← Акыда

Акыда · id 11189

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية

أحمد بن عبد العزيز الحصين

Полный текст (390 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصواب، ويعدد ابن غنام أسماء عشرة رسل. وكان من بين الذين استنكروا الدعوة "دهام بن دواس" الذي كان رئيساً على الرياض، وما كاد دهام يعلم سنة ١١٥٩هـ،١٧٤٦م بتلبية المنفوحة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودخولها في طاعة آل سعود حتى هجم عليها يريد إجبارها على إعلان العصيان، ولكنه فشل أمامها، وظل دهام١ بن دواس يمثل الخصم العنيد العدو القوي للدولة السعودية، الذي يعمل على عدم تمكينها من نشر الدعوة. وهكذا وجب الجهاد على أصحاب الدعوة بعد أن كانوا قد سلكوا مع أولئك سبل التبصير والنصح٢، وامتزج حسن العهد بصدق الوعد والفكر الرشيد بالعزم الأكيد، والتقى المصحف والسيف لقاء دعوة وبيعة، فكان العمل والإخلاص والتفاني، ثم بدأ الجهاد، وانتقل مجتمع الدرعية الذي كان بالأمس القريب خاملاً مستكيناً إلى جماعة مجاهدة متطورة يقودها هدى الإسلام بإرشادات الشيخ وعزم الأمير، ولا ننسى -أيها الأخ- مدى التأثير الفاعل للدعوة الإسلامية، إذ قيض الله ﵎ لها علماء صالحين وأمراء عادلين مقسطين، فإنها تؤتي ثمرتها وتعيد البناء بنفس السرعة التي بنت فيها دولتها الأولى.

стр. 177

ولم يمض إلا وقت قصير حتى تنبه الأعداء لخطورة الدعوة فناصبوها العداء، وقاوموها بكل ما يملكون من قوة، وقد دامت الحروب بين الرياض والدرعية –فقط سبع وعشرين سنة، ولم تمر سنة إلا وتقع فيها غزوة بين البلدين وكانت الحروب سجالاً، واستشهد كثير من المسلمين في تلك المعارك، منهم ولدا الأمير محمد بن سعود١، وهما فيصل وسعود اللذان قتلا في الغارة التي قام بها ابن دواس على أطراف الدرعية سنة ١١٦٠هـ، وظل دهام يناوئ الحق والشيخ والأمير يوجهان إليه الحشود تلو الحشود، وتقوم بينه وبين الحق الوقائع –كوقعة الشباب، ووقعة العبيد "أبو غيبة"، ووقعة "دلقة"، والجنوبية٢، وغيرها إلى أن فتح الله عليهم الرياض، وتخلصوا من شر دهام ونفاقه ومعاداته لأهل الحق، وبسقوط الرياض في أيدي آل سعود انفتح للدعوة الطريق، ولم يبق أمام أساطين الأعداء إلا الاستسلام والانقياد للدرعية. وبعد وفاة الأمير محمد ابن سعود الذي احتضن الدعوة الصافية وعمل على التمكين لها في الأرض، ونجح في نقلها من مرحلة الفكر إلى مرحلة التحقيق مدافعاً عنها بكل ما ملكت يداه، واهباً نفسه في سبيلها، وثبت على أساسها حكماً صالحاً، وانتصر تحت رايتها، ثم أفضى إلى ما قدم،

стр. 178

وتولى ابنه عبد العزيز١، وقد زاد المعارضون للدعوة من نشاطهم ضدها، والتحريض على قتالها، ودارت المعارك بين أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين أهل الباطل، وتابع الأمير عبد العزيز أعماله الجهادية على رأس جيش الدعوة الإسلامية، إما بنفسه أو بقايدة ابنه سعود، وتعاقبت أيام المجد على ربى نجد، وتقدم الجيش سنة ١١٨٨ لغزو الدلم، ونازل قبائل وادي بني حنيفة قريباً من الخرج في قتال مرير، وانتقل من ضرمي إلى سدير والخرج والمجمعة، حتى إذا كانت سنة ١١٩٥ دخل قرية اليمامة، وفي سنة ١١٩٦ دخل القصيم، وفي سنة ١١٩٨ غزا جيش الدعوة إقليم الإحساء، وفي سنة ١١٩٩ عاد يغزو الخرج، ثم انطلق في سنة ١٢٠٢ إلى إقليم قطر في مقابل البحرين٢، وهكذا سيطرت جيوش التوحيد على نواح كثيرة من نجد، وكذلك عزا عبد العزيز جنوبي العراق، ودخل كربلاء (مدينة مقدسة عند الشيعة في البداية) وهدم قبر الحسين، وأخذ الكنور التي كانت عند الضريح، وهذا ما دعا إلى قدوم أحد المتعصبين من الشيعة٣ إلى الدرعية، وطعن عبد العزيز وهو يؤدي صلاة العصر عام ١٢١٨هـ، مما أدى إلى موته في مسجد الطريف في الدرعية وهو ساجد، وهذه وثيقة باللغة التركية عن مؤامرة والي بغداد بقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.

стр. 179

قبل أن يقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وحين بلغ سبعين عاماً ثقل جسمه وآثر الراحة فأخذ البيعة بولاية العهد لابنه سعود١ وسلمه مهام الدولة الناشئة عام ١٧٨٨م، فواصل الامتداد بنور الله ، واحتضن الدعوة ورنا إلى المستقبل، وكانت غزواته على نوعين، بعضها يستهدف ضم الأراضي تحت سلطته لتحصيل الضرائب ونشر العقيدة، كما حصل في نجد والإحساء وسواحل البحر الأحمر والحجاز، وبعضها الآخر كانت غارات لتأديب الخصوم فقط، كغزوات العراق والشام، ونريد أن نقف وقفة قصيرة في بلاد الحجاز، ونسأل لماذا تم الاستيلاء على الحجاز؟. إن الاستيلاء على الحجاز من قبل جنود التوحيد لم يأت إلا بعد مباحثات ومناظرات، بل عملوا علاقات الود بين الأشراف ولكنهم لم يلمسوا عطفاً، بل شوهوا دعوة الإمام. فكانوا يرسلون ضعاف العقول فيندسون بين الحجاج وبيكون وينوحون ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود على الأضرحة والقباب التي هدمتها دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، فهذه أكبر دعاية لتشويه هذه الدعوة المباركة. قال ابن غنام٢: أرسل أبناء سعود بعض علمائهم إلى مكة مراراً لإقناع علمائهم بالدعوة السلفية التي أرسى أصولها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولكن رغم اقتناع علماء

стр. 180

مكة بدعوة علماء نجد، إلا أن موقف الأشراف ظل صلباً ومعادياً واستفزازياً، فقد اصطنعوا الحجج على أهل نجد، تحدياً من الأشراف، بل اعتقلوا العلماء الدين أرسلهم الإمام وتركوهم في السجن، فبعضهم مات وبعضهم هرب. فالأشراف وأتباعهم من العثمانيين رفضوا الدعوة السلفية المباركة، ولكن دخلها الأمير سعود وهو محرم ملب دون قتال أو إراقة دم. قال أمين الريحاني في كتابه "تاريخ نجد": بعث سعود رسالة إلى السلطان سليم الثالث في الآستانة: أما بعد: دخلت مكة في اليوم الرابع من محرم ١٢١٨هـ، وأمنت أهلها على أرواحهم وأحوالهم بعد ما هدمت ما هناك من أشياء وثنية، وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقاً، وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقاً للشرع، فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحلمل والطبول والزمور إلى البلد المقدس، فإن ذلك ليس من الدين في شيء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. التوقيع الواثق بالله المعبود سعود بن عبد العزيز

стр. 181

فانتشر الأمن والأمان في الحجاز. قال ابن بشر١: "وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، فلا يشرب التنباك في أسواقها، وأمر سعود أن يجعل في أسواقها من يأمرهم بالصلاة إذا دخل الوقت، فكان إذا أذن، دار الرجال في الأسواق: الصلاة ... الصلاة٢. ونظفت الحجاز من الخرافات والبدع، وهدمت القباب والأضرحة، ونشر التوحيد، وجعل إمام واحد للصلاة عكس السائد في عهد الأشراف الذي جعلوا أربعة أئمة يصلون بالناس، وكل واحد على مذهبه كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي. فقام الإمام سعود بن عبد العزير بواجب الدعوة فواصل جهاده حتى امتدت الفتوحات من عمان ووادي حضر موت ونجران وعسير إلى شواطئ الفرات والبادية السورية، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، وهكذا شهد الإمام محمد بن عبد الوهاب ثمار الدعوة المباركة نتيجة جهاد متواصل حمل لواءه الآباء والأبناء، وتوحدت نجد، وأسست فيها دولة جديدة قائمة على شريعة الله ، وأصبحت مصدر إشعاع لا ينفذ زيته، واستقرت الدعوة وتأمنت سبلها، عند ذلك اعتزل الشيخ الحكم تاركاً إدارة الدولة للأمير، وأخذ في تأليف الكتب الدينة وإذاعتها في بلده، ثم في البلدان النجدية، ثم في جزيرة العرب عن طريق طلبته

стр. 182

البررة، وطفق يلقي محاضرات في علوم التشريع والديانة وأصولها، ويلقن الناس حقيقة الإسلام، واجتمع في حلقات دروسه آلاف الناس من كثير من الأقطار يأخذون منه العلم١. وأخذت الدولة تستقر، والدعوة تنتشر، والأمير سعود يتابع الحج عاماً بعد عام، وعمت الدعوة جزيرة العرب بما فيها الحجاز، وانقطعت الموبقات، وزالت البدع، وعم نقاء الاعتقاد وإخلاص الدين، وأرسل الأمير سعود سراياه إلى الأماكن البعيدة لكي يعلم الناس التوحيد، وبلغ جيشه النظامي خمسين ألفاً، مما كان لهذه القوة أثرها الكبير في التمكين للدعوة التي بذل أنصارها من التضحية بأنفسهم وأموالهم ما سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور.

стр. 183

الباب الثالث عشر: الحملة المصرية على نجد ... الحملة المصرية على نجد وقد رأى الخصوم في هذه الدعوة خطراً على أغراضهم السياسية، (الأتراك- حكم محمد علي في مصر- الأشراف في مكة) . وأخذ الوالي التركي في تأليب القبائل العراقية لمناجزة أهل نجد، وأصدر الوالي العثماني أمره إلى والي البصرة ليغزو الدرعية، لكن الدرعية ردت الهجوم بهجوم الأمير سعود على القبائل بوادي شمر وغيرها، فوصل إلى منطقة السماوة، وتتابعت هزائم والي العراق، وعجز والي الشام، فرأت الأمبراطورية العثمانية أن تستعمل والياً تركياً أشد طموحاً من والي الشام والعراق، وأكثر توقاً لمرضاة السلطان، فأوكلت مهمة قتال الدعوة وأهلها إلى محمد علي والي مصر يومها، فسير محمد علي باشا جيشاً قوامه أربعة عشر ألفاً من المقاتلين إلى الحجاز في سنة ١٢٢٦هـ بقيادة ابنه أحمد طوسن١، وتلاقى بجيش النجديين وعدته ثمانية عشر ألفاً بقيادة عبد الله بن سعود الذي نصره الله على طوسن وجيشه الذي لا يعرف شيئاً عن غاية الحرب، كما نقل الجبرتي عن المنهزمين الذين كانوا يقولون: أين النصر وأكثر عساكرنا على غير ملة، ومنهم من لا يدين بدين ولا ينتحل مذهباً وصحبتنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عرصتنا أذان ولا تقام فريضة الصلاة، ولا يخطر في بالهم شعائر الدين، والقوم إذا داخل الوقت أذن المؤذنون وانتظموا صفوفاً خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذنون

стр. 184

وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر أخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون من ذلك، لأنهم لم يسمعوا به فضلاً عن رؤيته. وعاد طوسن بجيشه بعد الهزيمة إلى ينبع، وعسكر هناك انتظاراً للنجدة المصرية، وعندما وصلت النجدات المصرية عام ١٨١٤م-١٢٢٩هـ التقى الفريقان من (القنقذة) وانهزم المصريون مرة أخرى١، وبينما المعارك تجتاز هذه المرحلة الحاسمة والمسلمون النجديون يعدون العدة لخوض معركة شاملة، إذ بالمنية تحضر الأمير سعود٢ بن عبد العزيز بن محمد، فينتقل إلى جوار ربه في الدرعية. وخلف ابنه الإمام عبد الله بن سعود٣ بن عبد العزيز، لكن عمه عبد الله بن محمد نازعه الحكم. وانقسم آل سعود على بعضهم مما سهل مهمة الجيش المصري الذي أخذ استعداده لاكتساح نجد. فأصدر محمد علي الألباني أمره إلى ولد أحمد طوسن بسرعة العودة إلى مصر، ثم جهزه مرة ثانية بحملة وسيره إلى الجزيرة العربية، فتمكن طوسن في هذه المرة من فتح المدينة المنورة والاستيلاء عليها، ثم قصد مكة المكرمة واستولى عليها أيضاً، وبذلك عاد الحرمان الشريفان إلى الدولة

стр. 185

العثمانية، وعادت بدع الحج، وأراد طوسن مطارة المسلمين النجديين، ولكن الله تعالى ألحق به هزيمة منكرة قرب مكة، وفي هذه الأثناء قدم الوالي المصري محمد علي الألباني إلى الحجاز، واستطاع أن يهزم الأمير عبد الله بن سعود، واحتل تربة ثم بيشة، واستولى على عسير. ثم عاد إلى مكة المكرمة ومنها إلى القاهرة. وبقي أحمد طوسن في الحجاز بعد حملته على نجد١ ثم زحف على الرس في نجد فاستسلم أهلها، وجاء عبد الله بن سعود ليخرجه منها فلم يتمكن، وما لبث أن اتفق الفريقان على الصلح، فتعهد طوسن بالخروج من نجد وتعهد الأمير عبد الله بتأمين سبل الحج، ثم عاد أحمد طوسن إلى القاهرة حيث توفي هناك ... إلا أن أباه لم يوافق على هذا الصلح فجهز ابنه إبراهيم محمد علي الألباني بحملة جديدة على نجد مجهزة بمدافع ضخمة، وعسكر بالحناكية شرق المدينة، وبدأ بإغراء البدو، فوقفت القبائل بقوة إلى جانبه، وقد كانت قبل ذلك مع الإمام سعود –فسبحان مقلب القلوب- وسار إبراهيم باشا بجيشه من الحناكية إلى الرس فقاومه أهلها، ثم استسلموا، ثم احتل عنيزة ويريدة والمذنب، ودخل الوشم وشقرا، وقامه أهل ضرمى فأباحها لجنوده، وساروا إلى الدرعية فحاصروها٢ خمسة أشهر، كانت النجدات خلال هذه المدة تتوالى على إبراهيم باشا من مصر والبصرة والمدينة والقصيم، إلا أن هذه المسيرة لم تكن نزهة سهلة، وإنما كلفته غالياً من العدة والعتاد، وبقيت الدرعية التي انبثقت منها رسالة التوحيد كالطود الأشم٣،

стр. 186

إلا أن ضعاف النفوس أخبروا إبراهيم باشا بعورات المجاهدين مما كشف المدينة أمامه فحمل بجنوده ومدافعه. وبعد معارك طاحنة طارت فيها الرؤس وهدمت فيها القلاع والحصون واشتعلت الحرائق، وعلى الرغم من هول الموقف لم يفر رجال الدرعية رغم محاصرتهم، لعلمهم بقوله ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم" ١. وصدق جلاد الرجال الأوفياء وشاء الله تعالى، وعقد الصلح مع سقوط آخر موقع ضرب فيه الموحدون أروع الأمثلة في التضحية والفداء، واستسلمت الدرعية للقضاء المقدر. قال ابن بشر: ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها، وأن يقطعوا نخيلها وأشجارها، ولا يرحموا صغيرها ولا كبيرها. فابتدر العساكر مسرعين وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمون. وقطعوا الحدائق، وهدموا الدور والقصور، ونفذ فيها القدر المقدور، وأشعلوا في بيوتها النيران، وأخرجوا جميع من كان فيها من السكان، فتركوها خالية من المساكن كأن لم يكن بها من قديم ساكن، وتفرق أهلها في النواحي والبلدان، وذلك بتقدير الذي كل يوم هو في شأن٢. وصدق الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر٣ وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام

стр. 187

عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب برثاء الدرعية بقصيدة رائعة تسمى عند علماء الدرعية "الطنانة"، والتي أبكت الناس وهي تصور بطش إبراهيم باشا وجنوده: يقول ﵀: وكم قتلوا من عصبة الخير فتية ... هداة "وضاء" ساجدين وركعا؟ وكم دمروا من مربع كان آهلاً؟ ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا فأصبحت الأموال فيهم نهائباً ... وأصبحت الأيتام غرثى وجوعا وفرق الإخوان من كان قاطنا ... وفرق ألف كان مجتمعا معا١ ثم دعا الناس إلى الصبر على قضاء الله، ونبذ اليأس وانتظار الفرج، يقول: ألا أيها الإخوان صبراً فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيراً وأنفعا ولا تيأسوا من كشف ما ناب أنه ... إذا شاء ربي كشف ذاك تمزعا

стр. 188

عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ... ويجبر منا اليوم ما قد تصدعا ويعمر للسمحا ربوعاً تهدمت ... ويفتح سبلاً للهداية مهيعا١ وإبراهيم باشا الطاغية الذي لا يحترم كبيراً ولا صغيراً ولا عالماً، فقد أحضر في مجلسه العالم الجليل سليمان بن عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب٢، وأظهر بين يديه آلات اللهو والطرب، وقال له: ما تقول بهذه؟ فقال ﵀: إنها حرام، ولا يجوز الاستماع إليها. فقام هذا الطاغية وأخرجه إلى المقبرة وأطلق عليه خمس رصاصات، فسقط شهيداً وقد مثل بجثته، فقطعت إرباً إرباً، ومزقت عضوا عضوا وصدق الله العظيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩-١٧٠) .

стр. 189

قال الشيخ إبراهيم محمد بن إبراهيم آل الشيخ في مقدمة كتاب الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب "تيسير العزيز الحميد". "وكان ﵀ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، فلا يتعاظم رئيساً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتصاغر ضعيفاً أتى إليه بطلب فائدة، وقد أكرمه الله تعالى بالشهادة سنة ١٢٣٣هـ، وذلك عندما وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بعد دخوله الدرعية، واستيلائه عليها، فأحضره إبراهيم باشا وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة، وأمر الجند أن يطلقوا عليه الرصاص جميعاً فخرقوا جسمه، وفاضت روحه إلى ربه، ﵀، وأجزل مثوبته، وأسكنه فسيح جناته". يقول المؤرخون١: إن إبراهيم لم يحترم شروط الاستسلام، رغم توقيعه عليها، ذلك أنه ذبح رؤساء العشائر التي وقفت إلى جانب الإمام في الدفاع عن عاصمة الدولة العربية السعودية الأولى، وتفنن في تعذيب الزعماء والعلماء على السواء، فطرح بعضهم مقيداً تحت سنابك الخيل، ووضع البعض الآخر أمام أفواه المدافع لتمزقهم القذائف شر ممزق. كما أمر بتعذيب القاضي العلامة أحمد رشيد الحنبلي أمامه، وخلع أسنانه في مجلسه، وكان أفظع من ذلك كله أنه أمر بعد عدة أشهر من استسلام الدرعية بطرد

стр. 190

أهلها منها، بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ، ليأمر بعدها بدك المدينة جميعها بالمدفعية، ويشعل النيران في كل أحيائها، ويقطع أشجار النخيل من البساتين المحيطة بها، متوهما أنه بفعلته هذه سيقضي على الفكرة العربية الإسلامية التي كانت تمثلها الدولة العربية السعودية إلى الأبد. ثم أمر إبراهيم باشا الألباني بعد المصالحة أن يتجهز الإمام عبد الله ابن سعود للمسير إلى السلطان، فخرج من الدرعية إلى القاهرة، ومنها إلى الأستانة، حيث طوفوه في الأسواق، ثم أعدموه. يقول الزركلي: عبد الله بن سعود من أمراء نجد، وليها بعد وفاة أبيه سنة ١٢٢٩هـ ونازعه أخوه فيصل بن سعود فضعفت شوكته، وحاربته جيوش العثمانيين القادمة من مصر، وتغلب عليه قائدها إبراهيم باشا، طلب الصلح وأجابه إليه إبراهيم فتم الصلح، وأرسله إبراهيم إلى مصر فأكرمه واليها محمد علي باشا، ووعده بالتوسط له عند حكومة الأستانة. فقال عبد الله (المقدر يكون) ، وحمل إلى الأستانة هو من معه فطيف بهم في شوارعها ثلاثة أيام متتابعات، وأعدموا في ميدان مسجد أيا صوفيا، وقطعت رؤسهم، وظلت جثثهم معروضة بضعة أيام. وكان عبد الله شجاعاً تقياً، في رأيه ضعف١. فرحم الله الإمام عبد الله بن سعود وجزاه عن جهاده خير الجزاء، فقد كان كما يقول ابن بشر: "مقيماً للشرائع، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، كثير الصمت، حسن السمت، باذل العطاء، موقراً للعلماء، وكان صالح التدبير في مغازيه. وفي

стр. 191

الدرعية ومجالس الدروس، وفي قضاء حوائج الناس، وغير ذلك على سيرة أبيه سعود، وقد علمه الإسلام والتوحيد أن الحياة في خضوع العبيد ليست هي الحياة، وعلمته العقيدة أن الله بالغ أمره ومنفذ قدره، فتلك هي الخصوصية الأولى للمسلمين، ومن سار على آثارهم. وبوفاة الإمام عبد الله انتهت الدولة السعودية الأولى التي عمرها الرجال بفكر ابن تيمية وابن القيم وتلميذهما النجيب محمد بن عبد الوهاب، فرحمهم الله في الخالدين، بعد أن دامت ست وسبعين سنة". قد قال الجبرتي في وصف القسوة البالغة التي لازمت عزوات جيوش محمد علي الألباني، والفظائع التي ارتكبها ابنه طوسن، وابن زوجته إبراهيم، وولاة الترك، في حوادث (١٢٢٨-١٢٢٩هـ-١٢٣٠هـ-١٢٣٤هـ-١٢٣٦هـ) لا بد أن يتوقع العنف في ردود الأفعال عند اتباع دعوة الإمام ابن عبد الوهاب، فمن هذه الفظائع رمي جثث القتلى للوحوش والكلاب، وحمل الأسرى من أشراف القوم إلى مصر والأستانة في رقابهم الحديد، يطاف بهم في البلاد على هذه الحالة المهينة، ثم يقتلون، ومنها تخريب الدرعية مرتين، وقتل من طالته أيديهم من آل سعود وآل الشيخ، والتنكيل بالعلماء وقتلهم بعد تعذيبهم، فمنهم من كان يربط بأفواه المدافع ثم تطلق فتتناثر لحوم جثثهم في الفضاء، ومنهم من كانت تخلع جميع أسنانه قبل قتله، ومن هذه الفظائع التي تجاوزت حدود ما رواه الجبرتي في حوادث سنة ١٢٢٧ من أعمال النهب والسلب وهتك الأعراض، وذلك كله مع ما عرفت به جيوش محمد علي الألباني من المجاهرة في ارتكاب المعاصي والاستخفاف بالدين وإشاعة الفاحشة جهاراً في رمضان ولياليه، مما وصفه الجبرتي عفى الله عنه في حوادث سنتي ١٢٢٧و١٢٢٩.

стр. 192

الباب الرابع عشر: تأسيس الدولة السعودية الثانية ... تأسيس الدول السعودية الثانية (١٢٣٨هـ - ١٣٠٩هـ - ١٨١٩م – ١٨٩٠م) علمنا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نهض بدعوته الإسلامية التي قيض الله لها تلك الخامات العربية التي انطوت على عناصر الحرية والكرامة، واستوت على أقطار الحياة، فردها إلى الفطرة السمحة، وغذاها بوحي الكتاب والسنة، وانطلق بها مؤمنة صابرة تحمل أعباء الدعوة الهادية، وتنشر الهدي المحمدي، وتقر الأمن المضطرب، وتحمي البيت الذي يتخطف الناس فيه ومن حوله، ثم تمضي برسالتها إلى أبعد الآفاق. ونجح هذا الإمام في المرحلة الأولى للدعوة مرحلة الانتصار على الأهواء، وقطع حبال الجاهلية، ثم سار بالدعوة جنباً إلى جنب مع مراحل تكوين الدولة التي تحمي هذه الدعوة التي زلزلت قلوب كثير من السلاطين، وعلماء السوء والفتنة، وأهل البدع والضلالات، الذين رأوا فيها خطراً مروعاً إن امتد يقضي على أوضاعهم الظالمة وعقائدهم الفاسدة. وكان إحساس تركيا بخطر الدعوة الإسلامية الجديدة مزدوجاً، لأنها كانت تحس في الوقت نفسه بخطر محمد علي باشا الألباني في مصر، فأرادت أن تضرب الضربة لتصيب بها الاثنين معاً، وطلبت إلى محمد علي الألباني١ أن يغزو نجداً،

стр. 193

وأن يقضي على المسلمين الداعين إلى الله فيها. ورآها محمد علي فرصة يضرب بها ضربته باسم خليفة المسلمين ظل الله في أرضه، ثم كانت الغزوات والحروب التي يطول ذكرها، والتي ذهب وقودها مئات الألوف من أبناء مصر، وعشرات الأولوف من أبناء جزيرة الإسلام، وظنوا أنهم قضوا على الدولة التي أقامت حركة التوحيد من جديد بكبوة جوادها، وفاتهم أن حركة التوحيد قد توسع مداها، وأوقدت شعلة قوية في كل أعماق الدعوات الإصلاحية الحديثة، وألهمتها فهماً جديداً متكاملاً قائماً على أن الإسلام دين ونظام واجتماع في نظام موحد، ومن العسير جداً فصل هذه العناصر بعضها عن بعض في تفكير المسلم الواعي، والمعروف أن النفوذ الغربي قد قاوم هذه الدعوة لأنه لا يريد أن يسمع في هذه المنطقة صوت يقظة حتى يتم تمزيقها وسلخها عن الدولة العثمانية وإدخالها في مناطق نفوذه، وكانت منطقة الخليج والجزيرة في تلك الفترة هي أخطر هذه المناطق التي تطمع فيها بريطانيا، وقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أكد دعوة التوحيد بضرورة التماس مفهوم الأساس من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأن وسيلة الإصلاح والنهضة لن تتحقق إلا بحملة ضخمة قوامها القوة والإقناع معاً للقضاء على البدع١ والمفاسد التي دخلت الإسلام ظلماً، والعودة إلى نقاوته الأولى، وعدم الاعتراف بما تركه المفسدون مما يتعارض مع أصول

стр. 194

الإسلام في بساطته وسماحته، وترك الطقوس وأنواع الاحتفالات والبدع الخاصة بتقديس الأولياء، وقصر العبادة على توحيد الله وحده، وفق ما دعا إليه محمد ﷺ وأتباعه، ووفق تعاليم القرآن الكريم. ولا شك أن صدق الإمام والأمير، وعمق أيمانهما وصلابتهما، كانت كلها عوامل أساسية في النتائج التي حققتها الدعوة، حيث تسلمت قيادة الحركة الإسلامية، وكان أبرز معطايتها أنها فتحت باب الاجتهاد في الفروع، والقيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وإحياء هذه الفريضة التي أصابها الوهن، وكشف الظالمين، وهزت مراكزهم ونفوذهم، ولهذا اعتبرها الاستعمار الخطر الأول، ولكن هذه الدعوة المباركة سجلت أمراً خطيراً وبعيد الأثر في حركة اليقظة المعاصرة كلها، ذلك أنها أيقظت عالم الإسلام وأمة العرب قبل قدوم حملة نابليون بأكثر من ستين عاماً، وهدته إلى وسائل النهضة وأسبابها. من أجل ذلك كان التركيز الشديد من قبل النفوذ الاستعماري على الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، فقد أحس أنها تمثل مفهوم الإسلام في اليقظة والمقاومة والعودة إلى عوامل القوة، وكان أبناء الدعوة الإسلامية في الجزيرة قد وضعوا أمامهم خطاً أساسياً هو الدفاع عن حوزة الإسلام ضد الأخطار المحدقة به، بعد أن حسبوا مدى الوهن والتراخي الذي طرأ على الوحدة الإسلامية في استنبول، وإذا كانت الدولة الأولى التي أقامتها الدعوة الإسلامية قد انتهت بالقضاء على إمامها عبد الله بن سعود ﵀ فإن الذين تربوا في مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من أهل نجد، لا يمكن أن يضعفوا أو يستكينوا لأنهم يعملون لنصر الله وما داموا يعتقدون أن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وأن الله

стр. 195

قد أكد لهم النصر بشرطه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (القتال: ٧) ، وقد علم المسلمون الأولون أنه لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصر له وحده في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم١. وعلى هذا الأساس حمل تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب راية التوحيد، وبنوا بها دولة حققت للمسلمين السيادة والعزة، وبالرغم من سقوط الدولة السعودية الأولى من المفهوم السياسي، إلا أنها تركت في البلاد النجدية مقومات الدولة السعودية الثانية، ومداولة الأيام بين الناس سنة من سنن الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: ١٤٠) . فالشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة يكشفان المعادن والدخائل، وفوق ذلك هو أجل مقدر لحكم أخرى يتحقق مع تحقق النصر. وشاء الله تعالى أن يبتلي أهل نجد بفترة أخرى من الفتن والضياع يصفها ابن بشر، فيقول: ... فلما حل القضاء، وانتهى الأمد المكتوب، وانقضى، وانحل نظام الجماعة، والسمع والطاعة، وتطايرت شرار الفتن في تلك الأوطان، وتعذرت الأسفار بين البلدان، وعاثت فيها العساكر المصرية فساداً، فقتلوا صناديد الرجال،

стр. 196

وصادروا أهلها، فأخذوا ما بأيديهم من الأموال، وقطعوا الحدائق الظليلات، وهدموا القصور العاليات، وصار أهل نجد بينهم أذل من العبيد، وتفرق علماؤهم وخيارهم ما بين طريد وشريد، وثارت في غالب البلدان الفتن والقتل والقتال والمحن، وظهر المنكر، وعدم الأمر بالمعروف والنهي حتى أن الرجل في جوف بيته وجل مخوف، وتذكروا ما بين أسلافهم من الضغائن الخبيثة القديمة، وتطالبوا بالدماء، فكل منهم يطلب أولاً ... أولاد غريمه، فتقاتلوا على سنن ما أنزل الله بها من سلطان، وهجر كثير منهم الصلاة، وأفطر في رمضان، وجرى الرباب والغناء في المجالس، وسبت الذراري على المجامع والمدارس، وعمرت المجالس بعد النداء للصلوات، واندرس السؤال عن أصول الإسلام وأنواع العبادات، وظهرت دعوى الجاهلية في كل البلاد، وتنادوا بها على رؤوس الأشهاد، وتتابعت هذه المحن في تلك الجزيرة نحو أربع سنوات، والشر فيها في زيادة، وظهور وتمكين، وبقيت الفتنة مستمرة حتى أنعش الله أهل نجد بشبل من أشبال ملوكها وسلاطينها، فبذل نفسه، وجرد سيفه لاجتماعها، وتمكين دينها١، فقضى على الفوضى، ووطد الأمن، وأعاد للإسلام مكانته.

стр. 197

الباب الخامس عشر: الإمام تركي بن عبد الله محرر نجد ومؤسس الدولة الثانية ... الإمام تركي بن عبد الله١ محرر نجد ومؤسس الدولة الثانية لقد كان لعبد العزيز بن محمد بن سعود أخ اسمه عبد الله، أنجب ولداً اسمه تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، من أبناء عمومة أمير الدرعية، عبد الله بن سعود بن عبد العزيز، فر من وجه إبراهيم باشا الألباني، وظل متنقلاً في صحراء نجد ينشد السلامة في دينه ودنياه، وذكر هذا الفتى –تركي- ذلك العهد الذي قطعه جده محمد بن سعود للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من العمل على نشر الدعوة إلى الله، ومحاربة الشرك والبدع والخرافات، فأخذ من عام ١٢٣٥هـ يؤلف القلوب ويجمع الكلمة، ويدعو إلى ما كان يدعو إليه آباؤه، على يقين من أن الدعوة إلى الله ﵎ شرف وتضحية، وأن طريقها ليس مفروشاً بالورود والرياحين، بل هو مملوء في أكثر الأحيان بالأشواك والعقبات والتضحيات، إلا أن التماس الأجر من الله تعالى يدفعه وهو مطمئن إلى وعد ربه ﵎،

стр. 198

وقول نبيه ﷺ : "من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقض ذلك من أجورهم شيئاً" ١. وقد كانت سير الرجال وتراجم الأبطال الذي صهرتهم المحن وصقلتهم الشدائد ماثلة أمام ناظريه، يستلهم منها ويقتدي بها، فأحس بالمسؤولية الثقيلة، والتمس التوفيق من الله في استمرار العون، ووضع كلمة نبي الله شعيب ﵇ نبراساً: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨) ، ومهما كانت الشدائد فلا تزيده إلا إصراراً وعزماً، فإيمانه يهون عليه المصاعب والأهوال، كهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:٢٢) ، وعمل رحمه الله تعالى على استنهاض الهمم وتعميق اليقين بالله ، والثقة بنصره لاستعادة الدولة الإسلامية التي تكالب عليها الأعداء فأسقطوها، وشوق رجاله إلى التضحية بالنفس والمال، حتى أتت جهوده بأطيب الثمرات، وتمكن من غزو الإحساء والاستيلاء عليها، ومضى إلى الرياض ١٢٣٦هـ فاسترداها من الأتراك، وطرد الحامية المصرية، وأسس فيها إمارته فكان الإمام الخامس. وظل الإمام تركي بن عبد الله يعمل على نشر الدعوة، وبه انتقلت الإمارة من سلالة عبد العزيز بن محمد إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد، وما زالت فيها إلى هذا اليوم. ولقد كبر على آل سعود الكبير أن تخرج الإمارة منهم إلى أبناء عمومتهم، فدبر

стр. 199

مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود، أخو محمد بن سعود الكبير، فكرة اغيال الإمام تركي، والاستئثار بالإمارة من دونه، فعهد إلى أحد الخدم بذلك، فجاء إليه وهو خارج من المسجد عقب صلاة الجمعة عام ١٢٤٩هـ وهو منشغل بقراءة عريضة رفعت إليه من أحد الرعايا، فأرداه قتيلاً، ومن الحق أن نقول: "بأنه لولا صبر الإمام تركي وجهاده وجهوده المتواصلة في سبيل إصلاح التركة التي تسلمها مثقلة بالخراب والدمار لما قامت الدولة العربية الإسلامية في جزيرة الإسلام، ولم يكتف تركي ﵀ بتحرير البلدان من سيطرة الألباني محمد علي، وإنما أنقذها أيضاً من سيطرة الزعماء الإقليميين، "المتنافسين والمتقاتلين"، وفي ذلك يقول ابن بشر: "كان تركي ﵀ شجاعاً مقداماً، مجاهداً في سبيل الله، افتتح قرى نجد واستولى عليها بالحرب والصلح بعد أن كان بعضهم يضرب رقاب بعض، وكان أمير كل بلد شاهراً سيفه لمحاربة البلد التي تليه، فجاهد حق الجهاد حتى أطاعت له البلاد والعباد، وصاروا كلهم جماعة، وبايعوه على السمع والطاعة١. ثم انتهت حياة هذا الإمام على يد ابن عمه مشاري الذي تقدم ونادى بنفسه أميراً على البلدة فخضع الناس له، وكان فيصل بن الإمام تركي -القتيل- غائباً في أطراف القطيف على رأس جيش عظيم لإقرار السلام في تلك الجهات، فما أن بلغه الخبر حتى قفل راجعاً إلى الرياض فبلغها في الحادي عشر من شهر صفر سنة ١٢٥٠هـ، ودخلها عنوة فاحتمى مشاري بقصره، فاقتحمه أحد رجال فيصل، ودخل عليه فقتله بعد حكم دام أربعين يوماً فقط٢، وبعد قتله تربع

стр. 200

فيصل بن تركي على كرسي حكم البلاد، وكان فيصل من ضمن من نقل إلى مصر وتربى فيها، ثم رجع إلى أبيه وتولى قيادة جيشه ومعاونته على تدبير شؤون الإمارة، والبر بوالده إلى أن قتل، فأخذ بثأره ممن دبر قتله وتولى الحكم محله، وما أن قبض على أزمة الأمور وأصبح أميراً على نجد والإحساء والقطيف، وبعض قرى الحجاز حتى قام يعمل على نشر الدعوة التي أخذ آل سعود على أنفسهم حمايتها ونصرتها، لتكون كلمة الله هي العليا. فلما سمع والي مصر محمد علي باشا الألباني بتجدد الدعوة الإسلامية في نجد على يد فيصل بن تركي أيقن أنه لا سبيل إلى القضاء على هذه الدعوة إلا عن طريق قادتها، فاختار من بين المبعدين في مصر من آل سعود شاباً استصفاه ورباه في قصره على النعيم والترف، وملأت قلبه مباهج الحضارة الغربية الزائفة، حتى نسى ما في البداوة من معان سامية، وشمائل عالية توحي إلى النفوس معنى العزة والكرامة، وتذيقها لذة الحرية والاستقلال، وتشعرها بفوائد الإيمان والثقة بالله ، ذلك هو الأمير خالد أصغر أبناء سعود الكبير، وأخو الإمام عبد الله الذي استسلم لإبراهيم باشا في الحملة المصرية الأولى، وأعدم في استانبول. وكان لخالد أنصاره الذين لم يرضوا عن انتقال الإمامة من أولاد سعود الكبير إلى أولاد عبد الله بن محمد، وكان له –أيضاً- مؤيده الذي أعده ليتولى الحكم في الجزيرة نيابة عنه، وهو محمد علي باشا الألباني الذي وثق بأنه لن يدعو بدعوة آبائه، عند ذلك أرسله إلى نجد ومعه جيش بقيادة إسماعيل، ثم تبعهما بعد ذلك عام ١٢٥٤هـ القائد العام خورشيد باشا، لانتزاع الحكم من يد فيضل بن تركي وتنصيبه بدلاً عنه. فسار الجيش –المذكور- حتى أشرف على الرياض، فلما سمع

стр. 201

به الإمام فيصل لم يشأ منازلته في الرياض، بل تنحى بجيشه إلى مكان يقال له "الدلم" في أنحاء الخرج، فتبعه هنالك الجيش المصري، وحصلت بينهما معركة لم يستطع معها الجيش المصري دحر قوة خصمه، لكنه ظل مرابطاً حوله والمناوشات دائرة بينهما عدة أيام حتى سئم الفريقان الحرب. فما كان من الإمام فيصل إلا أن يعرض على القائد المصري استعداده للتسليم إليه على شرط إعطائه الأمان لكل من كان يحارب معه، فقبل القائد المصري ذلك، وبادر الإمام فيصل بتسليم نفسه إليه في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ١٢٥٥هـ- (١٨٣٨م) ، فبعث به إلى مصر مع أخيه جلوي بن تركي وابنى أخيه عبد الله ومحمد، وأجلس خالدا على كرسي الحكم، وسلمه مقاليد الإمارة في نجد ليوجه الشعب إلى غير الاتجاه الذي كان عليه، ويسير به على النظم والتعاليم العصرية المتبعة في مصر، فقام خالد بما عهد إليه به، فنفر منه الناس، وأنكروا عليه أعماله، وقامت الثورات ضده، حتى توحدت القرى النجدية بزعامة عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود١، تريد التحرر من حكم الأتراك والمصريين، وتبغي المحافظة على الدين الإسلامي الصحيح على طريقة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقررت خلع الأمير المذكور، فما وسعه إلا أن ينجو بنفسه، ففر إلى الإحساء فالقطيف ثم الكويت، ومنها إلى الحجاز حيث مات بها في عام ١٢٥٧هـ (١٨٦١م) ، وخلا الجو لعبد الله بن ثنيان فاستبد بالحكم وعمل على وضع الضرائب الباهظة على الشعب ليستعين بذلك

стр. 202

على توطيد إمارته، ولكن الإمام فيصل بن تركي لم يمهله كثيراً، ففر من مصر ثانية، أو ربما سهلت له مصر في عهد واليها عباس باشا الأول طريق الفرار لمناوأة خصمها الذي تزعم الثورة ضد عاملها الأمير خالد، لعجزها في هذه المرة عن مقاتلة نجد، وتوطيد حكمها فيها١. وما أن جاء إلى نجد البشير بمقدم إمامها المحبوب فيصل حتى التفت حوله القبائل، فزحف بها إلى عنيزة، فاستولى عليها بعد أن أخلاها ابن ثنيان، ولجأ إلى الرياض، فتعقبه بها وحاصره بقصره فاستسلم له فعفا عنه، ولكنه مات بعد مرض ألزمه الفراش أياماً، وظل الإمام فيصل يعمل على استرجاع ما أخذ منه من البلاد حتى خضعت له الإحساء والقطيف، والعارض والقصيم وجبل شمر، ووادي الدواسر وعسير وجانب من أرض الحجاز، ودان له بالطاعة أمراء البحرين ومسقط وسواحل عمان وعنيزة، ولم يكن يهمه كل ذلك إلا أن يعمل على محاربة كل ما يؤيد إلى الشك والضلال مما يسبب غضب الله تعالى٢، وقد أرك أن الزمن يتقدم بالإسلام وأمته إلى الأمام بين مد وجزر، يذهب الجزر كالزبد جفاء ويبقى من المد ما يمكث في الأرض وينفع الناس، فواجه الواقع بحكمة ماضية وعزم أبي مقدام حر، وهو يعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن أقدار الله ﵎ مرتبطة بنواصيه، فلا بد من عظيم العمل لتحقيق عظيم الأمل، وقد نفح الإسلام العظيم دعوته من خصائصه الفذة بمزايا البقاء والنماء والارقتاء، ولذا كانت فعاليتها مستمرة الزمان ممدودة المكان، وثمارها أكبر من أن يجحدها جاحد

стр. 203

أو يختقها ظاغوت، إن في ديننا العظيم من الجدارات والقدرات والطاقات ما ليس في سواه، وهو وحده قادر على أن يمد الرجال الصالحين بنظام يتطلع لإنقاذ البشر ويستر وجودهم في ذاتهم، ويقيمهم في المقام الذي شرعه الله تعالى لهم، والسعيد السعيد هو الذي يضع نفسه من ربه ودينه وأمته وبلده في الاتجاه السديد الرشيد بكل قناعة وطاعة، وعلم وعزم وثقة وإخلاص مهما كانت العواثر، ومهما كثرت المخاطر، وهكذا كان الأئمة المسلمون في مختلف العهود أعلام دين وسياسة. اتخذوا من دعوة الحق منهاجاً صالحاً، وسبيلاً واضحاً، استمدوه من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن روح التشريع الإسلامي، وقاموا بتنفيذه بحكمة وسداد وصبر وعزم حتى انتشرت الدعوة الإسلامية، واستظل برايتها خلق كثير. والمسلم الحق هو الذي يعمل للدين والدنيا معاً، وهكذا كانت حياة الإمام فيصل ﵀ الذي مات في شهر رجب سنة ١٢٨٢هـ (١٨٦٥م) ، وخلف من الأبناء أربعة: الأول: وأكبرهم، عبد الله، الذي بويع بالإمامة بعد موت والده وأصبح الإمام الحادي عشر. والثاني: محمد، أمير المنطقة الشمالية في نجد. والثالث: سعود بن سعود، أمير الخرج والأفلاح، الذي اعترض على ولاية أخيه عبد الله، وادعاها لنفسه، ودب الخلاف بينهما من جديد فراح سعود يؤلب على أخيه القبائل، وقد نشأت عن ذلك الفتن والقلاقل، وظل الأخوان عبد الله وسعود أولاد فيصل يتقاتلان، والبلاد في حالة فوضى مستحكمة، والحرب الأهلية

стр. 204

تستعر في جميع الأنحاء، حتى تدخل في شؤونها الخاصة أمير حائل محمد بن الرشيد١، وشجع الفتنة للتخلص من نفوذ آل سعود، ومن الضريبة السنوية، كما شجعها الأتراك لاستعادة السيطرة على الإحساء، وتم استيلاء سعود على الإحساء، وساعده شيخ البحرين وسلطان مسقط، وقبائل بني خالد، والعجمان، وبني مرة، وبات الطريق مفتوحاً إلى الرياض، فدخلها سعود بن فيصل سنة ١٢٨٨هـ (١٨٧١م) عندما أرسل عبد الله رسائل إلى مدحت باشا والي بغداد يطلب مساعدته، فكانت المناسبة المرجوة عند الأتراك لاستعادة الإحساء، فجهز مدحت باشا حملة من خمسة آلاف جندي، واستعان بناصر السعدون شيخ قبائل المنتفق، وبعبد الله الصباح شيخ الكويت، وأن سعوداً ثائر ضد الدولة العثمانية، وأنه يتعاون مع الإنكليز، وتطورت الأمور وزادت المحن، واتجهت الحملة من البصرة عام ١٨٧١م، وساعدتها الكويت بالمال والرجال فسارت بحراً إلى القصير، وبراً إلى القطيف، ثم احتل الإحساء وقطر فقطع مدحت باشا بذلك الصلة بين نجد وعمان، وأصدر مدحت باشا منشوراً على السلطان جاء فيه: إن نجدا وملحقاتها جزءاً من الممتلكات العثمانية أسوة بالعراق واليمن ومصر وغيرها، وبما أن سعوداً أسقط سلطة عبد الله القائم مقام الذي عينه السلطان تابعاً لولاية العراق، فقد أرسلنا قوة لمساعدة عبد الله، وإخضاع القبائل لسلطته، وقد وعدنا سعوداً بالعفو إذا تقدم واعتذر عن تصرفه وإلا فسندمره مع القبائل التي تناصره٢.

стр. 205

واستمرت السيطرة العثمانية على المنطقة الشرقية إلى قبيل الحرب العالمية الأولى، وشهدت نجد خلال ولاية الإمام سعود كثيراً من المحن، فقد اجتاحتها مجاعة عامي ١٨٧١و ١٨٧٢م، فمن لم يمت بالسيف مات جوعاً، وكان الناس يأكلون جيف الحمير، ويحرقون جلود الماعز ويدقونها، بل كانوا يدقون حتى العظام، ويأكلون مسحوقها، وانفصل في تلك الأثناء جبل شمر والقصيم والإحساء عن سلطة آل سعود، وتعقدت الأحداث، ومات خلال ذلك الإمام الثاني عشر، سعود بن فيصل في الرياض سنة ١٨٧٥م، وكان أخوه ومنافسه عبد الله بن فيصل في الصحراء مع أخيه محمد، وبعض رؤساء القبائل، وكان في الرياض عبد الرحمن الابن الرابع لفيصل الذي أخذ الأمر بيده، وأعلن نفسه إماماً خلفاً لأخيه سعود، فأصبح الإمام الثالث عشر وآزره أولاد أخيه سعود ضد أخيه وعمهم عبد الله بن فيصل، ولم يطل الوقت حتى اختلف عبد الرحمن مع أولاد أخيه سعود، فترك الرياض وأصلح شأنه مع أخيه عبد الله بن فيصل، وأقر له بالإمامة فشكل الأخوة الثلاثة عبد الله ومحمد وعبد الرحمن أولاد الإمام فيصل جبهة موحدة ضد أولاد أخيهم سعود بن فيصل، وعاد عبد الله بن فيصل إماماً وهو الرابع عشر والأخير قبل سقوط الدولة السعودية الثانية١. زخف الأخوة الثلاثة –عبد الله ومحمد وعبد الرحمن- على الرياض فتركها أولاد أخيهم سعود، واعتصموا بمنطقة الخرج، وبعد ثلاث سنوات زحفوا من الخرج على الرياض، وأسروا عمهم الإمام عبد الله، وكان هذا قد استنجد بمحمد بن رشيد شيخ شمر ضد أولاد أخيه، فهاجم ابن رشيد الرياض وداخل الدعوة

стр. 206

الإسلامية التي أسسها (الإمام والأمير) شيء من حب الانتصار للذات، أو تطلب الاحتفاظ في الحكم والسلطان مما هو خارج عن أساس الغاية التي كان يعمل لها الإمام محمد بن عبد الوهاب، والإمام محمد بن سعود الأول رحمهما الله تعالى، وبهجوم ابن رشيد على الرياض استطاع فك أسر الإمام عبد الله بن فيصل وأخذه معه إلى الحائل كضيف دائم سنة ١٨٨٩م، وسارعت القبائل النجدية بتقديم الطاعة لمحمد بن رشيد مع أنه لم يكن من رجال الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، وإنما كان حليفاً للدولة العثمانية، ويستمد منها المال والسلاح، والجدير بالملاحظة أن آل رشيد استولوا على نجد، وقضوا على حكم آل سعود من دون معركة١، وكان من أهم أسباب نجاحهم النزاعات الداخلية والحروب الدامية بين أفراد العائلة الواحدة الطامعين بالإمامة، مما أضعف ولاء السكان للدعوة ورجالها. وهكذا انتهت الدولة السعودية الثانية بعد وفاة الإمام عبد الله الفيصل في حائل، وانتقلت جذوتها إلى أخيه عبد الرحمن بن فيصل الذي عرف بالتقوى، والصلاح، ورأى أنه ليس من الصواب أن تراق دماء المسلمين في غير طاعة، فآثر الانزواء والهجرة بدينه في سبيل الله، فأخذ أسرته وأقاربه من الرياض وأرسلهم إلى البحرين، وظل منتقلاً في بعض المدن والأمصار يبحث عن مكان يصلح لأن يعد فيه العدة للعمل لما يرضي الله تعالى، حتى وقع اختياره على مدينة الكويت، فرحب به الأمير محمد بن صباح حاكم الكويت في ذلك الوقت، وأذن له بالإقامة عنده، وعين له مرتباً من الأرزاق، وبذلك خمدت الدعوة الإسلامية في جزيرة العرب، والتي رسم سبيلها الإمام محمد بن عبد الوهاب، ولكنها لم تخمد في

стр. 207

نفس ابنها البار، وناصرهم الإمام عبد الرحمن، لأنها استولت على مشاعره، وأصبحت همه الوحيد في هذه الحياة، وأخذ يلقنها لابنه البار عبد العزيز١. ويوصيه بالتمسك بها، والدأب عليها، وعدم التفريط فيها، فإنها سبيل السعادة ورأس النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. وثابر على ذلك إلى أن بلغه الله أمنيته، فجعل من ولده عبد العزيز بن عبد الرحمن خير نصير لتلك الدعوة الحبيبة، وأعظم مجاهد في سبيلها بالنفس والمال، ومات الإمام عبد الرحمن قرير العين ناعم البال في الرياض سنة ١٣٤٦، وترك ولده عبد العزيز ليقوم بالدور الذهبي الثالث لدولة الدعوة الإسلامية في الجزيرة الإسلامية العربية.

стр. 208

الباب السادس عشر: الدولة السعودية الثالثة الحالية ... الدولة السعودية الثالثة الحالية١ لقد أدرك المستعمر في مجيئه للمنطقة العربية متسلطاً وطامعاً دور العقيدة الإسلامية الصحيحة في التصدي لأعداء الإسلام، فكان من مهمته حجب كل دعوة إسلامية صحيحة، وكل حركة تجديد، تعيد المسلمين إلى منهج السلف الصالح، أو تعويقها ومشاغلتها حتى لا يتسع تأثيرها فتوقظ المسلمين وتردهم إلى صوابهم وأصالتهم، ويعيدوا بناء كيانهم على أساس الإسلام الخالص، وهذا في نظر الاستعمار كارثة رهيبة له، ولا يمكنه الحياة في العالم الإسلامي إلا في ظل التجزئة والضعف والتمزيق والتشتيت والفرقة وإثارة المشاكل وتقوية الاتجاهات الفرقة لوحدة المسلمين وتضامنهم، فالغرب الكافر والشرق الملحد ينظران إلى العالم الإسلامي على أنه عملاق نائم، ويعتبران يقظة المسلمين خطراً يهددهما، ولقد صرح البرومشادور في حديث عن المسلمين قائلاً: "إن المسلم الذكي الشجاع قد ترك لنا حيث حل آثار علمه وفنه، وآثار مجده وفخاره".

стр. 209

إن هذا المسلم الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين قد استيقظ وأخذ ينادي هأنذا لم أمت، أني أعود إلى الحياة لا لأكون أداة طيعة أو إمعة من البشر تسيرها العواصم الكبرى١ ثم يقول: "ومن يدري؟ قد يعود اليوم التي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة من المسلمين فيهبوطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية في الوقت المناسب أو الزمن الموقوت لست أدعي النبوة، ولكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة لا تقوى الذرة، ولا الصواريخ على وقف تيارها٢، ولهذا عندما قامت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب التجديدية تصحح ما دخل على الدين والعقيدة من شوائب سببها الجهل والبعد عن الإسلام والتقليد، وتجديد ما اندرس من وضوح الإسلام وبساطته ونقاوته، وإعادة المسلمين إلى بساط الإسلام في علاقتهم مع الله والالتزام بما جاء به رسوله الأمين ﷺ ، عندها أدرك الأعداء أن عودة المسلمين لمنهج السلف الصالح تتعارض مع بقائهم معششين في ديار الإسلام مستثمرين لخيراتها، فكان لمفكريهم دور واضح في التصدي لها، واستطاعوا بوسائلهم المعروفة أن يوقعوا الفتن بين أبناء الأمير الذي احتضن الدعوة وصاحبها بالتأييد والنصرة، وحصل الانقسام بين الأخوة أبناء الإمام فيصل بن تركي، وسلبت الإمارة منهم طبقاً لما أخبر الله عباده بقوله: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ . ثم صار الأمر في نجد لابن الرشيد بعد أن زالت دولة آل سعود لتنازعهم فيما

стр. 210

بينهم، وكان يقع بين الأخوة منهم من تنافس على الإمارة ما سالت فيه الدماء، ومع أفول نجم الدولة السعودية الثانية خبا وهج الدعوة الإسلامية، وضعف أثرها بضعف أهلها وتخاذلهم وإهمالهم لتعاليم الإسلام، وإذا أراد الله تعالى أمراً هيأ أسبابه، فقد رزق الإمام عبد الرحمن الفيصل بمولود فرح به كثيراً، أسماه عبد العزيز١، أملاً أن يقر الله تعالى به ويعلي كلمته، فلكل امرئ من اسمه نصيب٢، وأخذ يمرنه من طفولته على الفروسية وقيادة الجند من الأطفال، ويعوده على التقشف وخشونة البادية، وتحمل آلام الجوع والعطش والصبر على المكاره، ويشجعه على ارتياد الصحراء لتعلم الفروسية والرماية، وتعرف أحوال القبائل، وما أن بلغ الخامسة من عمره حتى عهد به والده إلى فقيه من فقهاء الخرج اسمه عبد الله الخرجي فعلمه القرآن الكريم، ليحكم بذلك الصلة بينه وبين مولاه، فلم يمض على ذلك أربع سنوات حتى ختم القرآن الكريم. ثم عهد به إلى فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف من آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فعلمه علوم الدين، ليتفقه فيها، [من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين] ، وفي هذه الأثناء كان والده يحرص على مرافقته له في مجالس الرجال، ويشركه معهم في الرأي، ليتعود على الصراحة في القول والجرأة على الكلام، بل ويصحبه معه في أكثر الغزوات، ويزجه معه للقتال في الساحات، وما أن اشتدت به الأيام واعتزل الإمام عبد الرحمن الحكم أرسله مع أسرته إلى البحرين فالإحساء فالكويت، وظل بها إلى أن التحق به فيها، ومن ذلك التاريخ أخذ الإمام عبد الرحمن يبث في نفس ابنه

стр. 211

عبد العزيز الروح الدينية، ويغرس في قلبه حب التضحية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ، ويذكره بالعهد الذي تم بين جده محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب من العمل على نشر الإسلام الصحيح وجذب الناس إلى توحيد الله ، ويقيم له الأدلة والبراهين على ثمرة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وما يجنيه المرء من وراء ذلك من سعادة الدنيا والآخرة، حتى اشتعلت في قلب الفتى عبد العزيز نار الغيرة على دين الله ، وعاهد ربه على العمل لما يقربه إليه ويرفع من شأن دينه الحق، وهكذا يتضح لنا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تسير جنباً إلى جنب مع مراحل الدولة السعودية، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي لم يشهد من تاريخ أسرته التي امتد سلطانها على الجزيرة العربية المسلمة إلا أطلالاً من الذكريات ينطوي عليها قلبه المفئود وهو يربض إلى جوار أبيه في منفاه بأرض الكويت. وظلت ذكريات المجد الذاهب تلهب عاطفته وهو في منفاه حتى إذا استوى عوده فصار شاباً جلداً كانت فكرة الثأر قد استولت على جميع مشاعره، وأقسم ليستردن ملك آبائه وأجداده، وليعودن بأبيه وأهله إلى عاصمة ملكهم مظفراً منصوراً بعون الله . وأطلع أباه الشيخ على ما نوى من أمره فحذره العاقبة، وأشفق عليه من المصير ... ولكنه أصر على رأيه ولسان حاله يقول: لأستسلهن الصعب أو أبلغ المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر وألح على على أبيه في أن يأذن له فأذن ... وانطلق تحت جنح الظلام في أربعين

стр. 212

رجلاً من أهله وأصحابه، يضرب بهم في مضارب الصحراء ويجتاز بهم دروباً موحشة غير مطروقة حتى لا يلقاه أحد من الرعاة أو السابلة فينكشف أمره وتحبط خطته، وما زال يدلج بالليل ويتخفي بالنهار حتى بلغ مشارف الرياض في مكان يقال له ضلع الشعب، وهناك أناخوا ركابهم وتركوا متاعهم، وسار في منتصف الليل أربعون رجلاً مشياً على الأقدام بقيادة زعيمهم الفتى عبد العزيز، وما أن بلغوا سور المدينة حتى ترك الفتى عبد العزيز١ من جماعته ثلاثين رجلاً تحت امرة أخيه محمد بن عبد الرحمن، ثم تقدم بالباقين فتسلق سور البلد وخف إلى دار مجاورة لقصر الأمير عجلان –عامل ابن رشيد- فطرق الباب. وأجابت امرأة من داخل الدار: من الطارق؟ قال: رجل من خدم الأمير عجلان يريد زوجك لغرض. قالت: اذهب لا بارك الله فيك. ما جئت تبغي إلا النساء. وهل يطرق باب الناس في الليل إلا فاسد ... قال: لا والله يا خاله، ما جئت لهذا، ولكن أخشى على زوجك من القتل غداً إذا لم يلب نداء الأمير حالاً، وكان زوجها قد استيقظ ففتح الباب ليرى جلية الأمر، وكان الفتى عبد العزيز يعرف الرجل وأهل بيته، فمنهن من كن في خدمة بيوت آل سعود، فما خرج الرجل حتى قبض عليه عبد العزيز وهدده بالقتل إن هو تكلم، ثم دخل البيت فلما رأته النسوة صحن: عمنا عبد العزيز! قال: اسكن ولا بأس عليكن، ثم أغلق عليهن الباب وتسلق الجدار ثم ذهب إلى القصر، وكان قد بعث

стр. 213

إلى بقية رجاله فلحقوا به، ودخل إحدى الغرف فإذا بها زوجة الأمير، فصاحت به: أأنت عبد العزيز؟ قال: نعم، أنا هو.... قالت: من تبغي، وما مأربك هنا؟ قال: أريد عجلان لا سواه. قالت: يا بني لا تغرر بنفسك، انج بنفسك في هذا الليل وإلا قتلوك. قال: ما جئنا لنسمع منك النصيحة، ولكن لنعرف متى يخرج عجلان من القصر الداخلي ... ولم تستطع المرأة وقد رأت الموت يطل من عينيه ويهتز في يمينه إلا أن تقول: بعد شروق الشمس بساعة.. قال: هذا كل ما نريد. وإنكن إذا لزمتن السكوت والسكون فلا بأس عليكن، وإلا فالموت لا محالة. ثم أغلق على المرأة وصواحبها بابا...... وظل ينتظر شروق الشمس ... وانفتح باب القصر الداخلي مع الصباح، وعبد العزيز ورجاله قد كمنوا على مقربة منه يتربصون.. ثم أهل الأمير فباغتوه وهو يحاول الفرار، فعاجله عبد العزيز بطلقة لم تدرك منه مقتلاً فتتبعه يعدو وراءه حتى أدركه، ونشب بين الرجلين صراع عنيف اشترك فيه رجال الأمير فانطلق وراءه عبد الله بن جلوي ابن عم عبد العزيز فأرداه قتيلاً١ ... ونشبت معركة بين حرس الأمير ورجال عبد العزيز ولم تلبث أن انتهت باستسلام الحرس، وسقطت القلعة في يد عبد العزيز، ودانت له العاصمة.

стр. 214

ثم عاد الشيخ وأهله من منفاه في أرض الكويت، واستقبله الفارس الشاب المظفر مترجلاً عن جواده خارج الرياض، وقد بر بقسمه: ليستردن ملك آبائه وأجداده، وليعودن بأبيه وأهله إلى عاصمة ملكهم مظفراً منصوراً، وأقبل أهل الرياض على القصر يهنئون الأمير عبد العزيز بفوزه ونصره ويقدمون الطاعة، ويعربون له عن خالص الحب وعظيم الولاء، وترامى الخبر في البادية فهرع شيوخها إلى الرياض يؤيدون آل سعود، ويؤكدون للأمير الإخلاص، ويعاهدونه على الانضمام تحت رايته ومحاربة أعدائه، فقام بإصلاح ما هو مهدم من سور المدينة والحصن، وكان أول عمل أتاه عبد العزيز هو إرسال ناصر بن سعود إلى الشيخ مبارك مبشراً وطالباً المدد١، كما أعلم حاكم البصرة بأنه سيحكم الرياض باسم السلطان العثماني٢ ليحول دون مساعدة الدولة العثمانية لابن رشيد. لبى الشيخ مبارك طلب المعونة، يقول عبد العزيز رشيد في ذلك الوقت: كان الشيخ مبارك ركن عبد العزيز الأعظم الذي يعتمد عليه فتراه يبعث إليه الإمدادات بسخاء وكرم، ويخرج إليه الحملات الواحدة تلو الأخرى، والقافلة إثر أختها، تحمل الأطعمة والذخيرة، والحقيقة أن مساعدات مبارك –حاكم الكويت- كانت حيوية لعبد العزيز في ذلك الوقت، لأن الكويت كان صلته الوحيدة بالعالم الخارجي٣، على أن الأمر لم يستتب بعد للأمير عبد العزيز بعد دخوله الرياض، فما زال في صراع دائم، وجلاد مرير مدة عشرين عاماً تارة مع ابن الرشيد الذي لم

стр. 215

يقف مكتوف اليدين أما الحليفين مبارك وعبد العزيز، وأخرى مع الأشراف والأتراك حتى انتصر عليهم، وطوراً مع "الإخوان" الثائرين حتى قضى على ثورتهم١، ثم دانت له الجزيرة العربية نجدها وحجازها. يقول هـ. س. أرمسترونغ: "كان توحيد شبه الجزيرة العربية على يدي الملك عبد العزيز آل سعود في فترة زمنية تقل عن عشرين عاماً نموذجاً رائعا لعملية بناء أمة". بعد ذلك الصراع للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الدامي والمرير، تمت وحدة البلاد باسم المملكة العربية السعودية في ٢٢ سبتمبر ١٩٣٢م، وأخذ يعمل لتحقيق الغاية الأساسية التي يسعى إليه هو وآباؤه، وهي نشر الدعوة الصحيحة في الرجوع إلى حقيقة الدين والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والاقتداء بسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم عن طريق العلماء الثقاة، والكتاب من أنصار الإمام محمد بن عبد الوهاب، فسيرهم إلى المدن والقرى في جميع الأمصار، فجذبوا القلوب وهيأوا الأفكار لتقبل الدعوة الإسلامية المجددة، حتى أصبح لها في جميع الأقطار أنصار وأعوان. وهذه رسالة "انظر الوثيقة" من توقيع العلماء بتاريخ ١٣٤٥ هـ يفتون الإمام
следующие страницы →