بعيد المدى في صلاح عقيدة مآت آلاف من عباد الله، وتمسكهم بأصل الكتاب والسنة وعودتهم إلى الإسلام الخالص من كل شائبة من الخرافات التي ما أنزل بها من سلطان.
على كل فالرأي الذي نجده في "فائدة" الشيخ بدر عالم فيما يتعلق بكتاب "تقوية الإيمان" لا رصيد له من الواقع، على أنه يتعارض مع الآراء المحمودة ذات التحبيذ الحار التي أبداها الأستاذ العلامة الكشميري: الشيخ الكبير المحدث محمود حسن الديوبندي المعروف بـ"شيخ الهند" والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة الكبير المحقق الشيخ أشرف على التهانوي، ومن هنا فإن كاتب هذه السطور يرى أن العبارة التي جاءت تحت "الفائدة" ليست من محاضرات الأستاذ.. كما أن هناك رسالة للشيخ الكشميري باسم "سهم الغيب في كيد أهل الريب" في اللغة الأردية – في الرد على رسالة "إزالة الخفاء" لأحد المبتدعين في الهند، التي أثبت فيها صاحبها لرسول الله (علم الغيب كلياً – قد نوه فيها الإمام الكشميري بكتاب "تقوية الإيمان" تنويهاً لا يدع مجالا للشك في أن ما جاء في "فيض الباري" من الحط من شأن الكتاب ليس من رأي الأستاذ..
стр. 142
"فيض الباري" والشيخ محمد ابن عبد الوهاب النجدي:
وقد جاء التعرض – بعد الرأي المشار إليه في كتاب "تقوية الإيمان" – لذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، بألفاظ نابية غير مناسبة جداً، وهاك تلك:
"إنه كان رجلاً بليداً قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر".
وقد قلت فيما يتصل بـ"تقوية الإيمان" إن الكلام الذي جاء تحت "الفائدة" في "فيض الباري" لا يمت إلى محاضرات العلامة الكشميري الدرسية بصلة ما، وهذه الكلمات التي تطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب جاءت في "الفائدة" أيضاً وما تنطوي عليه الكلمات من المواصفات لا سند له من الحقيقة البتة، على أنها لا تتفق مع مكانة الكشميري العلمية الوقورة الجادة، وأسلوبه النزيه العفيف في التعرض لأحد بالنقد، والمؤاخذة عليه، وهذه الدلائل كلها تجعل كاتب هذه السطور يتأكد من أن مثل هذه العبارة والفكرة التي تنطوي عليها، هي من عند الشيخ بدر عالم ﵀، ليس إلا، ولا غرر إذا كان الشيخ بدر عالم قد تأثر بتلك الدعايات المكثفة.
стр. 143
المعتمة التي فصلنا القول فيها في الصفحات الماضية، والتي فعلت فعلها في قلوب عظام المخلصين من العلماء الأفذاذ الذين لا ترتقي إليهم شبهة، أمثال العلامة المحدث خليل أحمد السهارنبوري والشيخ العالم العامل المجاهد حسين أحمد المدني- والله أعلم بالصواب.
وأما الجزء الثاني من هذا الرأي (أي التسارع إلى الحكم بالكفر) فإنه – على الرغم من أني قدرت أن العبارة ليست هي نص ما قاله أستاذنا الكشميري – ربما يمكن أن يكون الكشميري قد رأى هذا الرأي، لأن هذا الرأي قد أبداه في الشيخ النجدي بعض أولئك الذين لم يكونوا يعاندونه فقد كان العلامة القاضي الشوكاني اليمني معترفاً اعترافاً بالغاً بجهود الشيخ النجدي المخلصة المؤمنة المضنية في سبيل الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله، وإفراد الله بالعبودية، والتمسك بالكتاب والسنة، وما أثمر غراس دعوته وحركته من نتائج ومكاسب محمودة مباركة، لكنه على الرغم من ذلك يقول في موضع من كتابه:
"ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد، ممتثلا لأوامره، خارج عن الإسلام" ويقول بعد سطور:
"ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة في الجماعة، وهذا – إن صح – غير مناسب لقانون الشرع.
стр. 144
ثم يقول بعد إلقاء الضوء على هذه المسألة:
"وتبلغ أمور غير هذه، الله أعلم بصحتها، وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن أن ذلك صحيح" (١) .
على كل فإن القاضي الشوكاني قد رأى مثل هذا الرأي في الشيخ النجدي مع الاعتراف بقيمة جهوده وجهاده في سبيل تصحيح تنقيح العقيدة الإسلامية، والعودة بالناس إلى التوحيد الخالص، والعقيدة الاسلامية، وذلك في ضوء ما بلغه عن الشيخ النجدي.
وتعلمون أن الإنسان إنما يؤسس رأيه وفكرته، وموقفه على معلوماته واطلاعه، إن صحيحاً فصحيح وإن خطأ فخطأ.
وكذلك قد يمكن أن يكون العلامة الكشميري قد أبدى هذا الرأي في الشيخ النجدي في ضوء معلوماته عنه، وربما يمكن أن يكون أساس رأيه هو كتاب "البدر الطالع" للعلامة الشوكاني فقد كانت مؤلفات الشوكاني مما درسه وطالعه.
وقد صرح الشيخ الأمير صديق حسن خان ﵀ في كتابه "إتحاف النبلاء" – بمناسبة الحديث عن الشيخ النجدي – أن
стр. 145
عالماً في القرن الثالث عشر الهجري، وهو السيد داؤد بن سليمان البغدادي، قد ألف كتاباً في الرد على الشيخ النجدي باسم "صلح الإخوان" وقد تناول المؤلف فيها العلامتين الجليلين:
ابن تيمية وابن القيم الجوزية، بالنقد والطعن.
كما وضع تلميذ من تلاميذ العلامة الشوكاني الأفاضل، وهو الشيخ محمد بن ناصر الحازمي النجدي المتوفى ١٢٨٣هـ رسالة باسم "فتح المنان في ترجيح الراجح وتزييف الزائف من صلح الإخوان" ترجم فيه أولا للشيخ النجدي، تحدث في اعتراف وإعجاب عن أحواله وحياته وجهوده ومحاولاته، ثم صرح بأن الرأي الذي أبداه مؤلف "صلح الإخوان" فيما يتصل بتسارعه إلى القتال والتكفير، صحيح ومؤسس على الانصاف، أما ما قاله الشيخين: ابن تيمية وابن القيم ففنده الشيخ الحازمي في قوة وصراحة، وآخر ما قاله في هذا الشأن:
"هما عالمان عاملان، نقيان ثقتان منصفان، تعبئا لأنفسهما وأديا ما عليهما".
على كل فإن الشيخ الحازمي الذي لم يكن من معارضي الشيخ النجدي، بل كان من أنصاره إلى حد ما، ولم يكن جاهلا بكتابات الشيخ النجدي ومؤلفاته – كما تدل عليه رسالته "فتح المنان" -
стр. 146
كان يرى موقف الشيخ النجدي من التكفير قابلا للجدال والنقاش بل للاستنكار، فربما يمكن أن يكون الشيخ الكشميري رأى في الشيخ النجدي مثل هذا الرأي.
وقد نقل الشيخ المرحوم نواب صديق حسن خان مقتطفات موسعة في كتابه "إتحاف النبلاء" من رسالة الشيخ الحازمي المشار إليها، بل عول عليها في ترجمة الشيخ النجدي.
وقد وقف هذا الموقف نفسه أكابر علماء "أهل الحديث" عندنا في الديار الهندية من موقف الشيخ النجدي من القتال والتكفير، ودائماً أعربوا عن اختلافهم مع الشيخ النجدي وأتباعه وجماعته في هذه القضية.
وقد قلت في مقدمة هذا الكتاب: إن الشيخ مسعود عالم الندوي السلفي ﵀ هو أول من أفرد كتاباً في ترجمة الشيخ النجدي، ووضع فيه جهده، وسهر في جمع المواد والمعلومات عنه، وقد ظهر الكتاب منذ نحو ٣٥ عاماً، وقد كان الشيخ مسعود عالم يرى الشيخ النجدي من رجال العزيمة والتجديد في الأمة الإسلامية، ولكنه سجل في كتابه (ص ١٧٥) اختلاف جماعة أهل الحديث في الهند مع الشيخ النجدي وأتباعه فيما يتصل بالتكفير والقتال.
стр. 147
ويرى كاتب هذه السطور – في ضوء دراسته لكتابات أتباع الشيخ النجدي وأبنائه – أن بعض أتباع الشيخ النجدي حقاً كانوا غير متحفظين في التكفير إن لم أقل "متسرعين" وقد قال القاضي الشوكاني في كتابه "البدر الطالع".
"ولقد أخبرني أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسي، أن جماعة منهم خاطبوه هو، ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار، وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد، لينظر في إسلامهم، فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد" (١) .
ونعتقد أن أمثال هؤلاء الناس من أتباع الشيخ النجدي هم الذين كانوا سبباً قوياً في إساءة سمعة جماعته وحركته المخلصة.
﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ .