← Тараджим

Тараджим · id 11188

دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

محمد منظور النعماني

Полный текст (147 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأصل القصة يرجع إلى أن الشيخ حسين أحمد المدني أقام في المدينة المنورة – على منورها ألف ألف تحية وسلام – نحو ١٧ أو ١٨ عاماً منذ ١٣١٦ إلى ١٣٣٣هـ، وهذه الإقامة الطويلة في المدينة المنورة، جعلته يرى في الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفس الرأي الذي كان يراه أهل المدينة المنورة.. وإذاً فإن الآراء التي أبداها الشيخ المدني في "الشهاب الثاقب" ليست هي آراءه بل هي الانطباعات التي كانت تحمله العامة والخاصة في المدينة المنورة، نحو الشيخ وجماعته، وكانت تدور في المحافل وتجري على الألسنة وتكتب في الكتب والمؤلفات، وقد عرضت نموذجاً من ذلك في السطور الماضية. على كل فإن الآراء التي أبداها كبار العلماء والمؤلفين في الهند – أمثال السيد صديق حسن خان، والشيخ العلامة خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ حسين أحمد المدني – بشأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مما لا ينفق مع الواقع التاريخي، إنها في الواقع إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى وقع المؤامرة الخبيثة الماكرة التي نسجها أولئك الذين كانوا يعارضون الشيخ على الصعيدين السياسي والديني.

стр. 37

وتدل دراسة "البدر الطالع" للعلامة القاضي الشوكاني (١) أن الحقيقة قد صارت ملتوية لديه أيضاً بفعل هذه الدعاية، على حين أنه كان أقرب – بالنسبة إلى المساحة المكانية أيضاً – إلى موطن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومركز دعوته وحركته "نجد" من علماء الهند، ولذلك فعدم اطلاعه على مؤلفات الشيخ وأفراد أسرته وتلاميذه وأتباعه، شيء يبعث على الاستغراب.. وسوف يطلع القراء على مقتطفات من كتاب القاضي الشوكاني في الصفحات الآتية من الكتاب. سبب تأليف هذا الكتاب: وبعد فقد وجه إلى – كاتب هذه السطور – أحد الطلاب بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أسئلة فيما يتصل بكتابات الشيخ خليل أحمد السهارنفوري والشيخ حسين أحمد المدني التي تتعرض

стр. 38

الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركته، والتي لا يمدها رصيد من الواقع.. فأحببت أن يكون الرد مني على الأسئلة في نوع من التفصيل والبسط، وشيء من إقناع، وقد تعرضت خلال هذه الإجابة الضافية لخلفيات هذه الكتابات والعبارات، وأشرت إلى أن كلا العالمين الشيخ خليل أحمد والشيخ المدني قد علما قبل وفاتيهما أن التهم التي رميت بها الجماعة الوهابية النجدية من قبل أعدائها ومعارضيها – والتي من أجلها وعلى أساسها أبديا آراء سلبية ضد هذه الجماعة – ليست من الصحة في شيء. وبعد ما أدركا أعلنا رجوعهما عن آرائهما السابقة، عن طرق كتاباتهما وتصريحاتهما وسوف يرى القراء تفاصيل ذلك في الصفحات الآتية من الكتاب. وقد نشرت هذه الإجابة المفصلة في مجلة "الفرقان" الشهرية الأردية الصادرة من لكناؤ في أعدادها الأربعة تباعاً. ثم تقرر الرأي أخيراً على أن يطبع هذا المقال المنطوي على الاستفتاء والإجابة في صورة كتاب مستقل، وهذه السطور كتبتها كمقدمة للكتاب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وأخيراً فيشكر المؤلف لكل الإخوة الذين كان لهم يد في

стр. 39

ظهور هذا الكتاب باللغة العربية، ولا سيما الأخ الفاضل الأستاذ نور عالم الأميني الندوي أستاذ كلية اللغة العربية وآدابها في دار العلوم ندوة العلماء، لكنهؤ (الهند) الذي قام بنقله إلى اللغة العربية.. والأخ الأستاذ بدر الحسن القاسمي رئيس تحرير جريدة "الداعي" الصادرة من ديوبند الذي كانت له مساهمة في نقله إلى اللغة العربية. كما أشكر لزميلنا الفاضل الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة "البعث الإسلامي" وأستاذ كلية اللغة العربية وآدابها، والمعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي بدار العلوم ندوة العلماء، لكهنؤ- الهند، الذي كانت له عناية باللغة بإخراج هذا الكتاب في اللغة العربية. والله أسأل أن يرينا الحق حقاً فيرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا فيرزقنا اجتنابه. محمد منظور النعماني ٢٥/رجب ١٣٩٨هـ - ٢/ يوليو ١٩٧٨م

стр. 40

الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأكابر علماء ديوبند رسالة طالب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى كاتب السطور " صاحب الفضيلة موضع حبنا وتقديرنا، مولانا محمد منظور النعماني، حفظه الله ورعاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو أن تكونوا بخير وعافية، وبعج، فإنه يساورني منذ مدة تساؤل هام فيما يتعلق بالشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ﵀، فإني – في ضوء دراستي ومعلوماتي – أعتبره خادماً للدين والعقيدة، ومصلحاً إسلامياً، وحامل راية عقيدة التوحيد والسنة، وأتذكر أني علمته على هذه الأوصاف من خلال متابعتي لمجلتكم "الفرقان" أيضاً، بل قرأت في عددها الخاص عن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم المعروف بولي الله الدهلوي، مقالا يؤكد أنه كان من المجددين، ومن ثم لما وجدت أحداً يضلله – خطابة أو كتابة – تأكدت من أنه ليس من أهل الحق، ومن أولى عقيدة التوحيد الصحيحة، بل إنه ينتمي إلى الطبقة الواقعة فريسة للبدع والخرافات.

стр. 41

لكنه أخيراً دلني أحد أصدقائي على أن الشيخ خليل أحمد السهارنبوري اعتبره خارجاً عن "أهل السنة" في كتابه "التصديقات" وقد نقل في هذا الصدد عبارة للعلامة ابن عابدين الشامي محالا على كتاب "رد المحتار" مما يدل على أن ابن عابدين هو الآخر كان يرى في الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفس الرأي، وقال لي صديقي: إن ما قاله الشيخ حسين أحمد المدني في كتابة "الشهاب الثاقب" عن الشيخ وجماعته، هو ألذع من هذا، وفعلاً قد أتأنى صاحبي بالكتابين، فإذا بي أرى الواقع يطابق إخباره. وما ثار في نفسي من تساؤل ملح – بعد ما اطلعت على هذه الآراء لأكابر العلماء في الشيخ محمد بن عبد الوهاب- كان طبيعياً، فرأيت أن أرجع إليكم، لأن إجابتكم عليه ستكون مقنعة مشبعة، وأرى أن تأتي الإجابة منشورة عبر صفحات مجلتكم "الفرقان" تعميماً للفائدة، وحفاظاً عليها من الضياع، وأريد الإجابة بصورة خاصة على التقاط الآتية. ١- ما هو رأيكم في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته؟ ٢- وإذا كانت عندكم من أهل الحق فما هو رأيكم في كتابات هؤلاء الأفاضل ضد الشيخ؟ وعلام تتأسس؟ ... وجزاكم الله خير الجزاء. والسلام عليكم ورحمة وبركاته.

стр. 42

(الجواب) الأساس الذي يقوم عليه الرأي الحسن أو الرأي السيء في شخص ما: وأول شيء يجب أن نضعه في الاعتبار في هذا الصدد، أن مرد رأي حسن أو رأي سيء فيما يتعلق بشخص هو المعلومات التي يحصل عليها المرء عما يتصل به، وقد تخلف معلومات أناس مختلفين عن شخص ما فتختلف آراؤهم فيه، ويقع مثل هذا الاختلاف بين الأب وابنه، والأستاذ وتلميذه، وقد اختلف الإمام أبو حنيفة وصاحباه: الإمامان أبو يوسف ومحمد في جواز النكاح مع الصابئة وعدم جوازه، فقال الإمام بجوازه، وقال صاحباه: لا يجوز ... وقد سجلت دواوين الفقه الحنفي هذا الاختلاف. وهذا الاختلاف الذي يدور بين الإمام الإعظم وصاحبيه يرجع إلى أن أبا حنيفة كان يرى في ضوء معلوماته واطلاعاته أن الصابئين من أمة نبي مبعوث من الله، ومن أهل الكتاب كاليهود والنصارى سواء، وقد سمح القرآن بالنكاح مع نساء أهل

стр. 43

الكتاب.. بينما كان صاحباه يريانهم في ضوء اطلاعهما أنهم مشركون كالمجوس وغيرهم، لأنهم يعبدون النجوم والكواكب، ولا يجوز نكاح المسلم مع المشركة. وكذلك ما نراه من الاختلاف الشديد، بل التضارب الواضح في آراء أئمة الجرح والتعديل فيما يتصل برواة الحديث فراو واحد يصفه أحدهم بأنه ثقة عدل، على حين يصفه الآخر بأنه كذاب دجال – فإن منشأه هو اختلاف المعلومات، ليس إلا. وربما اتفق أن عالماً جليلا وإماماً كبيراً قد أبدى في رجل ما عن رأيه الحسن المؤسس على الاعجاب والتقدير، اللذين استوجبتهما المعلومات التي بلغته عنه، ثم غير رأيه بغير ما كان يراه من ذي قبل، لأنه علم أو شاهد خلاف ما كان علمه من قبل.. وهاك ما سرده الإمام مسلم في مقدمة صحيحه من قول الإمام عبد الله بن المبارك في عبد الله بن محرر: "لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرر لأخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه" (١) . على كل، فإن رأياً حسناً أو سيئاً في رجل ما يكون منشؤه

стр. 44

هو المعلومات التي يتلقاها صاحب الرأي عنه.. وجه أحد من الناس استفتاء إلى رئيس جماعة علماء ديوبند وشيخ شيوخهم: العلامة رشيد أحمد الكنوهي، يشتمل على أسئلة عديدة من بينهما سؤال كان يتعلق بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكان رد الشيخ الكنكوهي على هذا السؤال بما يلي: "إنه لا علم لي بما يتصل بعقائد محمد بن عبد الوهاب" (١) وكان رده على سؤال آخر، وجهه رجل بمناسبة أخرى، بشأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه، وجماعته، وعقيدته، ودينه، من هم "الوهابيون" وما هو الفرق فيما بين عقائدهم وعقائد الأحناف من أهل السنة، كان رده كما يلي: "الوهابيون هم أتباع محمد بن عبد الوهاب، وكانت عقيدته صحيحة، وكان حنبلي المذهب، قد كان يتصف بشيء من الشدة، لكنه هو وأتباعه صحيحوا العقيدة، إلا الذين تجاوزوا الحد ودخلهم الفساد، وليس هناك فرق بينهم وبين الأحناف في العقائد، إنما الفرق هو في العمل والتطبيق، وهو الفرق الذي يوجد فيما بين الأحناف والشوافع والمالكية والحنابلة" (٢) .

стр. 45

وهاتان الإجابتان المخلتفان على سؤال واحد بشأن رجل واحد، مغفلتان عن التاريخ، لكن القياس يحكم بأن الإجابة الأولى ناشئة عن عدم الإطلاع على عقائد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحواله وأخباره، والإجابة الثانية صادرة عن معلومات حصل عليها الشيخ الكنكوهي عن طريق مصادر موثوق بها.. حقيقة يجب أن تكون ملحوظة في شأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والحقيقة التي يجب أن تكون ملحوظة فيما يتصل بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن دعوته وحركته لم تكن مقتصرة على الوعظ والنصح، والتوجيه والإرشاد، والتصنيف التأليف، والجولات الدعوية، والتنقلات والرحلات التبليغية، وبل كانت شاملة للجهاد بالسيف أيضاً.. وكان يرى الساجدين للقبور، والسائلين منها، والمتضرعين إليها، والطائفين حولها، والناذرين لها، والذين يأتون بأفعال الشرك، مشركين، كالوثنين وعباد الأصنام تماماً، وكان يرى هذه الأفعال كلها شركا كالسجود للأصنام وعبادة الأوثان كلياً، كما كان يرى التاركين للصلاة – طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل – خارجين من الإسلام وكافرين بالله، وكان رأيه في هذا النوع من الناس بل في جميع أولئك الذين يدعون أنهم

стр. 46

مسلمون ولكنهم يقثرفون نوعاً من الشرك: أن توضع لديهم أوامر الله ورسوله في ضوء القرآن والحديث، وأن تبذل كل المحاولة في تقريب أصل الإسلام إلى قلوبهم وأذهانهم عن طريق الحكمة والنصح، والحب والود، حتى تتم الحجة عليهم، فإن فاؤا إلى الله ورسوله وحدهما فيها ونعمت، وإلا يجب الجهاد ضدهم إذا كان ذلك في المستطاع، وقد نصت على ذلك كتبه ومؤلفاته. وانطلاقاً من وجهة نظره هذه كان يرى الحاجة ماسة إلى الحصول على السلطة السياسية والحكومة من أجل العمل علىإزالة هذا النوع من الشرك والكفر الذي وقع فريسته " المسلمون " حتى يمكن الرجوع بهم إلى الإسلام الصحيح الأصيل.. وقد حملت حكومة آل سعود بالدرعية_ إحدى مناطق نجد_ التي استجابت لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. عبء تحقيق هذه المهمة السياسية والحربية على عاتقها، ولكن القيادة والتوجيه الفكري في هذا الشأن ظلت بيد الشيخ، وخلفه من بعده أبناؤه في هذه المهمة. وقد خاض _ في هذا السبيل _ معارك مع معظم الإمارات المجاورة، وكان الانتصار حليفه والنجاح قرينه في أكثر المعارك حينما كانت حركته تقطع مراحلها الأولى، مما وسع حدود حكومة

стр. 47

آل سعود بالدرعية، وترامت أطرافها، ثم وفق أن يكسب السيطرة على الحرمين الشريفين، واستطاع أن يطبق إجراءات إصلاحية حسب وجهة نظره الدينية عن طريق قوة الحكومة، فحطم القباب على الضرائح، واتخذ إجراءات وخطوات حاسمة أخرى عديدة (١) . وقد واجهه في هذا الشأن معارضة شديدة من علماء مختلف البلاد والأقطار، الذين كانوا يختلفون معه في الموهب والرأي ووجهة النظر، واصدروا ضده فتاوى صارخة، حاولوا من خلالها أن يفندوا كل ما يعول الشيخ من دليل وبرهان.. وقد سلك كثير من العلماء في معارضة الشيخ نفس الطريق الذي سلكه العلماء المعارضون في الهند ضد العلامة الشهيد الشيخ إسماعيل ابن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي وضد جهوده ومحاولاته في محاربة البدع والخرافات، وكتابه " تقوية الإيمان " الذي يضرب

стр. 48

على جذور كل البدع والخرافات، وينقى عقيدة التوحيد، ويعرضها بيضاء صافية، ولا تزال هذه المعارضة – التي تمدها النفس والهوى – قائمة، وقد مضى على استشهاده في سبيل الله نحو قرن ونصف قرن من الزمان. وكذلك فالحكومات التي كانت بينها وبين حكومة آل سعود – التي كان وقودها الحقيقي هو حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته – حروب واصطدامات، وجميع الحكومات التي رأت في هذه الحركة خطراً مدلهماً أسود على نفسها قامت – من أجل تعويق سيرها، وعرقلة تقدمها إلى الأمام، ولإساءة سمعتها في العالم الإسلامي، وإثارة حفيظة الشعوب الإسلامية في أرجاء الأرض – بتوسيع الدعايات الدينية المكثفة ضده عن طريق الأجهزة الرسمية والوسائل الإدارية، وقد أحرزت بهذا التدبير نجاحاً كبيراً في تحقيق غرضها. المفعول المدهش للدعايات السياسية: وقد جربنا مدى دهاء وشطارة ومكر رجال الدعاية السياسية والحكومية، وتجرئهم على الله ورسوله، ولياقتهم في تقريب الأراجيف والأباطيل، وأنواع المختلقات، إلى قلوب الجماهير، قد جربنا كل ذلك واكتوينا بناره خلال حرب

стр. 49

الاستقلال في الهند.. إن الذين يعرفون الشيخ المجاهد حسين أحمد المدني (المتوفى ١٣٧٧هـ) وزملاءه المنتمين إلى "جمعية العلماء" بالهند – وكاتب هذه السطور أحد أولئك السعداء الذين يعرفونهم عن كثب – يعلمون علماً يسوغ لهم أن يقولوا حالفين بالله: إن هؤلاء الإعلام المخلصين كانوا يرون – عن إخلاص إي إخلاص – أن حرب التحرير ضد حكومة الاستعمار الانجليزي "جهاد في سبيل الله" ومن هنا قرروا، بعد الحرب العالمية الأولى (١٤- ١٩١٨م) ومنذ بداية "حركة الخلافة" مناصرة المؤتمر الهندي الوطني (Indian national congress) ، بل أصبحوا يعملون فعلا كأعضاء فيه، وقد تحملوا في هذه السبيل كل أنواع المشاق من الاعتقال والتشريد والنفي.. لكن أناساً من المسلمين أنفسهم قاموا بدعايات قوية ضدهم – ضاربين حساب يوم الدين، وتقوى الله عرض الحائط – وقد فعلت الدعايات فعلها في قلوب بعض المسلمين المثقفين المخلصين من أهل الورع والتقوى، فصاروا يعتقدون أن هؤلاء العلماء المنتمين إلى "جمعية العلماء" يتقاضون رواتب من الهنادك الأثرياء، ومن هنا يقفون صفاً واحداً بجانب المؤتمر الهندي.. أعاذنا الله من رجال الدعاية السياسية! وعلى ذلك فإن الدعايات التي قام بها معارضو الشيخ محمد

стр. 50

ابن عبد الوهاب على صعيد المذهب أو السياسة، ضد دعوته وجماعته، نجحت نجاحاً كبيراً، ويعرف مدى نجاحها كل من له إلمام بتاريخ القرن الماضي وأحوال المسلمين فيه، ويستطيع العقلاء أن يدركوا مدى تأثيرها في الحياء والمجتمع وعقول الناس من أن كلمة "الوهابي" صارت كلمة عار وشنار في الأوساط الدينية. قصص تبعث على الاعتبار وتثير الاستغراب: إن هناك قصصاً مقروءة ومسموعة تدهش الألباب وتستخرج الاستعجاب، ولا نستطيع أن نأتي عليها جميعاً، ولكن سأسرد هنا قصتين مررت بهما شخصياً، وإنهما تبعثان الأسف والضحك في وقت واحد: الأولى تتصل بتلك الأكذوبة العملاقة التي سردتها في المقدمة، والتي كان يتناقلها الناس كحقيقة لا يختلف فيها اثنان، وقد تسامعت بها وأنا في ٧ أو ٨ من عمري، خلاصتها أن رجلا اسمه "عبد الوهاب" النجدي، قد كان في منتهى عدائه للنبي (حتى اتخذ نفقاً في داخل الأرض لكي يصل إلى روضة النبي (، حتى يستخرج منها جثته المطهرة ويتلاعب بها، نعوذ بالله من ذلك، فرأى الملك النبي ﷺ في المنام أنه ينبهه

стр. 51

على هذه الخطة الخبيثة، فبحث الملك عن الأمر فوجده مطابقاً لما رآه في المنام، وقبض على الرجل، فضرب عنقه (١) .

стр. 52

والقصة الثانية التي هي أكثر من الأولى استغراباً: هي أن شيخاً طاعناً في السن من أهل مكة ولم يكن رجلا عادياً بل كان من أهل العلم، قد حكى إن كاتب هذه السطور مباشرة: أن هذا "الوهابي النجدي" كان يقول في شأن الكلمة الطيبة: "إيش محمد رسول الله، كل لا إله إلا الله". ومن الواضح أن هذه الأكذوبة سوف لا يشك أحد أنها افتراء مبين، لا رصيد لها من الواقع، أما اليوم فقد علم كل إنسان، بل شاهد بعيني رأسه – ولا سيما إذا كان من أهل الحجاز – أن رأية هؤلاء "الوهابيين النجديين" مكتوب فيها الكلمة بشطريها "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وأن الكلمة شعارهم ودثارهم، وأساس حركتهم ودعتهم، وتشهد بهذه الحقيقة كتاباتهم ومؤلفاتهم. وأرى لزاماً على أن أؤكد أن الشيخ المكي المسن الذي تحدث إلى بهذا القول، أعتقد أنه لم يختلق اختلاقاً من عنده، ولكنه يكون قد سمع عبر حياته – قبل الحكومة السعودية الحالية

стр. 53

في الحجاز – مثل هذه الأكاذيب، فصارت عنده حقيقة، لأن المعارضين للنجديين فكرياً وسياسياً كانوا يشيعون ضدهم كل نوع من أمثال هذه الأراجيف والزخرف من القول ... والله أعلم بالصواب. وجملة القول أن هذين النموذجين من الشائعات يدلان في وضوح على مدى ما كان يقوم به مناوئو الشيخ محمد وحركته من الدعايات المضللة المخدرة، وعلى عمق تأثيرها على العوام والخواص في العالم الإسلامي. العلامة خليل أحمد وكتابه "التصديقات": وبعد هذه التوطئة الموجزة أريد أن آتي على أصل الموضوع: الحقيق أن "التصديقات" ليس كتاباً قد قصد العلامة خليل أحمد تأليفه قصداً مستقلا مباشراً، وقصته أن بعض علماء المدينة المنورة قد وجهوا فيما قبل ٧٠-٧٢ عاماً في ١٣٢٥هـ أسئلة مكتوبة إلى الشيخ خليل أحمد عن علماء "ديوبند" وعقائدهم ونظرياتهم واتجاهاتهم الفكرية والدينية، وذلك من أجل حادث مؤلم (١) لا يغنينا تفصيله بهذه المناسبة، ومجموعة الردود على هذه الأسئلة

стр. 54

التي أملاها الشيخ، ووقع عليها ووافق كبار علماء ديوبند الآخرين، هي التي طبعت فيما بعد باسم "التصديقات في دفع التلبيسات".. ونسرد فيما يلي السؤال الثاني عشر وإجابة الشيخ عليه، لأن ذلك وحده يتعلق بالموضوع: س: "قد كان محمد بن عبد الوهاب النجدي يستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وكان ينسب الناس كلهم إلى الشرك، ويسب السلف، فكيف ترون ذلك؟ .. وهل تجوزون تكفير السلف والمسلمين، وأهل القبلة أم كيف مذهبكم؟ " ج: "الحكم عندنا فيهم كما قال صاحب "در المختار": وخوارج وهم قوم لهم منعة خرجوا عليه (الإمام) بتأويل يرون أنه على باطل كفر أو معصية توجب قتاله. بتأويلهم يستحلون دماءنا وأموالنا، ويسبون نساءنا، إلى أن قال: "وحكمهم حكم البغاة" ثم قال: "وإنما لم نكفرهم لكونه عن تأويل وإن كان باطلا". "وقال الشامي في حاشيته: "كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب (١) الذين خرجوا من نجد. وتغلبوا على الحرمين،

стр. 55

وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة، وقتل علمائهم، حتى كسر الله شوكتهم (١) ". "وأما تكفير السلف، فحاشا أن نكفر أحداً منهم، بل هو عندنا رفض وابتدع في الدين (٢) ". وهذه الإجابة لا تدل في قليل أو كثير على رأي شخصي للعلامة خليل أحمد في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعتقداته، ولا على أن الشيخ خليل أحمد قد اتخذ رأياً مستقلا في ضوء دراسته لكتاب من كتب الشيخ محمد أو أحد من أتباعه.. بل يدل على أنه قد اعتمد في إجابته على بيان السائل الذي كان من علماء المدينة

стр. 56

المنورة، ثم وجد في رأي العلامة ابن عابدين الشامي (١) رصيداً كبيراً من التأييد.. والواقع أنه لو كان أحد على ما نسبه السائل إلى الشيخ محمد من الآراء والأقوال، والمواقف والأعمال، لكان الحكم الشرعي فيه كما قاله العلامة خليل أحمد في الإجابة. وقع الدعايات السياسية والدينية ضد حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الحرمين الشريفين والبلاد الإسلامية الأخرى: ولا يغيبن عن البال أن الخصال المذمومة والمواقف السلبية المشار إليها المعزوة إلى الشيخ محمد وبالتالي إلى أهل نجد ودعوتهم كانت حديث المحافل والنوادي في الحرمين الشريفين بل في جميع البلاد والأقطار الإسلامية، بفعل الدعايات السياسية، والدينية ضدهم، التي تكررت الإشارة إليها في الصفحات الماضية، وما قاله

стр. 57

الشيخ أحمد زيني دحلان المكي (المتوفى ١٣٠٤هـ) – الذي كان من أكابر علماء الشوافع في عصره – في كتابه "خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" – الذي تم تأليفه في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري – فيما يتصل بالشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه، كفيل بإثارة حفيظة المسلمين – إذا اعتقدوا صحته – وبعث سخطهم وغضبهم الحنق، وكل ذلك جعل أهالي الحرمين الشريفين يرون أهل نجد كاليهود والنصارى المشركين بل شراً منهم. يقول الشيخ حسين أحمد المدني ﵀ – الذي أقام بالمدينة المنورة منذ ١٣١٦هـ إلى ١٣٣٣ هـ - في كتابه "الشهاب الثاقب" عن موقف العرب ولاسيما أهل الحرمين الشريفين، وهو يتحدث عن الشيخ محمد وعن جماعته. "إن العرب (وخاصة أهل مكة والمدينة) يبغضون الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي وأتباعه أكثر مما يبغضون اليهود والنصارى والمجوس والهنادك" (١) . وربما يمكن أن يكون الشيخ خليل أحمد قد تأثر بهذا الجو المكهرب المستعر سخطاً وحنقاً، وشائعات وأكاذيب، إذا أنه قد قام

стр. 58

بثلاث رحلات (١) إلى الحجاز من أجل الزيارة والحج، فيما قبل ١٣٣٥هـ، وأتيح له في هذه الرحلات المتكررة أن يجالس علماء مكة والمدينة وأعيانهما في العلم والدين، وأن يحادثهم، ويلابسهم.. ولا نجد دليلا على أنه قد تسنى للشيخ خليل أحمد اطلاع على كتاب من كتب الشيخ محمد أو أي واحد ممن ينتمي إليه ويتشرب دعوته، أو تمكن من الاجتماع والتحدث إلى علماء جماعته ورجال العلم والرأي من أتباعه، واتخذ الرأي الذي أبداه في الرد على سؤال بعض علماء المدينة المنورة صادراً عن كل ذلك. تحول في موقف العلامة خليل أحمد السهارنفوري من الشيخ محمد النجدي وأتباعه وحركته: ثم ارتحل الشيخ السهارنفوري بعد ما مضى على كتابة ما جاء في "التصديقات" من الآراء نحو عشرين عاماً، إلى الحجاز المقدس، واستوطن المدينة المنورة، وذلك في ١٣٤٤هـ، حينما كان قد تم استيلاء السلطان عبد العزيز بن سعود – وبالتالي استيلاء الشيخ محمد وجماعته – على الحرمين الشريفين، وكان

стр. 59

هناك في المدينة المنورة عالم كبير ولته المملكة السعودية منصب رئيس القضاة، وهو الشيخ عبد الله بن بليهد (١) ، الذي كان بيته يجاور منزل الشيخ السهارنفوري في المدينة المنورة، وحصلت بينهما لقاءات واجتماعات ومحادثات، واستطاع السهارنفور أن يطلع على عمق القضية، وعلى الموقف الصحيح، فأبدى في أتباع الشيخ النجدي وجماعته ذلك الرأي الذي كتبه إلى الأستاذ المرحوم ظفر علخان (٢) ، فنشره في صحيفته اليومية الشهيرة "زميندار" يقول الشيخ السهارنفوري في كتابه الذي وجهه إلى صاحب "زميندا":

стр. 60

"إنه تكثر اللقاءات والمحادثات، وتبادل الآراء والأفكار فيما يتصل بالمسائل الدينة، بيني وبين الشيخ عبد الله بن بليهد رئيس القضاء الذي يجاور بيته بيتي، والرجل عالم ديني كبير، علي مذهب أهل السنة والجماعة، يعمل بظاهر الحديث، ذاهباً مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، مشغوف بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، كثير الرجوع إليها – وكلا الإمامين من أجلة العلماء عند علمائنا أيضاً – شديد الكراهية للبدع

стр. 61

المحدثات، قد جعل عقيدة التوحيد والنبوة أساس إيمانه وأصل عقيدته، وبالجملة فإني لم ألمس – إلى حد تتبعي – أي شذوذ عن عقائد أهل السنة، ومعظم أهل نجد يعرفون تلاوة القرآن، ويكثر فيهم عدد حفاظ القرآن الكريم، يحافظون على الصلاة بالجماعة، وهذه الأيام أيام برد قارس في المدينة المنورة، ولكنهم يواظبون على الحضور حتى في صلاة الفجر مع الجماعة ... وعلى لك فإن وضعهم الديني جيد جداً فيما رأيت وعلمت" ... رسالة أخرى للشيخ السهارنفوري: وهناك رسالة أخرى للشيخ السهارنفوري في نفس الموضوع وجهها إلى الشيخ محمد يعقوب سبط العلامة رشيد أحمد الكنكوهي في نفس الأيام التي وجه فيها رسالته الأولى إلى الأستاذ المرحوم ظفر علي خان رئيس تحرير صحيفة "زميندار" وقد نشرتها مجلة "النور" الشهرية في عددها الصادر في رجب ١٣٤٥هـ، وذلك حينما كثفت الجبهة المتحدة للشيعة وأهل البدع في الهند دعايات قوية ضد المملكة السعودية وأتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، وكانوا يمنعون المسلمين من رحلة الحج والزيارة، وسيطلع القراء الكرام على تفاصيل ذلك في طي هذا الكتاب في الصفحات الآتية إن شاء الله.

стр. 62

على كل فهذه الظروف القاسية المستعرة دفعت الشيخ محمد يعقوب الكنكوهي أن يوجه سؤالا إلى الشيخ السهارنفوري في المدينة المنورة عن موقف الحكومة السعودية، فكان الرد على السؤال من السهارنفوري في رسالة إلى الشيخ يعقوب، سأسرد منها فيما يلي ما يتعلق بالموضوع: "أعتقد أن هذه الحكومة (الحكومة السعودية) ميالة إلى الدين بالنسبة إلى هذا الزمان، وأنها مخلصة في منجزاتها وأعمالها، وما تم من المنجزات الكبيرة ليس فيه ما لا يمت - فيما أرى- إلى الدين بصلة ما، وما صدر منها من بعض الزلات الصغيرة، فإن ذلك – فيما لمست – يرجع إلى أن الحكومة ينقصها رجال صالحون من أولى الكفاءات الإدارية، مما يسبب تقصيراً في بعض الجوانب الإدارية والتنفيذية، أما السلطان ابن سعود فإنه في ذاته رجل متدين يتصف بغاية من الحكمة والحلم، ولكن الرجل الوحيد لا يستطيع أن يصنع شيئاً ما لم تكن عنده أيد عاملة ورجال وأعوان، وقد بلغ الأمن إلى أن راحلة أو راحلتين تختلف وحدها فيما بين مكة والمدينة المنورة والينبوع وجدة، ولا يشكو أحداً خوفاً أو غائلة، أما الشكوى التي تدور فيما بين الجماهير فإن مثارها هو تحطيم القباب على القبور والضرائح التي جعلها الجهال بالإضافة

стр. 63

إلى الروافض أساس دينهم وعقيدتهم، ولكني أرى أن هدمها كان واجباً، ولم تقم الحكومة بهذه الخطوة الجريئة إلا بعد الاستفتاء من علماء المدينة المنورة، وإفتائهم بجواز هذه العملية..... " (خليل أحمد، المدينة المنورة، تحريراً في ١٢/ ربيع الثاني ١٣٤٥هـ) . إن نظرة على هاتين الرسالتين للشيخ السهارنفوري تدل دلا واضحة على أن ما قاله السهارنفوري في ١٣٢٥هـ رداً على سؤال من بعض علماء المدينة المنورة لم يكن أساسه على معلوماته المباشرة وإطلاعه الشخصي على الوضع الصحيح، وإنما كان عمادة تصريحات السائل وما شاع فيما بين الناس، و –إلى حد كبير- ما قاله العلامة الشامي، لكنه لما تمكن من الاطلاع المباشر، ودراسة الأوضاع والأحوال على ما هي عليه، ومقابلة علماء هذه الجماعة والمسئولين عنها، وأتباعها من الخواص والعوام، توصل إلى الرأي الذي أبداه في الرسالتين المسرودتين أعلاه. أساس موقف الشيخ حسين أحمد المدني: ويرى كاتب هذه السطور أنه كذلك كان شأن الشيخ حسين أحمد المدني في موقفه الذي وقفه من الشيخ محمد وحركته، فقد أسلفت أنه مكث بالمدينة المنورة منذ ١٣١٦هـ - إلى - =

стр. 64

١٣٣٣هـ، فسجل في كتاباته انطباعاته عنه وعن أتباعه – التي توصل إليها في ضوء تجاربه، ودراسته لأوضاع المدينة المنورة المستمرة بالدعايات ضد الشيخ واتباعه_ في كتابه " الشهاب الثاقب "فقد صرح الشيخ المدني أن العرب وسيما أهل مكة والمدينة كانوا شديدي الكراهية للشيخ محمد واتباعه، كثيري البراءة منهم، أكثر من اليهود والنصارى والمجوس والهنود.. ثم إن كتابات الشيخ أحمد زيني دحلان المسمومة (أمثال كتاب " خلاصة الكلام " وكتاب " الدرر السنية ") ضد الشيخ وجماعته _ التي قد رأى القراء الكرام أمثلة منها في مقدمة هذه السطور _ وكتابات رجال العلم والقلم العرب الآخرين، قد ظهرت، ووقعت بيد كل مثقف وملم بالقراءة تقريباً.. وأعتقد أن الشيخ أحمد المدني كانت معلوماته عن النجديين مستفادة من هذه المصادر وحدها، مما أورث في قلبه الكراهية ضدهم كما وقع لكثير من رجال العلم والفضل والإخلاص.. وقد تطرق ذهني _ وأنا أكتب هذه السطور _ إلى قصة موسى وهارون ﵉ التي حكاها كتاب رب العالمين، إن سيدنا هارون ﵇ لم يكن مخطئاً في الواقع، ولكن سيدنا موسى أخذ بلحيته وبرأسه وجره إليه كأنه كان في الواقع مقصراً في أداء المسئولية التي نيطت

стр. 65

به، واستأثر به الغيظ حتى لم يتمكن من دراسة الواقع واستعراض الحقيقة والبحث عن أعماق القضية وأغوارها، ولكنه استغفر ربه واستمطر رحمته حينما اطلع على الحقيقة ودقه الظروف التي كانت تلابس الفضية، فقال: " رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " (١) . الرأي الحق والقول العدل في القضية هو ما قاله الشيخ الكنكوهي: قد أتيح لكاتب هذه السطور دراسة مؤلفات وكتابات

стр. 66

الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعدد من علماء جماعته، وقد وفق لقراءة بعض المواد فيما يتعلق بترجمته، كما تمكن من دراسة ما كتبه ضده ألد معارضيه، فتوصل بعد هذه الدراسة الموسعة إلى أن ما قاله الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي في الشيخ محمد وأتباعه رداً على استفتاء وجه إليه، يقوم على دراسة واعية لوضعية القضية، وقد سبق أن سردته في السطور الماضية، وأرجو القراء الكرام إعادة القراءة للمرة الثانية: " الوهابيون هم: أتباع محمد بن عبد الوهاب، وكانت عقيدته صحيحة، وكان حنبلي المذهب، قد كان يتصف بشيء من الشدة، لكنه هو واتباعه صحيحو العقيدة، إلا الذين تجاوزوا الحد، ودخلهم الفساد، وليس هناك فرق بينهم وبين الأحناف في العقائد، إنما الفرق هم في العمل والتطبيق، وهو الفرق الذي يوجد فيما بين الأحناف والشوافع والمالكية والحنابلة (١) . حصيلة دراستي لما يتعلق بحركة ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: حينما صح عزمي على كتابة هذه السطور استأنفت قراءة

стр. 67

المؤلفات وللكتابات التي تتعلق بالموضوع أمثال " كتاب التوحيد " للشيخ محمد عبد الوهاب - وهو أهم مؤلفاته في موضوع دعوته إلى التوحيد وإخلاص العبودية لله، واتباع السنة - ورسالته " كشف الشبهات " وكذلك الكتب الأخرى التي وضعت في ترجمته، وشرح دعوته وحركته، فتأكدت - في ضوء دراسة هذه المواد الغنية - أنه ليس هناك أحد ممن تشرب وتفهم روح الدعوة في القرآن وسنة الرسول (إلى التوحيد الخالص النقي، وخالط حبه شغاف قلبه وكره الشرك والبدع بجميع أشكالهما وأنواعهما كل الكراهية ككل مؤمن مخلص، لا يتفق- مبدئياً – مع دعوة الشيخ محمد كل الاتفاق، وإن كان قد يختلف معه في بعض الفروع والجزئيات اختلافاً سيوجد فيما بين أهل الحق أيضاً، وإن كان فد يشعر ببعض الشدة في بعض القضايا الجزئية وفي بعض الآراء الفرعية التي رآها الشيخ. قد كان الشيخ محمد في أسلوب تفكيره الديني يلتقي -مبدئياً - مع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه كالحافظ ابن القيم ومن إليه، وقد كان أكابر أسلافنا يعدونه من كبار أعلام الفكر والدين في الأمة الإسلامية (على الرغم من اختلافهم معه في بعض الآراء والنظريات والقضايا) وكانوا لا يذكرونه إلا بكل صفات

стр. 68

الإكرام والإجلال، وقد سردنا في الصفحات الماضية رسالة الشيخ خليل أحمد السهارنفوري إلى رئيس تحرير صحيفة "زمندار" التي قال فيها عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه النابغة ابن القيم: "وكلا الإمامين من أجله العلماء عند علمائنا أيضاً". وإنهما – كما هو معلوم لدى كل من له إلمام بالعلم والدراسة – حنبليان في الفقه، ولكنهما يتبعان الحديث الصحيح إذا ما وجدا المسألة التي رآها الإمام أحمد لا تتفق معه، ونفس هذا المذهب ذهبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد صرح بذلك مراراً وتكراراً في مؤلفاته وكتاباته، وهذا الأسلوب من التفكير الفقهي يلتقي – مبدئياً – مع أسلوب التفكير الفقهي لدى شيخ الإسلام وحكيمه أحمد بن عبد الرحيم ولى الله الدهلوي – الذي كان أعلام علماء الأحناف، ومعاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – (١) - ويعرف ذلك كل من درس كتب الإمام

стр. 69

ولي الله الدهلوي، أمثال "حجة الله البالغة " و "المسوي" و "المصفى" و "عقد الجيد" و" الإنصاف" وما إليها. الهجمات الدعائية ضد حركة ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومواجهته لها، وتفنيده للتهم المفتراة الوجهة إليه: قد ابتدأت هذه الدعايات المكثفة والقيام بالأراجيف واختلاق الأكاذيب ضد الشيخ محمد ودعوته، في حين حياته، وقد قام بالرد عليها، وتفنيدها، والدفاع عن دعوته – ككل مؤمن مخلص داعية- تدل على ذلك رسائلة تلك التي سردها مترجموه، فقد كتب – قبل وفاته بعامين – الأمير غالب بن ساعد (شريف مكة) في ١٢٠٤هـ إلى حاكم حكومة "الدرعية" السعودية عبد العزيز بن سعود أن يرسل إلى مكة أحداً من علماء جماعته يوضح دعوته ويعرض فكرته عرضاً مفهوماً، ويجري النقاش في الموضوع مع علماء مكة المكرمة، فأوفد الشيخ تلميذه الشيخ عبد العزيز الحصين بكتابة إلى علماء مكة المكرمة، وهاكم بعض مقتطفات من الكتاب: "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فقد جرى من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، ومع هذا فنهيناهم عن دعوة الصالحين وأمرنا هم باخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه

стр. 70

المسألة مع ماذكرنا من هدم البناء على القبور، كبر على العامة، وعاضدهم بعض من يدعى العلم لأسباب لا تخفي على أمثالكم ... فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى الشرق والغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن فيه..... فنحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل..... وأنا أشهد لله وملائكته وأشهدكم أني على دين الله ورسوله، وأني متبع لأهل العلم (١) ". وكذلك هناك رسالة أخرى للشيخ إلى معاصره العلامة عبد الرحمن السويدي العراقي، رداً على رسالة وجهها العراقي إليه، وإلى القراء بعض أجزائها: "إني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين به هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعه ... ". ويضيف قائلا: " ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني،

стр. 71

وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً! كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم؟ ... وكذلك قولهم: إنه يقول: لو أقدر على هدم قبة النبي (لهدمتها ... " ويقول في ختام الرسالة: " والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان (١) ". رسالة موسعة للشيخ محمد بن عبد الوهاب تسلط ضوءاً كاشفاً قوياً على دعوته وفكرته: وهناك رسالة أخرى للشيخ إلى أهل القصيم توضح دعوته وتبين حقيقتها، وترد ما ألصق بها من التهم، رأيت من المناسب أن أثبتها بكاملها في هذه المناسبة: " أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله، الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله (من غير تحريف ولا تعطيل، بل اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

стр. 72

فلا أنفى عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا، وأحسن حديثاً، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين!) (١) والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في أصحاب النبي (بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد (، وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئة وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر

стр. 73

إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي (مما يكون بعد الموت، وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفحلون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد (بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأومن بشفاعة النبي (وأنه أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي (إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلى من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلى بإذنه﴾ (٢)

стр. 74

وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (١) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ (٢) . وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا تفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمداً (خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن يرسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأتولى أصحاب رسول الله (وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفرلهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (٣) .

стр. 75

وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لايستحقون من حق الله تعالى شيئاً ولا يطلب منهم ما لايقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله (، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
следующие страницы →