← Тараджим

Тараджим · id 11188

دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

محمد منظور النعماني

Полный текст (147 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ما كان شائعاً فيما بين الناس، وما كان مؤسساً على دراستي لكتاباتهم ومؤلفاتهم، ومن هنالك فإن رأيي هذا ضعيف لا يصح الاعتماد عليه. غير أنه لم يكن عندي لذلك دليل أستند إليه، وكنت أتمنى أن لو تمكنت من الحصول على وثيقة في هذا الشأن، وقد أعانني الله الحكيم الكريم من حيث لم أحتسب، فقد أخبرني أخبرني أحد خواص تلاميذ الشيخ حسين أحمد المدني الأستاذ صبغة الله البختياري أن شيخنا العلامة حسين أحمد المدني كان قد أعلن رجوعه عن رأيه الذي أبداه في شأن النجديين في كتابه "الشهاب الثاقب" وذلك من خلال بيانه الصحفي الذي أدلى به إلى إحدى الصحف التي نشرت في ١٩٢٥م، وهي صحيفة "زميندار" لصاحبها الأستاذ المرحوم ظفر علي خان، وقد نقل عن صحيفة "زميندار" الأستاذ عزيز الدين المراد آبادي هذا البيان في كتابه بعنوان "أكمل البيان". وهنالك رحت أبحث عن "أكمل البيان" والحمد لله قد فزت به، فوجدت فيه البيان الذي أدلى به الشيخ المدني إلى صحيفة "زميندار" في ١٩٢٥م الذي سيقرؤه القراء الكرام عما قريب.

стр. 107

خلفية تأليف كتاب "الشهاب الثاقب": وقبل أن يقرأ القراء التصريح الصحفي للشيخ حسين أحمد المدني، أرى جديراً أن يطلعوا على خلفية تأليف "الشهاب الثاقب" حتى يكونوا على بينة من الأمر، ذلك الكتاب الذي أبدى فيه الشيخ المدني في شأن الشيخ محمد وأتباعه رأياً لا يتفق والواقع. قد تحدثت أكثر من مرة، وفي تفصيل عن إقامة الشيخ المدني في المدينة المنورة منذ ١٣١٦هـ إلى ١٣٣٣هـ، وعن الوضع المكهرب ضد الشيخ محمد في مكة والمدينة حرسهما الله، من أجل تكثيف الدعاية من جانب معارضي الشيخ النجدي على صعيد الدين والرأي والفكر أو السياسة، حتى صار المسلمون يرون النجديين أسوأ حالا من اليهود والنصارى والمجوس والهنود مما أثر على الشيخ المدني، فأبدى رأيه الذي قرأتموه. ثم وقع هناك حادث مؤلم مضحك ومبك معاً زاد الطين بلة، وهو أن إمام الطائفة المبتدعة الخرافية القبورية في الهند أحمد رضا خان البريلوي قد بيت مؤامرة خبيثة في كل لباقة لتكفير أجلة العلماء وكبار المحدثين والفقهاء في الهند من الحاملين للواء التوحيد والسنة (من علماء ديوبند وغيرهم) أمثال العلامة

стр. 108

الكبير الإمام محمد قاسم النانوتوي، والمحدث الكبير العلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة المحدث خليل أحمد السهارنفوري صاحب "بذل المجهود في حل أبي داؤد" والعلامة الشيخ الكبير أشرف على التهانوي المعروف بـ"حكيم الأمة" (١) .

стр. 109

وقد "أعد" الرجل لذلك "فتوى" باللغة العربية، يوعزا إلى هؤلاء العلماء عقائد كافرة باطلة، بتحريف في بعض عباراتهم باللغة الأردية، وتحميلها ما شاء من المعاني والمفاهيم باللغة العربية الحياء وتقوى الله، والمروءة والشهامة، زعم في استفتائه – على أساس المعاني التي حملها عباراتهم الأردية بالعربية حسب ما شاء من تحقيق غرضه وشفاء غيظه، والانتصار لنفسه وبالتالي للشيطان – أن هؤلاء كافرون، وكل من يشك في كفرهم وارتدادهم فهو كافر ومرتد كذلك. قد أعد هذه "الفتوى" بالعربية، ولرفع قيمتها لدى الشعب المسلم الهندي أراد أن يحصل عليها التوقيع م علماء الحرمين الشريفين – زادهما الله تشريفاً – وقد كان متأكداً أن هؤلاء العلماء سيوقعون عليها ويصدقونها، لأنهم لا يعرفون اللغة الأردية وليس لهم علم بالموقف.

стр. 110

وتحقيقاً لهذا الغرض الخبيث قام في ١٣٢٣هـ برحلة إلى الحرمين الشريفين، وكان يعرف مدى كراهية علماء الحرمين "للوهابيين" فأكد لهم – ضرباً على وترهم الحساس، بالإضافة إلى الحيل الماكرة الأخرى الكثيرة التي قام بها – أن هؤلاء العلماء الديوبنديين الذين أصدرنا الفتوى بكفرهم، هم من أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، وأنهم يحملون لواء "الوهابية" في شبه القارة الهندية. ولا شك أن حيلة أحمد رضا خان البريلوي (بل في التعبير القرآني الإلهي البليغ الدقيق "كيده" و"مكره") قد نجحت كل النجاح، حيث إن علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة قد وافقوا ووقعوا على فتوى التكفير هذه في كل حماس، وأشادوا بجهوده في سبيل هذا "الجهاد التكفيري" ضد "الوهابيين الهنود". وتلك هي الفتوى التي طبعها المبتدعون في الهند في اللغة الأردية باسم "حسام الحرمين" ووزعوها في أرجاء الهند، وصرخوا وهتفوا بأن علماء الحرمين الشريفين أيضاً قد كفروا علماء ديوبند (العلامة محمد قاسم النانوتوي، والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ أشرف على التهانوي) واعتبروهم مرتدين، ومن لم يكفرهم، أو يشك في كفرهم فهو أيضاً كافر يستحق النار.

стр. 111

إ، هذه المؤامرة الخبيثة، والدعاية الشيطانية قد أوقعت الشعب المسلم الهندي – الذي لم يكن يعرف الحقيقة – في فتنة عمياء، مما حتم على علماء ديوبند أن يفندوا التهم التي وجهها إليهم أحمد رضا خان البريلوي، ,أن يجلوا موقفهم، ويكشفوا الغبار عن مذهبهم حفاظاً على عقيدة الشعب، وتفادياً به من التورط في الضلال وسوء العاقبة والمآل، فقاموا بهذا العمل المقدس، وألفوا في ذلك مؤلفات، وأصدروا نشرات وكتابات (١) تكشف اللثام عن التلبيس والتزوير، والتدليس والتدجيل، الذي هو لحمة "حسام الحرمين" وسداه، فاتضحت الحقيقة، وتعرى الواقع، وأشرق الشمس وفرت خفافيش الظلام "وجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً". وكذلك ألف في الرد على "حسام الحرمين" الشيخ حسين أحمد المدني – الذي كان نزيلا حينذاك بالمدينة المنورة، وكان

стр. 112

يدرس الحديث الشريف في المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام – كتاباً أسماه "الشهاب الثاقب" وقد قام فيه بالرد القاطع على تهم أحمد رضا خان وافتراءاته في بسط وتفصيل، وألقى الضوء الكاشف على عقائد ومذهب علماء ديوبند. ومن خلال ذلك أكد أن علماء ديوبند ليسوا "بوهابيين" ولا يتبعون الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ﵀، وأكد أن علماء ديوبند لا يمتون إليه بصلة ما، بل إنهم يختلفون معهم اختلافاً كبيراً، وقد استخدم في كل تلك المعلومات التي حصل عليها عن الشيخ محمد من خلال ما كان يتردد على الألسنة في مكة المكرمة والمدينة المنورة –شرفهما الله – من الشائعات والأراجيف التي بثتها الدعاية المكثفة ضد علماء نجد، والتي أثبتها الشيخ أحمد زيني دحلان وغيره من العلماء في كتبه.. فمثلا: إن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب يعتقد أن جميع المسلمين سوى أتباعه كافرون، وأنه يستبيح دماء المسلمين، ويسيئ الأدب إلى النبي (، يقول: إن عصاي أنفع من محمد (إذ أستطيع أن أدفع بها الكلاب، وأنه ينكر الشفاعة، ويمنع الناس من الصلاة على النبي (، إلى غير ذلك مما أسلفناه في بداية هذا البحث، نقلا عن كتاب الشيخ أحمد زيني دحلان، الذي كان مفتي الشافعية حين ذاك في مكة المكرمة.

стр. 113

وقد قلت مراراً إن ذلك كله قد صار في الأوساط المكية والمدنية كحقيقة ثابتة لا تقبل جدالاً ولا نقاشاً وكان الناس يتناقلون على أنها شيء متواتر مستفيض، لا يحتاج إلى البحث والتنقيب، فسجله الشيخ المدني في كتابه الشهاب الثاقب ظناً منه أ، ذلك حقيقة مقررة، فقد رأى العالم الجليل مثل الشيخ أحمد زيني دحلان المكي، والعلامة المحقق الأمير صديق حسن خان القنوجي بشأن كل هذه "الحقائق" في كتاباتهما، بل إن الشيخ المدني قد أحال في كتابه الشهاب الثاقب على كتابات الأمير صديق حسن خان (١) . وأعتقد أن ما أسلفت حتى الآن تجلت منه تأليف خلفية كتاب "الشهاب الثاقب" كما قد اتضح أساس ما عزاه الشيخ المدني إلى الشيخ محمد وأتباعه. وإلى القارئ الآن خلفية التصريح الصحفي الذي أدلى به الشيخ المدني في ١٩٢٥م إلى الصحف. إن الشيخ المدني قد ألف كتابه "الشهاب الثاقب" في ١٣٢٨هـ - ١٩١٠م، وحدث في ١٣٤٢هـ (١٩٢٤م) أن استولى الملك عبد العزيز بن سعود على الحرمين الشريفين بقوته العسكرية

стр. 114

وطرد منهما الشريف حسين (١) . والشريف حسين هذا كان يحكم الحجاز نيابة عن الدولة العثمانية التركية، - التي كان حاكمها كخليفة المسلمين – ثم استبد بالحكم خلال الحرب العالمية الأولى ١٩١٤- ١٩١٨م بإيعاز من الانجليز، وخرج على الدولة العثمانية، وشق عصا خليفة المسلمين، وأوقع صدعاً هائلا في صرح التضامن الإسلامي، وذلك كله في ساعة عصبية، ووقت دقيق حساس ... وبإيعاز من الانجليز، ألقى الشريف حسين القبض على شيخ الإسلام والمسلمين في الهند العلامة محمود حسن، المعروف بشيخ الهند – الذي كان نزيلا حينذاك بالحجاز المقدس من أجل الاتصال

стр. 115

بالحكومة التركية لشن حرب منظمة مخططة على الاستعمار الانجليزي في الهند (١) - وعلى تلميذه البار ورفيقه العظيم حسين أحمد

стр. 116

المدني، وأسلمهما إلى الإنجليز ومعهما عدداً من الرفقاء فحبسوهما لمدة نحو أربع سنوات بجزيرة مالطة.. استيلاء ابن سعود على الحرمين الشريفين وقيامه بالإجراءات الإصلاحية: ولما تم استيلاء ابن سعود على الحرمين الشريفين في ١٩٢٤م، بدأ ينفذ خططه الإصلاحية حسب عقيدته، فهدم القباب على الضرائح،

стр. 117

وعاقب الذين كانوا يعكفون على القبور ويتجرون بها، وعمل على القضاء على جميع البدع والمنكرات بقوة الساعد والبنان، ووحد المسلمين على الصلاة بالجماعة خلف إمام واحد بدلا عن الأئمة الأربعة في المسجد الحرام، فاتحد القبوريون الخرافيون وجميع طبقات المبتدعين في الهند، وأشعلوا من جديد نار الحرب "بين الوهابيين" و"المبتدعين" التي قد انطفأت بضربات عواصف حركة الخلافة الإسلامية الجبارة، التي برزت كأكبر حركة إسلامية في الهند والتي وحدت المسلمين في الهند وجعلتهم على رصيف واحد على اختلاف الطبقات والمذاهب والمدارس، فلم يكن يهمهم إلا مطاردة الإنجليز من الهند، والجهاد ضدهم بكل طريق ممكن، فتكاءف علماء "بدايون" (١) - وهم معروفون بميلهم إلى البدعة وإيمانهم بالخرافية – وعلماء "فرنكي محل" (٢) ،

стр. 118

وأتباع الشيخ أحمد رضا خان إمام الطائفة المبتدعة في الهند، مع أبي الكلم آزاد (١) ،وزير المعارف الهندي الأسبق، وعلماء

стр. 119

"ديوبند" (١) وندوة العلماء، وطائفة أهل الحديث، وضربوا خلافاتهم عرض الحائط، وتلاشت الصراعات القائمة بين "الوهابيين" والمبتدعين وبين الأحناف وطائفة أهل الحديث، فكلهم أصبحوا صفاً واحداً ضد الانجليز، يذوقون مرارة الحبس والتشريد والاعتقال من الحكومة الإنجليزية على السواء، وعاشوا في جو من الود والوئام نحو أربع سنوات. لكن اشتعلت الحرب في الهند بين "الوهابيين" والمبتدعين" بعد ما اتخذت الحكومة النجدية إجراءات إصلاحية في الحجاز على

стр. 120

عقيدتها، واتحدت فئات المبتدعين المنتشرة في أرجاء الهند، وضربوا خلافاتهم عرض الحائط، وكونوا جبهة موحدة ضد "الوهابيين" وتكاتف معهم الشيعة. وهذه الجبهة الموحدة كانت تقوم ضد الوهابيين بنشر الكتابات والنشرات والإعلانات المثيرة للعواطف، وتنشر في الصحف والمجلات مقلات حماسية مثيرة، وتقوم بعقد الحفلات والندوات في كل قرية ومدينة في أرجاء الهند، وكانت تصور الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودية النجدية تصويراً مشوهاً مفزعاً مؤلماً، فتقول: إن الحكومة السعودية الوهابية قد هدمت ضرائح أهل بيت النبي (، وأساءت الأدب مع قبور الصحابة ﵃، وكانوا يلقون خطابات مسعورة مسمومة في الموضوع، مما جعل الهند تقوم وتقعد، وكانت صحيفة "السياسة" الصادرة من "لاهور" لسان حال هذه الجبهة الموحدة، كما كانت صحيفة "زميندار" الصادرة من "لاهور" لصاحبها الأستاذ ظفر علي خان، لسان حال "الوهابيين" ... هتاف الجبهة الموحدة بألا يرحلن أحد للحج: وهنالك قامت الجبهة الموحدة بحركة شنيعة في طول الهند وعرضها حيث جعلت تمنع المسلمين من رحلة الحج إلى الحجاز،

стр. 121

معللة بأن مكة المكرمة والمدينة المنورة تحكمهما "الحكومة النجدية الوهابية" والوهابيون أسوأ من جميع الكفار على أرض الله، لأنهم أعداء رسول الله (، وأهل بيته وعباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، فما دامت هذه الحكومة تستولي على الحرمين الشريفين يجب أن لا يسافرن مسلم إليهما للحج والزيارة (١) . وكانت هذه الجبهة الموحدة تستغل في هذا الصدد آراء الشيخ المدني في الشهاب الثاقب، وعلى ذلك فكانوا يستخدمونها في منع الناس عن الحج، وهنالك تساقطت الأسئلة إلى الشيخ في هذه

стр. 122

القضية، فرأى من الواجب أن يدرس الموقف من جديد، فتوصل إلى الرأي الذي سيقرؤه القراء من خلال تصريحه الصحفي. وهذا التصريح قد نشرته صحيفة "زميندار" في عددها الصادر ١٧/ مايو ١٩٢٥م، ونقله عنها الأستاذ عزيز الدين المراد آبادي في كتابه "أكمل البيان" الذي ألفه في الرد على كتاب "أطيب البيان في رد تقوية الإيمان" لصاحبه الأستاذ نعيم الدين المراد آبادي (١) أحد العلماء المبتدعين.

стр. 123

البيان الصحفي للشيخ حسين أحمد المدني: "أريد أن أعلن صريحاً دون تلعثم أن الرأي الذي كنت قد أبديته ضد أهل نجد في "رجوم المدنيين" وفي "الشهاب الثاقب" لم يكن يستند إلى كتاباتهم ومؤلفاتهم، بل إنما كان يستند إلى الشائعات وإلى أقوال مخالفيهم، لكن مؤلفاتهم الموثوق بها – وقد تناولتها بالدراسة – تدل دلالة صارخة على أنهم لا يختلفون مع أهل السنة والجماعة ذلك الاختلاف الكبير الذي يتحدث به الناس، بل الاختلاف يقتصر فيما يتعلق ببعض القضايا الفرعية، مما لا يجوز أبداً تكفيرهم، أو تضليلهم، أو تفسيقهم، والله أعلم" (أكمل البيان ص ٩، نقلا عن صحيفة "زميندار" اليومية الصادرة من "لاهور" ١٧/ مايو١٩٢٥م) .

стр. 124

في الشهاب الثاقب دلائل التأييد بهذا البيان: إن في الشهاب الثاقب دلائل تشهد بأن الآراء التي أودعها الشيخ المدني إياه لا يستند إلى بحثه ودراسته لكتابات النجديين واطلاعهم المباشر على مواقفهم، فقال المدني في موضوع: "ظهر محمد بن عبد الوهاب النجدي في بداية القرن الثالث عشر الهجري في نجد العرب" (١) . على حين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي كان من مواليد ١١١٥هـ، وبدأ الجهاد اللساني ضد عبادة القبور في وطنه "عيينة" وما جاورها وهو في عشرين من عمره، وظل يواصل العمل للقضاء على البدع والخرافات، ويحرز الانتصار والنجاح المتواصل في جهوده وجهاده، وظل يزداد مع الأيام عدد أولئك الذين ساهموه في عمليته بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، حتى آمن بدعوته عام ١١٥٨هـ أمير "الدرعية" محمد بن سعود، وبايعه في دعوته، واتبع كإمام ديني، ونذر جميع وسائله وإمكانياته الحكومية لتصعيد دعوته الدينية وحركته الإصلاحية، ومع انتهاء القرن الثاني عشر الهجري صارت مناطق نجد كلها وما جاورها من البلاد مجال دعوته ونشاطاته وتحركاته،

стр. 125

وتوسع نطاق حكومة آل سعود بالدرعية حتى صارت دولة قوية مرهوبة الجانب مسموعة الكلمة، بعد أن كانت إمارة صغيرة، وفي بداية القرن الثالث عشر الهجري وتوفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عام ١٢٠٦هـ عن تسعين من عمره.. وكل ذلك يدل دلالة واضحة على أن ما قاله الشيخ حسين أحمد المدني عام ١٣٢٨هـ في كتابه "الشهاب الثاقب": "ظهر محمد بن عبد الوهاب النجدي في بداية القرن الثالث عشر الهجري في نجد العرب" لم يقله على أساس معلوماته المباشرة ودراسته الشخصية ... موقف العلامة الشامي ﵀: وكذلك ما نقله العلامة خليل أحمد السهارنفوري من رأى العلامة ابن عابدين الشامي نقلا عن "رد المحتار" فإنه هو الآخر لا يستند على معلومات الشامي المباشرة، لأن عبارته نفسها تدل على أن رأيه في الشيخ محمد يعتمد على ما كان يتناقله الناس ويتحدثون به، إقرأ قول الشامي للمرة الثانية: "كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد، وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون". إن هذه العبارة تدل على أن العلامة الشامي لم يكن يعرف

стр. 126

بالصحة من هو مؤسس الحركة، فإنه يعد "عبد الوهاب" هو الإمام والداعي، وكان ذلك هو المشهور المستفيض فيما بين الجماهير الساذجة، بل إن القبوريين والخرافيين عندنا في الهند لا يعرفون حتى الآن إلى هذا، وإنما يعتقدون أن "عبد الوهاب" هو الذي قام "الحركة الوهابية" فكل الملام إليه يوجهون، وبتوجيه السباب إليه يشفون صدورهم.. وبالجملة فإن وصف العلامة الشامي "الوهابيين" بأتباع عبد الوهاب، دليل صريح على أن قوله في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والنجديين لا يستند إلى اطلاعه المباشر وبحثه ودراسته هو، وإنما وقع فريسة سوء الفهم والخطأ كالكتاب الآخرين الكثيرين.. وإني أعتقد أن العلامة الشامي لو تمكن من الاطلاع على الموقف الصحيح فيما يتعلق بالنجديين، لأعلن رجوعه عن رأيه كما أعلن الشيخ حسين أحمد المدني.. دلائل ناطقة بإخلاص الشيخ محمد، وصحة دعوته وجهوده وجهاده: وكل ما أسلفته حتى الآن فيما يتعلق بالشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ﵀ ودعوته وموقفه الديني ومذهبه الفقهي ومنهجه الفكري، كان كل ذلك هو ما فهمته وتوصلت

стр. 127

إليه من دراسة كتابات ومؤلفات أبنائه وتلاميذه وأتباعه أو الكتب التي وضعت في ترجمة حياته وتاريخ مآثره ومكارهه لكن الذي شرح صدر كاتب هذه السطور وجعله يؤمن بإخلاص دعوته، ونقاء ديباجة جهوده وجهاده، هم أولئك العلماء المنتمون إليه الذين رأيتهم عن كثب لا عن كتب، وجالستهم، ودرست أحوالهم مباشرة، والذين أستطيع أن أصفهم "كتباً ناطقة للشيخ محمد" ولا سيما العالمين الجليلين: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، والشيخ عبد الله بن حميد. ومن عجيب قدرة الله العزيز الحكيم أن كلا الشيخين ضريران، أما الأول فكان من ذي قبل رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والآن هو رئيس إدارات الإفتاء والدعوة والإرشاد والبحوث العلمية بالمملكة العربية السعودية، وهو أعظم شخصية دينية عبر المملكة السعودية إليه ترجع المملكة في مهام القضايا الدينية، وأما العالم الثاني فكان المشرف الأعلى للشئون الدينية في مكة المكرمة، وأما الآن فقد عهدت إليه المملكة مسئوليات علمية ودينية ضخمة، يقيم بعاصمة المملكة بالرياض. ومن نعم الله الغالية – التي لا تعد ولا تحصى – على كاتب هذه السطور أنه انتخب في ١٩٦٥م عضواً في المجلس التأسيسي

стр. 128

لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة – وما كان يخطر منه على بال أنه سيستعد بهذا الشرف العظيم – ومنذ ذلك الوقت أتيح له أن يحضر دورات المجلس، وهذان العالمان الجليلان أيضاً عضوان فيه، وأما الشيخ بن باز فهو الرئيس الدائم لدوراته وتستمر دورات الرابطة إلى أسبوعين وقد تستمر إلى ثلاثة أسابيع، فيحصل الاحتكاك بهؤلاء الشيوخ الأجلة – بارك الله في حياتهم – كثيراً، ثم تحصل اللقاءات معهم في مناسبات كثيرة بحكم كونهم شخصيات دينية وعلمية مرموقة.. أما الزميل الكبير الشيخ أبو الحسن على الحسني الندوي فله معهم علاقات وصلات وطيدة قلما حظى بها أي عالم من بلاد العجم. فيرى الزميل الكريم ويرى كاتب هذه السطور أن الشيخين الجليلين عبد العزيز وعبد الله كليهما – رغم أنهما ضريران – يتمتعان بالتعمق والتبحر في علوم الكتاب والسنة، وبجانب ذلك يتمتعون بحظ موفور من الورع والتقوى، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاطراح على عتبة عبودية الرب ﵎، والرجوع إليه في كل حال.. والله أعلم بأحوال عباده.. وقد رأيناهما في شأن إخلاص التوحيد، والشغف الزائد بالدعوة إليه، والكراهية الشديدة للشرك والبدع وجميع

стр. 129

مظاهرهما وأشكالهما، والحرص على اتباع السلف مع الحرص الشديد على الاعتصام بالكتاب والسنة، رأيناهما في الموقف الذي يجعلنا أن نصفهما كتابين ناطقين للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة. وبالجملة فإني وجدتهما ومن إليهما نموذجاً لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، وقد اقتنعت كل الاقتناع بأن دعوة الشيخ وحركته وروحه إنما كانت تلك التي رأيتها في كتاباته ومؤلفاته وتراجمه، وأن ما قاله الشيخ أحمد زيني دحلان وغيره في كتبه ومؤلفاته شيء لا أساس له أصلا، وإنما هو نفاية وخواء.. حكومة آل سعود وانفعالها بدعوة الشيخ محمد: إن إمارة آل سعود بالدرعية التي احتضنت دعوة الشيخ محمد منذ نحو قرنين ونصف قرن، واعتبرته إمامها الديني، قد انصبغت أجهزتها كلها بدعوة الشيخ، وصارت مطابقة للشريعة بفضل جهوده، ويمكن الاطلاع على تفاصيل ذلك بالرجوع إلى تاريخ آل سعود وتراجمهم، وقد نقل المؤرخ المصري المعاصر عبد الرحمن بن الحسن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" من التصريح بلسان ضابط للقوات المصرية المواجهة

стр. 130

لحكومة آل سعود آنذاك، ما يدل على مدى روح اتباع حكومة آل سعود للسنة والشريعة: ومن شاء التفصيل فعليه بمراجعة الكتاب. المملكة السعودية الحالية: والمملكة السعودية الحالية خليفة حكومة آل سعود بالدرعية التي تحدثت عنها، إنها أيضاً تعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمامها الديني، كأبناء هذه الحكومة والسابقين، ولما قامت هذه المملكة منذ نحو ٥٥ عاماً كان عاهلها السلطان عبد العزيز بن سعود ﵀، وقد اطلع القراء الكرام بعض الشيء على تدينه ومحافظة شعب مملكته على الأحكام الدينية من خلال رسالة الشيخ خليل أحمد السهارنفوري التي أثبتها فيها مضى من هذا الكتاب، وقد كتب الشيخ خليل أحمد في رسالته ما رآه بالعيان بل لمسه بالبنان. وإن كان فيضان الثراء، والذهب الأسود والأصفر، وسموم الجراثيم والميكروبات الفتاكة للإيمان، المؤثرة على روح الإخلاص – التي حملها الشباب المثقف الذي تعلم في أوربا – وإن كان كل ذلك قد أحدث فتنة كبيرة في هذا المجتمع الإسلامي، وأصبح الشذوذ ومظاهر اللادينة والتحرر تعم في الشباب بسرعة هائلة كما تعم وتموج في دنيا البشر كلها، ولا شك أن

стр. 131

تأثير كل ذلك يتعدى إلى أجهزة المملكة وأنظمتها الإدارية أيضاً، وإن كاتب هذه السطور يعرف جيداً أن علماء المملكة المخلصين وشعبها المتدين يبكون على هذا الوضع المزري المؤسف. لكن على الرغم من ذلك كله – فيما أعلم – لا أعرف على أرض الله دولة تتمسك بالشريعة الإسلامية كقانون رسمي إلى هذا الحد، وتعتبر القرآن الكريم دستورها الأساسين وتقطع يد السارق كما يأمر به القرآن وتجلد الزاني أو ترجمه، وكل يعرف أن عاهل هذه المملكة يحافظ على الصلاة والصيام وما إليها من الفرائض الدينية، ويحاول أن يأخذ الشعب بذلك أيضاً.. ولا شك أن الفضل في ذلك كله يرجع إلى جهود الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. اتصال خدمة الدين والعلم في أسرة الشيخ محمد: ومما يجدر بالذكر أن أسرة الشيخ محمد لا تزال تتوارث العلم والتدين، وخدمة العلم والدين، وقلما توجد مثل هذه الأسرة في العالم الإسلامي، فمنذ قرنين ونصف القرن، لا تزال تنجب العلماء الكبار والصلحاء والأتقياء العظام، تدل على ذلك كله مؤلفاتهم وتراجمهم، ولا شك أن ذلك من فضل الله، ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ .

стр. 132

قد تم بفضل الله كل ما كنت أردت أن أقوله إجابة على سؤال طالب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وأخيراً أريد أؤكد أن ماقاله الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي – أحد علمائنا الكبار- في فتواه في شأن الشيخ النجدي وأتباعه يتسم بالاعتدال والتوازن، والدقة والتحري، وقال الشيخ الكنكوهي في آخر جزء من فتواه "إلا الذين تجاوزوا الحد ودخلهم الفساد، ولا أريد أن أطيل للمرة الثانية، فقد سبق أن سردت رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي التي اعترف فيها بأن بعض المتطرفين من غلاة عسكره قد أحرقوا بعض كتب العلماء المتقدمين، وقد عوتبوا على ذلك، واعتذر الشيخ أن تصرفهم هذا يرجع إلى جهلهم (١) . وقد اعترف بعض من ترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب بذلك في عبارة صريحة، وقالوا إنه كان بعض أتباعه متطرفين لا يحتفظون بالاعتدال، وليراجع في ذلك كتاب "محمد بن عبد الوهاب" لصاحبه أحمد عبد الغفور عطار (٢) . حتى قال القاضي الشوكاني – وهو ممن يتفقون مع الشيخ

стр. 133

محمد بن عبد الوهاب في العقائد، والمنهج الفكري، ويكثرون من الثناء عليه: "إن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه في حجاج اليمن أنهم كفار" (١) . ولعل هذه الشرذمة القليلة من الغلاء في جماعته هي التي سببت إساءة الظن بالشيخ محمد وأتباعه، ودعوته، وسببت الدعاية الكاذبة ضد علماء نجد، وإن كان كل ذلك لا يتفق والواقع، فقد فنده الشيخ وأتباعه وعلماء جماعته في كثير من الكتب والمؤلفات، حيث لم يتركوا مجالا للشك والارتياب. والله الهادي إلى سبيل الرشاد وهو الموفق للصواب، بين الإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري. والشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي: وهناك عبارة في "فيض الباري" (مجموعة محاضرات الشيخ العلامة محمد أنور شاه الكشميري في درس "صحيح البخاري") تنمى إلى العلامة الكشميري، وفيها وصف للشيخ محمد بن عبد الوهاب بما لا يتفق والواقع، كما لا يتفق مع شأن أستاذنا الإمام الكشميري ومكانه، ومع رزانته العلمية، وأسلوبه

стр. 134

الممتاز بالجدية والوقار، في البحث والتحقيق، والتعرض للأشخاص والأفراد. ثم إن هذه العبارة تتضمن رأياً في كتاب "تقوية الإيمان" للشيخ إسماعيل الشهيد لا يصح عند كاتب هذه السطور في حال من الأحوال، ولا يسعني أن أتأكد من أن العبارة هي نص ما قاله أستاذنا الكشميري في درس صحيح البخاري. وأريد أن أتعرض في السطور الآتية لما إذا كان لهذه العبارة نسبة من الصحة ورصيد من الواقع، والمسئول من الله ﵎ هو التوفيق للصواب والسداد. نوعية تأليف "فيض الباري": ولا بد في هذا الصدد أن نضع في الاعتبار أولا، أن كتاب "فيض الباري" ليس من تأليف أستاذنا العلام الإمام الكشميري رأساً بل إنه مجموع ما أفاده الشيخ الكشميري لدى تدريس صحيح البخاري، جمعه تلميذه النجيب البار الشيخ بدر عالم الميرتهي ثم المدني الذي لازم الحضور والاستماع إلى محاضرات الكشميري في صحيح البخاري أعواماً طوالا، وكان ينوي أنه سينشر هذه الأمالي التي جمعها بعد مراجعة الشيخ الكشميري، لكنه لم يتمكن من ذلك حيث توفى الكشميري في

стр. 135

أوائل ١٣٥٢هـ. ثم قام الشيخ بدر عالم بنقل هذه الأمالي إلى اللغة العربية وجاءت الترجمة في أربعة مجلدات، وظهرت طبعتها الأولى في مصر عام ١٣٥٧هـ. ولا شك أن للشيخ بدر عالم – ﵀ رحمة واسعة- منة عظيمة في رقابنا نحن طلاب العلم إذ حفظ لنا بجهده الجبار هذا التراث العلمي الغالي، ووفر لنا فرصة الاستفادة من إفادات أستاذنا الإمام الكشميري. وإلى ضاع هذا التراث العلمي فيما ضاع من التراث الهائل عبر التاريخ الإسلامي، ولكنه على كل حال ليس من تأليف الكشميري نفسه. وقد صرح بهذه الحقيقة مقدمة العظيم فقيد العلم العلامة المحدث محمد يوسف البنوري (١) عليه رحمة الله، في تقديمه، في

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 138

ص ٣١، إذ قال – بعد ما أشاد بجهوده المضنية المشكورة التي بذلها في سبيل هذا الكتاب -: "ولا يمكن أن يدعي أنه عصم عن الخطأ جمعه.. ولا أن يدعي إصابته في تنقيح جميع ما وصل إليه من الشيخ، وتفصيله وتحريره، ولا أن يدعى إصابة المرمى في فهم جميع ما سمعه ووعاه". وكاتب هذه السطور يعرف شخصياً أن الشيخ بدر عالم كان يشعر شعوراً قوياً ببعض السقطات في الكتاب وكان قد بدأ فعلا في مراجعته وتنقيحه وتصحيحه خلال إقامته بالمدينة المنورة، ولم يمهله الأجل فلم يتمكن إلا من البدء في العمل، ورحمه الله رحمة واسعة وجزاه جزاء عباده الصالحين المخلصين. التعرض لذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، والشيخ الشهيد إسماعيل بن عبد الغني في "فيض الباري": جاء ذكر الشيخ النجدي عرضاً واستطراداً في سطرين قليلين في "فيض الباري" من خلال الحديث عن "تقوية الإيمان" وصاحبه محمد إسماعيل الشهيد، لعل الحديث عن الشيخ الشهيد إنما تطرق إلى الشيخ النجدي لأن لكيهما كان حاملي لواء الحرب ضد تقاليد الشرك والبدع والخرافات والعكوف على الأضرحة وعبادة القبور، وجاهدوا في عهدهما ومناطقهما جهاداً كبيراً في

стр. 139

سبيل تنقية العقيدة، وإجلاء الغبار عن عقيدة التوحيد الحنيفية، وقد لعب معارضوهما دوراً متجانساً في القيام بالدعايات الكاذبة المخدرة للعقول، والمصيدة للسذج من الناس. تلك التي فصلناها في الصفحات الماضية. وأرى جديراً أن أتحدث في شيء من التفصيل عن المناسبة التي تنطوي على الحديث عن الشيخ محمد النجدي، والشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي، قد عقد الإمام البخاري في "كتاب العلم" من جامعه الصحيح باباً بعنوان "باب من جعل لأهل العلم أياماً معلومة، وساق تحته ملازمة عبد الله بن مسعود لالقاء الوعظ في أيام الخميس.. وما ساقه الشيخ بدر عالم في هذه المناسبة من إفادات الإمام الكشميري خلاصته: أن الإمام البخاري يريد أن يقرر تخصيص أيام أو أوقات لالقاء الدرس أو الوعظ ليس من "البدعة" في شيء. ثم أفاض الشيخ بدر عالم في إبانة حقيقة البدعة وحدودها. ثم أفرد عنواناً باسم "الفائدة" على حدة من محاضرات الكشميري وأشاد – فيما كتب تحت هذا العنوان – بكتاب "إيضاح الحق الصريح، في أحكام الميت والضريح" للشيخ محمد إسماعيل الشهيد،

стр. 140

ونوه بفنائه في الدر على البدع والخرافات، والتشنيع عليها وصرح فيما بين هذه السطور بأن كتاب "إيضاح الحق الصريح" أعظم شأنا وأرفع قيمة من كتابه "تقوية الإيمان" وقال: "وكتابه تقوية الإيمان فيه شدة فقل نفعه". ويقول كاتب هذه السطور: إن "تقوية الإيمان" في الواقع يتميز بشدته في بعض المواضع، ولكنها شدة في مواضعها كشدة القرآن الكريم فيما يتصل بالشرك وأحلافه، وأرى أن المجتمع الإسلامي الهندي كان يحتاج آنذاك إلى مثل هذه الضربة القوية المؤذية على جذور أنواع الشرك والبدع التي نالت كل نصيبها من الرواج والقبول، تلك الضربة التي ضربها كتاب الشهيد محمد إسماعيل "تقوية الإيمان" والفضل يرجع إلى هذا الكتاب ومؤلفه المخلص المؤمن فيما قام من الحرب الشعواء – في العهد الأخير – على عبادة القبور والعكوف على الضرائح، والاستعانة بالأولياء، والنذر والذبح لهم، وما إلى ذلك من تقاليد الشرك والخرافات الجاهلية الممتدة جذورها في أعماق المجتمع. وكل من له إلمام بتاريخ الشعب المسلم الهندي لقرن ونصف قرن مضى، يدرك جيداً ما كان لـ"تقوية الإيمان" من التأثير =

стр. 141

بعيد المدى في صلاح عقيدة مآت آلاف من عباد الله، وتمسكهم بأصل الكتاب والسنة وعودتهم إلى الإسلام الخالص من كل شائبة من الخرافات التي ما أنزل بها من سلطان. على كل فالرأي الذي نجده في "فائدة" الشيخ بدر عالم فيما يتعلق بكتاب "تقوية الإيمان" لا رصيد له من الواقع، على أنه يتعارض مع الآراء المحمودة ذات التحبيذ الحار التي أبداها الأستاذ العلامة الكشميري: الشيخ الكبير المحدث محمود حسن الديوبندي المعروف بـ"شيخ الهند" والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة الكبير المحقق الشيخ أشرف على التهانوي، ومن هنا فإن كاتب هذه السطور يرى أن العبارة التي جاءت تحت "الفائدة" ليست من محاضرات الأستاذ.. كما أن هناك رسالة للشيخ الكشميري باسم "سهم الغيب في كيد أهل الريب" في اللغة الأردية – في الرد على رسالة "إزالة الخفاء" لأحد المبتدعين في الهند، التي أثبت فيها صاحبها لرسول الله (علم الغيب كلياً – قد نوه فيها الإمام الكشميري بكتاب "تقوية الإيمان" تنويهاً لا يدع مجالا للشك في أن ما جاء في "فيض الباري" من الحط من شأن الكتاب ليس من رأي الأستاذ..

стр. 142

"فيض الباري" والشيخ محمد ابن عبد الوهاب النجدي: وقد جاء التعرض – بعد الرأي المشار إليه في كتاب "تقوية الإيمان" – لذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، بألفاظ نابية غير مناسبة جداً، وهاك تلك: "إنه كان رجلاً بليداً قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر". وقد قلت فيما يتصل بـ"تقوية الإيمان" إن الكلام الذي جاء تحت "الفائدة" في "فيض الباري" لا يمت إلى محاضرات العلامة الكشميري الدرسية بصلة ما، وهذه الكلمات التي تطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب جاءت في "الفائدة" أيضاً وما تنطوي عليه الكلمات من المواصفات لا سند له من الحقيقة البتة، على أنها لا تتفق مع مكانة الكشميري العلمية الوقورة الجادة، وأسلوبه النزيه العفيف في التعرض لأحد بالنقد، والمؤاخذة عليه، وهذه الدلائل كلها تجعل كاتب هذه السطور يتأكد من أن مثل هذه العبارة والفكرة التي تنطوي عليها، هي من عند الشيخ بدر عالم ﵀، ليس إلا، ولا غرر إذا كان الشيخ بدر عالم قد تأثر بتلك الدعايات المكثفة.

стр. 143

المعتمة التي فصلنا القول فيها في الصفحات الماضية، والتي فعلت فعلها في قلوب عظام المخلصين من العلماء الأفذاذ الذين لا ترتقي إليهم شبهة، أمثال العلامة المحدث خليل أحمد السهارنبوري والشيخ العالم العامل المجاهد حسين أحمد المدني- والله أعلم بالصواب. وأما الجزء الثاني من هذا الرأي (أي التسارع إلى الحكم بالكفر) فإنه – على الرغم من أني قدرت أن العبارة ليست هي نص ما قاله أستاذنا الكشميري – ربما يمكن أن يكون الكشميري قد رأى هذا الرأي، لأن هذا الرأي قد أبداه في الشيخ النجدي بعض أولئك الذين لم يكونوا يعاندونه فقد كان العلامة القاضي الشوكاني اليمني معترفاً اعترافاً بالغاً بجهود الشيخ النجدي المخلصة المؤمنة المضنية في سبيل الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله، وإفراد الله بالعبودية، والتمسك بالكتاب والسنة، وما أثمر غراس دعوته وحركته من نتائج ومكاسب محمودة مباركة، لكنه على الرغم من ذلك يقول في موضع من كتابه: "ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد، ممتثلا لأوامره، خارج عن الإسلام" ويقول بعد سطور: "ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة في الجماعة، وهذا – إن صح – غير مناسب لقانون الشرع.

стр. 144

ثم يقول بعد إلقاء الضوء على هذه المسألة: "وتبلغ أمور غير هذه، الله أعلم بصحتها، وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن أن ذلك صحيح" (١) . على كل فإن القاضي الشوكاني قد رأى مثل هذا الرأي في الشيخ النجدي مع الاعتراف بقيمة جهوده وجهاده في سبيل تصحيح تنقيح العقيدة الإسلامية، والعودة بالناس إلى التوحيد الخالص، والعقيدة الاسلامية، وذلك في ضوء ما بلغه عن الشيخ النجدي. وتعلمون أن الإنسان إنما يؤسس رأيه وفكرته، وموقفه على معلوماته واطلاعه، إن صحيحاً فصحيح وإن خطأ فخطأ. وكذلك قد يمكن أن يكون العلامة الكشميري قد أبدى هذا الرأي في الشيخ النجدي في ضوء معلوماته عنه، وربما يمكن أن يكون أساس رأيه هو كتاب "البدر الطالع" للعلامة الشوكاني فقد كانت مؤلفات الشوكاني مما درسه وطالعه. وقد صرح الشيخ الأمير صديق حسن خان ﵀ في كتابه "إتحاف النبلاء" – بمناسبة الحديث عن الشيخ النجدي – أن

стр. 145

عالماً في القرن الثالث عشر الهجري، وهو السيد داؤد بن سليمان البغدادي، قد ألف كتاباً في الرد على الشيخ النجدي باسم "صلح الإخوان" وقد تناول المؤلف فيها العلامتين الجليلين: ابن تيمية وابن القيم الجوزية، بالنقد والطعن. كما وضع تلميذ من تلاميذ العلامة الشوكاني الأفاضل، وهو الشيخ محمد بن ناصر الحازمي النجدي المتوفى ١٢٨٣هـ رسالة باسم "فتح المنان في ترجيح الراجح وتزييف الزائف من صلح الإخوان" ترجم فيه أولا للشيخ النجدي، تحدث في اعتراف وإعجاب عن أحواله وحياته وجهوده ومحاولاته، ثم صرح بأن الرأي الذي أبداه مؤلف "صلح الإخوان" فيما يتصل بتسارعه إلى القتال والتكفير، صحيح ومؤسس على الانصاف، أما ما قاله الشيخين: ابن تيمية وابن القيم ففنده الشيخ الحازمي في قوة وصراحة، وآخر ما قاله في هذا الشأن: "هما عالمان عاملان، نقيان ثقتان منصفان، تعبئا لأنفسهما وأديا ما عليهما". على كل فإن الشيخ الحازمي الذي لم يكن من معارضي الشيخ النجدي، بل كان من أنصاره إلى حد ما، ولم يكن جاهلا بكتابات الشيخ النجدي ومؤلفاته – كما تدل عليه رسالته "فتح المنان" -
следующие страницы →