جمعها حارسوا الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب ... فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جواباً.... وأخبر شافان الملك قائلاً: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفراً، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان.... قائلاً: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد، لأنه عظيم هو غضب الرب الذي اشتغل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا ١ ٢ ...
وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب "٢.
فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضاً ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة،
إذ من المستبعد جداً أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة
стр. 72
أكثر من ثلاثة قرون وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟.
هذا في الواقع مستبعد جداً، وليس بعيداً أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفظاته ومعلوماته وزعم أنها سفر الشريعة ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في إستقامة الشعب. والله اعلم.
٨- بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريباً وذلك سنة ٥٨٦ ق. م هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم:
"فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس"١.
فيجمع الكتاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.
стр. 73
٩- يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء١.
وعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا "إجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة"٢.
فيظهر من هذا واضحاً أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه وبينه وبين موسى ﵇ أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعاً كما مر ذكره.
فعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة دوَّنها عزرا من محفظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب، إذ أن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى ﵇، وهذا أبعد عليهم من السماء.
стр. 74
وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دونها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كتاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض، إذ أن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودونه لا يعدو أن يكون فهوماً واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم: "لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء"١. فهذا يدل على أنه أخذ يجد في الجمع والتتبع والعمل والتعليم.
وهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا "وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال٢، لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم وكان فرح عظيم جدا"٣.
فهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني
стр. 75
وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملاً بشرياً لا يصح بأي حال نسبته إلى الله .
١٠- ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (٢٨٢-٢٤٧-ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالماً من علماء التوراة لترجمة أسفار موسى الخمسة١ إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال إثنين وسبعين يوماً فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية.
فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جداً من وفاة موسى ﵇ إذ تقارب العشرة قرون٢، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها، إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له.
كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى " أرستاى" في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في تاريخ سورية.
فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلاً من علماء اليهود ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض
стр. 76
فكانت ترجماتهم متطابقة تماماً.
فهذا الخبر لا يمكن قبوله وتصديقه وذلك لأن مما هو متفق عليه عند اليهود أن عشرة أسباط من بني إسرائيل وهم الذين كانوا شعب دولة إسرائيل شمال دولة يهوذا قد سبوا من أيام الاشوريين في سنة ٧٢٢ ق. م وانقرضوا حيث يوصفون بالأسباط العشرة الضائعة وحسب الخبر المذكور هنا فإن اليعازار قد أحضر ستين عالماً منهم وهذا مستبعد جداً.
١١- أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية المدونة القديمة بعد إختلاطهم بالأمم، وذلك أن اللغة العبرية في أصلها بدون نقط ولا حركات وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات، والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر الميلادي، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية على هذا النمط تسمى النسخة الماسورية، إنتهوا منها في القرن العاشر الميلادي، وعن هذه النسخة أي العبرية المعدلة نسخت جميع النسخ العبرية والمترجمة عنها١.
والسؤال المطروح هنا: أين النسخ الأصلية التي نقلت عنها النسخة الماسورية؟
الجواب عن ذلك: أنه لا يوجد بأيدي اليهود أو النصارى شيء من النسخ الأصلية سوى مخطوطات وادي قمران عند البحر الميت، والتي عثر عليها في الفترة من عام ١٩٤٧-١٩٥٦م وهي مجموعات متكاملة للعهد القديم
стр. 77
كتبت قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقربها عهداً ما كتب قبل الميلاد بقرن واحد، إلا أن هذه المخطوطات التي استولى على الجزء الأكبر منها كل من أمريكا، وبريطانيا، واليهود في فلسطين لم تكشف ولم تعلن حتى الآن، مما يجعل في الأذهان استفهامات عديدة حولها، وأنها تتضمن أمورا خطيرة، جعلت اليهود والنصارى يتفقون على عدم كشفها على غير عادتهم في الآثار التاريخية١.
ومن خلال هذا العرض التاريخي الموثق للتوراة يتبين ما يلي:
١- أن التوراة التي أعطيها موسى ﵇ مكتوبة، والتي دونها، وكذلك التي دونها يوشع بن نون بعد موسى ﵇ فقدت، إما قبل عهد سليمان ﵇، أو بعده مباشرة.
٢- أن اليهود زعموا أنهم عثروا على التوراة زمن الملك يوشيا، وهو إدعاء يحتاج إلى العديد من الإثباتات لإعتقاد صحته.
٣- أن اليهود فقدوا ما ادعوا أنهم وجدوه زمن الملك يوشيا، وذلك بسبب تدمير بيت المقدس وما أعقب ذلك من سبي اليهود وتهجيرهم.
٤- أن عزرا أعاد لهم التوراة وكتبها فيما زعم اليهود، وإذا قبلنا كلام اليهود هذا فإن ذلك لا يعدوا أن يكون عملاً بشرياً، وإذا كان عزرا نسبه إلى الله فهو كاذب في ذلك، لأن التوراة لم يدع أحد لا من اليهود، ولا من النصارى، ولا من المسلمين أنها أنزلت مرتين مرة على موسى، ومرة على عزرا.
стр. 78
وقد يكون الذي ادعى أن تلك هي التوراة ألهمها عزرا هم الكتبة فيما بعد، فهم في هذا كاذبون، لأن عزرا لم يقل ذلك فيما نقلوا عنه.
وأدلة بطلان ذلك ظاهرة من ناحية بعد الزمان، وانقطاع السند، وفساد بني إسرائيل.
٥- أن نسخة عزرا وما دوَّنه عزرا لا يعلم على التحقيق مصيرها، وإنما بعد ذلك بما يقارب قرنين من الزمان كتبت النسخة السبعينية ولم يذكر من أي نسخة ترجمت، وادعاء أنها من حفظ الكهنة بعيد جداً إذ أن اليهود لا يحفظون كتابهم عن ظهر قلب، وليس فيهم من يدعي ذلك.
٦- أن النسخة العبرية والتي تنتمي إلى النص الماسوري لا تختلف عن الكتاب المترجم من ناحية أنها أخذت طريقة في الكتابة مغايرة للغة الأصلية التي كتب بها العهد القديم، مما يجعل ثبوت صحتها منوطاً بوجود النصوص الأصلية التي تتفق مع اللغة القديمة، حتى يمكن المقابلة عليها، وإلا تعتبر لا أصل لها يشهد لصحتها، فتكون بذلك مثلها مثل النسخة اليونانية.
٧- أن النص اليوناني والنص العبري للتوراة والعهد القديم لم يؤخذا من مصدر واحد بل من مصدرين مختلفين يدل على هذا اختلافهما في عدد الأسفار، حيث أن اليونانية ستة وأربعون سفراً، وأما العبرية الماسورية فهي تسعة وثلاثون سفراً، كما أن بينهما اختلافات كثيرة وعديدة مما يدل على أنهما من مصدرين مختلفين.
ومن خلال هذا يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن العهد القديم كتاب ليس له أي سند تاريخي يثبت تسلسل نقله، وأنه تعرض لفترات عديدة من الضياع،
стр. 79
وأن أصله العبري لا وجود له بأيدي اليهود مما يجعل المجال واسعاً للتحريف والتبديل، وهو ما سنبينه إن شاء الله من واقع ما بأيدي اليهود والنصارى من النصوص.
стр. 80
المطلب الثالث: تحريف التوراة
مما سبق ذكره وبيانه عن التوراة يتضح أن الكتاب الذي بين يدي اليهود والنصارى لا سند له يمكن أن يعتمد عليه في صحة المعلومات الواردة فيه فلهذا لا يمكن لليهود ولا للنصارى أن ينفوا إمكانية التحريف، والعبث فيه خاصة وأن الذين استؤمنوا عليه وهم اليهود قد انحرفوا انحرافات خطيرة في الدين، وكفر كثير منهم، وأعرضوا عن دين الله، وتركوه رغبة عنه، وحباً للدنيا، وإيثاراً لها وهذا ظاهر واضح لكل من طالع سجل تاريخهم وهو العهد القديم.
فمع هذا الإنحراف والفساد كيف يمكن أن تسلم التوراة من العبث والتحريف، هذا ما لا يقبله العقل السليم وواقع الإنسان. وسنذكر هنا ما يؤكد وقوع التحريف.
أولاً: أدلة التحريف من القرآن الكريم والتوراة
قد شهد الله بتحريف اليهود لكتابهم وأبان عن هذا في القرآن الكريم في مواضع عديدة فمن ذلك قوله : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة آية (٧٥) .
فهذا فيه دلالة على أنهم غيروا وبدلوا عن إصرار وعلم.
وقوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
стр. 81
عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة آية (٧٩) .
وقوله : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران الآية (٧٨) .
فهذا فيه دلالة على أنهم أدخلوا في كلام الله ما ليس منه، وافتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه سبحانه ما لم يقله وهم يعلمون ذلك فجوراً منهم، وجرأة على الله تعالى وتقدس.
وقوله : ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ الأنعام آية (٩١) .
فهذا فيه دلالة على أنهم قد أَخفَوا وكتموا ما عندهم من علم وما أنزل الله عليهم من كتاب حسب أهوائهم.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة الآية (١٣) .
وفي هذه الآية دلالة واضحة على التحريف وعلى أنهم نسوا حظاً أي نصيباً وجزءاً مما أنزل عليهم.
وهذا جزاء من الله لهم بسبب كفرهم وفسادهم وسابق تحريفهم ونقضهم للميثاق.
كما ورد في كتابهم ما يتفق مع ما ذكره الله عنهم فمن ذلك ما ورد
стр. 82
في سفر إرميا (٨/٨) مما ينسب إلى الله القول "كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا، حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب، خَزِىَ الحكماء إِرتاعو وأُخِذُوا هاقد رفضوا كلمة الرب".
فهذا النص من نبي من أنبيائهم الكبار على ما ذكروا وكان في عصر متأخر، قد عاصر إنحرافاتهم وذلك قبيل الغزو البابلي وسبى اليهود، وهو نص على تركهم لدين الله وتحريفهم لشريعته، وأن الكتبة الموكلون بالكتب المنزلة قد حولوها إلى الكذب والزور.
ثانياً: الأمثلة على وقوع التحريف في التوراة
الأمثلة على وقوع التحريف في التوراة كثيرة جداً نذكر بعضاً منها:
أولاً: الاختلاف في عدد الأسفار
مما هو معلوم أن بين يدي اليهود والنصارى ثلاث نسخ مشهورة من التوراة والعهد القديم. ومن هذه النسخ تتفرع سائر الترجمات تقريباً وهي:
١- النسخة العبرية
وهي المقبولة والمعتبرة لدى اليهود وجمهور علماء البروتستانت النصارى وهي مأخوذة من الماسورية وما ترجم عنها.
٢- النسخة اليونانية
وهي المعتبرة لدى النصارى الكاثوليك والأرثوذكس وهي التي تسمى السبعينية وما ترجم عنها.
٣- النسخة السامرية
وهي المعتبرة والمقبولة لدى اليهود السامريين.
وإذا عقدنا مقارنة بين النسخ الثلاث من ناحية عدد الأسفار نجد أن النسخة العبرية تسعة وثلاثون سفراً فقط.
стр. 83
أما النسخة اليونانية فهي ستة وأربعون سفراً حيث تزيد سبعة أسفار عن النسخة العبرية ويعتبرها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس مقدسة.
أما النسخة السامريه فلا تضم إلا أسفار موسى الخمسة فقط١ وقد يضمون إليها سفر يوشع فقط٢ وما عداه فلا يعترفون به ولا يعدونه مقدساً.
فهذا الاختلاف الهائل بين النسخ لكتاب واحد، والكل يزعم أنه موحى به من قبل الله ، ويدعي أن كتابه هو الكتاب الحق وما عداه باطل مع عدم القدرة على تقديم الدليل القاطع على صحة ما يدعيه، فذلك دليل على التحريف من قبل المتقدمين، وأن المتأخرين استلموا ما وصل إليهم بدون نظر في ثبوته أو عدم ثبوته، أو أن المتأخرين وصلتهم كتب عديدة ومتنوعة فأدخلوا ما رأوا أنه مناسب وذو دلالات مهمة، وحذفوا ما رأوا عدم تناسبه مع ما يعتقدون أو يرون، بدون أن يكون لهم دليل صحيح على إضافة ما أضافوا من الأسفار أو حذف ما حذفوا منها.
ثانياً: الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة:
إذا قارنا بين النسخ الثلاث فيما اتفقت في ذكره من أخبار وقصص نجد بينها تبايناً شديداً واختلافاً كبيراً ومن الأمثلة على ذلك:
١- أن اليهود ذكروا تاريخ مواليد بني آدم إلى نوح ﵇ ونصوا على عمر كل واحد منهم، وكذلك عمره حين ولد له أول مولود، وبعقد مقارنة بين أعمار من ذكروا حين ولد لهم أول مولود تتبين إختلافات واضحة بين
стр. 84
النسخ الثلاث فمن ذلك:
الاسم ... العبرانية ... السامرية ... اليونانية
آدم ... ١٣٠ ... ١٣٠ ... ٢٣٠
شيث ... ١٠٥
... ١٠٥
... ٢٠٥
آنوش ... ٩٠ ... ٩٠ ... ١٩٠
قينان ... ٧٠
... ٧٠
... ١٧٠
يارد ... ١٦٢ ... ٦٢ ... ٢٦٢
متوشالح ... ١٨٧ ... ٦٧ ... ١٨٧
الزمان من خلق آدم إلى الطوفان. ... ١٦٥٦ ... ١٣٠٧ ... ٢٢٦٢
فهذه أمثلة تدل على تحريفهم وتبديلهم لكلام الله -إن ثبت أن ما سبق هو من كلام الله المنزل- حيث لا يمكن الجمع بين هذه الروايات المتناقضة.
ثالثاً: الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من كتابهم:
١- ذكروا في سفر التكوين أن سفينة نوح استقرت بعد الطوفان على جبال أراراط١ بعد سبعة أشهر وسبعة عشر يوماً ثم ذكروا أن رؤوس الجبال بعد الطوفان لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر.
وهذا نص كلامهم في سفر التكوين (٨/٤) "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط وكانت المياه تنقص نقصاً متوالياً إلى الشهر العاشر وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال".
ففي هذا تناقض ظاهر فكيف رست السفينة على الجبال بعد سبعة أشهر مع
стр. 85
أن رؤوس الجبال لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر؟!
٢- ذكروا أن الله أمر نوحاً أن يحمل في الفلك من كل جنس إثنين، فقالوا في سفر التكوين (٦/١٩) "ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك، تكون ذكراً وأنثى من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها".
وبعده مباشرة ذكروا أن الله أمره أن يأخذ من كل جنس سبعة سبعة ذكراً وأنثى ماعدا البهائم غير الطاهرة فيأخذ اثنين. ففي سفر التكوين (٧/٢) قالوا "من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكراً وأنثى، ومن البهائم التي ليست بطاهرة إثنين ذكراً وأنثى، ومن طيور السماء أيضاً سبعة سبعة ذكراً وأنثى، لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض".
٣- ذكروا في سفر الخروج (٢٤/٩) أن موسى وهارون وشيوخ إسرائيل رأو الله فقالوا: "ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأو إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل. فرأو الله وأكلوا وشربوا".
هكذا زعموا في هذا الموضع وفي سفر التثنية (٤٤/١٢) زعموا أن الله تعالى قال لموسى ﵇ ممتناً عليه وعلى بني إسرائيل "فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم
стр. 86
سامعون صوت كلام ولكن لم ترو صورة بل صوتاً ... فاحتفظوا جداً لأنفسكم. فإنكم لم ترو صورة ما ... ".
فهذا فيه أنهم لم يرو الله وهذا الحق فهم لم يروا الله إلا أن فيه بيان تناقض كلامهم.
٤- قالوا في سفر الخروج (٣٣/١١) في كلام الله لموسى "ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه".
ففي هذا يزعمون أن الكلام يتم مقابلة مما يوحي بأن موسى ﵇ يرى وجه الله تعالى حين يكلمه.
وفي نص آخر بعد هذا يقولون إن الله قال لموسى لما طلب أن يراه سفر الخروج (٣٣/٢٠) "لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش".
فهنا ذكروا أن الله تعالى نفى أن يستطيع موسى أو أي إنسان رؤية وجهه . وفي هذا تناقض واضح مع ما قبله ودليل على التحريف.
والحق أن موسى ﵇ لم ير الله ، كما ذكر ذلك ربنا جل وعلا في القرآن الكريم حيث قال ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ الأعراف آية (١٤٣) .
٥- أنهم ذكروا أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇ كما في سفر التكوين (٢٢/٢) "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال"
فلاشك أن هذا خطأٌ، لأن إسحاق ﵇ لم يكن وحيد إبراهيم عليه
стр. 87
السلام بل الذي كان وحيده هو بكره إسماعيل ﵇ حيث نص اليهود في كتابهم على أن إسماعيل ﵇ ولد قبل إسحاق ﵇ حيث ختّن وعمره ثلاث عشرة سنة ولم يكن إسحاق ولد بعد وفي هذا قالوا في سفر التكوين (١٧/٢٥) ."وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه "
ثم ذكروا بعد ذلك بشارة الملائكة بإسحاق حين ضافوا إبراهيم ﵇ وهم في طريقهم إلى قوم لوط١ والذي يبدو أن اليهود حسدوا أبا العرب إسماعيل ﵇ على هذه المنقبة العظيمة فغيروا وحرفوا لأجل ذلك.
رابعاً: الزيادة والإضافات:
توجد في التوراة العديد من الجمل التي لا يمكن أن يصح نسبتها إلى موسى ﵇ ومن ذلك:
١- أن الكتاب من أوله إلى آخره مليء بقولهم "وقال الرب لموسى" "وقال موسى للرب" "وحدَّث موسى الشعب" ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الحكاية والرواية مما يقطع بأنها ليست من كلام موسى ﵇ ولا من كلام الله .
стр. 88
٢- جاء في سفر التكوين (٣٦/٣١) "وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم قبلما مَلَك ملكٌ لبني اسرائيل" فهذه العبارة لا يمكن أيضا أن تكون من كلام موسى ﵇ إذ أن ملوك بني إسرائيل بعد موسى ﵇ بزمن طويل.
٣- جاء في سفر التثنية في آخره (٣٤/٥) حكاية وفاة موسى ودفنه فقالوا: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض مؤاب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم".
فهذا النص لاشك أنه أُدخل في الكتاب وليس منه، إذ ليس من المعقول أن يكتب موسى ﵇ موته ودفنه، وأن إنساناً لا يعرف قبره إلى يوم كتابة ذلك الكلام.
وببعض ما ذكرنا يستدل اللبيب والعاقل على أن اليهود لم يحافظوا على كلام الله وكتبه بل ضيعوها وحرفوها وغيروا فيها وبدلوا وأضافوا وحذفوا حسب أهوائهم وشهواتهم وأغراضهم.
стр. 89
المطلب الرابع: صفات الله في التوراة المحرفة:
الله له صفات الكمال المطلق التي لا تشوبها شائبة نقص، ولا شك أن موسى ﵇ قد علَّم بني إسرائيل ذلك. كما أن التوراة المنزلة قد تضمنت ذلك، إلا أن بني إسرائيل قد كفروا وضلوا وانحرفوا عن دين الله فتكونت لديهم عقيدة منحرفة جعلتهم يقولون في الله قولاً عظيماً، ومن ذلك ما ذكره الله في القرآن الكريم من قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ... ﴾ المائدة آية (٦٤) .
وقال ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ آل عمران آية (١٨١) .
فهذا الكفر والوقاحة من اليهود أثر من آثار تحريفهم لكتابهم حيث تضمن كتابهم المسمى " التوراة " وكذلك الكتب الملحقة به كثيراً من الصفات التي لا يصح ولا يليق وصف الله بها، وهي من أدل الأدلة على التحريف فمن ذلك:
١- وصفهم الله بالتعب
يزعم اليهود في كتابهم أن الله تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في سفر التكوين (٢/٢) ما نصه "وفرغ الله في
стр. 90
اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل".
وفي سفر الخروج (٣١/١٧) قالوا "لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع إستراح وتنفس"
وقد رد الله عليهم وبين بطلان قولهم هذا في قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ق (٣٨)
٢- وصفهم الله بالجهل
وصف اليهود الله بالجهل في عدة مواطن من كتابهم منها قولهم في قصة آدم وحواء بعد أن أكلا من الشجرة كما في سفر التكوين (٣/٨) "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟
فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت، فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت"
فيتضح من كلامهم هذا أن الله لم يعلم بآدم حين أكل من الشجرة، ولم يره حين أكل. بل لم يعلم بمكانه بعد أن اختبأ في الجنة.
فهل يصح أن يقول أحد أن الله العليم بكل شيء، والذي لا يغيب عن
стр. 91
سمعه وبصره شيء مهما خفي ودق، يخفى عليه أمر آدم على هذه الحال التي ذكر اليهود فلاشك أن ذلك من تحريفهم.
ولو نظرنا في كلام الله في القرآن الكريم عن هذه الحادثة لوجدنا الفرق الشاسع بين التعبيرين ودلالتهما.
ففي القرآن يقول الله ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ? فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ? وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ? فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ? قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف الآيات ١٩-٢٣.
ففي هذا النص الكريم ما يتناسب مع كمال علم الله وكمال سمعه وبصره وأنه محيط بكل شيء، فحالما أكل آدم وزوجته من الشجرة ناداهما ربهما قائلاً ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
فلم يسأل آدم أين هو؟ ولا من أعلمه أنه عريان؟ وهل أكل من الشجرة؟ كما يزعم اليهود.
كما أن جواب آدم في القرآن الكريم هو الجواب اللائق بالنبي الكريم، حيث إعتذر مباشرة بأنه معتد في هذا الأكل وسأل الله المغفرة والرحمة، وهذا هو
стр. 92
اللائق بآدم العبد الصالح والنبي الكريم، لا ما ذكره اليهود من أنه ألقى باللائمة على زوجته، وحملها وحدها المسئولية.
ومن وصفهم الله بالجهل أيضاً زعمهم أن الله يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حيث قالوا إن الله أمرهم قبل خروجهم من مصر أن يلطخوا أبوابهم العتبة العليا والقائمتين بالدم ويعللون ذلك بقولهم: " فان الرب يجتاز ليضرب المصريين فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب" سفر الخروج (١٢/٢٣) .
وهذا باطل فإن الله جل وعلا عالم الغيب والشهادة يقول سبحانه عن نفسه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سبأ آية (٣) .
٣-وصفهم الله بالندم:
يزعم اليهود أن الله ندم على فعله، فمن ذلك قولهم في سفر الخروج (٣٢/١٤) : "فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه".
وقد كذبهم الله في ذلك فقال جل وعلا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء آية (٢٣) .
وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ الفرقان آية (٧٧) .
وهل يندم إلا الغر الجاهل بالعواقب. والله منزه عن ذلك.
стр. 93
وقد ورد في كتابهم أيضا ما يبين بطلان هذا الوصف وأن الله جل وعلا لا يوصف به.
جاء في سفر العدد (٢٣/١٩) "ليس الله إنساناً فيكذب ولا ابن إنسان فيندم".
٤ - وصفهم الله وتعالى وتقدس بالبكاء وذرف الدموع
وفي هذا يقولون في كتابهم أن الله قال لهم "وإن لم تسمعوا - أي كلامه وتطيعوه- فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء وتبكي عيني بكاءً وتذرف الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب" سفر إرميا (١٣/١٧) .
وأيضاً قالوا بعد ذلك مثله في سفر إرميا (١٤/١٧) إن الله قال لهم "لتذرف عيناي دموعاً ليلاً ونهاراً ولا تكفا لأن العذراء بنت شعبي سحقت سحقاً عظيماً بضربة موجعة جداً".
فهذا كله لاشك أنه من افتراءات اليهود على الله ووقاحتهم في كلامهم عن الله سبحانه. وهو دليل واضح على التحريف والتلاعب بكلام الله وكتب الأنبياء وفق أهوائهم لا يراعون في ذلك لله وقاراً ولا لكلامه تعظيماً وإكباراً سوى ما يتفق مع أمزجتهم وأهوائهم فعليهم من الله ما يستحقون.
стр. 94
المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء ﵈ في التوراة المحرفة
...
المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء ﵇ في التوراة المحرفة.
من يقرأ التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن أنبياء الله والموكلين بهداية الناس وتعليمهم الهدى والخير لا يتمتعون بصفات الصالحين والأتقياء، بل يجد أن العهد القديم ينسب إليهم كثيراً من المخازي والقبائح التي يتنزه عنها كثير من الناس العاديين. فكيف يليق أن ينسب شيء من ذلك إلى الأنبياء الذين قد اصطفاهم الله وخصهم بهذه المهمة العظيمة وهي تبليغ دينه والذين هم قدوة للصالحين وأئمة في البر والتقى.
ومما لاشك فيه أن الأنبياء ﵈ أكمل الناس ديناً وورعاً وتقوى، وأن الله اصطفاهم ورعاهم وكملهم وحفظهم وعصمهم من القبائح والرذائل، هذه حقيقتهم بلا مراء ولا تردد، وما أضافه اليهود إليهم مما لا يليق نسبته إليهم هو محض إفتراء وكذب، ودليل واضح على تحريفهم لكتبهم لأغراض في نفوسهم، غير مراعين حرمة لمقام النبوة، ولا لما جبل الله عليه أولئك الأنبياء ﵈ من الكمال البشري في خلْقهم وخُلقهِم.
وإليك الأمثلة الدالة على تحريف اليهود لكتابهم بطعنهم في أنبياء الله ووصفهم بالصفات التي لا يجوز بحال نسبتها إليهم فمن ذلك قولهم في:
١- نوح ﵇
زعم اليهود في كتابهم أن نوحاً ﵇، شرب الخمر وتعرى داخل خبائه
стр. 95
وفي هذا قالوا في سفر التكوين (٩/٢٠) "وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً وشرب من الخمر وتعرى داخل خبائه".
هكذا وصفوا نبي الله نوحاً ﵇ وهو أول أنبياء الله إلى المشركين والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عاماً كما ذكر الله حيث قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ العنكبوت آية (١٤) .
وامتن الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح ﵇ فقال جل وعلا ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ الإسراء آية (٣) .
فامتن الله على بني إسرائيل بنسبتهم إلى ذلك العبد الصالح، واليهود يصفونه بتلك النقيصة، وما ذلك منهم إلاّ خدمة لأهوائهم وأغراضهم التي تتضح من بقية كلامهم في القصة نفسها حيث يقولون بعد الكلام السابق في سفر التكوين (٩/٢٢) "فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به إبنه الصغير. فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته".
فيتضح من هذا النص أن مقصد اليهود منه لعن الكنعانيين الذين كانوا أعداءً لبني إسرائيل، كما أن فيه خطأً ظاهراً من ناحية أن حام هو الذي أبصر عورة
стр. 96
أبيه حسب النص السابق، فلماذا يلعن ابنه كنعان، مع أن لحام أبناءً آخرين غير كنعان فإن اليهود قالوا في سفر التكوين (١٠/٦) "وبنو حام كوش ومصر ايم ونوط وكنعان".
فلماذا خُص كنعان من بين إخوته؟ ما ذلك إلا لهدف خاص في نفوسهم وهو لعن الكنعانيين أعدائهم ولو كان بالافتراء على الله وعلى نبيه نوح ﵇
٢ـ لوط ﵇
ومن الأنبياء الذين افترى عليهم اليهود لوط ﵇ فقد افتروا عليه فرية عظمى ورموه بشنيعة كبرى يترفع عنها أعظم الناس فساداً.
حيث زعم اليهود أن لوطاً ﵇ قد زنى بابنتيه الكبرى والصغرى بعد أن أنجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث وأن البنتين أنجبتا من ذلك الزنى١.
وهذا محض إفتراء وبهتان لنبي كريم ولبناته وأهل بيته الصالحين، وقد ذكر الله لنا صلاح لوط ﵇ وأهل بيته وطهارتهم على لسان أعدائه فقال جل وعلا ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ النمل آية (٥٦) .
ولو بحثنا عن سبب افتراء اليهود لهذه الفرية في كتابهم لوجدنا أنهم إنما قصدوا الطعن في أعدائهم المؤابيين والعمونيين من خلال هذه الفرية، لأنهم زعموا أن البنت الكبرى حملت من ذلك الزنى فأنجبت مؤاب وهو أبو المؤابيين
стр. 97
، وأن الصغرى حملت أيضاً من ذلك الزنى وأنجبت بني عمي وهو أبو بني عمون، فلهذا السبب والهوى كذب اليهود على نبي الله ووصموه بهذه الفعلة الشنيعة، وفي ذلك أوضح دليل على التحريف.
٣- يعقوب ﵇
زعموا أن يعقوب ﵇ احتال لأخذ النبوة والبركة من أبيه إسحاق ﵇ لنفسه، فذكروا أن إسحاق ﵇ لما كبر وكف بصره دعا إبنه عيسو وهو الأكبر، وحسب التقليد لديهم فإن البركة تكون للأكبر، وطلب منه أن يصطاد له جدياً ويطبخه حتى يباركه، فذهب عيسو للصيد كما أمره أبوه، إلا أن أمهما كانت تحب يعقوب وهو الأصغر أكثر من أخيه عيسو وأرادت أن تكون البركة له فدعته وأمرته أن يحضر جدياً فيطبخه وأن يلبس ملابس أخيه ويضع فوق يديه جلد جدي حتى يبدو جسمه بشعر مثل جسم أخيه عيسو، فيظن إسحاق ﵇ أنه هو فيباركه، ففعل يعقوب ﵇ ذلك ثم دخل على أبيه ففي ذلك قالوا:
" فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي، فقال: ها أنذا، من أنت؟ فقال: يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني، قم إجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك، فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بني؟ فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي، فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك ياابني أأنت هو إبني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه وقال: الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو، ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدى عيسو أخيه، فباركه
стр. 98
وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو، فقال: قدم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي، فقدم له فأكل وأحضر له خمراً فشرب، فقال له إسحاق أبوه تقدم وقبلني يا ابني، فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل، قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، كن سيداً لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين" سفر التكوين (٢٧/١٨_٢٩) . وفاز يعقوب بالبركة بهذه الحيلة، وبعد أن جاء أخوه عيسو لم يكن أمامه إلا الصراخ والعويل لفوات البركة.
وبهذا الكلام يصمون أباهم يعقوب ﵇ بالكذب مراراً، وانتحال شخصية أخيه كيداً، وأخذ ما ليس له فيه حق احتيالاً، كما يصمون أباهم إسحاق ﵇ بالجهل الشديد إلى حد التغفيل والغباء حيث لم يستطع أن يميز بين ولديه، وهو أمر مستبعد جداً أن يقع لأقل الناس إدراكاً وأشدهم تغفيلاً فضلاً عن نبي الله إسحاق ﵇
وهذا كله مما لا يليق وصف الأنبياء ﵇ به، كما أن النبوة ليست بيد إسحاق ولا بيد غيره من الأنبياء، بل هي محض تفضل من الله .
قال تعالى ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الزخرف آية (٣٢) .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام آية (١٢٤) .
стр. 99
ويتجلى في هذه القصة طرفاً من مكر اليهود وكيدهم، فإذا نظرنا إلى قصة إسماعيل وإسحاق ﵉ نجد أنهم أغفلوا مسألة البكوريه في استحقاق البركة والتي يقصدون بها النبوة، وجعلوا البركة لإسحاق دون إسماعيل ﵇ لأن إسماعيل عندهم ابن جاريه١، ولما صار الأمر متعلقاً بعيسو ويعقوب، وعيسو هو الأكبر حسب كلامهم اخترعوا هذه القصة، حتى يبينوا أن يعقوب قد أخذ البركة دون أخيه عيسو.
وأيضاً تلك البركة التي يزعمون أنها للأكبر لا نراها بَعْدُ في نبي آخر من أنبيائهم، حتى أن يعقوب ﵇، لما بارك أبناءه عند موته جعل البركة العظمى ليوسف ﵇ ٢ وهو أصغر أبناء يعقوب ما عدا شقيقه بنيامين فقد كان أصغر منه، وهكذا أيضاً بارك يعقوب أفرايم ومنسي ابنى يوسف ﵇، فقد كان منسي هو البكر، فجعل يعقوب ﵇ البركة الأهم لأفرايم وهو الصغير حيث وضع عليه يده اليمنى٣
فهذه قصة مخترعة مفتراة على نبي الله إسحاق ويعقوب ﵉، لاشك في ذلك.
٥- هارون ﵇
زعموا أن هارون ﵇ هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته فقالوا في سفر الخروج (٣٢/١) " ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب
стр. 100
على هارون وقالوا له قم إصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون: إنزعوا أقراط الذهب التي في أذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها.... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً. فقالوا هذه آلهتك ياإسرائيل".
فهل يعقل أن نبياً أرسله الله لدعوة قومه إلى عبادة الله وحده يصنع لقومه عجلاً ويدعوهم إلى عبادته؟!.حاشا أنبياء الله من ذلك.
وقد بين الله في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري فقال ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ طه آية (٨٥) .
أما هارون ﵇ فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل.
قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ طه آية (٩٠) .
٦- داود ﵇
زعموا أنه زنى بامرأة أحد جنوده، وحبلت من ذلك الزنى، ثم إنه تسبب في مقتل زوجها حيث أمر أن يجعل في مقدمة الجيش حتى يعرضه للقتل، ثم بعد مقتل زوجها تزوجها ومات ذلك المولود الأول، ثم حبلت مرة أخرى فانجبت النبي سليمان ﵇ ١.
٧- سليمان ﵇
زعموا أن سليمان ﵇ تزوج بنساء مشركات يعبدن الأصنام، ثم هو
стр. 101
عبد الأصنام معهن وبني للأصنام أيضاً معابد لعبادتها١.
ذلك كله محض افتراء وكذب، وهو من إفتراءات اليهود على أنبياء الله تعالى وكذبهم عليهم، وأن هذا من أظهر أدلة تحريف الكتب الإلهية والعبث فيها وفق أهوائهم، ورغباتهم.
ولسائل أن يسأل لماذا طعن اليهود في أنبيائهم وقد كان لأنبيائهم الدور الأكبر والفضل العظيم عليهم بعد فضل الله فيما نالوا من خير الدنيا وعزها في سابق حياتهم؟
إن هذا لسؤال محير!! إلا أنا إذا تصورنا أن هذه الكتب قد طالتها يد التحريف، ولا نعرف على التحقيق من الذي تولى تحريفها، ولا الزمان الذي حرفت فيه، إلا أننا نقطع حسب ما أوردوا في كتبهم أن بني إسرائيل انحرفوا عن دينهم إنحرافات خطيرة وكثيرة، بل تركوا دينهم وعبدوا الأصنام والأوثان خاصة فيما قبل السبي، ولا نشك أن جزءاً كبيراً من التحريف كان في تلك الفترات وهي التي لا يتورع أصحابها عن الإفتراء على الله وعلى أنبيائه ﵈ فتمت في ذلك الزمان التحريفات الكثيرة أو كتابة كتب كاملة ونسبتها إلى نبي من الأنبياء، ثم إن المتأخرين منهم لم يكن لديهم الجرأة على تمحيص تلك النصوص أو أنهم أيضاً اختلت موازينهم بسبب ذلك التحريف.
ولكن السؤال لازال قائما: ً لماذا حرف أولئك اليهود كلام الله وطعنوا في أنبيائهم وأصحاب الفضل عليهم بهذه المطاعن؟.
стр. 102
الذي يبدوا لي أن أولئك المحرفين أرادوا أن يبرروا ما هم فيه من فساد وانحراف وفسق، فألصقوا أنواعاً من التهم بأنبيائهم حتى لو احتج عليهم محتج بأمر من الأمور المتعلقة بانحرافهم احتجوا له بأن النبي الفلاني فعل كذا وفعل كذا، كذباً وزوراً.
وأيضاً ليخدموا غرضاً في نفوسهم كما سبق أن قلنا عن طعنهم في نبي الله نوح ولوط ﵉.
وهذا كله يكفي في التعبير عنه قول الله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة آية (٧٩) .
стр. 103
المطلب السادس: اليوم الآخر لدى اليهود
كانت عقيدة بني إسرائيل وذلك حين كانت تستمد تشريعها من السماء هي الإيمان باليوم الآخر وأنه دار الجزاء وقد أثبت الله ذلك عنهم في عدة آيات من القرآن الكريم قال في خطابه لموسى ﵇ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ طه آية (١٥) .
وقال على لسان موسى ﵇ ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ الأعراف آية (١٥٦) .
وقال عن صالحي جنود طالوت: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة آية (٢٤٩) .
إلا أنّ اليهود انحرفوا عن هذا الاعتقاد بانحرافهم عن دين الله ، وقد سجل الله عليهم هذه الانحرافات، وعابهم عليها، وكذبهم فيها. فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة آية (٨٠) ،
وزعموا أن الجنة لهم وحدهم، وكذبهم الله بذلك قال : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة آية (١١١) .
هذا ما حكاه الله عن صالحيهم وفاسقيهم من ناحية الإيمان بالبعث
стр. 104
والجنة والنار.
أما كتابهم التوراة: فقد خلا تماماً من ذكر الجنة والنار والبعث والنشور، وكذلك سائر الكتب الملحقة فيه إلا نزراً يسيراً.
فمن ذلك صورة غير واضحة وردت في سفر دانيال (١٢/٢) وهو قولهم: " وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقضون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للإزدراء الأبدي ".
ويذكر الدكتور علي وافي: أنه لا يوجد في فرقهم الشهيرة من يؤمن باليوم الآخر، ففرقة الصادوقيين تنكر قيام الأموات وتعتقد أن عقاب العصاة وإثابة المتقين إنما يحصلان في حياتهم.
وفرقة الفريسيين تعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان، فهم ينكرون على هذا البعث يوم القيامة.
ومن نظر أدنى نظرة في كتاب اليهود التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن الوعود الواردة فيه مقابل الأعمال الصالحة والإيمان بالله تدور حول المتعة الدنيوية من انتصار على الأعداء وكثرة الأولاد، ونماء الزرع، إلى غير ذلك، كذلك الوعيد الوارد على المعاصي والكفر كله يدور حول انتصار الأعداء عليهم وسبي ذراريهم وموت زرعهم وماشيتهم إلى غير ذلك من العقوبات الدنيوية، مما يدل على عدم إيمانهم باليوم الآخر حسب التوراة والكتب الملحقة بها ١.
стр. 105
وهذا يختلف عما لديهم في التلمود، حيث صرحوا بالنعيم والجحيم، فقد ورد فيه: أن الجنة مأوى الأرواح الزكية ١ لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين. وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرَّة ٢.
كما ورد في نص الأصول الثلاثة عشر التي وضعها موسى بن ميمون وجعلها أركان الإيمان اليهودي، قولهم في الركن الثالث عشر:
" أنا أؤمن إيماناً كاملاً بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الخالق، تبارك اسمه وتعالى ذكره الآن وإلى الأبد الآبدين"٣.
وهذا ليس فيه تصريح باليوم الآخر لاحتمال أن يقصد بذلك بعثاً دنيوياً على نحو عقيدة الفريسيين السابقة، ولكن ذلك يدل على تغير في العقيدة لديهم عما كان عليه كثير من أسلافهم المتقدمين، ولعله من تأثرهم بعقيدة المسلمين لاحتكاكهم بهم لأن موسى بن ميمون كان طبيباً للأيوبيين في مصر.
стр. 106
المبحث الثاني: التلمود
أولاً: تعريفه:
التلمود هو: تعليم ديانة وأداب اليهود وهو يتكون من جزئين:
متن: ويسمى المشناه: بمعنى المعرفة أو الشريعة المكررة.
شرح: ويسمى جمارا: ومعناه الإكمال.
ثانياً: تدوين التلمود:
التلمود هو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سراً جيلاً بعد جيل.
ثم إنهم لخوفهم عليها من الضياع دونوها، وكان تدوينها في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وأطلق عليها اسم "المشناه".
ثم شرحت فيما بعد هذه المشناه وسمي الشرح " جمارا "وأُلِّفَتْ هذه الشروح في فترة طويلة امتدت من القرن الثاني بعد الميلاد إلى أواخر السادس بعد الميلاد.
وتعاقب على الشرح حاخامات بابل، وحاخامات فلسطين، ثم سمي المتن وهو المشناه مع الشرح وهي جمار " التلمود" وما كان عليه تعليقات وشرح حاخامات بابل سمي تلمود بابل،
стр. 107
وما كان عليه شروح حاخامات فلسطين سمي تلمود فلسطين ١.
ثالثاً: تقديس اليهود له:
التلمود يقدسه ويعظمه الفريسيون من اليهود، وباقي الفرق تنكره وكما تقدم في تدوينه فإن الحاخامات الفريسين هم الذين دونوه وتناقلوه، والفريسيون هم أكثر فرق اليهود في الماضي والحاضر، وهم يرون أن التلمود له قدسية وأنه من عند الله بل يرون أنه أقدس من التوراة.
فيقولون فيه: "إن من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق المكافأة عليها ومن درس المشناه فعل فضيلة يستحق المكافأة عليها ومن درس الجمارة فعل أعظم فضيلة " ٢.
فالتلمود على هذا هو كتاب مقدس عندهم، وله أثر كبير في نفسية اليهود المفسدة الفاسدة.
رابعاً: مبادؤه وخطرها على غير اليهود:
التلمود له مبادئ فاسدة وخطره، نذكر بعضاً منها لتتضح نظرة اليهود إلى أنفسهم وإلى غيرهم، فمن مبادئه:
١ - كلامهم عن الله :
وصف اليهود الله بصفات النقص تعالى الله عن قولهم.
فمن ذلك زعمهم أن الله شغله هو تعلم التلمود مع الملائكة
стр. 108
واللعب مع الحوت وأنه جل وعلا يبكي لأجل ما حل باليهود من التعاسة١ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام (١٣٩) .
٢ - كلامهم عن أنفسهم:
يزعم اليهود أن أرواحهم جزء من الله٢،وأنهم عند الله أرفع من الملائكة، وأن من يضرب يهودياً فكأنما ضرب العزة الإلهية٣، وأنهم مسلطون على أموال باقي الأمم ونفوسهم، لأنها في الواقع أموال اليهود، فإذا استرد الإنسان ماله فلا لوم عليه٤وأن الناس إنما خلقوا لأجلهم ولخدمتهم٥، ولليهودي إذا عجز عن مقاومة الشهوات أن يسلم نفسه إليها ٦، وأن الجنة لا يدخلها إلاَّ اليهود٧.
٣ - موقفهم من غيرهم:
أن أرواح غير اليهود أرواح شيطانية، وشبيهة بأرواح الحيوانات٨، وأنهم مثل
стр. 109
الكلاب والحمير، وإنما خلقوا على هيئة الإنسان حتى يكونوا لائقين بخدمة اليهود ١.
لا يجوز لليهودي أن يشفق على غير اليهودي ولا أن يرحمه ولا يعينه بل إذا وجده واقعاً في حفرة سدها عليه ٢، ويحرم على اليهودي أن يرد لغير اليهود ما فقد منهم ٣،ويحرم على اليهودي أن يقرض غير اليهودي إلاَّ بالربا، وزعموا أن الله أمرهم بذلك ٤، والزنا بغير اليهودي ذكوراً أو إناثاً جائز ولا عقاب عليه، وعلى اليهودي أن يسعى إلى قتل الصالحين من غير اليهود ٥.
إن الجحيم مأوى جميع الناس غير اليهود، وأنه أوسع من الجنة بستين مرة٦.افتراؤهم على المسيح ﵇ وأمه مريم وقولهم عليها بهتاناً عظيماً ٧.
هذه بعض مبادئ التلمود، وهي تصور لناظره والمطلع عليه خطورة هذه التعاليم وأن لها أثراً واضحاً في اليهود السابقين واللاحقين، حيث جعلتهم بحق أعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة والخير والتسامح، وأعداء الأديان، والمتقربين إلى الله بالفساد والفجور والإفساد في الأرض والقتل،
стр. 110
سواءٌ في ذلك بإزهاق الروح، أو بإزهاق الخلق والدين في نفوس أصحابه، فهم المتربصون بالبشرية والناظرون إليها بعين الحقد، والحسد، والتكبر والتجبر، يستغلون كل مناسبة لصالحهم، ويحاولون أن يزيدوا من وقع المصيبة على المنكوبين والموتورين.
وإذا لم ينتبه المسلمون ويعوا هذه الحقائق ويتعرفوا على هذه النفسيات المنحرفة، فيعتصموا بالله ويعاملوا أعداءه بما يستحقون فسيفيقون على سيطرة اليهود عليهم وتحكمهم بهم وحرفهم عن ما تبقى لهم من دينهم، ويفعلون بهم ما فعلوا بالعالم الأوربي والأمريكي وغيرهم من الدول التي سيطروا على حكوماتها، ثم سيطروا بالتالي على شعوبها، فنشروا كل رذيلة وخلق منحط، وأزالوا كل هيمنة للدين على النفوس بنشر الإلحاد ومحاربة الفضيلة، فحققوا بذلك مآربهم المادية التي في الواقع مطلبهم الأول والأخير، واليهود لا زالوا لم يستطيعوا أن يظهروا سيطرتهم الفعلية باسمهم وبالشخصية الحقيقة لهم إذ يحكمون من وراء ستار، فهل يكشفوا عن أنفسهم أم يكتفوا بما حققوا من مكاسب مادية وإشباع لرغبتهم في الفساد والإفساد؟
ولا بد أن يعلم أن راية الباطل لا ترتفع ولا تظهر إلا في رقدة الحق وغفلة أهله، ومتى أفاق أهل الحق فلن يكون للباطل صولة ولا جولة.
والله نسأل أن يلهم المسلمين الرجوع إلى دينه، وأن يعتز أهل الإسلام بإسلامهم فيعرفوا حقيقته وقيمته، فينشطوا في الدعوة إليه ليخرجوا بذلك الناس من الظلمات إلى النور. والله غالب على أمره ولو كره المشركون.