← Общие книги

Общие книги · id 11186

دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بطون الحيوانات من الكلاب والخنازير، ولا من جميع المخلوقات الطيب منها والمستخبثات، ثم إن قولهم قد امتلأ العرش والكرسي أمر مستحيل في الفطر والمعقولات كما هو مستحيل في المنقولات. فأين يكون رب العرش والسماوات؟ فهو من أمحل المحال وأضل الضلال) ١. ويورد محمد عطا الكسم وصفاً لمحمد ﷺ : (هو قطب الأقطان، فهو ممد لجميع الناس أولا وآخرا، فهو ممد كل نبي وولي سابق على ظهوره حال كونه بالغيب، وممد أيضا لكل ولي لاحق، فيوصله بذلك إلى مرتبة كماله في حال كونه موجوداً في عالم الشهادة) ٢. وينقل حسن خزبك هذه الأبيات مقرراً لها: فاكشف له كربة أودت بمهجته ... يا خير من كشفت عنا به الكرب فما دعوناك في تفريج شدتنا ... إلا لأنك في تفريجها سبب وأنت باب العطاء والجود يا أملي ... بك الإله على طول المدى يهب٣ ويقول القصيمي ردا على فرية الرافضة.. ومقرراً تناقضهم وتضاربهم في ذلك: (ولكن الاعتقاد الباطل الموبق هو اعتقاد الشيعة في النبي ﷺ وفي سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك أنهم قد ذهبوا إلى أن الأنبياء ليسوا وحدهم المخصوصين بالعصمة من الخطأ والزلل، وليسوا وحدهم المخصوصين بالوحي، وبنزول الملائكة، بل قد زعموا أن الأئمة معصومون من ذلك، ومن أكثر من مثل الأنبياء والرسل، فإنهم يوحى إليهم كما يوحى إليهم. وقالوا إنه لولا علي وجهاده، لما اخضر للإسلام عود، وهذا من شر الهجاء لرسول الله ولصحابته وللمسلمين) ٤. وبهذا يظهر بعض تناقض الرافضة وتضارب أقوالهم، فمرة يبلغ بهم الغلو إلى أن يزعموا أن محمداً خُلِق لأجله الكون، بل إن إيجاد الكون أقل فضائله- كما مرّ ذكره-، ثم يصل بهم الجفاء في حقه حتى أشركوا معه أئمتهم في العصمة، بل يزيدون على ذلك ويجعلون منزلة أئمتهم فوق منزلة الرسول ﷺ .

стр. 107

وبالإجمال يتضح ما عليه هؤلاء الأدعياء- صوفية أو رافضة أو غيرهما- من الغلو في محمد ﷺ ورفعه فوق منزلته، مخالفين بذلك هدي المصطفى ﷺ ومتبعين بهذا اللغو الشنيع غير سبيل المؤمنين١.

стр. 108

الفصل الثاني: الزعم بأن الشيخ مشبه مجسم ١ لقد رمى الخصوم هذه الدعوة السلفية، ورموا أتباعها وأنصارها بفرية التجسيم والتشبيه، وما نقموا منهم إلا أنهم وصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله المصطفى ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وسنورد- كما فعلنا في الفصل الأول- بيانا كافيا يوضح معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ في باب أسماء الله وصفاته، ويوضح- أيضا- معتقد أتباعه وأنصار دعوته في هذا الباب. وسندرك من خلال عرض سريع أن الشيخ ﵀، وأتباعه- من بعده- قد اعتنوا بمسألة الأسماء والصفات، وأعطوها حقها من الإيضاح والبيان. فمع ما كانوا عليه من الانشغال والحرص التام في تقرير توحيد العبادة وبيان ما يناقضه، والاهتمام به قبل كل شيء، لأنه أول واجب على المكلف ومفتاح دعوة الرسل، إلا أن هذا لم يشغلهم عن بيان توحيد الأسماء والصفات٢ -كما قرره علماء

стр. 109

السلف-، خاصة بعدما انتشرت هذه الدعوة الإصلاحية خارج بلاد نجد، حيث إن بلاد نجد لم تكن ظاهرة فيها الانحرافات في باب الأسماء والصفات، كما كانت الانحرافات ظاهرة ومشاهدة في باب العبادة والألوهية. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ عن حال أهل نجد في مسألة الأسماء والصفات: (ونحن بحمد الله قد خلت ديارنا من المبتدعة أهل هذه المقالات) ١ لكن لما انتشرت الدعوة خارج بلاد نجد، احتاج الأمر إلى زيادة بيان في مبحث الأسماء والصفات، لما كان عليه غالب بلاد المسلمين من كثرة الانحراف في باب الأسماء والصفات. كما أن هذا البيان المفصل- نوعا ما- سيكون بمثابة الرد- ابتداء- والحجة الدامغة لفرية الخصوم الآتي ذكرها بعد هذا البيان. وسنورد مفتريات الخصوم- كما جاءت مدونة في كتبهم أو من نقلها عنهم-، ثم نتبعها بالرد والدحض. ونسوق في خاتمة هذا الفصل- وبإيجاز- بعض ما سطره خصوم أئمة الدعوة في بيان معتقدهم في الأسماء والصفات. يقرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ عقيدته في باب الأسماء والصفات فيقول- بكل وضوح-: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ندّ له ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه سبحانه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل. فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلم به

стр. 110

حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ١. ويقول أيضاً- ﵀ في بيان توحيد الأسماء والصفات: (و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ متضمنة لما يجب إثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل، فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له، أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشريك ... ) ٣. ويثني الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن- ﵀ على جده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ثناءً حسناً، لما كان عليه من سلامة المعتقد، وتمام الاتباع للسلف الصالح في باب الأسماء والصفات، فيقول الشيخ عبد اللطيف: (ولهذا المجدد علامة يعرفها المتوسمون، وينكرها المبطلون، أوضحها وأجلاها وأصدقها وأولاها، محبّة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين، وقواعده المهمة التي أصلها الأصيل وأسها الأكبر الجليل معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير زيادة ولا تحريف ومن غير تكييف ولا تمثيل) ٤. وقد أورد صاحب "جواب الجماعة" معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب الأسماء والصفات فقال: (وكان ﵀ يعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة ... ، فيؤمن بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسمائه، وآياته، ولا يكيف، ولا يمثل صفاته بصفات خلقه ... ) ٥. فظهر جليا- مما سبق ذكره- ما كان يعتقده الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ في باب الأسماء والصفات، وأنه- ﵀ يدين الله بما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من

стр. 111

غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. أما عن معتقد أتباعه- من بعده- في هذا الباب، فنبتدئ بما قاله الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في بيان معتقدهم، حين دخلوا مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، يقول ﵀: (.. مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم، خلافا لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي أنا نقر آيات الصفات وأحاديثها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى..) ١. ويورد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب معتقدهم في باب الأسماء والصفات- بجواب أوسع من الجواب السابق- فيقول جواباً عن اعتقادهم في آيات الصفات: (الذي نعتقده والذي ندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة، وأصحابهم ﵃ أجمعين، وهو الإيمان بذلك والإقرار به وإمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل..، ممن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله تعالى، وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله ﷺ من غير زيادة عليها، ولا نقصان منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين بل أمروها٢ كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها، ومعناها إلى المتكلم بها صادق لا شك في صدقه، فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها٣ فسكتوا عما لم يعلموه، وأخذ ذلك الآخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضا بحسن الاتباع، والوقوف حيث وقف أولهم، وحذروا من التجاوز لها والعدول عن طريقهم، وبينوا لنا سبيلهم ومذاهبهم، وحذرونا من اتباع طريق أهل البدع والاختلاف..) ٤. ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- مبيناً ظهور توحيد الأسماء والصفات، ووضوحه عن طريق المصطفى ﷺ فيقول: (ومن المحال في العقل والدين، أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس

стр. 112

من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب ليحكم بين الناس، فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله، إلى سبيله بإذن ربه على بصيرة، وقد أخبر الله تعالى بأنه قد أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال هذا وغيره- أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول ... ) ١. ونختم كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب موجزاً مذهب السلف الصالح فيقول في كتابه "جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية": (مذهب السلف رحمة الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وعلى هذا مضى السلف كلهم، ولو ذهبنا نذكر ما أطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب) ٢. وسئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵏ عن آيات الصفات الواردة في الكتاب كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وكذلك قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٤ وقوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٥ وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٦ وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٧ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٨ وقوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٩ وغير ذلك في القرآن. ومن السنة قوله ﷺ " قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن " ١٠ ١١ وكذلك النفس، وقوله: " إن ربكم ليضحك " ١٢ وقوله: " حتى يضع

стр. 113

رجله فيها فتقول قط " ١ ٢ وغير ذلك مما لا يحصره هذا القرطاس. على ما تحملون هذه الآيات وهذه الأحاديث في الصفات؟ فكان من جوابهم أن قالوا: (الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها: ما قال الله ورسوله، وما جمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، وهو الإقرار بذلك، والإيمان من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك، وعلته الرحضاء- يعني العرق-، وانتظر القوم ما يجيء منه، فرفع رأسه إليه، وقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج، ومن أول الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك، وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها فيقال في النزول النزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة ... إلى آخر جوابهم ﵏ ٤. وللشيخ حمد بن ناصر بن معمر رسالة نفيسة تضمنت بيانا شافيا وكافيا لعقيدة السلف الصالح في الأسماء والصفات٥ وحشد النصوص والبراهين الدالة على

стр. 114

صحة عقيدة السلف الصالح، نقتصر على إيراد هذا النص من هذه الرسالة: (فشيخنا١ ﵀ وأتباعه، يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يتجاوزون القرآن والحديث، لأنهم متبعون لا مبتدعون، ولا يكيفون، ولا يشبهون، ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقية منزهة عن التشبيه والتعطيل، كما أنه سبحانه له ذات حقيقية منزهه عن التشبيه والتعطيل، فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقية لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين، واعتقاد المبطلين، فهو كالخارج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغا للشاربين) ٢. ويقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵀، في تقرير توحيد الأسماء والصفات- من خلال سورة الإخلاص: (فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣ فيها توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل، فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي الشبيه والمثيل، ونفي مطلق الشريك عنه، وهذه الأصول مجامع التوحيد العلمي والاعتقادي الذي يباين صاحبه فرق الضلال والشرك) ٤. ويذكر صاحب كتاب "التوضيح عن توحيد الخلاق" بيان توسط أهل السنة والجماعة بين الفرق فيقول:

стр. 115

(فأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق، فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف..) ١. ويبين الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- ﵀ أهمية الإيمان بأسماء الله وصفاته، فيقول في كتابه "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" عند شرحه لباب (من جحد شيئا من الأسماء والصفات) : (لما كان تحقيق التوحيد، بل التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله، والإيمان بأسمائه وصفاته، نبه المصنف- أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ صاحب كتاب "التوحيد"- على وجوب الإيمان بذلك) ٢. ونظراً لخطورة إنكار شيء من صفات الله عزوجلفإن الشيخ سليمان ﵀ يقوله في شرحه لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ٣. (فيه دليل على أن من أنكر شيئا من الصفات فهو من الهالكين، لأن الواجب على العبد الإيمان بذلك سواء فهمه أم لم يفهمه، وسواء قبله عقله أو أنكره، فهذا هو الواجب على العبد في كل ما صح عن الله وعن رسوله ﷺ ٤. ويذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن معتقدهم في باب الأسماء والصفات، وأنه معتقد أهل السنة والجماعة، فيقول في كتابه "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" عند شرحه باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوه﴾ ٥. (قلت: والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة متقدمهم ومتأخرهم، إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ على ما يليق بجلالة الله إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦ وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه

стр. 116

ومثاله، فكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتا حقيقية لا تشبه شيئاً من ذوات "المخلوقين، فله صفات حقيقية لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئاً مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه فهو جهمي قد اتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ ٢. ويشير الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى منشأ ضلال المعطلة في مسألة الصفات، فيقول في شرحه لباب (من جحد شيئاً من الأسماء والصفات) : (فإن الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، فقالوا هذه الصفات هي صفات الأجسام، فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما. هذا منشأ ضلال عقولهم، لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات، والمعدومات، فشبهوا أولاً، وعطلوا ثانياً، وشبهوه ثالثاً بكل ناقص ومعدوم، فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته ... ) ٣. وحين ختم الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب التوحيد بقوله: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٤ ثم ساق أحاديث هذا الباب٥. كان مما سطره قلم الشيخ عبد الرحمن بن حسن شرحاً لهذا الباب أنه قال: (وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله وعظيم قدرته، وعظم مخلوقاته، وقد تعرف إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها

стр. 117

تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.. وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله، وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات التي تدل على عظمته، وتأمل ما فيها من إثبات علو الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها، إن ظاهرها غير مراد، وأنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقاً بَلّغَهُ أَمِينُهُ أُمَّتَه، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين) ١. ومما كتبه الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في مبحث أسماء الله وصفاته نختار هذه الخلاصة: (.. والحاصل أنه ما من اسم يسمى الله به، إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد، وأنه سبحانه منزه عن كل ما يلزم من حدوثه أو نقصه، فكما أن علمنا وقدرتنا وإرادتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراض تدل على حدوثنا، امتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها، فنعوذ بالله من تأويل يفضي إلى تعطيل، ومن تكييف يفضي إلى تمثيل..) ٢. ويورد الشيخ أحمد بن مشرف توحيد الأسماء والصفات بعد توحيد الربوبية وذلك في قصيدته جوهرة التوحيد، فيقول ﵀: والثاني أن يوحد الله على ... أسمائه وفي صفاته العلى وكل ما به تعالى وصفا ... لنفسه على لسان المصطفى فإن وصفه به جل لزم ... والحكم في أسمائه كذا التزم٣ ويدافع الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في كتابه النفيس "تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي" عن معتقد السلف الصالح في هذا الباب، ويرد على من رماهم بالتشبيه، فكان مما قاله:

стр. 118

(حاشا السلف من اعتقاد التشبيه، أو أنهم يسكتون عن ظهور البدع ولكنهم لكمال علمهم، وقوة إيمانهم لم يفهموا ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيهاً، وأما المعطلة فإنهم فهموا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله التشبيه والتجسيم، ثم شرعوا في رد الكتاب والسنة بالتأويلات المستنكرة والتحريفات المزورة، فأخطأوا خطأين، لأنهم شبهوا أولا، ثم عطلوا ثانياً، وأما السلف الصالح، ومن معهم من الخلف الناجح فمسلكهم مسلك بين مسلكين، وهدى بين ضلالتين، أثبتوا بغير تشبيه وتمثيل، ونزهوا بغير تحريف ولا تعطيل، وأنكروا مذهب الجهمية والمعتزلة، وردوا على من قابلهم من المجسمة والممثلة ... ) ١. وفي رسالة "تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهات"٢ لأحد علماء نجد، يذكر معتقدهم في أسماء الله وصفاته فيقول: (اعلم أن إيماننا بما ثبت في نعوته تعالى كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، ونقول كما قال السلف الصالح: آمنا بالله على مراد الله، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فالاستواء معلوم من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكل ما وصف الله به نفسه وجب الإيمان به، كما يجب الإيمان بذاته، والكيف مجهول فيهما، لاستحالة تصوره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ ومن ليس له مثل لا يمكن التصور في ذاته وصفاته لا شرعاً ولا عقلا..) ٤. ويجمل علامة العراق محمود شكري الآلوسي عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مسألة الأسماء والصفات فيقول الآلوسي في "تاريخ نجد": (قد عرف واشتهر واستفاض من تقرير الشيخ، ومراسلاته، ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلاميذه، أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل

стр. 119

الفقه والفتوى في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت به الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله بالقبول والتسليم يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها، كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ... ) ١. وقد تضمن "البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد" ما نصه: (أما بعد: فإنا نعتقد أن الله واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته ... ، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسله، بلا تكييف، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، وأن الله فوق سماواته على عرشه علا على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون..) ٢. ويقول الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد في خطابه، موضحاً توحيد الأسماء والصفات، ومبيناً أوجه الاتفاق وأوجه الخلاف في هذا التوحيد عند أصحاب المقالات من الفرق الإسلامية: (توحيد الأسماء والصفات وهو إثبات ما وصف الرب تعالى وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتاً يليق بجلاله وعظمته، ويختص به من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وجميع أصحاب المقالات من الفرق الإسلامية متفقون على إثبات هذه المقدمة، وهي أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص، وإنما اختلفوا فيما هو كمال وما هو نقص أو يلزم منه النقص فمنهم من ظن أن وصف الباري تعالى بما وصف به نفسه يلزم منه التجسيم والتشبيه، فنفى ما أثبته الله تعالى لنفسه، وعطل أسماءه وصفاته، وألحد فيها، ومنهم من أثبت ذلك وغلا في الإثبات حتى شبه صفات الباري تعالى بصفات خلقه، وهدى الله أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية إلى القول بما دل عليه الكتاب والسنة ومضى عليه سلف الأمة من إثبات جميع ما وصف به تعالى نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت وهذا هو طريق النجاة..) ٣.

стр. 120

ويقول القصيمي في كتابه "الثورة الوهابية" أثناء حديثه عن معتقد الشيخ محمد ابن عبد الوهاب: (إيمانه بما تواترت عليه الكتب المقدسة، ولا سيما القرآن من أن الله مستو على العرش استواء يليق به لا كما يستوي المخلوق ... وقد نازعه مخالفوه قائلين إن ذلك يقتضي التجسيم وتشبيه الله بخلقه، فرد عليهم قائلا: إن جميع الكتب السماوية مصرحة بذلك تصريحاً لا يقبل الجدل. والله أعلم حيث يصف نفسه، وأعلم بما يجوز في حقه، وما لا يجوز، وقائلا: إن المسلمين قائلون بذلك قبل ظهور هؤلاء المخالفين بلا نزاع بينهم ... ) ١. وأخيراً ندرك من خلال النصوص السابقة طريق النجاة الذي سلكه أئمة هذه الدعوة السلفية، تأسيا واقتداء بالرعيل الأول، من وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوزون القرآن والحديث في ذلك. ونلاحظ -كما سيأتي- أن مزاعم خصوم هذه الدعوة السلفية التي تكذب على إمام هذه الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتبهته بأنه مجسم ومشبه في الصفات، نلاحظ أن من مبررات الخصوم في القذف بهذا البهتان هو أن الشيخ ﵀ وكذا أتباعه من بعده يثبتون جميع الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، ويمرونها -كما جاءت- على ظاهرها دون تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، ويفوضون العلم بالكيفية إلى الله . فجعل الخصوم هذا الإثبات مبرراً في رمي الشيخ بالتشبيه والتجسيم، لذا يأتي مع هذه الفرية غالباً بيان لبعض الصفات التي يثبتها الشيخ لله وهو كما تقدم لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه رسوله ﷺ ... مثل صفة الاستواء، والعلو، والنزول، ونحوها، ويسوق الخصوم هذا الإثبات زعماً منهم أنه تجسيم وتشبيه، ولا يكتفون بذلك، بل يختلقون زيادة في الإفك والبهتان، فيزعمون أن الشيخ يثبت لله الجلوس والجنب واللسان، بل يكذبون عليه- أشنع من قبل-، ويبهتونه بأنه يقول إن الله جسم كالحيوان.. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا. ومن أوائل الذين ذكروا هذه الفرية، أحد علماء الزيدية حين كتب رسالة يرد على رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، فقال هذا الزيدي مخاطباً الشيخ عبد الله: (وأنت أيضاً قد ناقضت كلامك بكلامك، حيث قلت: وذلك مثل وصف نفسه ﵎ بأنه فوق السماوات مستو على عرشه، فقد فسرت كتاب الله وأثبت لله

стр. 121

صفة، وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم، وليست الفوقية مذكورة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ٢. ويشنع علوي الحداد على الشيخ الإمام، فيقول الحداد: (ومن أعظم بدع النجدي عقده الدروس في التجسيم للباري تعالى الله عن قول الجاحدين والكافرين علواً كبيرا) ٣. ويقول -أيضا- عن الشيخ: (.. ومع ذلك أظهر التجسيم والحركة والانتقال) ٤. ويذكر أحد دجالي بلاد المغرب٥ هذه الفرية.. فكان من دجله أنه قال في كتابه المسمى "المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية": (ويحكى عنهم - أي الوهابية- أنهم اتبعوه- أي ابن تيمية- في القول بالتجسيم، وحملوا على ذلك ظواهر القرآن الكريم تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.. وكانوا أجدر باللحوق بأهل الأصنام لأنهم إذا اعتقدوا أن معبودهم جسم لم يعبدوا الله ولا عرفوا منه إلا الاسم..) ٦. وأما المدعو علي نقي اللكنهوري، فقد رمى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالأكاذيب والمفتريات، ولكنه أعرض عن هذه الفرية فقال: (ونطوي كشحا عما يعزى إليهم من التجسيم) ٧. ويورد شيخ الكذب أحمد بن زيني دحلان هذه الفرية، أثناء سرده أكاذيب على الشيخ، فقال دحلان: (وإظهار التجسيم للباري ﵎، وعقده الدروس لذلك ... ) وتلقف أحمد مختار باشا المؤيد هذا الإفك، فقال: (ومن مذهبهم: القول بالتجسيم للباري جلا وعلا، وقرروه في دروسهم) ٩. ويستنكر النبهاني في قصيدته "الرائية الصغرى" إثبات الوهابيين لصفة العلو لله

стр. 122

سبحانه وتعالى، فكانوا أحق بالوقوع في الشرك؛ لأن هذا تجسيم على حدّ زعمه، فقال: وهم باعتقاد الشرك أولى بقصرهم ... على جهة للعلو خالقنا قصرا هو الله رب الكل ﷻ ... فما جهة بالله من جهة أحرى تأمل تجد هذي العوالم كلها ... بنسبة وسع الله كالذرة الصغرى فحينئذ أين الجهات التي بها ... على الله من حمق بهم حكموا الفكرا١ ويأتي المدعو (جميل صدقي الزهاوي) بهذه الفرية، ويستطرد في الإفك والبهتان فيقول: (لقد خبطت "الوهابية" كل الخبط في تنزيهه تعالى، حيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتا على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه فجعلته ماسكا بالسماوات على أصبع والأرض على أصبع، والشجر على أصبع، ثم أثبتت له تعالى الجهة، فقالت هو فوق السماوات ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء الدنيا ويصعد ... ) ٢. ويقول الزهاوي أيضا: (لقد اعتقدوا متمسكين بظواهر الآيات أن الله تعالى ثبت على عرشه وعلاه علواً حقيقيا، وأن له تعالى وجها ويدين، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ويصعد نزولا وصعوداً حقيقيين، وأنه يشار إليه في السماء إشارة حسية ... لقد جعلت الوهابية معبودها جسماً كالحيوان جالساً على عرشه ينزل ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقيين، وله وجه ويد ورجل وأصابع حقيقية يتنزه عنه المعبود الحق ... ) ٣. وقد شنع يوسف الدجوي على أتباع الدعوة في إثباتهم لصفة العلو لله سبحانه، ويقول عبد الله بن علي القصيمي: (مما ينقمه "الدجوي" من الوهابيين، ويكفرهم من جرائه مسألة "علو الله على خلقه" وقد كتب في ذلك مقالات كثيرة في مجلة نور الإسلام، وفي مجلة الإسلام، وفي بعض الجرائد اليومية ... ) ٤.

стр. 123

ويورد (شرف) ١ في معرض تهجمه على الوهابية (المجسمة) على حد تعبيره هذا القول حاكياً حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (.. وأنه مؤول فيها الاستواء بالاستقرار قاتله الله، والله تعالى خال عن الجهات الست) ٢. وينكر الإسكندراني في نفحته تلك الفرية فيقول: (ومما تمذهبت به الوهابية في العقيدة إثبات اليد والوجه والجهة للباري وجعله جسماً يصعد وينزل) ٣. وقد أطال محسن الأمين العاملي هذه الفرية، وسود الصحائف بتلك الكذبة، فنورد بعضاً من إفكه حيث يقول: (لقد خرق بنفسه- أي ابن عبد الوهاب- ستور التوحيد، وأنه تكلم في حضرة الله تعالى عما يقول علواً كبيراً تكاد السماوات يتفطرن منها، وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، وهي أنه يحمل آيات الصفات على ظاهرها فيقول إن الله جالس على العرش حقيقة وأن له يداً ورجلا وساقا وجنبا وعينا ووجها ولسانا ونفسا وغيرها حقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوف، وذلك عين التجسيم الذي أطبق المسلمون على كونه كفرا ... ) ٤. وبعد أن يسوق بعض الأقوال في معتقد الوهابيين في الصفات، يعقبه بقوله: (وهذه الأقوال مما تأباه الشريعة الإسلامية والملة المصطفوية لملازمتها التجسيم، وأن المجسمة قد أطبق المسلمون على كفرهم فإنه ينافي التوحيد ... ) ٥. ويقول هذا الأفاك الأثيم:

стр. 124

(لقد أثبتوا لله جهة الفوق، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء، والقرب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية من دون تأويل. وهو تجسيم صريح..) ١. ونختم هذه الفرية بما أورده محمد جواد مغنية في كتابه "هذه هي الوهابية" حين قال: (يجمد الوهابيون على ظاهر نصوص الكتاب والسنة في صفات الله سبحانه، ولم يجيزوا تفسير الظواهر وتأويلها بغير ما دلت عليه الصورة الحرفية، بل يعتبرون التأويل كفرا؛ لأنه كذب على الله ورسوله، ويرون تنزيه الله بإثبات اليد له والرجل والكف والأصابع والنفس والوجه والعين والسمع والجلوس.. وما إلى ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه، أو جاءت على لسان نبيه من غير زيادة ولا نقصان، ولا تأويل بما يخالف ظاهرها) ٢. وبهذا يتضح من مزاعم الخصوم، أنهم يلصقون فرية التشبيه والتجسيم بالشيخ الإمام وأنصار دعوته، بحجة أن هؤلاء الوهابيين يأخذون بظواهر النصوص في آيات الصفات وأحاديثها. إذا انتقلنا إلى مقام الدحض والرد، لفرية التجسيم والتشبيه، فإن من أبلغ الردود وأقواها، ما أوردناه من النقول المتعددة التي تصرح بإثبات الصفات لله على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل ولا تكييف. وقد أظهر علماء الدعوة الحجج الدامغة والبراهين الساطعة في دحض هذه الفرية الكاذبة الخاطئة. فيقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرد على (الزيدي) الذي زعم- كما سبق ذكر قوله- إن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم، فكان مما قاله الشيخ عبد الله ﵀ رداً عليه: (قوله: وقد أردت أن تنزه ربك بما يلزم منه التجسيم كذب ظاهر؛ لأنا قد بينا أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله حق وصدق وصواب، ولازم الحق حق بلا ريب، ولا نسلم أن ذلك يلزم منه التجسيم، بل جميع أهل السنة المثبتة للصفات ينازعون في ذلك، ويقولون لمن قال لهم ذلك لا يلزم منه التجسيم، كما لا يلزم من إثبات الذات لله تعالى، والحياة والإرادة والكلام تجسيم وتكييف عند المنازع، ومعلوم

стр. 125

أن المخلوق له ذات ويوصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام، ومع هذا لا يلزم من إثبات ذلك لله تعالى إثبات للتجسيم والتكييف تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. ومعلوم أن هذه الصفات في حق المخلوق إما جواهر، وإما أعراض. وأما في حقه ﵎، فلا يعلمها إلا هو بلا تفسير ولا تكييف) ١. ويقول الشيخ عبد الله- أيضا-: (وقوله وأثبت لله صفة وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم كذب ظاهر؛ لأن إثبات الفوقية لا يلزم منه ذلك عند من قال به، والله أعلم من خلقه بما يجوز عليه وما يمتنع عليه، ولكن هذا شأن أهل البدع والضلال، يردون ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله بهذه الأمور القبيحة ... ) ٢. ويقول الشيخ أحمد بن مشرف الإحسائي، أحد شعراء هذه الدعوة، ردا على فرية التشبيه، ودحضاً لهؤلاء المعطلة الذين عطلوا صفات الله..، فيقول ابن مشرف في قصيدة "الشهب المرمية على المعطلة والجهمية": نفيتم صفات الله فالله أكمل ... وسبحانه عما يقول المعطل زعمتم بأن الله ليس بمستو ... على عرشه والاستوا ليس يجهل فقد جاء في الأخبار في غير موضع ... بلفظ استوى لا غير متأوّل وقد جاء في إثباته عن نبينا ... من الخبر المأثور ما ليس يشكل٣ ويفصل الشيخ سليمان بن سحمان- أثناء رده على فرية التجسيم- المراد من إطلاق لفظ "الجسم" على الله ، ويبين ما يجوز من هذه المعاني، وما لا يجوز فيقول ﵀: (الجواب أن نقول اعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فيكون له الإثبات، ولا نفيا فيكون له النفي، فمن أطلقه نفيا وإثباتا، سئل عما أراد به، فإن قال أردت بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فلا للهواء جسم لغة.. فهذا المعنى منفي عن الله سبحانه عقلا وسمعا، وإن أردتم به المركب من المادة والصورة والمركب من الجواهر المفردة، فهذا منفي عن الله سبحانه قطعا، وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم،

стр. 126

ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة للرب، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما. وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية، فقد أشار أعرف الخلق بالله تعالى بأصبعه رافعا لها إلى السماء بمشهد الجمع الأعظم مستشهدا له، لا للقبلة ... ) ١. - إلى أن قال ﵀: (وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي، أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك مركبا مؤلفا مشبها بغيره، وتسميتكم هذه الصفات تجسيما وتركيبا وتشبيها، فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة، ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود، وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر. وأشد ما جادل به أعداء الرسول من التنفير عنه هو سوء التعبير عما جاء به وضرب الأمثال القبيحة له، والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة. ألقوها في مسامع المفترين المخدوعين توصلت إلى قلوبهم فنفرت عنه ... ) ٢. وللشيخ سليمان بن سحمان قصيدة شعرية في الرد على المدعو (شرف اليماني) حين رمى هذه الدعوة السلفية بالتجسيم فكان مما قاله: فلم نؤول كما قد قاله عمها٣ ... ونتبع الجهم فيما قال وانصرفا ولم نجسم كما قالوا بزعمهم ... بل نثبت الفوق والأوصاف والشرفا إن المجسمة الضلال ليس لهم ... في غيهم من دليل يوجب النصفا والله ما قال منا واحد أبدا ... بأنه كان مجسما إن ذا لجفا بل نثبت الذات والأوصاف كاملة ... كما به الله والمعصوم قد وصفا ولم نشبه كأهل الزيغ حين بغوا ... واستبدلوا بضياء الحق ما انغسقا٤

стр. 127

ويبين الشيخ فوزان السابق في كتابه "البيان والإشهار" تدليس المدعو أحمد باشا مختار المؤيد، وتلبيسه الحقائق حين رمى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بفرية التجسيم، فقال الشيخ فوزان: (أقول: أجمل هذا الملحد فريته، فلم يذكر وجه هذا التجسيم الذي قرره الوهابيون في دروسهم مفصلا كما زعمه، وقصده في هذا التدليس، إخفاء مذهبه الباطل فهو جهمي معطل، ويعني بالتجسيم إثبات صفات الباري جل وعلا، كما هي واردة في الكتاب والسنة، وكما عليه سلف الأمة من الإيمان بالله وبما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ... فمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في صفات الله تعالى مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم ... ) ١. ومما كتبه محمد رشيد رضا في دحض كذب الرافضي العاملي، لما رمى الشيخ محمد بن عبد الوهاب- وكذا ابن تيمية من قبل- بفرية التشبيه والتجسيم، فقال محمد رشيد رضا: (إن ما ذكره من العقائد التي زعم أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأمثالهم أباحوا بها حمى التوحيد، وهتكوا ستوره بإثباتهم لله تعالى صفة العلو والاستواء على العرش ... إلخ، إنما أثبتوا بها كسائر أهل السنة ما أثبته الله تعالى في كتابه المعصوم وفي سنة خاتم أنبيائه المعصوم المبينة له. فهم يثبتون تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل، ولكن مع إثبات التنزيه فهم متبعون في ذلك لسلف الأمة الصالح غير مبتدعين له، وإنما ابتدع التأويل الجهمية والمعتزلة وأتباعهم من الروافض بشبهة تنزيه الله تعالى عن التجسيم والتشبيه. وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرهما من لوازم الأجسام، فبهذه الشبهة عطلوا أكثر صفات الله حتى صارت عندهم في حكم العدم. والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص، وبما يجب الإيمان به، وأشد منهم تنزيها للرب -إلى أن قال-: والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه

стр. 128

قد ثبت بدليل العقل والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ وأن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك، وعدم التحكم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام) ٢. ثم يكذب محمد رضا دعوى هذا الرافضي، حيث يقول: (زعم الرافضي العاملي أن ابن تيمية أول من أثبت ما ذكره من صفات الله تعالى بدون تأويل وتبعه بعض تلاميذه، ثم الوهابية، وأنهم خالفوا في ذلك جميع المسلمين، وهذا كذب وافتراء، وتضليل لعوام أهل السنة، وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الذي من أصوله تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل، وجعله عزوجلكالعدم تعالى الله عما يقول المبتدعون علواً كبيرا. فما من صفة من تلك الصفات إلا وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث النبوية الصحيحة..) ٣. ويقول ناصر الدين الحجازي في "النفخة" راداً على بهتان الاسكندرانى حين جعل إثبات الوهابية للصفات تجسيما: (الوهابية لم يثبتوا ذلك وإنما أثبته الله تعالى لنفسه، غاية الأمر أن الوهابية كغيرهم من السلف، يؤمنون بذلك، ويكلون علمه إلى الله تعالى من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، وبذلك نطقت كتب عقائدهم. ولقد كانت المعتزلة ترمي أهل السنة بأنهم مجسمة، وذلك مسطور في كتبهم، وصاحبنا سلك هذا المسلك، فإذا كان المؤلف ينكر إثبات تلك الصفات لله تعالى، فلينكر على من أثبتها، وأما الجسمية فمحال أن يعتقدها مسلم٤ ومن ادعاها لأمة مسلمة فعليه أن يبرهن عليها بنقل من كتبهم لا بمجرد الإفك والافتراء) ٥. ويهاجم عبد الله بن علي القصيمى أهل الرفض من أمثال العاملي وغيره؛ لأنهم أكذب الناس حديثا فلا يعول على نقلهم، ويذكر القصيمي ما عليه الرافضة من التشبيه والتجسيم، حيث إنهم من أفراخ اليهود.

стр. 129

يقول القصيمي في كتابه "الصراع بين الإسلام والوثنية" في الرد على العاملي بعد أن ساق كلامه: (يقال إن الذين أباحوا حمى التوحيد وهتكوه ونسفوه، وأضافوا إلى الله ما لا يليق بقدسه وجلاله وكماله من التشبيه والتمثيل، تمثيل الله بخلقه لم يوجد في طائفة من الطوائف المنحرفة مثلما وجدا في طائفة الرافضة. ولا خلاف بين علماء الملل والنحل أن التشبيه أول ما دخل على الطوائف الدائنة للإسلام. إنما دخل عليها من شطر الرافضة، وجانب شيوخها القدامى. ولا خلاف أيضا أن التشبيه كان أصلا ووضعا في طوائف الشيعة وشيوخها ووضع مذهبها وبناة نحلتها ... حيث إن واضع مذهب الشيعة هو رجل يهودي وهو عبد الله بن سبأ، واليهود هم أهل التشبيه والتنقص لله جل وعلا ... ) ١. ثم يقول القصيمي: (وأما دعواه أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وتلاميذه وأهل السنة من أهل نجد يقولون إن الله جسم، وأنه في جهة، وأنه يشبه أحداً من خلقه في صفة من صفاته ونعت من نعوته، فهذه دعوى يتقلدها ويبوء بإثمها هو ومن افتجرها له وقلده فيها، ممن تعبدوا الله بالأكاذيب والاختلاق على رجال السنة والحديث تغريراً وتنفيراً وخداعا مزريا، ولو لم تكن كتب ابن تيمية وتلاميذه الأبرار وأهل السنة من أهل نجد مطبوعة منشورة في أنحاء العالم، معروفة للخاصة والعامة، لقلنا كذب على غائب مجهول، قد يروج، وقد ينفق، وقد يحسب من الحقائق الصادقة، وقد يكون كذلك، وقد يخادع الكاذب نفسه ويغش علمه ويظلم دينه، أما الكذب على معلوم حاضر فلا يجرؤ عليه إلا أناس قليلون استهانوا بالحق والخلق ... فهذه كتب النجديين موجودة في كل مكان، قد طبع الشيء الكثير منها، وهذه مقالاتهم وآراؤهم في هذه المطالب المتنازع فيها بينهم، وبين هؤلاء الخلوف المخالفين، وهذه أقاويلهم في الله، وفي صفاته، مثل الاستواء على العرش، ومثل كلامه، ونزوله إلى سماء الدنيا، وسائر صفاته تعالى، هل يستطيع أحد من الناس أن يجد فيها أنهم زادوا على النصوص الصحيحة من الآيات والأحاديث الثابتة، أو أنهم قالوا على الله قولاً لم يكن في كتاب الله ولا في سنة نبيه..) ٢.

стр. 130

إن هؤلاء الأدعياء ممن رموا هذه الدعوة الإصلاحية بفرية التجسيم والتشبيه، أنهم لم يفقهوا من الصفات التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ إلا صفات البشر، ولم يفقهوا من صفات الله إلا ما فقهوه من خصائص وصفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم- المنحرفة- بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله- كالاستواء والعلو، والكلام، ونحوها-، وشبهوه بالناقصات، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فهؤلاء جمعوا ببن التشبيه بالمخلوق أولا، ثم التعطيل ثانيا، ثم التشبيه بالناقصات، ولم يكتفوا بذلك الضرر، بل قذفوا- كذباً وزوراً- أئمة هذه الدعوة السلفية بالتجسيم والتشبيه، حين وصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم١. ونختم هذا الفصل بذكر مثالين- فقط- لما كتبه الخصوم في مسألة الصفات، ليتضح- جليا- ضلال القوم وفساد عقائدهم في ذلك. والمثال الأول: هو ما كتبه أحد علماء الشيعة، وهو المدعو محمد بن عبد الوهاب ابن داود الهمداني، في رسالته "إزهاق الباطل"٢ حيث ذكر معتقدهم بكل زهو وعجب، على أنه هو المعتقد الحق في ذلك فقال:

стр. 131

(واعلم أنا لما نظرنا بعين البصيرة.. في المذاهب، وجدنا أحقها بالاتباع والانقياد، وأخلصها من شوايب الفساد، وأعظمها تنزيها لله ولرسوله، ولأوليائه الأمجاد مذهب الشيعة، لأنهم اعتقدوا أن الله سبحانه هو المخصوص بالأزلية والقدم، وأن كل ما سواه محدث، وأنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا في مكان، وإلا كان محدثا، وأنه تعالى غير مرئي، ولا مدرك بشيء من الحواس) . ففي النص السابق، إنكار لبعض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ حيث أنكر علوه سبحانه، وأنكر رؤيته سبحانه، كما أن هذا النص تضمن وصف الله تعالى بألفاظ مبتدعة مستحدثة، مع الإعراض عن الألفاظ الشرعية الدينية ... والمثال الثاني: ما ذكره أحد أدعياء التصوف وهو النبهاني في كتابه "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" حيث يقول: (قد ظهر لنا معاشر أهل السنة من السلف والخلف من عهد النبي ﷺ إلى الآن ظهورا جليا ليس معه أدنى شك وارتياب أن الصواب الصراح والحق الأبلج الوضاح هو تنزيه الله عن جميع الجهات العلويات والسفليات، لأنها من أوصاف الحادثات..) ١. ويقول النبهاني- أيضا- منكرا صفة العلو: (وأما ما ورد مما يفيد ظاهره أن الله تعالى في جهة العلو وجهة الفوق، وفي السماء، فهذا يجب تأويله قطعا لأن كمال الله تعالى الثابت المحقق من كل الوجوه عقلا ونقلاً يقتضي أن لا تحصره تعالى جهة العلو ولا غيرها من الجهات) ٢. ومما قاله النبهاني- شعراً-: سبحانه من إله ليس يحمله ... عرش بل العرش محمول له وبه لو استقر على العرش لكان به ... للعرش حاجة محتاج لمركبه لكن عليه استوى لا كيف نعلمه ... للاستواء أو القهر المراد به جاء المجيء له سعيا وهرولة ... والحب والقرب منه مع تقربه والعلو والفوق أيضا والنزول أتى ... والضحك مع غضب ويل لمغضبه وقد تعجب من أشياء قد وردت ... كما يليق به معنى تعجبه وهكذا كل لفظ موهم شبها ... فوضه لله أو أول بلا شبه٣

стр. 132

لقد تضمنت تلك النصوص المتردية تعطيلا لصفات الخالق عزوجلمثل العلو والاستواء والنزول وغيرها، كما تضمنت تحريفا للنصوص الثابتة عن مواضعها، مع الافتراء على السلف الصالح، والزعم بأن التعطيل هو مذهبهم، والله المستعان.

стр. 133

الفصل الثالث: فرية إنكار كرامات الأولياء نتحدث في هذا الفصل عما أورده بعض المناوئين لهذه الدعوة السلفية من إفك مبين وكذب عظيم، حيث بهتوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -كعادتهم- وافتروا عليها بأنها تنكر كرامات الأولياء. وسنورد -كما فعلنا في الفصلين السابقين- تمهيدا يتضمن بعض النصوص التي اخترناها من كلام أئمة الدعوة وأنصارها، والتي تبين وضوح موقفهم من كرامات الأولياء..، وأنهم يثبتونها ويقرون بها ... ، كما كان يثبتها ويقررها إخوانهم من قبلهم من أهل القرون المفضلة ومن تبعهم.. وعقب هذا التمهيد، ننقل افتراء الخصوم في ذلك كما جاء مدونا في كتبهم ونعرض لما تضمنته تلك النقول من عناصر وأفكار.. ثم نتبع تلك الفرية بالدحض والرد، مما كتبه أئمة الدعوة وأنصارها، وبما سطروه من أدلة ساطعة وحجج دامغة لتلك الفرية الكاذبة الخاطئة. يقرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ إثباته لكرامات الأولياء، فيقول بكل صراحة ووضوح: (وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله) ١. ويقول أيضا: (وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٢ إلى آخره هذا وحي إلهام،

стр. 134

ففيه إثبات كرامات الأولياء) ١. ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب الواجب في حق أولياء الله الصالحين فيقول: (.. الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين) ٢. ويؤكد أتباع الدعوة من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الاعتقاد ويقررونه. فنجد أن الإمام عبد العزيز الأول يشير إلى حقوق أولياء الله، مع بيان الفرق بين الولي الحق، وبين مدعي الولاية- كذبا وزورا- فقال ﵀: (وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم، والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم، ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءاً لا يقدر على دفعه إلا هو عزوجلفإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس. هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين كظهور اتباع سنة وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل، ولبس شكلاً مخصوصا وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلما وادعاءاً، ورغب عن سنة المصطفى ﷺ وأحكام شرعه) ٣. وبين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بعضا من حقوق الأولياء ... لكن دون الغلو فيهم فيقول ﵀: (ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل، ومن كل مسلم) ٤. وينص الشيخ عبد العزيز الحصين على ما قرره أسلافه فيقول- بيانا لحق الأولياء-:

стр. 135

وحق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكرامتهم، لا عبادتهم ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله ﵎ ويدفعوا عنهم سوءا لا يقدر على دفعه أو رفعه إلا الله، لأنه عبادة مختصة بجلاله سبحانه ... ) ١. وقد سئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن كرامات الأولياء، فأجاب على ذلك فكان مما قاله: (مسألة: كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من المعجزات؟ (الجواب: كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعه للنبي ﷺ ، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان داعيا لاتباع النبي ﷺ بريئا من كل بدعة وانحراف عن شريعته ﷺ فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه..) ٢. ويشير محمود شكري الآلوسي- ﵀ إلى وجوب الإيمان بكرامات الأولياء، فيقول: (وأما الجواب عن مسألة الكرامات فيقال: إن كرامات الأولياء حق لا شبهة فيه، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، ولشيخ الإسلام قدس الله روحه كتاب جليل في ذلك سماه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ٣. ويوضح الشيخ سليمان بن سحمان معتقدهم في كرامات الأولياء، فيقول في كتابه "الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد": (واعلم أننا لا ننكر الكرامات التي تحصل لأولياء الله، إذا صدرت على القانون المرضي والميزان والشرعي، فإن أولياء الله هم المتقون المقتدون بمحمد ﷺ فيفعلون ما أمر به، وينتهون عما نهى وزجر ... فيؤيدهم الله بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين ... ) ٤. ويقول ابن سحمان في قصيدته "عقود الجواهر واللآلي في معارضة بدء الأمالي،، حيث تحدث عن كرامات الأولياء، وبين أن خوارق العادات إما أن تكون

стр. 136

أحوالا شيطانية، أو كرامات فقال ﵀: وكل كرامة ثبتت بحق ... فحق للولي بلا اختلال نوال من كريم حيث كانوا ... بطاعة ربهم أهل انفعال وليس لهم نوال أو حباء ... لمن يدعوهمو من كل عال وإن الخرق للعادات فاعلم ... على نوعين واضحة المثال فنوع من شياطين غواه ... لمن والاهمو من ذي الخيال ونوع وهو ما قد كان يجري ... لأهل الخير من أهل الكمال من الرحمن تكرمة وفضلا ... لشخص ذي تقى سامي المعالي ولكن ليس يوجب أن سيدعى ... ويرجى أو يخاف بكل حال فما في العقل ما يقضي بهذا ... ولا في الشرع يا أهل الوبال١ ونختم هذه النقول النفيسة بما أورده الشيخ عبد الله بن بليهد- ﵀ في خطابه الذي ألقاه أثناء الاجتماع بين علماء نجد وعلماء مكة المكرمة، فقال- ذاكراً حقوق أولياء الله-: (وكذلك أولياء الله تجب محبتهم، والإقرار بفضائلهم على اختلاف مراتبهم، وما يجريه الله على أيديهم من الكرامات، وخوارق العادات، ولا ينكر كرامات الأولياء إلا أهل البدع، لكن يجب أن يفرق بين أولياء الله وغيرهم فإن أولياء الله هم المتقون العاملون لله بطاعته، كما قال تعالى في وصفهم ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢. فمن كان مؤمناً تقيا كان لله ولياً ليس إلا..) ٣. من خلال هذه النقول نلاحظ أنها متفقة على إثبات كرامات الأولياء، والإقرار بها، ومتفقة على وجوب محبتهم والاعتراف بفضائلهم ومناقبهم. كما أنها توضح أن الولي لله- حقاً- هو من كان مؤمناً متبعاً لسنة المصطفى ﷺ فليست الولاية مجرد لبس زي مخصوص، وإسبال الإزار، وإطالة السبحة، ومد اليد للتقبيل، مع ترك اتباع السنة النبوية.. وهذه النقول تؤكد النهي عن الغلو في الأولياء، فلا يجوز صرف شيء مما يستحقه الله تعالى لهم، فحق الأولياء هو المحبة والتقدير وإثبات الكرامات لهم فلا جفاء

стр. 137

في حقهم، وليس من حقهم أن تصرف بعض أنواع العبادة- التي يجب أن تكون لله وحده- لهم، فلا غلو في قدرهم. فاختار أئمة الدعوة- بهذا المسلك- دين الله الذي هو وسط بين طرفي الغلو والجفاء. ننتقل بعد ذلك التمهيد إلى ما افتراه المناوئون وسودوا به الصحائف من قذف الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بفرية إنكار كرامات الأولياء، وسنورد أقوالهم كما جاءت مسطورة في كتبهم، ثم نعرض لهذه النقول بنظرة سريعة فيما احتوته من قضايا وأفكار. يزعم علوي الحداد في مصباحه أن إنكار كرامات الأولياء من جملة هذيان الشيخ ابن عبد الوهاب، فيقول الحداد: (ومن جملة هذيانه أيضا إنكاره كرامات الأولياء وما خصهم الله به من الخصوصيات والأسرار والبركات) ١. ويقول علوي الحداد أيضا- حين ذكر ما أسماه بضلالات النجدي-: (وأنه يرى أن الأموات لا نفع منهم للحي وأنه لا كرامة لهم.. وأن من مات انقطعت كرامته، حتى أدخل على العوام الشبه، والنزاع منه في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر، وأيضا إذا أقر بكرامات الأحياء، فهم أجمعوا بل وأخبروا بوقائع بينهم والأموات، فتكذيبه في حق الأموات تعدي لتكذيبه للأحياء فهو مكذبهما معا..) ٢. ويدعي عمر المحجوب في رسالته- ردا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب- هذه الفرية، فيقول: (كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء وعدم نفع الدعاء وكلها عقائد عن السنة زائغة وعن الطريق المستقيم رائغة) ٣. ويتلقف اللكنهوري هذه الفرية، فيزعم في أحد أبواب كتابه المسمى "كشف النقاب": (الباب الثالث: عقيدته في الأولياء والصالحين كان منكرا لكرامتهم وزيارتهم ... وقد بينه هو وأتباعه ببينات طويلة لا طائل تحتها، ونحن ننقل بعض عباراته في هذا المقام ليكون الناظر على بصيرة من نفثات لسانه) ٤.

стр. 138

ومما كتبه داود بن سليمان بن جرجيس عن الغلو في الأولياء، قوله: (ولما كان يحصل من التوسل والتشفع بالأنبياء والأولياء إنما هو من طريق الكرامة مع كونهم متسببين في دار برزخهم، فالولي ما دام لم يصل إلى الآخرة، وهي ما بعد القيامة فهو بدار دنيا، فتكون كراماته موجودة) ١. ويتوصل إبراهيم السمنودي في كتابه "سعادة الدارين"، إلى فهم أعوج، وقصد سيئ حين جعل ما ذكره أئمة الدعوة من انقطاع عمل الميت وعدم قدرته، إلى أنهم يقصدون بذلك إنكار كرامات الأولياء، فقال: (وأما قول المنكرين للتوسل أن الميت لا يقدر على شيء أصلا إلى آخر ما زعموه فيقصدون به إنكار كرامات الأولياء، وما ثبت في تصرفهم كالأنبياء والشهداء بعد موتهم لعدم الكرامة فيما بينهم، وذلك أدل دليل على أنهم أهل بدعة كالمعتزلة المنكرين لها) ٢. ويقول حسن الشطي في رسالته "النقول الشرعية": (وكرامات الأولياء حق، وأنكر الإمام أحمد من أنكرها وضلله، والحاصل أن علماء الحنابلة كغيرهم من أهل السنة يجمعون على إثباتها حتى طائفة النجدية الوهابية مع غلوهم يثبتونها للأولياء، إلا أن البعض منهم يخصها بالأحياء، ولم يثبت لهم دليل التخصيص أبدا) ٣. ثم ذكر الشطي كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مسألة كرامات الأولياء، فكان مما نقله- هذا المفتري المحرف- ما نصه: (ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالفضل وأنهم على هدى من ربهم. مهما ساروا على الطريقة المرضية، والقوانين الشرعية، أحياء وأمواتا، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادة) ا. هـ كلامه بحروفه٤.

стр. 139

- ثم قال الشطي: (فانظر إلى عبارة إمامهم المذكورة لا تجدها مخالفة لما عليه الجمهور من إثبات الحياة والكرامة للشهداء والأولياء والصالحين بعد وفاتهم كحال حياتهم ... فكيف يسوغ الآن من هذه الطائفة أو من غيرهم بتخصيص الكرامة في حال الحياة وبنوا عليها تخصيص التوسل والطلب في حال الحياة فقط حتى من إمامهم المذكور، فما هو إلا من غلوهم وعنادهم وغلبة جهلهم..) ١. ويأتي أفاك أثيم، فيزيد على سابقيه بالكذب والبهتان وهو المدعو عثمان بن يحيى العلوي٢ حيث يقول: (وكذا كفر- أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب- من اعتقد كرامات الأولياء) ٣. (وأنه أنكر كرامات الأولياء) ٤. ويتبع العلوي من الإمعان في الإفك والزيادة في الإثم والبهت، ما زعمه المدعو محمد بن توفيق سوقيه في رسالته "تبيين الحق والصواب" فيقول: (وأما إنكارهم لكرامات الأولياء الثابتة بالكتاب والسنة، فأمر لا يخفى على أدنى ممارس لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ والكرامة لا تقع إلا على يد من بالغ في الاتباع للشريعة حتى بلغ الغاية، فأنى تراها الوهابية مع انحرافهم عن الجادة) ٥. ويكذب سوقية مرة أخرى فيقول: (ولا عبرة بإنكار الوهابية للكرامات حيث لا يعدون في العير، ولا في النفير، ولا ينظر لكلامهم البتة بعد ما ثبتت الكرامات..) ٦. ويستمر في كذبه- كعادته- فيقول: (ولما كانت الوهابية لا إمام لها في كل شيء تقوله وتدين به سوى اختراع دين

стр. 140

جديد، حبا في الظهور قالت بإنكار الكرامات..١. ويقول حسن خزبك في "مقالاته": (ومن قال بأن كرامات الأولياء لا تكون إلا في حياتهم فقط، وتزول بعد الموت فقوله غير معتد به، لأن الكرامة أمر خارق للعادة.. يظهرها الله على يد رجل صالح متمسك بدينه الحق..) ٢. ومن أواخر هؤلاء المفترين الكذابين ممن افترى على هذه الدعوة السلفية فرية إنكار كرامات الأولياء، ما كتبه المدعو مالك بن داود في كتابه "الحقائق الإسلامية": (من أعظم خطئهم بعد تكفير المسلمين، إنكارهم على أولياء الله وكراماتهم مع أنهم يصدقون بالاختراعات العصرية. - ثم يقول: فهناك جماعة غير قليلة من الوهابيين ينكرون على أولياء الله وكراماتهم، ويرفضون حصول الكرامات والخوارق لهم.. ولهم في ذلك أقوال أعتذر عن حكايتها مراعاة للأدب ولعدم مناسبتها لحضرة أولياء الله تعالى..) ٣. ويجدر بنا عقب هذا النقل لمفتريات خصوم الدعوة السلفية في مسألة كرامات الأولياء أن نلقي نظرة عابرة.. لما تضمنته تلك النقول من أفكار نوجزها بما يلي: (١) يظهر تناقض الخصوم واضطرابهم في كذبهم، وافترائهم، حين زعموا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكذا أتباعه وأنصاره ينكرون كرامات الأولياء، فمرة يزعمون أن هذا الإنكار لكرامات الأولياء إنما هو بالنسبة للأموات، كما هو واضح فيما كتبه علوي الحداد. مع أن بعض الخصوم أقر واعترف بإثبات أئمة الدعوة لكرامات الأولياء، ومن ذلك ما كتبه محمد بن عبد المجيد بن كيران الفاسي في رسالته "الرد على بعض المبتدعة من الطائفة الوهابية" حيث يقول: (وهذا المبتدع٤ مصرح في رسالته الكبرى بإثبات الكرامات، حيث قال الواجب

стр. 141

عليك الإقرار بكراماتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال) ١. ويورد محمد جواد مغنية اعترافه بإقرار أئمة الدعوى السلفية بكرامات الأولياء، ولكنه يورده مستنكراً عليهم هذا الإقرار، لأن الكرامة عنده هي الصدق والإخلاص٢ يقول مغنية: (ويعتقد الوهابية بكرامات الأولياء، وأن الله يجري على أيديهم خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات..) ٣. (٢) يتبين مما سبق نقله-، أن هؤلاء الخصوم لا يرون أي فرق بين إثبات الكرامات للأحياء، وبين إثباتها للأموات، فليس هناك دليل يخص الكرامة بالأحياء دون الأموات. (٣) نلاحظ ضلال الخصوم في تعريفهم الكرامة وبيان حدها، فهم يظنون أن الكرامة فعل الولي، مع أن الكرامة في الحقيقة هي فعل الله لا فعل للولي فليس له قدرة عليها ولا تأثير. (٤) نجد هؤلاء الخصوم قد جعلوا كثيراً من الشركيات ومحدثات الأمور ضمن إثبات كرامات الأولياء، فأجازوا الاستغاثة بالأولياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، ودعاءهم بحجة أن هذا الشرك ضمن إثباتهم كرامات الأولياء، ومن باب محبتهم وتقديرهم. ومن أنكر هذه الشركيات فهو منكر للكرامات، ومما يدل على أن الكثير من الشركيات قد صارت دينا وأمراً مشروعا، لأنها ضمن الإقرار بكرامات الأولياء، ما نجده مسطوراً في كتب هؤلاء الخصوم، ونذكر على ذلك مثالين: الأول: ما قاله القباني في "فصل الخطاب": (وإغاثة الأولياء كرامة لهم) ٤. الثاني: ما كتبه الزهاوي في فجره: (المراد بالاستغاثة بالأنبياء، والصالحين، والتوسل بهم هو أنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وأن الله تعالى هو الفاعل كرامة لهم..) ٥.

стр. 142

وتبدو هذه الأمور الأربعة ظاهرة جلية حين نعرض لها بالرد والدحض بما كتبه أئمة الدعوى وأنصارها في هذا المقام. سنورد في مقام الرد والدحض لفرية إنكار كرامات الأولياء ما ذكره بعض أئمة الدعوة السلفية في رد هذه الفرية ودحضها. ثم نشير إلى ما قالوه من عدم الاغترار بخوارق العادات عموما، وضرورة التفريق بين الولي حقا وبين مدعي الولاية كذبا وزوراً. وعقب ذلك، نشير إلى ما قرره علماء الدعوة في بيان حد الكرامة وتعريفها. ثم نورد بعض الردود على ما وقع فيه الخصوم من الغلو في الأولياء وصرف شيء مما يستحقه الله إليهم. وقد رد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- ﵀ على من اتهمه بانتقاص الصالحين فكان مما قاله: (مما ذكره المشركون علي أني أتكلم في الصالحين أو أنهى عن محبتهم فكل هذا كذب وبهتان افتراه علي الشياطين) ١. ويقول- أيضاً- في هذا المقام: (وأما الصالحون فهم على صلاحهم ﵃، ولكن نقول ليس لهم شيء من الدعوة قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢) ٣.ويكذب الشيخ سليمان بن سحمان هذه الدعوى، فيقول: (والجواب أن يقال إن هذه الدعوى دعوى كاذبة خاطئة، فإن الشيخ ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء بل يثبتها، ولا ينكر إلا خوارق الشياطين، فإن أولياء الرحمن لهم علامات يعرفون بها، فمن علامات أولياء الله محبة الله، ومحبة رسوله، والتزام

стр. 143

ما أمر الله به ورسوله، وتقديم ما دل عليه الكتاب والسنة على ما يخطر ببال أحدهم أنه كرامة..) ١. ويقول ابن سحمان في دحض ما أورده الحداد من الحكايات في كرامات الأولياء بعد الممات: (ذكر الملحد أحاديث وأخباراً وحكاياتٍ في كرامات الأنبياء والأولياء منها ما هو صحيح مؤول، وباطل مقول، ومنها ما هو خرافات ومنامات وخزعبلات وحكايات لا يثبت بها حكم شرعي، ولا يدل ما صح منها من الكرامة على أنهم يدعون من دون الله، أو يستغاث بهم في الشدائد والمهمات، أو يطلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ... ) ٢. ويدحض ناصر الدين الحجازي تلك الفرية بهذا الأسلوب فيقول: (.. ثم إن كرامات الأولياء ما سمعنا من أحد إنكارها، وإذا كان ثم إنكار فإنما هو على أشياء مكذوبة لا تطابق عقلا ولا نقلا، وكيف ينكرها قوم يتلون كتاب الله وسنة رسوله، لكن صاحبنا أخذ يلتقط أشياء من أفواه العامة، ويسود به صحيفته، ومثل هذا يكون الكلام معه ضائعا، فلا يلتفت إليه وإن أطال مهما أطال، ونحن نكلفه أن يثبت مدعاه بالنقل من كتاب موثوق به، فإن وجد شيئا من ذلك فنحن نشاركه في الرد على المنكر، لكن على طبق الشرع وصحة النقل..) ٣. وحيث إن الإقرار سيد الأدلة، وقد أوردنا في مقدمة هذا الفصل من النقول عن أئمة الدعوة السلفية، وعلى رأسهم مجددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يؤكد ويقرر إثباتها لكرامات الأولياء، فلسنا بحاجة إلى زيادة- عما سبق ذكره- ردود على تلك الفرية الساقطة. ولكن مع أن هؤلاء الأئمة- رحمهم الله تعالى- يثبتون كرامات الأولياء، إلا أنهم لا ينخدعون بكل ما هو خارق للعادة، فإن خوارق العادات كما تحصل لأولياء الرحمن، فربما تقع بعض خوارق العادات لأولياء الشيطان من السحرة والدجالين والمشعوذين، فعلامة ولي الرحمن أنه مؤمن تقي متبع لسنة نبينا محمد ﷺ فالقصد طلب الاستقامة- لا طلب الكرامة.

стр. 144

لذا يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب أثناء ذكره لفوائد قصة آدم مع إبليس: (ومنها أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة، إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فإن اللعين أنظره الله، ولم يكن ذلك إلا إهانة له وشقاء له، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير، فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة) ١. ويبين الشيخ- أيضا- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فيقول: (بيان الله سبحانه لأولياء الله، وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية في سورة آل عمران وهي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ٢ الآية، وآية في سورة المائدة، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٣ الآية، وآية في سورة يونس، وهي قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤. ثم صار عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم) ٥. ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من صفات أهل الجاهلية أنهم يعتقدون في خوارق السحرة أنها من كرامات الأولياء الصالحين، يقول ﵀: (العشرون: اعتقادهم في مخاريق السحرة.. وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء كما نسبوه لسليمان ﵇ ٦. ويورد الشيخ عبد الظاهر أبو السمح- ﵀ جهل عباد القبور حين اعتقدوا أن الكرامات هي مجرد الخوارق فقط، فأقحموا أفعال السحرة والدجالين ضمن الكرامات، يقول أبو السمح في "الرسالة المكية": (ومن جهل عباد القبور أنهم يعتقدون أن الكرامات هي الخوارق فقط لا أكثر

стр. 145

ولا أقل. فهم يعتقدون كرامة كل من أظهر شيئا خارقا في نظرهم، وإن كان من السحرة والمشعوذين، ويعدونه وليا، وإن لم يصل، وإن لم يصم) ١. وكما أن هناك فرقا بين الولي الحق، وبين مدعي الولاية كما أشرنا إلى ذلك، فهناك أيضا فرق بين حال الأولياء في حياتهم وبين حالهم بعد مماتهم، وليس كما يزعم هؤلاء الخصوم بأن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة. لذا يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ في الرد على داود بن جرجيس حين زعم أن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة، فقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٢ فلم يجعلهم الله سواء بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم من لم ينتفع بسماع الهدى) ٣. وعقب ذلك، نورد ما قرره بعض علماء الدعوة في حد الكرامة وتعريفها وسيتضح خطأ وضلال الخصوم في فهمهم لمعنى الكرامة، وترتب على ضلالهم في معناه الكثير من الآثار السيئة والنتائج الوخيمة كما ستظهر بوضوح حين نتحدث عما أورده بعض علماء الدعوة من الردود فيما وقع فيه الخصوم من الغلو في الأولياء، يقول الشيخ محمد بن ناصر التهامي- ﵀: (الكرامات فعل الله يكرم بها من يشاء من عباده، كما أنه سخر بعض العباد لبعض، وليس إلى المعتقد شيء من الكرامات بل هي إلى الله..) ٤. ويقول الشيخ صنع الله الحنفي الحلبي٥ في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة. (الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم..) ٦. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في بيان معنى الكرامة: (الكرامة أمر يجعله الله للعبد لا صنع للبشر فيه. فالذي أوجد الكرامة لمن شاء
следующие страницы →