← Акыда

Акыда · id 11183

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (361 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول: التعريف باليهودية المبحث الأول: تعريف كلمة يهود ... المبحث الأول: تعريف كلمة يهود اليهود لغة: اختلف في كلمة اليهود، هل هي عربية مشتقة أم غير عربية، فقال البعض: إنها عربية مشتقة من " الهود" وهو التوبة والرجوع. قال في ذكره لدعاء موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ الأعراف آية (١٥٦) ١. وقال البعض: إنها غير عربية، وإنما هي نسبة إلى يهوذا أحد أسباط بني إسرائيل. أو إلى دولة يهوذا التي كانت في فلسطين بعد سليمان ﵇. وهذا أرجح فيما يظهر في هذه النسبة، لأن هذا الإسم وهو " اليهود"لم يذكره اليهود في كتابهم٢ إلاَّ في سفر عزرا الذي يتحدث عن فترة سبي شعب دولة يهوذا إلى بابل - كما سيأتي ذكره -.٣ ويظهر من هذا أن تلقيبهم باليهود كان من قبل ملوك الفرس الذين صار اليهود تحت حكمهم بإسقاطهم لدولة بابل - كما سيأتي - ٣ اليهود اصطلاحاً: هم الذين يزعمون أنهم أتباع موسى ﵇.

стр. 37

وقد وردت تسميتهم في القرآن الكريم ب قوم موسى، وبني إسرائيل نسبة إلى يعقوب ﵇، وكذلك أهل الكتاب، واليهود. إلاَّ أن الملاحظ أن هذه التسمية الأخيرة - اليهود - لم يذكروا بها إلاّ في مواطن الذم، كقول الله : ﴿وَقَالَت اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغلُولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ المائدة آية (٦٤) . وقوله : ﴿وَقَالَت اليَهُودُ وَالنَّصارَى نَحْنُ أَبْنَاؤ اللهِ وَأَحِبَّاؤُه﴾ المائدة آية (١٨) . وقوله : ﴿وَقَالَت اليَهُودُ عُزَيرُ ابن الله﴾ التوبة آية (٣٠) . وقوله : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيا﴾ آل عمران آية (٦٧) . وهذا يدل على أنهم تلقَّبوا بهذا اللقب بعد أن فسد حالهم وانحرفوا عن دين الله. والله أعلم ١.

стр. 38

المبحث الثاني: مجمل تاريخ اليهود من المعلوم أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، ويعقوب هو الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وكان يسكن في منطقة فلسطين، متنقلاً في مناطق عدة فيها، وكان توطنها هو وأبناؤه من بعد إبراهيم الخليل ﵇ يعيشون فيها حياة البداوة. قال ? فيما حكاه من كلام يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِن قَبْلُ قَدْ جَعلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحسَنَ بِي إِذ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِنَ البَدْوِ﴾ يوسف آية (١٠٠) . قال ابن كثير: "من البدو" أي من البادية، قال ابن جريج وغيره: "وكانوا أهل بادية وماشية " ١. ولهذا سنبدأ في بيان تاريخ اليهود من يعقوب ﵇ ودخوله أرض مصر. أولاً: انتقال يعقوب ﵇ بأولاده من بادية فلسطين إلى مصر: بعد أن مكَّن الله ليوسف ﵇ في أرض مصر وصار على خزائنها، أرسل إلى أبيه وأهله جميعاً أن يأتوا إليه، فأقبل يعقوب ﵇ بأولاده وأهله جميعاً إلى مصر واستوطنوها، ويذكر اليهود في كتابهم أن عدد أنفس بني إسرائيل حين دخلوا مصر سبعون نفساً. وكانوا شعباً مؤمناً بين وثنيين، فاستقلوا بناحية من الأرض أعطاهم إياها فرعون مصر، فعاشوا عيشة طيبة زمن يوسف ﵇. ثم بعد وفاة يوسف ﵇ بزمن الله أعلم

стр. 39

بطوله تغيَّر الحال على بني إسرائيل وانقلب عليهم الفراعنة طغياناً وعتوًا واستضعافاً لبني إسرائيل، فاستعبدوهم وأذلوهم، وبلغ بهم الحال ما ذكر الله في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَونَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ, كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَونَ وَهاَمانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ القصص آية (٤-٦) . فكان الفراعنة يقتلون الذكور ويستحيون الإناث، واستمرت هذه المحنة وهذا البلاء عليهم زمناً طويلاً، إلى أن بعث الله موسى ﵇، فدعا فرعون إلى الإيمان بالله، وأن يترك دعوة الناس إلى عبادة نفسه، وأن يرفع العذاب عن بني إسرائيل، ويسمح لهم بالخروج من مصر. فأبى فرعون ذلك بغطرسة وكبر، واستمر في تعذيب بني إسرائيل كما قال : ﴿وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَومَهُ, لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ الأعراف آية (١٢٧) . فأخذ الله تعالى فرعون وقومه بالجدب وهلاك الزروع، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ولكنهم استكبروا وجحدوا، فأوحى الله إلى موسى??﵇ بعد ذلك بالخروج ببني إسرائيل. ثانياً: خروج بني إسرائيل من مصر: خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل ليلاً بأمر الله له بذلك، قال ?

стр. 40

عز وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَكُم مُتّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِين إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُون وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْناَهُم مِن جنَّاَتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقاَمٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَائِيل فأَتَبَعُوهُم مُّشرِقِينَ فَلمَّا تَرَاءَى الْجَمْعاَنِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاّ إِنّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِْ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْر فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَعَهُ, أَجْمَعِين ثُمَ أَغْرَقْنَا الآخَرِين﴾ الشعراء الآيات (٥٢-٦٦) . فأنجى الله موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده. ويذكر اليهود في كتابهم أن مدَّة مكثهم في مصر كانت أربعمائة وثلاثين عاماً ١، وكان عدد الرجال عند الخروج دون النساء والأطفال نحو ستمائة ألف رجلٍ ٢، وهذا عدا بني لاوي أيضاً الذين لم يحسبوهم. وهو عدد مبالغ فيه جدا، إذ معنى ذلك أن عددهم كان وقت خروجهم بنسائهم وأطفالهم قرابة مليوني نسمة، وهي دعوى مبالغ فيها جدا ولا يمكن تصديقها، إذ أن ذلك يعني أنهم تضاعفوا خلال فترة بقائهم في مصر قرابة ثلاثين ألف ضعف، إذ كان عددهم وقت الدخول سبعين نفساً، والله قد ذكر قول فرعون ﴿إنَّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون﴾ ومليونا شخص لا يمكن أن يعبَّر عنهم بهذا.

стр. 41

كما أن تحرك مليوني شخص في ليلة واحدة مستحيل، إذا علمنا أن في هذا العدد أطفالاً ونساءً وشيوخاً. والله أعلم. ثالثاً: ما حدث من بني إسرائيل بعد الخروج: حدث من بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر حوادث عدة. فمن هذه الحوادث: طلبهم من موسى أن يجعل لهم صنماً إلهاً، وفي هذا يقول الله : ﴿وَجَاوَزنَا ببني إسرائيل البحرَ فَأتواْ علَى قَومٍ يعكُفُونَ على أصنامٍ لَّهُم قالواْ يَا موسَى اجْعَلْ لنَا إِلَهاً كَمَا لَهُم آلهة قَالَ إنّكُم قَومٌ تجهَلُونَ إنَّ هَؤلاَءِ مُتبّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ قَالَ أغَيرَ اللهِ أَبغِيكُم إلهاً وَهُوَ فَضَّلكُم عَلَى العَالَمِينَ﴾ الأعراف (١٣٨-١٤٠) . ولا شك أن هذا الطلب من بني إسرائل مدعاة للعجب والاستنكار، فقد رأوا من الآيات ما فيه مقنع وكفاية لو كانوا يعقلون. ومنها: عبادتهم للعجل: وذلك أن موسى ﵇ لما ذهب لموعده مع ربِّه، أضل السامري بني إسرائيل، وصنع لهم عجلاً مسبوكاً من الذهب الذي استعاره بنو إسرائيل من المصريين عند خروجهم من مصر، ودعاهم إلى عبادته، فعبدوه في غياب موسى ﵇، وقد حذّرهم هارون ﵇ ونهاهم عن ذلك. قال الله : ﴿وَلقَد قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتَنْتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمرِي قَالُواْ لَن نَّبرَحَ عَليهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرجِعَ إِلينَا مُوسَى﴾ طه آية (٩٠-٩١) .

стр. 42

ولما رجع موسى ﵇ إلى قومه غضبان أسفا، أنَّبهم وأحرق العجل وذراه في اليم، ثم حكم عليهم بأن يقتل عبدة العجل أنفسهم ليتوب الله عليهم. وروي في كيفية قتلهم أن يقوم أناس منهم بالسكاكين ومن عبد العجل جلوس، فتغشاهم ظلمة فيبتدئ الواقفون بطعن الجالسين حتى تنقشع الظلمة فتكون توبة لمن مات ولمن بقي منهم١. ومنها: نكالهم عن قتال الجبابرة: دعا موسى?﵇ قومه إلى قتال الجبابرة وهم قوم من الحيثانيين والفزريين والكنعانيين، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة ٢. فأبى بنوا إسرائيل القتال وجبنوا عنه، واقترحوا على موسى ﵇ ما ذكره الله عز وجلفي قوله: ﴿قَالُواْ يا موسى إِنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعِدُونَ﴾ المائدة (٢٤) ، فهناك دعا موسى ﵇ ربّه بقوله: ﴿قال ربّ إنِّي لا أملك إلاَّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٥) . فحكم الله عليهم بالتيه بقوله: ﴿قال فإنها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنة

стр. 43

يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٦) فظلوا تائهين المدة التي قضي الله عليهم. ومات في هذه الفترة موسى ﵇، وكان هارون ﵇ مات قبله أيضاً. ويقول اليهود في كتابهم التوراة: إنه قد مات في زمن التيه كل من كان بالغاً وقت نكولهم، ولم يدخل الأرض المقدسة منهم سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما فيما قيل اللذان قال الله عنهم ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب﴾ المائدة (٢٣) . رابعاً: دخول بني إسرائيل أرض فلسطين: بعد انقضاء المدة المحكوم على بني إسرائيل فيها بالتيه، فتح بنو إسرائيل الأرض المقدسة بقيادة يشوع بن نون ﵇.١ ويذكر اليهود أنهم دخلوها من ناحية نهر الأردن.

стр. 44

ويقسم المؤرخون تاريخهم في فلسطين إلى ثلاثة عهود: أ - عهد القضاة: والمراد به أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح الأرض المقدسة، قسم الأرض المفتوحة على أسباط بني إسرائيل، فأعطى لكل سبط قسماً من الأرض، وجعل على كل سبط رئيساً من كبرائهم، وجعل على جميع الأسباط قاضياً واحداً يحتكمون إليه فيما شجر بينهم، وهو يمثل الرئيس لجميع الأسباط، واستمر هذا الحال ببني إسرائيل قرابة أربعمائة عام فيما يذكر اليهود، وكان بينهم وبين أعدائهم حروب دائمة يكون النصر فيها لبني إسرائيل مرَّة ولأعدائهم أُخرى. ب - عهد الملوك: وهو العهد الذي بدأ فيه الحكم ملكياً، وقد قص الله علينا خبر أول ملوكهم في قوله : ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله﴾ البقرة (٢٤٦) . فجعل الله عليهم طالوت ملكاً، فقبلوه على كره منهم ويسمونه في كتابهم شاؤول. وملك عليهم بعده داود ﵇، ثم ابنه سليمان ﵇ وكان عهدهما أزهى العهود التى مرت على بني إسرائيل على الإطلاق، وذلك لما أوتيه هذان النبيان الكريمان من العدل والحكمة مع الطاعة والعبادة لله . ج - عهد الانقسام: هو العهد التالي لسليمان ﵇ حيث تنازع الأمر بعده رحبعام بن

стр. 45

سليمان ﵇ ويربعام بن نباط، فاستقل رحبعام بسبط يهوذا وسبط بنيامين، وكوَّن دولة في جنوب فلسطين عاصمتها " بيت المقدس "، وسميت دولة يهوذا نسبة إلى سبط حكامها، وهو سبط يهوذا الذي من نسله داود وسليمان ﵉ وملوك تلك الدولة. واستقل يربعام بن نباط بالعشرة أسباط الأخرى، وكوَّن دولة في شمال فلسطين، سميَّت دولة إسرائيل وجعل عاصمتها نابلس١، وأهل هذه الدولة يسمون لدى اليهود ب "السامريين "، نسبة إلى جبلٍ هناك يسمى " شامر " اشتراه أحد ملوكهم وهو "عمري" وسماه نسبة إلى صاحبه السامرة ٢، وسميت منطقتهم " السامرة ". ويلاحظ أن السامريين -وهم شعب دولة إسرائيل - غيّروا قبلتهم من بيت المقدس إلى جبل يسمى "جرزيم " ٣ويعتبرهم اليهود من شعب يهوذا ملاحدة وكفاراً لتغييرهم القبلة. ثم إنَّ الدولتين كان بينهما عداء وقتال، وكان يحدث في بعض الفترات من تاريخهما توافق وتعاون، وكانت دولة إسرائيل كثيرة القلاقل والفتن وتغيَّرت الأسرة الحاكمة فيها مراراً عديدة. أما دولة يهوذا فاستقر الحكم في سبط يهوذا في ذرية سليمان بن داود ﵇، وكانت تقع على الدولتين حروب من جيرانهم الأراميين٤،

стр. 46

والفلسطينيين١،والأدوميين٢ والموآبيين٣ كما أن الدولتين وقع من حكامهما وشعبيهما عبادة للأصنام في كثير من الأوقات وخاصة دولة إسرائيل واليهود السامريين ٤. خامساً: استيلاء الأجنبي عليهم: استمرت دولة إسرائيل مستقلة لها سيادتها على أرضها قرابة ٢٤٤عاماً٥حيث سقطت بعدها في يد الآشوريين زمن ملكهم سرجون عام ٧٢٢ق. م تقريباً فسبي شعبها، وأسكنهم في العراق، وأتى بأقوام من خارج تلك المنطقة وأسكنهم إياها، فاعتنقوا فيما بعد ديانة بني إسرائيل٦وبذلك تمَّ القضاء على تلك الدولة. أما دولة يهوذا فاستمرت قرابة ٣٦٢ عاماً٧ ثم سقطت بأيدي فراعنة مصر

стр. 47

عام ٦٠٣ ق. م تقريباً، وفرضوا عليها الجزية، وامتد حكم الفراعنة في ذلك الوقت إلى الفرات. ثم جاء بعد ذلك حاكم بابل الكلداني بختنصر، واسترجع منطقة الشام وفلسطين، وطرد الفراعنة منها، ثم زحف مرة أخرى على دولة يهوذا التي تمردت عليه، فدمَّرها ودمَّر معبد أورشليم وساق شعبها مسبياً إلى بابل، وهذا ما يسمَّى بالسبي البابلي، وكان في هذا نهاية تلك الدولة التي تسمى يهوذا١وذلك في حدود عام ٥٨٦ ق. م. ثم سقطت دولة بابل في يد الفرس في عهد ملكهم "قورش " سنة ٥٣٨ ق. م. الذي سمح لليهود بالعودة إلى بيت المقدس، وبناء هيكلهم وعين عليهم حاكماً منهم من قبله. ومن الجدير بالذكر أن اليهود ذكروا في كتابهم أن "قورش" أرسل النداء في مملكته قائلاً "جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتاً في أورشليم التي في يهوذا ... " ٢ وهذا النص إذا صدق اليهود فيه يكون دليلاً على أن " قورش " كان مؤمناً بالله. واستمر حكم الفرس من ٥٣٨-٣٣٢ ق. م، ثم زحف على بلاد الشام وفلسطين الاسكندر المقدوني اليوناني٣ واستولى عليها، وأزال حكم الفرس

стр. 48

بل استولى على بلادهم وبلاد مصر والعراق، فدخلت هذه المناطق تحت حكمهم من نهاية القرن الرابع قبل الميلاد إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، حيث زحف بعد ذلك على البلاد القائد الروماني "بومبي" سنة ٦٤ ق. م، وأزال حكم اليونانيين عنها، فدخل اليهود تحت حكم الرومان وسيطرتهم١. سادساً: تشتتهم في الأرض: في زمن سيطرة الرومان على منطقة فلسطين بُعث المسيح ﵇ وبعد رفعه وقع بلاء شديد على اليهود في فلسطين، حيث قاموا بثورات ضد الرومان، مما جعل القائد الروماني تيطس عام ٧٠م يجتهد في استئصالهم والفتك بهم وسبي أعداد كبيرة منهم وتهجيرها، ودمر بيت المقدس ومعبد اليهود، وكان هذا التدمير الثاني للهيكل٢، وقد زاد في تدمير الهيكل الحاكم الروماني أدريان سنة ١٣٥م، حيث أمر جنوده بتسوية الهيكل بالأرض، وبنى فيها معبداً لكبير آلهة الرومان الذي يسمونه "جوبتير "وهدم كل شيءٍ في المدينة، ولم يترك فيها يهودياً واحداً، ثم منع اليهود من دخول المدينة، وجعل عقوبة ذلك الإعدام، ثم سمح لليهود بالمجيء إلى بيت المقدس يوماً واحداً في السنة والوقوف على جدار بقي قائماً من سور المعبد، وهو الجزء الغربي منه، وهو الذي يسمى " حائط المبكى٣ ".

стр. 49

وبهذا تشتت اليهود في أنحاء الأرض، وسلط الله عليهم الأمم يسومونهم سوء العذاب ببغيهم وفسادهم وسوء أخلاقهم. وفي هذا يقول الله ﴿وإذ تأذَّن ربُّك ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربَّك لَسَرِيع العِقَابِ وَإنَّهُ لغفورٌ رَّحيم﴾ الأعراف الآية (١٦٧) . وكان من الجزاء الذي حكم الله به عليهم مع هذا العذاب المستمر إلى يوم القيامة تقطيعهم في الأرض وتشتيتهم فيها جزاء كفرهم وفسادهم. قال ﷺ ??: ﴿وَقطّعناهم في الأرض أمماً مِّنهم الصَّالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيِّئات لعلَّهم يرجعونَ فَخَلَفَ مِن بعدهم خلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيُغفر لنا وإن يأتهم عرضٌ مثلُهُ يأخذوه ألم يُؤخَذ عليهم ميثاقُ الكتاب ألاَّ يقولوا على الله إلاّ الحقَّ ودرسوا ما فيه والدَّار الآخرةُ خيرٌ للَّذين يتَّقون أفلا تعقلون﴾ الأعراف (١٦٨-١٦٩) . فهذه الآيات الكريمة تشرح واقع اليهود. فالآية الأولى تفيد بأن الله قضى عليهم بالعذاب المستمر بأيدي الناس إلى يوم القيامة. والآية الثانية: تفيد بتمزيقهم في الأرض، وتمزيقهم أدعى إلى أن يقع بسببه البلاء الشديد عليهم جماعة جماعة، ولا يستطيع أن ينصر بعضهم بعضاً بسببه. وقد خلف المسلمون الرومان النصاري في القرن الأول الهجري الذي يوافق القرن السابع الميلادي على الشام وفلسطين وجميع ما كان في يد الرومان في هذه المناطق.

стр. 50

وكان اليهود في حالة تشتت وتفرُّق في جميع أنحاء الأرض، ولم يكن يسمح وقتها لليهود بالسكنى في بيت المقدس، كما سبق بيانه، بل كان من بنود المعاهدة بين نصارى بيت المقدس وعمر بن الخطاب ﵁ أن لا يسمح لليهود بالسكن في بيت المقدس١. فاستمرَّ اليهود في التشتت والتمزُّق في أنحاء الأرض إلى بداية القرن العشرين. سابعاً: تجمعهم في فلسطين في العصر الحديث: لقد ابتدأت الفكرة لدى العالم الغربي في تجميع اليهود في دولة من أيام حملة نابليون بونابرت الفرنسي٢ عام (١٧٩٩) م حيث دعا يهود آسيا وأفريقيا للإنضمام إلى حملته من أجل بناء مدينة القدس القديمة، وقد جنَّد منهم عدداً كبيراً في جيشه، إلاَّ أنَّ هزيمة نابليون واندحاره حالا دون ذلك. ثم ابتدأت الفكرة تظهر على السطح مرَّة أخرى، وبدأ العديد من زعماء الغرب وكبار اليهود يهتمون بها ويؤسسون كثيراً من الجمعيات المنادية لهذا الأمر، وابتدأ التخطيط الفعلي من إصدار" تيودور هرتزل"٣ الزعيم الصهيوني عام (١٨٩٦) م، كتابه " الدولة اليهودية"، حيث عقد مؤتمر بال في سويسرا سنة (١٨٩٧) م. وجاء في خطاب افتتاح هذا المؤتمر: " إننا نضع حجر الأساس في بناء البيت

стр. 51

الذي سوف يؤوي الأمة اليهودية "، ثم اقترح برنامجاً يدعو إلى تشجيع القيام بحركة واسعة إلى فلسطين، والحصول على اعتراف دولي بشرعيَّة التوطين. وكان من قرارات ذلك المؤتمر: إنشاء " المنظمة الصهيونية العالمية " لتحقيق أهداف المؤتمر، والتي تولّت أيضاً إنشاء جمعيات عديدة علنية وسرِّية لتخدم هذا الهدف ١ ودرس اليهود حال المستعمرين، فوجدوا أن بريطانيا أنسب الدول لهذا الأمر التي تتفق رغبتها في وضع داء في وسط الأمة الإسلامية موالٍ للغرب٢ مع رغبة اليهود في وطن قومي لهم، وكانت أكثر البلاد العربية تحت سيطرتها، فدبروا معها المؤامرة، وأخذوا بذلك وعداً من "بلفور" رئيس وزراء بريطانيا، ثم وزير خارجيتها عام (١٩١٧) م، أعلن فيه أن بريطانيا تمنح اليهود حق إقامة وطن

стр. 52

قومي لهم في فلسطين، وأنها ستسعى جاهدة في تحقيق ذلك. وكان اليهود قد بدأوا الهجرة إلى فلسطين في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، فاستطاع اليهود بسبب الهجرة من تكوين دولة داخل دولة، وكانت الحكومة البريطانية تحميهم من بطش المسلمين، وتتعامل معهم بكل التسامح، في الوقت الذي تتعامل فيه مع المسلمين بكل شدَّة وتنكيل. ولما ضعفت بريطانيا عن تحقيق أماني اليهود أحالت الأمر إلى الأمم المتحدة والتي تتزعمها الولايات المتحدة، التي بدورها استلمت الدور البريطاني في المنطقة، فأرسلت الأمم المتحدة لجانها إلى فلسطين، ثم قررت هذه اللجان تقسيم فلسطين بتخطيط يهودي وضغط أمريكي، فأعلن قرار التقسيم لفلسطين بين المسلمين واليهود في ٢٩/١١/١٩٤٧م. فقررت الحكومة البريطانية بعده الانسحاب من فلسطين، تاركة البلاد لأهلها، وذلك بعد أن تأكَّدت أن اليهود قادرون على تسلم زمام الأمر، فحال خروجها في مايو عام (١٩٤٨) م، أعلن اليهود دولتهم التي اعترفت بها أمريكا بعد إحدى عشرة دقيقة، وكانت روسيا قد سبقتها بالاعتراف، ثم استطاعت هذه الدولة اليهودية أن تقوم على قدميها، وأن تخوض ضد المسلمين عدَّة حروب، مني فيها المسلمون بهزائم، بسبب بعدهم عن دينهم، وتفرقهم إلى أمم وأحزاب، وخيانة بعضهم ١ *.

стр. 53

ولا زالت هذه الدولة قائمة في قلب الأمة الإسلامية داءً سيفجر كثيراً من الفساد والشرور، ما لم يقتلع من جذوره، فاليهود منذ أزمان بعيدة وهم داء، أينما حلوا نشروا الفساد والشحناء والعدوان بين أهل البلاد التي يحلون فيها، وقد رأت الدول الغربية أنها ستكسب مكسبين عظيمين من إقامة هذا الكيان في جسد الأمة الإسلامية:- أحدهما: أنها تسلم من شرور اليهود وسيطرتهم، وفسادهم وتحكمهم في البلاد وثرواتها. ثانيهما: أنها تضع في قلب الأمة الإسلامية دولة حليفة لهم، وهي في نفس الوقت علة تستنزف قوى الأمة الإسلامية، وتضع بذور الفرقة والخلاف بين أفرادها، حتى لا تقوم لها قائمة. وهذا الوضع لا زال قائماً، والأيام مليئة، وكل يوم يظهر الهدف واضحاً، وتظهر الشخصية اليهودية الحقيقية أكثر وأوضح، وما لم يفق المسلمون لواقعهم المرير، وينظروا لمستقبلهم بالعين المستبصرة بنور الله، المهتدية بشرعه الواثقة من نصره، فإنه لن يتغير الحال، بل ستزداد الأزمات والمصائب على العالم الإسلامي، حتى يأذن الله بأمره وتعود الأمة إلى ربها ودينها فتكون جديرة بنصر الله واستعادة مقدساتها. ونرى أن تجمعهم هذا مقدمة لتحقيق كلام الرسول ﷺ عنهم بأن المسلمين يقتلون اليهود ١. ولعل فلسطين ستكون مقبرتهم، والله غالب على أمره، ولن

стр. 54

يفلح قوم سجل الله عليهم غضبه ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، بل لعلها مؤذنة بفنائهم والقضاء على بذرتهم الخبيثة، كما نرى أنهم ما توصلوا إلى ما توصلوا إليه إلاَّ بعد أن صار المسلمون في غاية التخلف والضعف والبعد عن الدين الذي به يتوصلون إلى خير الدنيا والآخرة. مسألة: ادعاء اليهود أن لهم حقاً تاريخياً ودينياً في فلسطين: قد تقدم بيان أن بني إسرائيل هم سلالة يعقوب ﵇، وأن أول دخول لهم إلى فلسطين كان مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى ﵇ في التيه وبعد نكولهم عن القتال أول الأمر. وقد كان في فلسطين قبل استيلاء بني إسرائيل عليها ثلاث قبائل وهم: الفينيقيون: وسكنوها حوالى سنة (٣٠٠٠) ق. م واستوطنوا المنطقة الشمالية منها على البحر الأبيض المتوسط. الكنعانيون: نزلوا جنوب الفينيقيين، وشغلوا المنطقة الوسطى من فلسطين سنة (٢٥٠٠) ق. م. وهذه كانت من القبائل العربية المهاجرة من شبه الجزيرة العربية، ثم جاءت جماعات من جزيرة كريت حوالي عام (١٢٠٠) ق. م، وكانت تسمى فلستين، ونزلت بين يافا وغزَّة على البحر الأبيض المتوسط. وسمَّى الكنعانيون هولاء القوم فلسطين، وغلبت التسمية على المنطقة كلها، فأًصبحت تدعى

стр. 55

فلسطين ١. وحسب ما أورده اليهود في كتابهم، وما كُتب في تاريخ المنطقة، فإن هذه الشعوب استمرَّت في المنطقة، وكان بينها وبين بني إسرائيل واليهود حروب عديدة، استمرت طوال فترة وجود اليهود في تلك المنطقة. فمن الناحية التاريخية، يتبيَّن لنا أن اليهود ليسوا أول من سكن فلسطين، بل دخلوها أو بعضها واستولوا على أجزاء منها بعد أن كانت في يد هؤلاء القوم. أما من الناحية الدينية، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كَتَبَ الله ُ لَكُمْ وَلاَ ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ ?المائدة الآية (٢١) . فقوله تعالى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾ قال ابن اسحاق: "التي وهب الله لكم ". وقال السدي: " التي أمركم الله بها ". وقال قتادة: "أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة"٢. ? إذاً قوله تعالى: ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾ ليس هو تمليك على رأي بعض العلماء، وعلى الرأي الآخر هو تمليك لهم بشرط أن يدخلوها. وعلى رأي البعض: هي هبة لهم. فهذا يبيِّن معنى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾ ، ومع هذا فليس فيه دليلٌ على أن لهم الحق في فلسطين، وذلك لأن الله ينعم على عباده المؤمنين في حال الإيمان بنعم كثيرة، وهي لهم في حال الإيمان، أما في حال الكفر فلا

стр. 56

حق لهم بها. وبنوا إسرائيل حين أمرهم الله بالدخول نكلوا، فمنعهم منها، وحين استجابوا وأطاعوا منحها الله لهم. لهذا قال ابن كثير في الآية: "التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، إنه وراثة من آمن منكم " ١. فعليه فهي لهم في حال إيمانهم، أما في حال كفرهم فليس لهم فيها حق. يدل على هذا قول قول الله جل وعلا: ﴿فَأَوحَى إِلَيهِم ربُّهُم لنهلِكَنَّ الظَّالمين ولنُسَكِنَنكُمُ الأَرضَ مِن بعدهِم ذَلِكَ لمن خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم الآية (١٤) .وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ الأنبياء الآية (١٠٥) . وبما أن اليهود كفروا بالله وبأنبيائه، وسجل الله عليهم غضبه ولعنته، فليس لهم حق في الأرض المقدسة، بل هي من حق عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ . مسألة: كذب اليهود المعاصرين في ادعائهم أنهم نسل بني إسرائيل: اليهود المعاصرون يشيعون وينشرون أنهم نسل بني إسرائيل الأوائل الذين قطنوا فلسطين، وهم في زعمهم وارثوا أولئك الاسرائيليين الأوائل الذين كانوا في فلسطين. ويجتهد اليهود في نشر دعوى نقاء العنصر اليهودي من الإختلاط بالأمم الأخرى، فهم جنس حافظ - في زعمهم - على نقاء عنصره، ولليهود في ذلك هدف خطير وحيوي بالنسبة لهم، وهو أن هذه الدعوة

стр. 57

تجعلهم في نظر النصارى أبناءً ليعقوب ومن ذريَّته، فيكونون بذلك مقصودون بالوعود الواردة في العهد القديم لبني إسرائيل، فيستدرون بذلك عطف النصارى وإحسانهم ونصرتهم، خاصة إذا علمنا أن النصارى يقدسون التوراة ويعتقدون أن ما فيها وحي من الله كما سيأتي بيانه. لكن الواقع يكذب اليهود في دعواهم نقاء جنسهم، وذلك أن نظرة عامة في هيآتهم وسحنتهم تدل على تباين أصولهم، ففيهم ذو السحنة الأوروبية، وذو السحنة العربية، وفيهم ذو السحنة الأفريقية. ومع هذا التباين لا يمكن إدعاء أن أصلهم واحد، إذ لا بد من أن يكونوا قد اختلطوا بأمم أخرى أورثتهم هذا التباين في السمات. ثم إن اليهود ذكروا في كتابهم أن كثيراً منهم تزوَّجوا بنساء أجنبيات، وأن نساءهم أخذهن رجال أجانب١ حتى إنهم ينسبون إلى سليمان ﵇ ذلك ٢. كما أنه ثبت تاريخياً أن أمة كبيرة وهي شعب دولة الخزر تهوَّد في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك الشعب من قبل وثنياً، وهو شعب تركي آري كان يقطن منطقة آسيا الوسطى، ودولتهم التي تسمى باسمهم دولة الخزر كانت تقع في المنطقة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وتشغل منطقة شمال أذربيجان وأرمينية وأوكرانية وجميع منطقة جنوب آسيا إلى حدود موسكو عاصمة روسيا، وكان بحر قزوين يسمى بحر الخزر. وقد جاء في الموسوعة اليهودية عن الخزر ما يلي:

стр. 58

".. الخزر شعب تركي الأصل، تمتزج حياته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا.. أكرهته القبائل البدوية في السهول من جهة أخرى على توطيد أسس مملكة الخزر في معظم أجزاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفرانجيين سنة (٨٥٥) م بتأسيس الملكية الروسية، في هذا الوقت (٨٥٥) م كانت مملكة الخزر في أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة، وعند نهاية القرن الثامن تحوَّل ملك الخزر ونبلاؤه وعدد كبير من شعبه الوثنيين إلى الديانة اليهودية.. كان عدد السكان اليهود ضخماً في جميع أنحاء مقاطعة الخزر خلال الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر الميلادي.. بدا عند حوالى القرن التاسع أن جميع الخزر أصبحوا يهوداً وأنهم اعتنقوا اليهودية قبل وقت قصير فقط" ١. ثم إن هذه الدولة سقطت بعد ذلك في يد الروس، الذين احتلوها وقضوا عليها تماماً، واستولوا على جميع أراضيها، وقد تلاشت هذه الدولة من خارطة أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي، وتوزع شعبها على دول أوربا الشرقية والغربية، وكانت أكبر تجمعاتهم في أوربا الشرقية هنغاريا وبولندا ورومانيا والمجر وروسيا ٢. فهذا يدل دلالة واضحة أن اليهود الذين يسمون الإشكنازيم وهم يهود أوربا لا يمتون بصلة إلى يعقوب ﵇ وذريته. ونحن المسلمين نعتقد أن إنتسابهم إلى يعقوب ﵇ أو غيره لايغير من موقفنا منهم ماداموا يهوداًومحاربين لنا ومعتدين على إخواننا، إذ أن الأنساب لاوزن لها مع الكفر، ولا حاجة إليها مع الإسلام.

стр. 59

الفصل الثاني: مصادر اليهود اليهود لهم مصادر يستمدون منها عقيدتهم ومنهجهم وهذه المصادر هي التوراة والكتب الملحقة بها، والتلمود ويضاف إليهما البروتوكولات لدى الصهاينة في العصر الحديث وإن كانت هذه الأخيرة ليست مصدراً مقدساً إلا أنها جديرة بالإشارة والذكر لأنها نتاج التحريف الموجود في التوراة والأكاذيب والضلالات الموجودة في التلمود، وسنذكر كل واحد منهما بشيءٍ من التفصيل في المباحث التالية:

стр. 60

المبحث الأول: التوراة والكتب الملحقة بها المطلب الأول: تعريف التوراة التوراة: كلمة عبرانية تعني الشريعة أو الناموس. ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى ﵇ كتبها بيده ويسمونها "بنتاتوك" نسبة إلى "بنتا" وهي كلمة يونانية تعني خمسه أي الأسفار الخمسه وهذه الأسفار هي: ١- سفر التكوين: ويتحدث عن خلق السموات، والارض، وآدم، والأنبياء بعده إلى موت يوسف ﵇ ٢- سفر الخروج: ويتحدث عن قصة بني إسرائيل من بعد موت يوسفعليه السلامإلى خروجهم من مصر، وماحدث لهم بعد الخروج مع موسى ﵇ ٣- سفر اللاويين: وهو نسبة إلى سبط بني لاوى بن يعقوب الذي من نسله موسى وهارون ﵉، وأولاد هارون هم الذين فيهم الكهانة أي القيام بالأمور الدينية وهم المكلفون بالمحافظة على الشريعة وتعليمها الناس، ويتضمن هذا السفر أموراً تتعلق بهم وبعض الشعائر الدينية الأخرى. ٤- سفر العدد: وهو معني بعدِّ بني إسرائيل، ويتضمن توجيهات، وحوادث حدثت من بني إسرائيل بعد الخروج. ٥- سفر التثنية: ويعني تكرير الشريعة، وإعادة الاوامر والنواهى عليهم مره

стр. 61

أخرى، وينتهي هذا السفر بذكر موت موسى ﵇ وقبره١. وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم٢. أما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام٣ نوراً وهدى لبني إسرائيل. أما الكتب الملحقة بالتوراة فهي: أربعة وثلاثون سفراً، حسب النسخة البروتستانتية فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفراً، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام: أولاً: الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇ ثانياً: الأسفار التاريخية وهي ثلاثة عشر سفرا: ١- يشوع ٢-القضاة ٣-راعوث ٤-صموئيل الأول ٥ -صموئيل الثاني ٦- الملوك الأول ٧-الملوك الثاني٨-أخبار الأيام الأول ٩- أخبار الأيام الثاني ١٠- عزرا ١١- نحميا ١٢- إستير ١٣- يونان (يونس ﵇ . وهذه الأسفار تحكي قصة بني إسرائيل من بعد موسى ﵇ إلى ما بعد العودة من السبي البابلي إلى فلسطين، وإقامتهم للهيكل مرة أخرى بعد تدميره،

стр. 62

ماعدا سفري أخبار الأيام الأول والثاني فإنها تعيد قصة بني إسرائيل وتبتدئ بذكر مواليد آدم على سبيل الاختصار إلى السنة الأولى لمِلَك الفرس قورش. وكذلك سفر يونان "يونس ﵇ يحكي قصته مع أهل نينوى١ الذين أرسل إليهم. ثالثاً: أسفار الأنبياء وهي خمسة عشر سفراً: ١- أشعيا ٢- إرميا ٣- حزقيال ٤- دانيال ٥- هوشع ٦- يوثيل ٧- عاموس. ٨- عوبديا ٩- ميخا ١٠- ناحوم ١١- حبقوق. ١٢- صفنيا ١٣- حجى ١٤- زكريا ١٥- ملاخى٢. وهذه الأسفار يغلب عليها طابع الرؤى، والتنبؤات بما سيكون من حال بني إسرائيل، وحال الناس معهم، وفيها تهديدات لبني إسرائيل، ووعود بالعودة والنصر. والذين نسبت إليهم هذه الأسفار هم ممن كانوا زمن السبي إلى بابل وبعده. رابعاً: أسفار الحكمة والشعر (الأسفار الأدبية) . وهي خمسة أسفار: ١- أيوب ٢- الأمثال ٣- الجامعة ٤- نشيد الإنشاد ٥- مراثي إرميا. خامساً: سفر الإبتهالات والأدعية سفر واحد، وهو سفر المزامير المنسوب إلى داود ﵇ ٣. هذه أسفار النسخة العبرانية المعتمدة لدى اليهود والبروتستانت من النصارى.

стр. 63

أما النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس فيعتمدون النسخة اليونانية، وهي تزيد على العبرانية بسبعة أسفار هي: سفر طوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، والمكابيين الأول والمكابيين الثاني. وسنبين في دراسة مختصرة حال أهم كتب العهد القديم وهي التوراة لما لها من الأهمية العظمى لدى كل من اليهود والنصارى ونكتفي بدراستها خشية الإطالة.

стр. 64

المطلب الثاني: تاريخ التوراة إن كل كتاب يستمد قيمته من قيمة صاحبه، ولابد أن يثبت صحة نسبته إلى صاحبه، وإلا فإنه يفقد قيمته، والكتب المنزلة المقدسة تستمد قدسيتها من نسبتها إلى من جاءت من عنده وهو الله ، ولابد لثبوت قدسيتها أن تثبت صحة نسبتها وسندها إلى الله ، وما لم يثبت ذلك فإنها لا تكون مقدسة، وغير واجبة القبول، إذ تكون عرضة للتحريف، والتبديل، والخطأ. فلهذا لابد لنا أن نتعرف على حال التوراة المنسوبة إلى موسى ﵇ وهي أهم جزء في العهد القديم الذي بين يدي اليهود والنصارى من ناحية إسنادها فنقول: إن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها يجد ذكراً محدوداً لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة. ومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا: ١- أن موسى ﵇ دوَّن جميع الأحكام، وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهياً وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٢٤/٣ "فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل فكتب موسى

стр. 65

جميع أقوال الرب ... " ثم قالوا "وأخذ١ كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له". ٢- أن موسى أُعطى شريعة مكتوبة بيد الله تعالى. وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٢٤/١٢ "وقال الرب لموسى إصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة٢، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم". ثم ذكروا بعد هذا أن موسى ﵇ مكث أربعين يوماً في الجبل وذكروا شرائع كثيرة أعطيها وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح. وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٣١/١٨ "ثم أَعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله". وفي أثناء غياب موسى ﵇ عبد بنوا إسرائيل العجل، فلما عاد

стр. 66

موسى ﵇ ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح، فتكسرت١، ثم إن الله فيما يذكر اليهود كتب له لوحين آخرين بدلاً عنها٢. ٣- ذكر اليهود أن موسى ﵇ قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا قالوا في سفر التثنية ٣١/٩ "وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب٣، ولجميع شيوخ

стр. 67

إسرائيل، وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء١ في عيد المظال٢ حينما يجئ جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم". ثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى ﵇ التوراة فقالوا في سفر التثنية ٣١/٢٤ "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هوذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتى". ٤-ذكر اليهود في سفر يشوع أن يشوع " يوشع " كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح٣ حسب وصية موسى عليه السلام٤

стр. 68

وفي هذا قالوا " حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل في جبل عيبال١ ... وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل ... وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة"٢. ٥- انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى ﵇ فيه التوراة، وأن هذا التابوت إستولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل في قولهم، ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر، فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم٣. وبقى هناك فيما ذكروا عشرين عاماً إلى أن جاء داود ﵇ فأصعده من هناك إلى أورشليم، وجعله في خيمة٤، ثم نقله سليمان ﵇ إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس فيما يقولون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة. وقد ذكروا أن سليمان ﵇ حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى عليه السلام٥.

стр. 69

فأين ذهبت نسخة التوراة التي نسخها موسى ﵇ ووضعها في التابوت؟ هذا مالا يجد اليهود ولا النصارى جواباً له. ٦- بعد سليمان ﵇ انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين: دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم يربعام بن نباط، وعاصمتها نابلس. ودولة يهوذا في الجنوب، وهي تحت حكم رحبعام بن سليمان، وعاصمتها أورشليم١. وذكر اليهود حادثة في زمن رحبعام لها دلالتها المهمة: وهي أن رحبعام ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل، وذلك يعني إنحرافهم عن الدين فهاجمهم فرعون مصر في ذلك الزمن واستباح ديارهم، وفي هذا قالوا في سفر الملوك الأول (١٤/٢٢) "وعمل يهوذا الشر في عيني الرب، وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنوا لأنفسهم مرتفعات، وأنصاباً، وسواري على كل تل مرتفع، وتحت كل شجرة خضراء٢ وكان أيضاً مأبونون في الأرض فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل٣. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان".

стр. 70

وفي سفر أخبار الأيام الثاني (١٢/١) وصفوا شيشق، وما معه من قوة بما يلي "وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر على أورشليم، لأنهم خانوا الرب. بألف ومائتي مركبه، وستين ألف فارس، ولم يكن عدد للشعب الذين جاؤا معه من مصر، لوبيين وسكيين وكوشيين، وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم ... ". فهذا النص فيه دلالة واضحة على أن عاصمة اليهود الدينية استباحها فرعون مصر، واستولى على ما فيها. وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في هذه الحادثة حيث لم يشر كتابهم المقدس إليها بعد هذا إلا في زمن الملك يوشيا، أي بعد ما يقارب ثلاثة قرون وزيادة، كما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، كما أن التابوت ينتهي خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك يوشيا أيضاً، حيث طلب من اللآويين أن يجعلوا التابوت في البيت الذي بناه النبي سليمان عليه السلام١. ثم ينقطع بعد هذا خبره إلى يومنا هذا. ولعله كان مما دمره بختنصر في غزوه لبيت المقدس. ٧- يزعم اليهود أن الملك يوشيا الذي تولى الملك في يهوذا بعد سليمان ﵇ بما يقارب ٣٤٠ عاماً، وقبيل غزو بختنصر لدولة يهوذا وتدميرها مرة أخرى وجد سفر الشريعة وهذا نص كلامهم: "وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيا، أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلاً: إصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب التي

стр. 71

جمعها حارسوا الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب ... فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جواباً.... وأخبر شافان الملك قائلاً: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفراً، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان.... قائلاً: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد، لأنه عظيم هو غضب الرب الذي اشتغل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا ١ ٢ ... وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب "٢. فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضاً ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة، إذ من المستبعد جداً أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة

стр. 72

أكثر من ثلاثة قرون وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟. هذا في الواقع مستبعد جداً، وليس بعيداً أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفظاته ومعلوماته وزعم أنها سفر الشريعة ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في إستقامة الشعب. والله اعلم. ٨- بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريباً وذلك سنة ٥٨٦ ق. م هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم: "فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس"١. فيجمع الكتاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.

стр. 73

٩- يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء١. وعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا "إجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة"٢. فيظهر من هذا واضحاً أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه وبينه وبين موسى ﵇ أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعاً كما مر ذكره. فعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة دوَّنها عزرا من محفظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب، إذ أن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى ﵇، وهذا أبعد عليهم من السماء.

стр. 74

وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دونها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كتاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض، إذ أن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودونه لا يعدو أن يكون فهوماً واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم: "لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء"١. فهذا يدل على أنه أخذ يجد في الجمع والتتبع والعمل والتعليم. وهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا "وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال٢، لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم وكان فرح عظيم جدا"٣. فهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني

стр. 75

وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملاً بشرياً لا يصح بأي حال نسبته إلى الله . ١٠- ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (٢٨٢-٢٤٧-ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالماً من علماء التوراة لترجمة أسفار موسى الخمسة١ إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال إثنين وسبعين يوماً فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية. فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جداً من وفاة موسى ﵇ إذ تقارب العشرة قرون٢، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها، إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له. كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى " أرستاى" في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في تاريخ سورية. فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلاً من علماء اليهود ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض
следующие страницы →