لم يكونوا يهوداً أو نصارى يعدون من الأميين.
فالنبي إذن كان عربيا ولا يعرف كتب أهل الكتاب فهو إذن ليس أميا. هذا التحليل المسموم لقي إقبالاً وترحاباً كبيرا من طرف المستشرقين الذين أصبحوا يعتمدون عليه للرد على أقوال المسلمين " (٢) .
إضافة إلى ما سردناه سابقا نقرأ في كتاب "محمد والعرب" أن النبي ﷺ كان يغير بعض الحقائق طبقا للفترة الزمنية التي يعيش فيها: فآيات خلق الإنسان تتغير ويعاد فيها النظر تباعا ودليله ما يأتي: في سورة العلق [الآية: ٢] يقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ في سورة الطارق [الآية: ٦،٧] تغير المفهوم وأصبح كالآتي ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ وفي سورة القيامة [الآية: ٣٧-٣٨] نجد مفهوما آخر على حد تعبيره ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ وفي سورة الحجر [الآية: ٢٨] يقول الحق : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
стр. 21
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ فكل هذه الآيات في نظره متناقضة ولا انسجام بينها. وقد تغافل كغيره من الباحثين عن أسباب النزول والتفريق بين الآيات المكية والمدنية، ولا أظنه قرأ القرآن أصلا، وإنما أخذ هذه الأفكار من مفكرين سبقوه كويل وبلاشير ونلدكي وغيرهم من أساتذة نشر البهتان والمعلومات الخاطئة.
وتحت عنوان "الصراع الديني"، ويقصد به غزوات الرسول ﷺ ، يقول فيه: "لم يقبل اليهود بالدين الجديد، ولم يعتنقوا الإسلام، مما جعلهم يخيبون آمال الرسول، واليهود أيضا تأكدوا من أن الرسول لن يتبع ملتهم. لقد صبر اليهود كثيرا على المسلمين وبعد ذلك دخلوا في صراع معهم. فنعتوا النبي بالكاذب ولم يصدقوا أن الآيات والسور التي تتحدث عن أنبياء بني إسرائيل تنزل من عند الله، وبخاصة السور التي تتكلم على سيدنا موسى وإبراهيم ﵉ وأضافوا أن القرآن مليء بالأكاذيب والأخطاء " (ص ١٦١) . وتكلم أيضا على استعمار مكة عوض فتح مكة (ص ١٨٩) . أما عن رجوع النبي ﷺ بعد الفتح إلى المدينة فقد قال فيه:" فقد كانت (العودة) لخوفه من المسلمين الجدد في مكة فهو ليس في أمان؛ ولهذا لابد له من العودة إلى المدينة للعيش مع الأمناء والمؤمنين حقاً، وأيضاً من أجل نشر الإسلام بين القبائل الأخرى".
стр. 22
أما موته ﷺ فيقول فيه: إن عمر بن الخطاب أخبر الصحابة بوفاته مذكرا إياهم بالآية التالية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
وأكد في كتابه أن الناس رجعوا إلى عاداتهم الجاهلية، وأن المهاجرين بحكم حسدهم لابد سيفرضون وجهة نظرهم لاختيار الخليفة منهم.
إن المستشرقين الإسبان واللاتينيين يرغبون بكل الوسائل في إيقاف نشر هذا الدين، ويركزون على الهجوم عليه في شخص رسوله، دون إعطاء أي دليل علمي لذلك. فكل دارس للسيرة العطرة يعرف أن أبا بكر هو الذي قال قولته المشهورة: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". فعمر كما نعلم أراد أن يقتل من يشيع خبر وفاة رسول الله ﷺ ، فوجد أبا بكر يذكِّره بالآية التي سردناها من آل عمران. أما خليفة المسلمين فكلنا يعلم أن أبا بكر كان الأحق بها، ولاسيما أنه رفيق الحبيب في الغار، بل الأكثر من هذا أمره بالصلاة عندما كان مريضاً في آخر حياته. فكيف لا يرضى المسلمون بأبي بكر ليسير لهم أمور دنياهم وقد رضيه لهم النبي ﷺ إماماً؟
أما عيش النبي ﷺ في المدينة خوفا من بطش أهل مكة فلنعد أولاً لما كتبه المباركفوري (١) الذي قال: "ولما تم فتح مكة على رسول الله ﷺ
стр. 23
-وهي بلده ووطنه ومولده– قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها – وهو يدعو على الصفا رافعا يديه – فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم؟ " قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله ﷺ : " معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم". إضافة إلى ما قلنا فالنبي ﷺ عاش في مكة ثلاث عشرة سنة وكان معه مجموعة قليلة من الصحابة، أما الآن وبعد فتح مكة فالمسلمون كثر، والدولة قوية، والعدل موجود، والأمان أيضاً، فكيف ستسول نفس هذا الإنسان له أن ينوي القيام بهذا الفعل وهو يعلم العواقب الوخيمة لهذا الجرم.
أما كنسينس (١) Cansinos الذي ألف كتابا تحت عنوان "محمد والقرآن" فقد فاق دياز في الكذب والبهتان والتهجم على شخص النبي ﷺ وبالإمكان محاكمته خائناً في مجال البحث العلمي ومغير لحقائق تاريخية واضحة وموثقة بالتواتر. يقول كنسينس "إن سيرة محمد كسيرة الرجال الكبار من أمثال موسى وبوذا تظهر عليها غمامات ونوع من الغموض والظلامية. وهذا راجع إلى غياب الكتابات المعاصرة، للتناقضات التي حوكمت بها تصرفاته " ثم يضيف كلاما يجرح شعور كل مسلم: "بداية أود أن أقول: إننا نتكلم على إنسان مصطنع، يريد خدع الآخرين
стр. 24
بأهداف باطلة وطموحات شخصية ومع ذلك يناقش الناس القيمة الحقيقية لمؤلفه. هل هو فعلا عبقري؟ " (ص: ٣٥) .
كل صفحات الكتاب منها طعنات قوية تُسيل دماء ضعاف العلم، وتجعل القارئ الإسباني أمام وابل من المعلومات الخاطئة، ونقد لاذع لسيرة خير البشر. إنَّه عندما تحدث عن مولده ﷺ ابتداء من الصفحة (٤٤) قال: بأن طفولته مأخوذة من كتب مؤسسي الديانات الجديدة، فمولده كان في سنة معجزات: عام الفيل، قصة أمير الحبشة ...
كان النبي فقيرا، ولكن عائلته محترمة حتى يذكر مع نسبه العريق، وفي الوقت نفسه يكون له أتباع فقراء شأن الأنبياء. فمحمد ليس أميراً ولكنه بنسبه أنبل منهم. هذه ترهات مأخوذة من كتب مختلفة هدفها واضح كوضوح النهار. لقد خاض الكاتب في بحر عميق دون معرفة سابقة بفن السباحة، وبعد نهاية كتابة مقالاته غرق ولم يذكر في التاريخ إلا بعدم معرفته بالسباحة. أما ما ألفه فترك لينتقده الباحثون. لقد خاض أثناء سباحته في موضوع مقارنة الأنبياء الذين سبقوا النبي ﷺ . فكلهم مُفَضَّلون عليه. أما عيسى فله رسالة سماوية لكل العالم، وهو ليس رسول الله، بل هو ابن الله. ثم يضيف في ص (١٦٧) إن محمدا هو مسيح العرب أنشأ لهم دينا، وفرضه عليهم، فهو إذن رسول عرقي étnico.
لقد أرسل النبي ﷺ إلى الناس كافة ناسخا بشريعته الشرائع الأخرى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] ، وقد كان ﷺ يبلغ عن ربه مرشدا إلى
стр. 25
الحق وهاديا إلى طريق مستقيم. وما كان الحبيب بدعا من الرسل؛ وإنما جاء لإتمام البناء، فهو اللبنة وهو خاتم النبيين، كما قال ﷺ . وقد ردَّ القرآن على مزاعم "مشايخ" Cansinos حينما قال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وفي (ص ٧٨) يقول الكاتب إن "اليهود دخلوا في الإسلام لأنهم اعتقدوا أن النبي هو المسيح المنتظر، فدخل بعضهم في الدين الجديد ولكن أغلبيتهم رفضوا حتى يتأكدوا من صدق نبوته، فقبل النبي لأنه فكر كرجل استراتيجي، ولكنه فرض عليهم ضريبة للبقاء على دينهم. ولكن بعد مرور العام الأول بدأ يفكر فيهم ويعاديهم حتى يؤمنوا بدينه. وقد طلبوا منه مراراً وتكراراً معجزة من السماء فرفض كما رفض في مكة فولى اليهود ظهورهم ولم يتبعوه. وبعد رفضهم هذا أخذ النبي يتخذ قرارات جذرية radicales فأمر بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بمكة ثم أذاع نشر سورة البقرة (لم تنزل في نظره) التي تفضل مكة على القدس. بعدها فرض ثلاث صلوات يومية ثم أرجعها خمسا وتباعا فرض الحج إلى مكة وصوم رمضان عوض اليوم العبراني yom kippur وختم كل هذا بالزكاة ملغيا كل الصدقات التي كانت من قبل ... وفي قرآنه تناقضات منها مثلا: أن اليهود والنصارى والصابئين سيكونون من الناجين يوم القيامة، وفي أخرى يقول العكس. ويرجع تغيير العبارات في القرآن إلى حالة النبي النفسية، فكان في مكة مثلا يعطي عبارات عامة أما في المدينة فهو يتحدث كرئيس وقائد يعطي أوامر وقوانين ".
стр. 26
إضافة إلى هذه الكهانة والختل فهو يشير إلى أن دراسة السيرة النبوية تعني مرورك بألغام، ولا بد إذن من التأني والتفكير جيدا قبل كتابة أي شيء. نتخيل جيدا لو أن Cansinos لم يفكر جيدا قبل كتابته فيما كتب ما كان علينا إلا أن نشتري كل كتبه ونحرقها قبل أن تحرق قلوب إسبان أبرياء اطلعوا على سيرته، وظنوها المثال المقتدى به في العلم والتعلم.
стр. 27
٢. دراسات أنجزت في إسبانيا:
تقول مهدية أمنوح: " إذا ما قرأنا هذه المصادر بحسب تتابعها الزمني نلاحظ أن الهاجس الديني والتاريخي قد طغى على المؤلفات الأولى على خلاف المتأخرة التي سوف يأطرها الغلاف الفكري على نحو أدق.
وبعد هذا ما هو الشيء الذي يهمنا من هذه الأعمال التي عبرت عنها بـ "كتابات إسبانية"؟ إن المبحوث عنه قي هذه المادة المعرفية هو ملامح صورة معينة وموقع عنصر خاص جدا. فالبحث عن الملامح هو تحديد لحقيقة الشيء المدروس، أما البحث عن الموقع فهو ضبط للموقف تجاه المدروس. إذن فتسليط الضوء على نقطتين من هذه الدرجة: حقيقة وموقف يستحضر مجموعة من العلاقات المتشابكة فيما بينها.
فنحن إزاء ثنائية موقفية تستتبع أو تعكس ثنائية أخرى من طبيعة أكثر تعقيدا وإشكالا.
وبمعنى آخر نركز هنا على إشكالية قراءة الآخر (كتابات إسبانية) لنسيج تاريخي ليس منها وليست منه هو سيرة نبي الإسلام محمد ﷺ . ومن المعروف عند الجميع أن مخاطرات معرفية من هذا القبيل تستلزم شروطا منهجية – معرفية قاسية جدا حتى تتحقق لها صفة العلمية، وإلا كانت ضربا من العبث الذي تراكم عبر قرون في سجل علاقة الذات بالآخر والتي تمثلها ظاهرة " الاستشراق" في أجلى صورة ممكنة.
ونفوراً من هذا الاصطلاح المثقل بتبعات معرفية – أيديولوجية – سياسية..ارتأيت أن أعبر بـ"كتابات إسبانية" (وقد يدخل فيها المترجَم
стр. 28
من لغات أخرى والمكتوب بهذه اللغة من قبل باحثين غير إسبان) . كي لا أدخل في حديث شائك كله متاهات ومناقضات.
وهذا لا يعني أن الإسبان لم يساهموا في بناء هرم الاستشراق، بل كانوا من الأوائل السباقين إلى التعامل مع الدراسات الإسلامية بشكل خاص بهم."
إن العثور على كتب أنجزها باحثون إسبان يكاد يكون أمراً مستحيلاً ومردُّ ذلك في نظرنا إلى بعض الباحثين الذين لا يرغبون في ذكر الماضي العربي الإسلامي في الأندلس. وقد لاحظنا هذه السنة (٢٠٠٣) مجموعة من الاحتجاجات على بناء مسجد غرناطة؛ وذلك بسبب التخوف من إعادة الذاكرة إلى الوراء. وقد علقت القناة الخامسة الإسبانية على حدث الافتتاح قائلة: بالرغم من تشييد هذه المعلمة لا يزال هناك الشيء الكثير لكي يعود الإسلام إلى الأندلس. كل هذه هواجس نفسية يعيشها بعضهم ناسين بأن التعايش الذي ساد الأندلس يُضْرب به المثل وأيضا –كما قال غيتيسولو: "لم يكن لإسبانيا ذكر في التاريخ، لولا وجود الإسلام على أرض الأندلس".
بعد بحث مستمر في مكتبات شتى عثرنا على كتاب كامل شامل يتحدث عن سيرة الحبيب المصطفى وقد نشر في سنة (١٩٢٦) تحت
стр. 29
عنوان محمد حياته والقرآن (١) لمؤلفه منترو بدال. الكتاب في مجلدين، وتطرق الكاتب فيهما لحياة خير البشر، ولتاريخ خير كتاب أنزل من فوق سبع سموات ومضمونه.
يقول الكاتب في المجلد الأول ص ٢٥٥ "كاد حدث الإسراء والمعراج يقضي على دعوة الرسول، فكان أبو بكر هو المنقذ للرسول من صخب قريش واستهوائها". ثم يضيف "بفضل أبي بكر كما قلنا (كان قد ذكر الحدث في صفحات سابقة) وتعقل الرسول عندما حذف هذه القصة (الإسراء والمعراج) من القرآن الكريم وقد عدَّها رؤيا رآها، بفضل كل هذا استطاع تفادي الخطر (نهايته) ".
وفي صفحات لاحقة تكلم على إجماع كفار قريش على قتل النبي ﷺ وعزا الفشل الفاحش لكفار قريش إلى انتشار الخبر بين أهل مكة ويضيف ساخرا "وهناك من يقول: إنه أتاه الخبر من السماء فنُجي بفضل العناية الربانية" ولكي نرد عليه نرجع إلى ((كتاب الرحيق المختوم)) ص (١٦٣) لنقرأ ما يلي: "ثم خرج رسول الله ﷺ ، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرها على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ألم تكن فعلا عناية الله سبحانه
стр. 30
وتعالى؟ ولماذا يستهزئ هؤلاء من هذه الأخبار الصحيحة؟ ولماذا لم يأخذوا السيرة من منبعها؟ لماذا لا نترجم الكتب الإسلامية من العربية؟ لماذا ننقل الكتب الأخرى من أصولها؟ ألأنهم لا يعرفون العربية أم لغرض في نفوسهم قضوه؟
وفي المجلد الثاني تحدث عن خلق النبي ﷺ وحلمه وتواضعه ومعاملاته مع أزواجه وبناته وحفدته والأطفال الصغار وقد كان الكاتب موضوعيا -نسبيا- في كثير من الأمور. فقال في (ص٢٣٢) "كان محمد يجلس على الأرض، وكان يصلح ويرفو ثوبه بيديه، وكان يشعل النار ويكنس بيته ويقضي حوائجه بنفسه ...كانت الألوان المفضلة لديه الأبيض والأخضر، وكان لا يلبس الأحمر والأصفر إلا أثناء الحروب، كان يرتدي أجمل اللباس يوم الجمعة، وكان دائما يتصدق بملابسه القديمة".
قال أيضا في ص ٢٣٤ بأن النبي ﷺ كان لا يأكل حتى يسمي الله وكان يأكل بيده اليمنى ويحث أصحابه على ذلك ويوصيهم بعدم ترك الطعام ولعق الصحن في الأخير.
وكان محمد ﷺ يحب المساكين والفقراء ويحسن إليهم وخاصة أهل الصفة. فقد كان ينادي أحدهم للأكل معه ويرسل الآخرين إلى أصحابه. كان أيضا يحسن إلى الأطفال الصغار: "استقبله ذات يوم عبد الله بن جعفر وحفيداه الحسن والحسين، فحملهم على الجمل حتى دخلوا المدينة ...وكان ﷺ يصلي فجلس الحسين على ظهره، فانتظر حتى نزل الصبي".
стр. 31
بالإضافة إلى هذا ذكر الكاتب سؤال النبي عن أهله كل يوم، وكان يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" وكان ﷺ لا يفرق بين أحد من أصحابه، فلم يميز يوما بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا أسود ولا ضعيف ولا فقير ولا غني ولا قوي فكان ميزانه عادلا لا يغلبه إلا الحق (ص ٢٣٩) .
أما زوجات رسول الله ﷺ فيقول فيهن الكاتب: "كان لمحمد خمس عشرة امرأة، وتوفي عن تسع، عائشة وحفصة وسودة وزينب وميمونة وأم حبيبة وصفية وجويرية وأم سلمة" أما الملاحظات التي استقيناها من بحثه فهي كما يلي:
١- أن النبي ﷺ تزوج من زينب لافتتانه بها.
٢- لا يُسمَّى كل نساء النبي بأمهات المؤمنين فقد تحدث فقط عن عائشة وخديجة ﵄.
٣- أنه كان للنبي ﷺ إحدى عشرة جارية منهن:
ريحانة بنت عمرو يهودية من قريش، ذات جمال فتان عاشت معه طوال حياته ولم يعتقها إلا عند موته، كما فعل مع باقي الجاريات. ويضيف لاحقا "هناك من يقول إنه تزوجها عندما أسلمت" (ص ٢٥٢) .
لقد خاض المستشرقون في موضوع التعدد، وكتبوا فيه ما شاؤوا آملين في الوصول إلى النتيجة التي يرغبون فيها، وهي شهوانيته، وحاشى لله أن يكون الأمر كذلك، ودليلنا ما يلي:
стр. 32
١- أن النبي ﷺ لم يتزوج قط على خديجة كما نعلم، وكان سنها يناهز الأربعين.
٢- أن زواجه الأول كان في عنفوان شبابه، ولو كان كما قالوا لتزوج من شاء.
٣- لم يكن الرسول في راحة طوال حياته الدعوية، فقد كان في جهاد مستمر، ولا وقت له للتفكير فيما يظنه أهل الغرب.
٤- كان زواجه ﷺ لحكمة أرادها الباري تعالى: فمثلا تزوج سودة لكون زوجها توفي عند عودته من هجرته إلى الحبشة. وزوجه الله زينب بنت جحش لإبطال عادة التبني ونسخ تحريم الزواج بامرأة المتبني.
٥- كان لجل الأنبياء نساء كثر، فلماذا يميزون بين الأنبياء؟
إن كتاب Montero Vidal فيه مجموعة من المعلومات المفيدة، استاقها الكاتب من منابع أصلية، ولكنه لم ينس قط هدفه من وراء كتابة هذه السيرة، ألا وهي النيل من الإسلام والمسلمين.
ثاني كتاب شامل ألفه (١) Machordom Comins, alvaro سنة (١٩٧٩) . وهو كذلك مترجم لمعاني القرآن الكريم.
стр. 33
تطرق في هذا البحث لأحداث السيرة كما جاءت في أمهات الكتب المهتمة بالموضوع. فتطرق إلى موقع العرب وأقوام العرب والديانات الموجودة هناك. ثم تحدث عن مولد الحبيب ﷺ ودعوته سرا وجهارا، وما لاقاه من إيذاء ومعاناة. كل هذا من دون المس بجوهر البحث العلمي. وسأعلق فقط على عنوان كتبه في الصفحة (١٢٧) قال فيه: معجزة واحدة: القرآن الكريم. لقد تحدى الحبيب ﷺ كل أهل مكة، بل كل أهل الأرض أن يأتوا ولو بسورة، بل ذهب أكثر من هذا فطلب منهم الإتيان بعشر آيات، فعجزوا وولَّوا خائبين مدبرين. فجعله الله له معجزة خالدة أبد الآبدين.
ولكن مع هذه المعجزة العظيمة هناك معجزات أخرى للحبيبب منها على سبيل المثال لا الحصر: انشقاق القمر كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ١- ٢] . ومنها أيضا نبع الماء بين أصابعه ﷺ ، وأيضا حنين الجذع كما وقع في مسجد المصطفى ﷺ ، وأيضا إبراء المرضى وذوي العاهات، وإنزال المطر بدعائه وتكثير الطعام في أكثر من موضع كما وقع في غزوة الخندق (١) ...
فهذه كلها معجزات ما وجدناها في كتب السير التي كتبها الإسبان
стр. 34
بالإضافة إلى هذين الكتابين اهتم الإسبان بالسيرة عن طريق مقالات أو فصول خاصة بهذا الغرض. وسنعرج للحديث عن بعضها لأن إحصاءها كلها ضرب من الخيال.
أولى هذه البحوث نقرؤها في كتاب تصحيحي (١) ، هدف من خلاله مؤلفه تغيير مفاهيم خاطئة من الكتب المدرسية الإسبانية. ويتضح ذلك جليا من خلال عنوان الكتاب Mahoma y el Islam en los manuales de Bachillerato espanol وقد كانت تكلفة طبع الكتاب على نفقة فاعل خير من المملكة كما كتب المؤلف في المقدمة.
راجع الكاتب حوالي (١٦٨) كتابا مدرسيا ليرى إلى أي حد يتوافق ما كتب وما تزود به التلميذ الإسباني مع الحقائق الإسلامية. وخلص إلى ما يلي:
١- أن الكتب تتحدث عن جزيرة عربية مليئة بالرحل.
٢- أن سكان الجزيرة العربية ينهبون ويقتلون ويثأرون لأنفسهم.
٣- أن محمداً بدأ دعوته من المدينة حيث أسس دولة عوض التقسيمات السياسية بين القبائل.
٤- انتشر الإسلام بحد السيف عن طريق الجهاد guerra santa.
٥- دخل العرب التاريخ عن طريق عبقرية محمد السياسية والدينية.
стр. 35
وقد رد الكاتب على هذه المزاعم وصحح مفاهيم مغلوطة وأفكارا خاطئة لجيل الغد، عسى ألا تبقى مادة التاريخ الإسلامي معلقة وسببا في عدم وجود حوار حقيقي مع الغرب عموما والإسبان خصوصا.
وبعد ذلك بخمس عشرة سنة، نشر مركز التعاون الدولي بمدريد كتابا يحمل بصمات العديد من الباحثين (١) . وقد كان بمنزلة معين للأساتذة على فهم صحيح للإسلام والمسلمين. وهكذا سهر هؤلاء الباحثون على تقديم معلومات للأساتذة، حتى يلقنوا تلامذتهم علما صحيحا يفهمون في ضوئه سيرة الصادق الأمين.
في هذا الكتاب نقرأ أكاذيب تروج بين التلاميذ والطلبة من مثل:
١- أن القرآن كتبه محمد في إبان دعوته الدينية.
٢- دخول الناس في دين الله أفواجاً.
٣- أن الجهاد ركن من أركان الإسلام. وعلى المسلم نشر الدين بالقوة.
٤- أن العرب كانوا معتادين الحرب. فمعتقداتهم كانت بدائية.
تصدت الباحثة القديرة Gema Martin وآخرين لمثل هذه الأكاذيب ولخصوا إثر ذلك حياة خير البشر. فأشاروا إلى المعاناة التي لاقاها النبي وأصحابه، ولخصوا ركائز الإسلام الخمس. ولا تخلو هذه التصحيحات
стр. 36
من هفوات: كإرجاع النصر والتمكين لشخص رسول الله ﷺ ، ناسين أو متناسين رعاية الله تعالى وإرشاده لنبيه.
في سنة (٢٠٠٠) تم نشر أحد أخطر كتب الاستشراق (١) . وقد تعمد فيه الكاتب العنف والتطاول؛ لأنه خرج من قلم خبيث أراد الضرب الموجع، وظن المسكين أن الضربة ستكون قاضية. ولكن لم يستطع إقناع بني جلدته ودخل معهم في عراك سبب له في الأخير عزلة في قسمه بجامعة أوتونما بمدريد في انتظار عزله عن العالم الثقافي إجمالا.
وقد عنون الكتاب بما يلي: Al- Andalus contra Espana: la forja del mito وفيه أماط بنفسه اللثام عن وجهه وأظهر حقيقته العارية. فقد أقحم في هذا الكتاب كل النصوص السلبية في التاريخ ليعزز فكرته القائلة بأن إسبانيا لم تعش أبدا تاريخا عربيا ولا تعايشت مع ديانات أخرى. ولنأخذ مثالاً على ذلك وهو عن الصادق الأمين الذي ظل يرقى – كما قال الغزالي ﵀-في مدارج الكمال حتى بلغ شأوا من سناء القلب واللب، وجلال الخلق والعمل لم يعرف لأحد من المستقدمين والمستأخرين. قلت: جمع هذا "الباحث" نصوصاً لتوضيح ما يكن لنبينا من ضغن وإنكار. فقد كتب في ص (٤١) ما يلي: "في كتاب Primera Cr?nica General نجد نقدا صريحا ومباشرا للإسلام وقد بدأ تدوين
стр. 37
الكتاب سنة ١٢٦٩ إلا أن الفصول المتعلقة بمحمد -كما قال- Menéndez Pidal كتبت بمداد الملك ألفونسو الملقب بالحكيم ...وتبعا لموقف الكنيسة الكاثوليكية، فألفونسو لا يعترف بذرَّة واحدة من صدق محمد، ولا يقبل حتى تحركه بنية صادقة. إنه النبي الكاذب بكل تأكيد، وإجرامه يتمثل في إنشاء دين يتسم بالإفك".
وفي معرض حديثه عن الإسراء والمعراج لخص ما جاء في كتاب Estoria de Espana حيث عدَّ بعض من الباحثين الحدث كأكذوبة وسخرية واستهتار ونوع من ملء القرآن للفراغ الذي لحقه لغياب قصص عن حياة الرسول.
أما ألفونسو العاشر فقد صوره الكاتب كالعدو اللدود للرسول. وهكذا يعد الحكيم محمدا رجلا كذابا لسببين اثنين: أولهما لكون الملك مسيحياً وثانيهما لكونه ورث عرش الآباء وهو يعي المسؤولية التي على عاتقه، حيث لا بد من معاداة الإسلام والمسلمين ويركز الكاتب على الفترة الزمنية.
وفي كتاب آخر La Primera cronica سرد الكاتب ما ورد من حادثة الإسراء والمعراج. وعرف الأخطاء الكثيرة في الكتاب منها أن النبي غزا دمشق، وأنه (مؤلف La Primera cronica) لا يميز ما بين خديجة وهداية (عمة الرسول) وأن النبي في هذا الظرف الحرج تلقى الوحي واستغله فيما بعد لدعوته.
стр. 38
وفي النهاية قتل محمد شر قتلة مسموماً، ولم يَفِ بوعده بعودته إلى الحياة بعد ثلاثة أيام.
وقد أسس ألفونسو العاشر –على حد تعبير فنخول في مدينة إشبيلية مدرسة لتعلم اللغة اللاتينية والعربية. وقال الكاتب أن مردَّ ذلك هو التفكير المصلحي؛ لأن الأساتذة العرب في ذلك الوقت كانت لهم تخصصات علمية لا يتوفر عليها الإسبان كالطب.
بالإضافة إلى كل هذا هناك سب وقذف ونيل من شخص الرسول ﷺ ، وقد بحث الكاتب عن هذه النصوص وقرأها قراءته الشاذة حتى لا تبقى "أسطورة" التعايش بين الديانات والأجناس، ولاسيما في بلده إسبانيا.
كل هذه الأفكار مدحوضة ومردودة عليه، ودليلنا أن الملك ألفونسو لم يكن فقط مهتما بالتراث الإسلامي بل كان شغوفا به (١) . وقد ساهم في إنجاح مدرسة طليطلة للترجمة، إحدى أهم المدارس في العالم وقد كان يعمل فيها مسلمون ويهود ونصارى. وقد أمر الملك بترجمة التراث الإسلامي بما فيه من فن وأدب وتاريخ ... أما الكتب التي ذكر Fanjul فهي فعلا تحوي العديد من المغالطات، وفيها سب وقذف للرسول ﷺ ، وقد انتقدها العديد من الباحثين القدامى والمستحدثين.
стр. 39
إن Fanjul كان يعيش عزلة لا مثيل لها ولكي يخرج منها وتعود له الأضواء، كما كانت من قبل ارتأى كتابة كتاب لسب الإسلام والمسلمين؛ لأنه هو الوحيد الكفيل بشهرته. فالإسلام أصبح اليوم تجارة يربح من خلاله ذوي الضمائر الميتة قوتا حراما يقدمونه لأفواه المتعلمين والعنصريين.
٣- دراسات مترجمة:
اشتهر الإسبان بترجمة الكتب في القرن الماضي. وعدد الكتب المترجمة في هذا البلد يفوق بكثير ما يترجم في العالم العربي بأسره. فالترجمة أصبحت سلاحا فتاكا في عصرنا الراهن. من جملة الكتب المترجمة مجموعة كتب ومقالات تتحدث عن حياة خير البشر ﷺ . سنقتصر على ذكر ثلاثة منها وهي كالآتي:
١- Para comprender las religiones en nuestro tiempo (١)
لكي نفهم الديانات في عصرنا الراهن.
٢- Compendio historico de la vida del falso profeta Mahoma (٢) ملخص تاريخي لحياة النبي غير الحقيقي محمد..
٣- Mahoma (٣) محمد.
стр. 40
إن من يطلع على سيرة الرسول ﷺ يجده ذلك الرجل الكامل بأخلاقه وحلمه وجهاده وعدله. ولكن إذا كان القارئ أعمى فكيف سيرى هذا الكمال وهذا الجمال؟. لقد ترجم الإسبان كتبا للدفع بعجلة الحقد والكراهية إلى الأمام. فترجموا الكتاب الثاني الذي سردناه ولم يوردوا حتى اسم المترجم لغرض في نفوسهم. وقد ترجمه لصدق الانتقادات الموجودة فيه كما ورد في مقدمة المترجم. ولكيلا أطيل كثيراً أسرد خصائص هذا الكتاب:
١- لم يُذكر النبي في كل الكتاب إلا مصحوباً بالكذاب (falso apostol) .
٢- كون النبي استغل ذكاءه في نشر دينه. فهو إنسان مثل أهل مكة، ولكنه استطاع بفضل قراءته بعض أمثلة الإنجيل التعالي عليهم وقيادتهم.
٣- إعطاء صبغة القداسة للقرآن حتى يثق الناس في صدق نبوته.
٤- عدم انسجام أفكار محمد لعدم تخميره إياها.
٥- الاستهزاء باللغة العربية عدّها دون المستوى.
أما الكتابان الآخران فقد كانا أقل عنفا، ووصف في أحدهما الصادق الأمين بكونه كاهنا، وأنه كان يمر بأزمة نفسية خطيرة. يقول الكاتب:
no sabemos cuando comenzo a retirarse habitualmente en una caverna de la colina de Hira a pocos quilometros al noreste de Macca, una de esas montanas aridas y desnudas, de fealdad absoluta, con matices sucios o monotonos, que alteraban el amarillo sucio, el