فنشط بعد قبولهم له وصار رأساً في النصرانية، يبني الكنائس، ويطوف البلاد شرقاً وغرباً يدعو ويرسل الكتب والرسائل يبين فيها ديناً وأمراً غريباً عن الحواريين وعن شريعة عيسى ﵇ ١.
وبالنظر الفاحص فيما خلف بولس من رسائل يتضح للناظر فيها ملاحظات عديدة نقتصر منها على ذكر أهم مخالفاته لدعوة المسيح ﵇
١ - ادعاؤه أن المسيح ابن الله:
من الدعاوى التي أطلقها بولس هي ادعاؤه أن المسيح ﵇ ابن الله -تعالى الله عن ذلك - فمن ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل عن بداية دعوة بولس (٩/٢٠) قال:"وللوقت جعل -يعني بولس - يكرز في المجامع أن هذا هو ابن الله"??.
ويقول بولس في رسالته إلى غلاطية (٤/٤) "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ".
فهذه الدعوى ظهرت أولاً في كلام بولس ودعوته، ثم ظهرت قوية في المجامع النصرانية، وقامت عليها الديانة كلها، وهذا كله خلاف ما صرح المسيح ﵇ به مراراً من أنه رسول لبني إسرائيل، وأنه إنسان، وابن
стр. 317
إنسان، وابن داود، وغيرها من الألقاب التي تؤكد أنه بشر ابن بشر، ومن ذلك قول إنجيل متى (٨/٢٠) " فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه".
وفي إنجيل يوحنا يقول (٨/٤٠) "وأنا إنسان علمكم بالحق الذي سمعه من الله"١
فهذه النصوص قد أكد بها المسيح بشريته إلا أن بولس بعد قد أضفى على المسيح صفة "ابن الله" وأعطاها ذلك المضمون الذي أخذت به النصرانية من اعتقادهم أن المسيح إله، ابن إله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
٢- ادعاؤه أن الغاية من مجيء المسيح ﵇ هو الصلب وتكفير الخطايا:
وفي هذا يقول بولس في روميه (٣/٢٣) :" إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة" ويقول في روميه أيضاً في (٥/٦) "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار ... ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ".
وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (٥/٢١) يقول "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه".
فهذه الدعوى التي علل بها بولس حياة المسيح وموته هي التي قامت عليها
стр. 318
النصرانية بعد، ولم يكن لها في الحقيقة شيء من الصدى في حياة المسيح ولا كلامه. بل ورد عن المسيح ﵇ التصريح بأنه جاء ليدعو إلى التوبة والإنابة.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) قوله" لأني لم آت لأدعوا أبراراً بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٢) يقول" وبعد ما أُسْلِم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذا ظاهر منه أن المسيح ﵇ قد صرح بأن الهدف من رسالته هو الدعوة إلى التوبة. إلا أن بولس اخترع من عند نفسه هدفاً آخر للمسيح لم يصرح به المسيح ولم يقله وهو أنه إنما جاء ليصلب تكفيراً للخطايا.
٣ - ادعاؤه أن دعوة المسيح ﵇ كانت عامة لجميع بني البشر
ادعى بولس أن المسيح ﵇ رسول لجميع الأمم ثم زعم لنفسه بأنه مرسل إلى جميع البشر، وفي هذا يقول في روميه (١١/١٣) "فإني أقول لكم أيها الأمم، بما أني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي ".
وفي غلاطيه (١/١٥) يقول"ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم".
وفي أفسس (٣/٨) يقول"أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم"?
وهذه الدعوى منه تخالف ما ذكره المسيح عن نفسه وما وصى أيضا به تلاميذه حيث يقول عن نفسه في إنجيل متى (١٥/٢٤) "لم أرسل إلا إلى
стр. 319
خراف بيت إسرائيل لضالة".
ووصى تلاميذه بقوله في إنجيل متى (١٠/٥) " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤ - إلغاؤه لشريعة موسى ﵇ ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرد بدون عمل.
ألغى بولس شريعة موسى ﵇ وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما..... فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي لست أبطل نعمة الله، لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب".
ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح ﵇ لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسويه، وتصور أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولاً تم بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيئ من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والإمتناع عن الزنا١.
وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى ﵇ خلاف ما أكده المسيح عليه
стр. 320
السلام ودعى إليه فقد ورد في إنجيل متى (٥/١٧) أنه قال ": لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات. فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات".
فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موس ﵇ وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تماماً، لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح ﵇ أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركز تركيزاً خاصاً على التوبة والتخلص من الخطايا ١.
وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح ﵇ دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح ﵇ بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى ﵇ وَوَجْهِ إلغائها، وتكرر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهم ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلاً واحداً يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفراً بالديانة ونقضاً لها من أساسها.
كما يعتبر بكل المعايير فشلاً في الدعوة، وليس نجاحاً كما يظن النصارى
стр. 321
لأن النجاح في الدعوة هو أن تنجح في الدعوة إلى كامل المنهج الذي تدعو إليه بأصوله وفروعه، أما تغييره أو الاكتفاء بجزء شكلي منه فلاشك أن ذلك فشل كبير.
٥- إلغاؤه للختان:
اختتن المسيح ﵇ ١ والتزم به، لأنه من شريعة موسى فقد ذكر اليهود في كتابهم أن الله تعالى قال لإبراهيم ? ﵇ كما في التكوين (١٧/١١) "يختن منكم كل ذكر فَتُخْتَنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني وبينكم ... وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي".
ومع هذا التأكيد على الختان، فقد ألغاه بولس من ضمن ما ألغى من شريعة موسى ﵇، وفي هذا يقول في روميه (٢/٢٨) " لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان".
هذه بعض الأمور التي يلاحظها الإنسان الذي يطلع اطلاعة سريعة على رسائل بولس التي تكونت بعد منها النصرانية، وقامت عليها وغطت تعاليمه على تعاليم المسيح ﵇ بل ألغتها وحلت محلها، كما سبق ذكره، ومن الجدير بالذكر أن أتباع المسيح الأوائل لم يقبلوا تلك الدعاوى من بولس بل ردوها وفي هذا يقول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (١/١٥) : "إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني"، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين
стр. 322
عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇ وتتلمذوا عليه.
إلا أن تلك الدعاوى وجدت رواجاً لدى الرومان واليونان وخاصة في غرب أوربا حيث كان الغالبية وثنيين، فناسبتهم هذه المبادئ فأخذوا بها، ثم طبعها بطابع الشمول والإلزام مجمع نيقية سنة ٣٢٥م حيث قرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيراً لخطايا البشر كما تقدم١، فأصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.
د- التأثر بالوثنيات والفلسفات الوثنية:
لقد نادى المسيح ﵇ بأنه لم يرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة، بل نهى أتباعه عن الذهاب إلى قرى غير اليهودية٢، إلا أن أتباعه فيما بعد خالفوا ذلك، وتوجهوا إلى الوثنيين من الرومان واليونان والفرس وغيرهم في المناطق المجاورة، والأماكن التي أمكنهم الوصول إليها، ولما كانت الديانة المسيحية تفتقر للمقومات التي تكفل لها التأثير في تلك المجتمعات، حيث كانت دعوة لبني إسرائيل خاصة، وليس لها الصبغة العالمية التي يمكن أن تتغلب بها على تلك الأديان والفلسفات. لذا فقد غُلبت وأمكن للديانات الوثنية أن تصبغها بصبغتها، بل ألغتها تماماً، واحتلت مكانها، وأخذت مسماها، هذا أمر يتضح لكل ناظر في الديانة النصرانية المحرفة، وقد أكد علماء الأديان والتاريخ ذلك، وأن الديانة النصرانية قد إصطبغت بالصبغة الوثنية، وأنها أخذت عقيدتها وعبادتها من تلك الوثنيات فضمتها إليها ووضعت
стр. 323
عليها اسمها١.
ومن الأمثلة على أن النصارى قد رددوا عقائد الوثنيين الذين كانوا قبلهم ما يلى:
١- إن التثليث موجود عند الهنادكة والبوذيين قبل النصارى وفي هذا يقول "فابر" في كتابه (أصل الوثنية) : "وكما نجد عند الهنود ثالوثاً مؤلفاً من برهمة وفشنو وسيفا، هكذا نجد عند البوذيين فإنهم يقولون إن بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثلاثة ... ".
كما كان يوجد ذلك أيضاً لدى المصريين والفرس واليونان والرومان والأشوريين والفينيقيين والاسكندنافيين والتتر والمكسيكيين والكنديين٢.
وكذلك المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن الآلهة ثلاثة وهم (أتوم وشو وتفنوت٣" أو أوزيريس وأيزيس وهورس٤.
٢- إن الصلب - فداءً للبشر- عقيدة وثنية كانت موجودة لدى الهنادكة، وفي هذا يقول "هوك" في كتابه "رحلة هوك": "ويعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداءاً عن الناس من الخطيئة".
وقال "دوان" في كتابه "خرافات التوراة والإنجيل" ما نصه: "ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو والذي
стр. 324
لا إبتداء ولا انتهاء له على رأيهم، تحرك حنوا كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه".
وقالت "مسز جمسون" في كتابها "تاريخ سيدنا من الآثار": "كان الميليتيون يمثلون الإله إنساناً مصلوباً مقيد اليدين والرجلين بحبل خشبه وتحت رجليه صورة حمل، والسوريون يقولون: إن تموز الإله المولود البكر من عذراء تألم من أجل الناس، ويدعونه. المخلص، والفادي، والمصلوب"١.
٣-الإعتقاد بأن إلهاً تجسد وولد من عذراء هو كذلك من عقائد الوثنيين. ففي هذا يقول "دوان" في كتابه السابق: "والهنود يقولون إن كرشنه هو ابن العذراء النقية الطاهرة ديفاكي ويدعونها والدة الإله.
ويقول المصريون: إن هورس "حورس" المخلص ولد من العذراء إيسيس "ايزيس"، وأنه المنبثق الثاني من عامون، ويقولون الابن المولود، ويصورونه إما على يدي أمه أو على حضنها"٢.
فهذه أمثلة واضحة على تأثر الديانة النصرانية بالأديان الوثنية قبلها بل إن الأديان الوثنية تغلبت على ديانة المسيح ﵇ وصبغتها بصبغتها، وقد صرح المؤرخ "هـ. فيشر"بذلك التشابه حيث قال: "غير أنه ليس ثمة شك أن اتخاذ المسيحية – فيما بعد- ديانة رسمية للبلاد - يعني الإمبراطورية الرومانية - ساعد على ازدياد صفوف المسيحيين زيادة سريعة،
стр. 325
سيما أن التحول عن الوثنية إلى المسيحية لم يكن إنتقالاً إلى جو غريب تمام الغرابة، أو شعوراً بانقلاب باغت مفاجئ، بل بدا الولوج في المسيحية عملية رفيقه في كثير من التدرج الشعوري العاطفي، إذ شابهت طقوس الديانة المسيحية وأسرارها المقدسة ما للديانة القديمة من طقوس وأسرار، كما اشتملت تعاليمها على تعاليم الأفلاطونية الحديثة، ١ يضاف إلى ذلك أن القول بوجود واسطة بين الله والناس أمر مألوف عند الفرس وأهل الأفلاطونية الحديثة٢ سواء٣".
وفي نفس الموضوع يقول "شارل جنيبر " رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس: " إن المسيحية لم تكن تستطيع مدافعة أمام هذه النزعات والشعائر السائدة، وإذا كانت - أي النصرانية- قد انتصرت في القرن الثالث على سائر ألوان "التأليف" الديني الوثني، فذلك لأنها كانت قد تطورت هي الأخرى إلى تأليف ديني تجتمع فيه سائر العقائد الخصبة والشعائر الجوهرية النابعة من العاطفة الدينية الوثنية، قامت هي -أي النصرانية - بترتيبها، وتركيبها، وأضفت عليها الإنسجام الذي تفتقر إليه، بحيث استطاعت أن تقف مفردها أمام أشتات المعتقدات والشعائر التي يؤمن بها أعداؤها دون أن تظهر ضعفاً أو نقصاً عليها في أي من المجالات الهامة.
стр. 326
وتمت ظاهرة التشرب هذه- وهي من الظواهر الأساسية في تاريخ المسيحية - في بطء بطيء معتمدة على الإتصال الدائب بتطور الإيمان بين جميع طبقات المجتمع الوثني، ذلك المجتمع الذي اختلفت فيه صور الإيمان باختلاف بيئاته وباختلاف العهود التي مر بها، ... وإنها لظاهرة تفسر لنا كيف جاء العصر الذي استطاعت فيه المسيحية أن تكسب عطفاً نشيطاً بين رحاب العالم اليوناني الروماني"١.
فهذا يكفي للدلالة على تشرب الديانة النصرانية للأديان الوثنية التي توجهت إليها، وهذا في عرف الدين الحق إنحلال وكفر بالدين الإلهي، الذي يجب أن يكون صحيح النسبة إلى الله??تعالى، في أصوله وفروعه، نقياً في عقائده وتشريعاته من خرافات البشر، واملاءات الشياطين.
ولكن كيف تشربت الديانة النصرانية الأديان الوثنية؟
إن الناظر في كبار الدعاة إلى النصرانية في العصور الأولى والذين يشار إليهم بأنهم من أعظم الناس أثراً وتأثيراً في الديانة النصرانية، هم فلاسفة متعمقون في الفلسفات الوثنية، وبعد تنصرهم نقلوا تلك الفلسفات معهم إلى الدين الجديد، وحاولوا أن يسدوا الثغرات التي يجدوها في الديانة النصرانية - وما أكثرها - بمزيج من الفلسفات التي كانوا عليها من قبل، ومن هؤلاء الذين كان لهم دور في ذلك:
بولس (شاؤول اليهودي) وسبق الحديث عنه.
"يوستينيوس" الذي ولد سنة ١٠٠ أو ١٠٥م فقد ولد من أبوين
стр. 327
وثنيين، وتربى على الديانة الوثنية وتعلم الفلسفة الرواقية١ ثم درس فلسفة الأكاديميين٢ والفيثاغوريين٣٤.
قال عنه القس حنا الخضرى "مما لاشك فيه أن الدراسات الفلسفية الكثيرة التي درسها يوستينوس قبل تجديده ٥ تركت في تعاليمه بعض الآثار الوثنية"٦
" تاتيان السوري " المولود عام ١١٠م من عائلة وثنية درس الفلسفة في بلاد اليونان، ثم ذهب إلى روما ودرس دياناتهم وفلسفاتهم، ثم تتلمذ على يوستينوس ٧.
"أثينا غورس الأثيني": كان معاصراً "لتاتيان السوري" كان يحب الفلسفة، وكتاباته مليئة بالإقتباسات الشعرية والفلسفية.
"ثيوفيلوس الأنطاكي": ولد من أبوين وثنيين، وكانت ثقافته يونانية وثنية، وهو أول من استعمل كلمة الثالوث في تاريخ العقيدة النصرانية٨.
стр. 328
"اكلميندوس الإسكندري" ولد على ما يحتمل سنة ١٥٠م في أثينا من أبوين وثنيين وكان محباً للعلم شغوفاً به مولعاً بالبحث عنه أينما وجد، ورحل
في ذلك رحلات عديدة، إلى أن حطت به الرحال في الاسكندرية ملتقى الثقافات المتنوعة، وصار بعد أن دخل النصرانية مديراً لمدرسة التعليم المسيحي
في الإسكندرية والتي أسسها باثنيوس الذي كان قبل دخوله النصرانية وثنياً رواقيا.
وكان اكلميندوس الإسكندري متأثراً جداً بـ يوستنيوس وفلسفته فأدخل هذه الأمور في تعاليمه عن المسيح وفي هذا يقول القس حنا الخضري: مما لاشك فيه أن العلوم والفلسفات الوثنية الكثيرة التي درسها والبيئة التي نشأ فيها إكلميندس، تركت فيه أثراً عميقاً لم يكن من السهل محوه محواً تاماً"١.
"اغسطينوس" ولد سنة ٣٥٤م في مدينة سقسطه في الجزائر، وتوفى سنة ٤٣٠م، الذي تميزت سنوات شبابه بالصراع العقلي والأدبي فقد جذبته الفلسفة الثنائية لجماعة المانويين وصار تابعاً أميناً للعقيدة المانوية وفلسفتها ثم ضاق بالمانوية وصار اهتمامه بالأفلاطونية الحديثة، والذي من خلالها صار يعتبر نفسه مسيحياً، ثم خلع عنه فيما بعد حياة المجون والفساد، واستقبل الحياة النصرانية وبرز فيها إلى أن صار اسقفاً لهيبو في منطقة تونس إلى أن توفى سنة ٤٣٠م وصار من أعظم قادة الكنيسة بعد بولس، إلا أن أفكار الأفلاطونية الحديثة أثرت على تعاليمه يقول جون لوريمر: " كانت معالجة اغسطينوس للأوجه الرسمية الخاصة بالفكر اللاهوتي متأثرة بخلفيته عن الأفلاطونية الحديثة٢".
стр. 329
ولا نريد أن نطيل في عرض هذا الموضوع إنما المراد الإشارة إلى أن العقائد الأجنبية التي اصطبغت بها النصرانية دخلتها عن طريق هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا رواداً للديانة في بداية انطلاقها إلى البلدان الوثنية فقد عبرت إلى الوثنيين عن طريق هؤلاء المتشبعين بالفلسفات والوثنيات، حيث صبغوها بفهومهم ومعارفهم وعقائدهم السابقة وقدموها للناس شارحين ومدافعين ديانة مخلوطة بالفلسفة الوثنية في ثوب ديانة توحيدية سماوية.
هـ - تدخل الإمبراطور قسطنطين
الإمبراطور قسطنطين إمبراطور الدولة الرومانية هو الذي رفع الاضطهاد عن النصارى بعد أن دام ما يقارب (٣٠٠) سنه من قبل اليهود والرومان، فقرب هذا الإمبراطور النصارى إليه، ورفع الاضطهاد عنهم، فانحازوا هم إليه وقبلوا منه ذلك، ثم إنه لما رأى اختلافهم وتباين أقوالهم دعاهم إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م فاجتمعوا في ذلك المجمع، ولما كان هو وثنياً ولا علم عنده أيضاً بالمسيحية انحاز إلى ما يوافق هواه ورغبته، فنصر قول القائلين بإلوهية المسيح، وأمر بلعن وطرد من خالفهم وملاحقته. وبالفعل تم ذلك وترتب عليه القضاء على التوحيد، واندراس معالمه بعد ذلك، كما أدى ذلك إلى انتشار النصرانية المثلثة بقوة السلطان، وأولهم" قسطنطين" الذي لم يدخل في الديانة النصرانية إلا وهو على فراش الموت١.
و المجامع النصرانية:
تقدم ذكر المجامع وأهم قراراتها، فتبين لنا أن تلك المجامع هي التي كونت
стр. 330
الديانة النصرانية، ووضعت أهم أسسها، وهي التي حاربت التوحيد عن طريق قراراتها، فأصبحت الديانة النصرانية تدين في الواقع تلك المجامع في تكوينها وفي دعوتها لمحاربة وتكفير كل من يخالف قراراتها.
стр. 331
الفصل السادس: أهم الفرق النصرانية المعاصرة
لما فقد النصارى كثيراً من آثار الوحي والنبوة التي جاءتهم، ولم يعد عندهم أصل صحيح يرجعون إليه. اختلفوا وتفرقوا شيعاً وأحزاباً متباغضة متعادية. وفي هذا يقول الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المائدة (١٤) .
ومن الجدير بالذكر إن دعوة التوحيد التي نادى بها المسيح ﵇ استمرت في تلاميذه وحوارييه قوية فاعلة إلى تدمير بيت المقدس سنة ٧٠م ثم استمرت على نحو أضعف إلى التدمير الثاني سنة ١٣٥م، حيث قُضِي عليها وتشرد أتباعها، فانفسح المجال واسعاً أمام المذاهب المنحرفة التي ظهرت في النصارى في وقت مبكر بدخول بولس " شاؤول اليهودي " في النصرانية بعد رفع المسيح ﵇ بسنوات قلائل وبتأثير الديانات الوثنية والفلسفات الوثنية. فتوزع النصارى إلى فرق وأقوال عديدة متباينة تبايناً شديداً في أصول الديانة والعقيدة، إلا أن دعوة التوحيد كانت تظهر بين الحين والحين مع شوائب عديدة، ولم يبدأ الانقراض التدريجي لها إلا بعد مجمع نيقية سنة ٣٢٥هـ الذي انعقد أصلاً للنظر في قول فرقتين من أكبر فرق النصارى في ذلك الوقت، وهو قول الفرقة الأريوسية الموحدة بأن المسيح بشرٌ مخلوق، وقول الفرقة البولسية بأن المسيح ابن الله خالقاً وليس مخلوق تعالى الله عن قولهم.
стр. 332
فانتصر في ذلك المجمع القائلون بألوهية المسيح، وهو مذهب بولس، واعتنقت الدولة الرومانية المسيطرة في ذلك الزمان ذلك المذهب مما أتاح لهذه الفرقة الدعم القوي والبقاء والانتصار على جميع الطوائف الأخرى التي اندثرت بعد ذلك بسبب شدة الكنيسة البولسية على مخالفيها، وصار بعد ذلك جُلَّ النصارى يجمعون على القول بألوهية المسيح وأنه نزل ليصلب تكفيراً لخطيئة آدم ﵇، واعتبار أن الأناجيل الأربعة متى - مرقص - لوقا -يوحنا وبقية العهد الجديد مع العهد القديم هي الكتب المقدسة، ويختلفون في أمورٍ أخرى متعلقة بتلك العقائد أو غيرها من التشريعات. وينقسمون إلى طوائف عدة:
أولاً: القائلون بالطبيعة الواحدة للمسيح.
هم من أخذ بقرار مجمع أفسس السابق ١ وهم الأقباط ٢واليعاقبة ٣ والأرمن٤والأحباش.
стр. 333
ثانياً: القائلون بأن المسيح له طبيعتان.
هم من أخذوا بقرار مجمع خلقيدونية١، ويقال لهم الملكانية نسبة إلى الملك وهو الإمبراطور الروماني البيزنطي، والملكانية انقسموا إلى ثلاث طوائف كبار هي:
стр. 334
الطائفة الأولى: الكاثوليك:
وهم أتباع البابا في روما وأهم ما يتميزون به هو:
١- قولهم بأن الروح القدس انبثق من الأب والابن معا "وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند الكلام على المجمع الثامن".
٢- يبيحون أكل الدم والمخنوق.
٣- أن بابا الفاتيكان هو الرئيس العام لجميع الكاثوليك.
٤- تحريم الطلاق بتاتاً حتى في حالة الزنا.
والكاثوليك هم أكثر الأوربيين الغربيين وشعوب أمريكا الجنوبية وتسمى كنيستهم الكنيسة الغربية.
стр. 335
الطائفة الثانية: الأرثوذكس:
وهم نصارى الشرق الذين تبعوا الكنيسة الشرقية في القسطنطينية "وقد تقدمت الإشارة إلى انشقاقهم عند الكلام على المجمع الثامن".
وأهم ما يتميزون به هو:
١- أن الروح القدس إنبثق عندهم من الأب فقط.
٢- تحريم الطلاق إلا في حالة الزنا فإنه يجوز عندهم.
٣- لا يجتمعون تحت لواء رئيس واحد بل كل كنيسة مستقلة بنفسها. وهذا المذهب منتشر في أوربا الشرقية وروسيا.
стр. 336
الطائفة الثالثة: البروتستانت: ويسمون الإنجيليين:
وهم أتباع مارتن لوثر الذي ظهر في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا وكان ينادي بإصلاح الكنيسة وتخليصها من الفساد الذي صار صبغة لها.
وأهم ما يتميز به أتباع هذه النحلة هو:
١- أن صكوك الغفران دجل وكذب وأن الخطايا والذنوب لا تغفر إلا بالندم والتوبة.
٢- أن لكل أحد الحق في فهم الإنجيل وقراءته وليس وقفا على الكنيسة.
٣-تحريم الصور والتماثيل في الكنائس لأنها مظهر من مظاهر الوثنية.
٤- منع الرهبنة.
٥- إن العشاء الرباني تذكار لما حل بالمسيح من الصلب في زعمهم، وأنكروا أن يتحول الخبز والخمر إلى لحم ودم المسيح ﵇.
٦- ليس لكنائسهم رئيس عام يتبعون قوله.
وهذه النحلة تنتشر في ألمانيا وبريطانيا وكثير من بلاد أوربا وأمريكا الشمالية ١.
стр. 337
الفصل السابع: التنصير
هو الدعوة إلى النصرانية ويسميه النصارى التبشير.
وسائله:
للنصارى في دعوتهم إلى ديانتهم وسائل عديدة منها:
الدعوة المباشرة بالوعظ، والتعليم العام، والمناداة بالتباع الديانة النصرانية وهذه الوسيلة هي المعمول بها في بلدانهم وبين شعوبهم.
ومنها الدعوة غير المباشرة وذلك عن طريق التطبيب، والتعليم، والإغاثة.
فهم يجعلون من تطبيب المرضى وعلاجهم وسيلة إلى إيصال الدعوة النصرانية، وذلك بإقامة المستشفيات والمراكز الصحية التي تكون ستاراً لدعوتهم، وكذلك التعليم وذلك بإنشاء المدارس من رياض الأطفال، وما فوقها من المستويات من المعاهد والجامعات.
كما يستغلون حاجة المنكوبين والملهوفين للإعانات فيغلفون تلك الإعانات بالدعوة إلى النصرانية.
وهذه الوسائل يستخدمونها في البلدان غير النصرانية وخاصة البلاد الإسلامية١.
стр. 338
أهداف التنصير:
إن من المعلوم أن العقيدة هي أقوى رابط والولاء الحقيقي لا يكون إلا بها ووفقها.
لهذا يسعى النصارى إلى تنصير الناس، وخاصة المسلمين حتى يكسبوا ولاءهم ويسيطروا عليهم، فهو إذاً وسيلة أخرى من وسائل الاحتلال والسيطرة والاستعمار لا يحتاج إلى بذل النفوس وإزهاق الأرواح بالحروب الطاحنة، بل يحتاج إلى بذل المال وإستغلال الفرص المتاحة في البلدان الإسلامية من تمزق المسلمين وضعفهم وإعتناق كثير من ساسة البلدان الإسلامية للتصورات والعقائد المعادية للإسلام من علمانية، وقومية، وشيوعية، وضعف ولائهم للإسلام وبالتالي للأمة، وكذلك فساد حال كثير من الشعوب الإسلامية، بسبب المناهج الوافدة وضعف التكوين الديني في نفوسهم، مما يجعل الفرصة متاحة للمنصرين.
ومما يدل على أن التنصير لا يعدوا أن يكون هجمة استعمارية جديدة، أمور عدة هي:
أولاً: إن الدول التي وراء التنصير هي دول إلحادية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فكيف تشجع بل تستخدم نفوذها في تغلغل المنصرين وتسهيل مهمتهم، لو لم يكن لها أهداف إستعمارية.
ثانياً: إن الدعوة إلى النصرانية فشلت فشلاً ذريعاً في بلدانها، فتوجهها إلى بلدان أجنبية عنها يكلفها ذلك أضعافاً مضاعفة من المال والوقت، مع النتائج غير المشجعة، هذا يدل على أن نشاطها في التنصير ليس هدفه نشر النصرانية
стр. 339
بحد ذاتها وإنما إستعمار المسلمين بشكل أفضل وأكمل بالنسبة لهم.
ثالثاً: تصريحات المنصرين أنفسهم بأنهم ليسوا إلا أدوات في يد المستعمر ومقدمة له. وفي هذا يقول "كوتوي زيقلر" في كتابه "أصول التنصير": "ولكن ليس من شك في أن التوسع الإستعماري كان له وجهان: إقتصادي، وسياسي، وكان النشاط التنصيري جزءاً أساسياً من هذا التوسع الأوربي، وبنهاية القرن التاسع عشر كانت دوائر النفوذ السياسي الغربي قد ثبتت من نهر اليانقتزي إلى النيل، وأصبحت لندن هي عاصمة العالم المالية ووضعت أسس البعثات التنصيرية من تايبية إلى دكار"١.
ويقول رأس المنصرين في العصور المتأخرة ومجرمهم صموئيل زويمر ملخصاً لأهداف التنصير وغاياته، في خطاب له في مؤتمر القدس، الذي عقده المنصرون عام ١٩٣٥م في القدس مخاطباً أمثاله من المنصرين ما نصه: " أيها الإخوان الزملاء ممن كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية، واستعمارها لبلاد الإسلام فأحاطتهم عناية الرب، بالتوفيق الجليل المقدس.
لقد أديتم الرسالة التي أنيطت بكم خير أداء. ووفقتم لها اسمى التوفيق وإن كان يخيل إليَّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل وجه، لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه:
إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين - لقد كانوا أحد ثلاثة:
стр. 340
إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه بالإسلام- وإما رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، قد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش - أما الآخر فيبغي الحصول على غاية من الغايات الشخصية١.
ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً.
وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها٢.
ولذلك تكونون أنتم طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم عليه دول المسيحية والمسيحيون عموماً من أجله كل التهنئة.
لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر، من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، على جميع برامج التعليم، في الممالك الإسلامية المستقلة أو التي تخضع للنفوذ المسيحي أو التي يحكمها المسيحيون حكماً مباشراً، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير المسيحي والكنائس والجمعيات وفي المدارس التي تهيمن عليها الدول الأوروبية، والأمريكية، وفي مراكز كثيرة، ولدى شخصيات لا تجوز الإشارة إليها٣، الأمر الذي يعود فيه الفضل إليكم أولاً، وإلى ضروب كثيرة من التعاون باهرة النتائج، وهي أخطر ما عرف البشر في حياته الإنسانية.
стр. 341
إنكم أعددتم بوسائلكم الخاصة جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.
إنكم أعددتم نشأ لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء طبقاً لما أراده الاستعمار، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا تبوأ اسمي المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء.
إن مهمتكم تتم على أكمل وجه، وقد انتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الله".
بمثل هذه الأهداف الخبيثة والوسائل الأخبث يتوجه النصارى بثياب المتوجعين على المرضى والمنكوبين والجهلة في عموم البلدان الإسلامية يلبسون لهم مسوح الرهبان وقلوبهم قلوب الذئاب ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وما أبدوه من رضي عن إفساد المسلمين يدل دلالة واضحة على المرارة التي تجرعوها، وعلى الخيبة التي منوا بها في أن المسلمين لم يقبلوا ذلك الهراء الذي يسمونه ديناً، وذلك التلفيق الوثني الذي يريدون أن ينطلي على المسلم، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنهم ليسوا على شيء، وأنهم لا يستطيعون أن يعطوا المسلم شيئاً يجذبه إلى دينهم، وغرهم أن وجدوا استجابة من الوثنيين فيما مضى وما ذاك إلا لأن الوثني وجد وثنيته في النصرانية فلا بأس مع المغريات أن يلبس ثوب النصرانية مع ثوبه الأصلي.
стр. 342
أما المسلم صاحب العقيدة والوعي فيعلم أن النصرانية ليست سوى ديانة وضعية ملفقة ليس فيها غناء، ولا يأتي منها شفاء.
ويكون النصراني في محاولته لتنصير المسلم كمن يأتي إلى من يملك الملايين فيدعوه إلى استبدالها بفلوس قليلة مزيفة.
أو كمن يأتي إلى الصحيح المعافي في بدنه وعقله فيدعوه إلى المكان الموبوء الممرض.
أو كمن يدعو من هو في النور والضياء إلى الظلمة والعمى فحقيقة الإسلام النور، وحقيقة النصرانية الظلمة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام آية (١٢٢) .
وقد روى لي أحد الأخوة ممن يعيش في فرنسا: أن رجلاً كان قسيساً فأسلم سراً وبقي في عمله في الكنيسة إلا إنه يخفي إسلامه، وفي أحد الأيام استطاع بعض القسس أن يصطادوا شاباً من أصل مسلم وبدأوا يهيئونه للدخول في ديانتهم، فجاءه هذا القسيس الذي يخفي إسلامه فأخذه معه إلى بيته، فأنزله إلى طابق تحت الأرض، فلما نزل وكان الظلام شديداً - قال له: ماذا ترى؟
فقال الشاب: لا أرى شيئاً؟
فقال له القسيس: اصعد معي، فخرجا من ذلك المكان إلى وجه الأرض حيث النور، فقال له: ماذا ترى؟
فقال الشاب: أرى كل شيء.
стр. 343
فقال له القسيس: ذلك المكان الذي كنا فيه مثل النصرانية ظلمة، وهذا الذي نحن فيه مثل الإسلام نور، وأنت تريد أن تترك النور وتذهب إلى الظلمة، وأنا أخوك مسلم أخفي إسلامي، ولكن اذهب واحذر أن تترك النور إلى الظلمة.
فأنقذ الله ذلك الشاب بهذا المثال الذي يعبر عن حقيقة الديانة النصرانية، التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، ثم يحاول بعد ذلك أهلها أن يروجوها على المسلمين.
إلا أنه من الواجب التحذير بأن الجهل الذي تعيشه كثير من الشعوب الإسلامية، وأعني به الجهل بالدين، هو أكبر مطية للمنصرين وأعظم معين لهم في تحقيق أهدافهم في المسلمين، لا سمح الله، أما المرض والنكبات من حروب، أو زلازل، أو مجاعات ونحوها فلا تحقق لهم أهدافهم إلا إذا رافقها الجهل بالإسلام، فعند ذلك يجد المنصرون مجالاً للتأثير على المسلم، بقلب الحقائق له: بتشويه الإسلام وتزيين النصرانية بالمساحيق الخداعة الكاذبة التي تخفي وثنيتها وفسادها.
ومن هنا يتبين أهمية العلم - أعني العلم الشرعي - وتوعية الشعوب الإسلامية بحقيقة الإسلام وسموه وعظمته وعظيم الجزاء من الله عليه في الآخرة بالنجاة من النيران والفوز بالرضوان، إذا فعلنا ذلك نكون حصنا الشعوب الإسلامية بالدرع الواقي من كل دعوة فاسدة مبطلة، بل أعطيناها أيضاً السلاح الذي به تستطيع أن ترد على وسوسة المنصرين ووثنيتهم وتنتصر عليهم بإذن الله.
وليتق الله حكام وولاة أمور المسلمين في شعوبهم، فيضعوا لهم المناهج التي
стр. 344
توعي المسلمين بدينهم، وتبصرهم بما ينجيهم غداً في موقفهم أمام ربهم وتدفع عنهم غوائل الأعداء، وتربص المنصرين البعداء.
فإن في صلاح الشعوب الإسلامية ثبات حكم الحكام ودوام دولتهم بإذن الله، لأنهم حماتها وحراسها، وسلامة عقائدهم مؤذن بولائهم ومحبتهم ونصرتهم، وفساد عقائدهم وديانتهم مؤذن باختلافهم على حكامهم وعداوتهم لهم، فليتقوا الله فيهم فإنهم غداً أمام الله موقوفون وعن شعوبهم وما ولوا مسؤولون.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
стр. 345
الفصل الثامن: البشارة بالنبي محمد ﷺ في الكتاب المقدس
لقد بشر المسيح ? ﵇ بنبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الصف (٦) .
وقد جدَّ النصارى، ومن قبلهم اليهود في حذف هذه البشارات من كتبهم أو صرفها عن وجهها، ويزعمون أنه لا يوجد في كتبهم إشارة إلى النبي ﷺ وإن وجد شيء صرفه النصارى إلى عيسى بن مريم وصرفه اليهود إلى المسيح الذي ينتظرونه، وهي في الواقع لا تنطبق إلا على نبي هذه الأمة سيدنا محمد ﷺ وأمته، وقد بقي من هذه البشارات الشيء الكثير مع تحريفهم لكتبهم، وقد ذكر منها الشيخ "رحمة الله الهندي" في كتابه "إظهار الحق" ثماني عشرة بشارة، منها إحدى عشرة بشارة في العهد القديم، وسبع بشارات في العهد الجديد، فنذكر بعضاً من تلك البشارات مما ورد في العهدين القديم، والجديد.
البشارة الأولى:
ورد في سفر التثنية (١٨/١٧) : "قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
هذا الكلام لا ينطبق إلا على النبي محمد ﷺ لأنه قال "من وسط
стр. 346
إخوتهم" وإخوتهم هم أبناء إسماعيل ﵇ لأنه أخو إسحاق الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل حيث هما ابنا إبراهيم ﵇.
وأيضاً قال (مثلك) ومعلوم أن اليهود يرون أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى حيث قالوا في سفر التثنية (٣٤/١٠) : "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى، الذي عرفه الرب وجهاً لوجه" وفي النسخة السامرية من التوراة هكذا "ولا يقوم أيضاً نبي في إسرائيل مثل موسى الذي ناجاه الله شفاها".
واليهود يزعمون أن هذه البشارة لنبي لم يأت بعد، وإن زعم بعضهم أن المراد بها يشوع بن نون، فهذا غير صحيح لأنه ليس مثل موسى، ويزعم النصارى أن المراد بها عيسى ﵇ ١، وهي في الواقع لا تصدق عليه بأي وجه لأنه:-
أولاً: من بني إسرائيل وليس من إخوتهم.
ثانياً: هو ليس مثل موسى ﵇، فإنه تابع له، كما أنه عند النصارى إله، وابن إله، فلو أقروا بأنه مثل موسى لهدموا ديانتهم وما هم عليه.
أما النبي ﷺ فتصدق عليه من جميع الوجوه، فإنه من إخوتهم، وهو مثل موسى ﵇ نبي رسول، وأتى بشريعة جديدة، وحارب المشركين، كما فعل موسى ﵇.
стр. 347
ثم إنه قال: "أجعل كلامي في فمه"، فهذا كناية عن القرآن المحفوظ في الصدور، الذي تلقاه النبي محمد ﷺ مشافهة من جبريل ﵇، وحفظه في قلبه، وتلاه بعد لأمته من فمه ﵊، حيث كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ﵊.
ثم إن الله جل وعلا أتم وعده للنبي ﷺ أن الذين لا يطيعونه فإن الله سيطالبهم، وقد طالبهم، فانتقم من أعدائه المشركين واليهود ثم ممن عداهم من الأمم. وهذا لم يكن لنبي غيره?، وعيسى ﵇ لم ينتقم الله من أعدائه، بل كان أعداؤه في مكان المنتصر فأرادوا قتله إلا أن الله جل وعلا أنجاه منهم، وفي زعم النصارى أنهم قبضوا عليه وأهانوه وصلبوه١.
البشارة الثانية:
جاء في سفر التثنية (٣٣/١) : "وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم".
فمجيء الرب من سيناء معناه إعطاء موسى ﵇ التوراة، وقوله: "أشرق من سعير" التبشير بالمسيح ﵇ لأن ساعير جبل في أرض يهوذا في فلسطين
стр. 348
١، وقوله: "وتلألأ من جبل فاران" المراد به التبشير بالنبي محمد ﷺ لأن فاران جبل من جبال مكة، وقد سموه بكتابهم بهذا الاسم فقالوا عن إسماعيل ﵇ في سفر التكوين (٢١/٢١) : "سكن برية فاران وأخذت له أمه إمرأه من أرض مصر" وإسماعيل ﵇ لم يسكن إلا مكة٢.
البشارة الثالثة:
جاء في سفر (حجى) (٢/٧) - أن حجي وهو أحد أنبيائهم - أخبر بني إسرائيل بعد تدمير الهيكل وسبيهم إلى بابل وعودتهم مرة أخرى بما قال الله له معزياً لهم "لأنه هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات، والأرض، والبحر، واليابسة، وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود: ولي الذهب يقول رب الجنود: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود: وفي هذا المكان أعطى السلام يقول رب الجنود".
فقوله هنا: "مشتهى كل الأمم" ترجمة بالمعنى لكلمة "حمدا" بالعبري، كما يقول البرفسور عبد الأحد داود والتي لازالت مكتوبة بالعبري بهذا اللفظ والتي تعني المشتهى، والشهية، والشائق، وأن هذه الكلمة "حمداً" بالعبري يوازيها بالعربي "أحمد" فتكون نصا صريحاً،
وكذلك قوله بعد "وفي هذا المكان أعطي السلام" والسلام والإسلام
стр. 349
شيء واحد، وقد جاء السلام إلى بيت المقدس برحلة النبي ﵊ إليه في الإسراء، ثم بفتحه في عهد عمر? رضي الله عنه١.
ثم إن ما تعلق بعد ذلك من الأحداث بمجئ "حمدا" لا تنطبق إلا على نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فبعد خراب بيت المقدس سنة ٧٠م لم يعدله مجد إلا على يد المسلمين، وهو مجد أعظم من مجده السابق، وما أحدثه الإسلام في الأرض بأن زلزل الدول وأهلك الله جل وعلا على يد المسلمين أهل الذهب القياصرة، وأهل الفضة الفرس، وصارت أموالهم تنفق في سبيل الله، كل هذا لم يفعله أحد من اليهود ولم يفعله المسيح ﵇، ولم يتحقق إلا على يد نبي الإسلام محمد ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم وأتباعهم.
البشارة الرابعة:
ورد في إنجيل يوحنا (١٦/٧) : "لكني أقول لكم الحق أنه من الخير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم "المعزى" ولكن إن ذهبت أرسله لكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة ... ثم قال:"إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني لأنه يأخذ ممالي ويخبركم".
стр. 350
فقوله "المعزى" المراد به الذي أجد به عزاءاً، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ حيث هو الذي يجد عيسى ﵇ به العزاء لأنه يبين الحق ويظهر الله على يديه الدين الذي لم يتمكن المسيح ﵇ من إظهاره.
ثم إن الذي ذكر مكان هذا اللفظة وهي "المعزى" في الترجمات الأخرى عدا العربية هي لفظة "الفارقليط" اليونانية وقد بدَّله المترجمون في النسخ العربية إلى "المعزى" لأن معنى "الفارقليط" هو المعزى، ولكن الذي بينه "الشيخ رحمة الله الهندي" وغيره أن "الفارقليط" هو تحريف لكلمة "بيرقليط" التي تعني محمد أو أحمد، ولحسد النصارى وبغيهم حرفوا هذه الكلمة التي هي نص في اسم النبي ﷺ في لغة اليونان، مع العلم أن النص اليوناني لإنجيل يوحنا أقل ما يقال فيه أنه ترجمة لما نطق به المسيح، لأن المسيح ﵇ كان يتكلم الأرامية، وليس اليونانية، كما أن الواقع أن "المعزى" لا ينطبق إلا على النبي ﷺ لأنه لا معزى بعد المسيح إلا النبي محمد ﷺ ١، كما أن كل بشارة بأحد وردت على لسان المسيح ﵇ إنما تنصرف باللزوم إلى نبينا محمد ﷺ لأنه ليس بينهما نبي، وليس بعد نبينا محمد ﷺ نبي.
بهذا يتضح أن الله ?? قد أقام الحجة على اليهود والنصارى بما بين أيديهم يقرأونه ويرونه، لو كانوا يبصرون.
стр. 351
الخاتمة
هذا ما تيسر جمعه في هذه الدراسة عن تلك الديانتين اليهودية والنصرانية وقد تبين لنا من خلال ذلك عظيم ما جناه البشر بتحريف دين الله ? المنزل فاستبدل اليهود الدين السماوي الهادي للحق والرشاد بدين عنصري يفيض جرأة ووقاحة على الله ، وطعناً وتنقصاً لأنبيائه ورسله، وحقداً وتربصاً بالبشرية جمعاء.
كما حرف النصارى الدين الذي أنزل على المسيح ﵇ وغيروه من ديانة سهلة المعالم استوعبها عوام الناس وبسطاؤهم إلى ديانة معقدة مرتبكة لا تكاد تحيط منها بوجه، بل إن على كل من أراد الإيمان بها وقبولها عندهم أن يلغي عقله ويوقن أنه لا يمكن أن يؤمن إذا أراد أن يفهم، وأنه كلما تعمق فيها وحاول فهمها كلما استغلقت عليه وزادت حيرته واضطرابه، وما ذلك إلا لأنها خليط عجيب من أغلب الأفكار التي كانت سائدة في ذلك العصر والعصور التي تلت رفع المسيح ﵇.
فيتبين لنا من هذا عظيم رحمة الله ولطفه بالبشرية بإرسال الرحمة المهداة نبينا محمد ﷺ بهذا الدين العظيم، وهو "الإسلام" الذي هو الحنيفية السمحة، دين إبراهيم الخليل ودين سائر الأنبياء ﵈، وقد حقق الله على يدي هذا النبي الكريم ما لم يكن تحقق على يد نبي قبله، فحفظ الله له دينه ونشره في أصقاع الأرض وأظهره على الدين كله، وهدى به من كتب له السعادة وأعرض عنه من كتب عليه الشقاء.
وفي الختام. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يأخذ بيد المسلمين
стр. 352
ويردهم إلى دينهم رداً جميلاً، حتى يقوموا بواجبهم تجاه جحافل البشرية الضائعة الحائرة، فينقذونها من مهاوي الضلال التي مافتئ الشيطان وحزبه من أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين والشيوعيين والقوميين وغيرهم، يسوقونها إلى جحيم الدنيا وجحيم الآخرة.
كما نسأله أن يستعملنا جل وعلا في طاعته، وأن يجعل لنا شرف نصرة دينه وإعلاء كلمته وإعزاز أمة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه سميع قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وفرغ من مراجعته وإضافة بعض التعليقات عليه في الطبعة الرابعة
في منتصف شعبان١٤٢١هـ
بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
وكتبه: سعود بن عبد العزيز الخلف
غفر الله له ولوالديه وأهله وذريته
ولإخوانه، ولمشايخه
وللمسلمين أجمعين
стр. 353
مصادر ومراجع
...
فهرس المصادر والمراجع
القرآن الكريم
السنة النبوية:
- الجامع الصحيح:
محمد بن إسماعيل البخاري مع فتح الباري، إدارة البحوث العلمية الرياض.
- الجامع الصحيح:
مسلم بن الحجاج بعناية محمد عبد الباقي، إحياء الكتب العربية ط الأولى ١٣٧٤هـ.
- الجامع الصحيح للترمذي:
أبو عيسى الترمذي - تحقيق أحمد شاكر - دار إحياء التراث العربي لبنان.
- سنن الدارمي:
عبد الله الدارمي، بعناية محمد دهمان - مطبعة الاعتدال دمشق ١٣٤٩هـ
- سنن ابن ماجه:
أبو عبد الله محمد القزويني، تعليق محمد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر
- شرح مسلم للنووي:
للحافظ أبو زكريا يحيى بن شرف النووي - دار إحياء التراث العربي بيروت.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري:
الحافظ ابن حجر العسقلاني، نشر رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض
- المستدرك:
الحافظ ابن عبد الله الحاكم النيسابوري. مكتبة المعارف الرياض.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل:
أحمد بن حنبل، بيروت، نشر دار صادر.
التفسير:
- تفسير ابن جرير الطبري:
مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، ط الثانية ١٣٨٨هـ.
- تفسير ابن كثير:
الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير مطبعة المنار ١٤١٠هـ.
- تيسير العزيز الحميد:
стр. 354
سليمان بن عبد الله آل الشيخ المكتبة الإسلامية - ط الثالثة.
المراجع والمصادر الأخرى:
- أخبار بطاركة كرسي المشرق:
من كتاب المجدل ماري سليمان - بدون تاريخ أو طبعة.
- اختلافات في تراجم الكتاب المقدس:
اللواء/أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبه القاهرة، ط الأولى ١٤٠٧هـ
- الأديان في القرآن:
د/ محمود بن شريف، مكتبات عكاظ للنشر ط خامسة ١٤٠٤هـ.
- الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة:
الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، من مطبوعات الجامعة الإسلامية.
- الأسفار المقدسة قبل الإسلام:
د صابر طعيمة، عالم الكتب، ط الأولى ١٤٠٦هـ.
- أصول التنصير في الخليج العربي:
هـ. كونوي زيقلر، ترجمة مازن مطبقاني، ط الأولى ١٤١٠هـ.
- إظهار الحق:
الشيخ رحمة الله الهندي، تحقيق د/ محمد ملكاوي دار الحديث، القاهرة
- الأمور المتيقنة عندنا
القس كارل س. وليمز الكبير مطبعة ايديس الإسكندرية
- إنجيل برنابا:
ترجمة خليل سعادة، نشر. محمد رشيد رضا.
- الإنسان في ظل الأديان:
د/ عماره نجيب، مكتبة المعارف، الرياض ١٤٠٠ هـ.
- الإنسان والأديان:
د/محمد كمال جعفر، دار الثقافة، قطر، ط الأولى ١٤٠٦هـ.
- أهم عوامل انحراف النصرانية:
د/ إبراهيم خلف التركي، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية.
- بحوث في مقارنة الأديان:
د/محمد الشرقاوي، دار الفكر العربي، القاهرة،١٤٢٠هـ
стр. 355
- بحوث ومقارنات في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة في الإسلام:
عمر فروخ، ط الأولى، بيروت، دار الطليعة،١٩٨٦م.
- البداية والنهاية:
الحافظ ابن كثير، الناشر: مكتبة الفلاح الرياض، مطبعة الفجالة القاهرة.
- بروتوكولات حكماء صهيون:
ترجمة محمد خليفة التونسي، ط السابعة، بيروت، دار الكتاب العربي.
- بروتوكولات حكماء صهيون:
عجاج نويهض، ط الرابعة، دار الاستقلال، ١٩٩٦م.
- البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل:
د/ أحمد حجازي السقا، دار الجيل، بيروت ط الأولى ١٤٠٦ هـ.
- تاريخ أوربا في العصور الوسطى:
هـ. فيشر، ترجمة محمد زياده، دار المعارف، مصر ١٩٥٠م.
- تاريخ أوربا للعصور الوسطى:
د/ الباز العريني، دار النهضة العربية، بيروت.
- تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم:
محمد عزه دروزه، المكتبة العصرية، بيروت، ط جديدة ١٣٨٩هـ.
- تاريخ الطبري:
طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
- تاريخ الفكر المسيحي:
د/ القس. حنا الخضري، دار الثقافة المسيحية، دار الطباعة القومية.
- تاريخ الكنيسة:
يوسابيوس القيصري ترجمة القمص مرقس، مكتبة المحبة.
- تاريخ الكنيسة:
د/ القس جون لوريمر، ترجمة عزرا مرجان دار الثقافة المسيحية،
- تاريخ مختصر الدول.
غريغوريوس الملطي المعروف بابن العبري المطبعة الكاثوليكية بيروت ط الثانية ١٩٥٩م.
-تاريخ المسيحية:
حبيب سعيد، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية