الفصل الرابع: الفرية الرابعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وانتقاض الرسول ﷺ
...
الفرية الرابعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وانتقاص الرسول ﷺ أدعى عباد القبور وما أكثرهم بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه كانوا ينتقصون مقام الرسول ﷺ وأنه إذا ذكر الرسول ﷺ لا يصلون عليه، وبذلك وضعوا خنجراً مسموماً على صدر الأمة الإسلامية ليوغروا قلوب المسلمين، ويكرهوا هذه الدعوة، ومن أبزر العلماء:
سليمان بن محمد بن سحيم١، قاضي "منفوحة"، كان أول من استجاب لهذه الدعوة الإسلامية المباركة، ولكن الحسد الشيطاني ساقة إلى عداوة الموحدين، فصار يكذب ويفتري على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مما اضطر الشيخ إلى أن يقول له: "أنت رجل جاهل مشرك، مبغض لدين الله"٢، فاستشاط سليمان غضباً، وأخذ يؤلب على الشيخ وعلى دعوته، وراسل علماء أهل البصرة والإحساء يحذرهم من الشيخ ودعوته ويكيل التهم والافتراءات.
стр. 247
وكمثال على ذلك، فقد قال في إحدى رسائله: "إن الشيخ ينتقص الرسول ﷺ ".
وهذا نص الرسالة:
من الفقير إلى الله تعالى سليمان بن محمد بن سحيم، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين، وخدام شريعة سيد ولد آدم من الأولين والآخيرن.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أما بعد:
فالذي يحيط به علمكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدع جاهل، مضل ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل، جرت من أمور فظيعة، وأحوال شنيعة، منها: شيء شاع وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعد أماكننا بعد، فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين، وورثة سيد المرسلين، ليصيدوا هذا المبتدع صيد أحرار الصقور لصغار بغاث الطيور، ويردوا بدعه وضلالاته وجهله وهفواته.
والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين، جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.
فمن بدعه وضلالته أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ .
وعمد -أيضاً- إلى المسجد في ذلك المكان وهدمه، وليس داع شرعي في
стр. 248
ذلك إلا اتباع الهوى. ومنها: أنه أحرق "دلائل الخيرات"١ لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا، وحرق أيضاً "روض الرياحين"٢، وقال: هذا روض الشياطين.
ومنها: أنه صح عنه أنه يقول: لو أقدر على حجرة الرسول ﷺ هدمتها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب.
أما سمع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج) .
ومنها: أنه ثبت أن يقول: "الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وتصديق ذلك أنه بعث إلي كتابا يقول فيه: "أقروا أنكم قبلي جهال ضلال".
ومن أعظمهما: أن من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حق يقطع بكفره، ومن وافقه وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقاً محضاً أو مكاسا، وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله.
ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتاباً مع بعض دعاته بخط يده، وحلف فيه بالله: أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم -في زعمه، وإلا فليس له مشايخ-، ولا عرفه أبوه، ولا أهل "العارض".
فيا عجبا إذا لم يتعلمه من المشائخ ولا عرفه أبوه، ولا أهل قطره، فمن أين علمه..؟
وعن من أخذه.؟
стр. 249
هل أوحي إليه..؟
أو رآه مناماً..؟ أو أعلمه به الشيطان..؟
وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض.
ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي.
ومنها: أنه قاطع بكفر سادة عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر.
ومنها: أنه ثبت عنه لما قيل له: اختلاف الأئمة رحمة، قال: اختلافهم نقمة.
ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا.
ومنها: إبطال الحج.
ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة، تهوي بصاحبها إلى النار.
ومنها: أنه يقول: "الذي يأخذه القضاء قديماً وحديثاً -إذا قضوا بالحق بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة –إن ذلك رشوة- هذا القول بخلاف النصوص عند جميع الأمة: أن الرشوة ما أخذ لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكم إلا بجعل. ومنها: أنه يقطع بكفر
стр. 250
الذي يذبح الذبيحة ويسمي عليها ويجعلها لله تعالى. ويدخل مع ذلك دفن شر الجن، ويقول: ذلك كفر. واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء بذلك أنه منهي عنه فقط، وذكره في حاشية (المنتهى) ١.
ولو تأملنا هذه الرسالة لوجدناها ألمت بأكثر التشنيعات التي أثارها خصوم الدعوة الإسلامية في مراحلها اللاحقة ...
فلما علم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالرسالة التي بعث بها سليمان محرضاً على الدعوة وأهلها، رد عليه برسالة بعثها إليه يقول له فيها:
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم"، وبعد:
ألفينا مكتوبك وما ذكرت وما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب العارض جملتها أربعة وعشرون مسألة بعضها حق. وبعضها بهتان وكذب.
وقبل الكلام فيها. لا بد من تقديم أصل، وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا، والجهال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة -هي الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم..
وإنما ذكرت هذا -ولو كان واضحاً- لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم: الحنابلة وغيرهم.
ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها، فأنكرها علي من أنكرها
стр. 251
لأجل مخالفة العادة، وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عياناً، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٨٩) .
وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق، وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي:
﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (البقرة: ٩٠) .
وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق، فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة "شمسان" وأمثاله، فتعذروا: "أنكم ما سألتمونا..؟ "
قالوا: "وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا، وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأن شرفاً لغيره.
وأيضاً: لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدخل عندكم وعند غيركم بالبهتان.
والله ناصر دينه ولو كره المشركون.
وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلا عن العوام، وأنا أضرب لك مثلا بمسألة واحدة وهي مسئلة الاستجمار ثلاثاً فصاعدا من غير عظم ولا روث، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة ولا خلاف في ذلك -ومع هذا- لو يفعله أحد- لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً ولنهوا عن الصلاة خلفه، ويدعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة.
стр. 252
إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها –منها ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
وقوله: إني أدعى الاجتهاد.
وقوله: إني خارج عن التقليد.
وقوله إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
وقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين.
وقوله: إني أكفر البوصيري، لقوله يا أكرم الخلق.
وقوله: إني أقول لو: أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.
وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ .
وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله.
فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٦) .
ولكن قبله من بهت النبي محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (البقرة) .
وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك:
стр. 253
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء:١٠١) .
وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى "لا إله إلا الله".
ومنها: أني أعرف من يأتيني بمعناها.
ومنها: أني أقول: الإله هو الذي فيه السر.
ومنها: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك.
ومنها: أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن.
فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها.
ونبدأ بالكلام عليها لأنها أم المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى "لا إله إلا الله" فنقول: التوحيد نوعان:
توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لابد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام لأن أكثر الناس مقرون به.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:٣١) .
وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلا، وذلك أن النبي ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون
стр. 254
أشياء مع الله، فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
..وما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه".
وكان من قلبهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) .
فصار ناس من الضالين يدعون أناساً من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار- من جميع المذاهب في سائر الأقطار والأمصار فلم يحصل منهم انزجار؛ بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك.
وبين أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في كتابك تقول: يا أخي مالنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم.
وأنا أقول: كلام أهل العلم رضي، وأنا أنقله لك، وأنبهك عليه، فتفكر
стр. 255
فيه وقم لله ساعة ناظراً ومناظراً مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء -أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع.
ثم يقول: قال الشيخ تقي الدين: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر، ومن أهل العبادة حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، وطائفة ظنوا أنه الإقرار بتوحيد الربوبية، ومنهم من أطال في تقرير هذا الموضع وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد.
قال تعالى:
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون) .
وهذا حق لكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا الله فيكون دينه لله والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب، وأطال ﵀ الكلام.
وقال -أيضاً- في الرسالة "السنية" التي أرسلها إلى طائفة من أهل العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيهم، فذكر حديث الخوارج ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ ، وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة -فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين وذلك بأمور:
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، مثل: الغلو في عدي بن مسافر أو غيره، بل: الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه فكل من غلا في نبي أو
стр. 256
صحابي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الألوهية مثل أن يقول يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك ونحو هذا فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلاقتل فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد، ولا يدعى معه إله آخر.
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: الشمس والقمر والصالحين، والتماثيل المصورة على صورهم -لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله".
فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
وقال –أيضاً- في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ ، أولا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجاً عن اتباعه، أو قال:
"أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى -كفر في هذا كله".
وقال –أيضاً- في الباب: ومن سب الصحابة، واقترن بسبه دعوى أن علياً إله أو نبي أو أن جبريل غلط -فلا شك في كفر من توقف في تكفيره. فتأمل إذا كان كلامه هذا في "علي". فكيف بمن ادعى أن "ابن عربي أو عبد القادر" إلهان؟
وتأمل كلام الشيخ في معنى الإله الذي تألهه القلوب، واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ بأنهم يدعون الأولياء والصالحين في الرخاء والشدة، ويطلبون منهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات، (والكفار زمن النبي) مع كونهم يدعون الملائكة والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب بهم؛
стр. 257
وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا لله.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ (الإسراء: ٦٧)
وقال أيضاً في "الإقناع": ويحرم تعلم السحر، وتعليمه وفعله، وهو عقد، ورقي، وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يبعض أحدهما للآخر ويحبب بين اثنين، ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته.
وأما (الحنفية) فقال الشيخ قاسم في شرح "درر البحار": النذر الذي يقع من أكثر العوام، وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك كذا وكذا باطل اجماعأً لوجوه:
منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر.. إلى أن قال: إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها وينقل إلى ضرائح الأولياء -فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد أحمد البدوي.
فتأمل قول صاحب النهر مع أنه في مصر مقر العلماء كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه!! فتأمل قوله (من أكثر العوام) ، أتظن أن الزمان صلح بعده..؟
стр. 258
وأما (المالكية) ، فقال الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلي حنين ونحن حديث عهد بالكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها "ذات أنواط" فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا "ذات أنواط" كما لهم "ذات أنواط" فقال: "الله أكبر ... لتركبن سنن من كان قبلكم".
فانظر -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها.
وقال ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ".
ومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل ... إذا أسلم في قبيلته كان غريباً مستخفياً بإسلامه، قد جفته العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريباً لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.
وروى البخاري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: "والله ما أعرف من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعاً".
وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره.
انتهى كلام الطرطوشي.
فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرها أحد من أهل العلم؟ والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، إنه مثل كلام الذين اختارهم الله على
стр. 259
العالمين لنبيهم: اجعل لنا إلهاً: يا عجباً إذا جرى هذا من أولئك السادة كيف ينكر علينا أن رجلا من المتأخرين غلط في قوله يا أكرم الخلق، كيف تعجبون من كلامي فيه وتظنونه خيراً وأعلم منهم.
ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها، وتظنون أن من وصف شركاً أو كفراً أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة، ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إلي قبل أن يغريك الله بصاحب الشام، وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار..؟
ومرادي أن أبين لك كلام الطرطوشي وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي "أبي يعلي" أتظن الزمان صلح بعده..؟..
وأما كلام (الشافعية) فقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، ومن اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين مضلين فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١) .
وبهذه الطرق وأمثالها كان بدادية ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح فيفعلون ذلك، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجوا الشفاعة لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي "دمشق" -صانها الله-
стр. 260
من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر سهل الله قطعها فما أشبهها بذات أنواط، ... ثم ذكر كلاماً طويلا إلى أن قال:
"أسال الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه".
فتأمل ذكره في النوع أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج عن الإيمان، ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام.
فأنت قل لصاحبكم: هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريباً، فهو أمام اثنتين:
إما أن يقول: كل هؤلاء العلماء جاهلون ضالون مضلون خارجون.
وإما أن يدعي: أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك ...
إذا تقرر هذا فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهى: إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم، وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياه في شدائد البر والبحر، فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له والكفر بالطاغوت والتبري ممن خالف هذه الأصول ولو كان أباك أو أخاك -فاكتب لي وبشرني لأن هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل
стр. 261
بهذا -فضلا عن إنكاره- مثل الزنا والسرقة، بل والله، ثم والله، إن الأمر أعظم.. وإن وقع في قلبك إشكال فاطلب إلى مقلب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه.
وأما بقيه المسائل: فالجواب عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة لا إله إلا الله وبيننا وبينكم كلام أهل العلم، لكن العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة. وعبارة "الإقناع" في الجنائز: يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول. والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث علياً لهدم القبور"١.
وهكذا أجاب الإمام وأقام الحجة على ما كان عليه السلف الصالح والأئمة المهتدون، ومن الهدى ودين الحق، مناراً يضيء طريق الحيارى العابثين، والمخالفين الناقصين، الذين انقلبت لديهم الحقائق والتبست عليهم المعارف بالشقاق والتشكيك: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ (الكهف: ١٧) .
ويقول علوي الحداد: "الأفاك: كان ينقص النبي ﷺ كثيراً بعبارات مختلفة، منها قوله: "إنه طارش بمعنى أن غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسل إلى أناس في أمر فيبلغهم ثم ينصرف، وكان بعضهم يقول عصايا خير من محمد، لأنها ينتفع بها بقتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع أصلاً، وإنما هو الطارش ومضى، وبهذا يكفر عند المذاهب الأربعة، ومن ذلك أنه كان يكره الصلاة على النبي ﷺ ، ويتأذى من سماعها، وينهى عن الجهر بها على المنابر، ويؤذي من
стр. 262
يفعله، ومنع من الإتيان بها على المنابر ليلة الجمعة، ولذلك أحرق دلائل الخيرات، وغيره من كتب الصلاة على النبي ﷺ وتستر بدعوى أن ذلك بدعة".
ويقول ابن دحلان، الأفاك الأثيم، وهو يكذب على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وكانوا -أي محمد بن عبد الوهاب وأشياعه" يمنعون من الصلاة عليه ﷺ على المنابر بعد الأذان، حتى أن رجلاً صالحاً كان أعمى وكان مؤذناً وصلى على النبي ﷺ بعد الأذان بعد أن كان المنع، فأتوا به إلى ابن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل، فقتل١.
أرأيتم يا معشر المسلمين هذا المجرم لا يكتفي بالكذب بل يفتري على الدعوة المباركة.
ونسوق الأدلة من أئمة الدعوة في حق الرسول ﷺ التي تبين وتفضح هؤلاء الأفاكين الذين زوروا وكذبوا:
يقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب في الرد على ذلك:
"جوابنا في كل مسألة من ذلك"..... ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا، علم قطعياً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنوع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
стр. 263
ثم يقول:
"والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، للنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس. ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه"١.
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في حق الرسول ﷺ :
"ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع".
ويقول عليه الرحمة والسلوان:
"فرسول الله محمد ﷺ هو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه"٢.
ويقول ﵀:
"الأمر بطاعته "سبحانه" وطاعة رسوله، وأن الهدى في طاعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ .
стр. 264
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏:
"وقد قرر (محمد بن عبد الوهاب) ﵀ على شهادة أن محمداً رسول الله من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصر والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت، والانتهاء حيث انتهت في أصول الدين وفروعه، وباطنه وظاهره، كليه وجزئيه، ما ظهر به فضله وتأكد علمه ونبله"١.
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ :
"وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عيلها قول أحد"٢.
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حيث دخل في سنة ١٢١٨هـ:
وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً علىالخلق بأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبرة، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه:
стр. 265
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، مع كون الآية مدنية ... وأننا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا كان جوابنا في كل مسألة من ذلك" سبحانك هذا بهتان عظيك"، فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى.
ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق معنا علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك.
والذي نعتقده أن مرتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم علي وتسن زيارته.. فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاستغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكفر همه وغمه كما جاء الحديث عنه"١.
ويقول الشيخ سلمان بن سحمان ﵀: "وأما قوله: ولا يتحاشون من الطعن بالرسول ﵊ بكل بذاءة".
فالجواب: أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، ومن افترى علينا هذا ونسبه إلينا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجميعن، لا قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وفضحه على رؤس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار"٢.
стр. 266
ويقول الشيخ فوزان السابق ﵀ وهو يرد على مختار بن الحاج المؤيد، الذي ألف رسالة فيها الإلحاد وسماها "جلاء الأوهام على مذاهب الأئمة العظام": " قال الملحد: واعلم يا أخي أن للوهابين وإخوانهم أعداء الله ورسوله مطاعن كثيرة بالرسول ﷺ كلها من المكفرات، وإن كانت بحد ذاتها من المضحكات، تجل عقول الصبيان عن التمسك بها".
ويقول:
"أقول على زعم هذا المفتري بأننا أعداء لله ورسوله ﷺ ، سبحانك هذا بهتان عظيم ... فزعم أننا أعداء لله ولرسوله ﷺ بغير برهان من الله تعالى، وما حمله على ما رمانا به من الافتراء علينا إلا أننا قد جردنا أتباعنا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وحققنا ما جاء بهما قولاً وعملاً، مقتفين أثر السلف الصالح"١.
ومختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد العظمى -هذا- الذي ألف كتاباً أسماه "جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام، وهذه الرسالة فيها من الزيغ والتخبط الفكري الشيء الكثير، حيث يقول فيها: إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة، لأن فيها الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد ...
هذه العبارة التي كتبها لم يجرؤ أحد من المنصرين والمستشرقين واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام إلى الآن على التصريح بها، ويقول مثل قوله: وزاد الطين بلة حينما قال أيضاً: وأن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان ولا إشارة تهدى إلى
стр. 267
الصواب، وأن من رجح حكماً على حكم مستنداً فيه إلىكتب الحديث فإن ذلك لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية.."، وهذا يعني إلغاء السنة النبوية بأكملها، لأنها كما يزعم ليس فيها بيان يهدي إلى الرشد، هذا الشيخ الهمام نفسه يتطاول على أهل التوحيد. ونراه في مكان آخر يخفف من غلوائه ويريد أن يتلطف شيئاً ما، فيقول: نحن وأنتم متفقون بالشهادتين مقرون بالأركان لا نختلف بأصول الإيمان، ولا ننكر أركان الإسلام، غير أننا نقول بالمحكم ونرجع إليه، وأنتم بالمتشابه وتعولون عليه، نحن نحتاط بما لا نرتاب وأنتم لا تتحرجون مما يريب، نحن نعتمد الإجماع وأنتم تترخصون بالإنفراد والتأويل بالرأي ... وهكذا تبدو المراوغة والمخادعة التي يضحك بها على الكثيرين.
وتراه في موضع آخر من كتابه يقول: إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع١.
وإذا أردت الاطلاع على المزيد من هذا الهراء فيمكنك مراجعة كتاب البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج المختار٢..
وصدق الشيخ سليمان بن سحمان في رده على هذا الملحد داحضاً افتراءاته الكاذبة:
فليس اتباع المصطفى يا ذوي الردى ... يكون معاداة وبغضاً لذي المجد
стр. 268
ولكنه عين الكمال لأنه ... على وقف ما قد قال في كل ما يردي
وتعظيم أمر المصطفى باتباعه ... وترك الذي يأباه من كل ما يبدي
فيأتي الذي يرضاه من كل مطلب ... ويجتنب النهي الذي كان لا يجدي١
ولو ذهبنا نستقصي المجافين لهذه الدعوة المباركة وفحص اختلافاتهم٢ وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وما نسبوه إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ورجال الدعوة من زور وإشاعات باطلة لطال بنا المقام، علماً بأن أيادي المبشرين كانت تروج مثل هذه الأفكار بين المسلمين.
стр. 269
الفصل الخامس: الفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب منع الإستشفاع بالرسول ﷺ
...
الفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
منع الاستشفاع بالرسول ﷺ
افترى أهل الباطل على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين بأن الإمام ينكر شفاعة الرسول ﷺ وهؤلاء القوم ينطبق عليهم القول المأثور
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
فإنكار شفاعة الرسول ﷺ هو الكفر والعياذ بالله، وحاشا لله أن ينكر هذا الإمام العظيم هذا الأمر. فهذه كتبه ورسائله وكتب أحفاده وتلاميذه إلى يومنا الحاضر لم ينكروا شفاعة الرسول ﷺ .
يقول الطباطبائي:
"قالت الوهابية: إن الشفاعة والأولياء منقطعة في الدنيا، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة، فلو جعل العبد بينه وبين الله وسائط من عباده يسألهم الشفاعة، كان ذلك شرك وعبادة لغير الله، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه، ويقول: "اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد ﷺ "، ولا يجوز له أن يقول: "يا محمد اشفع لي عند الله"١.
стр. 270
ويقول الرافضي العاملي المجرم الأثيم:
"أما قولهم فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، فإذا كانت حقاً فما المانع من طلبها؟ أفيجعل الله طلب الحق باطلاً وشركاً؟ تعالى الله عن ذلك فطلب الحق لا يكون إلا حقاً وطلب الباطل لا يكون إلا باطلاً، والتقيد بقولهم في دار الدنيا دال على جواز طلبها في الآخرة، كما يدل عليه حديث تشفع الناس بالأنبياء، واعتذار كل منهم ثم تشفعهم بمحمد ﷺ ...
وهل منع الناس من الشرك في الدنيا، وأبيح لهم الشرك في الآخرة"١.
ويقول القباني، بكل وقاحة وسوء أدب، وهو يخاطب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"أما أنهم كفروا بمجرد قولهم يا رسول الله اشفع لي، أو أغثني، وأنها مساواة لقول المشرك واعتقاده أن المسيح هو الله، ولعبادة تمثاله من السجود والذبح كما ادعيت ذلك، وجزت به، فما أقمت على ذلك الدليل والبرهان يا طويل الآذان"٢.
ويقول ابن داوود وهو يرد على الإمام محمد بن عبد الوهاب ويسميه الزنديق الحجازي، وقول الزنديق الحجازي: "إن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن طلبها منه كما قال: "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً" غلط، فإن الدعاء المنهي عنه هنا بمعنى العبادة، وطالب الشفاعة لا يعبد الشفيع بل يطلب منه أن يشفعه عند
стр. 271
الله، كما أن يوسف بدعائه لأحد صاحبي السجن لم يكن عابداً له ولا كافراً، وقوله [أي محمد بن عبد الوهاب] : فإن الشفاعة التي أعطاها غير النبي، فصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فاطلبها منهم، فإن قلت هذا، فقد عبدتم، غلط أيضاً، لما قلنا من أن طلب الشفاعة ممن أعطيها سواء كان نبياً أو كان ولياً أو وصياً أو ملكاً، أو مؤمناً ليس عبادة له، فيصح لنا أن نطلب الشفاعة من الأوصياء ... والأولياء والملائكة، والصلحاء، وليس في ذلك شرك١.
стр. 272
أقوال أئمة التوحيد
بالشفاعة، والرد على الخصوم
رد أئمة التوحيد على الخصوم الذين يقولون بأن الوهابية وعلى رأسهم الإمام محمد بن عبد الوهاب ينكرون الشفاعة، وأوردوا البراهين عليهم.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب، ﵀:
"فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقال: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى:
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٤٤) ، ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) ، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) .
فإن كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيها، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها فأطلبها منه.
وقل: "اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في وأمثال هذا".
فإن النبي ﷺ أعطى الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
الجواب: أن أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾
стр. 273
(الجن: ١٨) . فإن كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، وأيضاً فإن الشفاغعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والصالحين يشفعون، أتقول أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم، فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه١.
ثم يرد على الخصوم الذين افتروا على الدعوة بإنكار شفاعة الرسول ﷺ ، فيقول:
يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ ، فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن محمداً رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباع شرعه"٢.
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
"ونثبت الشفاعة لنبينا محمد يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضاً، ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحد متضرعاً إلى الله تعالى: "اللهم شفع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة، أو
стр. 274
اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى"١.
ويقول "﵀":
"وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد"٢.
وسؤل شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي الديار السعودية:
هل الوهابية ينكرون شفاعة الرسول ﷺ ؟
فأجاب:
لا يخفى على كل عاقل درس سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم برآء من هذا القول، لأن الإمام ﵀ قد أثبت في مؤلفاته، ولا سيما في كتابه "التوحيد" و"كشف الشبهات" شفاعة الرسول ﷺ لأمته يوم القيامة، ومن هنا يعلم أن الشيخ ﵀ وأتباعه لا ينكرون شفاعته ﵊. وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، بل يثبتونها كما أثبتها الله ورسوله، ودرج على ذلك سلفنا الصالح عملاً بالأدلة من الكتاب، وبهذا يتضح أن ما نقل عن
стр. 275
الشيخ وأتباعه من إنكار شفاعة النبي ﷺ من أبطل الباطل، ومن الصد عن سبيل الله، والكذب على الدعاة إليه، وإنما أنكر الشيخ ﵀ وأتباعه طلبها من الأموات ونحوهم"١.
هذه عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين في الشفاعة، وأنها لا تطلب من الأموات والأولياء والمشعوذين والدجالين، فالشفاعة كلها لله وحده: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ .
وأن الأنبياء والصالحين لا يشفعون إلا بإذن الله.
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
أما أن يقول القائل:
"اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحقه، أو حرمته، فهذا القول بدعة محرمة لا يجوز".
стр. 276
الفصل السادس: الفرية السادسة الإمام محمد بن عبد الوهاب هدم القباب على القبور ونهى عن شد الرحال لزيارتها
...
الفرية السادسة الإمام محمد بن عبد الوهاب
هدم القباب على القبور ونهى عن شد الرحال لزيارتها
اعترض أعداء الدعوة السلفية بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يهدمون الأبينة على القبور، ويمنعون شد الرحال لزيارة القبور وخاصة قبر الرسول ﵊.
يقول سليمان بن سحيم: فمن بدعه وضلالاته أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة، زيد بن الخطاب والصحابة، وهدم قبورهم وبعثرها، لأجل أنهم في حجارة، ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد بن الوليد وأصحاب رسول الله ﷺ ، وعمد -أيضاً- إلى مسجد فيه ذلك وهدمه١.
وهذا الكنهوري الشيعي الذي استفاد هو وأتباعه من هذه الخصومة فأخذ يشهر خنجره على الموحدين، يقول: إن الوهابين سنة ١٢٢٣هـ هدموا القباب، فهدموا قبة سيدتنا خديجة ﵂ ... وهدموا قبة مولد النبي ﷺ ، ومولد أبي بكر٢.
стр. 277
يقول زين بن دحلان:
وأما قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".. فمعناه أن لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة، فإنها تشد الرحال إليها لتعظيمها والصلاة فيها، وهذا التقدير لا بد منه، ولو لم يكن التقدير هكذا، لاقتضى منع شد الرحال للحج، والهجرة من دار الكفر، ولطلب العلم، وتجارة الدنيا، وغير ذلك، ولا يقول بذلك أحد١.
ثم ساق الأحاديث في وجوب زيارة قبر الرسول ﷺ ، فيقول:
١- "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني".
٢- "من زار قبري وجبت له شفاعتي".
٣- "من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي".
٤- "من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي".
وبعد ما ذكر هذه الأحاديث المكذوبة المفتراة على رسول الله ﷺ ، يقول: فتلك الأحاديث كلها في تأكيد زيارته ﷺ حياً وميتاً، والزيارة شاملة للسفر، لأنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، وإذا كانت كل زيارة قربة، كان كل سفر إليها قربة٢.
стр. 278
ويقول رافضي آخر، وهو العاملي:
هدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ بأحد، بعدما هدموا القبة التي على القبر، وأزالوا تلك الآثار الجليلة، ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع، فلا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم إلا أثراً على تل من التراب١.
ويقول: ومنع الوهابية تعظيم القبور، وأصحابها والتبرك بها من لمس، وتقبيل لها، ولأعتاب مشاهدها، وتسمح بها، وطواف حولها، ونحو ذلك٢.
ويقول أيضاً:
لما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوا في المرة الأولى، ولما دخلوا مكة المكرمة هدموا قبة عبد المطلب جد النبي ﷺ وأبي طالب عمه، وخديجة أم المؤمنين، وخربوا مولد النبي ﷺ ، ومولد فاطمة الزهراء، ولما دخلوا جدة هدموا قبة حواء، وخربوا قبرها، كما خربوا قبور من ذكر أيضاً، وهدموا جميع ما بمكة ونواحيها والطائف ونواحيها من القباب، والمزارات والأمكنة التي يتبرك بها٣.
ويقول الطباطبائي الرافضي:
قالت الوهابية: لا يجوز بناء القبور وتشييدها٤.
стр. 279
ويقول علوي الحداد:
يهدمون القبب المبنية عليهم –أي على القبور١.
ويقول الشيعي الرافضي الكهنوري:
اعلم رحمك الله أن مذهبه "أي محمد بن عبد الوهاب" في القبور أنه يحرم عمارتها والبناء حولها، وتعاهدها، والدعاء والصلاة عندها، بل يجب هدمها وطمس آثارها٢.
ويقول هذا الرافضي: إن تقبيل القبر بعد الموت كتقبيل اليد في الحياة، لوجود الملاك، وهو التعظيم فيهما على السواء٣.
ويقول الرافضي العاملي:
هدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ بأحد، بعدما هدموا القبة التي على القبر، وأزالوا تلك الآثار الجلية، ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع فلا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم إلا أثر قبر على تل من التراب٤.
ويقول هذا المجرم الرافضي:
ومنع الوهابية تعظيم القبور وأصحابها، والتبرك بها من لمس، وتقبيل لها، ولأعتاب مشاهدها، وتمسح بها وطواف حولها، ونحو ذلك٥.
стр. 280
والعجيب أن الرافضة وأتباعهم وجدوا ضالتهم بدعوة الإمام فأخذوا يغذونها مستغلين كتب الضالين أهل الخصوم وحقدهم الدفين على أهل السنة والجماعة، وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وبهذا يقول العاملي الرافضي:
وقد منع الوهابية من شد الرحال إلى زيارة النبي ﷺ وآله وسلم، فضلاً عن غيره، وقد عرفت أن ابن تيمية في مقام تشنيع على الإمامية قال: إنهم يحجون إلى المشاهد كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، وما حجهم إلا قصدهم زيارتها، فسماه حجاً لزيادة التهويل والتشنيع١.
وقد تصدى للحملة المسعورة هؤلاء الضالين المضللين أصاحب البدع أئمة الدعوة من نجد وخارجها.
يقول الشيخ حسين بن غنام ﵀، وهو يرد على رسالة ابن سحيم:
فهذا الكلام ذكر فيه ما هو حق وصدق، وذكره فيه ما هو كذب وزور وبهتان، فالذي جرى من الشيخ ﵀ وأتباعه أنه هدم البناء الذي على القبور والمسجد المجعول في المقبرة على القبر الذي يزعمون أنه قبر زيد بن الخطاب ﵁، وذلك كذب ظاهر، فإن قبر زيد ﵁ ومن معه من الشهداء لا يعرف أين موضعه، بل المعروف أن الشهداء من أصحاب الرسول ﷺ قتلوا في أيام مسيلمة في هذا الوادي، ولا يعرف أين موضع قبورهم من قبور غيرهم، ولا يعرفون قبر زيد من قبر غيره، وإنما كذب ذلك بعض الشاطين.
стр. 281
وقال الناس، هذا قبر زيد فافتتنوا به، وصاروا يأتون إليه من جميع البلاد بالزيارة، ويجتمع عنده جمع كثير ويسألونه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فلأجل ذلك هدم الشيخ ذلك البناء الذي على قبره، وذلك المسجد المبني على المقبرة اتباعاً لما أمر الله به ورسوله من تسوية القبور، والنهي الغليظ الشديد في بناء المساجد عليها، كما يعرف ذلك من له أدنى ملكة من المعرفة والعلم.
وقوله (أي سليمان سحيم) وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم فطووا على أضرحتهم قدر ذراع، ليمنعوا الرائحة والسباع، فكل هذا كذب وزور وتشنيع على الشيخ عند الناس بالباطل والفجور، وكلامه تكذبه المشاهدة، فإن الموضع الذي فيه تلك القبور موضع سهل لين الحفر، وأهل العيينة والجبيلة وغيرهما من بلدان العارض يدفنون موتاهم في تلك المقبرة، وهي أرض سهلة لا حجارة فيها١.
وأشار ابن غنام بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب حين كان في العيينة هدم القباب وأبنية القبور، يقول:
فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر "أمير العيينة" وكثير من جماعتهم، إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس، والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ الذي هدم قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع أصحابه، وقطع شجرة قريوة، ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم٢.
стр. 282
ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخلوهم مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، قال ﵀:
فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك١.
ويقول -أيضاً- ﵀ وأسكنه فسيح جناته: وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسماً لذرائع الشرك، وتنفيراً من الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه، فإنه لا يغفر٢.
ويقول الشيخ المجاهد سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
فإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض ما يعتقدون فيه الضر والنفع، بل كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه، وأنزلوه منزلة الربوبية، وصرفوا له خالص العبودية، حتى أنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادة، وأما القبور المعروفة أو المتوهمة بأفعالهم معها، وعندها لا يمكن حصره، فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس، فنزلوا عن الأكوار، فإذا أتوها طافوا بها، واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين٣.
стр. 283
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء:
فالجواب: لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، فإذا كان تبركاً للمحل المزور فهو من الشرك، لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ ، أو الولي لتعود بركته بزعمهم، وهذه حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزياتهم لها وإتيانهم إليها١.
ويقول العلامة حمد بن ناصر بن معمر ﵀ في مناظرته لعلماء مكة سنة ١٢١١هـ:
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب، والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقصاً له، بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب، التابوت الذي عليه، ولبس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص٢.
стр. 284
ويوضح الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏ معتقد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة البناء على القبور:
فنحن ننكر الغلو في أهل القبور والإطراء والتعظيم، ونهدم البنايات التي على قبور الأموات، لما فيها من الغلو والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله١.
يقول الشيخ المجاهد "سليمان بن سحمان" ﵀ في الرد على علوي الحداد:
وأما هدم القباب فنعم، فإن الشيخ فعل ذلك، وقد اتبع في ذلك أئمة الإسلام من سادات الحنابلة وغيرهم من العلماء، فبناء القبور إنما أحدثه الرافضة، فهم سلف الحداد وأشباهه من عباد القبور٢.
ويقول ﵀ وهو يرد على الطباطبائي الرافضي:
وأما ما ذكره من منع الوهابية لزيارة قبور الأئمة، فنعم، منعوا زيارة المشاهد التي تعبد من دون الله، وشرعوا فيها من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولا كان عليه هدي رسول الله ﷺ ، ولا هدي أصحابه، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين٣.
ويوضح ابن سحمان ﵀ الحكم الشرعي في هذه المسألة، قائلاً:
نعم امتثلت الوهابية أمر رسول الله ﷺ ، لأن ذلك سنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه، ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، ولا يعيب على الوهابية بهدمهم القباب التي بنيت على ضرائح الأموات إلا من أعمى الله بصيرة قلبه٤.
стр. 285
ويقول الشيخ فوزان السابق:
إنهم يتعلقون بالأسماء، ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، محتجون بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم، الذي أضلوا به كثيراً من جهلة هذه الأمة، مقتضون في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم، وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، وهو أصل عبادة الأصنام، ولذلك قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً"١.
ونختتم هذا الفصل بأبيات الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن [١٣١٥هـ-١٣٨٦هـ] ، وهي أبيات يعتز بها كل موحد يسير على النهج الصحيح والعقيدة السليمة، يقول ﵀:
وقولنا إننا قد هدمنا مشاهداً ... نهدم قباب الشرك من كل جانب
ونكسر أوثاناً ونهدم ما بني ... على أثر أو بقعة للأطايب٢
هذه هي عقيدتنا في مسألة القبور، وهي عقيدة الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فرضي الله عنهم أجمعين.