وقال الناس، هذا قبر زيد فافتتنوا به، وصاروا يأتون إليه من جميع البلاد بالزيارة، ويجتمع عنده جمع كثير ويسألونه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فلأجل ذلك هدم الشيخ ذلك البناء الذي على قبره، وذلك المسجد المبني على المقبرة اتباعاً لما أمر الله به ورسوله من تسوية القبور، والنهي الغليظ الشديد في بناء المساجد عليها، كما يعرف ذلك من له أدنى ملكة من المعرفة والعلم.
وقوله (أي سليمان سحيم) وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم فطووا على أضرحتهم قدر ذراع، ليمنعوا الرائحة والسباع، فكل هذا كذب وزور وتشنيع على الشيخ عند الناس بالباطل والفجور، وكلامه تكذبه المشاهدة، فإن الموضع الذي فيه تلك القبور موضع سهل لين الحفر، وأهل العيينة والجبيلة وغيرهما من بلدان العارض يدفنون موتاهم في تلك المقبرة، وهي أرض سهلة لا حجارة فيها١.
وأشار ابن غنام بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب حين كان في العيينة هدم القباب وأبنية القبور، يقول:
فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر "أمير العيينة" وكثير من جماعتهم، إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس، والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ الذي هدم قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع أصحابه، وقطع شجرة قريوة، ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم٢.
стр. 282
ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخلوهم مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، قال ﵀:
فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك١.
ويقول -أيضاً- ﵀ وأسكنه فسيح جناته: وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسماً لذرائع الشرك، وتنفيراً من الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه، فإنه لا يغفر٢.
ويقول الشيخ المجاهد سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
فإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض ما يعتقدون فيه الضر والنفع، بل كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه، وأنزلوه منزلة الربوبية، وصرفوا له خالص العبودية، حتى أنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادة، وأما القبور المعروفة أو المتوهمة بأفعالهم معها، وعندها لا يمكن حصره، فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس، فنزلوا عن الأكوار، فإذا أتوها طافوا بها، واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين٣.
стр. 283
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء:
فالجواب: لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، فإذا كان تبركاً للمحل المزور فهو من الشرك، لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ ، أو الولي لتعود بركته بزعمهم، وهذه حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزياتهم لها وإتيانهم إليها١.
ويقول العلامة حمد بن ناصر بن معمر ﵀ في مناظرته لعلماء مكة سنة ١٢١١هـ:
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب، والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقصاً له، بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب، التابوت الذي عليه، ولبس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص٢.
стр. 284
ويوضح الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏ معتقد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة البناء على القبور:
فنحن ننكر الغلو في أهل القبور والإطراء والتعظيم، ونهدم البنايات التي على قبور الأموات، لما فيها من الغلو والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله١.
يقول الشيخ المجاهد "سليمان بن سحمان" ﵀ في الرد على علوي الحداد:
وأما هدم القباب فنعم، فإن الشيخ فعل ذلك، وقد اتبع في ذلك أئمة الإسلام من سادات الحنابلة وغيرهم من العلماء، فبناء القبور إنما أحدثه الرافضة، فهم سلف الحداد وأشباهه من عباد القبور٢.
ويقول ﵀ وهو يرد على الطباطبائي الرافضي:
وأما ما ذكره من منع الوهابية لزيارة قبور الأئمة، فنعم، منعوا زيارة المشاهد التي تعبد من دون الله، وشرعوا فيها من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولا كان عليه هدي رسول الله ﷺ ، ولا هدي أصحابه، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين٣.
ويوضح ابن سحمان ﵀ الحكم الشرعي في هذه المسألة، قائلاً:
نعم امتثلت الوهابية أمر رسول الله ﷺ ، لأن ذلك سنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه، ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، ولا يعيب على الوهابية بهدمهم القباب التي بنيت على ضرائح الأموات إلا من أعمى الله بصيرة قلبه٤.
стр. 285
ويقول الشيخ فوزان السابق:
إنهم يتعلقون بالأسماء، ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، محتجون بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم، الذي أضلوا به كثيراً من جهلة هذه الأمة، مقتضون في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم، وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، وهو أصل عبادة الأصنام، ولذلك قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً"١.
ونختتم هذا الفصل بأبيات الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن [١٣١٥هـ-١٣٨٦هـ] ، وهي أبيات يعتز بها كل موحد يسير على النهج الصحيح والعقيدة السليمة، يقول ﵀:
وقولنا إننا قد هدمنا مشاهداً ... نهدم قباب الشرك من كل جانب
ونكسر أوثاناً ونهدم ما بني ... على أثر أو بقعة للأطايب٢
هذه هي عقيدتنا في مسألة القبور، وهي عقيدة الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فرضي الله عنهم أجمعين.
стр. 286
والجدير ذكره أن الذي فعله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين هو الصواب، وهو الذي أمر الله به ورسوله ﷺ ، فالإمام لم يصنع شيئاً من لدنه، فهو مجدد وليس نبياً يشرع.
وقد ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم لنا في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
كما أخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
فالإمام ﵀ قام بهدم القباب وأبنية القبور لتحقيق وصيته ﷺ .
وينبغي على كل مسلم غيور على دينه أن يسعى لهدم وإزالة القباب التي نصبت فوق الأضرحة، ومحاربة الشرك والبدع بشتى أنواعها حتى يكون من الموحدين المخلصين الذي يعمرون الأرض بتحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 287
الفصل السابع: الفرية السابعة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إنكار كرامات الأولياء
...
الفرية السابعة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
إنكار كرامات الأولياء
جاء علماء السوء بفرية اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب بأنه ينكر كرامات الأولياء:
وقد ألفت الكتب المشؤومة التي تسوق البلاء والشؤم، وقد نبذ هؤلاء العلماء دعوة التوحيد، وبذلك نبذوا عهد الله بدلاً من أن يكونوا من أنصارها، فراحوا يقذفونها بالكذب والبهتان.
يقول علوي الحداد وهو يرمي الإمام محمد بن عبد الوهاب:
ومن جملة هذيانه -أيضاً- إنكاره كرامات الأولياء وما خصهم الله به من الخصوصيات والأسرار١.
ويقول عثمان بن يحيى العلوي: وإنه أنكر كرامات الأولياء٢.
ويقول: وكذا كفر -يقصد الإمام محمد بن عبد الوهاب- من اعتقد كرامات الأولياء٣.
стр. 288
ويقول عمر المحجوب:
كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائفة، وعن الطريق المستقيم زائغة١.
ويقول سوقية:
ولما كانت الوهابية لا إمام لها في كل شيء تدين به سوى اختراع دين جديد حباً في الظهور، قالت بإنكار الكرامات٢.
هذه مؤلفاتهم الشيطانية، وحتى تكون الصورة واضحة جلية فهذه الردود من أئمة الدعوة وأنصارها.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رداً على هذه الفرية:
وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله٣.
ويقول ﵀:
الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالين، وحق بين باطلين٤.
стр. 289
ويقول الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب:
ولا ننكر كرامات الأولياؤ، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا انهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم١.
ويقول الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب:
كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعة للنبي ﷺ ، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه، إلا إذا كان داعياً لاتباع النبي ﷺ بريئاً من كل بدعة وانحراف عن شريعته ﷺ ، فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه٢.
ويقول المجاهد الشيخ سليمان بن سحمان:
إن الشيخ "أي محمد بن عبد الوهاب" ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء بل يثبتها، ولا ينكر إلا خوارق الشياطين، فإن أولياء الرحمن لهم علامات يعرفون بها، فمن علامات أولياء الله محبة الله، ومحبة رسوله، والتزام ما أمر الله به ورسوله، وتقديم ما دل عليه الكتاب والسنة على ما يخطر ببال أحدهم أنه كرامة٣.
أما خوارق السحرة والدجالين والمشعوذين التي تتخذ صورة كرامات
стр. 290
الصالحين والأولياء فهذه خوارق شيطانية، نحاربها أشد المحاربة، وهي سورة شيطانية تسيء إلى الإسلام والمسلمين.
فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين يحاربون أولياء الشياطين من الخرافيين والمشغوذين من الصوفية وغيرهم، الذي أدخلوا كثيراً من أقوال شيطانية باسم الكرامة والأولياء، وجعلوها لدجالين ومشعوذين، أمثال أحمد البدوي، والدسوقي، وابن سبعين، وابن الفارض، والشعراني.. الخ.
يقول عبد الظاهر، أبو السمح، إمام الحرم المكي، ﵀:
الكرامات لا يملكها أحد لنفسه بل الله يكرم من يشاء من عباده بالإيمان والتقوى، ومن يهن الله فما له من مكرم١.
وأخيراً نختتم هذه الفرية بعطر من صاحب الدعوة المباركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو يبين الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، قائلاً:
بيان الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، وآية في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية، وآية في سورة يونس، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
стр. 291
ثم صار عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم١.
وفي وقتنا هذا –وللأسف الشديد- عمت البلاد الإسلامية إلا من رحم، الخزعبلات والخرافات والشعوذة، حيث إن الكثيرين من السحرة والدجالين يتسترون تحت مسمى "الكرامة الربانية"، ويقومون بأعمالهم الشيطانية مستغلين في ذلك الناس البسطاء، ومما يزيد في الصدر المرارة أنهم يفعلون ذلك تحت سمع وبصر العلماء، ولكن القلة منهم الذين يتصدون لهم.
стр. 292
الفصل الثامن: الفرية الثامنة زعمو أن حديث نجد قرن الشيطان
...
الفرية الثامنة زعموا أن حديث نجد قرن الشيطان
ادعى الخصوم أن نجداً المذكورة في الأحاديث النبوية الشريفة هي نجد موقع ظهور الإمام محمد بن عبد الوهاب وجماعته، موقع مسيلمة الكذاب، وهي موطن الزلازل والفتن، إلى آخره من الترهات والكذب والبهتان.
يقول ابن عفالق الحاقد على هذه الدعوة، وهو من الآوائل الذين افتروا على الموحدين بأنهم قرن الشيطان:
"وفي فضل أهل الشام واليمن والحرمين وفارس ما يعرفه من له أدنى معرفة بالأحاديث، وأما أنتم يا أهل اليمامة ففي الحديث الصحيح عندكم يطلع قرن الشيطان، وأنتم لا تزالون في شر إلى يوم القيامة، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"١.
ويقول علوي الحداد: "وقد استنبط العلماء من مفهوم قول النبي ﷺ : "يطلع منها –أي نجد- قرن الشيطان" من معجزاته، لأنه أتى بالياء للاستقبال، لأن مسيلمة لعنه الله في حياته ﵇ طلع، وادعى النبوة، وهناك في خلافة الصديق، ولم يطلع قرن الشيطان إلا بعد الألف والمائة والخمسين، وهو محمد بن عبد الوهاب، رأس هذه البدعة وأسها"٢.
стр. 293
ويقول عثمان بن منصور: أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان:
"وقد امتنع الرسول ﷺ عن الدعاء لها لما علم للشام واليمن والمدينة، لما علم بعلم الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك منها الزلازل والفتن، ومنها ما يظهر قرن الشيطان"١.
وهذا القاضي الفلسطيني يوسف النبهاني الذي تصدى للتوحيد في كتابه "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق".
ويدعي هذا الحاقد أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان،٢ وأنها من بلاد المشرق التي ذمها الرسول ﷺ ، يقول:
أشار رسول الله للشرق ذمة ... وهم أهله لا غرو أن يطلع الشرا
به يطلع الشيطان ينطح قرنه ... رؤوس الهدى والله يكسره كسرا
مؤية حزب الضلال وثيقة ... إلى درك النيران أعمالها تسرى
بها من صريح الإفك أخبث مورد ... وإن ظنها الجهال من خالص الثبر
стр. 294
إلى أن قال:
أولئك وهابية ضل سعيهم ... فظنوا الردى خيراً وظنوا الهدى رشدا١
يقول أحمد بن محمد الغماري:
"ولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر، وانتشرت فتنته، كانوا يحملون الأحادثي عليه وعلى أصحابه٢، وقد حشد هؤلاء عقول العوام بتشويه دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالكذب والبهتان حتى يصدوا الناس عن الدعوة السلفية المباركة، ويكون لهم الصدارة في الخرافة والبدع، وأكل أموال الناس بالباطل".
وإليك يا أخي القارئ الكريم الأدلة على أن العراق هي المقصودة بهذه الأحاديث، وليس نجد كما زعم أعداء الدعوة السلفية.
стр. 295
الفصل التاسع: الأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان
...
الأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان
عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ قالا: دعا النبي ﷺ فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا"، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وعراقنا، قال: "إن فيها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفا بالمشرق" ١، وفي رواية أخرى لابن عمر:
قال رجل: فالعراق، فيها ميرتنا وفيها حاجتنا، فسكت، ثم قال: "مطلع قرن الشيطان، وهناك الزلازل والفتن" ٢.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "دخل إبليس العراق فقضى حاجته فيها، ثم دخل الشام فطردوه" ٣.
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث: "يخرج أناس من قبل المشرق ويقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم" ٤.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه أن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃
стр. 296
قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الفتنة تجيء من ههنا" –وأومأ بيده نحو المشرق- "من حيث يطلع قرن الشيطان" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بارك الله في شامنا ويمننا"، قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال في الثالثة: "هناك الزلازل والفتن، وبهما يطلع الشيطان" ٣.
قال العلامة الكرماني في شرح الحديث:
"نجد يطلع منها قرن الشيطان، هو الأرض المرتفعة، من تهامة إلى العراق"، ثم قال أيضاً: "هي كل ما ارتفع من تهامة إلى العراق، فهو نجد"، وقال في موضع آخر: "ومن كان بالمدينة الطيبة "صلى الله على ساكنها وسلم"، كان نجده بادية العراق، وهي مشرق أهلها"٤.
وبمثله قال العيني في شرحه لصحيح البخاري٥، وقال الخطابي ﵀:
стр. 297
"نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها"، إلى قوله: "وأما نجد فهي الناحية بين الحجاز والعراق"١.
ونقله الحافظان: ابن حجر والقسطلاني في شرحهما لصحيح البخاري. ونقلا عن الخطابي قوله في معنى "قرن الشيطان": "القرن الأمة من الناس، يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية أن يضرب المثل به فيما لا يحمد من الأمور"٢.
وفي الصحيحين: وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "رأس الكفر نحو المشرق"، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "رأس الكفر قبل المشرق" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً" ٤.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بمثله إلا أنه قال: "يحسر عن جبل من ذهب" ٥، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 298
"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو" ١.
وعن أبي بن كعب قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم"، قالها ثلاثاً٣.
وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو العراق: "ههنا، أن الفتنة ههنا، أن الفتنة ههنا، ثلاثا" ٤.
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث بعد أن ذكر أقوالا لمن سبقه من العلماء، قال: "وقوله " منعت العراق درهمها وقفيرها" قال: "قيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها".
стр. 299
أخي المسلم:
لقد تبين لك مما ذكرنا من الأدلة النبوية أن العراق بلد الفتن والشرور، والشيطان، والفرقة والاختلاف، ومنشأ الكفر والنفاق والطغيان، مما ثبت عن النبي ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإليك ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام والمسليمن، ممن لهم علم ودراية فيما دونوا من علوم ورواية١.
ثم أتي ببيان أشهر الفتن التي نشأت من العراق فإذا عرفت أن العراق مطلع كل شر وخراب ودمار، فهيا إلى بيان الفتن التي ظهرت منه وفرقت الإسلام والمسلمين، بعد عصر النبوة.
الأولى: أكبرها وأشنعها وهي اغتيال فاروق الأمة، الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، الذي أعز الله به الإسلام، ومناقبه لا تعد ولا تحصى، وليس هنا بيانها فانظرها في مصادرها.
فكما هو معلوم فإن قاتله هو أبو لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله-، وقد أتى من الكوفة، وأصله أعجمي.
الثانية: فتنة ذي النورين الخليفة الثالث: عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وقد ابتدأت من البصرة والكوفة بالعراق، وانتشرت حتى وصلت مصر.
الثالثة: وقعات الجمل وصفين والنهروان، بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان منشأ الفتنة من العراق، وعلى أرض العراق.
стр. 300
الرابعة: فتنة الخوارج وتآمرهم ضد الصحابة، وتكليفهم ابن ملجم: بقتل الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وكان ذلك في أكبر مدنها، مطلع قرن الشيطان، (مدينة الكوفة) ، وقد قتله سنة ٤٠هـ، الموافقة لـ ٦٦١م، وتكليفهم البرك: بقتل معاوية، وقد ضربه في خاصرته وسلم، ومثلهما: ابن بكر على عمرو في مصر.
الخامسة: ظهور الفرق الضالة المضلة، التي بددت الإسلام وأحدثت فيه الفرق والاختلاف، والاقتتال، وهي:
? طائفة الخوارج: الذين خرجوا على الخليفة، ومرقوا من الإسلام، وهم الذين يعتقدون أن علياً وأصحابه وجميع المسلمين سواهم قد ارتدوا عن الإسلام وكفروا بالله، وهم اشتهروا بـ"المفرطة المكفرة"، وهم عشرون فرقة.
? المعتزلة: القائلون بأن العباد خالقوا أفعالهم، وينفون الرؤية ويوجبون الثواب والعقاب، وهم عشرون فرق.
? الشيعة: المفرطون في محبة علي ﵁ وهم اثنتان وعشرون فرقة.
? البخارية: الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال، والمعتزلة في نفي الصفات، وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق.
? الجبرية: القائلة بسلب الاخيار عن العباد، وهم فرقة واحدة.
? المشبهة: الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهم خمس فرق.
? الحلولية: وهم فرق أخرى.
стр. 301
وقد ظهرت كلها وظهر أئمتها، من الكوفة منشأ كل فتنة، ومن البصرة وما جاورهما١.
السادسة: مقتل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم.
والسابعة: ادعاء المختار النبوة الكاذبة.
الثامنة: سفك الحجاج الثقفي دماء المسلمين المعصومين، وقهره وامتحانه للعلماء، ومنهم: سيد التابعين سعيد بن جبير ﵁.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال المهلب: إنما ترك الدعاء ﷺ لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن"، ثم قال الحافظ: "وقال غيره: إن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر ﷺ ، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، كذلك البدع نشأت في تلك الجهة"٢.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "المراد بذلك اختصاص المشرق بتسلط الشيطان ومن الكفر، كما قال في الحديث الآخر "رأس الكفر نحو المشرق" إلى قوله: "وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومنشأ الكفرة"٣.
стр. 302
وقال العلامة سليمان الندوي ﵀:
"إن الفرق الضالة كلها، والفتن والمفاسد العظام، جميعها ظهرت من بلاد العراق، وهي المراد من طلوع قرن الشيطان من نجد"١.
وحاصل ما تقدم بيانه من أدلة نبوية، وأقوال للصحابة والتابعين، وأهل العلم أن العراق مطلع الأمور المحدثة، والفتن والبدع في الدين، ومنشأ الفرق الضالة المبتدعة التي كان من الكوفة منطلقها ومأواها، بها الداء العضال، ومنها كل داعية ضال، ولقد ثبت باتفاق أئمة الحديث، وعلماء الجغرافيا والتاريخ وشهادة الحوادث أن العراق مطلع الفتن والفساد وموضع كل رذيلة، وغمط كل فضيلة، ولقد جاءت الفتن كما أخبر عنها النبي ﷺ من العراق تترا، كل فتنة أقل ما يتحقق منها الفرقة بين المسلمين.
تاسعاً: فتنة الدولة التركية والدولة الصفوية التي نتج عنها تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام:
١-العراق التركي.
٢-العراق الصفوي.
٣-العراق الفارسي.
وقد أبيد العلماء فيها، ومزقت أسرهم، وشتت عبر الأمصار.
العاشرة: فتنة بيع عربستان للفرس، وقتل علمائهم وأمرائهم.
الحادية عشرة: فتنة حرب صدام مع الخميني ثمانية أعوام، وهدر الطاقات البشرية من أبناء الرافدين، وإيران ومن ساعدهم من الدول العربية.
стр. 303
الثانية عشرة: فتنة قتل المهيب الركن: للمسلمين الأكراد وضربهم بغاز الأعصاب والخردل حتى أبادهم وأباد ممتلكاتهم لردهم عن الإسلام.
الثالثة عشرة: فتنة غزو المهيب الركن صدام حسين للكويت، وهدمه لها ولشعبها ومقدراتها، وما أحدث فيها من أعمال لم يسبقه بها أحد من العالمين.
الرابعة عشرة: حشده قواته على حدود دولة الإسلام والمسلمين –المملكة العربية السعودية- وإعلان الجهاد المزيف للقضاء على الإسلام والمسلمين.
هذه الفتن الكبرى التي ظهرت من العراق قرن الشيطان، ومن أراد الزيادة والبيان، فعليه بكتب التاريخ الكبرى، ففيها بيان ذلك وغيره من الفتن التي ليس هنا مجال حصرها١.
ويعلق علامة الشام ناصر الدين الألباني على هذا الحديث بقوله: يستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، ونجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن الكبرى"، من صحيح البخاري للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيراً من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق. كقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتاب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته٢.
стр. 304
الفصل العاشر: أقوال الصحابة على أن العراق مطلع قرن الشيطان
...
أقوال الصحابة على أن العراق مطلع قرن الشيطان قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: "يا أهل العراق أسة لكم عن الصغيرة، وأركبكم الكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتجيء من ههنا"، وأومأ بيده نحوه المشرق، "حيث يطلع قرن الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض"١.
وأخرج الترمذي في سننه عن عبد الرحمن بن أبي نعيم:
"أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر، دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال ابن عمر ﵁: "انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ "٢.
وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: "أنه سأله رجل عن المحرم، قال شعبة: أحسن يقتل الذباب، قال: أهل العراق يسألوني عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ ، قال: "هما ريحانتاي من الدنيا" ٣.
وعن عمر بن خطاب ﵁ أنه قال حيث بعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة:
стр. 305
"أنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ "١.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ إنه أراد الخروج إلى العراق، فقال له كعب: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال"٢، وزاد في الكنز: "وبها باض إبليس وفرخ"٣.
وروي أن الحسن بن علي ﵄ استخلف حين قتل علي ﵁ فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وحسن ﵁ ساجد يصلي والطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهراً، ثم برأ فقعد على المنبر فقال:
"يا أهل العراق، اتقوا الله فينا فإنا أمراءكم، وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ . قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يحن بكاء"٤.
وروي أنه لما سقي الحسن ﵁ سماً أوصى لأخيه الحسين وقد حضره الموت، فقال:
стр. 306
"أن الحوادث والأحوال تشهد أن سفهاء الكوفة يخرجونك منها، ويذلونك، فعزمت عليك أن تغادرها وتخرج منها"١.
وروى الإمام أحمد عن أبي نصرة، قال: كنا عند جابر ﵁ فقال: "يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدى"٢.
стр. 307
الفصل الحادي عشر: أقوال التابعين على أن العراق مطلع قرن الشيطان
...
أقوال التابعين على أن العراق قرن الشيطان
روى أن هشام بن عروة ﵀ كان يقول:
"إذا حدثك عراقي بألف حديث، فالق تسعمائة وتسعين، وكن من الباقي في شك"١.
وروى عن ربيعة بن عبد الرحمن ﵀ أنه قال:
"ما رأيت عراقياً تام العقل"٢.
وروي عن الزهري ﵀ أنه قال:
"إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به، ثم اردد به، ثم قال: إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيراً"٣.
وروي عن الإمام طاووس اليمني ﵀ أنه قال:
"إذا حدثك العراقي مائة حديث فاطرح تسعاً وتسعين"٤.
стр. 308
الفصل الثاني عشر: أقوال الأئمة والمحدثين على أن العراق قرن الشيطان
...
أقوال الأئمة والمحدثين على أن العراق قرن الشيطان
قال الإمام مالك ﵀:
"إذا خرج الحديث عن الحجاز إلى العراق، انقطع نخاعه"١.
وقال الإمام الشافعي ﵀: "كل حديث جاء من العراق فليس له أصل في الحجاز فلا تقبله"٢.
وقال أيضاً: "إياكم والأخذ بالحديث الذي جاءكم من بلاد أهل الرأي إلا بعد التفتيش"٣.
وقال الإمام أحمد ﵀: "ليس لحديث أهل الكوفة نور"٤.
قلت: وهذا لا ينطبق على السواد الأعظم من شعب العراق٥.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵏:
"إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق، لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: "أشار إلى العراق".
стр. 309
قال الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الراوي: "إن نجداً من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر، قال: "يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الفتنة تجيء من ههنا"، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن الحديث خاص لأهل العراق، لأن النبي ﷺ فسر المراد بالإشارة الحسية، وقد جاء صريحاً في "المعجم الكبير" للطبراني النص على أنها العراق، ويقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد".
ويقول الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀:
"الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ : "اللهم بارك لنا في يمننا، واللهم بارك لنا في شامنا" الحديث، قيل إنه أراد نجد العراق، لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار –وقد ادعى النبوة- وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
"وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن
стр. 310
تتفاضل وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس"١.
ثم قال ﵀ رحمة واسعة:
"فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ... ، وما ضر المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه".
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن فضل نجد كبني تميم:
فيقول ﵀:
"وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أحب تميماً لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ ، قوله لما جاءت صدقاتهم: "هذه صدقات قومي"، وقوله في الجارية التميمية: "اعتقها فإنها من ولد إسماعيل"، وقوله: "هم أشد أمتي على الدجال" ... هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل، والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.
ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائهم وعبادتهم لهم حظ وافر مما
стр. 311
يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ ، إن قلنا أن "ال" في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا للعهد هو الظاهر، فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله، فتأمله فإنه نفيس جداً"١.
ويقول الشيخ حكيم محمد أشرف:
"سند هو مقصود الأحاديث، أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة، هي مبدأ الفتنة والفساد، ومركز الكفر والإلحاد، ومصدر الابتداع والضلال، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق –فقط- موضع الكوفة والبصرة وبغداد٢.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
"وقد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة"٣.
стр. 312
الفصل الثالث عشر: الفرية التاسعة تسميتهم بالوهابية
...
الفرية التاسعة تسميتهم بالوهابية
اطلقوا على دعوة الإمام اسم "الوهابية"، وأحاطوا بكل شر، وجعلوها علماً على الجمود والهمجية، واخترعوا لها الأكاذيب وألصقوا بها التهم، فلو قالوا للناس: إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب هي دعوة الإسلام الخالص، وأنه متبع للإمام أحمد بن حنبل في الفروع، ومتأسي بالإمام ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، لما استغرب الناس الدعوة ونفروا منها، ولكنهم أطلقوا عليها اسم "الوهابية"، وصوروها بأقبح الصور، حتى أصبح الكثير من المسلمين في البلاد الإسلامية ينفرون من كلمة الوهابية أو المذهب الوهابي.
وبلغ حقدهم الدفين على هذه الدعوة المباركة حتى وصل الإمر إلى قتل المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي –وهو ممن يتحمسون لهذه الدعوة- بإيعان من محمد علي –حاكم مصر- الذي حارب هو وأبناؤه الدعوة انتقاماً من أبيه لتعاطفه مع هؤلاء١.
وقد بلغ الأمر في بعض البلاد الإسلامية أن تصادر وتحرق الكتب التي للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره، وبل وتطارد الأشخاص الذي يعتبرون "وهابيين"، ويسجنون، وتثور عليهم الجماهير، وقد يضربونهم، فأكثر الناس لا يعرفون من الوهابية إلا أنها مذهب آخر لا يقره الإسلام.
стр. 313
قال الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ ﵀:
"إن لقب الوهابية لقب لم يختاره أتباع الدعوة لأنفسهم، ولم يقبلوا إطلاقه عليهم، لكنه أطلق من قبل خصومهم تنفيراً للناس منهم، وإيهاماً للسامع أنهم جاءوا بمذهب خاص يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة الكبرى، واللقب الذي يرضونه ويتسمون به هو: (السلفيون) ، ودعوتهم: الدعوة السلفية"١.
وقال الأستاذ أحمد علي:
"إن تلقيبهم بالوهابية جناية على الواقع والحقيقة لهذه الدعوة، فهي جناية على التاريخ نفسه، فقد أوقع ذلك كثيراً من المؤرخين والمستشرقين في غلطة، وهي تسمية هذه الحركة الإصلاحية المباركة نسبة إلى والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجعلوه مؤسساً لهذه الدعوة والحركة الإصلاحية"٢.
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز:
"نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي نسبة على القياس العربي، فلقد كان الصحيح أن يقال المحمدية، أي أن صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو الشيح محمد لا أبوه عبد الوهاب، ومن أعجب العجب أنك لا تجد لهذا اللقب أثراً بنجد، بل يستنكر النجديون هذا اللقب لمن يخاطبهم به أو ينسبهم إليه، وهذا يدلك على أن التسمية جاءت من الخارج من خصوم الدعوة، وأكبرهم إذ ذاك الأشراف والأتراك، وأكثر علمائها"٣.
стр. 314
وهذا الملك عبد العزيز يخطب بالحجيج سنة ١٣٤٧هـ الموافق ١١/٥/١٩٢٩، قائلاً:
"يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا الوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض.
نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح.
نحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا.
هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو بها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله ، خالصة من كل شائبة، منزهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب.
أما (التجديد) الذي يحاول البعض إغراء الناس به بدعوة أنه ينجينا من آلامنا فلا يوصل إلى غاية، ولا يدنينا من السعادة الأخروية، إن المسلمين في خير ما داموا على كتاب الله وسنة رسوله، وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة.
إننا لا نبغي (التجديد) الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا.. إننا نبغي مرضاة الله ، ومن عمل ابتغاء مرضاة الله فهو حسبه، وهو ناصره، فالمسلمون لا
стр. 315
يعوزهم التجديد، وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ولقد ابتعدوا عن العلم بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، فانغمسوا في حمأة الشرور والآثام فخذلهم الله جل شأنه، ووصلوا إلى ما هم عليه من ذل وهوان، ولو كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله لما أصابهم من محن وآثام، ولما أضاعوا عزهم وفخارهم.
لقد كنت لا شيء ... وأصبحت اليوم وقد استوليت على بلاد شاسعة يحدها شمالاً العراق وبر الشام، وجنوباً اليمن، وغرباً البحر الأحمر، وشرقاً الخليج.. لقد فتحت هذه البلاد ولم يكن عندي من الأعتاد سوى قوة الإيمان وقوة التوحيد، ومن العدد غير التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فنصرني الله نصراً عزيزاً١.
إن تسميتهم بالوهابية مجرد ذكر التسمية لا حرج فيه، ولكن أن يجعلوها مذهباً خارجاً عن الإسلام ويغذوها بالتضليل والكذب والافتراء فهذا شيء نحاربه أشد المحاربة.
يقول عبد الرحمن بن سليمان الرويشد:
"لم يكن إطلاق كلمة "الوهابية" التي يراد بها التعريف بأصحاب الفكرة السلفية شائع الاستعمال في وسط السلفيين أنفسهم، بل كان أكثرهم يتهيب إطلاقه على الفكرة السلفية. وقد يتورع الكثيرون من نعت القائمين بها بذلك الوصف، باعتباره وصفاً عدوانياً كان يقصد به بلبلة الأفكار والتشويه، وإطلاق المزيد من الضباب لعرقلة مسيرة الدعوة، وحجب الرؤية عن حقائق أهدافها وبمرور الزمن،
стр. 316
وإصابة محاولات التضليل بالعجز عن أداء دورها الهدام، تحول هذا اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أي طابع للإحساس باستقرار المشاعر، أو أي معنى من معاني الإساءة، وصار مجرد تعريف مميز لأصحاب الفكرة السلفية، ماهية الدعوة التي بشر بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأصبح هذا اللقب شائعاً ورائجاً بين الكتاب والمؤرخين الشرقيين والغربيين على حد سواء.
وبالتالي فليس هناك ما يبرر هجر استعمال تلك الكلمة كتعريف شائع أو تعبير يستخدم في إطاره الصحيح للرمز إلى المضمون الفكري المقصود: وهو التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، وما زج به في العقيدة السلفية وأدخل عليها من انحراف، مع ضرورة العيش في قيادة إسلامية عادلة تحكم الشريعة، وتلتزم تطبيق منهجه عملاً وتحمل الرعية على امتثال ذلك بأسلوبي الترغيب والترهيب، وإن أصروا على هذه التسمية نقول لهم قد أجاب العلامة الشيخ "ملا عمران بن رضوان" ﵀ صاحب مدينة لنجة بهذه الأبيات وهي فخر وشرف ووسام يفتخر بها كل نجدي وغير نجدي من الموحدين، وهو يرد على الخصوم قائلاً:
إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب
لا رقية ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب
стр. 317
أيضاً ولست معلقاً لتميمة ... أو حلقة أو دعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني وينفع ما بي١
ويقول الشيخ العلامة سليمان بن سحمان ﵀ في الرد على بعض الخصوم الحاقدين على هذه الدعوة والذين لقبوها بهذا اللقب:
نعم نحن وهابية حنفية ... حنيفية نسقي لمن غاصنا السرا
بمحكم آيات وسنة أحمد ... نصول على الأعداء فنأظرهم أطرا
حنابلة كنا على نهج أحمد ... إمام الهدى من كان من كفركم يبرا
على السنة الغراء قد كان قدوة ... لنا في الهدى لم يغد ما قاله شبر٢
يقول أبو الهدي الصعيدي المصري ﵀:
"إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا، فنحن أيضاً وهابيون"٣.
стр. 318
يقول الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي:
"من معاملة الله لهم –أي خصوم الدعوة بنقيض قصدهم هو أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقباً لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف١.
ويقول مسعود النووي ﵀:
"وعلى كل حال، فنظراً إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة، هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء، فلا أرى حرجاً في هذه التسمية"٢.
إن اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة أشد على أعدائهم من السلاح والعتاد، وأفتك بهم من الموت، وتوالت العصور وكانت شعلة النور الإسلامي موقدة تنير العالم، ذلك عندما كان المسلمون على صدق مع الله ورسوله، مستمسكيم بعقيدة التوحيد، وتوالت الأيمام وتسللت الأفكار الخبيثة إلى صفوف المسلمين، وارتدت الجموع الفارسية واليهودية والجاهلية لتتأهب وتتاح لها فرصة العمر فتنقض بانحرافاتها داخل المعاقل الإسلامية تحاول الإجهاز على المسلمين ودينهم، ولم تساهم في هذه المعارك جيوش ضاربة، وإنما كانت عقائد باطلة تحاول طمس منهاج الله تعالى وتشويه حقائقه وإنهاء دولته وتقليص نفوذه،
стр. 319
فتسللت الفلسفات اليونانية والإغريقية والفارسية، وظهرت التكايا والزوايا تربي الناس على الخمول والكسل والانحراف عن دين الله ، ولكن ... هل انتهى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ؟ ... هل انتهت أمة الإسلام؟ .. لا ... وألف لا ... فالإسلام يحفظه الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .
فبحفظ الكتاب والسنة لا تنتهي أمة الإسلام في الأرض، وبعلماء الإسلام العاملين وقادته المصلحين سيستمر العلم والتعليم لكشف الزيغ والحركات الضالة، وسوف تتربى الأجيال على الإسلام الصحيح وتتلقى القرآن فتفهم أحكامه وتحل حلاله وتحرم حرامه، وتفهم سياسته واقتصاده في شخوص رجال ونساء، إذا رأيتهم رأيت قرآناً يجري حركة حياة ونبضات قلوب تحتضن الوجود لتغمسه في بحر الإسلام ليغدو عطاء ورحمة، وهكذا كانت الدعوات الصحيحة والدعاة الصالحون في كل عصر وجدوا فيه، ولما قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإسلامية كان يسلك مسلك السلف الصالح ويعيد الناس إلى الإسلام الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، ويزيل عن الناس كثيراً مما كان قد جلبه عليهم ابتعادهم عن الدين الخالص، وقد كانت هذه الدعوة الإسلامية منطلقاً صحيحاً للمسلمين في الإصلاح والتصحيح في العقيدة والعبادة والعمل والسلوك، لأن دين الإسلام هو طب البشرية كلها من كافة أدوائها، وأن التماس الهدى في غير ضلال وضياع، فكان الإمام محمد داعية إسلامياً ظهر في زمان سيطرت على المسلمين فيه أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن الصراط المستقيم، فكان رحمه الله تعالى رائداً في دعوته إلى منابع الإسلام الأولى، واتباع ما كان عليه السلف١ الصالح، ولذلك نسبت إلى
стр. 320
السلفية فالاتجاه السلفي في أساسه يعمل على نقاوة العقيدة الإسلامية وتخليضها من الشوائب التي تفسدها وتميعها، والرد على الانحرافات التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، والصمود في وجه الفرق الضالة، وبهذا تكون الدعوة الإسلامية السلفية هي دعوة الكتاب والسنة والدين الصحيح، هي دعوة البر والبركة، ودعوة التوحيد الحق، والاتباع السليم، والتزكية والطهارة، أي أنها باختصار دعوة الإسلام الصحيح التي بعث بها النبي محمد ﷺ ، واتفق العلماء على أن السلف يراد بهم:
أولاً: الصحابة، رضوان الله عليهم.
ثانياً: التابعون لهم بإحسان، رحمهم الله تعالى.
ثالثاً: تابعو التابعين.
وهذا ما بينه الرسول ﷺ بقول: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران: "فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" ١.