← Акыда

Акыда · id 11183

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (361 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الإمارات الدالة على قرب قيام الساعه. ومما لاشك فيه ولامرية أيضاً أن هناك رجل آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى ﵇ ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية والدعوة إلى الكفر ونصير الكفار فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جداً إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدينا نحن المسلمين بالأدلة القاطعه الثابته فإلى أيهم سينتمي الناس. لاشك أن المسلمين الصادقين سينتمون إلى مسيح الهداية والخير عيسى ابن مريم ﵇، بل إن المسيح عيسى بن مريم ﵇ سينزل عليهم في جماعتهم عند إقامة الصلاة فقد ورد في حديث جابر ﵁ أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول "لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامه قال فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة "١. أما اليهود والمنافقون والكفار فإنهم ينضمون إلى مسيح الضلالة المسيح الدجال. أما انحياز اليهود إليه فلأنه يهودي منهم فقد ورد في حديث ابي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد قال لأبي سعيد ﵁ يا أصحاب محمد ﷺ ألم يقل نبي الله ﷺ "إنه يهودي"٢ يعني الدجال. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يتبع

стр. 282

الدجال من يهود أصبهان١ سبعون ألفاً عليهم الطيالسه٢" كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لد٣. فهذا فيه دلالة واضحة على أن المسيح الدجال هو الزعيم والملك الذي ينتظره اليهود بفارغ الصبر. وإن من عجيب قدر الله جل وعلا أن اليهود كانوا قبل مجيء المسيح عيسى ﵇ ينتظرون مسيحاً إلا أن أمالهم كانت متعلقه بشخصية محاربه يملكون بها الدنيا، ويعيدون لأنفسهم بها ماسلف من مجدهم وما اندثرمن عزهم بسبب كفرهم، ويرفعون عن أنفسهم تسلط الرومان، الذين كانوا متسلطين عليهم في ذلك الزمان، فلما جاءهم المسيح عيسى بن مريم ﵇ نبياً كريماً ذا خصال حميدة وخلال كريمة يدعو إلى التوبة والإيمان والتقوى والإحسان والعفو عن الظالم والصبر على البلاء، نفروا منه نفوراً شديداً، وكرهوه وكرهو دعوته ﵊، فسعوا بناءاً على ذلك إلى قتله تخلصاً منه حيث خيب آمالهم في تملك الدنيا وإخراجهم من الذل الذي كانوا فيه، إلا أن الله سبحانه بكريم فضله وعظيم إنعامه انقذ عبده ورسوله منهم وأنجاه ورفعه إليه، وحاق بالذين حاولوا قتله البلاء العظيم، فبعده بمدة وجيزه حل باليهود عذاب أليم وبلاء شديد تشتتوا بسببه في أنحاء الارض شذر مذر٤.

стр. 283

ثم إن مما سيكون من عجيب القدر والتقدير أن الذي هو أمل اليهود في السيطرة على العالم وزعيمهم الذي سيخُضِع العالم لهم سيأتي ولاقبل لأحد من الناس به، إلا أن الله ادخر له عيسى بن مريم ﵇ الذي لم يقبله اليهود لأنه لم يحقق لهم أطماعهم ولم يستجب لأهوائهم حيث سيكون على يديه الكريمتين هلاك ملك اليهود ورجائهم في السيطرة والغلبة، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له ينزل عيسى بن مريم ﵇ كما قال ﵊ "فينزل - يعني عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين١ واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه٢. فيطلبه - أي المسيح عيسى ﵇ يطلب ويلحق المسيح الدجال- حتى يدركه بباب لد في فلسطين فيقتله.. " ٣. فيكون بذلك دمار اليهود النهائي ودمار ملكهم على يدى المسيح عيسى بن مريم ﵇ أولاً، ثم سائر المؤمنين من بعده حيث ستكون مقتله عظيمه يقتل بها جميع اليهود في فلسطين٤ والمسيح الدجال من أعظم البلايا والفتن على بني الإنسان فإنه مامن نبي إلا حذر أمته منه فقد روى عبد الله بن عمر أن

стр. 284

رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال "إني لأنذركموه مامن نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور وإن الله ﵎ ليس بأعور"١. وللدجال طاقات ومقدرة وقوة يفتن بها الناس ويدعو الناس إلى عبادة نفسه حيث سيزعم أنه رب وإله فمن تابعه نال مما معه من لذة الدنيا ومتعها، ومن خالفه أصابه بلاء وعناء وفي هذا يقول ﵊ في بيان سرعته في السير في الأرض وماأُعْطِىَ من قوة "قلنا: يارسول الله وما إسراعه في الأرض، قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل "٢. فلهذه الفتن التي تكون معه يتبعه المنافقون وأهل الأهواء والكفار. أما النصارى - فيبدو لي والله أعلم - أن أكثرهم سيكون من أتباع مسيح الضلالة المسيح الدجال وأنه سيكون فتنة عظيمة لهم. وذلك أن النصارى ينتظرون مسيحاً هو الرب والإله في زعمهم، فإذا جاء المسيح الدجال فإنه يدعي الربوبيه ومعه جنة ونار كما ورد في الحديث٣ فمن آمن به أدخله جنته

стр. 285

ومن لم يؤمن به أدخله ناره، وماجنته إلا نار الآخرة وماناره إلا جنة الآخرة. ثم إن النصارى يظنون أنه سيكون في هذه الدنيا حساب وإدانة للناس من قبل المسيح عيسى في زعمهم فهذه كلها دلائل تشير إلى أنهم سيفتنون به إلا من عصمه الله منهم واستبان له حقيقة ذلك الدجال بما جعل الله في خلقته من القبح والنقص١ وما سيكون لاشك في دعوته وديانته من الفساد والإنحراف والكفر. ولكن أنى للنصارى أن يتبينوا الفساد في الديانة وهم على ديانة غاية في الانحراف. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 286

المطلب الثاني: الفداء الفداء: هو اعتقاد النصارى أن موت المسيح كان كفارة لخطيئة آدم التي انتقلت إلى ابنائه بالوراثة١. أ- أدلة النصارى على الفداء يزعم النصارى أن مستندهم في ذلك الكتاب المقدس ونورد فيما يلي بعض النصوص التي يستدل بها النصارى لهذه العقيدة منها: ١) "أنا هو الراعي الصالح، الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف"٢. يوحنا (١٠/١١) . ٢) "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" يوحنا (٣/١٦) . ٣) " إن ابن الإنسان لم يأت ليُخْدَمْ بل ليَخْدِمْ وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" مرقص (١٠/٤٥) . هذا مما ورد في الأناجيل. ومما ورد في كلام النصارى في العهد الجديد ١- في رسالة يوحنا الأولى (٣/١٦) " بهذا أظهرت المحبة أن ذاك

стр. 287

وضع نفسه لأجلنا". ٢- قال بولس في رسالته لكورنثوس (١/١٥/٣) "مات من أجل خطايانا حسب الكتب ". وأيضاً في كورنثوس (٥/٢١) " إن الله جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه ". وقال في رسالته لأهل أفسس (٢/١٦) " أسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة " ١. ب- بيان بطلان أدلتهم وكلامهم في الفداء: الأدلة التي أوردها النصارى لا قيمة لها ولا اعتبار في مسألة الفداء لعدة أمور. أولاً: أن الإستدلال بما ورد في الأناجيل فرع عن ثبوت صحة تلك الأناجيل وسلامتها من التحريف، وقد سبق بيان حال هذه الأناجيل وأن النصارى لا يملكون أدلة لثبوتها. ومثلها في الضعف الرسائل الملحقة بها، وبولس الذي كثر كلامه عن الفداء في رسائله، كلامه غير مقبول، لأنه لم يشاهد المسيح، ولم يسمع كلامه فما ذكره لم يسنده عن الحواريين ولم يبين مصدره فيه فهو من قبل نفسه. ثانياً: أن جميع النصوص التي يذكرونها في الدلالة على أن الصلب وقع فداءاً للبشر ليس فيها نص واحد يعين الخطيئة التي يزعم النصارى أن الفداء كان لأجلها، وهي خطيئة أبينا آدم التي انتقلت في زعم النصارى إلى ابنائه بالوراثة، فجميع النصوص لا تعين هذا الأمر ولا تحدده، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى

стр. 288

المتأخرين الذين حاولوا أن يرقعوا بها فساد القول بالفداء كفارة عن الخطايا١. ثالثاً: أن كلام النصارى في الخطيئة التي رفعها المسيح ﵇ بموته المزعوم على الصليب كلام مضطرب، ولا ينصون في كلامهم على الخطيئة التي كفرها المسيح في كل مقام٢. رابعاً: أن المراد من كون المسيح كفارة للخطايا أحد أمرين: أحدهما: تكفير خطايا الناس التي اقترفوها في الماضي، أو التي سيقترفونها في المستقبل، وكلاهما باطل. أما الخطايا الماضية فلا تستحق هذا الفداء الإلهي في زعمهم، وقد كان يتم تكفيرها بالتوبة والقربان لدى اليهود قبلهم وكان كافيا. أما الخطايا المستقبلة فلا يستطيع النصارى أن يزعموا أن صلب المسيح مكفر لها لأن ذلك يعنى إباحتها، وعدم ترتب العقوبة على ذنب من الذنوب مهما عظم، وفي هذا إبطال لدعوة المسيح ودعوة الحواريين وبولس إلى تنقية النفس من الآثام والخطايا وفتح للإباحية والفجور والكفر. مع العلم أن تكفير الخطايا إذا أطلق لا يراد به سوى ما وقع فيه الإنسان من

стр. 289

الآثام وهي الخطايا الماضية إذ التكفير من كفر أي ستر وغطى١ ولا يكون ذلك إلا فيما وقع وحدث. ثانيهما: ما ذكره كثير من النصارى وهو تكفير خطيئة أدم ﵇ التي انتقلت إلى ابنائه. هو إدعاء باطل كما سبق بيانه٢ وسيأتي زيادة لبيان أوجه البطلان أيضا٣. وحقيقة قولهم في الفداء هو: أنهم اخترعوا هذه الفرية وادعوها بدون دليل من شرع أو عقل حتى يبرروا قضية الصلب التي اعتقدوها وآمنوا بها، ويرفعوا عن المسيح تلك السبة الشنيعة التي تلحقه بالصلب وهي اللعن٤، فادعوا أن الصلب هو الشرف الحقيقي وهو الهدف الأسمى من رسالة المسيح، وأنه لولا الصلب ما جاء المسيح٥ فأخذوا يدندنون حول هذا الأمر ويبحثون له عن الأوجه التي تجعله في حيز المقبول والمعقول. إلا أن كلامهم في الحقيقة يزيد الأمر تعقيداً وإرباكا للقارئ والسامع وإليك مقتطفات من كلام ج. ر.و. ستوت في كتابه " المسيحية الأصيلة " في الموضوع حيث افتتح الكلام عن معنى الصليب بقوله:

стр. 290

"ولكن لا أجسر أن أتناول الموضوع (يعني معنى الصلب) قبل أن أعترف بصراحة بان الكثير منه سوف يبقى سرا خفيا، ذلكم لأن الصليب هو المحور الذي تدور حوله أحداث التاريخ١؟! وياللعجب كيف أن عقولنا الضعيفة لا تدركه تماماً٢ ولابد أن يأتي اليوم الذي فيه ينقشع الحجاب وتحل كل الألغاز ونرى المسيح كما هو ... " ٣. ثم يقول في أخر الكلام بعد فلسفة مطولة استغرفت عشر صفحات "ومن المدهش أن هذه القصة الخاصة بيسوع ابن الله الذي حمل خطايانا ليست محبوبة في عصرنا الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا ورفعه قصاصها عنا إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء. .. ثم قال: وفوق الكل يجب أن لا ننسى "أن الكل من الله" نتيجة رحمته ونعمته المتفاضلة، فلم يفرض على المسيح قصاصاً لم يكن هو نفسه مستعداً له فإن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" فكيف يمكن أن يكون الله في المسيح بينما جعل المسيح خطية لأجلنا؟. هذا ما لا أستطيع

стр. 291

أن أجيب عنه. ولكن الرسول١ عينه يضع هاتين الحقيقتين جنبا إلى جنب، وأنا أقبل الفكرة تماماً كما قبلت أن يسوع الناصري هو إنسان وإله في شخص واحد. وان كانت تبدوا ظاهريا على شيء من التناقض٢، لكني أراه في عمله كما أراه في شخصه، وإن كنا لا نستطيع أن نحل هذا التناقض أو نفك رموز هذا السر فينبغي أن نقبل الحق كما أعلنه المسيح وتلاميذه بأنه احتمل خطايانا بمعنى أنه احتمل قصاص الخطية عنا كما تعلمنا الكتب) ٣. وإننا لنعجب غاية العجب من هذا الاعتراف بعدم معقولية هذه العقيدة ثم الإصرار عليها، فهذا غاية الضلال والإنحراف، وكان الأولى بهم إذ لم يعقلوا هذه المسائل أن يبحثوا في مصادرها حتى يظهر لهم الحق، فان تلك المصادر أساس الإنحراف والضلال الذي يوجد لدى النصارى سواء في ذلك الأناجيل أو الرسائل الملحقة بها، ولكن يزول عجبنا إذا علمنا أن ما عليه النصارى من إنحراف وضلال إنما هو صيغة محسنة من الوثنيات السابقة فرأى النصارى أنها شيء جميل بالنسبة لما كانوا عليه من الوثنيات٤، وما عرفوا الإسلام وما فيه من الحق والجمال والانسجام والوضوح الذي يبعث في النفس الطمأنينة والراحة لما هي عليه من عقيدة.

стр. 292

ولو أن النصارى وأهل الكتاب عموماً أصغوا إلى الدعوة الربانية الواردة في القرآن الكريم لزالت وانكشفت عنهم من الحيرة التي ولجوا فيها ولم يستطيعوا الخروج منها، ومن ذلك آيتان كريمتان فيهما شفاء لما هم فيه، أما الآية الأولى فقوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة (١٥) . أما الآية الثانية فقوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ المائدة (٧٧) .

стр. 293

المطلب الثالث: بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء إضافة لما سبق . إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم إضافة لما سبق أن يقال لهم:- ١- أن آدم ﵇ الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ طه (١٢٢) وقد قبل الله توبته. كما أنه عوقب ﵇ بإخراجه من الجنة وتأثر ابناؤه بالعقوبة، وإن لم يكونوا مقصودين بها. كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم " لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت" سفر التكوين (٢/١٧) . وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب. فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الأحياء، وألبسوها هذا اللبوس. ٢- إن ما وقع من آدم ﵇ هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له وهذا ذنب منه في حق الله الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن ينزل الرب جل وعلا ليصلب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم.

стр. 294

٣- أن ما وقع من آدم ﵇ يعتبر يسيرا بالنسبة لما فعله كثير من أبنائه من سب الله والاستهزاء به، وعبادة غيره جل وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم ﵇. فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم. ٤- إن صلب المسيح الذي هو الله في زعمهم تعالى الله عن قولهم قد تم بلا فائدة تذكر، فإن خطيئة آدم ليست على بال بنيه ولا تقض مضاجعهم إنما ما يقلق الإنسان ويخيفه ذنوبه وجرائمه، وهذه لا تدخل في كفارة المسيح في زعمهم١. ٥- أن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى. ٦- أن الأنبياء السابقين والدعاة والصالحين قبل المسيح بناءاً على كلامهم هذا كانوا يدعون إلى ضلالة، وقد أخطأوا الطريق إذ لم يرشدوا الناس إلى حقيقة تلك الخطيئة ويوعوهم بخطورتها كما يفهمها النصارى. ٧- أن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة، لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى. ٨- أن بين آدم وعيسى ﵉ زمناً طويلاً، فمعنى ذلك أن الله بقي

стр. 295

متحيراً كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه. ٩- أن الخطيئة وقعت من آدم ﵇ فلا تنتقل إلى ابنائه ولا يستحقون هم العقوبة عليها، لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره بل هذا ينافي قواعد العدل وقد نص الله على هذا في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ النجم آية (٣٨) وكذلك ورد في التوراة "لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل" سفر التثنية (٢٤/١٦) . ١٠- هل من العدل أن يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم فكيف يعاقب بدلاً عن آدم وذريته ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم. ١١- أن المسيح في زعم النصارى ابن الله فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن١ والموتة الشنيعة؟! ١٢- في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله وأن المصلوب المهان

стр. 296

الملعون. تعالى الله عن قولهم وتقدس هو الله ﷻ وتقدست اسماؤه، فهل يوجد كفر أعظم من هذا وافتراء على الله أكبر من هذا ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام آية (١٣٩) . ١٣- هل يليق أو يعقل أن ينزل الله ﷻ وتقدست اسماؤه من عليائه وعرشه ويسمح لأبغض أعدائه إليه اليهود قتلة الأنبياء، والرومان الوثنين أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه؟ ثم هو يفعل هذا لماذا؟ لأجل أن يرضي نفسه؟ لأجل من؟ من أجل عبيده؟ هذا مما لا يمكن أن يقال ويقبل بحال من الأحوال، بل يجب أن يستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند مرور مثل هذا الخاطر والوسواس ويقال سبحانك هذا بهتان عظيم! ١٤- حسب عقيدة الفداء لدى النصارى يكون أعظم الناس براً وفضلاً على النصارى والبشرية عموماً اليهود والرومان والواشي بالمسيح، لأنهم الذين تحقق على أيديهم في زعم النصارى الهدف الأسمى الذي جاء من أجله المسيح وهو الموت على الصليب. ١٥- أن جميع تحركات المسيح ودعوته وفق اعتقاد النصارى في الصلب والفداء لم تكن إلا تمثيلاً أحسن المسيح أداء الدور فيه، مما جعل اليهود يغضبون عليه، فيعلقونه على الصليب. ١٦- بناءاً على دعوى النصارى في أن المسيح فدى البشر بدمه، فمعنى ذلك أنه لا حاجة إلى الإيمان به واعتقاد صلبه وألوهيته وما إلى ذلك، لأن الخطيئة قد ارتفعت عن جميع البشر ببذله نفسه، مثل من كان عليه دين فجاء أحد

стр. 297

من الناس فقضى ذلك الدين عنه، فالمطالبة تسقط عنه بمجرد القضاء وهذا ما لا يقول به النصارى مخالفين في ذلك دليل العقل. ١٧- أن دعوى النصارى بأن الصلب وقع على الجسد البشري الذي حمل الخطيئة وأن هذا الجسد مات. دعوى تنقضها وتبطلها قصة قيامة المسيح عندهم، فلو كان تجسد لأجل تحمل الخطيئة فالواجب أن يفني ذلك الجسد بعد حلول العقوبة عليه. ١٨- أن دعوى أن المسيح قام من قبره ولمسوه وتأكدوا منه، ثم ارتفع إلى السماء تنقض دعوى أنه ابن الله وأنه تجسد بالصورة البشرية لأن الدور الذي تجسد من أجله قد أداه وانتهى، ثم إن الجسد البشري لا حاجة إليه حيث يذهب المسيح في زعمهم عن يمين أبيه، وهذا من أوضح القضايا لو كانوا يعقلون. بعد هذا كله من حق الإنسان أن يتساءل: هل النصارى على درجة كبيرة من الذكاء والخبث الشيطاني الذي جعلهم يغلفون بغضهم لله وبغضهم للمسيح ﵇ بهذه الدعاوى الكاذبة التي يظهرونها ويصرون على التمسك بها بدون أدنى دليل عقلي أو شرعي زاعمين أنهم يعبرون بذلك عن شدة حبهم لله وشدة حبهم للمسيح أيضاً؟! أم أنهم على درجة شديدة من الغباء والحمق الغالي الذي جعلهم لا يميزون بين ما هو ثناء وحب حقيقي، وبين ما هو طعن وسخرية وبغض وأحقاد تنفث على الله وعلى نبيه المسيح ﵇؟. وصدق الله القائل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ

стр. 298

يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فاطر (٨) . وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم عليها، إذ ليس في النصرانية أي عامل جذب يمكن أن يجذب الناس إليها، وليس فيها ما يمكن أن يتحدث فيه ويقدم للناس سوى هذه القضية التي يركزون عليها تركيزاً شديداً، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بايحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، وتأنيب الضمير، والخوف من الهلكة، يفتحوا له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينوا له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله.

стр. 299

المبحث الثالث: محاسبة المسيح الناس يزعم النصارى أن المسيح ﵇ سوف يتولى يوم القيامة محاسبة الناس وإدانتهم ولهم على ذلك نصوص من إنجيل يوحنا وغيره. ومن ذلك. ما ورد في إنجيل يوحنا (٥/٢٦) "كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان". وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (٥/١٠) : "لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً". وثبوت هذه العقيدة فرع عن ثبوت أصلها وهي الأناجيل أو الرسائل، أما الأناجيل فقد سبق الحديث عنها، وإنجيل يوحنا أقلها نصيباً من الصحة١. أما كلام بولس في رسائله فإنه غير مقبول، لأنه كما سيتبين يهودي متعصب، وهو أول من انحراف بالديانة النصرانية عن وجهها إلى الشرك ودعوى ألوهية المسيح إلى غير ذلك من الضلالات. وما نعتقده في ذلك أن الله هو الذي يتولى حساب الناس يوم القيامة، ويكون الرسل شهوداً على أقوامهم.

стр. 300

المبحث الرابع: قول النصارى في البعث والجنة والنار يعتقد النصارى بالبعث الجسدي. ورد في قاموس الكتاب المقدس "تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامه الأجساد وتغيير هذه الأجساد وبقاءها إلى الأبد ... ". ثم قال "ولقد عَلَّم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون"١. كما أن النصارى يؤمنون بالنعيم الأبدي في الجنة والعذاب الأبدي في النار٢، كما جاء في إنجيل متى (٢٥/٣٤) "ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ... فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية". إلا أنهم يزعمون أن الجنة ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح ولاشيء من المتع الحسية، وإنما يعتقدون أن المتعة تكون برؤية الله فقط. فلهذا يقول ميخائيل مينا "إن نعيم الأبرار هو عبارة عن إتصالهم بالله ورؤيتهم جلاله، ورؤية الله هي الجزاء الأعظم الفائق كل خير الذي

стр. 301

يملأ رغبة كل إنسان ويشبع شهوات نفسه، بل هو سعادته النهائية المشتهاة من كل مشاعره والتي إليه تتجه كل أشواق قلبه"١. وإنكارهم هذا يعود إلى أنهم يرون أن الأجساد يوم القيامة ستكون أجساداً روحانية لا تحتاج إلى الطعام والشراب، وليس فيها شهوة الجماع ولا فرق فيها بين جسد المرأة وجسد الرجل٢. ويستدلون لذلك بنصين: أحدهما في إنجيل متى (٢٢/٢٩) وفيه يقول المسيح: "لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء". والآخر من كلام بولس في كورنثوس الأولى (١٥/٤٤) وهو يتحدث عن قيامة الأموات "يزرع جسماً حيوانياً ويقام جسماً روحانياً". وهذا الكلام من بولس لا دليل له عليه، وهو من اختراعاته وافتراءاته العديدة٣. أما النص المنسوب إلى المسيح فليس فيه سوى نفي الزواج، وليس فيه نفي الطعام والشراب، وقد ثبت في نصوص الأناجيل إثبات الطعام والشراب في الآخرة فقد ذكر لوقا في (٢٢/٢٩) : أن المسيح قال لتلاميذه الذين يؤمنون به "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتا لتأكلوا وتشربوا على مائدتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر".

стр. 302

وفي إنجيل متى (٢٦/٢٩) إن المسيح قال لتلاميذه بعد آخر شراب شربه معهم "وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي". فهذه النصوص تعارض ذلك النص السابق الذي ينكر النعيم الحسي، وتدل على عدم صحته، لأن الحق أن أهل الجنة يتنعمون فيها نعيماً كاملاً ذكره الله في القرآن الكريم وبينه النبي محمد ﷺ بياناً شافياً، وليس هناك مانع عقلي منه والله على كل شيء قدير وفضله عظيم.

стр. 303

الفصل الرابع: بعض العبادات والشعائر عند النصارى المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وكان ملتزماً بما كان من الشريعة قبله، وفي هذا يذكر صاحب إنجيل متى (٥/١٧) أن المسيح قال للجموع شارحاً دعوته "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل". إلا أن النصارى بعد المسيح بدلوا وغيروا ديانته في العقيدة والشريعة فألغى "بولس" الناموس أو شريعة موسى، وأبطل العمل بها، بل إعتبر العمل بها لا ينجى الإنسان بل يهيئه للعنه. وفي هذا يقول في رسالته لأهل غلاطية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس ... لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما". وفي (٣/١٠) يقول: "لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به". لهذا إنقطعت صلة النصارى بالعبادات والشرائع الموجودة في العهد القديم. وصارت عندهم عبادات وشعائر مختلفة نذكر منها.

стр. 304

أولاً: العبادات: أ- الصلاة: وهي سبع صلوات في اليوم والليلة، وليس لها كيفية محدودة وإنما هي دعاء. ويختارونه في الغالب من الأدعية المنسوبة للمسيح ﵇، أو الأدعية المنسوبة إلى داود ﵇، كما ذكروها في المزامير من العهد القديم. وللصلاة عندهم شرطان فقط وهما: ١- أن تقدم الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم- وهذا أصرح ما يكون في عبادتهم له. ٢- أن يتقدم الصلاة الإيمان الكامل بالتثليث وغيره من العقيدة. والصلاة أنواع: منها صلاة فردية سرية، وصلاة عائلية في البيت، ومنها الصلاة العامة في الكنيسة، وأهمها صلاة يوم الأحد حيث يقرأ الكاهن عليهم شيئاً من المزامير أومن غيرها من الكتاب المقدس، والجميع وقوف يستمعون، وعند نهاية كل مقطع يؤمنون١. ومما يجدر ملاحظته هنا أن النصارى يوردون عن المسيح أنه حض على الصلاة فقد ذكر متى في (٦/٥) "ومتى صليت فلا تكن كالمرائين ... وأما أنت فمتى صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك في الخفاء". ولكن لم يرد عن المسيح ﵇ بيان لكيفية الصلاة - والذي يظهر أن المسيح ﵇ كان يصلي مثل صلاة بني إسرائيل، وحواريوه كانوا

стр. 305

يعرفون الصلاة لأنهم من بني إسرائيل فلهذا لم يعرفهم المسيح ﵇ كيفيه الصلاة. ومما يلاحظ أن المسيح حين صلى كان يقع على وجهه على الأرض كما يقول متى في (٢٦/٣٩) "ثم تقدم (المسيح) قليلاً وخر على وجهه وكان يصلي". فهذا يفهم منه أن المسيح كان يسجد في صلاته، وهو ما لا يفعله النصارى، وهذا يدلنا على أن النصارى لا يعرفون كيف كان يصلي المسيح على التفصيل وإنما أخذوا من أمره بالصلاة المعنى العام وهو الدعاء والتزموه بدون دليل صحيح. ب- الصوم: وهو الإمتناع عن الطعام حتى بعد منتصف النهار، ثم تناول طعام خال من الدسم عند البعض، والبعض منهم يرى أن الصوم امتناع عن الأكل والشرب من الصباح إلى المساء، وهم يصومون يوم الأربعاء لأنه يوم المشاورة على موت المسيح عندهم ويوم الجمعة لأنه صلب عندهم فيه المسيح، وصوم الميلاد وعدد أيامه ٤٣ يوماً تنتهي بعيد الميلاد، وأياماً أخرى غيرها وضعوها لمناسبات خاصة تختلف من كنيسة إلى كنيسة. وبعضهم يرى أنه لا يوجد صيام دوري على النصراني بل يصوم الإنسان وقت الحاجة للصيام، ويَعْتِبر كل صيام محدد بدعة غير مشروعه١. وما سبق أن قلناه في الصلاة نقوله في الصوم، فإن المسيح حض على الصوم

стр. 306

عموماً ولم يحدد فيه كيفية ولازماناً ولا شيئاً من ذلك، فتأوله كل جماعة منهم على ما أرادوا بدون أن يكون هناك أي دليل يعتمد عليه من قبل المسيح. وهذا كله لأن النصارى فصلوا بين العبادة الواردة في العهد القديم والعبادة في العهد الجديد، فحرم عليهم بولس العمل بشيء من تعاليم الناموس (التوراة) كما سبق بيانه - فصارت ديانتهم دعوة عامه ليس فيها تفصيل لشيء من العبادات.

стр. 307

ثانياً: الشعائر عند النصارى: أ- التعميد: هو مفتاح الدخول في النصرانية، فمن لم يعمد فليس نصرانياً عندهم ولو كان من أبوين نصرانيين، ويمكن أن يعمد الشخص وهو طفل أو في أي وقت من حياته، كما يمكن تعميده وهو على فراش الموت، ومرادهم بالتعميد أن يكون الإنسان طاهراً مبرءاً من الذنوب. وطريقته عندهم رش الماء على الجبهة، أو غمس أي جزء من الجسم في الماء، أو غمس الشخص كله في الماء، ولا يكون إلا في الكنيسة وعلى يد كاهن١. ب - العشاء الرباني أو القربان المقدس: هو قطع من الخبز مع كأس من الخمر، يتناوله النصارى في الكنيسة رمزا وتذكارا لصلب المسيح عندهم. وعند الكاثوليك من النصارى أن من أكل هذا الخبز وشرب الخمر فقد أكل لحم المسيح، وشرب دمه، لأنه عندهم يتحول حقيقة إلى لحم المسيح ودمه. بينما يرى غير الكاثوليك أن هذا رمز لما حل بالمسيح، أو أن المسيح يحضر روحياً هذا العشاء، وليس له وقت محدد، وإنما يرون ممارسته مراراً عديدة في العام، ويجب أن يبلغ الناس عنه قبل موعده بأسبوعين على الأقل -وهاتان الفريضتان الأخيرتان هما أهم شعائر النصارى إذ هما فقط الذي ورد

стр. 308

عن المسيح في زعمهم الأمر بهما١. ج- الإعتراف للقسس وصكوك الغفران: التوبة عند النصارى لا تتم إلا بالاعتراف بالذنوب والخطايا أمام القس أو الكاهن في الكنيسة، ثم يمسحه هذا الكاهن فتغفر ذنوبه٢. ثم إن ذلك تطور حيث قُرر في المجمع الثاني عشر سنة ١٢١٥م أن الكنيسة الكاثوليكية تملك حق الغفران للذنوب وتمنحه لمن تشاء. فاستغلت الكنيسة والقسس هذا الأمر، وطبعوا صكوك الغفران، وباعوها وربحوا من ورائها أموالاً طائلة، وهذه الصكوك يغفر فيها جميع الذنوب السابقة واللاحقة وتخلص صاحبها من جميع التبعات والحقوق التي في ذمته ٣. وهذا وصمة عار في جبين النصارى، ومظهر من مظاهر تلاعبهم وعبثهم، لأن من المعلوم أن الإنسان لا يتجاوز ويتسامح عما لا يملك فكيف يسقط الكاهن أو القسيس حقوق الآخرين التي في ذمة الإنسان، وأكبر منها وأعظم الذنوب التي يرتكبها الإنسان مخالفاً بها أمر الله ومتعدياً حدوده فمغفرتها حق لله وحده. فهل الله جل وعلا عاجز عن تولي ذلك؟ أم أنه غائب لا يدري؟ أم أن البابوات والقسس أعلم منه بخلقه؟ أم هم أرحم منه بخلقه؟

стр. 309

لاشك أن كل ذلك غير حاصل، وإنما هو جرأة على الله وتعد على حقوقه جل وعلا، واستعباد لخلقه، وتأليه لأنفسهم وتعظيم، ومما لاشك فيه أن أعظم رجاء للإنسان وأمل هو أن يغفر الله له ذنوبه ويتجاوز عن سيآته وخطاياه، فإذا جعل البابوات والقسس هذا الأمر بأيديهم فإنهم يحولون بذلك بين الخلق وربهم ويحجبونهم عنه فلا يسألونه، ولا يرجونه وتصبح آمالهم معلقة بأمثالهم من الناس في الخطيئة والجهل والنقص. وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة آية (٣١) . ثم يقول جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ التوبة آية (٣٤) . د - الزواج عند النصارى: الزواج عند النصارى جائز عندهم ما عدا القسس والرهبان اقتداءاً في زعمهم بالمسيح ﵇ الذي لم يتزوج. وعندهم أن الذي يستطيع أن يضبط نفسه عن الزنا فالأفضل أن لا يتزوج، ولا يجوز عندهم الزواج بأكثر من واحدة، ولا طلاق عندهم إلا في حالة الزنا عند الأرثوذكس وإذا طلق أحدهما الآخر فلا يتزوج مرة أخرى. ويجوز الطلاق عندهم في حالة اختلاف الدين بين الرجل والمرأة إذا لم يتم التوافق بينهما. هـ - حمل الصليب وتقديسه: النصارى يرمزون بالصليب الذي يحملونه والذي لا تكاد تجد نصراني إلاّ

стр. 310

وهو يحمله، إلى صلب المسيح ﵇ عندهم. ويزعمون أن حمله يشعرهم بإنكار النفس واقتفاء أثر المسيح في هذا الإنكار والسير وراء مخلصهم وفاديهم ١. ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلاً عن تقديسه، كما أنه لا يعرف متى صار الصليب مقدساً، حيث لا يوجد له أي ذكر لدى المتقدمين من النصارى، ولا يعرف من الذي دعى إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من أظهر شعائرهم. وـ تقديس يوم الأحد: من المعلوم أن المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل يعظمون يوم السبت ويقدسونه، فكان المسيح ﵇ على ذلك، إلا أن النصارى فيما بعد بوقت طويل تركوا السبت وأخذوا يعظمون الأحد رغبة منهم في مخالفة اليهود الذين يكنون لهم العداء والبغض. وهذا يعد من النصارى تحريف وتغيير لدين المسيح ﵇ بما يوافق أهواءهم بدون أن يكون عندهم دليل على ذلك.

стр. 311

الفصل الخامس: العوامل التي أدت إلى تحريف رسالة المسيح ﵇ المسيح ﵇ جاء بالدين الحق من عند الله كغيره من الأنبياء ﵈. دين سماوي يظهر فيه التوحيد وإفراد الله بالعبادة بأوضح صوره، ولكننا نراه اليوم ديناً مختلفاً طُمست فيه تماماً معالم التوحيد، وبدلاً من أن يكون ديناً يوافق العقل والفطرة، أصبح ديناً حرباً على العقل، وعدواً لدوداً للفكر السليم الناضج، ومضاداً للفطرة السليمة. وكان لهذا الإنحراف عوامل كثيرة أظهرته بهذا الشكل والهيئة. ومن أهم هذه العوامل: أ- الاضطهادات: إن مما لاشك فيه أن الدعوات خاصة الدينية والإصلاحية تنمو وتزدهر في السلام والأمن، وتنكمش وتتقوقع في الخوف والاضطهاد، وقد يؤدي الاضطهاد المركز إلى القضاء عليها، وخاصة إذا واكب نشأتها قبل أن تنغرس جذورها في الأرض وتثبت قدمها فيها. وإن الدارس لتاريخ المسيح ﵇ وأتباعه ودعوته يجد أن الاضطهاد واكب نشأتها واستمر قروناً عده يشتد حيناً ويفتر حيناً آخر. فقد كان المسيح ﵇ مطارداً من اليهود، بل سعوا جادين إلى قتله، إلا أن الله أنجاه منهم ورفعه إليه، ثم إن النصارى حسب كلامهم وقع عليهم اضطهاد شديد من بعده، أولاً من قبل اليهود، فقد قُتل أحد كبار النصارى ويسمى "إستفانوس"

стр. 312

رجماً١، وقُطع بعده رأس "يعقوب" ٢ مما جعل بقية الأتباع يتفرقون في البلدان وينتشرون في أرض الله خوفاً من اضطهاد بني جنسهم اليهود لهم، ثم وقعت على من بقي منهم في فلسطين نكبتان مدمرتان أولاهما عام ٧٠م وهي: فتك الوالي الروماني "تيطس" باليهود وتدميره لبيت المقدس بسبب عصيانهم وتمردهم. والأخرى وهي أكبر من أختها: عام ١٣٥م في عهد الإمبراطور "هادريان" الذي قضى على اليهود في فلسطين ولم يبق بعده فيها إلا أقلية نصرانية واهنة مبعثرة٣. ثم استمر اضطهاد أباطرة الرومان للنصارى قرنين آخرين، ذاق خلالهما النصارى ألواناً شتى من الذل والاضطهاد، حتى أصبح إتهام أي رجل بالنصرانية في بعض الأحيان مبرراً قوياً لإلقائه للوحوش المفترسة والحكم عليه بالموت٤ ولم يتوقف هذا الاضطهاد إلا بتولي قسطنطين الإمبراطورية الرومانية وإصداره مرسوم ميلان سنة٣١٣م ٥، والقاضي بإعطاء النصارى الحرية الدينية وحرية الأديان عموماً. فكان هذا الاضطهاد من العوامل المهمة في تحريف دعوة المسيح ? ﵇ نصرانية، لأن تثبيت العقيدة والدعوة إليها والعمل بها، يحتاج إلى وضع آمن،

стр. 313

بل يحتاج إلى قوة داعمة ومناصرة لترسخ العقيدة في النفوس، ويتمكن الدعاة من نشرها بين الناس، وإلا فإن عقائد الناس وعباداتهم القديمة تطغى على الدعوة الجديدة، وقد تصبغها بصبغتها، وكذلك أعداء الأديان من أصحاب الأهواء والنفعيين فإنهم يجدون أرضية مناسبة لبث أرائهم وأهوائهم في الأديان، كما أن الجهل بالدين الصحيح في كثير من الأحيان مع النية الصالحة في العمل قد تدفع الإنسان إلى استحسان أمور وادعاء أمور أنها من الدين وهي ليست منه. فهذه الأمور وغيرها تطفو على السطح وتظهر في حالة الاضطهاد وعدم الأمن، وإذا نظرنا إلى تاريخ النصرانية نجد أنه في فترة الاضطهاد شاع بينهم ما يسمونه بـ "الهرطقة" وهي التعاليم المخالفة لما عليه النصارى، كما كثرت الكتب والرسائل المنسوبة إلى دعاة النصارى الأوائل١. واستمر وجود تلك البدع والكتب إلى أن جاء قسطنطين وسعى إلى توحيد النصارى بدعوته إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، إلا أنه وحدَّهم على إحدى تلك البدع، وهي بدعة بولس، فمما لا شك فيه أن ذلك كله كان عاملاً من العوامل التي تسببت في انحراف النصرانية عن الدين الحق الذي جاء به المسيح عيسى ﵇.

стр. 314

ب- ضياع الإنجيل وانقطاع السند: تقدم الكلام على الأناجيل وأن الأناجيل الموجودة ليس منها شيء منسوب إلى عيسى ﵇، ولا يعرف أثر لإنجيل عيسى ﵇ كما أن النصارى لم يعتنوا بالتدوين مباشرة بعد رفع المسيح، وإنما تأخروا في التدوين مما جعل كثيراً من الأناجيل تظهر، ولا يعرف على اليقين كاتبها، ولا من أين أخذ معلوماته١. وهذا انحرف بدعوة المسيح ﵇ عن وجهها الصحيح، لأن أصحاب تلك الأناجيل ليسوا معصومين فوقعوا في أخطاء كثيرة، وسوء فهم، وغير ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، مما جعل الديانة المعتمدة على مثل تلك الكتب المليئة بالأخطاء تبدو ديانة مرتبكة مختلة التركيب، كما هو حال النصرانية. ج- بولس (شاؤول اليهودي) : هو شاؤول اليهودي أحد ألد أعداء المسيح ﵇، وأحد اليهود المتعصبين لليهودية، ولد وتربى في طرسوس التي كانت مركزاً من مراكز الفلسفة وتنوع الثقافات الوثنية في ذلك الوقت. وانتقل بولس إلى أورشليم وتعلم الشريعة اليهودية وكان من أشد الناس تعصباً لها، ثم لما بعث المسيح ﵇ كان من أشد الناس على ديانته وعلى أتباعها. فهو يقول عن نفسه: "سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية إني

стр. 315

كنت اضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي"١. ثم إن هذا الرجل زعم أنه دخل في دين المسيح، وفي هذا يقول لوقا في أعمال الرسل (٩/١) : "أما شاؤول فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناساً من الطريق رجالاً أو نساءاً يسوقهم موثقين إلى أورشليم، وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له: شاؤول شاؤول. لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد، فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن تَرْفُسَ مَنَاخِس٢، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل، فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل....... وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق أياماً وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله". وبهذه القصة التي لا دليل عليها ولا شاهد إلا دعواه، زعم أنه دخل في دين المسيح، وحين قدم نفسه للحواريين لم يقبله الحواريون أولاً لمعرفتهم بعداوته وبطشه بهم، ولكن " برنابا" توسط له عندهم فقبلوه٣.

стр. 316

فنشط بعد قبولهم له وصار رأساً في النصرانية، يبني الكنائس، ويطوف البلاد شرقاً وغرباً يدعو ويرسل الكتب والرسائل يبين فيها ديناً وأمراً غريباً عن الحواريين وعن شريعة عيسى ﵇ ١. وبالنظر الفاحص فيما خلف بولس من رسائل يتضح للناظر فيها ملاحظات عديدة نقتصر منها على ذكر أهم مخالفاته لدعوة المسيح ﵇ ١ - ادعاؤه أن المسيح ابن الله: من الدعاوى التي أطلقها بولس هي ادعاؤه أن المسيح ﵇ ابن الله -تعالى الله عن ذلك - فمن ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل عن بداية دعوة بولس (٩/٢٠) قال:"وللوقت جعل -يعني بولس - يكرز في المجامع أن هذا هو ابن الله"??. ويقول بولس في رسالته إلى غلاطية (٤/٤) "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ". فهذه الدعوى ظهرت أولاً في كلام بولس ودعوته، ثم ظهرت قوية في المجامع النصرانية، وقامت عليها الديانة كلها، وهذا كله خلاف ما صرح المسيح ﵇ به مراراً من أنه رسول لبني إسرائيل، وأنه إنسان، وابن

стр. 317

إنسان، وابن داود، وغيرها من الألقاب التي تؤكد أنه بشر ابن بشر، ومن ذلك قول إنجيل متى (٨/٢٠) " فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه". وفي إنجيل يوحنا يقول (٨/٤٠) "وأنا إنسان علمكم بالحق الذي سمعه من الله"١ فهذه النصوص قد أكد بها المسيح بشريته إلا أن بولس بعد قد أضفى على المسيح صفة "ابن الله" وأعطاها ذلك المضمون الذي أخذت به النصرانية من اعتقادهم أن المسيح إله، ابن إله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ٢- ادعاؤه أن الغاية من مجيء المسيح ﵇ هو الصلب وتكفير الخطايا: وفي هذا يقول بولس في روميه (٣/٢٣) :" إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة" ويقول في روميه أيضاً في (٥/٦) "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار ... ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ". وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (٥/٢١) يقول "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه". فهذه الدعوى التي علل بها بولس حياة المسيح وموته هي التي قامت عليها

стр. 318

النصرانية بعد، ولم يكن لها في الحقيقة شيء من الصدى في حياة المسيح ولا كلامه. بل ورد عن المسيح ﵇ التصريح بأنه جاء ليدعو إلى التوبة والإنابة. وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) قوله" لأني لم آت لأدعوا أبراراً بل خطاة إلى التوبة". وفي إنجيل مرقص (١/١٢) يقول" وبعد ما أُسْلِم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". فهذا ظاهر منه أن المسيح ﵇ قد صرح بأن الهدف من رسالته هو الدعوة إلى التوبة. إلا أن بولس اخترع من عند نفسه هدفاً آخر للمسيح لم يصرح به المسيح ولم يقله وهو أنه إنما جاء ليصلب تكفيراً للخطايا. ٣ - ادعاؤه أن دعوة المسيح ﵇ كانت عامة لجميع بني البشر ادعى بولس أن المسيح ﵇ رسول لجميع الأمم ثم زعم لنفسه بأنه مرسل إلى جميع البشر، وفي هذا يقول في روميه (١١/١٣) "فإني أقول لكم أيها الأمم، بما أني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي ". وفي غلاطيه (١/١٥) يقول"ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم". وفي أفسس (٣/٨) يقول"أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم"? وهذه الدعوى منه تخالف ما ذكره المسيح عن نفسه وما وصى أيضا به تلاميذه حيث يقول عن نفسه في إنجيل متى (١٥/٢٤) "لم أرسل إلا إلى

стр. 319

خراف بيت إسرائيل لضالة". ووصى تلاميذه بقوله في إنجيل متى (١٠/٥) " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة". ٤ - إلغاؤه لشريعة موسى ﵇ ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرد بدون عمل. ألغى بولس شريعة موسى ﵇ وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما..... فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي لست أبطل نعمة الله، لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب". ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح ﵇ لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسويه، وتصور أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولاً تم بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيئ من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والإمتناع عن الزنا١. وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى ﵇ خلاف ما أكده المسيح عليه

стр. 320

السلام ودعى إليه فقد ورد في إنجيل متى (٥/١٧) أنه قال ": لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات. فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات". فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موس ﵇ وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تماماً، لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح ﵇ أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركز تركيزاً خاصاً على التوبة والتخلص من الخطايا ١. وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح ﵇ دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح ﵇ بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى ﵇ وَوَجْهِ إلغائها، وتكرر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهم ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلاً واحداً يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفراً بالديانة ونقضاً لها من أساسها. كما يعتبر بكل المعايير فشلاً في الدعوة، وليس نجاحاً كما يظن النصارى
следующие страницы →