وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً! كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم؟ ... وكذلك قولهم: إنه يقول: لو أقدر على هدم قبة النبي (لهدمتها ... " ويقول في ختام الرسالة:
" والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان (١) ".
رسالة موسعة للشيخ محمد بن عبد الوهاب تسلط ضوءاً كاشفاً قوياً على دعوته وفكرته:
وهناك رسالة أخرى للشيخ إلى أهل القصيم توضح دعوته وتبين حقيقتها، وترد ما ألصق بها من التهم، رأيت من المناسب أن أثبتها بكاملها في هذه المناسبة:
" أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله، الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله (من غير تحريف ولا تعطيل، بل اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
стр. 72
فلا أنفى عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا، وأحسن حديثاً، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين!) (١) والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في أصحاب النبي (بين الروافض والخوارج.
وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد (، وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئة وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر
стр. 73
إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي (مما يكون بعد الموت، وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفحلون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد (بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي (وأنه أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي (إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلى من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلى بإذنه﴾ (٢)
стр. 74
وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (١) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ (٢) .
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا تفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمداً (خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن يرسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأتولى أصحاب رسول الله (وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفرلهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (٣) .
стр. 75
وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لايستحقون من حق الله تعالى شيئاً ولا يطلب منهم ما لايقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله (، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
стр. 76
الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل.
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإني أدعي الإجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة، وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وإني أقول له أقدر على هدم قبة رسول الله (لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزاباً من خشب، وأحرم زيارة قبر النبي (، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفر من حلف بغير الله، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين، جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله
стр. 77
من بهت محمداً (أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور، قال تعالى: ﴿إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ الآية (١) بهتوه (بأنه يقول إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها معبدون﴾ (٢) .
وأما المسائل الأخر وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله وإني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله وأخذ النذر لأجل ذلك، وإن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام، فهذه المسائل حق وأنا قائل بها، ولي علها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة، وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى.
ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة﴾ الآية (٣)(٤)
стр. 78
وأمثال هذه المعاني تشتمل عليها كثير من رسائله التي ساقها مترجموه.
رسالة مستقلة للشيخ عبد الله بن محمد في إيضاح الدعوة، والرد على الافتراءات والدعايات:
وهناك رسالة مستقلة شاملة وضعها عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – في ١٢١٨هـ، حينما تمت السيطرة للحكومة السعودية لأول مرة على مكة المكرمة، تلقي الضوء الساطع على دعوة وحركة الشيخ محمد، وتفند الإفتراءات والأراجيف ضدها على أساس متين من البراهين اللامعة، سنقدم فيما يلي بعض مقتطفاتها الهامة:
"فأخبرناهم بأن الذي نعتقد وندين الله به هو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف الأمة في أصول الدين، وأما في الفروع، فنحن على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر م قلد الأئمة الأربعة، ولا تستحق مرتبة الاجتهاد، ولا أحد منا يدعيه، إلا أن في بعض المسائل إذا صح، لنا نص جلي من كتاب الله أو السنة غير منسوخ ولا مخصوص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به، وتركنا المذهب، وقد سبق من أئمة المذاهب الأربعة اختيارات لهم في بعض المسائل
стр. 79
مخالفة لمذهب الملتزمين تقليد صاحبه" (١) .
"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيساً على الخلق: أنا نضع من رتبة محمد (بقولنا: النبي رمة في القبر، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، فنتلف مؤلفات أهل المذاهب لكونه فيها الحق والباطل ... وأنا مجسمة ... وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن الستمائة سنة إلا من هو على ما نحن عليه.. ومن فروعه أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأن كان مشركاً وأن أبويه ماتا على الشرك بالله.. وأننا ننهى عن الصلاة على النبي (.. ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً.. إلى غير ذلك.. فجميع هذه الخرافات وأشباهها لم استفهمنا عنها من ذكر أولا كان جوابنا في كل مسألة من ذلك "سبحانك هذا بهتان عظيم " (٢) .
ويقول بعد سطور:
" والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد (أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ
стр. 80
من حياة الشهداء، للنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وإنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلى لزيارة المسجد والصلاة والسلام، الواردة عنه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالصلاة عليه، ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وعمه، كما جاء في الحديث عنه" (١) .
"ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات، لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء، بل ومن كل مسلم" (٢) ويقول بعد سطور:
" ونثبت الشفاعة لنبينا محمد (يوم القيامة حسبما ورد، وكنا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد أيضاً، ونسألهها أيضاً من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: "أللهم شفع فينا محمداً (يوم القيامة" أو "اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك"
стр. 81
أو نحو ذلك مما يطلب من الله، لا منهم، فلا يقال: "يا رسول الله أو ولي الله أسألك الشفاعة ... أو أغثني، أو اشفع لي، وانصرني على عدوى، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله لأن جميع ذلك من أقسام الشرك" (١) .
وبهذه المناسبة قد أثار المؤلف سؤالا عما إذا كان طلب الشفاعة من رسول الله (نوعاً من الشرك (٢) ، بقوله:
"فإن قال قائل: يلزم من تقريركم وقطعكم في قطعكم في أن من قال: يا رسول الله (أسألك الشفاعة أنه مشرك مهدر الدم – أن يقال بكفر غالب الأمة، ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب".
ثم أجاب المؤلف على هذا السؤال بقوله:
"قلت: لا يلزم ذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب، كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة وإن قلنا بجهة العلو، كما ورد الحديث بذلك".
стр. 82
"ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له الحجة، وأصر مستكبراً معانداً كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك"
" ونعتذر عن من مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعياً".
"فإن قلت هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه فما القول فيمن حور الأدلة واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصراً على ذلك حتى مات.
"قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه بعدم من يناضله في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة".
"هذا وقد رأى معاوية وأصحابه منابذة أمير المؤمنين علي ابن أي طالب ﵁ بل وقتاله ومناجزة الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعاً بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا له أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين، كما ذلك مشهور عن أهل السنة.
стр. 83
وأضاف المؤلف قائلا:
"ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه وعلمه وورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئاً في هذه أو غيرها، كابن حجر الهيثمي (المتوفى ٩٧٤هـ) فإنا نعرف كلامه في "الدر المنظم" ولا ننكر سعة علمه، لهذا نعتني بكتبه كـ"شرح الأربعين" و "الزاجر" وغيرهما، ونعتمد على نقله إذا نقل، لأنه من جملة العلماء المسلمين" (١) .
ويقول في ختام هذه الرسالة، وهو يتحدث عن مذهبه ومنهجه وموقفه من الشيخين، ابن تيمية وابن القيم:
"عندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أننا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا محمد (، ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل: منها طلاق الثلاث بلفظ واحد، في وقت واحد، فإننا نقول به تبعاً للأئمة الأربعة" (٢) .
стр. 84
وينهي رسالته بقوله:
" ولا ننكر الطريقة الصوفية، وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي، والمنهج القويم المرعي، إلا أننا لا نتكلف له تأويلا في كلامه، ولا في أفعاله، ولا نعول ونستعين ونستنصر ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم" (١) .
إصابة رأي الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي في الشيخ محمد ودعوته وأتباعه:
هذه المقتطفات الموسعة التي قدمتها إلى القراء الكرام في الصفحات الماضية من رسائل الشيخ محمد ورسالة ابنه عبد الله،
стр. 85
في تسليط الضوء على دعوتهما ومذهبهما (وقد تم تأليف هذه الرسالة منذ نحو قرنين إلى الربع في ١٢١٨هـ من أجل إيضاح الدعوة وإزالة الغبار عن لجينها الصافي أمام علماء المذاهب الأربعة وأتباعها من المسلمين في بلد الله الحرام) تؤكد رأي الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي في الشيخ محمد وأتباعه الذي أبداه من خلال رده على الاستفتاء الذي وجهه إليه أحد الأخوة بقوله "كانت عقيدته صحيحة وكان حنبلي المذهب" كما تقرر في كل وضوح وجلاء أن مذهبه ومنهجه الفكري هو ما تسير عليه من أهل السنة الجماعة تلك الطبقة التي يمثلها شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني الدمشقي وتلميذه العلامة ابن القيم، وإن إمام علمائنا حكيم الإسلام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي كان يشابهه إلى حد بعيد في المنهج الفكري، ويعترف بجلالة قدره وعظمته ومكانته العلمية والدينية.
التجانس فيما بين دعوة وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوة الشيخ العلامة محمد إسماعيل بن عبد الغني الشهيد:
وكذلك تدل هذه المقتطفات ودراسة مؤلفات هؤلاء العلماء النجديين الأخرى، مثل "كتاب التوحيد" وغيره، تدل دلالة صارخة على أن موقفهم من إخلاص التوحيد لله، وإفراد العبودية
стр. 86
له، والإصرار الأكيد على متطلباته، والجهاد بكل طريقة ممكنة ضد عبادة القبور والأضرحة والسجدة لسدنة القبور والأولياء والأرواح، والنذر والذبح، وتقديم القرابين، وما إليه من أنواع الشرك وأشكاله التي تفوق الحصر (والتي عمت في المسلمين بجهود من شياطين الإنس والجن) هو نفس الموقف الذي – أو قد يكون موقفهم أشد وأعنف – يقفه أحد أئمة جماعتنا وعلمائنا العلامة محمد إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي (الشهيد في سبيل الله في ١٢٤٦هـ) في كتابه "تقوية الإيمان (١) "..
بين "تقوية الإيمان" وكتاب التوحيد ":
ومن أجل هذا التجانس الكبير دعوة الشيخ محمد ودعوة العلامة إسماعيل، ادعى كذباً وافتراء، أعداء الشيخ محمد إسماعيل – الذين كانوا في الواقع أعداء دعوته إلى التوحيد والتمسك بالسنة – وفي طليعتهم فضل رسول البدايوني (٢) ، أحد أئمة المبتدعين في
стр. 87
الهند، أن كتاب "تقوية الإيمان" هو ترجمة أردية لكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال بعضهم: إن الأول شرح للثاني، وتحدثوا بذلك طويلا، وأشاعوا به كثيراً، يقول فضل رسول البدايوني في كتابه "سيف الجبار":
وقع بيد محمد إسماعيل في مدينة "مرآد آباد" (١) نسخة من "كتاب التوحيد" لمحمد بن عبد الوهاب النجدي، فأعجب به، فوضع كتابه "تقوية الإيمان" وكأنه شرح لكتاب التوحيد" (٢) .
وقد أسلفت أن الكتابين "كتاب التوحيد" و "تقوية الإيمان" يدوران حول موضوع واحد، وهو الدعوة إلى
стр. 88
التوحيد، ومحاربة الشرك، ولكن القول بأن الثاني شرح للأول يدل دلالة واضحة على جهل القائل وغباوته، وعلى أنه تسامع باسم كتاب التوحيد فحسب، ولم يوافق أن يقرأه، والواقع أن الكتابين – على الرغم من اتحاد الموضوع والغاية من وراء تأليفهما – يختلفان كثيراً في منهج التأليف.
فكتاب "تقوية الإيمان" ألف من أجل إصلاح الجماهير من الشعب المسلم الهندي التي وقعت فريسة أعمال الشرك والبدع، فهو سهل الأسلوب، قريب المأخذ، يسير الإساغة والفهم، يشتمل على ترجمة أردية لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من كتاب "مشكاة المصابيح" مع إيضاح لمفاهيمها وأغراضها في لغة بسيطة مفهومة لكل طبقات الناس، فلا يتناول المسائل الدقيقة والاستنتاج العلمي العميق، ولا يحيل على شروح الأحاديث، وتفاسير القرآن ... على العكس من "كتاب التوحيد" الذي كان الغرض من وراء تأليفه، إقناع العلماء من أهل نجد والحجاز والشام والعراق وغيرها من البلاد العربية، ممن لم تكن قلوبهم تشعر بالفرق الحاسم الفاصل بين التوحيد والشرك، بل كانوا يقفون من وراء تقاليد وأعمال الشرك بدلائل علمية كانوا يتصيدونها من هنا وهناك على غير الحق والصواب – شأن
стр. 89
العلماء المبتدعين عندنا في الهند – من هنالك جاء " كتاب التوحيد" علمياً يتحدث من المستوى العلمي الرفيع، ويفسر الآيات القرآنية ويوضح الأحاديث النبوية على الطريقة العلمية التي لا يسيغها إلا العلماء، مما يدل على أن الؤلف قد أفاد في تأليفه من دواوين التفسير، ومجاميع الأحاديث، والثروة الغنية من كتب السير والتاريخ، وكتابات , مؤلفات الأئمة المتقدمين.
وبالجملة فإن دراسة "كتاب التوحيد" وكتاب " تقوية الإيمان " تؤكد في وضوح أن الذي زعم أن الثاني شرح الأول، قد ركب متن الشطط، ويستحق أن يوفي حقه من الإعجاب والثناء على هذا التجرء على الإفتراء المبين، والواقع أن شرح "كتاب التوحيد" في مثل أسلوب كتاب "تقوية الإيمان" لا يتم إلا في عشرة مجلدات في سعة كتاب "تقوية الإيمان".
وقد زعم إمام المبتدعين في الهند أحمد رضا خان البريلوي (١) في كتابه "الكوكبة الشهابية" أن كتاب " تقوية الإيمان"
стр. 90
ترجمة لكتاب التوحيد، مما يدل على أنه هو الآخر لم يقرأ كتاب التوحيد، وإنما تسامع باسمه " إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون".
لكن هناك – كما أسلفنا – تجانساً كبيراً بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبين الشيخ محمد إسماعيل في الجهاد ضد البدع
стр. 91
والخرافات والشرك، والدعوة إلى التوحيد، والتمسك بأهداب السنة.
الاختلاف الجزئي بين علمائنا وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض القضايا الفرعية والمسائل الجزئية:
لكن هناك اختلافاً – على الرغم من هذا التوافق والانسجام بين علمائنا وعلماء نجد – في بعض المواقف والقضايا الفرعية بين الشيخ محمد وعلماء جماعته وبين علمائنا: العلامة محمد إسماعيل وعلماء ديوبند، فمثلا: إن علماء نجد – رغم أنهم يرون زيارة قبر النبي (من أفضل الأعمال، كما صرح بذلك الشيخ محمد في كتاب التوحيد ص ٢٦٨- لا يجوزون القيام بالرحلة إلى المدينة المنورة من أجل زيارة قبر النبي (وحدها، مستندين إلى الحديث الشهير "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" كما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، نعم يجوز عندهم أن يشد المرء الرحل إلى المدينة المنورة ناوياً التشرف بأداء الصلاة في المسجد النبوي فليسعد بزيارة قبر النبي والصلاة والسلام عليه بعد الوصول إلى المدينة المنورة، أو ينوي الزيارة من خلال نية الصلاة في المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام.
أما علمائنا فيرون الرحلة إلى المدينة المنورة بنية الزيارة لقبر
стр. 92
النبي ﵊ رأساً من وسائل التقرب إلى الله، والسعدة بالأجر والثواب، فيرون أن الأحسن أن ينوي المسافر إلى المدينة المنورة زيارة قبر النبي (والصلاة في المسجد النبوي نية مستقلة لكل منهما، ويقولون إن حديث "لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" إنما يتعلق بالنهي عن الرحلة لزيارة مسجد آخر سوى هذه المساجد الثلاثة (ومن أراد التفصيل فعليه بكتب شروح الحديث) .
وكذلك فإن الشيخ محمد وأتباعه لا يجوزون التوسل بالنبي (ولا بالصالحين، أما علماؤنا فيرونه مباحاً (١) ، لأن ذلك في الواقع هو التوسل بأعمالهم الصالحة، والتوسل بالأعمال الصالحة جائز بالاتفاق.
نعم: إذا اعتقد جاهل غبي أو غوي أن الدعاء بوسيلة النبي (
стр. 93
أو بوسيلة عبد من عباد الله الصالحين يكون ضغطاً على الله – نعوذ بالله من ذلك – وأنه يجيبه ألبتة، أو اعتقد أن الدعاء غير المقرون بهذه الوسيلة من الوسائل مردود عند الله ولا قيمة له عند الله، فإن ذلك ضلال مبين، وعمل حرام لا يقره أحد من المسلمين.
وعلى ذلك فإن الدخول على الروضة المطهرة، والصلاة والسلام على رسول الله مع طلب الشفاعة منه يحرمه الشيخ محمد وسادة علماء نجد وأتباعهم، بل يرون ذلك نوعاً من أنواع الشرك – كما قد سلف نقلا عن رسالة الشيخ عبد الله بن محمد (ولهم في ذلك وجهة نظر خاصة يمكن الإطلاع عليها بمراجعة كتبهم) ولكن علماءنا – وإن كانوا يتفقون معهم في أن الأنبياء والأولياء أو الملائكة لا يستطيعون الشفاعة عند الله يوم يقوم الناس لرب العالمين إلى بإذن منه – يقولون بجواز طلب الشفاعة من رسول (يوم القيامة بالحضور على روضته مع الصلاة والسلام عليه، ولا يرون في ذلك بأساً، وذلك أن طلب الشفاعة منه (لا يعني أبداً الاعتقاد بأنه (مختار في أمر الشفاعة، ومستبد بها، يستعملها كيف يشاء وعلى ما يشاء، إن هذا الاعتقاد ضلال صريح لا شك فيه ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾ ﴿من ذا الذي يشفع
стр. 94
عنده إلا بإذنه﴾ (١) .
وهناك إختلاف من هذا النوع بين علمائنا وعلماء نجد فيما يتصل بخطاب الشعراء لرسول الله (في صورة الاستغاثة والاستعانة..فيقول علماؤنا أن المرأ إذا خاطب رسول الله (أو طلب الإغاثة والإعانة منه (معتقداً أنه حاضر وموجود، وعالم بالغيب يرى ويسمع كل ما يقع، أو له سلطة التصرف في أمور الكون، فان ذلك شرك لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، أما إذا كان المرأ صحيح العقيدة، ولا يؤمن بأن الرسول (عالم الغيب، متصرف في الأكوان، وموجود في كل مكان، لكنه يخاطبه في أبياته بصفته حاضراً في الذهن، موجوداً في الخاطر- كما هو مطرد في الشعر، ومتبع لدى الشعراء- أو يعتقد أن الله سيبلغه (هذا النداء والخطاب، فيدعو- ﵊ له ويتضرع إلى الرب ليستغفر ذنوبه، ويقضي حاجته، فان ذلك ليس من الشرك في شئ، وعلى ذلك يؤولون ما جاء في أبيات وقصائد البوصيري (٢) ،
стр. 95
والجامي (١) ، ومن إليهما، وهو تأويل في محله وليس تأويلا بارداً، فان مثل هذا الخطاب والنداء للغائب في الشعر مطرد مقبول، ولا سيما في شعر الحب والهيام.. ولكن علماءنا قد ركزوا على التحاشي عن أمثال هذه التعبيرات والخطابات، حفاظاً على عقيدة الجماهير السذج، لأن في ذلك على كل حال " إيهاماً بالشرك ". وقد نص على ذلك شيخ مشيختنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي في الفتاواه (٢) .. لكن الشيخ محمد بن
стр. 96
عبد الوهاب وأتباعه لا يفرقون في هذه القضية هذا التفريق، بل يرون الخطاب لرسول الله (ولأي إنسان آخر قد مات شركاً في كل حال ...
وربما كان هذا الموقف من علماء نجد في أمثال هذه القضايا هو الذي عبر عنه العلامة رشيد أحمد الكنكوهي في فتاواه بشدة الطبيعة.
وكذلك وقع الخلاف بين علمائنا وعلماء نجد فيما يتصل بتكفير تارك الصلاة وعدم تكفيره، فإن علماء نجد يعدونه كافراً صريحاً، ولكن علماءنا – رغم أنهم يرونه فاسقاً، مرتكباً لجريمة كبرى، مستحقاً لعقاب شديد – لا يرونه كافراً، مارقاً من الدين، وقد أسلفنا هذه المسألة في الصفحات الماضية، وأسلفنا أن الإمام أحمد بن حنبل من بين الأئمة الأربعة، وبعض الأئمة الآخرين أيضاً ذهبوا إلى أن تارك الصلاة كافر مارق من الإسلام.
على كل فإن قضية من هذه القضايا المختلف فيها فيما بين علماء نجد وعلمائنا ليس مما يفسق به فريق من الفريقين، أو يعتبر مارقاً من الدين، أو خارجاً عن دائرة أهل السنة والجماعة.
وإنما سردت بعض هذه المسائل الفرعية التي يختلف فيها علماؤنا
стр. 97
مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي وأتباعه، لكي يتبين القارئ نوعية ودرجة الخلاف بين الشيخ محمد وبين علمائنا. وحتى يدرك رجال العلم خاصة أن أيا من الفريقين لا يمكنه أن يكفر الآخر أو يفسقه أو يضلله – إذا كان في القلب إسلام وإيمان – من أجل أي مسألة من هذه المسائل.
أما الدلائل والبحث العلمي، والتحقيق والتنقيح، فقد وضع العلماء الكبار والمحققون العظام من العرب والعجم – من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه النجباء، ومعارضه المعاصر العالم الجليل الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي، والعلماء الذين يشاركونه في الرأي والمذهب ... إلى الشيخ بشير أحمد السهسواني الهندي، والشيخ نواب صديق حسن خان القنوجي والعلامة الكبير عبد الحي الفرنكي محلي اللكهنوي (١) ، والشيخ
стр. 98
محمد بن عبد الوهاب وعلماء مذهبه، وكثير من العلماء الآخرين إلى يومنا هذا- عبر مسافة تمتد على نحو سبعة قرون – وضعوا من الكتب والمؤلفات ما إذا أخذنا منه نسخة نسخة فستتكون بها مكتبة ضخمة ومن هنا فلا يرى كاتب هذه السطور أن يجعل أحد – بعد ذلك كله- أمثال هذه المسائل موضوع البحث العلمي والجدال والنقاش، فقد اختلف فيها آراء ومذاهب علماء الطبقات المختلفة من أهل السنة والجماعة، وإني على إيمان كامل بأن فريقاً من هؤلاء سوف لا يستحق العقاب عند الله من أجل هذا الخلاف، والله عليم حكيم.
علماء نجد وعلماء ديوبند جميعاً يحملون لواء الدعوة إلى التوحيد والسنة، والجهاد ضد الشرك والبدع بأشكالها وصورها:
إن الحديث عن الاختلاف الجزئي بين علماء نجد وعلماء ديوبند في بعض القضايا والمسائل الفرعية، كان كجملة معترضة
стр. 99
فيما بين الجمل المقصودة، فلنأت على أصل الموضوع:
إن دراسة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء جماعته تجلي الحقيقة ولا تدع مجالا للشك في أن دعوة الشيخ محمد كانت تهدف – أصلا إلى إخلاص التوحيد، والعض على السنة بالنواجذ، والجهاد بكل طريق ممكن ضد الشرك والبدع، بأنواعهما، وعرض الإسلام في صورته الأصلية نقياً خالصاً صافياً.. وبالجملة كانت رسالته مبدئياً هي نفس الرسالة التي تقدم بها الشيخ محمد إسماعيل إلى الطبقة المنحرفة من المسلمين الهنود من خلال كتابه "تقوية الإيمان" وقد حمل لواءها من بعده علماء ديوبند من أمثال الشيخ الإمام محمد قاسم مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، وزميله العظيم العلامة الإمام رشيد أحمد الكنكوهي، وتلاميذهما ومن خلفهما في الدعوة والمهمة من ألوف العلماء والأفاضل.
ومن هنالك رماهم علماء "بدايون" و" بريلي" (١) من الدعاة المتحسين إلى البدع، والخرافات والواقفين من ورائها بكل
стр. 100
وسائل وإمكانيات "بالوهابية" ودعاهم "وهابيين" (١) لكي يثيروا سخط الجماهير الجهلاء ضدهم ويكسبوا ودهم وولاءهم، وذلك أن دولا عديدة – كانت تستشعر من "الحركة الوهابية" والوهابيين" (الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه) خطراً كبيراً على كيانها، إذ أنها رأت أنهم في ازدياد مستمر، قوة نفوذ، وروح جهاد، وثقلا سياسياً – وبجانبها طوابير أنصار البدع والخرافات وعباد القبور والأضرحة وأشياعهم من علماء السوء، قد ركزت كل إمكانياتها ووسائلها المتاحة على القيام بالدعايات الكثيفة ضد "الوهابيين" والحركة الوهابية (على حد تعبيرهم) في العالم الإسلامي كله من شرقه إلى غربه، حتى صار المسلمون في كل مكان – بل وبعض الخواص من العلماء المخلصين أيضاً الذين لم يكن لهم اطلاع على الموقف – يرون "الوهابيين" أسوأ من اليهود والنصارى والمجوس والهنود.
وكل ذلك جعل المخلصين من المسلمين من أولي العقيدة الصحيحة
стр. 101
أيضاً يقعون فريسة سوء الفهم ويتبرأون من الشيخ محمد وأتباعه بل ويبدون الكراهية والتقزز منهم، ظناً منهم أن ذلك من متطلبات الإيمان والإسلام والحب لله ولرسوله ﵊.
الدعايات ضد الشيخ محمد ووقعها في قلوب بعض المخلصين:
ولا أدل على دقة الموقف من أن الشيخ نواب صدقي حسن خان القنوجي – وهو في طليعة الدعاة المتحمسين إلى مذهب أهل الحديث في الهند، وله دور بارز في بث هذا المذهب وتثبيته في الهند – رأى من الواجب أن يبرئ جماعة أهل الحديث من الشيخ محمد ودعوته وحركته ومنهجه، بل أن يقدح فيه ويعتبره من المفسدين في الأرض، وقد ألف لهذا الغرض وحده كتابه "ترجمان الوهابية" وإليك مقتطفات من الكتاب.
يقول في الفصل الثالث تأكيداً على أن طائفة أهل الحديث لا تمت بأي صلة إلى الشيخ محمد وجماعته:
"كان إمام (الوهابيين) ابن عبد الوهاب حنبلي المذهب، أما أهل الحديث فهم لا يقلدون أي مذهب من مذاهب المقلدين،
стр. 102
وبين الوهابيين وأهل الحديث بون السماء والأرض ... إن أهل الحديث (المتبعين للحديث) يتواجدون منذ ١٣٠٠هـ عاماً، وما حمل أحد منهم لواء هذا الجهاد الاصطلاحي (الذي حمله محمد بن عبد الوهاب وأتباعه) ... إن أهل الحديث لا يعترفون الفتنة والفساد والغدر والقتل وإراقة الدماء ... فلا تقرأ عنهم في أي كتاب أنهم قاموا بالفساد والغدر، على العكس من ابن عبد الوهاب فإن كتب العلماء المسيحيين في تاريخ مصر وغيرها المطبوعة في بيروت وغيرها حافلة بأحوال إفساده، وقد نقلت شيئاً كثيراً من هذه الكتب في كتابي، حتى يطلع الناس على ذلك، ويتحرزوا عن طريق الحرب والقتال والإفساد" (١) .
وتحدث في الفصل الخامس من هذا الكتاب نقلا عن كتابه "التاج المكلل" – وهو يتحدث عن تاريخ "الحركة الوهابية" – عن استيلاء سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود على المدينة المنورة في ١٢٠٤هـ في أسلوب مسعور يثير الحفيظة، وكان سعود بن عبد العزيز هذا من الذين تخرجوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، يقول الشيخ النواب صديق حسن خان:
"ثم ذهب إلى المدينة المنورة، وفرض الجزية على أهلها،
стр. 103
وجود الضريح النبوي المقدس، ونهب الخزائن والأموال وسحبها إلى "الدرعية".. وكذلك صنع مع قبري الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.. وعزم على هدم قبة الضريح النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، لكنه لم يصنع ذلك، وأمر أن لا يحجن بيت الله إلا "الوهابيون" (١) .
إن هذه المقتطفات من كتاب النواب صديق حسن خان القنوجي "ترجمان الوهابية" تدل دلالة صارخة على مدى تأثير الدعايات الكاذبة ضد الشيخ محمد ودعوته وأتباعه التي قام بها أعداؤه ومعارضوه على أوسع نطاق، وبكل أسلوب، وعن كل طريق، حتى فعلت فعلها في قلب عالم كبير حامل لواء الدعوة إلى التوحيد والسنة المحضة مثل الشيخ صديق حسن خان، فاعتمد على ما دسه المسيحيون في كتبهم ومؤلفاتهم ضده من سموم، واتهم الشيخ محمد وعلماء نجد بكل الخرافات التي بثها هؤلاء الكتاب المسيحيون في كتاباتهم..
دور الانجليز في مهمة الدعاية ضد الشيخ محمد:
ولا بد أن أسجل بهذه المناسبة أن الانجليز كان لهم دور بارز في هذه الدعاية، وقد استغلوا الوضع المعاكس في الهند
стр. 104
للشيخ محمد، ورموا كل من عارضهم ووقف في طريقة ورأوه خطراً على كيانهم بالوهابية ودعوهم "وهابيين" فقد أشهروا المحاكمة التي أجروها منذ أكثر من قرن و ١٠ أعوام ضد علماء "صادق بور" الذين كانوا ينتمون إلى جماعة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد (١) ، والشيخ إسماعيل الشهيد، بمحاكمة "الوهابيين"
стр. 105
وقد درج الكتاب الانجليز على ذكر هذه الموافعة بهذا العنوان، وكذلك دعا الانجليز علماءنا علماء ديوبند بالوهابيين من أجل معارضتهم السافرة للانجليز وتضييقهم الخناق عليهم ...
وبالجملة فإن الدعاية الشيطانية العالمية التي قام بها أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مجال السياسة والدين والعقيدة والفكر والرأي، قد أثرت تأثيرها المطلوب على القطاعات الدينية والأوساط الإسلامية التي احتضنت دعوة الشيخ إسماعيل الشهيد – من خلال كتابه "تقوية الإيمان" – إلى التوحيد الخالص النقي، واتباع السنة المحضة.
تراجع الشيخ حسين أحمد المدني عن رأيه:
حينما بدأت أكتب هذه السطور، قد تذكرت أنني كنت قد قرأت في إحدى الصحف في أيام التحصيل منذ ٥٤-٥٥ عاماً تصريحاً للشيخ حسين أحمد المدني، كان خلاصته:
إن الرأي الذي أبديته في كتابي "الشهاب الثاقب" عن النجديين (الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه) كان أساسه
стр. 106
ما كان شائعاً فيما بين الناس، وما كان مؤسساً على دراستي لكتاباتهم ومؤلفاتهم، ومن هنالك فإن رأيي هذا ضعيف لا يصح الاعتماد عليه.
غير أنه لم يكن عندي لذلك دليل أستند إليه، وكنت أتمنى أن لو تمكنت من الحصول على وثيقة في هذا الشأن، وقد أعانني الله الحكيم الكريم من حيث لم أحتسب، فقد أخبرني أخبرني أحد خواص تلاميذ الشيخ حسين أحمد المدني الأستاذ صبغة الله البختياري أن شيخنا العلامة حسين أحمد المدني كان قد أعلن رجوعه عن رأيه الذي أبداه في شأن النجديين في كتابه "الشهاب الثاقب" وذلك من خلال بيانه الصحفي الذي أدلى به إلى إحدى الصحف التي نشرت في ١٩٢٥م، وهي صحيفة "زميندار" لصاحبها الأستاذ المرحوم ظفر علي خان، وقد نقل عن صحيفة "زميندار" الأستاذ عزيز الدين المراد آبادي هذا البيان في كتابه بعنوان "أكمل البيان".
وهنالك رحت أبحث عن "أكمل البيان" والحمد لله قد فزت به، فوجدت فيه البيان الذي أدلى به الشيخ المدني إلى صحيفة "زميندار" في ١٩٢٥م الذي سيقرؤه القراء الكرام عما قريب.
стр. 107
خلفية تأليف كتاب "الشهاب الثاقب":
وقبل أن يقرأ القراء التصريح الصحفي للشيخ حسين أحمد المدني، أرى جديراً أن يطلعوا على خلفية تأليف "الشهاب الثاقب" حتى يكونوا على بينة من الأمر، ذلك الكتاب الذي أبدى فيه الشيخ المدني في شأن الشيخ محمد وأتباعه رأياً لا يتفق والواقع.
قد تحدثت أكثر من مرة، وفي تفصيل عن إقامة الشيخ المدني في المدينة المنورة منذ ١٣١٦هـ إلى ١٣٣٣هـ، وعن الوضع المكهرب ضد الشيخ محمد في مكة والمدينة حرسهما الله، من أجل تكثيف الدعاية من جانب معارضي الشيخ النجدي على صعيد الدين والرأي والفكر أو السياسة، حتى صار المسلمون يرون النجديين أسوأ حالا من اليهود والنصارى والمجوس والهنود مما أثر على الشيخ المدني، فأبدى رأيه الذي قرأتموه.
ثم وقع هناك حادث مؤلم مضحك ومبك معاً زاد الطين بلة، وهو أن إمام الطائفة المبتدعة الخرافية القبورية في الهند أحمد رضا خان البريلوي قد بيت مؤامرة خبيثة في كل لباقة لتكفير أجلة العلماء وكبار المحدثين والفقهاء في الهند من الحاملين للواء التوحيد والسنة (من علماء ديوبند وغيرهم) أمثال العلامة
стр. 108
الكبير الإمام محمد قاسم النانوتوي، والمحدث الكبير العلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة المحدث خليل أحمد السهارنفوري صاحب "بذل المجهود في حل أبي داؤد" والعلامة الشيخ الكبير أشرف على التهانوي المعروف بـ"حكيم الأمة" (١) .
стр. 109
وقد "أعد" الرجل لذلك "فتوى" باللغة العربية، يوعزا إلى هؤلاء العلماء عقائد كافرة باطلة، بتحريف في بعض عباراتهم باللغة الأردية، وتحميلها ما شاء من المعاني والمفاهيم باللغة العربية الحياء وتقوى الله، والمروءة والشهامة، زعم في استفتائه – على أساس المعاني التي حملها عباراتهم الأردية بالعربية حسب ما شاء من تحقيق غرضه وشفاء غيظه، والانتصار لنفسه وبالتالي للشيطان – أن هؤلاء كافرون، وكل من يشك في كفرهم وارتدادهم فهو كافر ومرتد كذلك.
قد أعد هذه "الفتوى" بالعربية، ولرفع قيمتها لدى الشعب المسلم الهندي أراد أن يحصل عليها التوقيع م علماء الحرمين الشريفين – زادهما الله تشريفاً – وقد كان متأكداً أن هؤلاء العلماء سيوقعون عليها ويصدقونها، لأنهم لا يعرفون اللغة الأردية وليس لهم علم بالموقف.
стр. 110
وتحقيقاً لهذا الغرض الخبيث قام في ١٣٢٣هـ برحلة إلى الحرمين الشريفين، وكان يعرف مدى كراهية علماء الحرمين "للوهابيين" فأكد لهم – ضرباً على وترهم الحساس، بالإضافة إلى الحيل الماكرة الأخرى الكثيرة التي قام بها – أن هؤلاء العلماء الديوبنديين الذين أصدرنا الفتوى بكفرهم، هم من أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، وأنهم يحملون لواء "الوهابية" في شبه القارة الهندية.
ولا شك أن حيلة أحمد رضا خان البريلوي (بل في التعبير القرآني الإلهي البليغ الدقيق "كيده" و"مكره") قد نجحت كل النجاح، حيث إن علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة قد وافقوا ووقعوا على فتوى التكفير هذه في كل حماس، وأشادوا بجهوده في سبيل هذا "الجهاد التكفيري" ضد "الوهابيين الهنود".
وتلك هي الفتوى التي طبعها المبتدعون في الهند في اللغة الأردية باسم "حسام الحرمين" ووزعوها في أرجاء الهند، وصرخوا وهتفوا بأن علماء الحرمين الشريفين أيضاً قد كفروا علماء ديوبند (العلامة محمد قاسم النانوتوي، والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي، والعلامة خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ أشرف على التهانوي) واعتبروهم مرتدين، ومن لم يكفرهم، أو يشك في كفرهم فهو أيضاً كافر يستحق النار.