← Адаб

Адаб · id 11184

دراسة في نصوص العصر الجاهلي تحليل وتذوق

السيد أحمد عمارة

Полный текст (287 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ظهر شخصية الشنفرى من خلال لاميته ... فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل ولم يحاول أحد من النقاد سواء أكان من العرب أم من العجم المستشرقين أن يقارن بين القصيدتين فبينهما بون شاسع بحيث لا تصلح المقارنة بينهما، وإذا جاز لأحد أن يقارن بينهما فإنما يكون ذلك من باب المقارنة بين السيف والعصا، على حد قول القائل: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا وعلى كل فإن إنشاد الطغرائي للاميته هذه إنما يوحي بمدى الصراع والتنافس الذي كان بين العرب والعجم آنذاك. ٣ على أننا نستيطع أن نتلمس شخصية الشنفرى ونتمثلها واضحة من خلال قصيدته تلك, فقد كان الشنفرى من أغربة العرب الذين تسرب إليهم السواد من أمهاتهم الإماء، وشبهوا بالأغربة في لونهم, وكان العرب يكرهون السواد من كل شيء؛ لأنه يرمز عندهم إلى لون من السلالة المتخلفة التي لا تصلح لما يصلح له الأحرار, وقد نشأ صاحبنا مستعبدا في بني سلامان، تتدافعه القبائل وتزدريه, فشب يحمل عقدة الولادة ويرى ازدراء الناس له من غير ما ذنب جناه حتى

стр. 72

أصبح لا يطيق صحبة الناس ولا يتحمل رؤيتهم، وأحسن له أن يعيش بعيدا عنهم في الفلوات، ويألف البراري والقفار، ويساكن الوحوش، ويعقد علاقة حميمة بينه وبين الضباع والأسود فهي خير له من مصاحبة الناس: هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل وبالإضافة إلى عقدة السواد التي كانت تتسرب في أعماقه كان الشنفرى يحس بعدم الانتماء وربما كان هذا هو السبب الجوهري في خروجه على المجتمع وعلى الناس، ووجد أن الظلام ربيه وابن جلدته. وكان صاحبنا ثائرا يرفض الواقع ويأباه هذا الواقع الذي أدرجه ضمن طبقة العبيد الذين قنعوا بالذل ورضوا به ولم يجدوا لأنفسهم خلاصا منه. أما الشنفرى فإن نفسه تأبى الضيم وترفض المهانة كما يقو هو عنها: ولكن نفسا حرة لا تقيم به ... على الضيم إلا ريثما أتحول

стр. 73

ويتضح هذا في قوله للسلامية التي لطمته١: ولو علمت قعسوس أنساب والدي ... ووالدها ظلت تقاصر دونها أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصبا ... وأمي ابنه الأحرار لو تعرفينها وقوله مبينا سر خروجه: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متعزل فإذا أضفنا إلى ذلك القبح الشديد في خلقة الشنفرى والدمامة التي تطالعها في وجهه وقسماته أدركنا سر نقمته على المجتمع وعلى بني سلامان خاصة, وإذا كان هؤلاء أقرباءه حيث أنهم فرع من الأزد التي منها عشيرته، فإن إساءات ذوي القربى وظلمهم أياه تحدث جراحات نفسية لا تلتئم فقد آتته الإساءة من حيث لا يحتسب بل من حيث ينتظر العون والمساندة. كما قال الشاعر القديم: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند

стр. 74

فشخصية الشنفرى إذن شخصية ثائرة بحكم الظروف التي أحاطت به والتي لا دخل له فيها. وإذا كان للبيئة دورها في تشكيل شخصية الإنسان ونوازع مناحي تفكيره فمن اليسير أن تتصور مدى مساهمة هذه البيئة الجافة القاحلة المتقلبة المناخ في نفسية الشنفرى وسلوكه، فقد عرفت البرد الذي يعقد ذنب الكلب والحر الذي يذيب رأس الضب، وشهدت لونا من التضاد الجغرافي كذلك حيث الجبال الشاهقة والأغوار المنخفضة كل ذلك أثر في أخلاقه فجعله مبالغا في عداوته مبالغا في محبته على حد سواء، وهي بيئة مليئة بالمحاذر ومصادر الخطر فيها متعددة -شأن كل البيئات الصحراوية ففيها الحيوانات المفترسة والوحوش الضارية فضلا عن المخاطر التي يترقبها من الأعداء الذين يترصدونه والتي جعلته كما يقول عن نفسه: طريد جنايات تياسون لحمه ... عقيرته لايها حم أول هذه المخاطر جعلته شديد اليقظة دائم الحذر والانتباه, وهذا شأن الصعاليك جميعا، كما يقول تأبط شرا عن نفسه: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم

стр. 75

وإذا كان الشنفرى يشعر بالمطاردة لكثرة الجنايات التي ارتكبها فقد كثر فتكه ببني سلامان وقضى على تسعة وتسعين شخصا منهم كما تروي إحدى الروايات, ولنا أن نتصور قبيلة فقدت هذا العدد الهائل من رجالها وعلى يد شخص واحد، كيف يكون شعورها، وقد عبر عن هذه الجرائم التي ارتكبها بقوله: طريد جنايات وليس جناية واحدة، وهذا مما زاد شعوره بالخوف فأرهف حسه وضاعف من حذره, وهو يتصف بالإباء الذي يفوق الوصف والذي جعله يهجر الناس ويؤثر عليهم أقسى ألوان الحياة, ويفضل ذلك على أطيب العيش وأرغده: ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل فهو لا يهجر الناس من أجل طلب العيش وحوزة المال، فلو أراد ذلك لتحقق له أكثر مما يريد، ولكنه يهجرهم حفاظا لمروءته وصونا لكرامته فلقد ترك بني سلامان مرددا: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متعزل بل بلغت به العزة حدا جعله يقاوم الجوع ويغالبه، وقد كان الجوع حتما عليه لا قبل له بأن يدفعه أو يمتنع عن الشعور به، ومع ذلك كان يتناساه ويذهل عنه، أو يضرب الذكر عنه صفحا حتى ينتصر

стр. 76

عليه فينساه، وإذا كان الصبر عليه من صفة الصعلوك فربما تفوق الشنفرى عليهم في هذا ساعيا للانتصار عليه وعلى الطبيعة؛ لأنه إذا طعم حتى الشبع والتخمة، فإن ذلك يكون دليلا على تساويه مع الآخرين بل وعلى استسلامه للواقع، مع أنه يرفضه، فالصعاليك تحدثوا عن أثر الفقر والجوع عليهم وما سببه لهم من ضعف وهزال حتى أظلمت الدنيا في عيني السليك بن السلكة, وأصابه من الدوار ما جعله يفقد الوعي: وما نلتها حتى تصعلكت حقبة ... وكدت لأسباب المنية أعرف وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني ... إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف وأبو خراش يقاوم الجوع ويديم حبسه حتى يمله ويذهب عنه دون أن يلحقه عار ويتخذ من ذلك مجالا للفخر بقوة عزيمة وقدرته على الاحتمال١. وإني لأثوى الجوع حتى يملني ... فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي

стр. 77

ويكتفي بالماء القراح ليسد به بطنه بينما البخلاء من البشر يستمتعون بما تحت أيديهم من الزاد: وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم فاذا عجز الشنفرى عن المقاومة وضعف أمام سطوة الجوع اضطر أن يحفظ رمقه بشيء من تراب، ولا يقبل شيئا من أحد يدل له أو بما عليه بعد ذلك، وفي هذا غاية الإباء: أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل وأستف ترب الأرض كي لا يرى له ... علي من الطول امرؤ متطول وقد يتضور أياما ثم يعثر على الطعام ومع ذلك لا يتعجل في الإقدام عليه؛ لأنه لو تعجل من دون الآخرين لكان في ذلك خضوع لحاجته فلا يأكل حتى ينتهي الآخرون، ويأكل منه بقدر ما يحفظ حياته ويمسك أوده:

стр. 78

من أيام الصيف القائظ الذي تعرض له دون أن يجد مأوى يستظل به أو ثيابا تمنع عنه هبوات النار: نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل وهو حافي القدمين فلا يستطيع لفقره وبؤسه أن يلبس خفا: فإما تريني كابنه الرمل ضاحيا ... على رقة أحفى مرارا ولا أتنعل وهكذا نراه هزيلا نحيلا يلبس ثيابا بالية ولا يتنعل، وأن تنعل فخفا ممزقا. وقد طال شعر رأسه واسترسل على كتفيه وتلبد؛ لأنه لا يغسله ولا يمشطه حتى تراكم عليه من الوسخ والأقذار ما يشبه ما يعلق بأذناب الإبل والغنم لبعد عهده بالدهن والأفتلاء: وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد عن أعطافه ما ترجل بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له عبس عاف من الغسل محول وبهذا كانت اللامية صورة حية وثيقة تاريخية صادقة لحياة الشنفرى، بل لحياة الصعاليك جميعا، بكل ما اشتملت عليه تلك

стр. 79

ويوم من الشعرى يسيل لعابه ... أفاعية في رمضائه تتململ نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل فهو يصبر على الجوع الذي تلتهب منه أحشاؤه والحر الذي يسيل لعابه حتى إن الأفاعي التي خلقت في هذه الرمضاء تتململ من دونه، وهو لا ينام على فراش وثير بل على الأرض الصلبة، كل ذلك يدل على قوة العزيمة وعلى الرفض وعدم الاستسلام لما يستسلم له الآخرون بل تمادى به شعور الرفض والثورة على واقعه وأبناء قبيلته حتى شمل كل قوة خارجية لا تصدر عن إرادته وحريته, وكأنه بهذا يصوغ حياته كما يريدها هو لا كما يريدها له الآخرون. وقد بلغ الصبر حدا جعله يمتلك زمامه ويسيطر عليه، فقد أصبح يمتلك أحسن ما يتحلى الناس منه يقول: وإني لمولي الصبر اجتاب بزه ... على مثل قلب السمع والحزم أنعل فهو ليس صبورا فحسب, وإنما هو مالك للصبر ومتحكم فيه، فصبره إذن ليس ناتجا عن ضعف أو خور في العزيمة، وإنما هو الصبر الذي يكون دليلا على قوة الإرادة والتحكم في أهواء النفس ونوازعها

стр. 80

لذلك كان لا يفرح بالغنى إلى درجة البطر ولا يجزع من الفقر حتى ييأس في الحصول على المال: وأعدم أحيانا وأغنى وإنما ... ينال الغنى ذو البعة المتبذل فلا جزع من خلة متكشف ... ولا مرح تحت الغنى أتخيل فهو متزن ومعتدل اعتدالا ينبئ عن ثقته في نفسه. وخير للمرء أن يتجمل بالبر والتجلد على المكارم بدلا من إظهار الضعف والشكوى التي لا جدوى من ورائها حيث لا تدفع ضرا ولا تجلب نفعا: وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل _ وفي هذا المقام يرد صبره على الهموم التي يعيش معها في صراع دائم. فكلما نحاها عنه وصرفها عادت ثانية إليه لتحيط به من كل جانب. وآلف هموم ما تزال تعوده ... عيادا كحمى الربع أو هي أثقل ولا شك أن الصبر وقوة الإرادة ليست صفة خاصة بالشنفرى وإنما هي من صفات الصعلكة بنوع عام, وإن كان شاعرنا قد بلغ فيها حدا كبيرا, فهذا عروة بن الورد يحدثنا عن صبره على مصائب الدهر ونوائبه فيقول:

стр. 81

صبور على رزء الموالي وحافظا ... لعرضي حتى يؤكل النبت أخضرا وصبره هذا ناتج عن إرادة صلبة وقوة احتمال, ولذلك فهو لا يجزع ولا يشتكي: فلا أنا مما جرت الحرب مشتك ... ولا أنا مما أحدث الدهر جازع كما لا يجزع أبو خراش بفقد بني أمه وأخواته, ولا تذهب نفسه عليهم حسرات بل يلوذ بالصبر وقوة الاحتمال:٢ فقدت بني لبنى فلما فقدتهم ... صبرت ولم أقطع عليهم أباجلي كما تتضح لنا من القصيدة شجاعة الشنفرى واستبساله، ويظهر ذلك حين يقارن بينه وبين الوحوش، فحين يتحدث عن الذئب القوي، والنمر الأرقط, والضبع العرفاء، ويحمل من هذه الوحوش أهلا يقول عنها، وكل أبي باسل غير أنني ... اذا عرضت أولى الطرائد أبسل

стр. 82

ويقول نافيا عن نفسه الروع والفزع وغير ذلك من الصفات الذميمة ولست بعل شره دون خيره ... ألف اذا مارعته اهتاج أعزل ويدل على بسالته كذلك كونه مطاردا ممن ثار منهم لنفسه ومطالبا بجنايات كثيرة ارتكبها في حقهم, فكلهم يتنافسون في الوصول إليه والانقضاض عليه والأخذ بثأرهم. طريد جنايات تياسرن لحمه..... ثم هذه الغارة التي شنها على أعدائه في ظرف بالغ الصعوبة حيث كان الظلام دامسا والبرد شديدا حتى بلغ من شدة فتكه أن يلقي في النار صاحب القوس بقوسه ونبله التي يرمي بها ليستدفء، والمطر غزير وقد اشتد به الجوع, ومع كل هذه المعوقات فقد نجح في الإغارة عليهم فقتل الرجال ويتم الأطفال وغدت نساؤهم أيامي وأطفالهم يتامى: وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... أقطعه اللاتي بها يتنبل إلى أن يقول: فأيمت نسوانا وأيتمت آلدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل

стр. 83

ويحدثنا الشنفرى في غير لاميته عن واد موحش موغل في أعماق الصحراء قد بات مأوى للجن والوحوش، هجره الناس جميعا حتى المغامرون والأبطال ولكن شاعرنا اقتحمه صاعدا روابيه التي لا يجرؤ على صعودها إنسان في جرأة وشجاعة غير مبال بما يصيبه في وقت مبكر قبل أن يذيب دفء الشمس قطرات الندى:١ وواد بعيد العمق ضنك جماعة ... بواطنه للجن والأسد مألف٢ تعسفت منه بعدما سقط الندي ... غما ليل تخشى غيلها المتعسف ونمضي مع الشنفرى في قصيدته التائية التي رواها له المفضل الضبي, فإذا هو يحدثنا عن الهدف من إغاراته وأنه كان يقصد بها بني سلامان ليأخذ بثأره ويشفي حقده وغليله، يقول: جزينا سلامان بن مفرح قرضها ... بما قدمت أيديهم وازلت وهنئ بي قوم وما أن هناتهم ... وأصحبت في قوم وليسوا بمنيتي

стр. 84

إلى أن يقول: وأني لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومر اذا نفس العزوف استمرت فقد جزاهم بما قدمت أيديهم، ويحز في نفسه أن يكون ذا بأس ولا ينتفع به قومه, وإنما يكون بأسه عليهم بسبب جنايتهم عليه، وهو حلو لأصدقائه ومر كالحنظل لأعدائه. ويلاحظ أنه لم يتحدث عن شجاعته واستبساله صراحة، وإنما من خلال مواقفه المتعددة، وكأن ذلك لا يحتاج على تنويه فإن مسكله كله إنما ينبع من منطلق التضحية والفداء، والثورة على الواقع الذي فرض عليه, وذلك يجعله في غنى عن تكلف إثباته والتدليل عليه، هذه أهم ملامح شخصية الشنفرى كما تدل عليه قصيدته تلك. بالإضافة إلى أنها ترسم صورة لمظهره الخارجي, فيبدو جسمه ضامرا ناحلا وكأنه مجرد هيكل من العظام لا لحم عليه, فهو حين يفترش الأرض يستقبلها بظهر يابس تحول دون وصوله إلى الأرض حروف فقار ظهر، فيظل الجسم مرتفعا، كما يتوسد ذراعا قليلة اللحم وكأنها قطع صلب ركب بعضها فوق بعض, وهذا يعكس ما لحق بجسمه كله من هزال يقول:

стр. 85

وآلف وجه الأرض عند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سناسن قحل وأعدل منحوضا كأن فصوصه ... كعاب دحاها لاعب فهي مثل كذلك تأبط شرا نشزت أضلاعه وبرزت فقار ظهره والتصقت أمعاؤه من شدة الجوع: قليل ادخار الزاد إلا تعلة ... فقد نشز الشرسوف والتصق المعى ونحافة الجسم وضموره صفة يشترك فيها الصعاليك جميعا حتى يتمكنوا من العدو الذي ميزهم عن غيرهم ولذلك أفردوا له مساحات شاسعة في شعرهم. وقد ضرب المثل الشنفرى في العدو فقيل: أعدى من الشنفرى, وإذا كان الصعاليك يشاركونه في العدو إلا أن موهبته في ذلك وتفوقه فيه جعله قمة متميزة حيث ضرب به المثل. وقد عبر عن عدوه بأكثر من أسلوب فحين يعدوا مسرعا تتحطم الحجارة الصلبة وتزل من تحت قدميه ويتطاير منها الشرر:

стр. 86

إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل ويصف لنا صورة من عدوه فيحدثنا عن مسابقة جرت بينه وبين سرب من أسراب القطا للوصول إلى الماء المتخلف من هطول الأمطار في الصحراء، وكيف أنه سبق الطير على مكان الماء فشرب وارتوى وانصرف قبل أن تصله القطا: وتشرب أساري القطا الكدر بعدما ... سرت قربا أحناؤها تتصلصل هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر منى فارط متمهل فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقون وحوصل وتصبح المسافات لا معنى لها مع عدوه الذي يقرب البعيد حتى يختلط بعضها ببعض حين يحرك ساقيه ويطلقها للجري: وخرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين ظهره ليس يعمل

стр. 87

فألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أقعي مرارا وأمثل وأبو خراش الهذلي يتحدث عن عدوه واتخاذه، وسيلة يعتمد عليها: فإن تزعمي أني جبنت فإنني ... أفر وأرمي مرة كل ذلك أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا ما خفت بعض المهالك وتأبط شرا يعتمد على عدوه في التنقل بين القفار والصحاري الشاسعة ويكاد يسبق الريح: يظل بموماة ويمسي بقفرة ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك فالعدو كان وسيلة الصعاليك بعتمدون عليها في الغزو والإغارة. ونلمح صورة الشنفرى وهو يرتدي الأسمال والخرق البالية التي لا تستر جسمه فلا تقيه حر الصحراء ولا زمهرير الشتاء، يقول عن يوم

стр. 88

من أيام الصيف القائظ الذي تعرض له دون أن يجد مأوى يستظل به أو ثيابا تمنع عنه هبوات النار: نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل وهو حافي القدمين فلا يستطيع لفقره وبؤسه أن يلبس خفا: فإما تريني كابنه الرمل ضاحيا ... على رقة أحفى مرارا ولا أتنعل وهكذا نراه هزيلا نحيلا يلبس ثيابا بالية ولا يتنعل، وأن تنعل فخفا ممزقا. وقد طال شعر رأسه واسترسل على كتفيه وتلبد؛ لأنه لا يغسله ولا يمشطه حتى تراكم عليه من الوسخ والأقذار ما يشبه ما يعلق بأذناب الإبل والغنم لبعد عهده بالدهن والأفتلاء: وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد عن أعطافه ما ترجل بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له عبس عاف من الغسل محول وبهذا كانت اللامية صورة حية وثيقة تاريخية صادقة لحية الشنفرى، بل لحياة الصعاليك جميعا، بكل ما اشتملت عليه تلك

стр. 89

الحياة من قسوة وعنف، وصبر وقوة إرادة، وبما فيها من مشاق ومخاطرة وما تحمله من آلام وهموم.

стр. 90

تأملات في القصيدة لعل أول ما يلفت نظر الباحث إلى هذه القصيدة أنها طويلة طولا لم يعهد في شعر الصعاليك؛ إذ من المعروف أن شعر الصعاليك عبارة عن مقطوعات إذا استثنينا قصيدة الشنفرى الأخرى القافية التي رواها له المفضل الضبي إذ يبلغ عدد أبياتها خمسة وثلاثين بيتا, بينما يبلغ عدد أبيات قصديته التي نحن بصددها ثمانية وستين بيتا, فهي ليست أطول قصيدة في ديوان الشنفرى الذي جمعه الأستاذ عبد العزيز الميمني ضمن مجموعة الطرائف الأدبية فحسب ولكنها أطول قصيدة في شعر الصعاليك جميعا، وربما كان هذا الطول الذي لم يؤلف في شعرهم هو ما دعا الدكتور يوسف خليف إلى الشك في نسبة هذه القصيدة إلى الشنفرى وإلحاقها بخلف الأحمر الراوية المشهور كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين، على أن ذلك لا يمنع من نسبتها إلى الشنفرى؛ لأن الذي يستطيع أن ينشد قصيدة من خمسة وثلاثين بيتا لا يعجزه أن يبدع أخرى تبلغ ثمانية وستين بيتا على أن المتتبع لشعر الصعاليك بجد أن هناك بعض القصائد الأخرى التي اتسمت بالطول كقصيدة مالك بن حريم العينية التي رواها له الأصمعي إذ تبلغ أربعين بيتا وقصيدة عبدة بن الطبيب الذي قضى معظم حياته متصعلكا في الجاهلية, وقد بلغت عددها واحدا وثمانين بيتا رواها له صاحب المفضليات وغيرها، والواقع أن القصيدة تثمل روح الشنفرى الثائرة كما تمثل حياته تمثيلا حقيقيا، وتضح لنا أبعاد شخصيته

стр. 91

١ وقد بدأها الشاعر بالخروج على المجتمع دون أن يمهد لذلك بلون من ألوان المقدمات التقليدية التي جرى الشعراء أن يفتتحوا بها قصائدهم, وربما كان ذلك راجعا إلى الثورة على المجتمع ورفض الخضوع لتقاليده، وإلى الحرية التي كان ينعم بها هؤلاء في ظل الظروف التي يحيونها، هذه الثورة وهذا الخروج قد امتدا إلى الخروج على التقاليد الفنية التي جرى عليها الشعراء وترسبت في أعماقهم حتى صارت تمثل ظاهرة أساسية ومعلما من معالم بناء قصائدهم الفنية, فكان الشنفرى في هذه القصيدة ثائرا على الأوضاع الفنية متحررا من المقدمات التي نجدها في الشعر الجاهلي، وإن كنا نجده في القصائد الباقية التي رويت في مجموعة الطرائف الأدبية يبدأ بالحديث إلى صاحبته طالبا منها أن تدعه وشأنه ليذهب مع رفاقه حتى يحقق ذاته ثم لتقل بعد ذلك ما تشاء، فإنه لن يموت إلا مرة واحدة: دعيني وقولي بعد ما شئت أنني ... سيغدي بنعشي مرة فأغيب والأبيات التي استهل بها الشاعر قصيدته تعكس بوضوح حالته النفسية التي ألمت به, وتوقفنا على البعد النفسي لأعماق الشاعر، فقد بدأها بفعل الأمر أقيموا الذي يتضمن من الحث والتحضيض الشيء الكثير للدلالة على أنه أصبح لا يحتمل المقام بينهم فقد أعيته الحيل

стр. 92

ونفد صبره ولا راحه له في مفارقتهم؛ لأنهم خذلوه عندما تركوه أسيرا في بني شبابة ثم عبدا في بني سلامان، وفوق ذلك لم يثأروا لأبيه على عادة العرب في الأخذ بثأر من قتل منهم، ويدل على شدة نفوره منهم ورغبته الملحة في اللحاق بغيرهم تقديم الجار والمجرور في قوله: إلى قوم سواكم. فقد ضاق بالمكان وأهله ولعل في تعبيره، عن قومه ببني أمي ما يدل على وشائج الرحم وصلة المودة والقربى التي تربطه بهم مما يوحي بحرصه عليهم حيث تجمعه وإياهم صلة الرحم. فالشطر الثاني من هذا البيت تعليل للشطر الأولى، كما أن البيت الثاني تعليل للأمر في البيت الأول، على أن قوله والليل مقمر في البيت الثاني يوحي بوضوح الأمر أمامه وأنه قد اتخذ قراراه بالرحيل عنهم بعد أن توفرت لديه الأسباب والدواعي. وواضح من السياق أن مشكلة الشاعر في قومه؛ حيث يتمنى ارتحالهم وبت الصلة بينه وبينهم، فقد أصبح يطلب قوما سواهم يؤثرهم عليهم حين يقول: ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيال فإذا كان أهله أذلوه وسخروا منه فإن هناك في عالم الحيوان الوحوش من يتصف بصفات لم يجدها في بني الإنسان، ولذلك

стр. 93

كانت جديرة بأن يتخذ منها أهلا ويصطفيها على سائر البشر وقد عبر عن هذه الجدارة وذلك الاستحقاق بأكثر من أسلوب، فتارة يقول ولي دونكم أهلون فالحيوانات التي ألفته وألفها ليست أهلا واحدا بل أكثر من أهل، هي أهلون للإيحاء بأنه يجد في جوارها من الحماية والمنعة وحفظ الأسرار ما يعجز الأهل عن توفيره له وتقديم الخبر على المبتدأ في قوله ولي دونكم أهلون يفيد الاختصاص، وتارة يعبر عن استحقاق الحيوانات لهذه الصفات بأسلوب القصر هم الأهل، لإفادة الاختصاص أيضا، وكأنه يفرح بتلك المعايشة متعزيا عن أهله من الإنس بأنها لا تؤذي مثل الإنسان ولا تغدر ولا تخذل في مواقف الحرج، وقد رأينا كيف ساعدته اللغة واستخدامها على التعبير عما في نفسه. والشاعر في البيت الثاني والثالث والرابع يلبس رداء الحكمة ويرتدي ثياب الواعظ فيطالب كل حر أن يرحل عن موطن الذل، فأرض الله واسعة ولا عذر لمن يقيم على الضيم ويرضى بالهوان: ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد

стр. 94

وصف القوس ... واذا كان الشنفرى لا قبل له بالعيش مع الأحياء من البشر ولا بالحياة مع الجماد والنباتات؛ لأنها لا تفصح ولا تبين فهناك أوجه الشبه بينه وبين الوحوش فكل منهما يأبى الذل ويرفض الهوان, ويتصف بالشجاعة ويعشق الحرية ويهواها. ثم يقارن بينه وبينها ويقرر أنه يفوق الوحوش في بسالته حيث يسبقها في مطاردة الفريسة, ولكنه مع ذلك يتصف بالقناعة والعفة مع القدرة فلا يزاحم في الأكل، فقوته لا تطغيه ولا تجعله ينسي الخلق الكريم: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل ٢ ويعاود الشاعر حديثه عن قومه ويأسى لتذكرهم حيث إنه لا خير فيهم فلا فائدة في قربه منهم؛ إذ لا يقدرون المعروف ولا يجزون عليه, وكان ذلك سببا لانتقاله من الحديث عن ذاته إلى الحديث عن أسلحته وأدواته التي يحتاجها في الدفاع عن نفسه وقد أحصاها في ثلاثة: قلبه القوي الذي قد من صخر حتى كأنما أحيط بشيعة من الأنصار وسيفه الصقيل وقوسه الطويلة العنق، وفي التعبير عن هذه الثلاثة بالأصحاب ما يوحي بالألفة والمودة بينه وبينها، فحيث كان الخروج على قومه كان التألف والتعارف والتفاعل بينه وبين الطبيعة ولذلك صح تعبيره عن أدوات القتال بالأصحاب وإيثاره لهذا

стр. 95

التعبير على ثلاثة أفراد مثلا ليوحي بالوفاء والنصرة -وهذا يدل على أنه لا صديق له من البشر- وأنه هو وحده صاحب نفسه, والسيف والقوس هما وسيلتاه للدفاع عنها، والأفكار هنا تنساب في سلاسة ويسر وترتيب منطقي. ٣ على أن العلاقة الحميمة التي تربط الشنفرى بالقوس تدعوه إلى الإسهاب في وصفها، فهي وسيلته للإغارة ومصدر معيشته في الصيد وقد بلغ الجودة في وصفها يقول: هتوف من الملس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزاة ثكلى تئن وتعول البيت الأول هنا تقرير لحال القوس ووصف مادي لها لكنه ينطوي على دلالة نفسية ترتبط بموقف الشاعر فلها صوت يرن عند انطلاق السهم واندفاعه الشديد في الفضاء، كما أنها ملساء ليست خشنة حتى لا تؤذي يد حاملها أو ذات عقد فيؤثر ذلك في أدائها نتيجة لتأثيرها على يد مطلق السهم، يعني ذلك أنها حسنة الصنع فتؤدي وظيفتها على أكمل وجه، ومع ذلك فهي مرصعة ببعض ما يحليها بالإضافة إلى محمل تحمل منه وتعلق بواسطته، وهاتان الصفتان تنمان عن شغف وهيام بين الشاعر وقوسه المعشوقة تتعدى

стр. 96

صلة الآلة بصاحبها يدل لهذا العشق هذه الزخرفة وتلك الحلي التي يجعلها بها كما يجعل عروسه إذ هي تمثل أمره وتحقق ثاراته. والقوس في البيت الثاني هنا ترن وقد صور هذا الصوت الصادر منها بصورة مستمدة من البيئة حيث مثل لها بالناقة أو المرأة الثكلى التي فقدت رضيعها وترسل أصواتا هي أصوات الحنين والتفجع. فالسهم ينسل من القوس ويفارقها كما ينسل الوليد من حضن أمه، فقد شخص القوس وبث فيها الحياة, وصح أن يطلق عليها قبل ذلك أنها واحد من أصحابه الثلاثة الذين لا يخذلونه ولذلك فهو يزينها ويرصعها ويزهو بها ولعل هذا التوفيق الذي أصابه في وصف القوس هو الذي جعل المبرد يقرر أنه لم يسبق بهذا الوصف ولعله لم يلحق به حتى الآن. وأرق عبارات الوصف قوله: حنث, ثم تشبيهها بالثكلى التي توالت عليها المصائب. وفي هذا إشارة إلى أنه حين يخرج سهمها تهدي إلى أهدافها الأرزاء، والوصف بالتعجيل في قوله: عجلى الذي يدل على تتابع الصرخات وتوالي البكاء يدل على سرعة القوس في الرمي وكثرة استعماله لها.

стр. 97

وعشقه لقوسه جعله دائم الحديث عنها فنراه مرة أخرى يذكر لونها ويصور صوتها بصوت الحزين، وصوت النحل حين يضل عن خلاياه، في منحنيات الجبل فيكون له دوي وطنين شديد١ وصفراء من نبع أبي ظهيرة ... ترن كإرنان الشجي وتهتف إذا طال عنها النزع تأتي بعجسها ... وترمي بمذربها بهن وتهتف٢ كأن حفيف النبل من فوق عجسها ... عوازب نحل أخطأ الغار مطنف٣ وفي معرض الحديث عن القوس ووصفها يطالعنا غير شاعر من شعراء الصعاليك نظرا لاهتمامهم جميعا بها. فهذا صخر الغي يرى أن لها صوتا معينا كصوت العدائين حين يطلبون شيئا٤ وسمحة من قسي زارة صفرا ... ء هتوف عدادها غرد١

стр. 98

كأن إرنانها إذا ردمت ... هزم بغاة في إثر ما فقدوا ٤ وبدءًا من البيت الرابع عشر وحتى التاسع عشر يلقانا أسلوب الفخر الذي يخلع فيه عن نفسه ثياب الخسة والضعف ولبس ثياب القوة وحسن التصرف وكمال الرجولة معتمدا في ذلك على الأسلوب التقريري الذي يقرر به الواقع, والذي يلجأ فيه إلى التصوير لتجسيد المعاني وإلباسها ثوبا أدبيا يجسمها في خيال السامع فيصور لنا الجبان في اضطرابه وتتابع دقات قلبه, كأن هذا القلب معلق في طائر يعلو به وينخفض, كأن فؤاده يظل به المكاء يعلو ويسفل, ولما كان الذعر لا يفارقه بل يستديم معه عبر بالفعل ظل ويعلو وينخفض؛ لأن ذلك يزيد من ضربات القلب؛ نظرا للحركة الشديدة والاهتزاز العنيف. وفي البيت الأخير من هذه المجموعة يثبت لنفسه خبرته بدروب الصحراء ومسالكها التي لا حدود لها ولا معالم فيها, فلا يتحير فيها أو يضل حتى وهو يجتازها في ظلام الليل الحالك، بل يهتدي فيه كما تهتدي الشمس في فلكها, كما يقول تأبط شرًّا في حديثه عن الصحراء ٢:

стр. 99

يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك يقول الشنفرى: ولست بمحيار الظلام اذا انتحت ... هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل ولما كان السير في الصحراء فيه مشقة وتعرض لألوان المخاطر والأهوال حتى ليتعذر السير فيها على غير من ألفها ويثقل عليه ناسب أن يعبر عن ذلك بألفاظ يتعسر فيها النطق تعسر المتحير في الصحراء في قوله: هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل وصعوبة النطق تأتي من تكرار الهاء أربع مرات في كلمات متتابعة لا يفصل بينها سوى كلمة واحدة، وتكرار كلمة الهوجل مرتين وكأنه بذلك يلائم بين الشعور والتعبير عنه. ٥ والأبيات من ٢٠-٢٥ يتحدث فيها عن سرعة عدوه وعفته التي صارت مضرب المثل في ذلك، وفي حديثه عن عدو لم يتحدث عن سرعته, بل تحدث عن آثار هذه السرعة في المكان الصلب فإذا لمست رجلاه الأرض تطايرت الحجارة وقد تحطم بعضها وتتطاير منه الشرر، وكأنه لا يجري على الأرض بل يطير في الجو، فإذا لمستها

стр. 100

رجلاه حدث هذا المنظر واستعار المناسم التي هي أخفاف البعير لرجليه للدلالة على ألفه للحيوان وامتزاجه معه. وإذا كان جل الصعاليك قد تحدثوا عن أثر الفقر والجوع في أجسادهم وما يحمله لهم من هزال الجسم ونحوله، فإن الشنفرى قد تعامل مع الجوع مباشرة واتخذ من ذلك متكأ للفخر بقوة نفسه وصدق عزيمته وطاقته العجيبة على الاحتمال الذي قلما نجده في مقدور رفاقه من الصعاليك، فيشخص لنا الجوع ويصوره بصورة محسوسة ثم يماطله الشنفرى ويراوغه وكأن له عليه دينا يريد أن يستوفيه, وقد تكون المماطلة لعجز عن الأداء، ولكن مماطلة الشنفرى هنا يقصد منها التيئيس حتى يفقد الأمل وهو ما عناه، بقوله: حتى أميته, فهو مصمم على قتل الجوع ومحوه من حياته، وقد يصاب الشنفرى بالذهول والإعياء من جراء تناسبه للجوع. ومرة أخرى يحدثنا عن أثر الجوع على نفسه فيصور أمعاءه وقد خلت من الطعام وجفت من الماء حتى التصق بعضها ببعض يصورها بالخيوط المشدودة وقد التف بعضها على بعض في قوة وإحكام: وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوتْ ... خيوطَةُ ماري تغار وتفتلُ والتعبير عن الخيوط بالفتل يدل على أن أمعاءه رفيعة وخالية تماما من الطعام والشراب, مما ينعكس على جسمه كله بالهزال والضمور. /٥٠

стр. 101

صورة الذئب الجائع وحولة الذئاب ... ٦ وتلقانا صورة للذئب الجائع الباحث عن الطعام وحوله الذئاب التي تشبه حاله وكأن هذه الذئاب أصابها ما أصابه فاستطرد إلى ذكر صورة مشابهة له في لوحة بلغت الغاية في الروعة والإعجاب، فالذئب الذي صور به حاله قد استبد به الجوع فانطلق يسابق الريح ويرمي نفسه في الأودية يبحث عن رزقه هنا وهناك، ولما لم يجد، أطلق صيحة مدوية أجابته على إثرها الذئاب الجائعة التي تعذر عليها الحصول على الرزق فلما لواه القوت من حيث أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل ثم يستطر الشاعر في تصوير هذه الذئاب فهي ضامرة هزيلة فأجابته نظائر نحل، وهي شيب الوجوه لما يغلب على وجوهها ورءوسها من بياض الشعر وهي كالعيدان التي يحركها بيده كأنها قداح بكفي ياسر، وأما حالتها النفسية فهي في رعب وفزع من جراء ما هي فيه حتى كأنها نحل طرد من خلاياه أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرداهن سام معسل هذه الذئاب تفتح أشداقا متراخية مشقوقة الجوانب كأنها عصا مشقوقة تضامت شفاهها لجفانها.

стр. 102

ونحن نرى ما ترسب في أعماق هذه الذئاب من أسى عميق نتيجة لهذا الجوع المضني والعناء المهلك منعكسا على وجوهها فهي كالحات وبسل. وبذلك لا يفوته أن يصور وجوهها بعد أن صور حالها حتى تكتمل لها الصورة ويستوفيها من جميع جوانبها، حتى حالة الجوع والمناخ يسجله حين يتحدث عن الريح ومعارضته لها مما يوحي بصبره وقدرته على التحمل: غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل وأخيرا تضج هذه الذئاب وتتصايح وتتشكى الجوع وتقيم مثل المناخة، ولكن أصواتها تذهب سدى في هذا الفضاء، ونكاد نستشف نفسيته ويظهر ما بداخله من خلال إسهابه وإغراقه في وصف الذئاب وموقف الطبيعة منها بعد أن تذهب وتعدو هنا وهناك حاملة معها مشاعر البؤس والحيرة ثم الصبر، والصبر إن لم ينفع الشكو أجمل كما يقول الشاعر. فهذا مشهد من صراع العبث، وتجربة من تجارب الهلال والمعاناة التي ألمت بالشاعر فأسقطها على الكلاب ليعمق أبعادها ويجعلها أكثر شمولا.

стр. 103

يدل لذلك ما وصف به الكلاب بعد أن يئست من الحصول على الطعام فقد تذرعت بالصبر وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل, وصبرها هذا شبيه بصبره السابق على الجوع حتى نسيه وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل. وتتضح قدرة الشاعر على التصوير والوفاء بحق المعنى حين جعل الثواكل في قوله من الذئب والذئاب الرفاق: فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل جعلها تنوح على شاهق الأرض ليساعد على انتشار الصوت وسرعته, ولعله لاحظ أن أصوات الذئاب عالية في عوائها فهي صورة مركبة حفلت بالتفاصيل تغلب عليها ملامح القصة, بل من الممكن أن تسلك في عداد القصص النفسية التي يعرفها العصر الحديث. وليس من البعيد أن يكون امرؤ القيس قد تأثر من الناحية الفنية بالأسلوب القصصي عند الصعاليك فحاول تقليده في شعره ثم اتخذه مذهبا، وإذن فليس امرؤ القيس أول من اصطنع القصة الشعر العربي، بل هم الشعراء الصعاليك١. ٧ وتلقانا صورة أخرى من صور المعاناة والمكابدة التي يلقاها الشنفرى حين يزاحم القطا للحصول على الماء، فإذا كان مشهد

стр. 104

مشهد القطا يمثل المعاناة من البحث عن الماء ... الذئاب تعبيرا عن الجوع فإن مشهد القطا يمثل معاناته الحقيقية في البحث عن الماء، فهو مشهد من مشاهد الظمأ الذي يتعرض له كل من سلك دروب الصحراء، أو قدر له أن يتخذ منها موطنا، فكلاهما قد بلغ به الظمأ مداه فأخذا يتصارعان في الوصول إلى الماء، أما القطا فقد أدركها الأعياء قبل الوصول إلى نقطة الانتهاء بينما استمر هو في عدوه ولم يستقص جهده يسابق الطير في السماء: هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارط متمهل ثم يستطرد الشنفرى إلى وصف القطا جربا على عادته في استقصاء الوصف, فبعد أن يصفها من حيث شكلها ومبلغ العطش الذي أصابها وجعلها تتساقط نحو الماء لتروي ظمأها فتغمس فيه حنكها وحوصلتها لتستأثر بأكبر قدر من الماء، نراه يصورها في تزاحمها على الحوض محدثة ما تحدثه من صوت وجلبة فرحة بصولها إلى الماء بقوم أو قافلة تتزاحم على ماء عثرت عليه بعد أن أعياها البحث واستبد بها الظمأ وكل ذلك يعكس فرحته بالحصول على الماء، ثم منظر القطا وهي تنفض عن المورد لتتفرق مسرعة في طيرانها وكأنها قطيع من بقر الوحوش فاجأ خطرا فأسلم رجليه للفرار. والشاعر في هذا يتباهى بسبقه الطير, وأنه بزها في العدو وقد لا تكون هناك مبالغة، فهو يعرف بحس من ألف الصحراء أن القطا

стр. 105

أهدى إلى الماء فإذا لمحها ببصره تبعها بعدوه الشديد حتى لا تغيب عنه، وتقدم شهرته في العدو حتى أن المسافات بين الأماكن تكاد تمحى، والبعد يطوى إذا ما حرك ساقيه كما يقول عن نفسه: وخرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين ظهره ليس يعمل فألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أقعى مرارا وأمثل ٨ ومن الصور المشعة التي تطالعنا عبر حديث عن نفسه والتي تحمل معنى الفخر والتباهي حديثه عن الجنايات التي ارتكبها وتصويره لها بأنها ذات عيون تستحث إلى مكروهه وتسعى لتدميره، وأنها لكثرتها وحرص كل منها على الظفر به لتنال منه نشأ بينها صراع وخصام وأخيرا استقر رأيها على أن تقترع على لحمه، وتلقي كل جناية بسهم - والسهم الفائز يستأثر صاحبه بالشنفرى: طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها حم أول وكأن الأعداء لا يطلبونه وإنما تطلبه هذه الجرائم وتلك الجنايات التي خلفها وراءه، والتي باتت يقظى لا تكتحل بالنوم ولا يطبق أجفانها حتى تتمكن منه وكأنها آلت على نفسها ألا تهدأ أو تنام

стр. 106

حتى تنال منه، بينما نجد الشنفرى وهو الخائف المطلوب ينام فإن هو نام فعين الجنايات لا تنام، هذه الصورة يجسدها في هذا التعبير: تنام إذا ما نام يقظى عيونها ... حثاثا إلى مكروه تتغلل وكأنها ترسل عيونها وراءه باحثة عنه في كل مكان كي تنزل به ضربتها وتقضي فيه بحكمها. وهو بهذا منح الهموم ذاتا مستقلة عنه وجعلها مؤرقة قد ينام هو, وإذا نام فبعين واحدة؛ لأن الهموم تنغص عليه نومه ويقظته، أما هي فدائما ساهرة. ومن ذلك تصويره للهموم الطارقات التي يعمل لصدها فتحيط به من كل جانب، بل أنها تمسك بتلابيبه بكل ما فيها من ثقل وإلحاح حتى ألفها وأصبحت جزءا من حياته، يهيئ نفسه لمواعيد قدومها التي أصبحت ثابتة في زيارتها له. وإلف هموم ما تزال تعوده ... كحمى الربع أو هي أثقل وهذا البيت يعكس مدى ما يعانيه في حياته من قلق واضطراب, وكأنه أدرك أن الحمى قد تحتمل في بعض أطوارها وبذلك لا تتكافأ مع ما

стр. 107

يعانيه فأضرب عن ذلك وقال: أو هي أثقل؛ لتؤدي ما بنفسه وتعبر عما يحسه. فهو يصور الهموم تنتابه بحمى الربع بل هي أثقل منها تقبل عليه مثل قطيع الماشية يرد الماء ثم يحاول أن يصرفها فلا تستجيب، فلا يملك إلا أن يستلم، وأطلاق الألفة على الهموم من باب التهكم والسخرية لهذه الملازمة التي لا تكاد تفارقه. وفي هذه المناسبة يقرر أنه في صراع دائم وحروب مستمرة مع همومه، وأنه إذا تغلب على بعضها أو منع نفسه من التفكير فيها تهب عليه من كل جانب: إذا وردت أصدرتها ثم أنها ... تثوب فتاتي من تحيت ومن عل فتصغير تحت يدل على قرب الهموم والتصاقها به وعل تدل على أحاطتها به، وكأنه محاصر بالهموم من كل ناحية، وقد أسعفه التعبير هنا للإفصاح عما بنفسه فتحققت المواءمة بين شعوره والتعبير عنه. ٩- وإذا كانت اللامية حافلة بالحديث عن خصائص الشنفرى وصفاته الذاتية وجرأته التي تلقانا في كل بيت منها فإن من أبرع هذا الحديث وصفه لليلة شديدة البرد والمطر حتى امتلأ جسمه رعدة وارتعاشا واضطر كل صاحب قوس أن يشعلها ويستدفئ بها مع

стр. 108

حرص الشديد عليها؛ لأنها وسيلة للدفاع عن نفسه، والشنفرى يفخر بخروجه في هذه الليلة القاسية المظلمة للإغارة؛ لأن ذلك يوافق طبعه المتمرد, ولم يكن معه ما يستعين به على الروع، فلم يصحبه فيها سوى العطش الشديد والظلمة الحالكة بالإضافة إلى البرد والمطر، وإزاء هذا الجو، يخرج مصمما على تحقيق ما اعتزمه، ولم يعد إلا بعد أن قضى مآربه وأنفذ ما اعتزمه: وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل دعست على غطش وبغش وصحبتي ... سعار وإرزيز ووجر يتنبل والشنفرى في هذه اللوحة يعني بوصف حاله ونفسيته، فهو جائع وهو خائف وهو مرتعد الفرائص من شدة البرد والصقيع، مع ذلك فهو يتحدى الطبيعة ويصمد في مواجهتها، ثم يصف آثار هذه الغارة وما خلفته من رجال لقوا مصرعهم فأصبحت نساؤهم أيامي وأطفالهم يتامى, وتم له ذلك في لمح البصر فقد عاد كما بدأ والليل أليل: فأيمت نسوانا وأيتمت آلدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل

стр. 109

غير أن تنكير كلمة نسوانا وجمعها أضفى ظلال التفخيم والتهويل وأثار مشاعر الرعب والخوف من كثرة القتل، ثم استيقظ الناس وفتحوا عيونهم على الحقيقة دون أن يعرفوا مصدر هذا الخطر، وقد صور الشنفرى ما تخيله من حال القوم حيث لم يرهم فهم في حيرة من أمر المغير أهو ذئب أم ضبع؟ إنه ليس من الإنس ولا من الجن إنه الشنفرى يتوحش حين يجنه الظلام: وأصبح عني بالغميصاء جالسا ... فريقان مسئول وآخر يسأل فقالوا لقد هرت بليل كلابنا ... فقلت أذئب عس أم عس فرعل فلم تك إلا نبأة ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدل ويظهر اعتزاز الشنفرى بنفسه وافتخاره بانشغال الناس بأمره حين يقول: وأصبح عني والناس جميعا يتحدثون عنه دون استثناء وقد انقسموا فريقين فريق يسأل وآخر يجيب. لقد ترك الشنفرى القوم في حيرة من أمرهم أيكون المغير جنا أم إنسا؟ وانتهموا إلى أن هذا ليس من صنع الإنس فما عهدوا في البشر من يصنع مثل هذا:

стр. 110

التصالح مع الطبيعة ... فإن يك من جن لأبرح طارقا ... وإن يك أنسا ماكها الأنس تفعل وفي هذا البيت تشبيه ضمني حيث شبه نفسه بالشياطين الذين يأتون بالمعجزات التي تفوق طوق البشر. فالشنفرى يفخر بتحديه للطبيعة وانتصاره على نواميسها؛ مثل البرد والمطر واليل الأليل والجوع الذي يلهب الأحشاء وينتصر عليه بالتنكر له ومجاهدة النفس وتحمله للظمأ والحر الذي يسيل لعابه حتى يضيق به الأفاعي فتتململ على الرمل بينما هي لا تنشط ولا تتحرك إلا في الصيف، هذا الجو لا يخيف الشنفرى ولا يفر منه بل يمارس حياته العادية متعرضا لحر الشمس ليس بينه وبينها كن أو ستر: ويوم من الشعرى يذيب لوابه ... أفاهية في رمضائه تتململ نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل ١٠ واذا كان الشنفرى ثائرا على أبناء قبيلته وعلى المجتمع وعلى البيئة وعلى كل قوة خارجية لا تصدر عن إرادته، فإننا نراه في هذه اللوحة متصالحا مع الطبيعة حين يصور أناث الوعول وهي تعدو من
следующие страницы →