مقدمة
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وأستفتح بالذي هو خير.
وبعد:
فمنذ قدرلي الاتصال بالدراسات الأدبية أحسست في أعماقي هوى يشدني إلى الشعر الجاهلي، ويملي على إطالة الوقوف أمامه وإنعام النظر فيه، حتى غدا شغلي الشاغل، فوقفت عليه جهدي في أطروحتي الماجستير والدكتوراه، وما تزال الأواصر بيني وبينه موصولة، وما يزال شغفي به يزداد يوما بعد يوم.
ولعل ذلك راجع إلى أن الشعر الجاهلي هو القاعدة الصلبة، والينبوع الثر الذي يستمد منه الأدب العربي -على اختلاف عصوره وتنائي دياره- أسباب حياته: لما فيه من قيم جمالية أخاذة، ولأنه تعبير صادق عما استكن في أعماق قائله، وتصوير دقيق للبيئة العربية آنذاك، فلم يعرف قائله زيف العواطف، ولا تمويه القول، ومن ثم غدا المنارة الهادية التي انبثقت أضواؤها لتخترق غياهب العصور والأزمان، فإذا الأدب العربي كله على اتساع وقعته، وامتداد آفاقه يقبس من هذا النور، ويتخذه الأ نموذج والمثل.
стр. 2
لهذا كله أشرب قلبي حب الشعر الجاهلي، وصارت القراءة فيه تحقق لي متعة فنية أجد معها نفسي، هذه القراءات المتواصلة رشحت لي فكرة انتخاب بعض قصائده، أطيل الوقوف أمام قيمها الجمالية المتعددة من خلال التحليل الفني والاستشفاف والتفسير، والتعرف على نفسيات قائليها وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم وسائر حيواتهم من خلال ذلك.
وقد جاءت هذه القصائد المنتخبة تصور إنسان هذا العصر، إذ يصور بعضها خروج العربي على قومه ونفوره من جوارهم بسبب وجوده في وضع اجتماعي مهين لا دخل له فيه، ويصور بعضها خروج العربي على قومه كذلك من خلاله ذاته ويثبت جوده، كما يصور بعضها الآخر العربي في حرصه على سلامة قومه وتمسكه بالإنتماء إليهم مهما لقي في سبيل ذلك من العناء والهول الذي قد يسلمه للموت، فهذان اتجاهان متقابلان، وقد ختمت هذه القصائد بنموذج المديح الذي لم تدفع إليه رغبة أو رهبة، مما يكشف عن إنسان متحضر ذي قيم خلقية أصيلة.
وقد حاولت من خلال معايشة هذه النصوص أن يكون منظوري لها شاملا يتمثل أولًا في الرجوع إلى المعاجم والاستئناس بالشواهد الشعرية كلما كان ذلك ميسورا بغية تجسيد المعنى وكشف مكنونه بالنسبة لبعض الألفاظ، ومن واقع المعرفة اللغوية كنت أتجه
стр. 3
إلى المعنى الذي يطلبه السياق ويستدعيه المقام، ويهدي إليه الذوق الفني، وأحيانا كنت أعرض المعاني الأخرى للكلمة التي لا يرفضها السياق، والتي تصح فيه بوجه من الوجوه، وإذا كانت هذه النظرة تبدو عليها سمة التقليدية ومسحتها فإنه لا مفر منها، إذ كنا نتعامل مع ألفاظ الشعر الجاهلي وبيننا وبين قائليه بون شاسع مع اختلاف الظروف والبيئات، على أن ربط هذه الألفاظ أو بعضها بأي من القرآن الكريم يسمو بالكلمة ويرطب من جفافها وييسر فهم مضمونها والمقصود منها.
لذلك كنت أقرأ القصيدة وأتعرف على ظروفها وسيرة شاعرها ثم أوجه عنايتي إلى دراسة لغتها فالشعر فن متميز البنية متميز الشكل متميز الجمال مادته اللغة بكل ما تحويه اللغة من طبيعة دلالية أو وظيفة إيحائية.
كما يتمثل ثانيًا في الاستعانة بالدراسة التحليلية التي تكشف عن نواحي الجمال الأدبي في النص كما يهدي إلى ذلك الذوق المتأمل، وذلك مثل دراسة الحالة النفسية للشاعر من خلال موسيقاه التي أفرغ في لحنها كلماته، والنفاذ من مدلول الكلمات أي إيماءاتها النفسية والفكرية، وغير ذلك مما يساعد في الوقوف على عناصر الإبداع في العمل الأدبي، تلك العناصر التي تتشابك وتتداخل.
стр. 4
في ضوء هذا المفهوم اتجه الباحث في معالجة هذه النصوص مؤملا أن يضيف -من خلال هذا العمل المتواضع- لبنه في صرح البحث العلمي الخالص خدمة لتراثنا وأدبنا، والله من وراء القصد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
السيد أحمد عمارة
стр. 5
الشنفرى بين نزعة التمرد والإعتصام بالكرامة الإنسانية
لمحة عن الشاعر
...
الشنفرى بين نزعة التمرد والاعتصام بالكرامة الإنسانية لامية العرب للشنفرى
стр. 6
الشاعر١:
اختلف الرواة في اسمه كما اختلفوا في نسبه وأغلب الروايات تذكر أنه الشنفرى بن الأواس بكسر الهمزة أو ضمها بن الحجر بن الهنو ابن الأزد٢، فهو أزدي من أزد شنوءة التي كان موطنها جبال السراة، بين مكة والمدينة.
وكان أبوه في قلة من المال، وأمه كانت سبية.٣
وهو أحد أغربة العرب، ويصرح في شعره بأنه هجين٤ يقول:
ألا ليت شعري والتلهف ضلة ... بما ضربت كف الفتاة هجينا
وكان هؤلاء الأغربة ينبذهم آباؤهم لعار ولادتهم لأنهم ليسوا بأولاد حرائر ومن معاني الشنفرى الغليظ الفتين، وغلظ الشفتني من سمات الجنس الأسود كما يقرر ذلك علماء الأجناس.
стр. 7
قد اصطرع قوم الشنفرى مع بني شبابة إحدى قبائل فهم بن عدوان وقد هزموا، وقتل والد الشنفرى في هذه المعركة، وأخذ هو أسيرًا وظل فيهم، حتى زهدوا فيه، واستبدلوه بأسير منهم وقع في أيدي أعدائهم بني سلامان، فكان الشنفرى في بني سلامان مكان الفهمي وعاش في بني سلامان كأنه واحد منهم وعلى عينيه غشاوة عن حقيقة وضعه حتى ظن أنه ابن الرجل الذي تبناه فكن يعامله على أساس أنه والده ويناديه ياأبي، حتى حدث ما حدث من الأحداث التي جعلته ينقم على بني سلامان ويعود إلى بني فهم.
وتختلف الروايات في سبب نقمته عليهم، وتذكر بعضها أن الرجل السلامي الذي كان يعيش عنده، الشنفرى ويرعى غنمه وإبله كانت له فتاة تسمى قعسوس وبينما هما يرعيان -وأبوها غائب- طلب منها الشنفرى أن تعينه في غسل رأسه فأنفت أن يستخدمها، ولطمته لطمة مدوية على خديه، طار لها لبه وفقد صوابه، واستشاط منها غضبا، وانتظر حتى حضر أبوها، وذهب له مغاضبا وسأله من أنا؟ فقال: من الأواس بن الحجر، فقال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استبعدتموني١.
ثم قال للجارية التي لطمته وقالت له لست بأخي:
آلا ليت شعري والتلهف ضلة ... بما ضربت كف الفتاة هجينها
стр. 8
ولو علمت قعسوس أنساب والدي
... ووالدها ظلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتًا ومنصبًا ... وأما ابنة الأحرار لوتعرفينها
وبعض الروايات تذكر أنه أحبها، وتمنى أن يتزوجها، وحاول أن يقبلها حين خلا بها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليه ليقتله فوجده ينشد أبياتًا يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، وبعضها تذكر أنه تزوجها فعلًا، وأن بني سلامان استقبحوا أن يصهر إليهم رجل كالشنفرى، وأن أبا قعسوس خشي أن يقتله أهله أن أصهر إليه، فأقسم له الشنفرى إن قتلوك لأقتلن منهم مائة رجل بِكَ فأنكحه ابنته، وبعد أن تزوجها الشنفرى قتلت بنو سلامان أباها، فأخذ الشنفرى يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان وقتلهم.
والذي يعنينا من ذاك أنه نشأ في غير قومه نشأة غير عادية، فلم يتمتع بما كان يتمتع به من نشأ بين قومه وفي أحضان عشيرته.
ففقد توازنه الاجتماعي مع قبيلة الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم المشهورة بلصوصها، وهناك اتصل به تأبط شرًا، ووجد فيه تلميذًا ممتازًا، فلقنه دروس الصعلكة الأولى، ورأى الشنفرى أن فرصته في الانتقام من قبيلة الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.١
стр. 9
فكان يغير على الأزد على رجليه فيمن معه من فهم، وكان يغير عليهم وحده أكثر من ذلك.١
وتذكر بعض الروايات أنه قتل منهم تسعة وتسعين رجلًا، وأنهم حاولوا أكثر من مرة أن يتمكنوا منه ولكنه كان يفر منهم وأخيرًا تمكنوا من قتله بعد أن أذاقوه صنوف العذاب٢، فيمر رجل منهم بجمجمته فيضربها فتعقره فيموت، وتتم به المائة الذين كانت حلفة الشنفرى عليهم٣. ففي قتله لبني سلامان قتل لعدوه الظاهر ولم تدر أن نفس الشنفرى ليست ككل النفوس في إبائها للضيم وشعورها بالهوان، يقول عن نفسه:
ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحول
وقد كانت نفسه شديدة الحساسية سريعة التأثير فقد سجل هذا الصراع الذي دار بينه وبين بني سلامان: تهديده لهم، تربصه بهم، أحاديث غاراته عليهم، أسلحته التي استخدمها، كما صور فقره وهزاله ونعليه الممزقتين، وتشرده في الصحراء، وغير ذلك من
стр. 10
الأحداث التي لا ترجع أهميتها لذاتها بل لما تعسكه من آثار على نفسه وحياته.
على أن الشنفرى من الشعراء البارزين في طائفة الصعاليك والذين كان لهم منهج خاص في حياتهم ومنهم عروة بن الورد والسليك بن السلكة وتأبط شرًا، وقد تميز هؤلاء الصعاليك باحتراف الغزو والغارات على الأغنياء والبخلاء ثم يوزعون ما غنموه على الفقراء والمعوزين، وكانت لهم صفات نفسية وبدنية خاصة تؤهلهم للقيام بهذا العمل فقد تميزوا بالشجاعة والصبر وشدة المراس وتحمل المشاق وسرعة العدو حتى ضرب بهم المثل في ذلك فقيل: أعدى من الشنفرى
أو أعدى من السليك.
стр. 11
عزم على الرحيل
...
أقيموا بني أُمي صدور مَطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميَلُ
فقد حُمت الحاجات والليل مُقمر ... وشُدت لطِيات مطايا وأرحُلُ
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلي مُتعزَّلُ
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبًا أوراهبًا وهو يعقلُ
ولي دونكم أهلون سيد عَمَلَّس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيألًُ
هم الأهل لا مستودَعُ السرِ ذَائعٌ ... لديهم ولا الجاني بما جر يُخْذلُ
وكل أَبِيٌّ باسِلٌ غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسلُ
وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلُ
стр. 12
وما ذاك إلا بسطة عن تفضلٍ
...
عليهم وكان الأفضلَ المتفضلُ
وإني كفاني فقد من ليس جازيًا
...
بحسني، ولا في قربه متعللُ
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع
...
وأبيض إصليت وصفراء عيطلُ
هتوف من المُلس المتون يزينها
...
رصائع نيطت إليها ومحملُ
إذا زل عنها السهم حنت كأنها
...
مرزأة عَجْلَى ترن وتعولُ
اللغة:
١- أقيموا صدور المطي: هيئوها للسير كي نرحل ومنه قول الشاعر:
أقيموا بني النعمان عنا صدوركم
وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا
وبنو الأم: الأشقاء من الأخوة وغير الأشقاء ما دامت تجمعهم الأم
المطايا: الإبل، وإقامة صدورها كناية عن التهيؤ للرحيل
стр. 13
أميل: بمعنى مائل من الميل وهو العدل.
٢ حمت الحاجات: قدرت ودبرت، والطية: الحاجة أو النية المدبرة، الأرحل: جمع رحل، وهو ما يوضع على البعيرة.
٣ المنأى: المكان البعيد وكذا المنتأى قال النابغة يخاطب النعمان:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خفت أن المنتأى عنك واسع
القلى، الهجر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
المتعزل: مكان العزلة عن الناس، والبيت كله حكمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١.
٤ لعَمرك: ولعَمري ولعَمر الله كلمات تستعمل في القسم تكون فيها اللام للتوكيد، والعَمر: الحياة والبقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢
سرى: السرى: سير عامة الليل والمقصود مطلق السير، راغب: صاحب رغبة راهب: من الرهبة وهي الخوف.
стр. 14
٥ دونكم: غيركم، أهلون: جمع أهل، السِيد بكسر السين الذئب، عملَّس بفتحتين، قوي سريع، الأرقط: النمر الذي في جلده بياض وسواد، الزهلول: الأملس، العرفاء: الضبع الطويلة العرف، جيال اسم للضبع.
٦ ذائع: منتشر، جرَّ جريرة: جنى جناية، وخذله: تخلى عن نصرته، وهم الأهل بأسلوب القصر، أي هم الأهل الحقيقيون ولا أهل غيرهم.
٧ الأبي: الذي يأبى الذل ويرفض الضيم، الباسل: الشجاع البطل، الطرائد: جمع طريدة، وهي الفريسة التي تطارد.
٨ أعجل: أسرع، الجشع: النهم وشدة الحرص على الطعام والإسراع إليه.١
٩ البسطة: السعة، قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم﴾ ٢
التفضل: الإحسان، أو هو ادعاء الفضل على الغير. الأفضل: الذي يفضل غيره ويتميز عليه، المتفضل، المحسن.
١٠ فَقْد مفعول ثان لكفاني، الجازي بالحسنى: المكافئ بالإحسان، والحسنى أفعل تفضيل للمؤنث، والتعلل: التلهي وتعلل بالشيء اليسير اكتفى به، قال أبوفراس الحمداني:
стр. 15
معللتي بالوصل والموت دونه ... إذا مت ظمأنًا فلا نزل القطر
وقال آخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر فى شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن أساءة أهل السوء إحسانًا
١١ مشيع: جريء شجاع الأبيض: السيف، والأصلت: الصقيل، والصفراء: القوس التي صنعت من النبع، والعيطل: القوس الطويلة العنق.
١٢ هتوف: ذات هتاف ورنة أي لها صوت مخصوص وهذه صفة للقوس، الملس: النواعم، فالملاسة ضد الخشونة، والمتن: الصلب وهو الظهر والملس متونها أي جوانبها، الرصائع: جمع رصيعة وهي ما يرصع أي يحلى به، والمراد السيور التي تحلى بها القوس، ونيطت إليها: علقت عليها، المحمل: ما يعلقه متقلد القوس في كتفه.
١٣ زل السهم: خرج منها، حنت: صوتت صوتًا معينًا قريبًا من صوت البكاء، المرزاة: الكثيرة الرزايا والمصائب، والثكلى التي فقدت
стр. 16
أباها أو ابنها الوحيد، عجلى: مسرعة، ترن: تصوت برنين، وتعول: ترفع صوتها بالبكاء والعويل.
التحليل:
تعبر هذه الأبيات عن الهموم التي تعتري الشاعر من صراعه من بني قومه، ومن المجتمع الذي ينتمي إليه، فقد بدأها بالحديث عما يحس به من نفرة وسأم وملل راح بسبب ذلك يتهيأ للرحيل عن قومه مخاطبًا إياهم بأن يقيموا صدور مطيهم لا ليرحلوا هم وأنما ليستعدوا لرحيله، فقد كره مقامه بينهم ورغب في مكان سوى هذا المكان، وبرحيله أصبحوا لا مكان لهم فمن الخير أن يرحلوا كذلك، وقد عقد العزم على ذلك وصار مقتنعًا بمسلكه وما يقوم عليه من التصرف، فلم ير في قومه من الشمائل ما يشجعه على البقاء بينهم والحفاظ على ودهم فليضرب في جنبات الأرض الفسيحة مرددًا قول الشاعر:
إذا أنت لم تكرم بأرض فارتحل ... فلا خير في دار يهان كريمها
وهو واثق أن الأرض لن تضيق بأمثاله ممن يأبون الضيم ويرفضون المهانة والمذلة بل فيها متسع لمن يمشي في مناكبها يطلب العيش الكريم.
стр. 17
والشاعر هنا يعرض حجته في مفارقته لقومه مع حرصه على رعاية أواصر الرحم التي تربط بينه وبينهم، فالحاجات قد حمت وآن أوانها المقدر، وقد اتضحت أمامه الرؤيا وفكر في هدوء واتزان فاتخذ قراره بالرحيل والكريم يربأ بنفسه عن الأذى فيهاجر إلى مكان بعيد، كما أن اعتزال الناس أكرم من الإثقال عليهم واحتمال نفورهم وكراهيتهم.
ثم يقسم الشاعر أن الأرض واسعة لصاحب الحاجات والآمال فإذا عجز عن تحقيقها في مكان ما فليرحل إلى غيره، ومن فقد الأمان في أرض فليطلب سواها عله يجد الأمن في جنياتها، فالعاقل الحازم هو الذي يحتال بالهجرة ليحقق ما ابتغاه بدل أن يستسلم للواقع فيعيش في فزع فضلًا عن عجزه عن تحقيق آماله، والحر لا يعز عليه أن يعثر على مكان يهنأ به وينأى عن الهوان.
وقد اختار مجتمعا غير مجتمع الناس جميعا أنه مجتمع الوحوش، يعايش الحيوان المفترس والأسد الضاري، والنمر الأرقط، والضبع الطويلة العرف، هؤلاء جميعا هم الأهلون الذين يؤثرهم على قومه ويفضلهم على الناس جميعا ثم يعود ثانية للحديث عن أهله الجدد واقتناعه بالانتساب إليهم ويعبر عن هذه القناعة بأسلوب القصر الذي يعني أنه لا أهل سواهم، ويبد وأنه ألف هذه الوحوش وعرف طبائعها، ولذلك وصفها وصفا كاملًا يخفي وراءه شعورا بالألم
стр. 18
والضيم من قوم يذلونه ويتخلون عنه في المقام الحرج، وهو هنا يقارن بين مجتمع الناس الذي هجره، ومجتمع الوحوش الذي ألفه فيقول:
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
ففي مجتمع الوحوش تتكتم الأسرار، ولا يتخلى القوي عن الضعيف فلا يخذله أو يسلمه حتى في أشد المواقف وأكثرها حرجًا، وهو بذلك يشير إلى سبب هجره لمجتمع الناس حيث لا يؤتمن أحدهم على سر، وفي هذا تعريض بأهله لأنهم على النقيض من ذلك.
ثم أخذ يصف هذه الوحوش التي اتخذ منها أهلًا وأصحابًا، فهي تتسم بالبسالة والشجاعة، ومع شجاعتها الفائقة فهو أكثر جرأة منها حين تعرض له الفريسة فيطاردها، فلا يكل إلى هذه الوحوش أمره ولا يعتمد عليها في الدفاع عنه، فله من شجاعته وبسالته ما يتخذه درعًا وسندًا يضرب به الأمثال، فالشاعر هنا يقارن بينه وبين الوحوش.
ومع هذه الشجاعة الفائقة فله من عفته وقناعته ما يدفع عنه تهمه الجشع، فإذا كان يسبق إلى الفريسة ويزاحم في صيدها فلا يسبق إلى أكلها فحسبه ما يتمتع به من غنى النفس مع تفضل على الفقراء والمعوزين.
стр. 19
وقد فقد الشاعر قومه وهجرهم حين وجد أنه لا خير منهم، حيث لا يقدرون المعروف ولا يفهمون معنى الجميل ولا يكافئون عليه، وليس هناك من سبب واحد يحمله على البقاء معهم ويساعده على الحياة في كنفهم، فله عزاء عن فقدهم، وعزاؤه يتمثل في رباطة جأشة وثبات قلبه، كأنه في ثباته محمي ومنصور بشيعة له وأنصار، كما يتمثل في سلاحه: سيفه الصقيل الذي يضرب به عن قرب وقت الالتحام، وقوسه المتينة التي تخطئ الأهداف عن بعد حين تنطلق منها السهام سواء أكان هذا الهدف من الأعداء أم من الصيد.
ويأخذ في وصف هذه القوس رفيقته في الجهاد وعونه على الأعداء فهي ملساء الصلب والجوانب، تسمع لها نغمًا معينًا وصوتًا قويًا عند انطلاق السهم عنها للدلالة على قوتها وسلامتها من العطب، بالإضافة إلى أنها محلاة ومرصعة ببعض ما يزينها فاهتمامه بمظهرها وشكلها لا يقل عن إهتمامه بجوهرها ومادتها، فهو يعتز بها لأنها قوس عجيبة تسمع له صوتًا حين يزل عنها السهم وينطلق أشبه ما يكون بصوت الثكلى الحزينة في رنة صوتها وعويلها، ووصف الثكلى بكثرة الرزايا، والسرعة تشير إلى جودة القوس وكثرة السهام التي ترمى بها وسرعتها في انطلاقها، وهذا يعني أنه ليس له أصحاب، أنه وحده صاحب نفسه، والسيف والقوس وسيلتاه للدفاع عن النفس والبقاء.
стр. 20
صفات يبرأ منها
...
ولست بمهياف يعشي سوامه
... مجدعة سقيانها وهي بُهَّلُ
ولا جُبَّا أكهى مرب بعرسه ... يطالعها في شأنه كيف يفعل
ولا خرق هيق، كأن فؤاده ... يظل به المكاء يعلو ويسفل
لا خَالِف دَارِيَة مُتغزل ... يروح ويغدو، داهنًا يتكحلُ
ولست بعل شره دون خيره ... أَلفّ، إذا ما رعته، اهتجاج أعزلُ
ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهوجل الْعِسِّيقِ يَهْمَاءُ هَوْجَلُ
اللغة:
١٤ المهياف: الذي يبعد بإبله في طلب المرعى فيعطشها، أو هو السريع العطش أو السيء التدبير، السوام: الماشية الراعية في
стр. 21
الفلوات إذا خلى سبيلها، وعشى الإبل: إذا رعاها ليلًا لعدم إدراك ذلك نهارًا لأنه غير خبير بالمرعى، المجدعة: السيئة الغذاء، السقبان: جمع سقب وهو ولد الناقة الصغير حين يولد، بُهَّلُ: جمع باهل وباهلة: وهي الناقة التي تترك بدون راع أو تترك بدون صرار في ضرعها لعدم وجود اللبن، والصرار يوضع لمنع ولدها من رضعتها.
١٥ الجبأ: الجبان، قال مفروق بن عمرو الشيباني يرثي أخوته:
أبكي على الدَّعاء في كل شتوة ... ولهفي على قيس زمام الفوارس
فما أنا من ريب الزمان بجبأ ... ولا أنا من سيب الإله بيائس
ويقال للمرأة إذا كانت كريهة المنظر لا تستحلي، أن العين لتجبأ عنها، قال حميد بن ثور الهلالي:
ليست إذا سمنت بجائبة ... عنها العيون كريهة المس
الأكهى: الضعيف السيء الخلق، والأبخر الذي لا خير فيه.
مرب: اسم فاعل من أرب بالمكان، إذا قام به والمراد به الملازم لعرسه.
١٦ الخرق: الدهش من الخوف والحياء وفي حديث تزويج فاطمة رضوان الله عليها: فلما أصبح دعاها فجاءت خرقة من الحياء، أي: خجلة مدهوشة، من الخرق التحير.
стр. 22
الهيق من الرجال": بفتح وسكون: المفرط في الطول، والظليم لطوله وهو ذكر النعام المعروف بشدة نفيره وهروبه من مصدر الخوف
المكاء: طائر يصوت في الرياض وسمي بذلك لأنه يجمع يديه ثم يصفر فيهما صفيرًا حسنا، قال الشاعر:
اذا غرد المكاء في غير روضه ... فويل لأهل الشتاء والحمرات
وجمعه مكاكي، فهو كثير الخفوق بجناحيه.
١٧ الخالف: الذي لا خير فيه يقعد في الدار بعد رحيل القوم لا يفارقها، الداري والدارية: المقيم في دارة لا يبرحها
المتعزل: الذي يحادث النساء يشبب بهن، يروح ويغدو: يذهب ويجيء.
الداهن: الذي يتزين بدهن نفسه، والمتكحل الذي كحل عينه.
١٨ العل: يزور النساء، والقراد الصخم والجمع علال، والكبير المسن شبه بالقراد وهي حشرة صغيرة كذباب الخيل، قال المتنخل الهذلي:
ليس بعل كبير لا شباب له ... لكن أثيلة صافي الوجه مقتبل١
أي مستأنف الشباب.
стр. 23
شره دون خيره: بمعنى أقرب من خيره، الألف: العاجز الضعيف الذي لا يقوم لحرب ولا لضيف.
الأعزل: من لا سلاح معه.
١٩ المحيار: المتحير الضال الذي لا يهتدي لوجهته، انتحت: اعترضت، والهدى: الهداية، الهوجل: الرجل الطويل الذي فيه تسرع وحمق، العسيف: الضال عن الطريق، اليهماء: الفلاة التي لا يهتدي فيها لطريق، هوجل: الثانية صفة للفلاه. أي متفرة لا معالم فيها للاهتداء.
التحليل:
ويعود الشنفرى ليتحدث عن بعض صفاته التي طبع عليها والتي تدور حول صبره وقدرته على التحمل، فهو بطيء العطش يدخل بإبله وسوامه إلى المرعى البعيد لتنال منه، وليس كالراعي الإحمق الذي لا يحسن غذاء سوامه، فيعود بها مع العشاء جائعة أولادها، لأنهم يمنعونها عن رضع أمهاتها كي يبقى لهم من جائعة أولادها، لأنهم يمنعونها عن رضع أمهاتها كي يبقى لهم من الحليب ما يشربون، وترى صغار إبله سمينة، لأن أمهاتها ليست عليها صرار، فجوع الأولاد كناية عن جوع الأمهات، فلهو في ذلك خبرته وتجاربه ثم ينفي عن نفسه الجبن وقلة الخبرة وسوء الخلق، فلا يقعد عن طلب الرزق والكسب اكتفاء بالجلوس مع عرسه شأن الصعلوك الخامل
стр. 24
الكسلان، وإنما له من همته ونشاطه وصدق عزيمته ما يدفعه للكسب ويعينه على الرحلة والانتقال، فليس ضعيف الشخصية عديم الرأي يستعين بالآخرين في تيسير أموره ويعتمد على توجيه زوجه ومشورتها.
كما أنه ثابت القلب مطمئن النفس لا تزعجه المخاوف ولا يستسلم للتردد يسيطر عليه فيصبح كالظليم في نفوره عند حدوث ما يفزع فيضطرب فؤاده ويرجف قلبه ويصبح من اضطرابه كأنه معلق في طائر يرتفع به ويسفل وهو ليس قليل الخير لا يفارق داره فيصبح ويمسي جالسًا إلى جوار النساء لمحادثتهن، فينفي عن نفسه صفة التخنث والتشبه بالنساء في الادهان والتكحل كأنه منهن، ثم يثبت لنفسه قوة الجسم وعلو الهمة والثبات عند الروع وحمله لسلاحه حين يقول:
ولست بعل شره دون خيره ... ف إذا ما رعته اهتاج أعزل
ألأي: ليس بضعيف الجسم والهمة يعلو شره خيره ويسبق إحسانه إساءته لا خير فيه، فلا يسعى في أمر حرب أو ضيف، إذا أفزعته أسرع إسراع الأحمق، فينفي عن نفسه هذه الصفات ويثبت لها عكسها.
كما أنه يعرف طريقه ويقصد إلى هدفه غير ملتفت إلى الوراء، فلا يتردد ولا يتحير حتى في الظلام، ولا يضل في الفلوات المقفره التي
стр. 25
تطوي الأحمق الذي لا يعرف دروبها ومسالكها، فهو واثق من خبرته بالصحراء واهتدائه للسير فيها حتى في الظلام، وهذه من ألزم صفات الصعلوك الماهر، فالصحراء هي ميدان نشاطه يزاول فيها هوايته في قطع الطريق والإغارة على المارة والأعداء.
ثم أخذ يدلف من ذلك إلى الحديث عن بعض ما يعانيه ويتغلب عليه.
стр. 26
مشاهد من الرحيل
...
إِذَا الْأَمْعَزُ الصَّوَانُ لاقَى مَنَاسي ... تَطَايَرَ مِنْهُ قَادِحٌ وَمُفلَّلُ
أُدِيْمُ مِطَالَ الجْوعِ حَتَّى أُمِيْته ... وأضرب عنه الذكر صفحًا فأَذْهَل
وأستف ترب الأرض كي لا يَرَى لَهُ ... عليَّ من الطَّول أمرؤ متطولُ
ولولا اجتنابُ الذام لم يُلفَ مشرب ... يعاش به، إلا لدي ومأكلُ
ولكن نفسا مرَّة لا تقيم بي ... على الضيم، إلا ريثما أتحولُ
وأطوي على الخُمصِ الحوايا كما انطوت ... خيوطة ماريِّ تغار وتفتلُ
стр. 27
اللغة:
٢٠ الأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى، الصوان: صفة للأمعز والمراد الحجارة الشديدة الملساء، المناسم: جمع منسم وهو خف البعير والمراد أقدامي، شبه قدميه بأخفاف الإبل، القادح: الذي تخرج النار من قدحه، المفلل: المتكسر من الحجارة.
٢١ أديم: من المداومة وهي الاستمرار، المطال: التسويف والتأخير، وأضرب عنه الذكر صفحا: أعرض عنه وأتركه.
يقال: أضربت عن كذا صفحا أي أعرضت عنه، صفحا: معرضا وفي القرآن الكريم: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ١
أذهل: أنساه وأغفل عنه.
٢٢ استف التراب: أكله سفا أي غير ملتوت ولا معجبون، الطول المن، المتطول: الذي يمن بفعل الخير، وهذا غاية في العفة وشرف النفس.
وكانت النبي ﷺ يعجب بقول عنترة، وهو قريب من هذا المعنى٢.
ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل
٢٣ الذأم والذم: العيب الذي يذم به، يلف: يوجد.
стр. 28
٢٤ المرة: العصة الأبية إذ يروى ولكن نفسا مرة والنفس الحرة: العزيزة الأبية، الريث: الوقت اليسير، وريثما أتحول: أي إلا قدر تحولي.
٢٥ الخمص: بفتح الخاء الجوع، والخمص بضم الخاء: ضمور البطن، الحوايا: جمع حوية، وهي الأمعاء، الخيوطة: خيوط النسيج التي يخاط بها، والتاء تدل على كثرة الجميع، ماري: اسم لفاتل الخيوط، أو اسم رجل مشهور بصناعة الحبال وفتلها، ويقال أغار الفتل أي أحكم فتله. قال امرؤ القيس١:
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
التحليل:
ويواصل الحديث عن صفاته الشخصية التي تعد بحق سمة مميزة للصعلوك الحقيقي وقد تجمعت كلها في شخصه، فهو قوي الجسم، سريع الخطو، وحين يعدو تتطاير الحجارة الصغيرة تحت قدميه، ويضرب بعضها بعضا، يخرج منها الشرر، وتتكسر، فهو وإن لم يتحدث صراحة عن سرعته، لكن تحدث عن آثار سيره السريع، من تطاير الحصى، وتكسرها التي ينتج عنها الشرر، وذلك أبلغ في قوة مناسمه،
стр. 29
وسرعة سيره، فهذا مظهر من مظاهر الصمود والمعاناة التي يتعرض لها الصعلوك.
وينتقل من الحديث عن صفته الجسمية إلى صفاته النفسية، وهي القدرة على التحمل، ومداومة الصبر على الجوع الشديد، وله طريقته الخاصة في التغلب عليه، حيث يشاغل الجوع الشديد، وله طريقته الخاصة في التغلب عليه، حيث يشاغل الجوع ويتجاهله ويماطله حتى يفنيه فيتناساه، وكأنه غير جائع، لأنه لا ييأس من الحرمان، وإنما يصبر انتظار اليسر، وتبدل الأحوال.
وتصل به عزة النفس مداها إلى الحد الذي يفضل معه أن يذرع الصحراء ويخترق شعابها ودروبها، ويستف تراب الأرض على أن يمد يد الضراعة لأحد، أو يمد أحد إليه يده بفضل أو نعمة يمن بها عليه فيجرح مشاعره ويطعن كبرياءه، وعلاقة هذا البيت وهو ٢٢ بما قبله واضحة، فإذا كان يتغلب على الجوع حتى ينساه أو يميته، فإنه هنا على فرض عدم صبره عليه لا يمد يده لأحد إكراما لنفسه من التطلع إلى ما عند غيره من الناس، ممن يمن بفضله، ويستكثر إحسانه ولو أداه ذلك إلى لعق تراب الأرض، في الوقت الذي تتلوى فيه أمعاؤه من الفاقه والحرمان.
وليس حاله تلك عن ضعف أو عجز، فلولا أنه يربأ بنفسه عن العيب، ولولا كراهيته للذم لاستطاع أن يحصل على كل ما يعاش
стр. 30
به من مأكل ومشرب هنيء، أو لجمع عنده أصناف المآكل والمشارب من طريق غير كريمة، فبعد أن عرض لحالته السابقة أراد أن ينفي أن يظن به أحد ذلك لضعفه عن الحصول عن المأكل أو المشرب، بل إن الذي قد يوصله إلى هذا المجال عزة نفسه وتعففه عن العيب، مع قدرته على الكسب من أي جهة، فنفسه الأبية تأبى عليه أن يأتي ما يذري به من عيب أو نقص، وما أن تراه أو تحس به حتى تتحول عنه مسرعة.
ومن أجل ذلك تراه خميص الحشا يطوي أمعاءه على الجوع وهي خاوية حتى يبست فغدت كخيوط رفيعة محكمة الشد والالتواء من العسير أن تعود إلى طبيعتها الأولى لأنها أصبحت كالحبال المفتولة بدقة وإتقان، ولا شك أن الأخذ بهذا الأسلوب، وقسوته على نفسه مما يوهن قوته ويضعف بنيته ويبدو ذلك واضحا على محياه وأسارير وجهه.
стр. 31
لوحة مجسدة للذئب الجائع
...
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزلّ تهاداه التنائف أطحلُ
غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسلُ
فلما لواه القوت من حيث أمَّه ... دعا فأجابته نظائر نُحَّلُ
مهلهلة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقلُ
أو الخشْرمُ المبعوث حَثْحَثَ دَبْرَهُ ... محابيضُ أَرْدَاهُنَّ سَاْمٍ معسلُ
مهرتةٌ فوهٌ كأنَّ شدوقَهَا ... شقوق العصيِّ كالحاتٍ وبسلُ
فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكلُ
стр. 32
وأغضى وأغضت واتسى واتست به ... مراميل عزاها وعزته مرملُ
شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجملُ
وفاء وفاءت بادرات وكلها ... على نكظ مما يكاتم مجملُ
اللغة:
٢٦ القوت الزهيد: الطعام القليل، الأزل: صفة للذئب النحيل الخفيف السريع لقلة لحم عجزه ووركيه، تهاداه: أي تتهاداه بمعنى تتناقله وتتداوله، التنائف، جمع تنوفة وهي المفازة والأرض القفار، قال امرؤ القيس:
كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
أي تهديه من تنوفة إلى أخرى، الأطحل: الذي لونه كلون الطحال بين الغبرة والبياض.
стр. 33
٢٧ الطاوي: الجائع، قال الحطيئة:
وطاوي ثلاث عاصب البطن مُرْمِل ... ببيداء لم يعرف بها ساكن رَسْمَا
يُعارض الريح: يفعل مثل فعلها من الجري، والمراد يسبقها، أو أنه يستقبلها ويكون عكس اتجاهها. هافيًا: مسرعًا اسم فاعل من هفا يهفو إذا خف على الأرض واشتد عدوه أو ذهب يمينًا وشمالًا من شدة الجوع، يَخُوت: ينقض ويخطف، يقال: خات البازي إذا انقض على صيده، أذناب الشعاب: أواخرها أو أطرافها، والشعاب: جمع شعب بكسر الشين وهو الطريق في الجبل، يعمل: يمشي خببًا ويسرع.
٢٨ لواه: دفعه ومطله وامتنع عليه، أَمَّه: قصده، النظائر: الأشباه، نحل جمع ناحل، وهو الهزيل الضامر.
٢٩ مهلهلة: قليلة اللحم هزالا، وهي وصف لنظائر في البيت السابق، وشيب، جمع أشيب، وشيب الوجوه شاحبة مصفرة، القداح: جمع قدح بكسر القاف وهي السهم قبل بريه وتركيب نصله أي قبل أن يراش. الياسر: المقامر وهو لاعب الميسر، وفي القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر﴾ ١ وجمع الياسر أيسار، قال عبد قيس بن خفاف البرجمي:
فأعنهم وأيسر بما يسروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
стр. 34
تتقلق: تتحرك في اضطراب.
٣٠ الخشرم: رئيس جماعة النحل وهو ما يعرف بملكة النحل، وأو للعطف والعطف إما على الذئب الأزل، أو على قِداح في البيت السابق، المبعوث والمنبعث في السير: المسرع، حثحث: حرك كثيرًا وحض، والدبر: جماعة النحل، محابيض: جمع محبض وهي عيدان تكون مع جامع العسل والأصل في جمع محبض محابض، وقد أشبع حركة الباء فجاءت الياء، أرداهن: أهلكهن وحطمهن من الردى وهو الهلاك، سامٍ: فاعل أرداهن وهو اسم فاعل من السمو بمعنى مرتفع، المعسل: طالب العسل وجامعه.
٣١ مهرتة: مشقوقة الفم شقًا واسعًا، فوه: جمع أفوه للمذكر وللمؤنث فوهاء مفتوح الفم، شدوق: جمع شدق وهو جانب الفم كالحات: عابسات الوجوه، بسل: جمع باسل وهو الكريه المنظر ومنه مقاتل باسل أي يكره الأعداء لقاءه، والباسل كذلك الأسد لكراهة منظره وقبحه.
٣٢ ضج وضجت: صاح الذئب وصاحت معه الذئاب فأحدثت ضوضاء، البراح: الأرض الواسعة لا نبت فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ ١.
стр. 35
كأنها: المقصود بها الذئاب، نوح: جمع نائحة وهن النساء يجتمعن للحزن، قال أبو ذؤيب الهذلي:
فهن عكوف كنوح الكريـ ... ـم قد شف أكبادهن الهوى
العلياء: المكان المشرف العالي وفي شعر العباس بن مرادس يمدح النبي ﷺ :
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
ثكل: جمع ثكلى وهي المرأة التي فقدت ولدها، ومنه قول الرسول لبعض أصحابه: "ثكلتك أمك" أي فقدتك.
٣٣- أغضى على الشيء: سكت وصبر، والأغضاء تقريب الجفون بعضها من بعضها لخفض البصر ومنه قول الفرزدق في وصف علي زين العابدين:
يغضى حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
والمراد هنا أن الذئب كف عن العواء، وكفت معه الذئاب كذلك، اتسى واتست بمعنى امتثل واقتدى أي أن كلًا منهما تأسى بالآخر واقتدى به، مراميل: جمع مرملة وهي التي نفد زادها، قال السليك بن السلكة:
стр. 36
اذا ارملوا زادًا عَقَرْتُ مَطية ... تَجُرُّ برحلها السريح المخدما
ومنه حديث أبي هريرة ﵁ كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فأرملنا ... .
٣٤- شكا وشكت: بمعنى تشكى الذئب لجوعه فجاوبته رفاقه، أرعوى: كف ورجع عما هو فيه.
٣٥- فاء: رجع وثاب إلى رشده، بادرات: مسرعات، يقال: بادره بكذا إذا أسرع إليه، النكظ: الشدة والجوع والجهد والمشقة، يكاتم: يخفي ما في نفسه، مجمل: صابر هادئ في غير ثورة.
стр. 37
تحليل:
ويعرض الشاعر هنا لما يكفيه من الطعام، فهو يسعى مبكرًا مع اكتفائه باليسير من الزاد الذي لا يتناسب مع كثرة حركته، وماذا يفعل وحياة الصعلكة والعدو في الصحراء تجلعه يتخفف من الطعام مضطرًا لأنه لا يجد منه إلا ما يقيم أوده ويمسك حياته، فهو صاحب مقدرة على الانتفاع بالقليل، وفي سياق حديثه عن الجوع الشديد الذي يتعرض له فسبب نحول جسمه وقلة لحمه يشبه نفسه بذئب أصابه الهزال من شدة الجوع فأخذ يتنقل في الفلوات، وتتقاذفه المفازات بحثًا عن الطعام، ووجه الشبه بينهما شدة الجوع الذي أصاب كليهما وحاجة كل منهما للبحث عن الطعام، أو المقصود أنه يعدو وفي طلب الطعام عدو الذئب، ويبدو أن صورة الذئب الذي جعل نفسه شبيهًا به قد استبدت بالشاعر وسيطرت على مشاعره، فترك الحديث عن نفسه، وأخذ يرسم بعد ستة اللاقطة أوصافًا متعددة لهذا الذئب ورفاقه، فلقد خرج الذئب جائعًا في أول النهار وهو يسرع في طلب فريسته يستقبل الريح ويعدو هنا وهناك في الشعاب ينقض مرة على صيد، ويسرع في مطاردته مرة أخرى، فهو دائم الحركة، وحين استبد به الجوع وعز عليه العثور على الطعام في الأماكن التي يظن وجوده بها أخذ يعوي ويصيح مستغيثًا، فأجابته ذئاب تشبهه وبادلته الصياح والعويل، حالها كحاله قد نالها
стр. 38
من الضعف والهزال وضمور الجسم ونحوله بسبب الجوع، ما دفعها إلى أن ترد على استغاثته بأخرى مثلها.
وتسلسل من الحديث عن الذئب إلى الحديث عن رفاقه الذين جمعت المشاعر المشتركة بينهما، فهذه الذئاب قد حركها البحث عن الطعام كذلك، ويصفها بالضمور والنحول، فهي مهلهلة قليلة اللحم قد ابيض منها شعر الوجه، فأصبحت شاحبة الوجوه كأنما تعالج سكرات الموت، لهول ما تقاسيه من الجوع والظمأ، فهي أسوأ حالًا منه، كأنها في اضطراب حركتها وعدم انتظامها تشبه سهام المقامرة في يد الياسر فالذئاب التي تلتقي مع الذئب الذي يشبه به نفسه على غاية واحدة كما تشبه سهام الميسر في حركتها البيت/٢٩ تشبه هنا كذلك رئيس جماعة النحل في وسط مجموعته وقد جد في السير وتحركت معه مجموعة النحل حين عمد أحد طالبي العسل إلى خلاياها ليأخذ حاجته فحطمها، فطار النحل واضطرب لأنه أصبح بلا مأوى بعد أن تهدم بيته وفقد طعامه الذي ادخره لوقت الشدة، فحالة الذئاب النفسية كحالة النحل الذي طرد من خلاياه فأصابه الرعب والفزع.
ويواصل الشنفرى حديثه عن الذئاب التي تجمعت حول الذئب الجائع حين دعاها فيصفها في البيت ٣١ بأن أفواهها واسعة مرتخية، وأن أشدقها كذلك وقد تضامت شفاهها لجفافها فبدت مشقوقة الجوانب كأنها الشقوق في العصي، وكذلك كانت عابسة مغبرة
стр. 39
الوجه كريهة المنظر، يريد أن يقول إن الهزال أصاب كل جزء في أجسامها حتى الشفاه إذا فتحت فاهًا بدت مرتخية، وإن أغلقته فنهايته صارت مجرد خط رفيع أشبه بالشقوق، وهذا من دقة الوصف والحرص على اكتمال الصورة وتوضيح كل جوانبها بحيث لا يند منه وصف، أو تفوته صورة.
وبعد هذا التصوير يلتفت الشاعر إلى العواء المتبادل بين الذئب الجائع وجماعته فحين ضج الذئب بالعواء والصياح، جاوبته الذئاب الأخرى من حوله فأصبحت الأصوات المنبغثة لاختلاف درجتها وشدتها وتداخلها كأن هذه الذئاب في مأتم تنوح فيه نساء ثكلى فوق ربوة عالية، فصياح الجميع كصياح نساء معولات فوق مرتفع من الأرض لفقد أولادهن، فالذئب استعوى أشباهه فعوت، كما تهيج النائحة بقية النساء في مأتم.
ثم يقول أن الذئب الجامع والذئاب الرفاق تجمعها حالة واحدة وإحساس مشترك بألم الجوع، فلما يئس الذئب من الطعام ولم يفده العواء سكت ولم يضج فسكت أخوانه، وتعزى هو عن فقد القوت، وتعزت هي به، فكلاهما يعزي الآخر ويتأسى به في الصبر والتجلد على الجوع.
ويبدو أن الذئب نفد صبره ولم يطق الصمت فشكى حاله لرفاقه بالعواء والضجيج فتشكت الذئاب كذلك وأظهرت حالها، ثم كف
стр. 40
عن الشكوى بعد ذلك فكفت هي كذلك لأنهما لم يجدا من ذلك نفعًا، وإذا كانت الشكوى لا جدوى منها فالصبر أجمل، والصبر أجمل بالإنسان إذا لم ينفعه التشكي.
وحين فقدت الذئاب الصيد، وعجزت عن تحقيق مآربها رجعت مسرعة كل إلى مأواه، وهي تحمل في نفسها ألم الجوع، ومرارة الحرمان، لكنها كانت تبدي التجلد والصبر، وتكتم ما تعانيه.