اذا ارملوا زادًا عَقَرْتُ مَطية ... تَجُرُّ برحلها السريح المخدما
ومنه حديث أبي هريرة ﵁ كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فأرملنا ... .
٣٤- شكا وشكت: بمعنى تشكى الذئب لجوعه فجاوبته رفاقه، أرعوى: كف ورجع عما هو فيه.
٣٥- فاء: رجع وثاب إلى رشده، بادرات: مسرعات، يقال: بادره بكذا إذا أسرع إليه، النكظ: الشدة والجوع والجهد والمشقة، يكاتم: يخفي ما في نفسه، مجمل: صابر هادئ في غير ثورة.
стр. 37
تحليل:
ويعرض الشاعر هنا لما يكفيه من الطعام، فهو يسعى مبكرًا مع اكتفائه باليسير من الزاد الذي لا يتناسب مع كثرة حركته، وماذا يفعل وحياة الصعلكة والعدو في الصحراء تجلعه يتخفف من الطعام مضطرًا لأنه لا يجد منه إلا ما يقيم أوده ويمسك حياته، فهو صاحب مقدرة على الانتفاع بالقليل، وفي سياق حديثه عن الجوع الشديد الذي يتعرض له فسبب نحول جسمه وقلة لحمه يشبه نفسه بذئب أصابه الهزال من شدة الجوع فأخذ يتنقل في الفلوات، وتتقاذفه المفازات بحثًا عن الطعام، ووجه الشبه بينهما شدة الجوع الذي أصاب كليهما وحاجة كل منهما للبحث عن الطعام، أو المقصود أنه يعدو وفي طلب الطعام عدو الذئب، ويبدو أن صورة الذئب الذي جعل نفسه شبيهًا به قد استبدت بالشاعر وسيطرت على مشاعره، فترك الحديث عن نفسه، وأخذ يرسم بعد ستة اللاقطة أوصافًا متعددة لهذا الذئب ورفاقه، فلقد خرج الذئب جائعًا في أول النهار وهو يسرع في طلب فريسته يستقبل الريح ويعدو هنا وهناك في الشعاب ينقض مرة على صيد، ويسرع في مطاردته مرة أخرى، فهو دائم الحركة، وحين استبد به الجوع وعز عليه العثور على الطعام في الأماكن التي يظن وجوده بها أخذ يعوي ويصيح مستغيثًا، فأجابته ذئاب تشبهه وبادلته الصياح والعويل، حالها كحاله قد نالها
стр. 38
من الضعف والهزال وضمور الجسم ونحوله بسبب الجوع، ما دفعها إلى أن ترد على استغاثته بأخرى مثلها.
وتسلسل من الحديث عن الذئب إلى الحديث عن رفاقه الذين جمعت المشاعر المشتركة بينهما، فهذه الذئاب قد حركها البحث عن الطعام كذلك، ويصفها بالضمور والنحول، فهي مهلهلة قليلة اللحم قد ابيض منها شعر الوجه، فأصبحت شاحبة الوجوه كأنما تعالج سكرات الموت، لهول ما تقاسيه من الجوع والظمأ، فهي أسوأ حالًا منه، كأنها في اضطراب حركتها وعدم انتظامها تشبه سهام المقامرة في يد الياسر فالذئاب التي تلتقي مع الذئب الذي يشبه به نفسه على غاية واحدة كما تشبه سهام الميسر في حركتها البيت/٢٩ تشبه هنا كذلك رئيس جماعة النحل في وسط مجموعته وقد جد في السير وتحركت معه مجموعة النحل حين عمد أحد طالبي العسل إلى خلاياها ليأخذ حاجته فحطمها، فطار النحل واضطرب لأنه أصبح بلا مأوى بعد أن تهدم بيته وفقد طعامه الذي ادخره لوقت الشدة، فحالة الذئاب النفسية كحالة النحل الذي طرد من خلاياه فأصابه الرعب والفزع.
ويواصل الشنفرى حديثه عن الذئاب التي تجمعت حول الذئب الجائع حين دعاها فيصفها في البيت ٣١ بأن أفواهها واسعة مرتخية، وأن أشدقها كذلك وقد تضامت شفاهها لجفافها فبدت مشقوقة الجوانب كأنها الشقوق في العصي، وكذلك كانت عابسة مغبرة
стр. 39
الوجه كريهة المنظر، يريد أن يقول إن الهزال أصاب كل جزء في أجسامها حتى الشفاه إذا فتحت فاهًا بدت مرتخية، وإن أغلقته فنهايته صارت مجرد خط رفيع أشبه بالشقوق، وهذا من دقة الوصف والحرص على اكتمال الصورة وتوضيح كل جوانبها بحيث لا يند منه وصف، أو تفوته صورة.
وبعد هذا التصوير يلتفت الشاعر إلى العواء المتبادل بين الذئب الجائع وجماعته فحين ضج الذئب بالعواء والصياح، جاوبته الذئاب الأخرى من حوله فأصبحت الأصوات المنبغثة لاختلاف درجتها وشدتها وتداخلها كأن هذه الذئاب في مأتم تنوح فيه نساء ثكلى فوق ربوة عالية، فصياح الجميع كصياح نساء معولات فوق مرتفع من الأرض لفقد أولادهن، فالذئب استعوى أشباهه فعوت، كما تهيج النائحة بقية النساء في مأتم.
ثم يقول أن الذئب الجامع والذئاب الرفاق تجمعها حالة واحدة وإحساس مشترك بألم الجوع، فلما يئس الذئب من الطعام ولم يفده العواء سكت ولم يضج فسكت أخوانه، وتعزى هو عن فقد القوت، وتعزت هي به، فكلاهما يعزي الآخر ويتأسى به في الصبر والتجلد على الجوع.
ويبدو أن الذئب نفد صبره ولم يطق الصمت فشكى حاله لرفاقه بالعواء والضجيج فتشكت الذئاب كذلك وأظهرت حالها، ثم كف
стр. 40
عن الشكوى بعد ذلك فكفت هي كذلك لأنهما لم يجدا من ذلك نفعًا، وإذا كانت الشكوى لا جدوى منها فالصبر أجمل، والصبر أجمل بالإنسان إذا لم ينفعه التشكي.
وحين فقدت الذئاب الصيد، وعجزت عن تحقيق مآربها رجعت مسرعة كل إلى مأواه، وهي تحمل في نفسها ألم الجوع، ومرارة الحرمان، لكنها كانت تبدي التجلد والصبر، وتكتم ما تعانيه.
اللغة:
٣٦ الأسآر: جمع سؤر وهو بقية الشراب، ومنه الحديث: "إذا شربتم فاسئروا" أي: أبقوا شيئا من الشراب في قعر الإناء، قال الأخطل:
وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسآر
أي لا يسئر الأناء سؤرا، بل يشتقه كله:
القطا: نوع من الطير مشهور بسرعته، الكدر: جمع، المذكر فيه أكدر والأنثى كدراء، وهي ما كان في لونها غبرة مع نقطة في الظهر، والكدر تقع وصفا للقطا، والقرب بفتح القاف والراء السير إلى الماء وبينك وبينه مسير ليلة واحدة، فهو كما قال الأصمعي سير الليل لورد الغد، والقارب: الذي يطلب الماء.
الأحتاء: جمع حنو وهو الجانب، تتصلصل: يصدر منها صوت معين فيه صلصلة هو صوت العطش، أو المقصود بالإحناء الأحشاء والمقصود بالصلصلة على هذا هو صوت الإمعاء.
٣٧ هممت وهمت: الهم: العزم وقد صدر منه ومن القطا العزم على طلب الماء والإستعداد نحوه، ابتدرنا: سابق كل منا الآخر، واسدلت: يعني القطا بمعنى أرخت أجنحتها لتعبها، وأصل الأسدال أرخاء الثوب، شمر: يمعنى جد في السير، وألفاظ: السابق المتقدم إلى الماء
стр. 43
يتقدم الواردة ليهيء لهم الأرسان والدلاء ويملأ الحياض، ومنه قول النبي ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض" أي أنا متقدمكم.
٣٨ تكبو: تتساقط من الضعف والإعياء طوال الليل، والعَقر: مكان الساقي من الحوض يكون فيه ما يتساقط من الماء عند أخذه، يباشره: يلامسه، ذقون: جمع ذقن، وحوصل: جمع حوصلة وهي معدة الطائر أسفل رقبته.
٣٩ وغاها: أصواتها ومنه قيل للحرب وغى لما فيها من الصوت والجلبة، وحجرتاه: جانباه، والضمير في حجرتيه يعود على الماء أضاميم: جمع إضمامه وهم القوم ينضم بعضهم إلى بعض في السفر، السَفْر: بفتح السين وسكون الفاء جمع السَّافر وهم المسافرون، ومنه قول أبي تمام في رثاء محمد بن حميد الطرسي:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السَّفَر السَّفْرُ
النزل: النازلون، يريد الشنفرى المسافر الذي يحط رحله وينزل.
٤٠ توافين: توافدن وأقلبن أي جماعة القطا، من شتى: أي من أماكن وجهات متفرقة، ضمها: جمعها، الأذواد: وهو ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، الأصاريم: جمع أصرم، وأصرم جمع صرم وهي
стр. 44
القطعة من الإبل نحو الثلاثين، المنهل: مورد الماء الذي ينهل منه ترده الإبل في المراعي، ومنه قول كعب بن زهير:١
تجلو عَوارض ذِي ظَلَمٍ إِذا ابتسمت ... كَأَنه منهل بالراح معلول
٤١ العب: شرب الماء من غير مص، بأن يصب في الحلق مرة واحدة، وفي الحديث: "مصوا الماء مصًا ولا تعبوه عبا"، غشاشًا: مسرعة على عجل، والركب: أصحاب الإبل في السفر خاصة دون الدواب الأخرى والركب جمع وهم العشرة فما فوقهم، ويجوز أن يطلق الركب على راكبي الخيل كذلك كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ ٢ فقد يجوز أن يكونوا ركب خيل أو ركب إبل، وربما كان الجيش يتكون منهما معًا. أحاظة: اسم قبيلة من الأزد شربت مستعجلة، مجفل: مسرع خوفًا، ومن عادة المذعور أن يسرع هربًا من مصدر الإزعاج، يقال: ربح مجفل، وجافلة: سريعة، وفي الحديث: "ما يلي رجل شيئًا من أمور المسلمين إلا جيء به فيجفل على شفير جهنم".
стр. 45
التحليل:
وفي هذه الأبيات يعلن الشنفرى عن بعض مقومات الصعلكة التي لا تتوافر لكل صعلوك وهي سرعة العدو، وهي وإن كانت تتوافر في غيره إلا أن هذه الموهبة قد تحققت لديه بصورة جعلته مضرب المثل في ذلك حتى قيل: أعدى من الشنفري، أعدى من السليك بن السلكة، وقد ضرب مثلًا على سرعته وقدم دليلًا محسوسًا فهذه طيور القطا المعهودة بسرعتها بين الطيور يفوقها الشنفرى في عدوه، ويسبقها إذا سابقته في الوصل إلى الماء، فيشرب منه ويرتوي قبل أن تصل إليه، فإذا ما وصلت لا تجد إلا قليلًا من الماء وهو ما تبقى منه، فهو يسبقها مع إلحاح العطش عليها الذي يجعلها تضرب بجناحيها أحشاءها وتصلصل وهذا ما يريد في سرعتها ومع ذلك يتفوق عليها.
ثم يقول وحين بدأ السباق أدرك القطا الإعياء وبدا عليه التعب فأرخى أجنحته، بينما شمرت عن ساعد الجد فأصبحت متقدمًا عليها مع تمهلي في السير ثقة في السبق ويقينًا مني بعجزها عن ملاحقتي فكأنه ادخر الكثير من قوته ولم يبذل منها إلا ما يوفر له السبق ويضمن الفوز، فهو معجب بنفسه واثق من قدرته.
ثم يستطرد في وصف القطا ومدى ما ألم بها من الظمأ على عادته في استقصاء الوصف، فبعد أن ورد الماء وصدر عنه جاءت هذه الطيور تتساقط نحوه لا تملك لنفسها دفعًا لتروي عطشها، فتنغمس فيه
стр. 46
بمناقيرها وحوصلها محدثة أصواتًا مختلطة تعبيرًا عن فرحتها برؤية الماء وسعادتها بالوصول إليه، وكأن هذه الأصوات أصوات جماعات القبائل المسافرة من الرجال والنساء والأطفال ومعهم دوابهم وأمتعتهم فآبوا بعد سفر وقفلوا راجعين على أوطانهم، فهم يحدثون جلبة وأصواتًا متنوعة فالعلاقة هنا بين أصوات القطا الظمآ وأصوات المسافرين بعد رجوعهم فالبهجة والسعادة تغمر الجميع هذا يسر بالوصول إلى الماء وذاك يفرح بالإياب.
وتعجب لهذه الطيور التي اجتمعت على الماء وتوافدت إليه فأتت من أماكن متفرقة يضمها مورد واحد، كما تجمعت جماعات إبل حي من أحياء العرب عند حوض الماء وتزاحمت عليه فتكاثر القطا وتجمعها حول الماء كتجمع الإبل عليه.
ولا يفوت الشاعر أن يصور لنا كيفية شرب القطا، فهي لشدة ظمئها وتلهفها على الماء عبته عبًا في إسراع وعجلة من غير مص، ثم عادت مسرعة محلقة في الفضاء الفسيح كأنها ركب من بني إحاظة يسرع عند الصباح في سيرة.
وقد يكون المقصود بقر إحاظة، فاجأه خطر ففر مسرعًا ويكون المراد تصوير القطا في سرعته بعد قفوله من منهل الماء وإسراعه في الطيران متفرقًا بصورة قطيع من الحيوان فاجأه الخطر ففر مذعورًا مسرعًا.
стр. 47
ويخيل لي أن الشاعر لم يكن يعنيه تصوير سرعة هذه الطيور بقدر ما كان يعنيه التعريض بهذه القبيلة، وكأنها صارت مثلًا للجبن الذي من أحد مظاهره الجد في الهرب١.
стр. 48
صموده أمام خشونة الحياة ونواميس الطبيعة
...
وآلَفُ وجه الأرض عند افتراشها ... بِأَهْدَأَ تنبيه سنا سِنُ قُحَّلُ
وأَعْدَلُ منحوضًا كأن فصوصه ... كعاب دحاها لاعبٌ فهي مُثَّلُ
فإن تبتئس بالشنفرى أُمُّ قَسْطَل
... لما اغتبطت بالشنفرى قَبْلُ أَطْوَلُ
طَرِيْدُ جِنَايَاتٍ تَيَاسَرْنَ لَحْمَهُ ... عَقِيْرَتُهُ لَأْيَهَا حُمَّ أَوَّلُ
تَنَامُ إِذَا مَا نَامَ يَقْظَى عيونها ... حِثَاثًا إلى مكروهِهِ تَتَغَلْغَلُ
وَإِلْفُ هُمُوْمٍ مَا تَزَالُ تَعُوده ... إعِيَادًا كَحُمَى الرَّبْعِ أو هي أثْقَلُ
ذَا وَرَدَتْ أَصْدَرْتُهَا ثُمَّ إِنَّهَا ... تَثُوبُ فَتَأْتي من تُحَيْتٍ وَمِنْ عَلُ
اللغة
٤٢ آلف: من الإلف وهو التعود، والأهدأ: الشديد الثبوت مشتق من الهدوء، وهو نعت لمنعوت محذوف أي بمنكب أهدأ أو جنب أهدأ.
تنبيه: ترفعه وتبعده، يقال: نبا بصره عنه أي تجافى عنه ولم ينظر إليه. السناسن: مفردها سنسن وهي ما يظهر من فقار الظهر أي العمود الفقري، قحل: جمع قاحل وهو اليابس، وفي حديث وقعة الجمل: كيف نرد شيخكم وقد قحل؟ أي مات وجف جلده.
٤٣ أعدل: أتوسد، المنحوض: القليل اللحم -أي: أتوسد ذراعًا منحوضًا، الفصوص: مفاصل العظام الواحد فص يعني مفاصل ذراعه، كعاب: قطع من أنابيب القصب كان يعد للَّعب به، دحاها: بسطها وسواها وهو تعبير قرآني قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ١ مثل: جمل ماثل وماثلة وهو المنصوب المرئي للعين.
٤٤ تبتئس: تحزن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢، القسطل: الغبار، القصطل بالصاد كذلك.
وأم قسطل: الحرب لأنها تثير الغبار، اغتبطت: فرحت، فالحرب أن حزنت لفراق الشنفرى الآن فطالما اعتبطت به قبل ذلك.
стр. 51
٤٥ الطريد: المطرود المبعد -أي: يطارده غيره، والجنايات يعني إغاراته على الأعداء خلال فترة الصعلكة، تياسرن لحمه: اقتسمن لحمه كما يقتسم الجزور في لعب الميسر، العقيرة: جثة المقتول أنسانًا أو حيوانًا أو نفسه. حم: نزل وتحقق، ومنه حم القضاء إذا نزل بصاحبه.
٤٦ تنام إذا نام: أي: تنام الجنايات إذا هو نام، لكنها في نومها يقظى عيونها، حثاثًا: سراعًا إلى مكروهه، تتغلغل: تتعمق وتستقصي البحث عنه.
٤٧ الإلف: التعود، فهو متعود على الهموم حتى آلفها، الربع: بكسر الراء المشددة الحمى التي تنتاب صاحبها كل رابع يوم.
٤٨ إذا وردت: يعني إذا حضرت الهموم صرفتها وطردتها تثوب: ترجع: تحيت تصغير تحت، من عل: من أعلى وهي مبنية على الضم.
٤٩ ابنة الرمل: الحية أو البقرة الوحشية، ضاحيًا: بارزًا، للحر وللبرد/ والمراد هنا التعرض للحر، الرقة: سوء العيش ورقة الحال، يعني ذلك الفقر، أحفى: من الحفاء وهو عدم لبس النعل.
٥٠ مولي الصبر: وليه وصاحبه، اجتاب: اكتسى وألبس، البز: الثياب، أو نوع منه، السمع بكسر السين المشددة ولد الذئب من الضبع وهو أشجع الذئاب، ومثل قلبه يعني شجاعته والحزم ضبط الإنسان أمره
стр. 52
والأخذ فيه بثقة. أنعل، أتخذه نعلًا، أي أتخذ الحزم نعلًا، كناية عن اقتناعه بمسلكه ومضيه فيه بثقة.
٥١أعدم: افتقر مأخوذ من العَدَم بفتح العين والدال البعدة بكسر الباء وضمها بمعنى الإبعاد والتوغل في الأرض، أو المراد البعيد الهمة العريض الآمال، المتبذل: الذي يبذل نفسه ولا يصونها ولا يهتم بسترها.
٥٢ الجزع: بصيغة المبالغة الذي لا يقدر على الصبر عند المكروه الخلة بفتح الخاء الفقر والحاجة، قال الشاعر:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب ما لي ولا جزع
٥٣ تزدهي: تستخف، الأجهال: السفهاء، السئول: الملح في سؤال الناس، أعقاب الأقاويل: أواخر الأحاديث، أُنْمِل: بضم الهمزة وكسر الميم أنقل الحديث بين الناس على جهة النميمة.
стр. 53
التحليل:
ثم يعرض الشاعر الألوان من المخاطر التي يتعرض لها متصديًا لنواميس الطبيعة المهلكة ويسعى إلى النجاة منها، مصورًا هزاله ونحافة جسمه فحين ينام يفترش الأرض دون فراش أو وساد على الرغم من نحوله وضموره ويستعين عن ذلك بظهر يابس العظام، فإذا انبسط على الأرض حالت أضلاعه ورءوس عظام ظهره دون وصول جسمه إليها، فيظل مرتفعًا عنها للدلالة على خلو جسمه من اللحم، فهو هيكل عظمي، وذراعه خال كذلك من اللحم وحين يتوسده، إنما يتوسد عظامًا جافة كأنها قطع من حديد، أو كأن فواصل عظامها كعاب يلعب بها اللاعب فتنتصب أمامه، يريد أنه قليل اللحم وله عظام شديدة.
لقد ألف هذه المشاق وألفتة وتكيف مع هذا الوضع الجديد الذي يدل على عصاميته واعتداده بفرديته وسعادته بانتصاره على الطبيعة والكون من حوله على أنه الآن يشارك في الحروب التي كان يشنها قومه على أعدائهم فقد كان ذلك قبل حياة الصعلكة حيث كانت تعرفه الحروب، ويدلي فيها بدلوه، وتفرح بمزاولته لها وأثارثه إياها، وقد انصرف بعد ذلك إلى الصراع الخاص به والصعاليك، فإن حزنت الحرب لمفارقة الشنفرى لها الآن، فطالما اغتبطت وسرت به قبل ذلك.
стр. 54
ولقد كثرت جناياته وتعددت إغاراته وقتل الكثير من بني سلامان ومن غيرهم حتى بات الناس يطلبونه حيثما وجدوه ليقتلوه، فهو الآن مطارد ومطالب بجنايات تكاثرت عليه بحيث لا يكاد يعرف بأيها تؤخذ نفسه، على أن أصحاب هذه الجنايات باتوا يترصدونه، ويحرصون على الوصول إليه والتمكن منه وإن ناموا ظلت عيونهم يقظى باحثة عنه مترصدة له تدبر الانتقام منه والأخذ بثأرهم مبالغة في تصوير الجد في البحث عنه.
ولذلك فلا عجب أن تألفه الهموم وتعتاده وتتردد عليه في نظام يكاد يكون ثابتًا كأنها الحمى التي تعاود المريض من وقت لآخر، وربما كانت أشد وأثقل عليه منها، فهو تعبير عن ضيقه وقلقه ويظل في صراع مع هذه الهموم، كلما صرفها عادت من حيث أتت فتحدق به من كل جانب وأخيرًا يخاطب صاحبته التي تخيلها على عادة الشعراء الجاهلين معتزًا بشمائله وماركب فيه من صفات، فإن كان مظهره ينبئ عن فقر وحرمان، فيبدو عاري الجسد وكأنه حية تتحرك بجلدها المكشوف لا يجد ما يستر جسمه أو يظله ويقيه حر الشمس، إن كانت تراه كذلك وتراه مرة يمشي حافيًا ومرة يلبس نعلًا فإن جوهره غني بالفضائل فهو حليف الصبر، يلبس ثوبه على قلب شجاع كقلب السمع حتى لا يظن أحد أن الصبر ضعف، وفوق هذا فهو شديد الحزم حتى كأن الحزم نعل في قدميه، ولذلك فلا يجعل المال هدفه ولا يحرص للحصول عليه فشغله الشاغل في ترقب
стр. 55
الهجمة والمباغتة، أما الفقرة والغنى فكلاهما أمر طارئ غير ذي شأن، فلا سلطان لهما عليمه لا يخالف الفقر ولا يجزع منه فيكشف حاجته للناس، ولا يبطره الغنى ويطغيه:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جزع من صرفه المتقلب
وهكذا المبادئ في حياة أصحابها، تطبعهم على الموقف الواحد الذي لا يعرف التلون أو الخشوع، أما غيرهم ممن يركبون كل موجه فأولئك لا يحرصون على فضيلة أو يلتزمون بقيمة.
ومن تقلب في الأحزان منتجعا ... أن اقفر الشام ألفيناه في اليمن
وهكذا كان الشنفرى لا يستخفه الجهلاء والحمقى، ولا يتحدث فيما لا يعنيه ولا يقحم نفسه في أمر لا يهمه ولا يحرصون على إثارة الفتن والإفساد بين الناس فهذا ليس من خلقه، بل كل ما يعنيه أن يجالد في سبيل ما يدين به مهما كانت النتائج.
وَيَوْمٌ مِنَ الشِّعْرَى يَذُوبُ لُوَابُه ... أَفَاعِيْهِ فِي رَمْضَائِهِ تَتَمَلْمَلُ
نَصَبْتُ لَهُ وَجْهِي وَلا كِنَّ دُونَهُ ... وَلا سِتْرَ إِلَّا الأَتْحَمِيُّ الْمُرَعْبَلُ
وَضَافٍ إِذَا هَبَّتْ لَهُ الرِّيْحُ طَيَّرَتْ ... لَبَائِدَ عَنْ أَعْطَافِهِ مَا تَرَجَّلُ
بَعيدٌ بِمَس الدُهْنِ والْفَلْي عَهْدُه ... لَهُ عَبْسٌ عَافٍ مِنَ الْغُسْلِ مُحْولُ
٦٤ اللغة:
٥٤ النحس: ضد السعد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ١ والنحس شدة البرد وهو المراد هنا، وإصطلاء النار: الاستدفاء بها، ويصطلي القوس: يوقدها ليستفء بها من شدة البرد، ربها: صاحبها الأقطع: جمع قطع بكسر القاف وهو نصل عريض السهم، قال ساعدة بن جؤية:
стр. 58
وشقت ما قاطيع الرماة فؤاده ... إذا يسمع الصوت المغرد يصلد
٥٥ دعست: سرت أطأ الأرض بشدة، الغَطْش: بفتح فسكون: ظلام حالك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ١ البغش: المطر الخفيف، وفي الحديث عن أبي المليح الهذلي عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر، فأصابنا بغش من مطر ... "وفي رواية" فاصابنا بغيش تصغير بغش.
السُعار: بضم السين شدة الجوع وأصله حر النار، فاستعير لشدة الجوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ ٢، الأرزيز: البرد الشديد، الوجر: الخوف، الأفكل: الرعدة والارتعاش، وفي حديث عائشة: فأخذني أفكل فارتعدت من شدة الغيرة.
٥٦ أيمت: الأيم: من لازوج لها من النساء، وكذا من لازوج له من الرجال، وأيمت المرأه جعلتها تفقد زوجها بمعنى أن يقتل زوجها، قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ٣، وأيتمهم: جعلتهم يتامى، واليتم من الإنسان من فقد أباه حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم، والجمع أيتام ويتامى، ويتمه، ولا يقال:
стр. 59
لمن فقد الأم يتيم، ولكنه منقطع، واليتم في البهائم يكون من قبل الأم، والدة: أولاد، وأبدأت: بدأت، وليل أَلْيَل: شديد الظلام.
٥٧ الغميصاء: اسم المكان الذي أغار عليه بنجد، جالسًا: قد يكون معناه، قاصدًا بلاد الجن وهي نجد.
٥٨ هرت الكلاب: نبحت والهرير أضعف من النباح، والعسس: حراس الأمن بالليل، والفرعل: بضم الفاء والعين ولد الضبع، والأنثى فرعلة، وفي المثل: أغزل من فرعل، وهو من الغزل والمراودة.
٥٩ النبأة: الصوت الضعيف، هومت: نامت يعني الكلاب، القطاة: نوع من الطير، ريع: أفزع من الروع وهو الخوف، الأجدل: الصقر.
٦٠ البَرح: الشدة والقوة، وأبرح تفضيل بمعنى أشد وأعظم، والطارق: القادم بالليل، والهاء في ماكها إما ضمير مؤنث أو اسم إشارة هذا، أي ما مثل فعلته، أو ما مثل هذا الذي فعله.
٦١ يوم من الشعرى: الشعرى: كوكب في الجوزاء يظهر في ليالي الحر الشديد، أي: يوم من أيام الحر التي يطلع فيها الشعرى، اللواب: اللعاب وهو ما تراه في شدة الحر مثل خيوط العنكبوت في الفضاء وذلك حين يكون الحر مصحوبًا برطوبة. الأفاعي: جمع الأفعى وهي الحية، والرمض: حرارة الشمس على سطح الأرض،
стр. 60
وأرض رمضاء أصابها الرمض وهو شدة الحر، تتململ: تتحرك وتضطرب.
٦٢ نصب له وجهي: تعرضت له بوجهي وأقمته في مواجهته، الكن بكسر الكاف الستر، الاتحمى: الثوب الممزق، وهو ضرب من البرود، قال عوف بن عطية:
كميتا كحاشية الاتحمى ... لم يرع الصنع فيها عوارا
٦٣ الضافي الطويل السابغ يعني شعره، اللبائد: جمع لبيدة وهي ما تدلى من الشعر على الكتفين في تجمع وتلاصق، العطف بكسر العين هو الجانب، ترجل: تسرح وتمشط.
٦٤- بعيد: منذ زمن طويل يعني شعره، والفلى: التفلية وهي تنقية الرأس من القمل، العبس: بفتح العين والباء: ما تعلق باذناب الإبل والغنم من الروث والبعر فجف عليها، عاف: كثير وهو وصف للعبس، محول: أي أتى عليه الحول من الغسل من آتى عليه الحول ولم يغسل.
стр. 61
التحليل:
وفي هذه المجموعة من الأبيات نلتقي بالشنفرى في إحدى غاراته الليلية، وفي جانب من بطولته التي ظهرت على مسرح الشتاء القارس فهو يخرج في ليلة شديدة البرد يصنع فيها ما لا يستطيع غيره أن يصنعه, فالليلة لا يطاق بردها في بحيث يقسر صاحب القوس أن يشغلها ويصطلي بها, وصاحب القوس أشد حرصا عليها؛ لأنها وسيلته للدفاع عن نفسه ومع ذلك فهو يوقدها ليستدفئ عليها، ويحطم سهامه التي يرمي بها ويجازف بفقد أهم ما يحتاج إليه، أما هو فإنه يخرج ويتحدى الطبيعة في تلك الليلة الليلاء الشديدة الإظلام التي يهطل مطرها لا يصحبه فيها إلا ما يزيده ضنى وهلاكا وهو الجوع الشديد الذي يشبه النار المحرقة، والبرد القارس الذي يرعد الفرائص، والخوف والرعدة من الصقيع يسري في جسمه، ومع ذلك فهو لا يخشى شيئا ولا يرهب عدوا، بل يمضي إلى غاراته محققا ما اعتزم عليه ثم يعود سالما، مخلفا وراءه آثار غارته من رجال لقوا مصرعهم فأصبحت نساؤهم أيامى وأولادهم يتامى، وقد حقق ذلك في وقت وجيز فلقد عاد كما بدا والليل أليل ومازال الظلام دامسا، وحين أصبح الصباح فتح القوم عيونهم على الحقيقة وأصبحوا يتساءلون في دهشة من الذي أغار عليهم يتعجبون من سرعة الغارة، والآثار التي ترتبت عليها وتمخضت عنها وقالوا: لقد سمعنا في الليل كلابا تنبح، فقلنا: هل طاف بالحي ذئب أم طاف بالحمى ضبع
стр. 62
واشتد الجدل بين القوم وطال الحوار وعقدت الدهشة ألسنتهم, ثم قالوا: إن صوت الكلاب لم يستمر وإنما كان ضعيفا ثم نامت الكلاب بعد أن عوت صوت واحد لعلها قطاة روعت أو أصوات صقر مفزع فأحست الكلاب ذلك ثم سكتت، فالشاعر هنا يصف خفته وسرعته ومهارته.
ثم يعود إلى ما تخيله من حديث القوم عنه بعد غارته المفاجئة والتي تركت القوم في حيرة وتعجب من أمرهم، فقد تعودوا أن يقوم بالغارة عدد كبير, أما أن تكون بهذه الصورة ثم تترك هذه الآثار السيئة فذلك مالم يتعودوه وما يدعو إلى الدهشة، ترى هل هذا الطارق من الجن؟ إن كان كذلك فما أشده من مغير فقد بالغ في سوء صنيعه, وقد يكون من الإنس ولكن الإنس لا تستطيع أن تفعل فعله؛ فقد تركهم في دهشة بين أن يكون جنيا أو إنسيا، على أن أفعال الشنفرى أشبه بأفعال الجن ذلك ما خامر القوم، وربما وقع في أذهانهم أن الأمر قد يستمر على هذه الصورة، ولئن استمر في تلك الأفعال الخارقة، فهذا من شأنه أن يصيب القوم بالهلع والفزع.
ويفخر الشنفرى بتعرضه للحر الشديد الذي يشوي الوجوه والأجسام من الإنسان والحيوان فيقول: قد يمر به يوم من أيام الحر الشديد التي تطلع في الشعرى، وتنتشر آثار الحرارة في الفضاء حتى لا تكاد الأفاعي تستقر على رمضائه مع أنها نشأت في هذه البيئة وتعودت عليها، كنت أنا أنصب وجهي وأواجه هذا الحر ولفح الشمس
стр. 63
لا يسترني عنها ستر ولا وقاية سوى برد ممزق وثوب تخلله الخروق والثقوب.
فوجهه لا يستره إلا ثوب بال ولا يتظلل بشيء إلا بشعر رأسه المتكاثف الذي تلبد من طول إهمال تنظيفه، فإذا هبت الرياح لا تفرقه بل تظل لبائده متماسكة وتطيره لبدا لبدا فشعره قد بعد بالدهن والفلي، فتراكمت عليه الأوساخ والأقذار حتى أصبح له مثل العبس الذي يعلق بأذناب الإبل والغنم إذ يمضي عليه الحول دون أن يغسل أو ينظف.
стр. 64
ب ٦٥-٦٨ قدرته على العدو والتنقل:
وَخَرْق كَظَهْر التُّرس قَفْر قطعْتُه ... بعاملتَيْن ظَهْرُهُ لَيْسَ يعمُلُ
فألحقت أُولاه بأُخراه مُوفيًا ... على قُنَّة أفعى مرارا وأمثلُ
ترود الأراوي الصحم حول كأنها ... عذارى عليهن المُلاء المذيلُ
ويركدن بالأصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعْقَلُ
اللغة
٦٥ الخرق: بفتح الخاء, الأرض الواسعة تتخرق فيها الرياح، قال معقل بن خويلد:
وإنهما لجوابا خروق
الترس: بضم التاء ما يتخذه الفارس في القتال ليتقي به ضربات السيوف، قفر مقفرة ليس بها أحد، والعاملتان: رجلاه، ظهره: يعني ظهر الخرق، ليس يعمل: لم يقطعه إنسان لأنه يتعذر فيه السير.
стр. 65
٦٦ فألحقت أولاه بأخراه: أي لم يعد هناك فارق بين أوله وآخره لشدة العدو، موفيا: مشرفا، القنة: أعلى الجبل، أقعى: أقعد قعدة معينة وهي أن يلصق الرجل مقعده بالأرض, وينصب ساقيه مسندا ظهره، أمثل: انتصب واقفا.
٦٧ ترود: تذهب وتجيء، الأراوي: جمع أروية وهي أنثى الوعل الصحم: جمع أصحم، وهي الوعول السود التي يميل لونها إلى الصفرة، العذارى: جمع عذراء وهي البكر من الإناث، الملاء: نوع من الثياب، المذيل: المهدب الطويل الذيل، قال امرؤ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في الملاء المذيل
٦٨ يركدن: يثبن في سكون، الآصال: جمع أصيل وهي الوقت من العصر إلى المغرب، وهو تعبير قرآني قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ , رِجَالٌ﴾ ١، العصم: جمع أعصم وهو الوعل الذي في ذارعيه بياض، الأدفى: الوعل طال قرنه نحو أذنيه، الكيح: عرض الجبل وناحيته، الأعقل: المتحصن بمعقل أي في جبل عال.
стр. 66
التحليل:
وفي هذه المجموعة يتحدث الشنفرى عن الصحراء الموحشة التي يعز على السابلة سلوكها، أما هو فإنه يقطعها على قدميه ويطويها طيا، بل إنه لشدة عدوه أمحت المسافات ولم يعد هناك فارق كبير بين أولها وآخرها، فطورا تراه مشرفا على أعلى الجبال، وكان الصعاليك يتخذون من أعلى الجبال مراقب يراقبون منها الطريق، وطورا تراه في السفح إذا احس نصبا أو جهدا وكان سبيله إلى الراحة القعود على ركبتيه، بغية أن يلتقط أنفاسه ثم لا يلبث أن يعود إلى العدو، ولا يحدث ذلك منه مرة واحدة، وإنما يصنعه مرارا حتى ألفته الصحراء وأنست به وعولها فصارت تذهب وتجيء حوله في غير نفرة أو خوف، وهي بشعرها الطويل وذيولها المنسدلة كأنها في غير نفرة أو خوف، وهي بشعرها الطويل وذيولها المنسدلة كأنها عذارى لابسات ثيابا طويلة الذيل، ليس هذا فحسب ولكن أمرها معه بلغ ما هو أبعد من ذلك؛ إذ تظل ثابتة في مكانها حين تراه؛ لأن بينها وبينه ألفة وميلا، فإذا جاء وقت الأصيل راحت تتحلق به وكأنها إناث تلتف حول ذكر قوي منيع ألفها وألفته.
стр. 67
رؤية تاريخية ونظرة في مضمون القصيدة
لم تحظ قصيدة عربية في القديم أو الحديث بمثل ما حظيت به لامية الشنفرى من اهتمام وعناية من الباحثين والدارسين، فقد تداولها الرواة، وتناقلها كثير من العلماء بالشرح والتحليل،
ولعل أشهر هذه الشروح هو: أعجب العجب في شرح لامية العرب للزمخشري١, كما شرحها المبرد ت ٢٨٥ وهو أول شارح لها, وشرحها أبو بكر بن دريد ت ٣٢١، وعبد الله بن الحسين العكبري ت ٦١٦، كما ذكر القصيدة بأكملها أبو علي القالي في أماليه، ثم جاء المستشرقون وأولعوا بها وأكبوا على دراستها وترجموها إلى اللغات الأوربية المختلفة.
فهذا بروكلمان صاحب كتاب تاريخ الأدب العربي يسرد كثيرا من دراسات المستشرقين وترجماتهم لها، ويصف اللامية بأنها تمثل مذهبا شعريا مستقلا، كما أكد ذلك جورج ياكوب في تقديمه للامية, وعلى حين يجعل الشعر الجاهلي وصف الطبيعة من الجبال والفيافي وغيرها غرضا مقصودا لذاته، يتخذ شاعر اللامية هذا الوصف بمثابة منظر أساسي بهيج لتصوير الإنسان نفسه وإعماله٢,
стр. 68
ويعقب على هذا الحديث بأنها قصيدة لامعة بين قصائد الشعر الجاهلي وأنها للشنفرى وليست لغيره.
ولعل سر هذا الإهتمام الكبير من العرب والمستشرقين بهذه القصيدة حتى تؤلف فيها هذه الشروح المتعددة وحتى يحرص الغربيون على ترجمتها إلى لغتهم أنها تصور لونا من ألوان الحياة العربية وتعبر عن حياة طائفة من هذا المجتمع وهم الصعاليك، كما تصور البيئة التي اتخذوها موطنا لصعلكتهم وميدانا لنشاطهم ومركزا لغاراتهم، بما تشتمل عليه هذه البيئة من خصائص مناخية أو طبيعية كل هذا في أسلوب شعري متفرد متميز، بالإضافة إلى القاموس الشعري الخاص بها والمادة اللغوية التي حوتها، وقد صورت القصيدة حياة الصعاليك ومعيشتهم ومدى ما يتعرضون له من المشاق وما يكابدون في حياتهم من الجوع وشظف العيش وقسوة الحرمان، بالإضافة إلى خصائصهم الجسمية والنفسية، فهي صورة صادقة لما عرف عن شعرهم وعن أخبارهم، وكأن الإهتمام بها راجع لغرض لغوي، وآخر اجتماعي.
ولذا كانت هذه القصيدة اللامية درة أدبية ثمينة.
٢ وحين أشرقت شمس الإسلام وسطعت أنواره على بلاد العجم اختلط الفرس بالعرب وحفظوا أشعارهم، ثم ظهر التنافس بين العرب والموالي، وأصبح العرب يفتخرون على الفرس وينافسونهم
стр. 69
وكان مجال المنافسة والفخر بالنسبة للعرب في قدرتهم على نظم الشعر واتخاذه وسيلة للتعبير عن كل شأن من شئون الحياة، وبادلهم العجم فخرا بفخر، فإذا كان عند العرب شعراء فإن عند الموالي شعراء، وإذا نبغ العرب في قرض الشعر وبلغوا فيه غاية الجودة فليحاول شعراء الموالي أن يكون شعرهم منافسا للعرب في الجودة وأن يتفوقوا عليهم، وإذا كان للعرب ماض عريق وتاريخ مشرف وأدب يعتزون به، فقد حاول العجم أن يتلمسوا أسباب القوة في تاريخهم ويبرزوا مافيه من مواقف مشرفة يتفنون بها ويحاولون فيها التفوق على العرب، وظهرت بداية هذا التنافس في العصر الأموي بصورة خافتة؛ لأنهم كانوا يخشون بطش الخلفاء, ويهابون سلطانهم فالدولة كانت عربية صميمة، وفي العصر العباسي ظهر ما عرف بالحركة الشعوبية التي تمثل الصراع والتنافس بين الشعب العربي والعنصر الفارسي إلى أن جاء القرن الخامس الهجري حين أنشأ الحسين بن علي الطغرائي قصيدته اللامية وسماها لامية العجم.
وافتتحها بقوله:
آصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
ومنذ ذلك الوقت أصبحت لامية الشنفرى تعرف بلامية العرب؛ لأنه إذا كانت قصيدة الطغرائي تسمى بلامية الع جم فلتكن قصيدة
стр. 70
الشنفرى لامية العرب، فالصراع الأدبي بين العرب والعجم هو الذي كان وراء إنشاد الطغرائي لقصيدته، فإذا كانت قصيدة الشنفرى مفخرة للعرب فلتكن قصيدة الطغرائي مجال فخر للعجم كذلك، ويبدو أن الطغرائي تلفت إلى قصيدة الشنفرى وحاول أن يحاكيه فيها سواء في الشكل أو في المضمون حيث أختار الطغرائي لقصيدته القالب الموسيقي الذي اختاره الشنفرى مستخدما كذلك حرف الروي الذي بنى عليه الشنفرى قصديته، كما أحتذى الطغرائي في قصيدته الجو النفسي الذي سيطر على لامية العرب وهو هجر الناس والاعتزام على البعد عنهم، حيث يقول الطغرائي في بداية قصيدته:
فيم الإقامة بالزوراء لا سكنى ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ثم يقول:
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
وهذا قريب من قول الشنفرى:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فأني إلى قوم سواكم لأميل
стр. 71
ظهر شخصية الشنفرى من خلال لاميته
...
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل
ولم يحاول أحد من النقاد سواء أكان من العرب أم من العجم المستشرقين أن يقارن بين القصيدتين فبينهما بون شاسع بحيث لا تصلح المقارنة بينهما، وإذا جاز لأحد أن يقارن بينهما فإنما يكون ذلك من باب المقارنة بين السيف والعصا، على حد قول القائل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا
وعلى كل فإن إنشاد الطغرائي للاميته هذه إنما يوحي بمدى الصراع والتنافس الذي كان بين العرب والعجم آنذاك.
٣ على أننا نستيطع أن نتلمس شخصية الشنفرى ونتمثلها واضحة من خلال قصيدته تلك, فقد كان الشنفرى من أغربة العرب الذين تسرب إليهم السواد من أمهاتهم الإماء، وشبهوا بالأغربة في لونهم, وكان العرب يكرهون السواد من كل شيء؛ لأنه يرمز عندهم إلى لون من السلالة المتخلفة التي لا تصلح لما يصلح له الأحرار, وقد نشأ صاحبنا مستعبدا في بني سلامان، تتدافعه القبائل وتزدريه, فشب يحمل عقدة الولادة ويرى ازدراء الناس له من غير ما ذنب جناه حتى
стр. 72
أصبح لا يطيق صحبة الناس ولا يتحمل رؤيتهم، وأحسن له أن يعيش بعيدا عنهم في الفلوات، ويألف البراري والقفار، ويساكن الوحوش، ويعقد علاقة حميمة بينه وبين الضباع والأسود فهي خير له من مصاحبة الناس:
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
وبالإضافة إلى عقدة السواد التي كانت تتسرب في أعماقه كان الشنفرى يحس بعدم الانتماء وربما كان هذا هو السبب الجوهري في خروجه على المجتمع وعلى الناس، ووجد أن الظلام ربيه وابن جلدته.
وكان صاحبنا ثائرا يرفض الواقع ويأباه هذا الواقع الذي أدرجه ضمن طبقة العبيد الذين قنعوا بالذل ورضوا به ولم يجدوا لأنفسهم خلاصا منه. أما الشنفرى فإن نفسه تأبى الضيم وترفض المهانة كما يقو هو عنها:
ولكن نفسا حرة لا تقيم به ... على الضيم إلا ريثما أتحول
стр. 73
ويتضح هذا في قوله للسلامية التي لطمته١:
ولو علمت قعسوس أنساب والدي ... ووالدها ظلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصبا ... وأمي ابنه الأحرار لو تعرفينها
وقوله مبينا سر خروجه:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متعزل
فإذا أضفنا إلى ذلك القبح الشديد في خلقة الشنفرى والدمامة التي تطالعها في وجهه وقسماته أدركنا سر نقمته على المجتمع وعلى بني سلامان خاصة, وإذا كان هؤلاء أقرباءه حيث أنهم فرع من الأزد التي منها عشيرته، فإن إساءات ذوي القربى وظلمهم أياه تحدث جراحات نفسية لا تلتئم فقد آتته الإساءة من حيث لا يحتسب بل من حيث ينتظر العون والمساندة. كما قال الشاعر القديم:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند
стр. 74
فشخصية الشنفرى إذن شخصية ثائرة بحكم الظروف التي أحاطت به والتي لا دخل له فيها.
وإذا كان للبيئة دورها في تشكيل شخصية الإنسان ونوازع مناحي تفكيره فمن اليسير أن تتصور مدى مساهمة هذه البيئة الجافة القاحلة المتقلبة المناخ في نفسية الشنفرى وسلوكه، فقد عرفت البرد الذي يعقد ذنب الكلب والحر الذي يذيب رأس الضب، وشهدت لونا من التضاد الجغرافي كذلك حيث الجبال الشاهقة والأغوار المنخفضة كل ذلك أثر في أخلاقه فجعله مبالغا في عداوته مبالغا في محبته على حد سواء، وهي بيئة مليئة بالمحاذر ومصادر الخطر فيها متعددة -شأن كل البيئات الصحراوية ففيها الحيوانات المفترسة والوحوش الضارية فضلا عن المخاطر التي يترقبها من الأعداء الذين يترصدونه والتي جعلته كما يقول عن نفسه:
طريد جنايات تياسون لحمه ... عقيرته لايها حم أول
هذه المخاطر جعلته شديد اليقظة دائم الحذر والانتباه, وهذا شأن الصعاليك جميعا، كما يقول تأبط شرا عن نفسه:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
стр. 75
وإذا كان الشنفرى يشعر بالمطاردة لكثرة الجنايات التي ارتكبها فقد كثر فتكه ببني سلامان وقضى على تسعة وتسعين شخصا منهم كما تروي إحدى الروايات, ولنا أن نتصور قبيلة فقدت هذا العدد الهائل من رجالها وعلى يد شخص واحد، كيف يكون شعورها، وقد عبر عن هذه الجرائم التي ارتكبها بقوله: طريد جنايات وليس جناية واحدة، وهذا مما زاد شعوره بالخوف فأرهف حسه وضاعف من حذره, وهو يتصف بالإباء الذي يفوق الوصف والذي جعله يهجر الناس ويؤثر عليهم أقسى ألوان الحياة, ويفضل ذلك على أطيب العيش وأرغده:
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
فهو لا يهجر الناس من أجل طلب العيش وحوزة المال، فلو أراد ذلك لتحقق له أكثر مما يريد، ولكنه يهجرهم حفاظا لمروءته وصونا لكرامته فلقد ترك بني سلامان مرددا:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متعزل
بل بلغت به العزة حدا جعله يقاوم الجوع ويغالبه، وقد كان الجوع حتما عليه لا قبل له بأن يدفعه أو يمتنع عن الشعور به، ومع ذلك كان يتناساه ويذهل عنه، أو يضرب الذكر عنه صفحا حتى ينتصر