مقدمة
...
دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عَرض ونقض
إعداد: عبد العزيز محمد بن علي العبد اللطيف
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
(لست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق..) ١.
стр. 2
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣٤.
أما بعد:
فسيكون الحديث في هذه المقدمة شاملا للأمور التالية:
١- أهمية البحث والدواعي لاختياره.
٢- خطة البحث ومنهجي في أبواب البحث.
٣- جمع المادة العلمية.
أما عن أهمية هذا البحث، فأثناء مدة الاطلاع والبحث عن اختيار موضوع مناسب لتقديمه إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، للحصول على درجة الماجستير، لاحظت - من خلال تتبع بعض فهارس المكتبات العربية والإصدارات الثقافية عموما - كثرة المؤلفات والرسائل ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب٥ رحمه
стр. 3
وسنلاحظ - كما سيأتي مفصلا في أبواب البحث - أن دعاوى الخصوم واعتراضاتهم ضد دعوة الشيخ الإمام في زمنه، يتلقفها من بعدهم، ثم الذين يلونهم، وهكذا إلى زمننا هذا، فهذه الدعاوى المثارة ضد الدعوة السلفية - الآن - لا تتجاوز غالبا ما أثاره أسلافهم زمن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ﵀، كما أن أولئك الأسلاف تلقفوا كثيرا من شبهاتهم عن أسلافهم السابقين ممن ناهض دعوة السلف الصالح، وعادى مجدديها مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، ومن قبلهم من أئمة السلف، فإن جذور هذا الصراع قديمة ممتدة عبر قرون عديدة.
ولعل هذا البحث - المتواضع - يظهر لأجيال الموحدين بعضا من الجوانب المشرقة من خلال ما كتبه أسلافهم - القريبون -، ويكشف الجهود المكثفة التي بذلها أجدادهم في نصرة الدعوة السلفية، ويستشعر أن هذه الجهود مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجهود السابقة لعلماء السلف، وامتداد لها، مثل جهود الإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري، وابن قتيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن تيمية، وابن القيم،﵏ جميعا - وهكذا، فيكون ذلك عونا لتلك الأجيال للسير على منهاج السلف والاقتداء بهم.
(٣) الحرص على بيان عقيدة السلف الصالح، ورد الاعتراضات والشبهات المثارة ضدها، فإن مما يجلي عقيدة السلف الصالح ويوضحها هو الرد والدحض لما يلصقه الخصوم بهذه العقيدة والجواب عن شبهاتهم ودعاويهم.
وليس الرد والجواب على الاعتراضات الموجهة إلى دعوة الشيخ الإمام - في الغالب - إلا رداً وجواباً عن الاعتراضات على عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بلا أدنى شك هي عين الدعوة لعقيدة السلف الصالح.
فأحببت في هذا البحث أن أشارك في خدمة عقيدة الفرقة الناجية، وأن أسعى على قدر جهدي -وهو جهد مقل- في نصرة عقيدة السلف الصالح والذب عنها١.
стр. 4
(٢) خطة البحث ومنهجي في أبواب البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة.
وتتضمن المقدمة ما يلي:
١- أهمية البحث والدواعي لاختياره.
٢- خطة البحث ومنهجى في أبواب البحث.
٣- جمع المادة العلمية.
وأما التمهيد فقد شمل هذين الأمرين:
الأول: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض آثارها.
الثاني: دراسة استقرائية مجملة لمؤلفات المناوئين مع موقف علماء الدعوة من هذه المؤلفات المناوئة.
وأما الباب الأول فعنوانه:
مفتريات ألصقت بدعوة الشيخ مع الرد عليها
ويتكون من ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الافتراء على الشيخ بادعاء النبوة وانتقاص الرسول ﷺ .
الفصل الثاني: الزعم بأن الشيخ مشبه مجسم.
الفصل الثالث: فرية إنكار كرامات الأولياء.
وأما عنوان الباب الثاني فهو:
الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ مع بيان الحق في ذلك
ويتكون من ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التكفير والقتال وفيه سبعة مباحث.
стр. 5
المبحث الأول: مفتريات الخصوم وأكاذيبهم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير مع الرد والدحض لها.
المبحث الثاني: فرية أن الوهابيين خوارج وأن نجد اليمامة قرن الشيطان مع الرد والدحض لها.
المبحث الثالث: شبهة أن الوهابيين أدخلوا في المكفرات ما ليس منها عرض ثم رد.
المبحث الرابع: شبهة مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة. عرض ثم رد.
المبحث الخامس: شبهة عدم طروء الشرك على هذه الأمة، عرض ثم رد.
المبحث السادس: شبهة تنزيل آيات في المشركين على المسلمين، عرض ثم رد.
المبحث السابع: شبهة خروج الشيخ على دولة الخلافة، عرض ثم رد.
الفصل الثاني: تحريم التوسل.
الفصل الثالث: منع الاستشفاع بالنبي ﷺ .
وأما الباب الثالث فعنوانه:
ما اعترض عليه من قضايا الدعوة مع المناقشة لها
ويتكون من ثلاثة فصول:
الفصل الأول: هدم الأبنية على القبور والنهي عن شد الرحال لزيارتها.
الفصل الثاني: تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
الفصل الثالث: إنكار دعاء الموتى.
وآخر البحث خاتمة تتضمن نتائج البحث.
وأما عن المنهج الذي اخترته في كتابه أبواب البحث، فكان على النحو الآتي:
(١) إيراد الدعوى أو الاعتراض من خلال ما كتبه الخصوم - أنفسهم - في مؤلفاتهم، وهذا في الغالب، وأحيانا قليلة أذكر دعاوى المناوئين من خلال ما نقله أئمة الدعوة عنهم أثناء الرد عليهم، حين لا أعثر على تلك المؤلفات المناوئة.
(٢) يكون هذا الإيراد لتلك الدعاوى مرتبا - غالبا - على حسب الترتيب الزمني لوفيات أولئك المناوئين، ولم ألتزم بذلك مطلقا، نظرا لأن بعض المناوئين لم
стр. 6
الله، وما تضمنته تلك المؤلفات والرسائل من الأكاذيب والشبهات على هذه الدعوة السلفية، التي جددها هذا الشيخ الإمام، ثم علمت من بعض الثقات بانتشار هذه المؤلفات في كثير من بلاد المسلمين، وما يحصل لها من القبول والرواج عند فئات كثيرة من المسلمين، خاصة في زماننا هذا الذي نشطت في الصد عن سبيل الله طوائف المبتدعة، وأهل الأهواء من صوفية ورافضة وأشعرية ونحوهم، وناهضت كل من يدعو إلى عقيدة السلف الصالح، وناصبته العداء.
ولما عرضت هذا الموضوع على بعض أهل العلم وجدت منهم تشجيعا كبيرا دفعني إلى اختياره والإعداد له، مع قناعتي التامة - ابتداء - بسعة الموضوع وأهميته، وقصر باع كاتب هذه السطور وضعفه.. ويمكن إيجاز أهمية هذا الموضوع بما يلي:
(١) كثرة المؤلفات والرسائل التي صنفت ضد دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية، وما حوته من المفتريات التي ألصقت بهذه الدعوة، وما تضمنته من الشبهات المثارة حولها، فلقد سود خصوم هذه الدعوة السلفية كمية هائلة من الكتب والمؤلفات ضد دعوة الشيخ وأنصارها - سواء المطبوع منها أو المخطوط -، وأفردوها بالتصنيف والتأليف، وإن كانت هذه المؤلفات - في الحقيقة - مثل الزبد الذي يذهب جفاء ...
إلا أننا في عصر قد فشى فيه الجهل، واستحكم عليه التقليد الأعمى فظهرت لأجل ذلك البدعيات، وعمت الشركيات بمختلف أنواعها، مما جعل لمثل تلك المؤلفات قبولا وانتشارا عند طوائف من المسلمين.
كما أن هناك مراجعَ وكتباً في مختلف العلوم، ولا تخلو منها مكتبة - غالبا -،قد تضمنت شيئا من الطعن وإثارة الشبهات على هذه الدعوة السلفية ومجددها وأنصارها، كما هو ظاهر مثلا فيما كتبه ابن عابدين في حاشيته١ والصاوي
стр. 7
في حاشيته على تفسير الجلالين١ والرحلة الحجازية لمحمد لبيب البتنوني٢ ومرآة الجزيرة العربية لأيوب صبرى باشا٣ وتاريخ الدولة العثمانية لمحمد فريد بك٤ وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة٥ والفكر الإسلامي في تطوره لمحمد البهي٦ وغيرها. بل إن بعض الموسوعات العربية، قد تضمنت بعض المعلومات الخاطئة عن هذه الدعوة السلفية٧.
(٢) مع كثرة المؤلفات المناوئة وانتشارها في هذا الزمان، لا نجد في المقابل كثرة وانتشارا للكتب والرسائل التي سطرها أئمة هذه الدعوة السلفية، في الرد على اعتراضات المناوئين في هذا الزمان - أيضا - بل إن الكثير من كتب أئمة الدعوة مما سبق طبعه، أصبح الآن عزيز المنال، نادر الوجود، وأذكر منها على سبيل المثال: كتاب "تأسيس التقديس في الرد على داود ابن جرجيس"٨ للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه
стр. 8
الله١ وكتاب "منهاج التأسيس والتقديس في الرد على داود بن جرجيس"٢ للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله٣ وكذلك كتب الشيخ سليمان بن سحمان٤ -في غالبها- قد طبعت منذ زمن ليس بالقليل، ولم يعد طبعها مع أن الحاجة قائمة إليها٥.
في حين أن كتب الخصوم الذين قصد أئمة الدعوة الرد على مفترياتهم وشبهاتهم، قد تكرر إعادة طبعها ونشرها حتى عم ضررها واستفحل داؤونشرها حتى عم ضررها واستفحل دائها. وقد يقول قائل: إن هذه الكتب التي ألفها بعض أئمة الدعوة في الرد على المخالفين إنما هي مجرد كتب مؤقتة بأحداث انقضت وأزمان مضت، فليست سوى ردود على أشخاص معينين قد أفضوا إلى ما قدموا، فلا حاجة إليها الآن في هذا العصر.
فنقول جوابا على ذلك: إن هؤلاء حين ألفوا تلك الكتب وأجابوا عن اعتراضات الخصوم، لم يكن قصدهم من ذلك إلا الرد على ما تعلق به الخصوم من مفتريات وشبهات أثاروها ضد الدعوة السلفية، فهذه الردود التي ألفها أئمة الدعوة السلفية وأنصارها، هي مؤلفات مناسبة وملائمة للرد والجواب على تلك الشبهات والاعتراضات، وإن اختلف الزمان أو المكان، ما دام أن فكرة الشبهة والاعتراض ومضمونهما لا يختلف.
стр. 9
أعثر له على ترجمة، وربما كان العثور على ترجمته ومعرفة تاريخ وفاته، بعد كتابة أبواب الرسالة.
(١) اقتصرت - في الغالب - عند إيراد دعاوى المناوئين على ما كتبه علماء الطوائف والفرق الإسلامية، وكان باللغة العربية، فلم أذكر مطاعن ودعاوى المستشرقين على هذه الدعوة السلفية، شعورا مني بأن الرد على أولئك العلماء آكد وأهم من الرد على المستشرقين في مثل هذا البحث، خاصة وأن أكثر اعتراضات أهل الاستشراق مبنية على معلومات تاريخية خاطئة عن حياة مجدد هذه الدعوة، وعن تاريخ الدعوة١ وأعرضت عن الكتب المؤلفة - ضد هذه الدعوة - باللغات الأخرى غير العربية، مثل الإنجليزية، والأوردية، ونحوهما، نظرا للحاجة إلى ترجمتها، والوقت لا يسمح بذلك.
(٤) بعد إيراد الدعوى، يأتي الجواب عليها من قبل أئمة الدعوة وأنصارها، فأذكر أقوالهم من خلال مؤلفاتهم مراعيا الترتيب الزمني لوفياتهم، مع الاهتمام بشمولية الجواب والرد على تلك الدعاوى، وكذلك الحرص على ذكر أقوال أنصار هذه الدعوة خارج موطنها، فنذكر -مثلا- ردود الشيخ محمد بن ناصر الحازمي اليمني٢ وردود السهسواني الهندي٣ وكذلك ردود محمود الألوسي العراقي٤ حتى يتضح جليا عالمية هذه الدعوة واتساع آثارها.
стр. 10
(٥) اقتصرت في الجواب عن دعاوى المناوئين على ما كتبه أئمة الدعوة وأنصارها، دون أن أسوق أقوال علماء السلف السابقين لتلك الدعوة التي تؤيد ما كتبوه، وإن كان سياق أقوالهم يعطي القارئ - بلا شك - تصورا صادقا بأن هذه الدعوة امتداد لدعوة أولئك السلف السابقين لها، ولكن اقتصرت على كتابات أئمة الدعوة حتى لا يتسع الموضوع اتساعا لا يمكن حده، وحتى لا يخرج عما قصدته من إبراز وإظهار جهود أئمة هذه الدعوة دون من سبقهم. ومع ذلك فلا يخلو بعض مباحث هذا البحث من إيراد أقوال السلف السابقين، مما يؤكد أصالة هذه الدعوة وأنها امتداد للطائفة المنصورة.
(٦) جعلت لكل باب من الأبواب الثلاثة لهذا البحث، أسلوبا يلائم موضوع الباب، ويوضح مضمونه، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة كل باب.
وعلى كلٍّ فإنني بهذا المنهج الذي ارتضيته في كتابة أبواب البحث، حاولت قدر الاستطاعة الالتزام به، والسير على ضوئه، مع اعترافي بالتقصير فيما التزمته وقصدته، وحسبي أني بذلت جهدي والله يغفر لي.
(٣) جمع المادة العلمية:
لما تمت الموافقة على تسجيل هذا الموضوع، شرعت في جمع المصادر والمراجع، وتتبعها، وحرصت على الحصول على ما كتبه الخصوم ضد هذه الدعوة وكذلك ما صنفه أئمة الدعوة وأنصارها في الرد والجواب عن دعاوى الخصوم.
فابتدأت بقسم المخطوطات والمجموعات الخاصة بجامعة الملك سعود، فصورت مجموعة مهمة من المؤلفات - منها المخطوط ومنها المطبوع بعضها ضد هذه الدعوة السلفية وبعضها في الدفاع عنها.
كما حصلت من المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود على مجموعة مصورات لبعض المجلات والصحف التي تحوي مقالات ترتبط بهذا البحث.
وحصلت من قسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود على صورة مخطوط "فصل الخطاب" للقباني، والذي يعتبر من أقدم المؤلفات ضد دعوة الشيخ الإمام، كما صورت بعض الدوريات المهمة.
كما تم لي - ولله الحمد والمنة - الحصول على صور لبعض المصادر الخطية الهامة من المكتبة السعودية، وكذلك يسر الله لي تصوير بعض كتب المناوئين من إدارة مراقبة المطبوعات بدار الإفتاء.
стр. 11
وصورت من قسم الوثائق بدارة الملك عبد العزيز مخطوطا قديما ضد الدعوة السلفية١ وكذلك رسالة خطية أخرى ضد هذه الدعوة أيضا.
وحصلت على بعض الأعداد المصورة من جريدة أم القرى عن طريق مكتبة معهد الإدارة.
ولقد أهداني الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان القاضي في محكمة التمييز بالرياض، بعض مؤلفات عمه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀، ومن ضمنها صورة مخطوط لم يسبق طبعه وهو "الحجج الواضحة الإسلامية"٢ فجزاه الله كل خير.
ولقد تكرم بعض المشايخ والأساتذة بمساعدتي وإعارتي أو إهدائي بعض الكتب المهمة التي تتصل بهذا الموضوع، فجزاهم الله خيرا، وبارك الله فيهم.
وعثرت على صورة خطية لأبيات في الرد على الوهابية مع شرحها لمجهول، وذلك من مكتبة أرامكو بالظهران، كما صورت كتاب "النفخة على النفحة" من المكتبة الصالحية بعنيزة٣.
وأرسلت إلى الأستاذ الشهم صبحي البدري السامرائي في العراق، أطلب منه تصوير مجموعة من الكتب التي ألفها بعض علماء الشيعة ضد الدعوة السلفية، فأرسل إلي مجموعة مما طلبت فجزاه الله خيرا.
كما طلبت من معهد المخطوطات بالكويت تصوير بعض المراجع الخطية مما كتب ضد الدعوة السلفية، فأجابوا وأرسلوا ما طلبت٤.
وطلبت عن طريق الجامعة السلفية في مدينة بنارس بالهند بعضا من الكتب ضد دعوة الشيخ الإمام، فأرسلوا ثلاثة كتب ولكنها باللغة الأردية.
стр. 12
وأرسلت إلى حسين بن حلمي ايشيق صاحب مكتبة الحقيقة في استانبول بتركيا - وهو عدو لدود للدعوة السلفية - أطلب بعض مطبوعات مكتبته والتي يوزعها مجانا وهي تحوي الطعن في الشيخ الإمام ودعوته، فأرسل إليّ مجموعة من الكتب - مجانا - استفدت من أحدها في هذا البحث١.
وطلبت من مكتبة الدولة في برلين بألمانيا بعض صور المخطوطات الهامة التي ألفت ضد الدعوة السلفية فأرسلوا إليّ ثلاث صور خطية منها٢.
وكذا أرسلت إليّ مكتبة الجامعة الملكية في توبنجن بألمانيا صورة من مخطوط نادر لأحد الأعداء المعاصرين للشيخ الإمام٣ وذلك لما بعثت إليهم بالرغبة في الحصول عليها.
وقد بعثت برسائل أخرى إلى مكتبات متنوعة، ولكن بعضها اعتذر بعدم وجود ما طلبت مثل المتحف البريطاني، وطلبت عن طريق أحد الأساتذة٤ في القاهرة الحصول على صور من مخطوطات متعددة توجد في دار الكتب المصرية (خزانة تيمور) - بناء على المعلومات المدونة في فهارسها، فأخبرني بعدم وجودها، وبعض الجهات العلمية أردت منها ما يخدمني في هذا البحث ولكن دون جواب.
إن من العوائق التي واجهتني أثناء جمع المادة العلمية وتحصيلها هو التأخر الكثير لوصول بعض المراجع الأساسية لهذا البحث، وكنت أطلبها عن طريق المراسلة لبعض المكتبات العلمية، حتى إني مكثت أكثر من سبعة أشهر في انتظار وصول صورتي مخطوطتين من بلاد المغرب، مع أن ابتداء هذه المدة المذكورة من حين الموافقة على تصوير وإرسال تلك المخطوطتين.
كما أن تعدد الاعتراضات وكثرة الدعاوى وتنوع الشبهات ضد دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، كان ذلك عقبة أخرى حاولت اجتيازها بالتركيز على الاعتراضات الأساسية والدعاوى الهامة في مجال العقيدة دون الاعتراضات الأخرى.
стр. 13
وعقبة ثالثة وهو التداخل الكبير، والترابط الكثير بين فصول أبواب الرسالة، وسيتضح ذلك أثناء الدخول في فصول البحث، فلقد واجهتني أثناء جمع المادة العلمية، وأثناء الكتابة، فبذلت جهدي في ترتيب المعلومات وتنظيمها، ولكن كان هناك تلازم واتصال بين بعض معلومات الفصل مما لا يمكن تقسيمه وانفصاله، فألجأ عندئذ إلى الإحالة أحيانا، أو أذكر هذه المعلومات بإيجاز في موضع، ثم أوردها بإسهاب في موضع آخر، أو العكس.
وفي ختام هذه المقدمة، أحمد الله حمدا كثيرا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، على ما منّ به عليّ من الإعانة والتيسير في كتابة هذا البحث، وأرجو منه أن يجعل هذا البحث بابا إلى تحصيل العلم النافع الذي يرضيه عزوجل وأن يوفقني فيه إلى تحقيق الصواب والسداد.
وكتبه
عبد العزيز بن محمد بن علي عبد اللطيف
الرياض - ص. ب: ١٧٩٩٩ - الرمز البريدي: (١١٤٩٤)
شهر ربيع الأول ١٤٠٩هـ
стр. 14
تمهيد
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض آثارها
إن ما كتبه الشيخ من المصنفات والرسائل يؤكد يقينا بأن الشيخ لا يدعو إلا لعقيدة السلف الصالح في جميع أبواب الاعتقاد، وليست مصنفاته ورسائله فحسب هي الجواب على هذا فقط، بل إن سيرة الشيخ الإمام وأفعاله وسلوكه جواب آخر، يؤكد بلا أدنى ريب اهتمام الشيخ وحرصه الشديد على تمام التأسي والاقتداء بالسلف الصالح.
كما أن ما كتبه أتباعه - من بعده - وأنصار دعوته السلفية يؤكد أيضا ما اتصف به الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب من تمسك والتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ويظهر حال وشأن أولئك الأتباع وما كانوا عليه من عض بالنواجذ على عقيدة الفرقة الناجية سواء في أقوالهم أو أفعالهم.
وقد شهد الكثير من العلماء من مختلف البلاد والبقاع، وفي أزمان متفاوتة، بل ومن ديانات متنوعة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يدعو إلى الإسلام كما كان عليه أو ظهوره من صفاء ونقاء ووضوح، بعيدا عن لوثات الفلسفة وأدران الشرك، وخرافات التصوف، ومحدثات البدع.
وحيث إن مثل هذا الموضوع قد أخذ نصيبا وافرا من الكتابة والتصنيف١ فلا حاجة للإطالة فيه، بل نقتصر على إيراد بعض النقول الموجزة التي توضح حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. ففي إحدى رسائل الشيخ يجيب عن سؤال أهل القصيم لما سألوه عن معتقده فكان مما قاله ﵀:
стр. 15
(أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله وسط بين المرجئة والوعيدية٢. وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.
وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ وأومن بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
стр. 16
وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٣ وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤.
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃، وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيْمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم
стр. 17
يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية المطهرة١.
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل) ٢.
وفي رسالته لعبد الرحمن بن عبد الله السويدي٣ أحد علماء العراق يذكر الشيخ الإمام ﵀ حقيقة دعوته، ومن ذلك قوله:
(أخبرك أني ولله الحمد متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة) ٤. ونورد بعضا من العبارات التى سطرها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ في بيان دعوة جده الشيخ الإمام، منها قوله:
(أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله لا شريك له، ولا يشركوا به شيئا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله الذي
стр. 18
أرسل به رسله، وأنزل به كتبه) ١.
ويقول الشيخ عبد اللطيف في موضع آخر - حاكيا ما يدعو إليه الشيخ الإمام: (ثم إن شيخنا ﵀ كان يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حيث ينادى لها، وهذا من سنن الهدى، ومعالم الدين كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ويأمر بالزكاة والصيام والحج، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه والنهي عنه، وقد تتبع العلماء مصنفاته ﵀ من أهل زمانه وغيرهم فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب.
وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة..) ٢.
ويبين الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٣ في رسالته التي بعثها إلى أهل الحجاز وعسير واليمن معتقدهم وما يدعون إليه فيقول:
(اعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه ونجاهدهم عليه هو دين الإسلام الذي أوجبه الله على عباده وهو حقه عليهم الذي خلقهم لأجله، فإن الله خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحدا من المخلوقين لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهما ... ونأمر بهدم القباب ونهدم ما بني على القبور، ولا يزاد القبر على شبر من التراب وغيره، ونأمر بإقام الصلاة جماعة في المساجد، ونؤدب من تخلف أو تكاسل عن حضورها وترك الحضور في المسجد ونلزم ببقية شرائع الإسلام كالزكاة والصوم والحج للقادر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وننهى عن الربا والزنا وشرب الخمر، والتتن، وعن لبس الحرير للرجال، وننهى عن عقوق الوالدين، وعن قطيعة الأرحام.
وبالجملة فإنا نأمر بما أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ وننهى عما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله، ولا نحرم إلا ما حرم الله، ولا نحلل إلا ما حلل الله، فهذا الذي ندعو إليه، ومن كان قصده الحق ومراده الخير والدخول فيه، التزم
стр. 19
ما ذكرنا وعمل بما قررنا، فيكون له ما لنا وعليه ما علينا) ١. وقد جاء هذا المعتقد موجزا بعبارة جامعة، كما قال أحدهم:
(أن كل ما ثبت في الشريعة الإسلامية مما جاء عن الله ورسوله فهو مذهبنا، ومعتقدنا وديانتنا، سواء ذكرناه وصرحنا به أو لم نذكره، ولم نعالن به، وكل ما نفته الشريعة الإسلامية، فهو الذي ننفيه ونرفضه، لذلك فعلى كل من تروى له رواية عنا فليعرضها على كتاب الله وسنة رسوله فإن وافقتها فليعلم وليوقن بأنها رأينا ومذهبنا، وإن خالفتها فليوقن أننا نخالفها..) ٢.
وبهذا يعلم أن الشيخ الإمام وأتباعه - من بعده - يدعون إلى التمسك بمنهج السلف الصالح، سواء كان ذلك في العقائد، أو السلوك والشرائع، ويتحرون الرسائل والأسباب التي تحقق ذلك، ويفعلونها، ويحرصون كل الحرص على تنفيذ أوامر هذا الدين، والابتعاد عن نواهيه، وهم بذلك مقتدون ومتأسون برسول الله ﷺ وصحبه الكرام.
وأما الإشارة إلى آثار هذه الدعوة، فإنه لما كانت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب هي دعوة لتجديد ما اندرس من عقيدة السلف الصالح، لذا حظيت تلك الدعوة بالقبول لها والتأثر بها من قبل كثير من علماء المسلمين والحركات الإصلاحية، والكثير من عامة المسلمين، وذلك لما تتميز به عقيدة السلف الصالح التي دعا إليها الشيخ الإمام من ميزات وخصائص توجب الاعتقاد بها والميل إليها من الوضوح والصفاء واليقين والثبات والآثار الفعلية الإيجابية والنتائج المحمودة الملموسة في واقع الحياة الدنيا، والنعيم السرمدي الأبدي في الحياة الآخرة. لقد عمت الدعوة وآثارها المباركة بلاد نجد، ثم امتدت إلى الحجاز، ثم سائر بلاد الجزيرة العربية، بل تجاوزت تلك البلاد.. فكان لها أتباع وأنصار في مختلف الأمصار، كالشام ومصر والعراق وبلاد المغرب، والهند، والكثير من الأقطار.
ولا تزال - إلى وقتنا الحاضر - آثارها ونتائجها علمية كانت أو عملية ناطقة بذلك، وشاهدة بصدق هذه الدعوة ووضوحها وسلامة منهجها، وستبقى هذه الدعوة - إن شاء الله - منصورة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 20
ولقد أفاض الباحثون في الحديث عن أثر دعوة الشيخ الإمام على بلاد المسلمين وعلمائهم، وأثرها على الدعوات والحركات الإصلاحية، وألفت من أجل ذلك الرسائل والمصنفات في بيان آثارها وأصدائها، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره١.
ولكن من المناسب أن نورد بعض الأعلام الذين تأثروا بدعوة الشيخ الإمام، ممن لم يذكرهم هولاء الكتاب ضمن من تأثروا بهذه الدعوة، وذلك على حسب اطلاعنا. فيذكر المحامي عباس العزاوي من تأثر بدعوة الشيخ في العراق فيقول:
(وكان الأستاذ عبد العزيز بك بن عبد الله بك الشاوي٢ ذهب إلى نجد للحج والمفاوضة مع آل سعود، فاقتنع بمذهبهم وحمله إلى العراق فصار داعيتهم، اقتنع بعد تجربة سنوات، فلم يكتف بالمظاهر والظواهر، وإنما خالط القوم حتى بلغ من المعرفة الصحيحة مبلغها، فاختار أن يكون عقيدته) ٣.
كما يذكر العزاوي من العلماء الذين تأثروا بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، الشيخ علي السويدي٤ ووصفه العزاوي بأنه (عالم دعا إلى اتباع الحديث، وهذا عين مذهب السلف) ٥.
بل ذكر بعضهم أن الشيخ علي السويدي دعا والي بغداد سليمان باشا الصغير إلى الالتزام بهذه الدعوة٦.
وممن تأثر بهذه الدعوة السلفية الشيخ أحمد بن محمد الكتلاني٧ فألف رسالة بعنوان "الصيب الهطال في كشف شبه ابن كمال"٨ حيث دافع عن دعوة الشيخ،
стр. 21
ورد الافتراءات والشبهات المثارة ضد هذه الدعوة، وساق الأدلة والبراهين الواضحة التي تؤكد وتقرر أن دعوة الشيخ الإمام هي دعوة لمذهب أهل السنة والجماعة.
كما تأثر بهذه الدعوة، الشيخ محمد بن ناصر الشريف التهامي اليمني، أحد تلاميذ الإمام محمد بن علي الشوكاني، حتى إنه ألف كتابا في الرد على دعاوى داود بن جرجيس١ التي رمى بها دعوة الشيخ، وجعل داود تلك الدعاوى الكاذبة في كتاب سماه "صلح الإخوان"٢ فأجابه التهامي بكتاب سماه "إيقاظ الوسنان على بيان الخلل الذي في صلح الإخوان"٣ فند فيه دعاوى ابن جرجيس، وأظهر صدق الشيخ الإمام، ودافع عن عقيدة السلف، وسنورد بعض ردوده في ثنايا أبواب هذه الرسالة.
وتأثر بهذه الدعوة الشيخ عبد الكريم بن فخر الدين الهندي٤ ودافع عنها، ورد على خصومها، فرد على دحلان وأبطل دعاويه بكتاب سماه "الحق المبين في الرد على اللهابية المبتدعين".
وتأثر الأستاذ صالح بن دخيل الجار الله٥ بهذه الدعوة فسعى إلى نشرها، والرد على خصومها، وقد كتب مقالا مفصلا في مجلة المقتطف، بيّن حقيقة دعوة الشيخ، ورد على مقالة القس زويمر٦ التي كتبها عن الوهابية، ووضح الأستاذ صالح ما في مقالة زويمر من الاضطراب والتضليل، فكان مما كتبه ﵀:
(واضطرب الناس في الوهابية اضطرابا شديدا لعدم تحقيق أحوالهم، فالناس فيهم ما بين قادح ومادح، فمنهم من جعلهم كالروافض والخوارج والبابية. والحق أنهم
стр. 22
متبعون للسنة لا غالون ولا جافون، حتى إني اجتمعت بكثير من مثل هؤلاء بالشام ومصر والعراق سنة ١٣١٨ هـ، وبينت مأخذهم ومعتقدهم ومذاهبهم، فأذعنوا لذلك، ووافقوا عليه، وقالوا إنه الحق، وطلبوا كتابا يطبع من تآليفهم يزيل ما لبس على كثير منهم، فإن بعض السياح يجهل حقيقة حالهم. ولا عبرة ببعض العوام الجهال، فطبعت في أواخر رجب سنة ١٣١٩ هـ كتاب "توضيح توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب". فانتشر في الآفاق وتلقاه أهل الإنصاف بالقبول والوفاق لأنه كتاب وحيد في فنه يحتاج إليه المبتدي ولا يستغنى عنه المنتهي، وحقيق أن تشد إليه الرواحل وتقطع دون الوصول إليه المنازل ... ) ١.
وألف الشيخ سليمان بن صالح الدخيل٢ رسالة بعنوان "حقيقة المذهب الوهابي"٣ يقول د. محسن غياض عجيل عن هذه الرسالة:
(وهي رسالة صغيرة في بيان حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والدفاع عنها، ورد ما لفقه خصومها عنها، وقد أوقف الأستاذ الدخيل كثيرا من وقته وجهده ليشرح للعراقيين خاصة وللناس عامة حقيقة تلك الدعوة وما تهدف إليه) ٤.
ودافع الشيخ محمود شويل٥ عن دعوة الشيخ الإمام، فرد على أحد خصوم هذه الدعوة، وهو المدعو محمد البكري أبو حراز السوداني حيث ألف هذا الجاهل رسالة سماها "الوهابية المهزومة"، وكان رد الشيخ محمود شويل بعنوان "القول السديد في قمع الحرازي العنيد"، وقد كشف شويل عن ضلالات الحرازي، وأبان الحق بأدلته، وقرر بمختلف البراهين صحة هذه الدعوة، كما رد على شبهات الخصم وفندها.
هذه أمثلة معدودة لبعض الأشخاص الذين تأثروا بهذه الدعوة السلفية وكان لهم جهود فعالة في نصرة هذه الدعوة.
стр. 23
ومما يجدر التنبيه عليه هاهنا أن نشير إلى ما ذكره الدكتور صالح العبود حول ما يقال من تأثر بعض الحركات والدعوات الإصلاحية والشخصيات الإسلامية بدعوة الشيخ الإمام مثل الحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدوية في السودان ونحوهما، ومثل الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال وغيرهم.
يقول الدكتور العبود عن دعوى تأثر تلك الحركات والشخصيات بدعوة الشيخ الإمام:
(كل ذلك يحتاج إلى دقة وتحقيق ودليل يثبت أن هذه الدعوات والحركات تأثرت بعقيدة الشيخ وحركته ودعوته وقيام أنصاره.
والحقيقة أن هذه الدعوات والحركات النابعة من أهلها، وهم بأنفسهم لا يذكرون أنهم من أتباع الشيخ ولا أنهم تتلمذوا عليه أو قرأوا كتبه ومؤلفاته وأرادوا تطبيقها) ١.
ويسوق العبود أمثلة في إثبات ما ذكره، فيورد الأدلة على اختلاف الحركة السنوسية٢ والثورة المهدوية عما دعا إليه الشيخ الإمام، وغيرهما من الحركات والثورات.
ومن هذه الأمثلة التي ذكرها العبود موضحا عدم تأثر بعض الشخصيات الإسلامية بدعوة الشيخ ﵀، ما أورده الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد التي ألفها، فهو لم يورد توحيد العبادة الذي هو أول واجب على كل مكلف، يقول العبود - عقب ذلك -:
(وقد استدرك عليه تلميذه محمد رشيد رضا فقال: فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة، وهو أن يعبد الله وحده ولا يعبد غيره بدعاء ولا بغير ذلك مما يتقرب به المشركون إلى ما عبدوه معه من الصالحين والأصنام. وهذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ٣.
وقال شيخنا محمد خليل هراس: (وقد غلط الشيخ عبده في اعتباره توحيد الربوبية والانفراد بالخلق هو الغاية العظمى من بعثة الرسل ...
стр. 24
ولعل فضيلة الشيخ عبده في هذا كان متأثر بالأشعرية الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد دون أن يشيروا إلى توحيد الإلهية ... ) ١.
ويبدو أن أحد الدوافع التي جعلت أولئك الكتاب يدّعون تأثر مثل تلك الحركات والشخصيات بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو وجود أحد أوجه التشابه بين دعوة الشيخ وبين تلك الدعوات، ثم يحاولون عندئذ التوصل إلى إثبات هذا التأثر، فبمجرد أنهم عثروا على صفة جزئية تكون موجودة ومشتركة في كل من دعوة الشيخ وتلك الحركات حتى يحكموا بهذا التأثر، دون النظرة الشاملة لمنهج تلك الدعوات ومدى تأثره حينئذ بمنهج دعوة الشيخ الإمام ﵀.
فمثلا دعوة الأستاذ محمد عبده هاجمت التصوف، مثلما هاجمته - من قبل دعوة الشيخ ﵀، ولكن شتان بين منهج كل منهما في ذلك الهجوم. يقول د. محمد محمد حسين مشيرا إلى الخلط بين المنهجين:
(حتى خلطوا بهم كل من دعا بهذه الدعوة (أي مهاجمة التصوف) واعتبروه منهم، غافلين عن أن التصوف يمكن أن يهاجم من منطلقين مختلفين من منطلق سلفي يهاجم الابتداع، ومن منطلق علماني ينكر الغيبيات ويخضعها للتفكير الحر، ومن هذا المنطلق خلطوا بين الأفغاني ومحمد عبده وبين محمد بن عبد الوهاب) ٢.
стр. 25
دراسة استقرائية مجملة لمؤلفات المناوئين مع موقف علماء الدعوة من هذه المؤلفات المناوئة
يلاحظ الباحث من خلال اطلاع سريع على تاريخ الدعوة أن هذه الدعوة واجهتها معارضة قوية ضارية، وكانت إما معارضة سياسية من جهة الأمراء والحكام، وإما معارضة علمية من جهة العلماء و (المطاوعة) ، بل كان هناك ما يشبه التعاضد والتكاتف بين المعارضتين السياسية والعلمية، كما يبدو في المعارضة الشديدة الطويلة الأمد من دهام بن دواس١ أمير الرياض ضد هذه الدعوة السلفية، ومعه الخصم العنيد والعدو اللدود لهذه الدعوة، هو سليمان بن سحيم٢ مطوع الرياض.
ويبدو هذا التعاضد أيضا، في معارضة سليمان بن عريعر٣ أمير الإحساء لعثمان بن معمر٤ أمير العيينة حين آزر الشيخ الإمام في بداية دعوته، وتهديده بقطع معونته الاقتصادية، فقد عزز هذه المعارضة، ما فعله محمد بن عفالق٥ أحد علماء الإحساء، حيث كتب رسالة لابن معمر، ثم تلاها برسالة أخرى٦ يحرضه ضد هذه الدعوة، ويشككه فيها، ويورد الشبهات والدعاوى التي يحاول ابن عفالق بواسطتها إقناع ابن معمر بالتخلي عن هذه الدعوة، والتخلص من صاحبها، وقد
стр. 26
نجحت مساعيهم في ذلك، وتخلى ابن معمر عن الشيخ الإمام، فغادر العيينة متوجها إلى الدرعية كما هو معلوم.
لقد تعددت أوجه هذه المعارضة، وتنوعت سبل المناهضة والعداء، واستنفد الخصوم الكثير من الوسائل والطرق من أجل محاربة هذه الدعوة والقضاء عليها.
وما كتابة المؤلفات والرسائل ضد هذه الدعوة السلفية ومجددها إلا أسلوب من أساليب إعاقة هذه الدعوة والطعن فيها.
وحين نحاول الكشف عن أبعاد هذه المعارضة ومدى حجمها، فإننا نبين - بإيجاز - حال المعارضة في بلاد نجد أثناء ظهور دعوة الشيخ الإمام١ وما نتج عن تلك المعارضة المحلية من انتشار واتساع في مكائدها ومطاعنها إلى مختلف البلاد والأمصار.
يصور ابن غنام٢ - المؤرخ الأول لهذه الدعوة - شدة المعارضة وصلابتها، فلما أورد ما فعله الشيخ ومعه ابن معمر في العيينة من هدم القباب وقطع الأشجار التي يتبرك بها، ذكر موقف المعارضين فقال ﵀:
(فأخذوا في رده والإنكار عليه وأتوا بأعظم الأسباب، وزجوا الخلق في لجة الضلال والارتياب، وضجوا على كلمة الحق بالتكذيب والإكذاب.
وأشر الناس والعلماء إنكارا عليه، وأعظم تشنيعا وسعيا بالشر إليه سليمان بن سحيم وأبوه محمد، فقد اهتم في ذلك وأنجد وجد في التحريش عليه والتحريض، وأرسل بذلك إلى الإحساء والحرمين والبصرة، فلم ينل من مراده سوى الخزي والعارة والحسرة، ولقد كاد وشنع وعادى وحشر علماء السوء ونادى وكذب عليه وبهت وزور، فقاموا معه فورا بالإنكار، وأفتوا للحكام والسلاطين بأن القائم بدعوة التوحيد خارجي.
стр. 27
وسطروا فيها الجزم بكفره وبطلان حجته ودليله١.
ويذكر الدكتور عبد الله العثيمين عددا - تقريبيا - لأولئك الخصوم في نجد آنذاك، وتنوع مواقفهم فيقول:
(واضح من رسائل الشيخ (الشخصية) أن دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل بعض علماء نجد، فالمتتبع لها يلاحظ أن أكثر من عشرين عالما أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، ويأتي في مقدمة هؤلاء المعارضين عبد الله المويس٢ من حرمة، وسليمان بن سحيم من الرياض، ويستفاد من هذه الرسائل أن معارضي الشيخ من النجديين كانوا مختلفي المواقف، فمنهم من عارضه واستمر في معارضته مثل المويس، ومنهم من كان يعترف في بداية الأمر بأن ما جاء به الشيخ أو بعضه حق، لكنه غيّر موقفه مع مرور الزمن مثل ابن سحيم، ومنهم - أيضا - من كان متأرجحا في تأييده ومعارضته مثل عبد الله بن عيسى٣) ٤.ويتحدث العثيمين عن أبرز أوجه كيد المعارضة النجدية، فيقول:
(تبين "الرسائل الشخصية للشيخ الإمام" أن نشاط المعارضة النجدية كان مختلف الجوانب، وفي مقدمة أوجه ذلك النشاط الكتابة ضدها والمتأمل في هذه الرسائل يرى كثرة تلك الكتابة، وإن كان من المتوقع أن أغلبها لم يكن طويل المحتوى.
الوجه الثاني من أوجه نشاط المعارضة النجدية: مجادلة ابن إسماعيل جماعة الشيخ في ثرمداء، ومجادلة سليمان بن سحيم لابن صالح في مجلس الشيوخ في الرياض.
الوجه الثالث: الاتصال بالعلماء وذوي النفوذ خارج نجد وتحريضهم ضد الشيخ ودعوته، مثل إرسال ابن سحيم كتابا إلى العلماء خارج نجد وشكواه له عند أهل
стр. 28
الحرمين، وقد ركب المويس وخواص أصحابه إلى أهل الكواز وقبة رجب يخبرونهم بإنكار الشيخ لما هم عليه، ويستثيرونهم ضده، كما ركب المويس مع ابن ربيعة وابن إسماعيل١ إلى أهل قبة أبي طالب وأغروهم بعدم اتباع الشيخ.
وواضح أن الاتحاد إلى الاستنجاد بالخارج يعكس إدراك المعارضين النجديين لضعفهم أمام دعوة الشيخ وفشلهم في إيقافها.
الوجه الرابع من وجوه نشاط المعارضين المحليين: ترويج الكتب التي ألفها علماء غير نجديين ضد الدعوة بين الناس، كما روج المويس وابن عبيد كتاب القباني البصري٢ وكما روج المويس وابن إسماعيل كتاب ابن عفالق٣٤.
وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا وبيانا لبعض مكائد الخصوم وتكالبهم ضد هذه الدعوة السلفية بمختلف السبل، فإننا نورد بعض النقول المختارة من الرسائل الشخصية للشيخ الإمام، والتي تكشف عن ضخامة الكيد والعداء من قبل بعض علماء نجد ومطاوعتهم ضد هذه الدعوة الصادقة، كما تكشف عن حجم المعاناة ومقدار المشقات التي تجشمها الشيخ في سبيل دعوته.
ففي رسالته لأهل القصيم يشير الشيخ إلى كيد سليمان بن سحيم فيقول:
(وبلغني أن رسالة ابن سحيم قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي) ٥.
ويورد الشيخ في رسالته لابن عباد٦ مطوع ثرمداء بعضا من مناهضة الخصوم في نجد ضد الدعوة السلفية فيقول:
стр. 29
(وكذلك أحمد بن يحيى١ راعي رغبة عداوته لتوحيد الألوهية والاستهزاء بأهل العارض لما عرفوه، وإن كان يقر به أحيانا عداوة ظاهرة ... وكذلك ابن إسماعيل أنه نقض ما أبرمت في التوحيد، وتعرف أن عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة٢ كله من أوله إلى آخره في إنكار توحيد الألوهية، وأتاكم به ولد محمد بن سليمان٣ راعي وثيثيه، وقرأه عندكم وجادل به جماعتنا، وهذا الكتاب مشهور عند المويس وأتباعه مثل ابن سحيم وابن عبيد يحتجون به علينا ويدعون الناس إليه..
وكذلك ما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام٤ وقرأه على جماعتكم يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية..) ٥.
وفي رسالة لابن عيد أحد مطاوعة ثرمداء، يقول الشيخ بعبارة مؤثرة:
(فلما أظهرت تصديق الرسول فيما جاء به سبوني غاية المسبة وزعموا أني أكفر أهل الإسلام وأستحل أموالهم) ٦.
ويصف الشيخ عداوة الخصوم وفتنتهم في رسالته للسويدي، فيقول ﵀:
(ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس وكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله..) ٧.
ويهاجم الشيخ الإمام بعض خصومه الألداء كابن سحيم، ويصفه بما يناسب حاله وواقعه فقال ﵀: (لكن البهيم "سليمان بن سحيم" لا يفهم معنى العبادة) ٨.
ثم يقول: (فيا سبحان الله ما من عقولهم تفهم أن هذا الرجل من البقر، التي لا تميز بين التين والعنب) ٩.
ويذكر الشيخ في رسالته لعبد الرحمن بن ربيعة١٠ مطوع ثادق بعضا من أفاعيل المعارضين، في صد الناس عن هذه الدعوة، فقال الشيخ ﵀:
стр. 30
(فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى عندنا في إنكار هذا الدين والبراء منه، وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه، فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه، ودعوت الناس إليه، وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصا ابن يحيى؛ لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرا، وصبرت على الأذى في ذلك فأنت أخونا وحبيبنا) ١.
ويورد الشيخ في رسالته لأحمد بن إبراهيم٢ مطوع مرات نصا مهما يتضمن بعض مطاعن الخصوم من نجد وغيره، وشيئا من شبهاتهم، وما كانوا عليه من حرص على عداوة الدعوة السلفية، يقول ﵀:
(وقد صرحوا - أي علماء الحرمين - أن من أقر بالتوحيد كفر، وحل ماله ودمه، وقتل في الحل والحرم. ويذكرون دلائل على دعاء الأولياء في قبورهم، منها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ ٣ فإن كانت ليست عندك، ولا صبرت إلى أن تجيء، فأرسل إلى ولد محمد بن سليمان في وشيقر ولسيف العتيقي٤ يرسلونها إليك. وجاءنا بعض المجلد الذي صنفه القباني، واستكتبوه أهل الحسا، وأهل نجد، وفيه نقل الإجماع على تحسين قبة الكواز وأمثالها، وعبادتها، وعبادة سية طالب، ويقول في تصنيفه إلا ابن تيمية وابن القيم وعشرة أنا عاشرهم فالجميع اثنا عشر، فإذا كان يوم القيامة اعتزلوا وحدهم عن جميع الأمة ... ، وأيضا مكاتيب أهل الحسا موجودة، فأما ابن عبد اللطيف٥ وابن عفالق وابن مطلق٦ فحشوا بالزبيل أعني سبابة التوحيد واستحلال دم من صدق به أو أنكر الشرك) ٧٨.
ومع شدة هذه الخصومة وضراوتها، وشناعة هذا العناد، واستمراره إلا أن الشيخ
стр. 31
رحمه الله قد كان حريصا على هداية أولئك الخصوم، فيبذل الأسباب والوسائل لتحقيق ما يؤدي إلى استقامتهم والتزامهم بمتابعة الحق المؤيد بالدليل، ويظهر اللين والتلطف معهم، كما هو واضح في رسالته لشيخه عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف أحد علماء الإحساء، حيث يخاطبه فيقول:
(فإني أحبك وقد دعوت لك في صلاتي، وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم، وما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين الله) ١.
وهذا الشيخ المخاطَب قد ألف رسالة في الرد على الشيخ الإمام، سماها "سيف الجهاد لمدعي الاجتهاد"٢. ويخاطب الشيخ عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى فيقول:
(فإن كان إني أدعو لك في سجودي، وأنت وأبوك أجل الناس إلي وأحبهم عندي ... ) ٣.
ومع ذلك فقد عانى الشيخ الإمام من الشيخ عبد الوهاب وأبيه معاناة شديدة، وأصابه منهما هم وغم كما هو مذكور في بعض رسائله٤.
ويصف الشيخ الإمام محمد بن فيروز٥ - أثناء رسالته لأحمد بن إبراهيم مطوع مرات - فيقول ﵀:
(ولكن تعرف ابن فيروز أنه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجل من الحنابلة وينتحل كلام الشيخ "ابن تيمية" وابن القيم خاصة ... ) ٦.
ولكن هذا الخصم -محمد بن فيروز- قد بلغت محاربته ومناهضته لهذه الدعوة حدا لا يوصف، لذا مدحه أحد خصوم هذه الدعوة وهو الحداد٧ حيث قال مادحا لابن فيروز:
стр. 32
(ولله در الشيخ محمد بن عبد الله بن فيروز الحنبلي لما قام مجتهدا ابتغاء مرضاة الله في إطفاء بدعة هذا الخبيث، كلما رأى وجها لبعض أهل المذاهب الأربعة، تبع ذلك الوجه إذا كان مخالفا لما يعلمه أو يقوله ابن عبد الوهاب البدعي) ١.
وبلغ من كيد ابن فيروز أنه - كما قال ابن حميد٢ في "السحب الوابلة"٣ (كاتب السلطان عبد الحميد خان يستنجده على قتال البغاة الخارجين بنجد) ٤.
ويصل بابن فيروز الإسفاف وشناعة السباب وبذاءة اللسان لدرجة أنه كتب تقريظا لرسالة تلميذه عبد الله بن داود٥ - أحد أفراخ ابن فيروز وواحد من خصوم الدعوة السلفية -، وتضمن تقريظه ما ذكره مسعود الندوي٦ ﵀ حيث قال:
(وفي بداية هذا التقريظ، يبصر القارئ العبارة التالية، ولعله يذوب حياء لمجرد رؤيتها، ولكن نقل الكفر ليس بكفر فاضغط على قلبك واقرأ: ".. بل لعل الشيخ - يعني عبد الوهاب - غفل عن مواقعة أمه - يعني محمد بن عبد الوهاب - فسبقه الشيطان إليها فكان أبا لهذا المارد ... إلخ" إنا لله وإنا إليه راجعون - وهل يستطيع كبار المقذعين أن ينحطوا إلى هذا المستوى من الإقذاع) ٧.
من خلال ما سبق يتضح - إجمالا - شدة كيد الخصوم وقوة المعارضة في بلاد نجد وتنوع أساليبها، وتعدد وسائلها، وذلك أثناء ظهور دعوة الشيخ الإمام
стр. 33
محمد بن عبد الوهاب ﵀.
وهذا البيان الموجز لموقف الخصوم من العلماء والمطاوعة في نجد أثناء ظهور دعوة الشيخ، هو بمثابة المثال الذي يعطي صورة تقريبية لسعة المعارضة عموما وقوة نفوذها في مختلف البلاد.
وناسب - عقب ذلك - أن نذكر بعض ما سطره وكتبه الخصوم من الرسائل والمؤلفات ضد هذه الدعوة، مع مراعاة الترتيب الزماني - حسب وفيات أولئك العلماء -، وكذلك مع مراعاة الترتيب المكاني - حسب القرب من موطن هذه الدعوة -، وكل ذلك قدر المستطاع، وقد نشير لبعض أسماء الخصوم ممن عادى هذه الدعوة، ولكن لم يصل إلينا شيئ مما كتبوه، نظرا لما لهم من أثر في غيرهم بتأليف ما يعارض الدعوة، أو لاتصال جهودهم وارتباطها بمن ألّف وصنف ضد هذه الدعوة.
فممن عارض دعوة الشيخ الإمام وناصبها العداء في بلاد نجد أثناء ظهور الدعوة، عبد الله بن أحمد بن سحيم١ (ت ١١٧٥ هـ) ، وهو من بيت آل سحيم الذي يضم أكثر من خصم حارب الدعوة السلفية، ولكن المذكور -كما يقول البسام- (أخف عشيرته معاداة ومجابهة للدعوة السلفية) ٢.
ومن أشد خصوم هذه الدعوة وأكثرهم عنادا ومناهضة، عبد الله بن عيسى المويس (ت ١١٧٥ هـ) ، ومعاداته وخصومته ظاهرة جلية - من خلال رسائل الشيخ والتي أشرنا إلى بعض منها.
يقول ابن حميد في "السحب الوابلة" (وكان ممن أنكر على ابن عبد الوهاب وعلى أتباعه في ابتداء دعوتهم) ٣. وقد جاهر عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عدوان٤ (ت ١١٧٩ هـ) بالعداوة للشيخ، (فألف رسالة في نحو ثمانية كراسات من القطع الصغير رد بها على الشيخ
стр. 34
محمد بن عبد الوهاب) ١.
ويبدو أن هذه الرسالة في الوقف٢ وكان مربد بن أحمد الوهيبي التميمي٣ من أهل حريملاء من أعداء الدعوة، وبلغ من عداوته وتضليله أن ذهب إلى صنعاء في اليمن، فشوه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما جعل الصنعاني - على رأي البسام - ينقض مدحه بقصيدة أخرى على وزنها٤.
ومن أشد هؤلاء الخصوم عداوة وكيدا، وأعظمهم إفكا وتضليلا، سليمان بن سحيم (ت ١١٨١ هـ) ، فإن عداوته ظاهرة وواضحة كما في الرسائل الشخصية للشيخ الإمام أثناء الرد على مفترياته٥.
стр. 35
ولقد كانت رسالته المملوءة بالأكاذيب والشبهات ضد الدعوة السلفية، من أشد الوسائل تشويها للدعوة، وأشنعها تحريفا وتزويرا لمبادئ هذه الدعوة ولأتباعها، حيث إن هذا الخصم قد بعث بتلك الرسالة إلى سائر علماء الأقطار والأمصار يستحثهم ويحرضهم ضد مجدد هذه الدعوة، ولقد كان لها آثارها وأصداؤها السيئة ضد الدعوة ومجددها.
وكتب صالح بن عبد الله الصائغ١ (ت ١١٨٣ هـ) قصيدة يرد بها على الأمير الصنعاني لما مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثنى خيرا على دعوته. ومطلع رد الصائغ:
سلام من الرحمن أحلى من الشهد ... وأطيب عرفا من شذا المسك والورد
إلى معشر الإخوان أهل محبتي ... وأهل ودادي نعم ذلك من ود
وبعد فقد جاءت إلينا رسالة ... بها قول زور خارج من لدن زيدي٢
ومن المناوئين لهذه الدعوة سيف بن أحمد العتيقي (ت ١١٨٩ هـ) ويتجلى عداؤه بأنه جمع الردود التي رد بها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكانت سفرا ضخما، ولكن - كما قال البسام - (إن هذا المجموع لا يعرف له وجود إلا بالذكر، وعند التصارع فإن البقاء للصالح من الأعمال والأقوال) ٣. وسعى سليمان بن عبد الوهاب٤ (ت ١٢٠٨ هـ) - شقيق الشيخ الإمام - في معاداة الدعوة وتعددت أساليب خصومته ومناوأته ... فقد ألف رسالة سماها "فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب"٥ كان من آثارها نكوص أهل
стр. 36
حريملاء عن اتباع الدعوة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت آثار الكتاب إلى العيينة، فارتاب وشك بعض من يدعي العلم - في العيينة - من صدق هذه الدعوة وصحتها١.
يقول العثيمين عن ذلك:
(لم يقتصر نشاط سليمان على بلدته - حريملاء -، وإنما بذل جهدا لإقناع أهل العيينة بالخروج على الدعوة ودولتها، وكانت وسيلته في ذلك أن أرسل إليهم كتابا ضمنه آراء تناقض آراء أخيه محمد في مسائل العقيدة ... ) ٢.
ويظهر أن سليمان يخالف أخاه في مسألة الذبح والنذر لغير الله ونحوهما فيعتبرهما سليمان من الشرك الأصغر، ويورد الأدلة لكلامه فيدعي أن ابن تيمية وابن القيم على ذلك الرأي الذي يقوله - كما سيأتي موضحا في موضعه٣.
وناهض محمد بن فيروز (ت ١٢١٦ هـ) دعوة الشيخ الإمام أشنع مناهضة وأشدها، وكاد لها بمختلف أنواع الكيد والمكر، ومن جملة كيده أنه ألف كتابا في الرد
стр. 37
على هذه الدعوة بعنوان "الرسالة المرضية في الرد على الوهابية"١.
ما ذكرناه -سابقا- أمثلة معدودة لما كتب ضد الشيخ ودعوته في بلاد نجد، وقبل سقوط الدرعية سنة ١٢٣٤ هـ.
أما عن بلاد الإحساء فقد ألف عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف - وهو أحد شيوخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في الإحساء - رسالة بعنوان "سيف الجهاد لمدعي الاجتهاد"٢.
كما ألف محمد بن عبد الرحمن بن عفالق (ت ١١٦٤ هـ) رسالة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عنوانها "تهكم المقلدين في مدعي تجديد الدين"٣ وقد تضمنت هذه الرسالة أسئلة تعجيزية تهكمية، وبأسلوب يحمل طابع التحدي والغرور، وقد قصد بها ابن عفالق الطعن والتوهين في محمد بن عبد الوهاب، والنيل منه والاستخفاف به - كما هو ظاهر في هذه الرسالة -، كما أن هذه الأسئلة - من خلال الاطلاع عليها - ليست وكذا الجواب عليها من أصول العلم وواجباته، بل أقرب ما تكون إلى فضول العلم وترفه. ومن هذه الأسئلة - المترفة - التي وجهها ابن عفالق إلى الشيخ لكي يجيب عليها،
стр. 38
قول ابن عفالق:
(وبعد فأسألك عن قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَات﴾ ١ إلى آخر السورة التي هي من قصار المفصل كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقية لغوية وحقيقة عرفية، وكم فيها من مجاز مرسل ومجاز مركب، واستعارة تحقيقية، واستعارة وثاقية واستعارة عنادية واستعارة عامية واستعارة خاصية واستعارة أصلية واستعارة تبعية واستعارة مطلقة واستعارة مجردة واستعارة مرشحة وموضع الترشيح والتجريد فيها وموضع الاستعارة بالكناية والاستعارة التخيلية وما فيها من التشبيه الملفوف والمفروق والمفرد والمركب والتشبيه المجمل والمفصل. إلى آخر هذه الأسئلة) ٢.
كما ألف ابن عفالق رسالة وجهها إلى عثمان بن معمر أمير العيينة٣ يشككه في دعوة الشيخ، ويطعن فيها حتى يتخلى عثمان عن نصرتها٤ -في بادئ الأمر-، وادعى ابن عفالق أن ابن عبد الوهاب خالف ابن تيمية وابن القيم في مسائل التوحيد٥ وقد كتب ابن معمر ردا على رسالة ابن عفالق يذكر موافقته لدعوة الشيخ، مما جعل ابن عفالق يكتب جوابا عن رسالة ابن معمر٦ وقد شنع في هذا الجواب على الشيخ الإمام وابن معمر، ورماهما بتكفير المسلمين وتضليلهم٧ ويظهر من هذه الرسالة إلحاح ابن عفالق في إقناع ابن معمر بترك نصرة الشيخ٨.
وفي المدينة كتب محمد بن سليمان الكردي٩ (ت ١١٩٤هـ) أسئلة وأجوبة ضد الدعوة السلفية، حيث تضمنت مخالفة ومعارضة لما قرره وأكده أئمة الدعوة السلفية قديما وحديثا١٠.كما كتب الكردي تقريظا لرسالة سليمان بن عبد الوهاب، مؤيدا له في ذلك،
стр. 39
ومادحا لرسالة سليمان ضد الدعوة السلفية، ومما حواه ذلك التقريظ هذه العبارة - التي يخاطب بها الشيخ الإمام -:
(يا ابن عبد الوهاب سلام على من اتبع الهدى فإني أنصحك لله تعالى أن تكف لسانك عن المسلمين) ١.
وفي العراق كتب أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني٢ (كان حيا سنة ١١٥٧ هـ) مجلدا ضخما سمي بـ "فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب"٣ يزيد عن مائتين ورقة، وهذا الكتاب جواب على رسالة ابن سحيم التي بعثها إلى علماء الأمصار تحريضا لهم على الشيخ وتشويها للدعوة السلفية، ويظهر من هذا الكتاب شدة إلحاح ابن سحيم على أولئك العلماء من أجل مناهضة الشيخ الإمام ودعوته، حيث إنه تكرر منه الطلب مرة ثانية - كما يذكر القباني٤ - فكتب القباني هذا المجلد٥.
وألف عبد الله بن داود الزبيري (ت ١٢٢٥ هـ) كتابا في مناهضة هذه الدعوة سماه "الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود"٦.
стр. 40
يقول البسام في ترجمته للمذكور أنه (قد شرب من مشائخه "وأعظمهم محمد بن فيروز" عداوة للدعوة السلفية في نجد وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لذا فإنه من أشد الجادين في مجابهتها ومعارضتها، وقد صنف في الرد عليه كتابا سماه "الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود"، إلا أن الله قد أبقى هذه الدعوة الطيبة في نمو وتقدم وتوسع في المشارق والمغارب وذهبت رعوده وبروقه خلبا فالحمد لله على المعتقد الحسن) ١.
ومن خلال الاطلاع على بعض كتب الخصوم، يظهر أن كتاب الصواعق والرعود له أهمية وعناية عند الخصوم، ويحظى مؤلفه بالمدح والتقدير لديهم.
فقد مدح محمد بن محمد القادري٢ هذا الكتاب وبالغ في الإطراء والتبجيل لمؤلفه، فقال:
(وهو كتاب مخزون بالعجائب، ومشحون بالغرائب، عظيم النفع، جليل الشأن، واضح البرهان، لا نعرف كتابا في هذا النمط أشرف منه وأعظم، ولا أنفس منه وأتم، من شأنه أن يكتب سطوره بالنور على خدود الحور ... ومن أراد أن يعرف دسائس الشيطان التي ألقاها إلى ابن سعود، فعليه بمطالعة "الصواعق والرعود"، فإنه كتاب غريب في صنعه عجيب، وكان التصدي لإبطالها فرض كفاية على علماء المسلمين، لئلا يغتر بها عوام المؤمنين، ويصير الوزر عليهم أجمعين، فجزا الله حضرة الشيخ عبد الله بن داود حيث أبطلها في "الصواعق والرعود" أحسن الجزاء حيث رفع الوزر عنه وعنهم في دار الجزاء) ٣. ومدح حسن بن عمر الشطي٤ الصواعق ومؤلفها. فقال:
(وقد ألف العلامة المحقق والفهامة المدقق الشيخ عبد الله بن داود كتابا مشهورا مسمى بـ "الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود" فقد أطال في ابتداء أمره وسيرته وسيرة من بعده من خلفه، وقد انتشر هذا الكتاب واطلع عليه الفحول وأحسنوا الثناءات على مؤلفه..) ٥.