← Акыда

Акыда · id 11189

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية

أحمد بن عبد العزيز الحصين

Полный текст (390 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والاعتدال، والسجود والرفع مه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الجميع، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى، وترتيب الأركان. باب موجبات الصلاة ثمانية: التكبيرات غير تكبيرة الإحرام. الثاني: قول: سمع الله لمن حمده، لإمام ومنفرد. الثالث: قول: ربنا ولك الحمد. الرابع: تسبيح الركوع. الخامس: تسبيح السجود. السادس: قول: رب اغفر لي، بين السجدتين، والواجب مرة. السابع: التشهد الأول، لأنه ﵇ فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. الثامن: الجلوس له. باب مبطلات الصلاة ثمانية: الكلام العمد، والضحك، والأكل، والشرب، وكشف العورة، والانحراف عن جهة القبلة، والعبث الكثير، وحدوث النجاسة. ٩- كتاب مفيد المستفيد في تارك التوحيد ويشتمل على الأبواب التالية: باب يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان. باب في وجوب عداوة أعداء الله من الكفار والمرتدين والمنافقين. ١٠- مختصر سيرة الرسول ﷺ . وهو اختصار لسيرة الرسول ﷺ من كتاب السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام، وقد ضمنه بعض الاستنباطات المفيدة مع ما أضاف إلى تلك المقدمة

стр. 142

النافعة التي بين ﵀ بها واقع أهل الجاهلية اعتقاداً وسلوكاً، واستعرض التاريخ الإسلامي حتى دخول دولة بني العباس وخلافة المأمون. ١١- مختصر الهدي النبوي وهو مختصر "زاد المعاد"، ويقع في ٣٥٠ صفحة. ١٢- مختصر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام "أحمد بن حنبل" ومؤلفه الفقيه "علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي" [٨١٧هـ-٨٨٥هـ] وهو شرح لكتاب "المقنع" لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي [٤٥١هـ-٦٢٠هـ] . ١٣- مختصر الشرح الكبير: ومؤلفه شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي [٥٩٧هـ-٦٨٢] ، وهو شرح لكتاب "المقنع" لموفق الدين عبد الله بن قدامة الحنبلي (ت٦٢٠) ومؤلف الشرح الكبير هو ابن مؤلف المقنع. ١٤- تفسير سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الشيخ رحمه الله تعالى: تضمنت الثلاث آيات ثلاث مسائل: الآية الأولى فيها المحبة، فإن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه. والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 143

أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: ١٦٥-١٦٧) . المحبة الثانية: حب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين. المحبة الثالثة: طبيعية، وهي محبة المال والولد، إذا لك تشغل عن طاعة الله ولا تعين على محارم الله، فهي مباحة. والمحبة الرابعة: حب أهل التوحيد، وبغض أهل الشرك، وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد به العبد ربه. الآية الثانية: فيها الرجاء. والآية الثالثة: فيها الخوف. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) . ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث: بمحبتك، ورجائك، وخوفك، فهذه أركان العبادة الثلاثة، وصرفها لغير الله شرك، وفي هذه

стр. 144

الثلاثة الرد على من تعلق بواحدة منهم، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده. فمن صرف واحدة منها لغير الله فقد أشرك. وفيها من الفوائد الرد على الطوائف الثلاث التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عبد الله بالمحبة وحدها. وكذلك من عبد الله بالرجاء وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده، كالخوارج. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيها توحيد الألوهية، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الربوبية. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) ، فيها الرد على المبتدعين. وأما الآيتان الأخيرتان: ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس، قسمهم الله ثلاثة أصناف: منعم عليهم، ومغضوب عليه، وضالون. فـ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ : أهل علم ليس معهم عمل. و ﴿الضَّالِّينَ﴾ : أهل عبادة ليس معهم علم، وإن كان سبب النزول في اليهود والنصارى، فهي لكل من اتصف بذلك. الثالث: من اتصف بالعلم والعمل، وهو المنعم عليهم، وفيها من الفوائد التبري من الحول والقوة، لأنه منعم عليه. وكذلك فيها معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه ﵎، وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان رب، فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا راحم، فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا

стр. 145

مالك، فلا بد من مملوك، وإذا كان هنا عبد فى بد من معبود، وإذا كان هنا هاد، فلا بد من مهدي، وإذا كان هنا منعم عليه فلا بد من منعم، وإذا كان هنا مغضوب عليه، فلا بد من غاضب. فهذه السورة تضمنت الألوهية والربوبية، ونفي النقائص عن الله ، وتضمنت معرفة العبادة وأركانها، والله أعلم. ١٥- هدية طيبة: سئل الشيخ رحمه الله تعالى عن معنى: لا إله إلا الله. فأجاب بقوله: اعلم رحمك الله أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، وليس المراد بقولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد بقولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها، ومعاداته، كما قال النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله مخلصاً"، وفي رواية: "خالصاً من قلبه"، وفي رواية: "صادقاً من قلبه". ١٦- الاستنباط ١٧- مختصر منهاج السنة: وهو اختصار كتاب منهاج السنة للإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 146

١٨-رسالة في الرد على الرافضة: وتتلخص في الرد على الرافضة الذين رفضوا سنة الرسول ﷺ ، واتبعوا خطوات الشيطان، فضلوا وأضلوا عن كثير من موجبات الإيمان بالله. ١٩- أحكام تمني الموت. ٢٠- آداب المشي إلى الصلاة. ٢١- كتاب الطهارة. ٢٢- مبحث الاجتهاد والخلاف. وهو عبارة عن رسالة مبحث الاجتهاد والخلاف، منقولة باختصار من كتاب "أعلام الموقعين" لمحققه ابن القيم، ﵀. ٢٣- مختصر فتح الباري. وهو اختصار كتاب فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني، ﵀. ٢٤- مجموعة الحديث: وهي مجموعة الحديث على أبواب الفقه، ويحتوي على (٢٤٨٦) صفحة، وتضمنته أجزاء أربعة: ٢٥- كتاب فضل القرآن. ولقد أورد ابن غنام في كتابه تاريخ نجد، تسعة من المؤلفات هي: كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد، وكتاب الكبائر، وكتاب كشف

стр. 147

الشبهات، والسيرة المطولة، ومختصر الهدى النبوي، ومجموع الحديث على أبواب الفقه، ومختصر الشرح الكبير، ومختصر الإنصاف١. كما أورد ابن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ثمانية من المؤلفات وهي: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وكتاب الكبائر، والمسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، ومختصر الشرح الكبير، والإنصاف، وآداب المشي إلى الصلاة، ومختصر الهدي النبوي لابن القيم٢. كما كتب كثيراً من الرسائل –سواء منها الموجز والمختصر، والمفصل التي تتناول مسألة العقيدة، وأنواع التوحيد، كما تناول في رسائله التوجيهات العامة للمسلمين –التي وجهها إلى العامة والخاصة، سواء في الداخل أو الخارج، وللأشخاص الذي يسألونه عن عقيدته. وتدور حول خمسة موضوعات هي: ١- عقيدته، وبيان حقيقة دعوته. ٢- بيان أنواع التوحيد. ٣- بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك. ٤- بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها. ٥- توجيهات عامة للمسلمين في الاعتقاد.

стр. 148

وتعني هذه الكتب في مجموعها بتوضيح التوحيد، وإزاله الشبهات، والرجوع بالناس إلى الدين الصحيح، نقياً مما ألصقه به المخرفون والملبسون. ومن رسائله المفيدة جداً "رسالة نواقض الإسلام"،١ فهي على اختصارها جليلة المعنى غزيرة العلم. وهي مثل لأسلوب المؤلف رحمه الله تعالى وطريقته في قرن المسألة بالدليل والبرهان على ما حباه الله به من فهم عميق، وإدراك واستنباط.

стр. 149

الباب الثامن: طبيعة الدعوة ... طبيعة الدعوة ما من أحد يقلب صفحات التاريخ ويدرسها بعمق وروية إلا ويرى منذ اللحظة الأولى أنه لا يمكن الفصل بين العقيدة والحركة، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ منذ أن تلقى آيات القرآن الأولى طولب بالحركة باتجاه دلالئلها، وتكوين نفسه الشريف على أساسها، واستمر ﵊ ثلاثة عشر عاماً في مكة يبني الإنسان المسلم ويعده إعداداً يتناسب مع الدور الذي سيقوم به في هذه الحياة، فلما تم بناء القواعد الصلبة التي أخذت على عاتقها مهمة الدعوة الإسلامية إلى أوسع مساحة مقدرة. جاء الأمر الإلهي بالحركة في اتجاه تكوية دولة الإسلام على الأرض بعد أن كونتها معاني لا إله إلا الله محمد رسول الله في أعماق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واستمر التدفق الحركي والعطاء المتميز لدولة القرآن الكريم في مدينة الرسول ﷺ ، وكانت الفترة المدنية حركة دؤوبة من أجل ترسيخ دولة الحق والدفاع عن مقدراتها، وضرب قوى الباطل التي تشكل خطراً عليها، والسعي من أجل تنفيذ عالمية الإسلام، وإيقاف البغي عند حده، وإزالة الطواغيت من مراكز السلطة، وإلغاء التشريعات التي صممها ونفذها المتألهون في الأرض، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقد رسم رسول الله ﷺ لأصحابه عملياً مؤشرات الدعوة العالمية وتحرير الناس من كافة الضغوط والجاهلية. وعبر الجهاد المضني الطويل، ومنذ الخطوات الأولى للإسلام كانت عقيدة التوحيد هي الدافع والمحرك والهدف، فهي تحرك صاحبها من الداخل بعطائها

стр. 150

السخي ومطالبها الخيرة، وتناديه من خارجه كي ينهض إلى الأهداف الكبيرة، ويرقى إلى القمم الساحقة، ليحظى بالتكريم من الرب الرحيم القائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء:٧٠) . ولقد كان الإيمان الصحيح الذي أودعه الله تعالى في قلوب عباده وعقولهم بمثابة أساس مبدئي ودافع حضاري يشد القيم المبعثرة والإرادات المؤثرة والطاقات الفاعلة إلى هدف محدد وهو توحيد الواحد الأحد، وهذا التوحيد هو الذي دفع المسلمين إلى الخيرات والمكرمات والتقدم، وفتح لهم آفاق الغنى المادي والمعنوي عن طريق استغلال إمكانات المؤمنين وترغيبهم في تقديم مزيد من الأعمال الصالحة لإنقاذ الحياة والأحياء من مفاسد الشرك وشؤم الوثنية، وعبر مسيرة المسلمين الطويلة جابهوا تحديات سياسية وعسكرية ودولية انتصرت عليهم حيناً وهزموها أحياناً، وكان الدين الخالص والتوجه الصادق لله الواحد الأحد والعقيدة الراسخة هي التي ترد كيد الأعداء إلى نحورهم، وتوقف زحف القوى المضادة، ولا توجد أمة على وجه الأرض تعرضت لهجمات عنيفة متلاحقة مثل أمتنا الكريمة هذه، ويكمن سر قوتها في عقيدتها، فإذا تهاونت فيها ضعفت وطمع بها الأعداء، وما تاريخ هجمات الوثنية العربية ... والفارسية والبيزنطية والصليبيية والمغول والإسبان وقوى الاستعمار القديم عنا ببعيد، وكل هذه الهجمات اتدحرت وخرج عالم الإسلام منتصراً بسبب الإيمان الذي لمّ شتات المسلمين وحقق لهم انتصارات جديدة في جبهات جديدة كانت التعويضات فيها أكبر حجماً من الخسارة، وهذه سمة التوحيد الأصلية وفعله بأبنائه المخلصين. ونظرة واحدة إلى امتداد الإسلام في آسيا وأفريقيا وأوربا تكفي دليلاً على عظمة المسلم الصادق إذا

стр. 151

تحرك بإيمانه أما إذا تهاون في طاعة ربه وأخلد إلى الدعوة، وترك العلم النافع والعمل الصالح، فإن الله تعالى يبتليه بضغوط لا ترحم واحتلال يفترس كثيراً من أرضه، وركام الأحداث التاريخية عبر القرون يشهد على تسيب المسليمن والتزامهم، وما هذا التسيب والإهمال في حياة المسلمين إلا بقعاً سوداء محدودة في ثوبهم الأبيض الواسع الجميل. والتاريخ يحدثنا عن الجهود الكبيرة التي بذلها مصلحون مسلمون، توفرت فيهم النية لمخلصة والإيمان الصادق والالتزام المسؤول والذكاء الواعي، أعادوا بناء الأمة على ضوء معطيات الإسلام كتاباً وسنة واجتهاداً ورصيداً تشريعياً، وذكروها بمصدر شرفها وكرامتها وقوتها، والتي لن تجد في أيّ بديل عنه إلا التمزق والتغرب والانقطاع. ومن هنا فقد كانت أمتنا تحمل في قلبها وعقلها ووجدانها الاستعداد للعودة إلى الله جل وعلا كلما ظهرت قيادة واعية مؤمنة تخرجها من عبادة العباد على عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.

стр. 152

الباب التاسع: التمهيد للدعوة ... التمهيد للدعوة بدأت دعوة الشيخ الإمام هامسة تمشي على إشفاق بين ظلام البدع والمنكرات ووسط معاقل المشعوذين في نجد، فكانت أشبه بخيوط الفجر تندس في أحشاء الليل لتطارد بين يديها جحافل الظلام الكثيف من تصورات الأوهام التي لا يكاد يشعر بها أحد ممن لفهم الليل البهيم بردائه إلا قليل من أولئك الذين لمحوا على الأفق البعيد بشريات الصباح، فأزعجوا طائر النوم من عيونهم، وانتظموا في موكبها يستقبلون يوماً من أيام الله المباركة، وتكونت الخميرة الأولى للدعوة المباركة في المدينة المنورة يوم كان ابن عبد الوهاب ﵀ طالباً فيها، حيث رفع بصره ورأى أعمال الجهالة عند قبر رسول الله ﷺ ، فاقلقته هذه البدع وأقضت مضجعه، ولما سافر إلى البصرة ازداد شعوره بأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد عانى أنواعاً من المحن حيث اضطر إلى مغادرة البصرة والعودة إلى حريملاء، وزاد تصميمه على منازعة الشرك ورفع راية التوحيد والتركيز على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له إعلاء لكلمة الله ، فنهض رحمه الله تعالى ينكر بشدة على الدجاجلة والرؤساء وغيرهم ما ألصقوا بدين الله تعالى من منكرات البدع والأهواء. وأخذ الشيخ يجهر بدعوته قولاً وعملاً، ولكن والده منعه من ذلك خوفاً على ابنه من ثورة العوام، فاتجه الشيخ للبحث والتحصيل والتفكير في أنجح الوسائل، وأصح الأساليب لدعوة الناس، فألف كتاب التوحيد الذي يعتبر قاعدة الانطلاق، فلما مات أبوه عبد الوهاب ﵀ أعلن دعوته وأعاد نشاطه، وعلى ضوء المستجدات يومها قرر الشيخ محمد أن "حريملاء" لا تصلح لنشر الدعوة بسبب

стр. 153

عدم استتباب الأمن فيها، وانقسام أهلها، وكذلك انقسام الحكم فيها، مما جعل الشيخ يتعرض لخطر عبيدها الذي ضاقوا ذرعاً بزجر الشيخ لهم وحده من تماديهم وفسقهم، حتى أنهم قرروا قتل الشيخ١، فعاد الشيخ ﵀ إلى مسقط رأسه "العيينة"٢، فهو يعرف أهلها ويعرفونه، والحكم فيها مستقر نوعا ما، وكان حاكم العيينة في ذلك الوقت "عثمان بن أحمد بن معمر"٣، الذي تفهم دعوة الشيخ ﵀، وقبل عرضه الذي تلقاه بكل احترام وتقدير، ووعد بالمساعدة والنصرة بعد أن سمع من الشيخ قوله: "إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى وتملك نجداً وأعرابها"٤. وبدأ الشيخ الإمام يصدع بدعوته ويهتف بالشاردين عن الحق، ولا يكترث بأمر ليس له من دين الله ﵎ سند، وهو يعلم أنه في جرأته على أعراف الجاهلية وتقاليدها سوف يلاقي العنت، بيد أنه لا ينبغي أن يخشى في الله

стр. 154

عز وجل لومة لائم، وعليه أن يمضي إلى غايته لا تثنيه قوة النقد ولا جراحات الألسنة. والباطل الذي يروج حيناً ثم يثور المصلحون عليه فيسقطون مكانته ويزهقونه لا يبقى على كثرة الأشياع أمداً طويلاً، ورب مخاصم اليوم من أجل باطل انخدع به أمسى نصيراً لمن خاصمهم مستريحاً إلى ما علم منهم مؤيداً لهم بعد شقاق، ولهذا كان الشيخ شاعراً بقوة اليقين في شخصه وروعة الإيمان في نفسه بأنه على حق، وواجبه الشرعي أن يثبت كالطود الأشم لم تجفه التيارات السائدة ولا تؤثر في مواقفه الآراء الفاسدة، وماذا يفعل الناس مع امرئ اعتز بإسلامه، واستشعر القوة والشجاعة لصلته بربه واستقامته على منهجه، إنه واثق من أنهم لو تألبوا عليه جميعاً ما نالوا منه قليلاً ولا كثيراً، فهو الآمن لا يخاف، والقوي لا يضعف، والمنتصر لا يهزم، فقد علمه الإسلام أن البقاء للأصلح مهما علا الزبد وربى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥-١٠٦) . وأن انحرافات الجاهلية وتصوراتها لا قيمة لها، وللشيخ رحمه الله تعالى قدوة وأسوة في إبراهيم الخليل ﵇ بعد اهتدائه إلى ربه ، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه، وحاجة قومه، قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام) .

стр. 155

إن أحداث التاريخ تتشابه، وقد رأى الشيخ المجدد ﵀ من الانحرافات والضلال مثلما رأى إبراهيم ﵇ من عبادة الأصنام والكواكب والنجوم، ومثلما كانت عليه قريش قبل بعثة رسول الله ﷺ ، فقد رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ألواناً من الشرك والمظالم، فالسواد الأعظم في نجد لا يفهم الإسلام، وهناك الهمجية، وقتل النفس التي حرمها الله وذبح الخراف على الأشجار والأحجار، اعتقاداً من العامة أنها تنفع وتضر، وأصبحت أكثر عادات الناس وتقاليدهم لا تختلف كثيراً عن عادات أهل مكة قبل الإسلام. فالنجدي تراه يتفاءل ويتشاءم بالسوانح والبوارح، ويذهب إلى العرافين والكهان والمشعوذين، وقد ارتدت الخرافات والأباطيل مسوح العبادة وشملت أكثر الحواضر والبوادي "فعدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الصالحين والأولياء، وجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والخطوب، وأقبلوا عليهم يطلبون قضاء الحاجات والمطالب، واستغلق طبعهم وفقدوا إدراكهم وتمييزهم حتى اعتقدوا في الأحجار والأشجار أنها تضر وتنفع، ووهبوها أعمالاً يعجز أن يقوم بها الآدميون بل يعجز الأنبياء والمرسلون، كما اعتقدوا فيها التصرف التام والقداسة، فكانوا يأتونها في كل حين يتبركون بها ويتمسحون ويطلبون منها حاجياتهم. وكان في بليدة الفداء١ ذكر النخل المعروف بالفحال، يأتي إليه الرجال

стр. 156

والنساء زرافات ووحدانا ويفعلون عنده من الأفعال المنكرة ما لا يقبله الإنسان ذو الضمير الحي والذوق السليم، يرتكبون عنده المنكرات ويصلون له ويتبركون به، وتأتيه المرأة التي لا يتقدم إليها الخطاب فتعانقه وتقول في بكاء ولوعة واحتراق: يا فحل الفحوا ارزقني زوجاً قبل الحول، ثم تأخذ في إغواء بعض الشبان حتى إذا اصطادت واحداً منهم وتزوجت به خيل إليه أن ذلك من عمل فحل الفحول. وهناك قبر "ضرار بن مالك" الذي يزعمون أنه شعيب غبيراء١، وكذلك قدسوا شجرة الطرفية تقديساً كبيراً، فإذا ولدت المرأة ذكراً علقت عليها حبلاً أو قطعة من قماش طلباً من الطرفية أن تطيل عمره، فكان الرائي إذا أبصرها لا يكاد بيصر الأغصان والأوراق والساق لكثرة الحبال، وقطع الأقمشة، بل يظن الرائي أول وهلة أن ما يرى ليس إلا كومة من الحبال، وقطع الأقمشة لكثرتها. وفي الدرعية٢ جبل بسفحة غار كبير، يزعم الجهلاء أنه لفتاة حسناء تدعى بنت الأمير، يحجون إليها، ويستغيثون بها، اعتقاداً منهم أن الفتاة من أولياء الله الصالحين، وسبب هذا الاعتقاد الزائغ –كما يقول ابن غنام- أن بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير،

стр. 157

فأنقذها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا، ونسوا قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٥-٩٦) . ويزعم المبطلون أن رجلاً بالخرج أعمى كان يقطع البراري سيراً على الأقدام من بلده الدرعية. يقول ابن غنام: وكان عندهم رجل من الأولياء اسمه (تاج) ، سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجاً، وكان هو يأتي إليهم من بلده الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة جميعهم يعتقدون فيه اعتقاداً عظيماً، فخافه الحكام وهاب الناس أعوانه وحاشيته، فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيهم دعاوي فظيعة، وينسبون إليهم حكايات قبيحة، وكانوا لكثرة ما تناقلوه وأذاعوها يصدقون ما فيها من كذب وزور، فزعموا أنه أعمى، وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده، وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم١. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الله في كتاب منهاج التأسيس: فصار هذا الأمر طبق ما أخبر به هذه الأمة نبيها، وظهر وجه الشبه بينهم وبينها، وانتهى الحال إلى أن

стр. 158

قيل بالاتحاد والحلول، وكثرت في ذلك إشارات القوم والتقول، وصار هو مذهب الخاصة عند الأكثرين، ومن أنكره فهو عندهم ليس على شيء من العلم والدين، وعبدت الكواكب والنجوم، وصنف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم، وعظمت القبور، وبنيت عليها المساجد، وعبدت تلك الأضرحة والمشاهد، وجعلت لها الأعياد الزمانية والمكانية، وصرفت لها العبادات المالية والبدنية، ونحرت لها النحائر والقرابين، وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين والسائلين، وحلقت لأربابها رؤس الوافدين، واستبيح فيها ما اتفقت على تحريمه جميع الشرائع والنبوات، وكثر المكاء والتصدية بتلك الفجاج والعرصات، وبارزوا بتلك القبائح العظام رب الأرض والسموات، وصنف في استحبابه بعض شيوخهم، كابن المفيد، وظنه الأكثر من دين الإسلام والتوحيد١. وأصبح الناس في كل البلاد الإسلامية فضلاً عن نجد أمكنه خاصة يقدسونها ويحجون إليها، ويطلبون منها ويستغيثون بها ويذبحون لها، ويعكفون عليها، كما في مصر والشام والعراق، ودول المغرب العربي، وآسيا وأفريقيا، وقد أدرك الشيخ المجاهد والإمام المجدد أن إيمانه يفرض عليه أن لا يستكين، وقد أنس من قلبه قوة الاستجابة لدواعي الهدى، ودين الحق، وعليه أن يحيا بالإسلام وللإسلام، ويعري تجار الأباطيل والدجل والاستغلال، وليخط لنفسه نهجاً يلتمس به مثوبة الله ، ولئن كانت الأوهام والخرافات تغري البعض، فإن الإيمان الصادق بالله يجعل أهله راسخين أقوياء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا

стр. 159

هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً. إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان:٤١-٤٢) . فلا بد إذن من البراءة الحاسمة الجازمة من جميع المعبودات الباطلة، ففي تجربة إبراهيم الخليل مع قومه درس كبير وأسوة حسنة لكل مسلم إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:٤) . وقام الشيخ رحمه الله تعالى يدعوا إلى الله وحده، ودخلت الدعوة المباركة مرحلة جديدة بمساعدة أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر، ونجح الشيخ في القضاء على بعض مراكز البدع، "تمثل ذلك في أمور ثلاثة": ١- هدم القباب المقامة على القبور، مثل قبر "زيد بن الخطاب"١، وفي الجبيلة٢، وقد بدأ الشيخ بنفسه في هدم القبة، ثم تبعه أصحابه فهدموها. ٢- قطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، مثل شجرة "الذيب" في العيينة، قطعها الشيخ بنفسه، وشجرة "قريوه" في الدرعية.

стр. 160

٣- رجم الزانية التي جاءت إلى الشيخ وأقرت بالزنا، وطلبت إقامة حد الله عليها، وأقرت عند الشيخ أربع مرات في أربعة أيام، فلما تيقن الشيخ من توفر شروط إقامة الحد عليها أمر بها، فرجمت لأنها محصنة، وكان "عثمان بن معمر" أول من بدأ برجمها. لقد بهرت الأعمال كلها الناس، لأنها أشياء جديدة لم يعتادوها، مما جعلهم أما ذلك قسمين: قسم آمن بذلك وأقر به. وقسم أنكره وحاربه. وكان من ضمن هؤلاء -المنكرين- حاكم الإحساء من بني خالد، وهو سليمان بن محمد بن غرير، الذي كان له ما يشبه النفوذ السياسي على حاكم العيينة، لذلك أرسل "ابن غرير" إلى معمر حاكم العيينة برسالة يتوعده ويتهدد بقطع راتبه السنوي إن لم يخرج الشيخ من بلده، ولما لم تكن دعوة الشيخ قوية في تلك الفترة، بحيث يعرض ابن معمر بهذه القوة ما يفقده من كسب مادي١ من حاكم

стр. 161

الإحساء، فقد أذعن ابن معمر لتهديده، وأمر الشيخ بالخروج١ إلى أي بلد يشاء، فاختار الدرعية لقربها من ناحية، ولما يعرفه من سيرة حسنة لحاكمها إضافة إلى استقلال صاحبها وعدم خضوعه لسيطرة خارجية ولقد أحسن الشيخ الاختيار، فكان انتقاله موفقاً٢، ولا ننسى أن الابتلاء على طريق الدعوة سنة الله في صنع الدعاة إلى دينه ونهجه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:٣) . ولا يعرف المسلم قيمة دعوته، ولا يذوق حلاوة توحيده إلا بعد أن تتعرض نفسه ومشاعره وجوارحه وأحاسيسه وغرائزه للامتحان والابتلاء، فيثبت أو ينهزم، ينجح أو يرسب. إن هذا الدين صلب في مقاومة الباطل وأهله، ومواجهة زيفهم ومبادئهم بالهدى الناصع، والحجة البينة، ولذا احتاج هذا الدين إلى نوع من الناس يستطيع

стр. 162

أن يحمل ذلك الهدى الناصع، ويدلي بالحجة البينة، فيأخذ هذا الكتاب الإلهي بقوة بعد أن تتشربه نفسه وتعيشه جوارحه فيتحرك به وينطلق به طمعاً بالصفقة الرابحة التي ضمنها الله ، ولوح لطالبها بمغفرة الذنوب والرحمة في الحساب، فقال: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء:١٠٠) . فمن يتحول من أرض إلى أرض في سبيل الله يكرمه الله ، ويفسح له في صدره، ويوسع عليه رزقه، ويمكن له في الأرض، ويذكر له في السماء، والرسول ﷺ يقول: " ... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، فتحول الداعية إلى مكان يطمئن فيه على دعوته، وصبره وثباته أمام الفتن هو الذي يجعل الدين عزيزاً في نفسه، وبقدر عزته يكون تمسكه به، وهذا الدين من يطلبه يطلب الجنة، وينجو بنفسه من عذاب الله.. فهل لهذا المطلب أثمان يقدر بها في هذه الدنيا؟! فالداعية الصادق يتخطى المصالح والرغائب الفانية، وإن جهده وبذله وعطاءه وبلاءه لله ، لا ينتظر من ورائه مغنماً عاجلاً، أو مصلحة وقتية، وإنما أجره مدخر مؤجل عند الله تعالى وهو الجنة، فإن عجل الله تعالى له المغنم مادة أو رياسة أو سيادة فإنما ذلك بتفضل من الله تعالى، وليس داخلاً في بيعته .

стр. 163

ومن هنا فقد أخلص الشيخ نيته ووطن نفسه على طريق الابتلاء دون تمني ذلك، وقد وضع نصب عينيه قول نبي الإسلام محمد ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" ١.

стр. 164

الباب العاشر: نور التوحيد وبأس الحديد يصنعان الأبطال ... نور التوحيد وبأس الحديد يصنعان الأبطال ليس للجهاد الإسلامي هدف سوى إزالة العقبات من طريق الإسلام كي يتاح تبليغه للناس في جو خال من الضغط والفتنة، فكان لا بد من أجل مصلحة الإسلام، بل مصلحة شعوب الأرض، أن يزاح هؤلاء الذين يعترضون على دعوة الله الهادي بحد السيف حين لا يكون بد من ذلك. لأن المسلمين ما كانوا ليستطيعوا بحسب تعاليم دينهم التضحية بمصلحة الحياة والأحياء من أجل حفنة من المنحرفين والدجالين والطواغيت. وليس من المعقول أن توصف الحرب في الإسلام بدفاع أو هجوم كما نسمع من بعض الكتاب الإسلاميين اليوم، فهذا الوصف غير وارد، ويتضح لنا ذلك من خلال الظروف التي واجهها الرسول ﷺ في مكة والمدينة، والمعاهدات التي عقدها الرسول ﷺ مع اليهود، وكيف أنه ﷺ ترك لنا منهاجاً كاملاً نواجه به أية عقبة تبدو في طريق الإسلام العزيز، مواجهة مكافئة لطبائع الأمور، وحسب مصلحة الإسلام وحده، فلا داعي إذن لتسمية الحرب في الإسلام دفاعاً أو هجوماً، إنما هي مصلحة الدين، أو مصلحة الدنيا بأسرها. وجميع الغزوات التي قادها رسول الله ﷺ والسرايا التي أرسلها تكمن وراءها مصلحة الدعوة الإسلامية، والتمكين لها، وتهيئة الأسباب الموضوعية لتسهيل وصولها إلى الناس كي يعتنقوها ويحققوا باعتناقها مصلحة الدنيا والآخرة، وبما أن أمة الإسلام هي أمة عقيدة ودعوة، وأن دعوتها هي سبب صلتها بشعوب الأرض، هذه الصلة القائمة على عقيدة التوحيد اتخذت شكل منهج متكامل متكاملاً يواجه

стр. 165

مختلف الاحتمالات بما يناسبها، وأن الجهاد عنصر أصيل١ في هذا المنهج الذي تخطى بسموه وشموله وتوازنه كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليه أو تتهاوى عنده المبادئ الأخرى، سواء كانت هذه الحدود لغوية أو سياسية أو عرقية أو جغرافية أو نحوها، وهو بذلك يفتح أبواب رحمة الله لأهل الأرض أجمعين، فلا يعقل بعد هذا الفيض الغامر من الخير أن نسمي الجهاد فيه بأنه حرب دفاعية أو هجومية، وإنما الصحيح أن الجهاد في الإسلام عنصر من عناصر المنهج الذي يواجه مختلف الاحتمالات والظروف، وما هو إلا إزالة للحوائل والعقبات التي تعترض مسار دعوة الله الواحد القهار، وأن التحرك لبدء الآخرين بالدعوة إلى الإسلام هو من خصائص هذا الدين، لأنه من السذاجة بمكان أن يتصور الإنسان بقوة عازمة على إخراج البرية من الظلمات إلى النور، ثم يقف أما عقبات الأعداء ليجاهد باللسان والبيان فحسب، وهذا لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة الكريمة على ربها ، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية توجب على المسلمين الجهاد كعنصر من عناصر منهج المواجهة لإخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، وإبلاغ الناس مصلحتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة، وشعار المسلمين في ذلك قول الله :

стр. 166

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣) . ولا بد من الجهاد لإماطة العقبات عن الطريق، وهذه سنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٤٠) . ولن تتم مصلحة الناس قاطبة إلا عندما يهيمن الإسلام على سلوكهم ومعاملاتهم، ويلتقون على العقيدة الصحيحة والدعوة الربانية، ولما كانت جزيرة العرب هذه الجزيرة التي انبعث منها أعظم رسالة عرفتها البشرية، وأخلد أمانة تقوم عليها خلافة الإنسان في الأرض، وتعتصم بها الإنسانية كلما دهمها طوفات الفتن، وزلزلت كيانها أحداث الحياة، هذه الجزيرة مهد العرب ومنجم الفضائل البشرية التي أمد العالم بأكرم عناصر الحرية والكرامة والحق والعدل والإصلاح ... هذه الجزيرة كانت ولا تزال تدخر تلك العناصر التي تتوثب بين الفينة والفينة لتؤدي رسالتها الخالدة وتستأنف دورها التاريخي المتجدد على مر العصور، ولقد جعل الله أول بيت وضع للناس بمكة المكرمة تهوي إليه القلوب وتشخص الأبصار، وتتمثل فيه وحدة العبادة، وتتجمع حوله وحدة المشاعر والغايات، وتتفاعل على أرضه الطيبة حياة الملايين بالأخذ والعطاء، تأخذ من هذه الأرض الملهمة ما تفيض به من معاني القوة والتحرر، وتعطي بعض ما في أعناقهم من دين هيهات أن تبلغ منه أدنى مراتب الوفاء. جعل الله تعالى هذا البلد قبلة ومثابة للناس ليظل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على صلة موصولة بمنابع الهداية والنور، والقوة والحرية التي تفيض

стр. 167

بها هذه الجزيرة المباركة، وتظل أرض القبلة بما تعطي وما تأخذ موطن المعجزات التي تجدد على مر العصور. هذه الجزيرة التي تربطها بالعالم الإسلامي وشائج الأبوة والعقيدة الممتدة إلى أعماق التاريخ، وروابط الجهاد المشترك في سبيل دعم وتأمين مستقبل المسلمين، واستئناف الرسالة الخالدة لخير الإنسانية جمعاء. هكذا تحرك الشيخ وانطلقت الحياة على أرض المعجزات بقيادة المحمدين: "محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود"، اللذين انتفضا لله فحققا بدعوتها المباركة أروع وأسرع إنجاز خير فتحت له القلوب واستنارت به العقول، وقامت به دولة بعد جهاد بذل فيه كل الجهد. وقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب وهو ينهض بالدعوة إلى الله ليعلم أن الأساس هو أهم وأشق مراحل الطريق، فبقدر ضحامة البناء وارتفاعه بقدر ما تحتاج قاعدته إلى وقت وجهد كبير، وكلما كان الأساس صلياً ومتيناً ظل في صمود وقوة دون أن تنال منه معاول الباطل، وكان أدعى إلى استقرار البناء عليه مهما علا وارتفع، ولذلك أقام الشيخ ﵀ حلقات العلم في الدرعية، "وبدأ يعلم القادمين إليه الكتاب والسنة من الصباح إلى المساء، وكان يجعل جل اهتمامه الأمور اللازمة المهمة في دعوته -دعوة التوحيد وإخلاص العبادة لله- ويرسخها في قرارة النفوس، وقد أظهر شخصه الجذاب ودعوته الصادقة أثرها العاجل، وكان من فوائد مجالس الوعظ والتذكير أن تقشعت سحائب ما ألفوا عليه آباءهم، وصار الناس ينظرون إلى خرافات التقاليد والعادات بمنظار الكتاب والسنة فقط، وإن جاذبية هذه المجالس بدأت العطاش إلى العلم من البلدان النائية إلى

стр. 168

الدرعية،١ واجتمع للرجل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في اتصاله بحياة المسلمين في كثير من الأقطار، وفي فقهه لأسرار الشريعة ما ملأ قلبه غيرة على حال المسلمين، وحسرة على ما وصلوا إليه من جهالة وضعف وانحلال، وحفزه ذلك إلى الجهاد في سبيل الله لتجديد إيمان هذه الأمة، وتسديد عزائمها إلى مواطن العزة والقوة والاتحاد، وتضافرت الجهود المشتركة بين مؤسس الدعوة وبين حامليها والمشاركين في تأسيسها على إقامة كيان إسلامي يستوعب نظريات الدولة الإسلامية، ويحمي أنظمتها، ويؤجج نشاطها، لتكون أقدر على المواجهة وتحمل العبء بما اعتبر بحق البند الأول في بدء تاريخ الجزيرة العربية، وفق المنهج الإسلامي، بل تاريخ الشرق الأوسط بعد انقراض حكم الخلفاء الراشدين، ذلك بأن تلك الحركة قد غيرت وجه الأحداث في الجزيرة العربية تغييراً أساسياً مذهلاً، لذل يقول: "فيليب حتى" في كتابه تاريخ العرب: إن تاريخ الجزيرة العربية، الحديث يبدأ منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهور حركة الموحدين في الجزيرة العربية، وحين شاركت قوة الدين سلطة الحكم٢، وهكذا ارتبطت دعوة الشيخ بالدرعية وأميرها وجندها، وأمست دعوة ابن عبد الوهاب ودولة ابن سعود وحدة لا تقبل التجزئة، وأصحبت الدعوة للدين الحق الدولة وسبب وجودها تموت إذا لم تعمل به، وتحيا وتقوى قدر ما تعمل له، وغدت الحروب ضرورة للدفاع، ومن الهجوم وسائل دفاع تحقيقاً لمصلحة الإسلام، ومن هنا كان الأمير محمد بن سعود رحمه الله تعالى كفؤاً للشيخ

стр. 169

محمد بن عبد الوهاب ﵀ وإذا اجتمع نور التوحيد وبأس الحديد تكافأ الشريكان وبلغت الدعوة غرضها، وارتفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهبت ريح الإيمان وراجت سوق الجنة، وقامت الجماعة التي تعبد الله تعالى على بصيرة تجاهد في سبيل الله تعالى، وهي تعلم أن مواقع المعارك كمجالس الدروس، كلها طرق توصل إلى رحمة الله ﵎.

стр. 170

الباب الحادي عشر: الدرعية والتلاحم العظيم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود ... الدرعية ١ والتلاحم العظيم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وسار رجل التوحيد محمد بن عبد الوهاب ﵀ من العيينة إلى الدرعية تطوعاً لدعوته التي لا يجد طمأنينة حيالها، ولا راحة إلا حيث تستقر وتلقى الرحب والسعة. ومن عجائب نقائض الحياة واختلاف الناس أن العيينة قالت للشيخ على لسان أميرها المأمور: إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه، ولا مخالفة أمره، لأنه لا طاقة لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا، فشأنك ونفسك، وعلى العكس من العيينة التي شهرت سلاحها لقتل الشيخ استقبلته الدرعية وهي جذلانة طروب يتنافس رجالها على إكرامه، ووصل هناك وقت العصر. يقول ابن بشر: "إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد قدومه إلى "الدرعية" نزل عند عبد الله بن عبد الرحمن بن سويلم، وابن عمه حمد بن سويلم، فلما دخل على ابن سويلم ضاقت عليه داره خوفاً على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وسكن جأشه، وقال: "سيجعل الله لنا ولكم فرجاً ومخرجاً، فعلم به الخاصة من أهل

стр. 171

الدرعية فزاروه خفية، فقرر لهم التوحيد، فراودوه أن يخبروا محمد بن سعود١ ويشيروا عليه بنزوله عنده ونصرته فهابوه، وأتوا إلى زوجته وأخيه ثنيان الضرير، وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة، فأخبروهما بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلبيهما معرفة التوحيد، وقذف الله في قلبيهما محبة الشيخ، فلما دخل محمد بن سعود على زوجته أخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به، فقبل قولها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان وأخوه مشاري وأشارا عليه مساعدته ونصرته، فقذف الله في قلب محمد محبة الشيخ ومحبة ما دعا إليه، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا لو: لو تسير إليه برجلك وتظهر تعظيمه وتوقيره ليسلم من أذى الناس ويعلموا أنه عندك مكرم. فسار إليه محمد بن سعود ودخل عليه في بيت ابن سويلم فرحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعز والمنعة، فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون، وذريتك من بعدك٢.٣

стр. 172

فلما شرح الله صدر محمد بن سعود لذلك وتقرر عنده، طلب من الشيخ المبايعة على ذلك، فبايع الشيخ على ذلك، وأن الدم بالدم والهدم بالهدم، وعلى أن الشيخ لا يرغب عنه إن أظهره الله، إلا أن محمد بن سعود شرط مبايعته للشيخ ألا يتعرض له فيما يأخذه من أهل الدرعية مثل الذي كان يأخذه أمراء البلدان على رعاياهم، فأجابه الشيخ على ذلك، رجاء أن يخلف الله عليه من الغنيمة أكثر من ذلك فيتركه رغبة فيما عند الله سبحانه، فكان الأمر كذلك، ووسع الله عليهم بأسرع ما يكون١. وكان الإمام محمد بن عبد الوهاب هو المرجع في مدينة الدرعية. يقول ابن بشر: "إن الشيخ كان له الرأي الأول في الدولة الفتية، فلم يكن الأمير محمد بن سعود ولا ابنه عبد العزيز يصدران أمراً دون موافقته. وكان يرجع إليه في كل أمور الدين التي تنظم كافة جوانب الحياة في الدولة٢. ويقول أيضاً: "كانت الأخماس والزكاة وما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها كلها تدفع إليه يضعها حيث يشاء، ولا يأخذ عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئاً إلا عن أمره، فبيده الحل والقصد والأخذ والإعطاء والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه".

стр. 173

وهكذا تمت البيعة١ بين الإمام والأمير رحمهما الله تعالى، وأينع الصبر وبدأ الجهد يثمر، واستغلظ زرع الدعوة، وأخذ يستوي على سوقه ليعطي الغلال الطيبة، ويبنشئ مداً إسلامياً زاخراً عظيماً ينتشر في العالم، وتتساقط أمامه معاقل البدع، وتتهاوى بين يديه الأنصاب والأزلام، وتذوب من حوله القيم الزائفة المصطنعة. جاءت هذه الثمار من خارج العيينة، وهذا في الواقع من الدلائل التي تكشف للمتأمل أن يد العناية الإلهية تحوط حياة الدعوة وظروفها من كل جانب، كي لا توجد في أي جانب منها ثغرة لمطعن يقوم به مشكك أو محترف غزو فكري، لأن الدعوة إلى الإسلام جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه، وقد أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه بهدى النبي ﷺ وصنع ما صنعه الرسول ﷺ وأنصاره في بيعة العقبة، واستعمل الصيغة النبوية نفسها، وهذا يدل على شدة العناية بسنة النبي ﷺ . وهكذا كانت البيعة بين الإمام والأمير نقطة تحول هامة في تاريخ الدعوة، وفي حياة نجد الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وفي تاريخ الصحوة الإسلامية الحديثة. وبقي الشيخ ﵀ في الدرعية سنتين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان يرسل برسائله ومناظراته إلى أهل البلدان المجاورة ورؤسائهم

стр. 174

وعلمائهم، فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من أبى وعارض، ولكن لم يستمر الحال على ذلك طويلاً، فقد قام أولئك المعارضون على الشيخ ودعوته بالعدوان، وأعلنوا تكفير الشيخ وأتباعه، وإباحة دمائهم، فأمر الشيخ حينئذ أتباعه بالجهاد دفاعاً عن النفس أمام أولئك المعارضين من ناحية، وكسر الطوق وإزاحة الحجر العثرة أمام نشر هذه الدعوة من ناحية أخرى، فانتقلت الدعوة بذلك إلى مرحلة جديدة ثالثة، هي (مرحلة الجهاد لحمل الناس على الحق) ، وتهيئة الجو الصالح لنشر الدعوة والعودة بالمسلمين إلى منهج الله وشرعه، واتباعه عقيدة ومنهج حياة١ لأن الله ﵎ قرر في كتابه العزيز أن المبادئ لا تعيش بغير قوة تساندها، والإسلام ذلك الوحي الإلهي جاء ليكون هو النظام القائم على الأرض كلها، فلا بد من قوة ينطلق بها في آفاق الأرض لتحرير الإنسان من عبوديته لغير الله . فكرامة هذا الإنسان مقصورة على الإيمان بالله وحده لا شريك له. ومن هنا جاء قول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:٦٠) . فوظيفة القوة تأمين الذين اختاروا الإسلام على دمائهم وأموالهم حتى لا يفتنوا في دينهم، ثم حماية طريق الدعوة وسبيلها حتى لا يتوقف المد الإسلامي، وكذلك تأديب الجبارين الذين يتخذون لأنفسهم صفة الإلوهية فيذلون البشر بما يزرعونه فيهم من ضغائن وأحقاد.

стр. 175

الباب الثاني عشر: تأسيس الدولة السعودية الأولى ... تأسيس الدولة السعودية الأولى (٩٧سنة من ١٧٤٤-١٨٤٣) مكث الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى سنتين في مرحلة الدعوة السلمية، ثم انتقل إلى مرحلة الجهاد دفاعاً عن الدعوة وأتباعها من أعدائها المتربصين بها من ناحية، ولحمل الناس على الحق وتهيئة الجو الصالح لنشر الدعوة وتطبيقها من ناحية أخرى، ولذلك كانت رسائل الشيخ رحمه الله تعالى التي تبين حقيقة دعوته تسبق جيشه، خاصة بعد أن بسط الأمير محمد بن سعود يده، وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتم التحالف على نصرة الحق ومحاربة الشرك والمشركين عام ١١٥٨هـ ١٧٤٥م بين الأمير والشيخ، وأصبح هذا الاتفاق بمثابة النواة الأولى في بناء صرح الدولة السعودية الأولى، وتحولت الدرعية منذ ذلك اليوم إلى عاصمة دينية وسياسية وحربية، وهاجر إليها أنصار الشيخ من العيينة وغيرها من بلدان نجد، فازدحمت بهم الدرعية، ورأى الشيخ في البداية تأسياً بما فعله النبي ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة حلاً لمشاكل المهاجرين أن يؤاخي بينهم وبين أهل الدرعية١. وما كان يستتب أمر الدعوة حتى أرسل الإمام رسائله إلى علماء نجد وشيوخها يدعوهم إلى الدخول فيها، فرد عليه بعض الشيوخ مثيراً خلافات، فرد مبيناً وجه

стр. 176

الصواب، ويعدد ابن غنام أسماء عشرة رسل. وكان من بين الذين استنكروا الدعوة "دهام بن دواس" الذي كان رئيساً على الرياض، وما كاد دهام يعلم سنة ١١٥٩هـ،١٧٤٦م بتلبية المنفوحة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودخولها في طاعة آل سعود حتى هجم عليها يريد إجبارها على إعلان العصيان، ولكنه فشل أمامها، وظل دهام١ بن دواس يمثل الخصم العنيد العدو القوي للدولة السعودية، الذي يعمل على عدم تمكينها من نشر الدعوة. وهكذا وجب الجهاد على أصحاب الدعوة بعد أن كانوا قد سلكوا مع أولئك سبل التبصير والنصح٢، وامتزج حسن العهد بصدق الوعد والفكر الرشيد بالعزم الأكيد، والتقى المصحف والسيف لقاء دعوة وبيعة، فكان العمل والإخلاص والتفاني، ثم بدأ الجهاد، وانتقل مجتمع الدرعية الذي كان بالأمس القريب خاملاً مستكيناً إلى جماعة مجاهدة متطورة يقودها هدى الإسلام بإرشادات الشيخ وعزم الأمير، ولا ننسى -أيها الأخ- مدى التأثير الفاعل للدعوة الإسلامية، إذ قيض الله ﵎ لها علماء صالحين وأمراء عادلين مقسطين، فإنها تؤتي ثمرتها وتعيد البناء بنفس السرعة التي بنت فيها دولتها الأولى.

стр. 177

ولم يمض إلا وقت قصير حتى تنبه الأعداء لخطورة الدعوة فناصبوها العداء، وقاوموها بكل ما يملكون من قوة، وقد دامت الحروب بين الرياض والدرعية –فقط سبع وعشرين سنة، ولم تمر سنة إلا وتقع فيها غزوة بين البلدين وكانت الحروب سجالاً، واستشهد كثير من المسلمين في تلك المعارك، منهم ولدا الأمير محمد بن سعود١، وهما فيصل وسعود اللذان قتلا في الغارة التي قام بها ابن دواس على أطراف الدرعية سنة ١١٦٠هـ، وظل دهام يناوئ الحق والشيخ والأمير يوجهان إليه الحشود تلو الحشود، وتقوم بينه وبين الحق الوقائع –كوقعة الشباب، ووقعة العبيد "أبو غيبة"، ووقعة "دلقة"، والجنوبية٢، وغيرها إلى أن فتح الله عليهم الرياض، وتخلصوا من شر دهام ونفاقه ومعاداته لأهل الحق، وبسقوط الرياض في أيدي آل سعود انفتح للدعوة الطريق، ولم يبق أمام أساطين الأعداء إلا الاستسلام والانقياد للدرعية. وبعد وفاة الأمير محمد ابن سعود الذي احتضن الدعوة الصافية وعمل على التمكين لها في الأرض، ونجح في نقلها من مرحلة الفكر إلى مرحلة التحقيق مدافعاً عنها بكل ما ملكت يداه، واهباً نفسه في سبيلها، وثبت على أساسها حكماً صالحاً، وانتصر تحت رايتها، ثم أفضى إلى ما قدم،

стр. 178

وتولى ابنه عبد العزيز١، وقد زاد المعارضون للدعوة من نشاطهم ضدها، والتحريض على قتالها، ودارت المعارك بين أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين أهل الباطل، وتابع الأمير عبد العزيز أعماله الجهادية على رأس جيش الدعوة الإسلامية، إما بنفسه أو بقايدة ابنه سعود، وتعاقبت أيام المجد على ربى نجد، وتقدم الجيش سنة ١١٨٨ لغزو الدلم، ونازل قبائل وادي بني حنيفة قريباً من الخرج في قتال مرير، وانتقل من ضرمي إلى سدير والخرج والمجمعة، حتى إذا كانت سنة ١١٩٥ دخل قرية اليمامة، وفي سنة ١١٩٦ دخل القصيم، وفي سنة ١١٩٨ غزا جيش الدعوة إقليم الإحساء، وفي سنة ١١٩٩ عاد يغزو الخرج، ثم انطلق في سنة ١٢٠٢ إلى إقليم قطر في مقابل البحرين٢، وهكذا سيطرت جيوش التوحيد على نواح كثيرة من نجد، وكذلك عزا عبد العزيز جنوبي العراق، ودخل كربلاء (مدينة مقدسة عند الشيعة في البداية) وهدم قبر الحسين، وأخذ الكنور التي كانت عند الضريح، وهذا ما دعا إلى قدوم أحد المتعصبين من الشيعة٣ إلى الدرعية، وطعن عبد العزيز وهو يؤدي صلاة العصر عام ١٢١٨هـ، مما أدى إلى موته في مسجد الطريف في الدرعية وهو ساجد، وهذه وثيقة باللغة التركية عن مؤامرة والي بغداد بقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.

стр. 179

قبل أن يقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وحين بلغ سبعين عاماً ثقل جسمه وآثر الراحة فأخذ البيعة بولاية العهد لابنه سعود١ وسلمه مهام الدولة الناشئة عام ١٧٨٨م، فواصل الامتداد بنور الله ، واحتضن الدعوة ورنا إلى المستقبل، وكانت غزواته على نوعين، بعضها يستهدف ضم الأراضي تحت سلطته لتحصيل الضرائب ونشر العقيدة، كما حصل في نجد والإحساء وسواحل البحر الأحمر والحجاز، وبعضها الآخر كانت غارات لتأديب الخصوم فقط، كغزوات العراق والشام، ونريد أن نقف وقفة قصيرة في بلاد الحجاز، ونسأل لماذا تم الاستيلاء على الحجاز؟. إن الاستيلاء على الحجاز من قبل جنود التوحيد لم يأت إلا بعد مباحثات ومناظرات، بل عملوا علاقات الود بين الأشراف ولكنهم لم يلمسوا عطفاً، بل شوهوا دعوة الإمام. فكانوا يرسلون ضعاف العقول فيندسون بين الحجاج وبيكون وينوحون ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود على الأضرحة والقباب التي هدمتها دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، فهذه أكبر دعاية لتشويه هذه الدعوة المباركة. قال ابن غنام٢: أرسل أبناء سعود بعض علمائهم إلى مكة مراراً لإقناع علمائهم بالدعوة السلفية التي أرسى أصولها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولكن رغم اقتناع علماء

стр. 180

مكة بدعوة علماء نجد، إلا أن موقف الأشراف ظل صلباً ومعادياً واستفزازياً، فقد اصطنعوا الحجج على أهل نجد، تحدياً من الأشراف، بل اعتقلوا العلماء الدين أرسلهم الإمام وتركوهم في السجن، فبعضهم مات وبعضهم هرب. فالأشراف وأتباعهم من العثمانيين رفضوا الدعوة السلفية المباركة، ولكن دخلها الأمير سعود وهو محرم ملب دون قتال أو إراقة دم. قال أمين الريحاني في كتابه "تاريخ نجد": بعث سعود رسالة إلى السلطان سليم الثالث في الآستانة: أما بعد: دخلت مكة في اليوم الرابع من محرم ١٢١٨هـ، وأمنت أهلها على أرواحهم وأحوالهم بعد ما هدمت ما هناك من أشياء وثنية، وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقاً، وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقاً للشرع، فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحلمل والطبول والزمور إلى البلد المقدس، فإن ذلك ليس من الدين في شيء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. التوقيع الواثق بالله المعبود سعود بن عبد العزيز
следующие страницы →