← Общие книги

Общие книги · id 11186

دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عليك الإقرار بكراماتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال) ١. ويورد محمد جواد مغنية اعترافه بإقرار أئمة الدعوى السلفية بكرامات الأولياء، ولكنه يورده مستنكراً عليهم هذا الإقرار، لأن الكرامة عنده هي الصدق والإخلاص٢ يقول مغنية: (ويعتقد الوهابية بكرامات الأولياء، وأن الله يجري على أيديهم خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات..) ٣. (٢) يتبين مما سبق نقله-، أن هؤلاء الخصوم لا يرون أي فرق بين إثبات الكرامات للأحياء، وبين إثباتها للأموات، فليس هناك دليل يخص الكرامة بالأحياء دون الأموات. (٣) نلاحظ ضلال الخصوم في تعريفهم الكرامة وبيان حدها، فهم يظنون أن الكرامة فعل الولي، مع أن الكرامة في الحقيقة هي فعل الله لا فعل للولي فليس له قدرة عليها ولا تأثير. (٤) نجد هؤلاء الخصوم قد جعلوا كثيراً من الشركيات ومحدثات الأمور ضمن إثبات كرامات الأولياء، فأجازوا الاستغاثة بالأولياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، ودعاءهم بحجة أن هذا الشرك ضمن إثباتهم كرامات الأولياء، ومن باب محبتهم وتقديرهم. ومن أنكر هذه الشركيات فهو منكر للكرامات، ومما يدل على أن الكثير من الشركيات قد صارت دينا وأمراً مشروعا، لأنها ضمن الإقرار بكرامات الأولياء، ما نجده مسطوراً في كتب هؤلاء الخصوم، ونذكر على ذلك مثالين: الأول: ما قاله القباني في "فصل الخطاب": (وإغاثة الأولياء كرامة لهم) ٤. الثاني: ما كتبه الزهاوي في فجره: (المراد بالاستغاثة بالأنبياء، والصالحين، والتوسل بهم هو أنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وأن الله تعالى هو الفاعل كرامة لهم..) ٥.

стр. 142

وتبدو هذه الأمور الأربعة ظاهرة جلية حين نعرض لها بالرد والدحض بما كتبه أئمة الدعوى وأنصارها في هذا المقام. سنورد في مقام الرد والدحض لفرية إنكار كرامات الأولياء ما ذكره بعض أئمة الدعوة السلفية في رد هذه الفرية ودحضها. ثم نشير إلى ما قالوه من عدم الاغترار بخوارق العادات عموما، وضرورة التفريق بين الولي حقا وبين مدعي الولاية كذبا وزوراً. وعقب ذلك، نشير إلى ما قرره علماء الدعوة في بيان حد الكرامة وتعريفها. ثم نورد بعض الردود على ما وقع فيه الخصوم من الغلو في الأولياء وصرف شيء مما يستحقه الله إليهم. وقد رد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- ﵀ على من اتهمه بانتقاص الصالحين فكان مما قاله: (مما ذكره المشركون علي أني أتكلم في الصالحين أو أنهى عن محبتهم فكل هذا كذب وبهتان افتراه علي الشياطين) ١. ويقول- أيضاً- في هذا المقام: (وأما الصالحون فهم على صلاحهم ﵃، ولكن نقول ليس لهم شيء من الدعوة قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢) ٣.ويكذب الشيخ سليمان بن سحمان هذه الدعوى، فيقول: (والجواب أن يقال إن هذه الدعوى دعوى كاذبة خاطئة، فإن الشيخ ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء بل يثبتها، ولا ينكر إلا خوارق الشياطين، فإن أولياء الرحمن لهم علامات يعرفون بها، فمن علامات أولياء الله محبة الله، ومحبة رسوله، والتزام

стр. 143

ما أمر الله به ورسوله، وتقديم ما دل عليه الكتاب والسنة على ما يخطر ببال أحدهم أنه كرامة..) ١. ويقول ابن سحمان في دحض ما أورده الحداد من الحكايات في كرامات الأولياء بعد الممات: (ذكر الملحد أحاديث وأخباراً وحكاياتٍ في كرامات الأنبياء والأولياء منها ما هو صحيح مؤول، وباطل مقول، ومنها ما هو خرافات ومنامات وخزعبلات وحكايات لا يثبت بها حكم شرعي، ولا يدل ما صح منها من الكرامة على أنهم يدعون من دون الله، أو يستغاث بهم في الشدائد والمهمات، أو يطلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ... ) ٢. ويدحض ناصر الدين الحجازي تلك الفرية بهذا الأسلوب فيقول: (.. ثم إن كرامات الأولياء ما سمعنا من أحد إنكارها، وإذا كان ثم إنكار فإنما هو على أشياء مكذوبة لا تطابق عقلا ولا نقلا، وكيف ينكرها قوم يتلون كتاب الله وسنة رسوله، لكن صاحبنا أخذ يلتقط أشياء من أفواه العامة، ويسود به صحيفته، ومثل هذا يكون الكلام معه ضائعا، فلا يلتفت إليه وإن أطال مهما أطال، ونحن نكلفه أن يثبت مدعاه بالنقل من كتاب موثوق به، فإن وجد شيئا من ذلك فنحن نشاركه في الرد على المنكر، لكن على طبق الشرع وصحة النقل..) ٣. وحيث إن الإقرار سيد الأدلة، وقد أوردنا في مقدمة هذا الفصل من النقول عن أئمة الدعوة السلفية، وعلى رأسهم مجددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يؤكد ويقرر إثباتها لكرامات الأولياء، فلسنا بحاجة إلى زيادة- عما سبق ذكره- ردود على تلك الفرية الساقطة. ولكن مع أن هؤلاء الأئمة- رحمهم الله تعالى- يثبتون كرامات الأولياء، إلا أنهم لا ينخدعون بكل ما هو خارق للعادة، فإن خوارق العادات كما تحصل لأولياء الرحمن، فربما تقع بعض خوارق العادات لأولياء الشيطان من السحرة والدجالين والمشعوذين، فعلامة ولي الرحمن أنه مؤمن تقي متبع لسنة نبينا محمد ﷺ فالقصد طلب الاستقامة- لا طلب الكرامة.

стр. 144

لذا يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب أثناء ذكره لفوائد قصة آدم مع إبليس: (ومنها أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة، إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فإن اللعين أنظره الله، ولم يكن ذلك إلا إهانة له وشقاء له، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير، فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة) ١. ويبين الشيخ- أيضا- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فيقول: (بيان الله سبحانه لأولياء الله، وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية في سورة آل عمران وهي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ٢ الآية، وآية في سورة المائدة، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٣ الآية، وآية في سورة يونس، وهي قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤. ثم صار عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم) ٥. ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من صفات أهل الجاهلية أنهم يعتقدون في خوارق السحرة أنها من كرامات الأولياء الصالحين، يقول ﵀: (العشرون: اعتقادهم في مخاريق السحرة.. وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء كما نسبوه لسليمان ﵇ ٦. ويورد الشيخ عبد الظاهر أبو السمح- ﵀ جهل عباد القبور حين اعتقدوا أن الكرامات هي مجرد الخوارق فقط، فأقحموا أفعال السحرة والدجالين ضمن الكرامات، يقول أبو السمح في "الرسالة المكية": (ومن جهل عباد القبور أنهم يعتقدون أن الكرامات هي الخوارق فقط لا أكثر

стр. 145

ولا أقل. فهم يعتقدون كرامة كل من أظهر شيئا خارقا في نظرهم، وإن كان من السحرة والمشعوذين، ويعدونه وليا، وإن لم يصل، وإن لم يصم) ١. وكما أن هناك فرقا بين الولي الحق، وبين مدعي الولاية كما أشرنا إلى ذلك، فهناك أيضا فرق بين حال الأولياء في حياتهم وبين حالهم بعد مماتهم، وليس كما يزعم هؤلاء الخصوم بأن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة. لذا يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ في الرد على داود بن جرجيس حين زعم أن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة، فقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٢ فلم يجعلهم الله سواء بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم من لم ينتفع بسماع الهدى) ٣. وعقب ذلك، نورد ما قرره بعض علماء الدعوة في حد الكرامة وتعريفها وسيتضح خطأ وضلال الخصوم في فهمهم لمعنى الكرامة، وترتب على ضلالهم في معناه الكثير من الآثار السيئة والنتائج الوخيمة كما ستظهر بوضوح حين نتحدث عما أورده بعض علماء الدعوة من الردود فيما وقع فيه الخصوم من الغلو في الأولياء، يقول الشيخ محمد بن ناصر التهامي- ﵀: (الكرامات فعل الله يكرم بها من يشاء من عباده، كما أنه سخر بعض العباد لبعض، وليس إلى المعتقد شيء من الكرامات بل هي إلى الله..) ٤. ويقول الشيخ صنع الله الحنفي الحلبي٥ في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة. (الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم..) ٦. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في بيان معنى الكرامة: (الكرامة أمر يجعله الله للعبد لا صنع للبشر فيه. فالذي أوجد الكرامة لمن شاء

стр. 146

من عباده هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فإن الكرامة إنما تقع لبعض الموحدين المخلصين بسبب توحيدهم وإخلاصهم لله تعالى) ١. ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في "البراهين الإسلامية": (والمعروف في حد الكرامة أنها خرق الله العادة لوليه من غير تحد..) ٢. ثم يوضح ذلك فيقول: (ولا يخفى أن الملحدين وعباد القبور القائلين بالتصرف يموهون على الناس بأن تصرف الأولياء كرامة، وأن من نفاه فقد نفا الكرامة ... وأهل الحق لا ينكرون الكرامة التي جاء بها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٤ الآية. فيثبتون خرق العادة للأولياء في بعض الأحيان، لكن ليس في هذا دليل على أنهم يتصرفون، ولا تلازم بين التصرف والكرامة؛ لأن الكرامة خرق الله العادة لوليه، من غير فعل من ذاك الولي ... ) ٥. ويورد علامة العراق محمود شكري الآلوسي تعريف الكرامة، فيقول ﵀: (كل من يذكر تعريف الكرامة وحدها يقول: هي خرق الله العادة لوليه لحكمة ومصلحة تعود عليه أو على غيره، وعلى هذا التعريف لا فعل للولي فيها، ولا إرادة، فلا تكون سببا يقتضي دعاء من قامت به أو فعلت له، ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟) ٦. ويؤكد الشيخ عبد الظاهر أبو السمح أن الكرامة من فعل الله، فيقول: (الكرامات لا يملكها أحد لنفسه بل الله يكرم من يشاء من عباده بالإيمان والتقوى ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ٧) ٨. فالكرامة - إذن - هي فعل الله، وهي خرق الله العادة لوليه، فلا فعل للولي فيها،

стр. 147

بل هي فعل الله تعالى، وقد لا يكون طالبا لها، وإنما قصده وغايته الاستقامة والاتباع للسنة النبوية؛ لأن الكرامة قد تقع للمفضول دون الفاضل، لذا كانت الكرامة في عهد التابعين أكثر منها في عهد الصحابة، كما أن الكرامة قد تحصل لضعفاء الإيمان لزيادة إيمانهم١. لذا قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (ليست الكرامة من لوازم المنزلة وعلو الدرجة، مشى قوم فوق البحار، ومات عطشا من هو أفضل منهم، وأقوى إيمانا) ٢. لقد ترتب على خطأ وضلال هؤلاء المناوئين في تحديد وتعريف الكرامة، أنهم أقحموا- ضمن معنى الكرامة- الكثير من الكفريات والمحدثات، فجعلوا دعاء الأموات والاستغاثة بهم واتخاذ قبور الأولياء أعيادا، والتوسل بالموتى والتشفع بهم، كل ذلك جعلوه ضمن كرامات الأولياء، وزعموا أن ذلك هو من محبة الصالحين وتقديرهم. ورحم الله محمود شكري الآلوسى حيث يقول: (من الأمور التي يجب التنبيه عليها: أن من مكايد الغلاة التي كادوا بها العوام أنهم يقولون إن الاستغاثة بالأموات، وندائهم في المهمات ... هو من علامات محبتهم، ومن أنكر ذلك، وأبى ما هنالك، فهو من المبغضين للصالحين، والمنكرين لكرامات الأولياء والصديقين، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، فإن من أنكر تلك البدع والضلالات هم المحبون لهم، والمحافظون على هديهم وطريقتهم٣. ولقد قام علماء الدعوة وأنصارها بالرد والدحض لهذا الغلو، وسنورد بعضا من أقوالهم. فيقول صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: (هذا وأنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا في حياتهم، وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات) ،

стр. 148

وقالوا: منهم أبدال ونقباء وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا فيهما الأجور. قال (الحلبي) وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة. إلى أن قال: فأما قولهم إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده قول الله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ١ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٢ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٣ فهو سبحانه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه. والكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء، وإماتة، وخلقا. إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤ وفي الحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث "٥٦ الحديث، فهذا يدل على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره بحركة، وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياء لا قصد لهم فيه ولا قدرة ... إلخ) ٧. ويدحض الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن غلو داود بن جرجيس في الأولياء حيث زعم داود (أن أرواح الصالحين تدعى وتدبر، واستدل بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ ٨ وأن المفسرين - ومنهم البغوي، قالوا: رأى يعقوب عاضا على أنملته يقول إياك وإياها، فلم يفعل، فكان يوسف في مصر، ويعقوب في الشام، فهذا نوع من الكرامة وهي سبب، والقدرة لله) ٩ ا. هـ كلام داود. فقال الشيخ عبد اللطيف في "دلائل الرسوخ" ردا عليه: (يريد العراقي أن مثل هذا يدل على جواز دعاء الصالحين، وندائهم بالحوائج

стр. 149

في الغيبة، وبعد الممات؛ لأن هذا كرامة، والكرامة يدعى صاحبها وينادى.. والجواب أن يقال: عبادة الله وحده لا شريك له وإفراده بالدعاء والطلب فيما لا يقدر عليه إلا هو، دلت على وجوبها الكتب السماوية، واتفقت عليها الدعوة الرسالية، وهي أصل الدين وقاعدته لا يعتريها نسخ ولا تخصيص. وهو سبحانه المختص بالخلق والرزق اللذين هما أصل المخلوقات وقوامها، فكيف يعارض هذا الأصل بمثل هذه الأوهام الضالة. هذا لو سلم أن الكرامات سبب، وأن هذا المثال فيه إثبات الكرامة، فكيف والأمر بخلاف ذلك بإجماع أهل العلم، والمقدمتان كاذبتان؛ لأن الكرامة فعل الله تعالى لا فعل للولي فيها، ولا قدرة له عليها ولا تأثير. كما أن أكثر المفسرين على غير هذا، فمنهم من قال إن هم يوسف من جنس الخطرات، والواردات التي لا تستقر، وليست بعزم فتركها..) ١. ويذكر الحازمي شيئا من هذا الغلو والابتداع عند هؤلاء الخصوم، ويجعلونه ضمن معنى الكرامة: (وليس معنى كرامة الولي أن يبنى قبره، ويتصل بالمسجد، ويعتنى به أكثر من المسجد، ويبخر وينقش جداره، وتعلق فيه الألواح المنقوشة والقناديل ... فهذه الأمور لا تسمى كرامة ولا يكرم الله عبدا بمحرم، وهذه محرمات وإضاعة مال، وتقرب إلى الله باقتراف كبائر ... ) ٢. ويورد عبد الظاهر أبو السمح صورة من صور ضلال من غلى في القبور، فيقول في "الرسالة المكية". (ومن خبل عباد القبور، إنك إذا ذكرت الله وحده لهم وقلت: ادعوه وحده، ولا تلتفتوا إلى سواه، اشمأزت قلوبهم، وغضبوا غضبا شديدا، وعدوا ذلك تنقصا لأوليائهم الذين لم تثبت ولايتهم ولا بنصف دليل، ولا شبه خبر صحيح، وقالوا: ينكر الكرامات، في حين أنهم بدعاء غير الله ينتقصون ربهم، وبالتفاتهم عنه سبحانه يقعون في عار كبير، وظلم عظيم لو فطنوا) ٣.

стр. 150

ويقول في موضع آخر: (فلو فرضنا أن عدم سؤال الأولياء يستلزم عدم كرامتهم، وهو في الحقيقة لا يستلزم، فإن عدم سؤال الله يستلزم ظن السوء به جل وعلا حقيقة لا فرضا..) ١. وإذا نظرنا إلى كتب هؤلاء الخصوم، وما تضمنته من الغلو في الأولياء وصرف بعض أنواع العبادة التي يجب صرفها لله وحده لهم تحت ستار محبة الأولياء والإيمان بكرامتهم، فإنا نجد فيها من الطامات والدواهي ما لا يعد، ولا يحصى ... ونذكر أمثلة معدودة من غلوهم في الأولياء من أحد هذه الكتب، وهو كتاب "مصباح الآنام" لعلوي بن أحمد الحداد، يقول الحداد: (قال السيد الجليل محمد بن زين بن سميط في كتابه "غاية القصد والمراد من مناقب السيد الحبيب القطب عبد الله الحداد". في الباب الرابع في ذكر الحكايات والوقائع من كراماته. حيث ذكر أن أحدهم قال: لم تأت لي زيارة النبي ﷺ عشرين سنة، وأنا بمكة، فرأيت النبي في المنام، فقال لي: يا عبد الله لم لا تزورنا أما علمت أن من زار السيد عبد الله الحداد تقضى له سبعون حجة، فما بالك بزيارتنا. وذكر أن رجلا من أهل الخطوة وصل من بلد المغرب في سبعة أيام إلى تريم لزيارة السيد عبد الله الحداد، وأمر شيخه بالمغرب لما استشاره للحج فقال له: اخرج لزيارة القطب عبد الله الحداد بالمشرق خير لك من كذا وكذا حجة، قال: فخرجت لزيارة سيد عبد الله) ٢. (وقال السكران با علوي: في مقبرة تريم ألوف من الأولياء المتصوفين بعد موتهم كحياتهم. ويقول السيد يوسف بن عابد الفاسي إن بعض أجداده كثر في الاعتقاد فيه قبائل المغرب، فلما دفنه أولاده من حيث لا تعلم للناس، صار كل يطلب دفنه عنده لاعتقاد كل فيه منهم، ففعل كل منهم قبرا أو قبة، وادعى كل أنه عنده، فاجتمعوا على التبيين والتحقيق، ومن ظهر عنده يسلمون له ذلك، فبحثوا في كل المشاهد، فوجدوه في كلها، وذلك بمحضر عظيم، وخلائق لا يحصى لهم عدد) ٣. يظهر من هذه الأمثلة المحدودة ما كان عليه خصوم الدعوة السلفية من الغلو

стр. 151

الشديد في الصالحين، والاعتقاد الفاسد حين زعموا أن زيارة أضرحة بعض الأولياء أفضل من حج بيت الله الحرام أضعافا مضاعفة، وأما ما أورده الحداد من قصة ذلك الولي الذي وجد جسده بعد موته في عدة مشاهد وقباب، فهذه من كيد الشيطان لهم وتلبيسه عليهم، فلا عجب أن يتمثل بعض الشياطين على هيئة ذلك الولي الميت، فيظن عباد القبور أن هذه كرامة لذلك الولي -بعد موته- وتصرفا له بعد موته، حين وجدوا جثته في عدة قباب وقبور، فيعتقدون فيه ويشركونه في العبادة، وعندئذ يتحقق مراد الشيطان١. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ ٢.

стр. 152

الباب الثاني: الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ مع بيان الحق في ذلك الفصل الأول: التكفير والقتال.. عرض ثم رد وبيان المبحث الأول: مفتريات الخصوم وأكاذيبهم على الشيخ في مسألة التكفير مع الرد والدحض لها ... الباب الثاني: الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ مع بيان الحق في ذلك يظهر من خلال عنوان هذا الباب أن الحديث سيكون متجها إلى الشبهات١ التي أثيرت حول دعوة االشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فإذا كان الباب الأول تضمن الحديث عن أكاذيب ومفتريات ضد هذه الدعوة السلفية، وسيتضمن الباب الثالث -كما سيأتي- ما اعترض على دعوة الشيخ مما هو حق وصدق في حد ذاته، فإن هذا الباب هو وسط بين هذين البابين، فهو بين الكذب الصريح في المفتريات، وبين الصدق والصواب في بعض الاعتراضات، فهو باب يتضمن الشبهات مما يحمل طابع الالتباس والإيهام فيحتاج إلى تفصيل وبيان حتى يزول هذا الالتباس، وينكشف ذلك الإيهام.

стр. 153

الفصل الأول: التكفير والقتال.. عرض ثم رد وبيان إن من أشد الشبهات التي أثيرت على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ شبهة: التكفير والقتال، وحتى يأخذ هذا الفصل حقه بشيء من الاستيفاء، فإنه من المناسب أن نورد هذه الشبهة بنوع من الإطناب والتفصيل كما جاءت مسطورة في كتب المناوئين لهذه الدعوة السلفية ثم نتبعها بالرد والبيان. وهناك دوافع وأسباب كثيرة لزيادة العناية بهذا الفصل، والاهتمام به أكثر من غيره من فصول هذه الرسالة، نذكر من هذه الأسباب ما يلي: أولا: إن مسألة التكفير والقتال من أهم المسائل وأكثرها خطورة في أبواب العقائد، فلا بد من إعطاء تصور تام، وفهم شامل لهذه المسألة؛ لأن التصور الناقص والفهم القاصر لهذه المسألة يؤدي إلى الوقوع في طرفي نقيض، فإما غلو في التكفير كحال الخوارج، أو تمييع وتذويب لمسألة التكفير كما هو حال المرجئة، كما تظهر أهمية هذه المسألة لما يترتب عليها من النتائج والآثار الخطيرة في كلا الدارين: الدنيا والآخرة، كاستباحة الدماء، وحل الأموال، وغيرها مما جاء مفصلا في كتب الفقه، في باب حكم المرتد. ثانيا: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكذا أتباعه من بعده وأنصار دعوته، قد اعتنوا بهذه المسألة عناية فائقة، ووضحوا ما أشكل فيها، وبينوها، وفصلوها تفصيلا شافيا كافيا. يقول د. صالح العبود: (كان الشيخ يحذر من نواقض الإيمان ومبطلاته، ويبينها، ويبعدها عن المسلمين، ويبعد المسلمين عنها، بكل ما استطاع. ولقد اهتم بذلك أيما اهتمام، حتى كاد أن يستأثر هذا الجانب بكل همته

стр. 154

كما كاد أن يستأثر بالواقع في بداية الإصلاح؛ ولأن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في هذه الناحية، وكيد الشيطان يتركز في هذا الجانب) ١. ثالثا: احتاجت مسألة التكفير والقتال هذا الاهتمام، نظرا لكثرة من رمى هذه الدعوة السلفية بشبهة "التكفير والقتال"، فما أكثر من أثار هذه الشبهة على دعوة الشيخ، وسيتضح ذلك جليا عند نقل أقوال المناوئين في ذلك. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أن بعض العلماء المحققين ممن عرف عنهم سلامة المعتقد، قد تأثروا بتلك الشبهة وصدقوا تلك الدعوى - بكل ما فيها من حق أو باطل -. كما هو واضح من حال الإمام محمد بن علي الشوكاني، حيث يقول الشوكاني - عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه -. (ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد، وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام) ٢. كما أن الشيخ محمد بن ناصر الحازمي قد تأثر بتلك الدعاوى.. فذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثنى عليه خيرا، ومدحه بحسن الاتباع ... ، ولكن أنكر عليه خصلتين، الأولى: تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها..، والأخرى: التجاري في سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا برهان٣. وكذا الشيخ محمد صديق حسن، صدق هذه الشبهات، فأعلن في كتابه

стр. 155

"ترجمان الوهابية" براءة أهل الحديث من الوهابيين، لأن الوهابيين - كما يذكر محمد صديق حسن - يعرفون بإراقة الدماء، وينص محمد صديق - عفا الله عنه - أن مصدره في هذه المعلومات هي كتب العلماء المسيحيين١! وممن تأثر وصدق هذه الدعاوى، الشيخ أنور شاه كشميري، فزعم - عفا الله عنه - أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يتسارع إلى الحكم بالتكفير٢. رابعا: إن هذه المسألة تميزت عن غيرها، أن الكثير من المخالفين من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يوافقونه فيما دعا إليه من بيان التوحيد وتقريره، والنهي عن الشرك والتحذير منه، وسد ذرائعه، دون أن يوافقوه في مسألة التكفير والقتال. ومما يدل على ذلك ما قاله الشيخ بنفسه ﵀ حاكيا حال خصومه: (وإذا كانوا أكثر من عشرين سنة يقرون ليلا ونهارا، سرا وجهارا، أن التوحيد الذي أظهره هذا الرجل هو دين الله ورسوله، لكن الناس لا يطيعوننا، وأن الذي أنكره هو الشرك، وهو صادق في إنكاره، ولكن لو يسلم من التكفير والقتال كان على حق ... هذا كلامهم على رءوس الأشهاد) ٣. ويقول الشيخ - في موضع آخر - مبينا وجه مخالفة خصومه: (فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع٤ صدقني من يدعي أنه من العلماء

стр. 156

في جميع البلدان، في التوحيد، وفي نفس الشرك، وردوا علي التكفير والقتال) ١. ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لإخوانه تلك الشبهة والجواب عليها: (ولكنهم يجادلونكم اليوم، بشبهة واحدة، فاصغوا لجوابها، وذلك أنهم يقولون كل هذا حق، نشهد أنه دين الله ورسوله، إلا التكفير والقتال، والعجب ممن يخفى عليه جواب هذا، إذا أقروا أن هذا دين الله ورسوله، كيف لا يكفر من أنكره٢ وقتل من أمر به٣ وحبسهم ... إلى آخر جوابه ﵀ ٤. فهذه بعض الدوافع التي أدت إلى التوسع والإطالة - نوعا ما - في هذا الفصل، ونظرا لطول هذا الفصل وتعدد قضاياه، فقد قسمته إلى سبعة مباحث على الترتيب الآتي: المبحث الأول: مفتريات الخصوم وأكاذيبهم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير مع الرد والدحض لها. المبحث الثاني: فرية أن الوهابيين خوارج، وأن نجد اليمامة قرن الشيطان مع الرد والدحض. المبحث الثالث: شبهة أن الوهابيين أدخلوا في المكفرات ما ليس منها عرض ثم رد. المبحث الرابع: شبهة مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة - عرض ثم رد. المبحث الخامس: شبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة - عرض ثم رد. المبحث السادس: شبهة تنزيل آيات في المشركين على المسلمين - عرض ثم رد. المبحث السابع: شبهة خروج الشيخ على دولة الخلافة - عرض ثم رد.

стр. 157

المبحث الأول: مفتريات الخصوم وأكاذيبهم على الشيخ في مسألة التكفير مع الرد والدحض لها إن كتب ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكذا رسائل ومؤلفات أئمة وعلماء الدعوة، وأنصارها، قد بينت مسألة التكفير والقتال، وأعطت المسألة حقها من البيان الوافي، والتفصيل التام. ومع كل هذا البيان والتفصيل، نجد أن هؤلاء الخصوم يفترون على دعوة الشيخ، الكذب والبهتان، ويختلقون من عند أنفسهم الإفك وإلصاق التهم قاتلهم الله أتى يؤفكون، فليس عندهم نقل صحيح، ولا يملكون دعوى بدليل. لقد بينت هذه الدعوة السلفية، في بادىء الأمر، عقيدة التوحيد، وقرر علماؤها عقيدة التوحيد بأقوى الأدلة وأوضح البراهين، وألفوا في بيان التوحيد وتقريره، الكثير من الكتب والرسائل. لقد اهتم علماء الدعوة بتقرير التوحيد أولا؛ لأنه أول واجب على المكلف، - كما هو معلوم - ولأن من تصور حقيقة التوحيد تصورا تاما، فإنه لزاما أن يتصور حقيقة ما يناقض التوحيد.. ويوضح هذا ما كتبه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في "منهاج التأسيس": (اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما الخفا بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين، ومع انتفاء ذلك، وحصول التصور التام لهما، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحدود، والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة، ومثال ذلك أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، والجهل بالحقيقتين، أو أحدهما أوقع كثيرا من الناس في الشرك، وعبادة الصالحين، لعدم معرفة الحقائق وتصورها، وإن ساعد الجهل وقصور العلم عوائد مألوفة، استحكمت البلية وتمكنت الرزية..) ١. ولم يقصر علماء الدعوة جهدهم على تقرير عقيدة التوحيد فحسب، بل تجاوزوا

стр. 158

ذلك.. إلى أن حذروا من الشرك.. فذكروا نواقض الإسلام، وأوردوا أنواع الشرك والكفر وأقسامه، تحذيرا للأمة وكشفا للغمة، كما سدوا وسائل الشرك وذرائعه، فرحمهم الله جميعا. وإن نظرة سريعة إلى آثارهم العلمية ومواقفهم العملية في هذا المجال لتعطي الجواب الوافي، والبيان الشافي لمسألة التكفير والقتال ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وسنورد الآن مفتريات الخصوم وأكاذيبهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير والقتال - كما جاءت مدونة في مؤلفاتهم أو منقولة عنهم من غيرهم. ثم نأتي بالرد والدحض، وذلك من خلال ما كتبه بعض أئمة هذه الدعوة السلفية. من أوائل الكذابين، ممن تولوا كبر هذا البهتان، ابن عفالق فقد افترى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورماه بتكفير المسلمين، فقال ابن عفالق عن هذا الإمام المجدد في جوابه على رد ابن معمر: (وهذا الرجل كفر الأمة، بل والله وكذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك) ١. ويقول ابن عفالق - مخاطبا عثمان بن معمر: (فجعلتم تكفير العترة النبوية، وسبهم، ولعنهم، أصلا من أصول دينكم) ٢. ويستمر ابن عفالق -في إفكه- منفرا ابن معمر عن الانتصار لهذه الدعوة السلفية، فيصف ابن عفالق الشيخ الإمام بأنه: (حلف يمينا بالله فاجرة إن اليهود والمشركين أحسن حالا من هذه الأمة) ٣. ويخاطب ابن عفالق الشيخ الإمام في رسالة سماها "تهكم المقلدين في مدعي تجديد الدين"، ويصفه بأنه قد ضلل وشتم هذه الأمة، وحكم عليها بالزيغ - حتى صحابة رسول الله ﷺ فقال الأفاك الأثيم: (وقفت على القواعد التي بنيت عليها مذهبك.. فوجدتك قد ارتقيت فيها مرتقا صعبا ... شتمت فيه الأئمة، وسببت به أعلام الأمة، وهدمت به قواعد الملة المحمدية،

стр. 159

وثلبت به جميع الأمة المحمدية، حتى ارتقيت فيه إلى الجزم بزيغ أصحاب رسول الله ﷺ والأئمة الأربعة..) ١. وينعق القباني بفرية التكفير والقتال، فيزعم أن الشيخ: (كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها..) ٢. ويتهكم القباني بالشيخ المجدد وأتباعه، ويصور حالهم يوم القيامة فيقول مستهزئا: (.. وجاء كل واحد من الأنبياء والمرسلين ومع الألوف من أمته، وجاء النبي الكريم وليس معه من أمته إلا النفر اليسير من أهل العيينة٣ وأما الباقون فكلهم مخلدون في النار مع الكفار، مع ما لهم من كثرة الطاعات وأنواع العبادات) ٤. ويقول ابن سحيم - الخصم العنيد - في رسالته التي بعثها إلى علماء الأمصار محرضا على الشيخ الإمام، ومنفرا عن دعوته، فيذكر تلك الفرية: (ومنها أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء) ٥. ثم يزيد ابن سحيم في إفكه وكذبه وهو يقول: (ومن أعظمها أنه من لم يوافقه في كل ما قاله، ويشهد أن ذلك حق، يقطع بكفره، ومن وافقه، ونحى نحوه، وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقا محضا أو ما شاء..) ٦. ويخاطب المدعو محمد بن محمد القادري الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود - لما بلغته رسالة هذا الإمام - فكان من خطابه هذا الإفك: (فإنك لو تدبرت فيه بعين بصيرتك واعتبرت بها، لما كنت تحكم على الأمة المحمدية بالشرك الأكبر، من غير برهان، وليس هذا إلا شقاوة وخسران وحرمان) ٧.

стр. 160

ويذكر هذا القادري بعد اطلاعه على رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، ما نصه - في وصف الإمام عبد العزيز: (بأنه حكم على عوام المؤمنين والعلماء العاملين من أمة سيد الأنبياء والمرسلين بالشرك الأكبر..) ١. ويخترع (الحداد) لفرية التكفير والقتال أوجها جديدة، فكان من إفكه على الشيخ الإمام ما نصه: (إذا أراد رجل أن يدخل في دينه، يقول له اشهد على نفسك أنك كنت كافرا، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا، فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله..) ٢. ويخاطب الحداد الشيخ الإمام بهذا الكذب، فيقول: (أيها النجدي كيف لا ترضى بالأحياء أن تجعلهم مشركين حتى تعديت أيها النجدي على أموات المسلمين من سنين عديدة تقول ضالين مضلين، حتى عينت أناسا من أكابر العلماء المحققين وأئمة مقتدى بهم صالحين..) ٣. ثم يدعو هذا الحداد إلى الشرك عن طريق الاستغاثة بالأموات، لمجرد مخالفة هذا النجدي، فيقول: (وينبغي اليوم في هذا الوقت من الحوادث التي حدثت في الثلم في الدين باعتقاد العامة قول البدعي أن الاستغاثة شرك، فالعالم والمقتدى به ينبغي له أن يظهر الاستغاثة٤ ليقتدى به ... ) ٥. ويزعم حسن بن عمر الشطي في تذييله الذي كتبه في نهاية "رسالة إثبات الصفات" هذا الإفك، حيث يذكر من صفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (تكفير المسلمين واعتقاده حل دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم) ٦. ويورد الشطي في تذييله الآخر الذي كتبه في خاتمة "رسالة في مشاجرة بين أهل مكة وأهل نجد" أن هذه الرسالة -كما يزعم- (مدارها على تكفير المسلمين

стр. 161

وحل دمائهم وأموالهم) ١. ومن أكاذيب الرافضي عبد الرءوف على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كذبه بأن الشيخ سفك دماء آلاف المسلمين، يقول عبد الرءوف: (فكيف حال رجل قتل آلاف من المسلمين القائلة لا إله إلا الله محمد رسول الله المتصدقين الصائمين الحاجين بيت الله الحرام، بل قتل الذرية والنسوان من غير بغي منهم، ولا عدوان زعما منه أنه من أهل التوحيد فقط، والمسلمون كلهم مرتدون) ٢. ويكشف اللكنهوري عن إفكه حين افترى على الشيخ الإمام أنه يكفر المسلمين ويستبيح دماءهم، فكان من إفكه ما نصه: (اعلم أن عقيدته هي أن جميع المسلمين سوى أهل نحلته كفار مشركون، يحل أموالهم ودمائهم، ويجوز اتخاذهم عبيدا، ويستدل على ذلك بتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان) ٣. ورمى عثمان بن منصور الشيخ الإمام بهذه الفرية، فكان من إفكه أنه قال: (قد ابتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب، بمن خرج عليهم، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة، إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك..) ٤. ويصف عثمان الشيخ الإمام بكذب بحت فيقول: (ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة ... ) ٥. ويتحدث شيخ الكذب دحلان عن فرية التكفير والقتال للمسلمين..، فمن أكاذيبه ومفترياته - ما ننقله بنصه حيث يقول: (فلا يعتقدون موحدا إلا من تبعهم فيما يقولون، فصار الموحدون على زعمهم أقل من كل قليل. وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب فقال: خمسة، فقال: أنت جعلتها ستة، السادس من لم يتبعك فليس بمسلم، هذا عندك ركن

стр. 162

سادس للإسلام) ١. ومن كذب دحلان قوله: (وكانوا يصرحون بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة، وأول من صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب، فتبعوه على ذلك، وإذا دخل إنسان في دينه، وكان قد حج حجة الإسلام قبل ذلك، يقولون له حج ثانيا فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا تسقط عنك الحج) ٢. ويزيد دحلان في قبح كذبه، وشناعة إفكه، حيث يقول: (وكان يقول لهم: إني أدعوكم إلى الدين، وجميع ما هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق، ومن قتل مشركا فله الجنة، فتابعوه، وصارت نفوسهم بهذا القول مطمئنة..) ٣. ويسود الزهاوي -كعادته في مؤلفاته- الصحائف بأكاذيبه، وأباطيله فيرمي الشيخ الإمام بفرية تكفير المسلمين وقتالهم، يقول الزهاوي: (ثم إنه صنف لابن سعود رسالة سماها "كشف الشبهات عن خالق الأرض والسماوات"٤ كفر فيها جميع المسلمين، وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة) ٥. ويكذب الزهاوي - مرة أخرى - حيث يقول: (فمما تمذهبت به الفرقة المارقة الوهابية من الأباطيل: تكفيرهم لكل من خالفهم من المسلمين) ٦. ويكذب الزهاوي -ثالثة- فيقول: (لو سأل سائل عما تمذهبت به الوهابية ما هو وعن غايته ما هي، فقلنا في جواب كلا السؤالين هو تكفير كافة المسلمين، لكان جوابا على اختصاره تعريفا كافيا لمذهبها) ٧.

стр. 163

ويورد أحد كذابي الرافضة فرية تكفير المسلمين وحل دمائهم، فيقول بأسلوب المخادع: (أراد الله أن يجعلهم فيما بينهم إخوانا، وعلى العدو أعوانا.. فنقض ابن عبد الوهاب تلك القاعدة الأساسية، وعكس الآية، فصار يكفر المسلمين، ويضرب بعضهم ببعض، وما انجلت تلك الفترة، إلا وهم بأيدي الأعداء ينقضون دعائم الدين.. إلخ) ١. ويدعي المبتدع أحمد رضا خان هذه الفرية، فيقول حاكيا حال الشيخ الإمام: (الذي يسعده أن يكفر أجداده ومشائخه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يكفر سائر المسلمين، ومن بينهم الأئمة والمشائخ ... إن ابن عبد الوهاب قد أعلن عقب ظهور دينه الجديد أن الأمة الإسلامية منذ ستمائة سنة تتخبط في ظلام الشرك، وقد ردد الوهابيون قول زعيمهم فيما بعد) ٢. ثم يأتي محمد بن نجيب سوقية، فيسبق أقرانه إلى حضيض الكذب وقاع الإفك حيث يقول: (إن مذهبهم تكفير الأموات، ورمي الأحياء بالشرك من الموحدين.. ولقائل أن يقول ممن عرفت إسناد الكفر والشرك لعامة الموحدين من طرف الوهابية، فالجواب أن ذلك مصرح في رسائلهم وكتبهم ... ) ٣. ومن أفراخ الخصوم في زماننا الحاضر، نورد أقوال ثلاثة منهم، ممن بهت الشيخ الإمام ﵀ وكذا أتباعه من بعده وأنصار دعوته بفرية تكفير المسلمين واستحلال دمائهم.. يذكر الشيعي محمد جواد مغنية تلك الفرية، مقتديا بأسلافه -الرافضة- في الكذب والبهتان، فيقول: (وليس من شك أنهم يريدون بالموحدين الوهابية أنفسهم، وبالمشركين جميع المسلمين بدون استثناء) ٤. ويورد حسين بن حلمي ايشيق تلك الفرية، فيقول في تعليقه على كتاب "الإيمان

стр. 164

والإسلام" لخالد البغدادي، أثناء كذبه على الوهابيين: (ولا يحسبون غير أنفسهم مسلمين، ويكفرون ما عداهم، ويقولون أن أموالهم وأنفسهم مباحة للوهابيين) ١. ويورد ثالثهم وهو المدعو مالك بن داود -أحد أدعياء التصوف- في كتابه الذي سماه "الحقائق الإسلامية" هذه الفرية، فكان من بهتانه: (وبعض العلماء يسمون الدعوة الوهابية بـ"الدعوة الدموية") ٢. ويزعم أن الوهابيين (مصممون على أن من لم يكن وهابيا فهو مشرك، يجب هجرانه ولا يجوز التعامل معه فيما يخص الدين، أو الدنيا) ٣. ويكذب عليهم حين يقول: (الغاية التي يسعون إلى تحقيقها هي إثبات السنية لهم خاصة، وتكفير جماعة المسلمين من غيرهم) ٤. وبعد أن أوردنا بعض هذا الغث والركام لهؤلاء الخصوم، حين قذفوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بتكفير المسلمين، ننتقل إلى سياق بعض ردود علماء هذه الدعوة السلفية على تلك الفرية، وبيانهم للحقيقة كما هي، وسيتضح يقينا تهافت هذه الفرية وينكشف زيفها، وإن كثر قائلوها، فلا تعجبك كثرة الخبيث، فالزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. لقد بلغت هذه الفرية الخاطئة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀،

стр. 165

فتعددت ردوده وأجوبته عليها، ولأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فقد حرص الشيخ ﵀ على تأكيد هذه الردود، وإعلان براءته مما ألحق به..، فأرسل هذه الردود إلى مختلف البلاد. فعلى النطاق المحلي في منطقة نجد، نلاحظ أن الشيخ فد بعث رسالة لأهل الرياض ومنفوحه، ينفي تلك الفرية، يقول الشيخ الإمام ﵀: (وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، كيف تفعلون كذا. فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين) ١. ويبعث رسالة لمحمد بن عيد أحد مطاوعة ثرمداء، يقول فيها: (وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله) ٢. وفي رسالته لأهل القصيم، يشير ﵀ إلى مفتريات الخصم العنيد ابن سحيم، ويبرىء نفسه من فرية تكفير المسلمين وقتلهم، يقول الشيخ الإمام: (والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري، وأني أكفر من حلف بغير الله.. جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم) ٣. ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بطلان تلك الفرية، ويدحضها فيقول في رسالته لحمد التويجري: (وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك..) ٤.

стр. 166

ويؤكد الشيخ الإمام -مرة أخرى- بطلان تلك الدعوى، وأنها دعوى كذب وبهتان، فيقول جوابا على سؤال الشريف١..: (وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله..) ٢. ويبعث الشيخ رسالة لأحد علماء المدينة لدحض فرية تكفير الناس عموما، يقول الشيخ: (فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفِّر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفّر أهل التوحيد) ٣. ويكتب الشيخ الإمام إلى إسماعيل الجراعي صاحب اليمن تكذيبا لهذه الفرية، قال الشيخ: (وأما القول بأنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم) ٤. ولما أرسل أحد علماء العراق وهو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي كتابا للشيخ الإمام يسأله عما يقوله الناس فيه ... من تكفير الناس إلا من تبعه ... ، فأجابه الشيخ بجواب ذكر فيه كيد الأعداء ثم أعقبه برد فرية الخصوم: (وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلا عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون..) ٥. وينفي الشيخ حسين بن غنام فرية تكفير المسلمين عن الشيخ الإمام، ويؤكد أن الخصوم هم الذين كفروا الشيخ واستحلوا دمه، يقول ﵀ في وصف الشيخ:

стр. 167

(إنه ﵀ لما تظاهر ذلك الأمر والشأن، في تلك الأوقات والأزمان، والناس قد أشربت منهم القلوب بمحبة المعاصي والذنوب، وتولعوا بما كانوا عليه من العصيان، وقبائح الأهواء على كل إنسان، لم يسرع لها لسان، ولم يصمم منه لب أو حنان على تكفير هؤلاء العربان، بل توقف تورعا عن الإقدام في ذلك الميدان، حتى نهض عليه جميع العدوان، وصاحوا وباحوا بتكفيره وجماعته في جميع البلدان، ولم يثبتوا فيما جاءوا به من الإفك والبهتان، بل كان لهم على شنيع ذلك المقال إقدام وإسراع وإقبال، ولم يأمر ﵀ بسفك دم ولا قتال على أكثر الأهواء والضلال) ١: ويفند الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تلك الفرية، فيقول: (وأما ما يكذب علينا سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله ... فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك "سبحانك هذا بهتان عظيم" فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعيا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدا بجميع أنواع العبادة) ٢. ويدل على براءتهم أيضا من تلك الفرية، ما يقوله الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في موضع آخر: (إن صاحب البردة وغيره ممن يوجد الشرك في كلامه والغلو في الدين، وماتوا لا يحكم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان أن من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر، وأما القائل فيرد أمره إلى الله ، ولا ينبغي التعرض للأموات، لأنه لا يعلم هل تاب أم لا..) ٣.

стр. 168

ولما سئل الشيخ عبد العزيز بن حمد سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن تلك الفرية، كان جوابه ﵀ بعد أن ساق السؤال: (وأما السؤال الثاني وهو قولكم: من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم، وهل داره دار كفر وحرب على العموم إلخ. فنقول وبالله التوفيق: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما عنه نهى وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم كما يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولم نكفر أحدا دان بالإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى) ١. ومن الحجج الدامغة التي سطرها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وأزهق بها فرية عثمان بن منصور حين قذف الشيخ الإمام بتكفير المسلمين وقتلهم، قولُ الشيخ عبد اللطيف في "مصباح الظلام" دحضاً لذلك: (هذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " ٢. وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة من المبعث النبوي إلى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه، بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم، والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب -أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن مناهجهم) ٣. كما يوضح الشيخ عبد اللطيف تورع جده -الشيخ الإمام- عن التكفير فيقول: (والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر

стр. 169

له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها) ١. ويورد الشيخ عبد اللطيف في إحدى رسائله معتقد الشيخ الإمام في مسألة التكفير، فيقول: (فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية) ٢. ويؤكد الشيخ عبد اللطيف أن من عرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أدرك براءته من تلك الفرية الكاذبة، فيقول ﵀: (كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالا للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، والشيخ ﵀ لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين) ٣. وتضمنت مناظرة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن لداود بن جرجيس، تفنيدا لفرية تكفير الناس فيقول الشيخ عبد اللطيف: (وأما القول بأنا نكفر الناس عموما ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، سبحانك هذا بهتان عظيم) ٤. ويدحض الشيخ صالح بن محمد الشتري كذبهم، فيقول: (وأما ما ادعاه أعداؤه المعاصرون له أنه كفر بالعموم، أو يكفر بالذنوب أو يقاتل من لا يستحق قتلا، أو يستحل دمه وماله، فالجواب أن نقول سبحانك هذا بهتان عظيم،

стр. 170

ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبرأ فيهن مما نسب إليه أعداؤه وأن مذهبه مذهب السلف الصالح..) ١. ويجمل السهسواني الجواب على مفتريات شيخ الكذب دحلان في اتهام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب فيقول: (هذا كله افتراء بلا ريب على الشيخ، يعرفه من له رائحة من الإيمان والعلم والعقل) ٢. ويقول أيضا - بعد ذكر مفتريات أخرى لدحلان في قذف الشيخ الإمام بتكفير الناس -: (الجواب على هذه الأقوال كلها أنها على طولها وكثرتها كاذبة خبيثة فلا تعجبك كثرة الخبيث) ٣. وينفي السهسواني مزاعم دحلان التي رمى بها دعوة الشيخ في مسألة التكفير..، فيقول: (أن الشيخ وأتباعه لم يكفروا أحدا من المسلمين، ولم يعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالفهم هم مشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السنة وسبي نسائهم ... ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيرا من كتبهم، فما وجدت لهذه الأمور أصلا وأثرا، بل كل هذا بهتان وافتراء) ٤. ومما قاله محمد رشيد رضا معلقا على الكلام السابق: (بل في هذه الكتب خلاف ما ذكر وضده، ففيها أنهم لا يكفرون إلا من أتى بما هو كفر بإجماع المسلمين) ٥. ويورد الشيخ سليمان بن سحمان الدفاع عن الشيخ الإمام، ويبرأه من هذا البهتان، فيقول ﵀ حاكيا حال الشيخ: (فإنه ﵀ كان على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.. فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمع على تكفيره الأمة، ويوالي كافة

стр. 171

أهل الإسلام وعلمائهم.. ويؤمن بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول، ومن نسب إليه خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من سلف الأمة وأئمتها فقد كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم ... ) ١. وكتب أحمد الكتلاني في "الصيب الهطال"، دفاعا عن الشيخ في هذا المقام قريبا مما كتبه ابن سحمان٢. وأجاب أحد علماء نجد على تلك الفرية، حيث تلقفها صاحب جريدة القبلة وزعم أن الوهابيين يلزمون الناس بتكفير آبائهم وأجدادهم. فكان جواب هذا العالم: (وهذا من نمط ما قبله من الكذب والبهتان، والذي نقوله في ذلك أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة إليه، فالذي يحكم عليه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك، فظاهره أنه مات على الكفر فلا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه. وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن كانت قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله. وأما من لا نعلم حاله في حال حياته، ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره، وأمره إلى الله، فمن نسب إلينا غير هذا فقد كذب علينا وافترى. وحسبنا الله ونعم الوكيل) ٣. ويكذب الشيخ محمد بن عثمان الشاوي هذا البهتان، فيقول في رسالته "القول الأسد": (فإنا لم نكفر بالعموم، ولا نكفر إلا من قام الدليل القاطع على كفره، بصرفه حق الله لغيره، ودعائه، والتجائه إلى ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره..) ٤. ويهاجم القصيمي في كتابه "الصراع" خصوم الشيخ من الرافضة مؤكدا براءة الشيخ من فرية التكفير، وأن هؤلاء الرافضة أحق وأجدر بهذا الوصف، فيقول: (إن من عجائب الأيام، وفكاهاتها المضحكة قوما، المبكية قوما آخرين، أن تذهب الشيعة تتهم أهل السنة من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإكفار المسلمين وإحلال

стр. 172

دمائهم وأموالهم، في حين أن الشيعة تعلن على رءوس الملأ ومسامع العالمين إكفار خيار الأمة، وإكفار كبراء الصحابة، ومن تولاهم من فرق المسلمين، والذي يكفر خيار الصحابة كالصديق وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم.. كيف لا يمنعه الحياء من أن يتهم أحدا بإكفار المسلمين..) ١. من خلال هذه النقول المتعددة تظهر براءة الشيخ الإمام، وكذا أتباعه وأنصار دعوته من مفتريات وأكاذيب الخصوم في مسألة التكفير، ومن طالع كتبهم وقرأ رسائلهم تبين له صحة معتقدهم وسلامة فهمهم لمسألة التكفير، وأن اعتقادهم فيها هو عين اعتقاد السلف الصالح.

стр. 173

المبحث الثاني: فرية أن الوهابيين خوارج وأن نجد اليمامة قرن الشيطان مع الرد والدحض لها هذا المبحث يرتبط كثيرا بالمبحث السابق، ففي المبحث السابق تحدثنا عن فرية تكفير الوهابية للمسلمين، وفي هذا المبحث نتحدث عن فرية أن الوهابيين خوارج، فهناك تداخل بين المبحثين، وذلك لأن الخوارج قد عرف عنهم التكفير لأصحاب المعاصي من المسلمين، فجعل الخصوم الوهابيين كالخوارج في هذه المسألة، ولهذا فلن نتحدث عن هذا الجانب تفصيلا ففي المبحث السابق كفاية وغنية عن التكرار، وإنما سنتحدث عن فرية الخصوم في رميهم للوهابيين بهذا الوصف -أي الخوارج-، وذمهم والطعن فيهم لأنهم خوارج سيماهم التحليق١ ولأن بلادهم ومحل ظهورهم هو نجد التي هي قرن الشيطان.. بلاد مسيلمة الكذاب.. إلى آخر تلك الدعاوى الباطلة، ثم نتبعها بالرد والدحض. لقد تعددت مزاعم الخصوم بهذه الفرية الخاطئة، وتنوعت أباطيلهم، فمرة يتهمون الشيخ بأنه من الخوارج، وأن سيماهم التحليق.. ومرة يطعنون في الشيخ الإمام وفي دعوته بحجة أن موطنه نجد اليمامة، ونجد هي قرن الشيطان كما في الحديث، وهي موطن الزلازل والفتن، وثالثة يزعمون أنه من نسل ذي الخويصرة التميمي.. إلى آخر هذه الترهات والأباطيل. ونلاحظ أن ابن عفالق من أوائل المفترين في ذلك، حيث ينعى على الوهابيين بأن موطنهم هو نجد - قرن الشيطان - وأنهم من بقايا فتنة مسيلمة الكذاب، يقول ابن عفالق في رسالته لابن معمر: (وفي فضل أهل الشام واليمن والحرمين وفارس ما يعرفه من له أدنى معرفة بالأحاديث، وأما أنتم يا أهل اليمامة ففي الحديث الصحيح عندكم يطلع قرن الشيطان، وأنتم لا تزالون في شر من كذابكم إلى يوم القيامة. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) ٢. ويقول: (فبماذا يجاوبون من هذه حالته ودعواه، أيدينون بالرجعة ويقولون هذا

стр. 174

مسيلمة قد ظهر بوادي حنيفة، فإن النبي ﷺ قال في الحديث المشهور " أنهم لا يزالون في فتنة من كذابهم إلى يوم القيامة.. " ١. ويذكر سليمان بن عبد الوهاب الدليل على بطلان دعوة أخيه الشيخ الإمام، وهو أن موطنه بلاد المشرق، بلاد مسيلمة الكذاب، فيقول: (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس الكفر نحو المشرق " ٢ فلو علم أن بلاد المشرق خصوصا نجد بلاد مسيلمة أنها تصير دار الإيمان، وأن الطائفة المنصورة تكون بها.. وأن الحرمين الشريفين واليمن تكون بلاد كفر تعبد فيها الأوثان، وتجب الهجرة منها، لأخبر بذلك، ولدعى لأهل المشرق خصوصا نجد، ولدعى على الحرمين واليمن وتبرأ منهم، إذ لم يكن إلا ضد ذلك، فإنه ﷺ عم المشرق، وخص نجداً بأن منها يطلع قرن الشيطان) ٣. ويسوق (الحداد) بعض تلك الفرية، فيزعم أن الشيخ الإمام هو قرن الشيطان، يقول الحداد في كتابه "مصباح الأنام": (وقد استنبط العلماء من مفهوم قول النبي ﷺ "يطلع منها -أي نجد- قرن الشيطان" من معجزاته، لأنه أتى بالياء للاستقبال؛ لأن مسيلمة لعنه الله، في حياته ﵇ طلع، وادعى النبوة، وهلك في خلافة الصديق..، ولم يطلع قرن الشيطان إلا بعد الألف والمائة والخمسين، وهو محمد بن عبد الوهاب رأس هذه البدعة وأسها) ٤. ويورد (الحداد) بعضا من علامات الخوارج، ليدعي زورا وجودها عند الوهابيين، فيقول كاذبا: (وأهم من ذلك كله ما ذكره النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة المبينة لعلامات الخوارج، مما يبين أن ابن عبد الوهاب وأتباعه منهم، ككونهم من نجد، وكونهم من المشرق، ومعلوم أن نجدا شرقي المدينة، وكون سيماهم التحليق، مع كونهم من المشرق) ٥.

стр. 175

ويقول الحداد: (قال السيد العلامة المنعمي في مطلع قصيدة له في الرد على النجدي لما قتل عدة لم يحلقوا رءوسهم قال: أفي حلق رأسي بالسكاكين والحد ... حديث صحيح بالأسانيد عن جدي١ ويأتي أفاك آخر، وهو المدعو عبد الرءوف، حيث ساق حديث "اللهم بارك لنا في شامنا"، وما ورد في شأن الخوارج من الأحاديث.. ثم قال: (المراد به أصحاب ابن عبد الوهاب، فإن شعارهم تحليق شعر رءوسهم أجمع، وعدم اتخاذ القنازع كما هو الأعراب قديما وحديثا، وإذا دخل الرجل في دينهم، أول ما يأمرونه به حلق شعر رأسه أجمع، وبهذا تعرف الوهابية عن سائر الأعراب كما هو معروف، فالحديث نص على رد الوهابية) ٢. ويدعي الصاوي كذبا وتلفيقا أن علماء الدعوة وأتباعها خوارج (وأنهم يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون..) ٣. ويؤكد ابن عابدين في حاشيته هذا الإفك، فيزعم أن أتباع الشيخ الإمام يدخلون في مسمى الخوارج٤. ويفتري محسن بن عبد الكريم على أتباع هذه الدعوة السلفية بأنهم خوارج، ويصفهم بأنهم مارقة..٥ ويتحدث عن فرية التحليق، فيقول: (والتحليق الذي صار شعارهم فلا يقبلون من أحد الدخول فيما هم فيه حتى يحلق رأسه، حتى قال المولى عبد الله بن عيسى في كتابه "السيف الهندي": إنه بلغني أنه

стр. 176

حلق ناس من أهل تهامة رؤوسهم على ضوء السراج نحو ستمائة رجل في ليلة واحدة، فكيف بالنهار ... ) ١. ويقذع الرافضي اللكنهوري في السب والشتم، فيجعل الخوارج هم سلف الوهابيين، فكان من إفكه أنه قال: (وإن لهم أسوة في من سلف من الخوارج الحرورية، لعنهم الله، حيث كفروا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇، وجميع المسلمين من أصحابه وأنصاره بتلفيقات تشبهها أقوال هؤلاء الوهابية واستحلوا بذلك دماءهم وأموالهم. ولو تأملت بصائب النظر في تاريخهم لوجدت الوهابية ممن يحذو حذوهم في العقائد ... ثم إنك لو أمعنت النظر لوجدت شيوخ أولئك الخوارج من أهل نجد) ٢. ويزعم عثمان بن منصور أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان، فيقول: (وقد امتنع الرسول ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة، لما علم بعلم الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها "وأولئك منها الزلازل والفتن، ومنها ما يظهر قرن الشيطان") ٣. ويورد شيخ الكذب والبهتان أحمد دحلان، اتهامه لأنصار هذه الدعوة السلفية بفرية التحليق فيقول: (وكانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه، ولا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم، حتى يحلقوا رأسه، ولم يقع مثل ذلك قط من أحد من الفرق الضالة التي مضت قبلهم، فالحديث صريح فيهم، وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا يحتاج أن يؤلف أحد تأليفا للرد على ابن عبد الوهاب، بل يكفي من الرد عليه قوله ﷺ " سيماهم التحليق " ٤ فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم) ٥. ويتهم الرافضي محمد حسن الموسوي الوهابيين بأنهم على نهج الخوارج. ثم يقول كاذبا (أن الوهابية أصحاب الزلازل والفتن بنص رسول الله ﷺ ٦. ويدعي النبهاني أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان، وأنها من بلاد المشرق التي ذمها الرسول ﷺ يقول النبهاني في رائيته الصغرى:

стр. 177

أشار رسول الله للشرق ذمه ... وهم أهله لا غرو أن اطلع الشرا به يطلع الشيطان ينطح قرنه ... رءوس الهدى والله يكسره كسرا١ وقد حشد الدجوي في مجلته "الأزهر" إحدى عشرة صفة من صفات الخوارج، وحملها ظلما وبغيا على أنصار وأتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله٢. كما زعم الأفاك الأثيم، والكذاب اللئيم الرافضي "العاملي" أن الوهابيين يشبهون الخوارج من ثلاث عشرة جهة٣. ويورد العاملي الأحاديث التي في ذم المشرق، وذم نجد، ليحملها على نجد اليمامة٤. ثم يدافع عن موطنه -العراق-، فيقول نافيا أن تكون العراق هي نجد قرن الشيطان -. (وما يحكى عن بعض الوهابيين من أن المراد من نجد هو العراق؛ لأنها أعلى من الحجاز والنجد في اللغة ما أشرف من الأرض، معلوم الفساد، فإن نجدا حيثما يطلق بلا قيد يراد به بلادهم التي لا تسمى عرفا إلا بهذا الاسم قديما وحديثا..) ٥. ويأتي العاملي بزور آخر، حين يدعي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عشيرة ذي الخويصرة التميمي، وذلك لأن كلاهما من بني تميم، يقول العاملي: (ومن الأخبار المرجح ورودها في الوهابية قوله ﷺ في ذي الخويصرة التميمي أن من ضئضيء هذا قوما يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم.. فيكون المراد من ضئضئه أي من أصله وعشيرته، لا من نسله وعقبه؛ لأن عشيرة الرجل هي أصله

стр. 178

ومعدنه، وذو الخويصرة وابن عبد الوهاب. من أصل واحد، من عشيرة واحدة فكلاهما تميمي) ١. ويدعي الزهاوي أن من أعلام نبوة محمد ﷺ إخباره عن هؤلاء الخوارج، يقصد أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀-٢. ويزعم أحمد بن محمد الغماري أن دعوة الشيخ الإمام هي قرن الشيطان، فيقول: (ولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر، وانتشرت فتنته، كانوا يحملون الأحاديث عليه وعلى أصحابه) ٣. ويردد أبو زهرة تلك الفرية دون تورع أو تثبت فيقول عن أتباع هذه الدعوة بأنهم: (كانوا يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب) ٤. كما أن الشيعي محمد جواد مغنية يزعم أن الوهابية لا تختلف عن الخوارج في مسألة التكفير ... ٥. إن هذا الركام من تلك الأكاذيب التي افتراها خصوم الدعوة السلفية ما يلبث أن يتلاشى ويزول، فيكون كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وذلك عندما نسوق ما سطره بعض أتباع هذه الدعوة السلفية من الحجج الواضحة والأدلة الدامغة في دحض ذلك البهتان. لقد كذب الخصوم على الشيخ الإمام حين زعموا أنه يكفر المسلمين بالذنوب، فإن الشيخ قد أوضح معتقده في هذه المسألة، فقال في رسالته لأهل القصيم: (ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام) ٦. ومع أن الإمام الشوكاني- ﵀ في بادئ الأمر لم تبلغه معلومات موثقة عن هذه الدعوة السلفية، إلا أنه لم يصدق تلك الدعاوى الكاذبة، فقال: (وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا) ٧.

стр. 179

(وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵀، فقال السائل: إنكم تكفرون بالمعاصي. فأجاب: ليس هذا قولنا، بل هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ولم نكفر أحدا بعمل المعاصي، بل نكفر من فعل المكفرات كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يخافه، أو يرجوه، أو يتوكل عليه، فإن هذه الأمور كلها عبادة لله بنص القرآن ... إلى آخر جوابه ﵀ ١. ويفند الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فرية "التحليق" فيقول: (وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذي دخلوا في ديننا قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدا، والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل إن الحلق مسنون فضلا عن أن يكون واجبا، فضلا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام. ونحن لم نأمر أحدا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله ... ) ٢. ويوضح الشيخ عبد العزيز بن حمد- سبط الشيخ الإمام- في جواب له، بعضا من أحكام حلق شعر الرأس، ويذكر السبب في حلقه عندهم في بلاد نجد، فقال ﵀: (فالذي تدل عليه الأحاديث، النهي عن حلق بعض وترك بعض، فأما تركه كله فلا بأس به، إذا أكرمه الإنسان كما دلت عليه السنة النبوية. وأما حديث كليب٣ فهو يدل على الأمر بالحلق عند دخوله في الإسلام إن صح الحديث، ولا يدل على أن استمرار حلقه سنة، وأما تعزير من لم يحلق وأخذ ماله فلا يجوز وينهى فاعله عن ذلك؛ لأن ترك الحلق ليس منهيا عنه، وإنما نهى عنه ولي الأمر؛ لأن الحلق هو العادة عندنا، ولا يتركه إلا السفهاء عندنا، فنهى عن ذلك نهي تنزيه لا نهي تحريم سدا للذريعة؛ ولأن كفار زماننا لا يحلقون فصار في عدم الحلق تشبها بهم) ٤.

стр. 180

ويؤكد الشيخ عبد الرحمن بن حسن في رد شافٍ على من احتج بحديث نجد قرن الشيطان أن الذم والمدح يقع على الحال لا على المحل، كما يذكر المراد بنجد قرن الشيطان فقال ﵀: (.. الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ " اللهم بارك لنا في يمننا. اللهم بارك لنا في شامنا " ١ الحديث.. قيل إنه أراد نجد العراق، لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة ... وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده. وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن، لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس) ٢. ثم قال ﵀: (فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة..، وما ضر المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه..) ٣. ويذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الرد على عثمان بن منصور، الذي وصف أهل هذه الدعوة بأنهم خوارج، ونزل الأحاديث التي وردت في شأن الخوارج عليهم- في رده- أن أهل هذه الدعوة من أبعد الناس عن مشابهة الخوارج، يقول: (وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية التي أظهرها الله بنجد، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله، يدعون إلى ما بعث الله به رسله من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له..) ٤.
следующие страницы →