يقول لوثروب ستودارد:
"أما في السودان فقد كان الداعية الوهابي هو الشيخ عثمان دانفوديو"، أحد أفراد قبيلة الفولاني، وهي من قبائل الرعاة السودانية، فإنه بعد التقائه بالوهابيين في موسم الحج، وبعد اعتناقه للمبادئ الوهابية، عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية، وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين، ثم أخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ ابن عبد الوهاب، فاستطاع أولاً أن يجمع قبيلته في وحدة متماسكة"١، أما في الهند فقد كان لدعوة أحمد عرفان علاقة كبيرة ووثيقة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث قام يدعو هناك إلى إحياء معالم الدين وتخليصه مما علق به من البدع والمحرمات، ورده إلى صفائه ونقائه، ودعوة المسلمين إلى عقيدة التوحيد، وإلى عزة الإيمان، وأخلاق الإسلام وآدابه، وألا يقبلوا الدنية في دينهم، وألا يرضوا بسلطان إلا سلطان الإسلام، وأن يكون الحكم اليوم صورة كاملة لما كان عليه الحكم في صدر الإسلام.
стр. 352
الفصل العاشر: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب نبراس يقتدى بها
...
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
نبراس يقتدى بها
ومن خلال هذه الدعوة قامت حركات مقاومة عسكرية كثيرة في العالم الإسلامي، لمواجهة الاستعمار، وأبرز هذه الحركات حركة الأمير عبد القادر (١٨٣٠-١٨٤٦) ، وحركة أحمد عرابي (١٨٨٢) ، وثورة الهند ضد الإنجليز (١٨٥٢) ، وحركة الشيخ شامل في القوقاز، وحركة الشيخ عبد الكريم الخطابي في المغرب (١٩٢٦) ، ودعوة أحمد خان١ في الهند، وجمعيات الإصلاح في أرجاء أندونيسيا والبنغال وباكستان كل هذه الحركات كانت ببركة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والتي بارك الله تعالى فيها، فامتدت لتمثل الطليعة الأولى ليقظة المسلمين بعد سبات عميق، وظهرت في أنحاء العالم الإسلامي حركات تستمد مفهومها وتستقي تعاليمها من الدعوة الإصلاحية التوحيدية الخالصة التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن آزره.
وهكذا على الرغم من وجود العوائق الكثيرة في وجه الدعوة الإسلامية المجددة، فقد قيض الله تعالى لها عوامل مهمة دفعت بها إلى سماء الانتشار في أقطار مختلفة ومتفرقة من العالم الإسلامي، وقد استطاع القائمون عليها بفضل الله تعالى ثم بفضل إخلاصهم العظيم، وعلمهم
стр. 353
الصحيح، وإيمانهم العميق، وثباتهم على الحق أن ينتصروا على جميع الخصوم والمناوئين، فيحملوا أكثر المجافين على الاعتراف بقوة الحق، وسيطرة النور على الظلمات، وعلى هذا فإن واجب علماء الدعوة وأنصارها أن يستمروا في إعلان الحقائق التي كان الجهل بها سبباً لتشويه سمعة المسلمين الموحدين عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين، ولا بأس أن نذكر ما قاله رئيس الوفد الأوروبي في الندوة العلمية التي عقدت في المملكة العربية السعودية ابتداء من ٢٢مارس ١٩٧٢ الموافق ٧ صفر ١٣٩٢.
وكان الوفد الأوروبي مكوناً من وزير خارجية إيرلندا رئيس المجلس الأوروبي والرئيس السابق للجنة التشريعية الدولية، وعضوية أستاذ القانون بكلية بوايزانسون، ومدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان، ومدير قسم حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، وأستاذ الدراسات المدنية الإسلامية المستشرق لادوست، ولفيف من رجال الفكر والقانون في أوربا.
وفي نهاية الندوة العلمية وبعد أن شاهدوا واقع المجتمع الإسلامي في جزيرة العرب، بفضل الله ، ودينه العظيم أعلن المستر ماك برايد رئيس الوفد تهنئته للدولة التي قامت على أساس الإسلام والتوحيد، وعلى ما حققته من مفاخر بفضل العقيدة الصحيحة ... إلى أن قال: "وإنني بصفتي مسيحياً أعلن هنا أن هذا البلد الإسلامي يعبد الله حقيقة.
نورد هذه العبارة لأولئك الذين ما زال الحقد والحسد يغشي أبصارهم عن رؤية الحق، ولم يسلكوا مسلك المسلمين الموحدين، ويقتدوا بهدى رسول العالمين ﷺ ، ولكن لله تعالى في خلقه شؤون.
стр. 354
وقديماً قال أبو الحسن التهامي:
ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتباين الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم العلى ... فعما ولم يقضوا على آثاري
لو أبصروا بقلوبهم لتبصروا ... وعمى البصائر عن عمى الأبصار
ولا بد أن يأتي اليوم إن شاء الله الذي يرفع فيه جميع الحواجز التي وضعها المرجفون الجاهلون والكافرون الجاحدون لقمع انتشار الإسلام دين الهدى والحق، وسيعلم الناس أن شفاءهم من جميع أدوائهم لا يوجد إلا في الإسلام، وقيمه الأصيلة، وعقيدته الصافية، وشريعته العادلة. وما زالت الدنيا مفتوحة بقدر للعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون
стр. 355
الباب الثاني والعشرون: وقفة مع أفكار المتصوفة
...
وقفة مع أفكار المتصوفة١
لقد قامت الدعوة إلى الله نقية صافية، متمحصة عن سلامة العقيدة، وصفاء الطوية، والاقتداء بالسلف الصالح من القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان. إلا أن المتصوفة الجهال الذين قامت بدعهم على التذوق، لا على النصوص الصحيحة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، نراهم قد تعلقوا بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أبدى المسلمون الصالحون استياءهم، وتمرغت وجوهم من هؤلاء الجهلة، ومكابرتهم، وسوء معتقدهم، وخروجهم عن ربقة الإسلام بما ينشرون من شركيات وضلالات ومنكرات، فلما لاحظوا استغراب الناس لها منذ زمن بعيد، ودهشتهم منها، قالوا: "بأن علومهم علوم ذوقية، لا يكاد النظر يصل إليها إلا بذوق ووجدان، كالعلم بكيفية حلاوة السكر، لا يحصل بالوصف، فمن ذاقه عرفه٢، ولذلك استعملوا طريقة الكشف، والأحلام والخواطر في تفسير القرآن الكريم، محتجين بحديث يسندونه إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: "أن القرآن ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال، ولكل طائفة من هذه الطوائف قطب، وعلى ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف٣، ولا نستغرب إذا علمنا أن المصادر التي يستقي منها المتصوفة الجهال
стр. 356
هي علم الكلام١، والأفلاطونية٢، والزهد الأعجمي٣، والرهبنة النصرانية٤ تبين لنا فساد عقائدهم، وهي التي أخذ عنها الحلاج عقيدة الحلول، حيث يقول:
وحلت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال٥
وقد سموا أوهامهم إلهاماً وعلماً إلهياً، وغالوا في الرسول ﷺ ، وظهرت منهم فيه عبارات خطيرة، وهو الذي حاطه الله حياطة شديدة في سورة الإسراء٦، حتى لا يدع مجالاً لمتخابث في حبه، أو مغال ذي نزعة فارسية، حاقدة على الإسلام الصافي –أن يعبث في مقامه ﷺ ويربطه
стр. 357
بالدواوين الباطنية المزعومة١، التي كونت لها في عالمنا الإسلامي المغلوب على أمره جيوشاً من المجانين، والمجاذيب، والدراويش، الذي اصطنعوا لهم كرامات مزعومة، وأساطير خرافية استمع لها الزنادقة، وخطبوا بها على المنابر والمحافل تمجيداً لأهلها، ودون أفكارها، وشنعوا على المسلمين الموحدين، وحملوا على العلماء الصالحين حملة قاسية، وشبهوهم بالفراعنة، حتى قال قائلهم: "وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسول على أهل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي، الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهمهم معاني كتابه، وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل ... "٢.
ويشكك أبو يزيد البسطامي في المصادر الشرعية لعلماء المسلمين فيقول: "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثنا فلان، وأين هو؟ قالوا: مات عن فلان، قال: وأين هو؟ قالوا: مات"٣.
وقد اعتمد المتصوفة الجهال طريق التأويل، ومصطلحات الشيعة مما يثبت الصلة الوثيقة بين المتصوفة والباطنية، ولقد سمعت "هادي المدرسي"٤ يؤكد هذا ويقول: "إن جميع الطرق الصوفية على الإطلاق تنتسب إلى آل البيت؟
стр. 358
وتأويلاتهم واضحة في كتبهم، ومن هنا فلا غرابة إذا حمل علماء الشرع الشريف على المتصوفة، واتهموهم بالحمق والجنون، أو بالكفر والإلحاد، ولم يتقولوا عليهم أو يفتروا، وإنما أدانوهم من أقوالهم، كهذه التي يقول بها ابن عربي أنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية، ومن أصول الديانة اليهودية، والديانة النصرانية، والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك إلى مزاج من الفكر الفلسفي الدقيق يعز على من رامه ويطول"١ وعلى أثر ذلك كثر المرتزقة، والدجالون والمحتالون والمشعوذون، ونصبت فوق القبور القباب، وأقميت الأعياد، وكثر التكلم بالكرامات والأولياء.
ويقول عبد الوهاب الشعراني:
"إن سبب حضوري مولد أحمد البدوي كل سنة، أن شيخي العارف بالله تعالى محمد الشناوي ﵁ أحد أعيان بيته ﵀ قد كان أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁ وسلمني إليه بيده، فخرجت اليد الشريفة من الضريح (!!) وقبضت على يدي، وقال: يا سيدي، يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك، فسمعت سيدي أحمد ﵁ من القبر. يقول: نعم.
وأضاف: "لما دخلت بزوجتي فاطمة، أم عبد الرحمن، وهي بكر مكثت خمسة شهور لم أقرب منها، فجاءني وأخذني وهي معي، وفرش لي فرشاً فوق ركن القبة التي على يسار الداخل، وطبخ لي حلوى، ودعا الأحياء والأموات (!!)
стр. 359
إليه، وقال: أزل بكارتها هنا، فكان الأمر تلك الليلة، وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد ﵁ كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول: "أبطأ عبد الوهاب ما جاء"١، هكذا نحيت حقائق الإسلام وظهرت الخرافات، والبدع، وأخذت تتنامى في أرجاء العالم الإسلامي، وفي أطراف الجامع الأزهر باسم التصوف، وتحت حماية الطرق الصوفية التي لا أصل لها في الدين، ولا تدخل إلا في باب الشعوذة والعته آناً، واللهو واللعب والإباحية آناً آخر. وتحولت أنشطة الأزهر إلى رسوم شكلية جامدة باهتة في ذلك العصر، وغدت علومه مجرد محاكاة لسانيه، وصيغ وعبارات متوارثة لا علاقة لها بواضع الحياة التي رسمها الإسلام العظيم، وكانت الزوايا والتكايا الغاصة بالدراويش والمعتوهين مبعث اشمئزاز وكراهية المؤمنين الصالحين لتلك الأوضاع المخالفة لتعاليم الكتاب والسنة، وعقيدة التوحيد النقية التي راح يفهمها هؤلاء المتصوفة فهما بعيداً عن دين الله ، حتى قائل قائلهم في الرسالة القشيرية٢: من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهوى ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل٣، ومن خلال دعوة الحب الإلهي،
стр. 360
بزعمهم راحوا يتغنون بالعشق ومغامراته، والخمرة وكؤوسها، وخرجوا على الناس بدعوى الحلول، ووحدة الوجود، وكان من أشهرهم في ذلك "الحلاج" الذي شرح عقيدته بقوله: "من هذب نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاه حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يعد فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى ابن مريم، ولم يرد حينئذ شيئاً إلا كان كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله تعالى١، أما داعية مذهب وحدة الوجود "ابن الفارض" فقد كان ينشد وهو على فراش الموت
قوله:
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي٢
أمنية ظفرت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام
فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحة تبين له بطلان ما كان يظنه٣.... أما دعواهم عن الحقيقة المحمدية فقد جاءوا بها لتشكيك المسلمين في أصول دينهم، ودعائمه الأساسية، وهي نظرية
стр. 361
مأخوذة عن النصرانية١ التي تقول: "لولا عيسى لامتنعت الصلة بين الله وبين الوجود، وها نحن نرى الغلو الذي يقضي بأنه لولا محمد ما ظهر شمس ولا قمر، ولا نجوم، ولا أنهار ولا بحار ولا شجر ولا مدر ولا جبال، نراه في شعر "ابن نباته المصري"، حيث يقول:
لولاه ما كان أرض ولا أفق ... ولا زمان ولا خلق ولا جيل
ولا مناسك فيها للهدى شهب ... ولا ديار بها للوحي تنزيل
ويقول البوصيري في البردة:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
وقوله:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذ الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من وجودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
стр. 362
وقال غيره:
لولاه ما خلقت شمس ولا قمر ... ولا نجوم ولا لوح ولا قلم
وهكذا جعلوا محمداً ﷺ أصل الوجود، وضربوا بكلام الله وسنة نبيه ﷺ عرض الحائط.
ومما يؤسف له أن لهم ولعاً بإمدادات الشياطين، وحيل فقراء الهنود، والخوارق التي يسمونها كرامات، وقد شاهدنا منها الكثير المضحك، ونحن مع إيماننا بكرامات الأولياء الصالحين ننكر هذه الشعوذة١ والحيل، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "إذا رأيت أحداً سار على الماء أو طار في السماء فلا تغتر به، حتى تزن عمله بميزان الكتاب والسنة"٢، هذا هو الميزان الذي يجب على كل مسلم أن يزن نفسه وقوله وعمله به، فإن رجح وإلا فلا، لأن مداخل الشيطان كثيرة ومزالقه خطيرة، وهو يحاول جاهداً زحزحة الإنسان عن الصراط المستقيم ليوقعه في الهلكة، وفي هذه المناسبة نسوق ما ذكره الإمام ابن تيمية ﵀ حكاية عن الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ أنه قال: "كنت مرة في العبادة، فرأيت عرشاً عظيماً وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك، وقد حللت لك ما حرمت على غيرك، فقلت له: اخسأ يا عدو الله. فتمزق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك ... لقد فتنت بهذه
стр. 363
القضية سبعين رجلاً. فقيل للجيلاني: كيف علمت أنه الشطان؟ قال بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أن شريعة محمد ﷺ لا تنسخ ولا تبدل١..".
وهذه الحقيقة لم يفهمها المتصوفة الجهال فراحوا يحملون المفاهيم الدخيلة المتمثلة كما قلنا في نظريات وحدة الوجود٢ والحلول٣ والاتحاد والفناء٤ والتناسخ والإشراق٥ لزلزلة مفهوم التوحيد الخالص عند المسلمين، وخلق جو من الشكوك والريب والاستسلام للجبرية، وبذلك يعزلون المسلمين عن إسلامهم خدمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى واليونان والمجوس واليهود، وتحقيق رغبتهم في تحريف الإسلام وتدميره وإخراجه من حقيقته الأصلية انتصاراً للوثنيات التي هدمها القرآن الكريم، وكشف زيفها وأبرز فسادها، ولهذا كان المتصوفة الجهال يسيرون في ركاب أعداء الإسلام ويتعاونون معهم، ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس أن رجلاً فرنسياً
стр. 364
دخل في الإسلام وسمى نفسه سيدي أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماما لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاءوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل سيدي أحمد الضريح ثم خرج مهولاً لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم، لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنسيون آمنين في ٢٦ أكتوبر سنة ١٨٨١ ... "١، ولا شك أن المتصوفة الجهال يعارضون مفاهيم الإسلام الصحيحة وسماحتها الربانية إلى مفهوم الوثنيات والنحل والتعقيدات الباطنية، وذلك من نشأتهم إلى يومنا هذا، فتراهم يرقصون ويترنحون عند القبور، وفي الزوايا، وينسجون الأكاذيب من أخيلتهم الفاسدة، وفاتهم أن دين الله لم يعرف الطلاسم والألغاز، ودولة الإسلام قامت على الوضوح والصراحة، والعجب أشد العجب أن الدول الظالمة كلما شنت حملات الإبادة على المسلمين الصالحين تقرب المتصوفين والجهال وتحتفل معهم بأنصابهم الوثنية، والتاريخ القريب خير شاهد، فلما ضرب المسلمون في مصر نشطت الطرق الصوفية كالرفاعية٢ والقادية والنقشبندية والسعدية والبيومية والخلوتية والبراهامية والختمية والأحمدية والشعيبة والشاذلية
стр. 365
والعنانية والميرغنية والسمانية والغنيمية والتسقيانية، وشكلت الدولة المصرية مجلساً أعلى للطرق الصوفية، وعينت له شيخ مشايخ١، وكان مقرباً لجمال عبد الناصر وخلفه السادات، أما في سوريا٢ فقد صار على قارعة كل طريق زاوية صوفية وخمارة نصرانية، وشيدت القباب في كل من مصر والشام في هذا العصر بالذات، وعادت الجاهلية من جديد تحمل الأفكار السامة وتعمل بأسلوبين:
١- أسلوب المتصوفة الجهال، وتحريفهم لتشوية جمال الإسلام أمام العالم.
٢- أسلوب الشيوعيين الذين يتخذون من سخافات المتصوفة ذريعة للتهجم على الإسلام وضرب القائمين عليه. وبخاصة وهم يشاهدون أفواج المعتوهين البلهاء يقفون بذل وخضوع أما المقبورين يطلبون منهم أشياء لا يقدر عليها إلا رب العالمين.
стр. 366
يقول الكاتب الأميريكي استودارد: stoddard:
أما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبسوا الوحدانية التي عملها صاحب الرسالة سخفاً من الخرافات، وقشوراً من الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتك ستر المحرمات على غير خشية ولا استحياء، إلى أن قال: فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى من كان يدعي الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون عبدة الأوثان.
أما في اليمن: فهناك قبور ينسبونها إلى الأولياء، ويحجون إليها، مثل قبر الحاوي والبرعي، وابن علوان والأهدل وغيرهم.
وفي العراق: أمرّ وأدهى، حيث تجد الشرك عند القبور: الإمام أبي حنيفة، والكرخي وعتبات كربلاء (؟) والقبر المزعوم لعلي بن أبي طالب ﵁ فتراهم يتوجهون إليهم بالعبادة والدعاء والذبح والاستغاثة، وطلب الحاجات ولطم الخدود وشق الجيوب.
تقول جريد السياسة الكويتية في عددها (٦٧١٤) ١٩ شعبان ١٤٠٧هـ بمناسية اليوم الخامس عشر من شعبان، الذي هو يوم النسخة، حيث يحتفل
стр. 367
بضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، رأس الصوفية، وشيخ الإمام الشاذلي، الذي تنتشر طريقته من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، حيث تقام حفلات دينية تستمر ثلاثة أيام، يقصد المغاربة خلالها الضريخ من كافة البلاد، ويرتلون القرآن الكريم والصلاة المشيشية المشهورة، وبهذه المناسبة كلف الملك الحسن الثاني كعادته في كل سنة، وفداً مكوناً من مستشاره الأستاذ أحمد بن سودة وزير الدولة مولاي أحمد العلوي.
ولا يوجد بلد في عالمنا الإسلامي إلا وتشاهد فيه الأوثان السياسية والأصنام البشرية، والأنصاب الوثنية، والهياكل الجاهلية، وترى سدنتها من الزنادقة والمشعوذين يزينون للدهماء من الناس عبادتها ويبتزون عن طريقها أموالهم، حتى وصف الشاعر المصري حافظ إبراهيم الواقع المرير بأبيات من الشعر، قال فيها:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات
يسعى الأنام لها ويجري حولها ... بحر النذور وتقرأ الآيات
ويقال هذا القطب باب المصطفى ... ووسيلة تقضي بها الحاجات
стр. 368
ونراه يتوجه من الحالة التي وصل إليها الناس في البدع والشركيات، فيقول:
إمام الهدى إني أرى القوم أبدعوا ... لهم بدعاً عنها الشريعة تعزف
رأوا في قبور الميتين حياتهم ... فقاموا إلى تلك القبور وطوفوا
وباتوا عليها جاثمين كأنهم ... على صنم للجاهلية عكف١
стр. 369
ولو أردنا أن نسرد حديث الأغاليط وترهات المتصوفة الجهال لأحوجنا ذلك إلى مجلدات، ولكننا نختم هذه النبذة بقصة أوردها الشيخ محمد جميل زينو١ يوم كان نقشبندياً في مدينة حلب، فيقول: "كنت شاباً صغيراً، وآتي شيخ الطريقة النقشبندية الصوفية في المسجد. فأمر أحد المشايخ الحاضرين أن يعطيني ورد الطريقة النقشبندية، فأعاطني بعض الأوراد في الصباح والمساء، وكنت أحضر مع خالي حلقة الذكر التي يسمونها "ختماً"، وكان قريبي يطلب مني قراءة عشر من القرآن الكريم في آخر الختم، لأنني أحفظ القرآن غيباً، وكان الذكر في الحلقة خفياً، وكان واحد من الجالسين يعيطه مدير الختم حصيات صغيره يقرأ بعددها تسبيحات أو شيئاً من القرآن الكريم، وكنت ألاحظ في الختم ما يلي:
١- كنت أسمع آخر الذكر رجلاً يقول: "الرابطة الشريفة، وسرعان ما تنطق الأصوات العالية من بعض الجالسين: هو. هو" وتهتز الأجسام، ويحصل البكاء، فسألت عن معنى كلمة "الرابطة الشريفة" فقالوا لي: أن تتصور صورة
стр. 370
الشيخ أمامك وقت الذكر، لذلك تجدهم لا يخشعون عند التسبيح وتلاوة القرآن بل يخشعون عند ذكر الشيخ، فيبدأ الصراخ والبكاء.
٢- سألت قريبي مرة عن الوسائل التي تجلب للمصلي الخشوع وتطرد الوساوس، فقال لي: تصور الشيخ في صلاتك، فقلت له: كيف أتصور الشيخ في الصلاة؟ فهل أنا أصلي للشيخ؟ أم أصلي لله؟
٣- ورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، روها مسلم. فهذه المرتبة الكبيرة أن تعبد الله كأنك تنظر إليه. ولما كان الله لا يمكن لأحد أن يراه في الدنيا، فقال ﷺ : "اعبد الله وصل له وأنت تعتقد أنه يراك"، هذه مرتبة الإحسان التي هي مراقبة الله أعطاها -المتصوفة الجهال- لمشايخهم، فبدلاً من أن يراقبوا الله الذي يراهم راحوا يراقبون شيخهم بدلاً من الله تعالى، وهذا هو الشرك والضلال.
٤- تعرفت على شاب موحد كان متصوفاً فحكى لي سبب تركه للتصوف قائلاً: بعد أن أعطانا وكيل الشيخ أوراد الطريقة وانصرفنا وإذا به ينادينا جميعاً فيقول لنا: نسيت أن أقول لكم: عليكم أن تتصوروا الشيخ عند قراءتكم الورد في الذكر، فلما سمع الشاب هذا الكلام ترك الصوفية، وأصبح موحداً –على منهج السلف الصالح.
إن طريقة هذا الشاب ليست طريقتي التي اتخذتها على الشيخ الذي رآني في المسجد، ولكن طرق التصوف رغم كثرة عددها واختلافها فإنها متفقة على تصور الشيخ أثناء الذكر.
٥- دعاني قريبي إلى حفل مولد في بيته، فلما دخلت الدار سمعت الحاضرين
стр. 371
ينشدون:
دلوني بالله دلوني ... على الشيخ النصر دلوني
يبري العليل ... ويشفي المجنون
وقفت على الباب وقلت لقريبي هل يستطيع شيخكم أن يشفي المريض والمجنون؟ فقال لي: نعم بإذن الله. فقلت له: ولماذا تقولون بإذن الله كما قال عيسى ﵇، وهي معجزة له ذكرها الله في القرآن، ولا يستطيع أحد أن يفعلها مثله؟ ثم رجعت ولم أدخل إلى البيت يعلن فيه الشرك جهاراً، لأن إبراهيم ﵇ حكى عن عقيدته في القرآن، فقال على لسانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ، أكدت الجملة بالضمير المنفصل، فهو ليعلم المسلم أن الشافي هو الله وحده لا غير.
٦- زرت قريبي في أيام العيد، فرأيت صورة شيخه معلقة فوق جدار القبلة، وقلت له: "نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك"١، وكيف تجوز صلاتك وصورة شيخك أمامك؟ فهل تصلي لله؟ أم تصلي للشيخ؟ فلم يقتنع، وبعد جدال طويل طلبت منه أن يحول صورة شيخه من جدار القبلة إلى جدار آخر فرفض لاعتقاده أنه يستمد من صورة شيخه الذي أمامه الخشوع.
стр. 372
٧- ثم أتى عيد آخر: فترددت في زيارته وهو من الأرحام، فقلت أذهب إليه لنصحه حتى لا أكون آثماً عند الله بزيارته، فجلست أنظر إلى الصورة كي أنزعها من جدار القبلة، فقلت لولدي الشاب هل تستطيع رفعها من الجدار فلم يفعل، ثم أمسكتها بيدي وألقيتها خلف الطاولة، وقلت لولده: يا أحمد أنت شاب مثقف متخرج من كلية الشريعة خذ الصورة وأخفها ولا تعلقها امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ ، فوعدني بذلك ولم يعلقها.
٨- كان قريبي يستيقظ كل يوم قبل الفجر ليذكر الله عدة آلاف، وصورة الشيخ وشعره في جيبه يستمد منه المدد والخشوع.
٩- لقد جالست المتصوفة –وحضرت أذكارهم، وتعرفت على طرقهم المختلفة فلم أر طريقة تسير وفق منهاج الإسلام الصحيح، فقصائدهم وأناشيدهم في الزوايا والمساجد لا تخلو من دعاء غير الله تعالى، وهو سبب بلاء الشعوب في الدنيا وخلودهم في العذاب يوم القيامة، فقد سمعت أحد الصوفية ينشد في حلقة ذكر في المسجد قائلاً:
"رجال الغيب، المدد ساعدونا، أنقذونا، انصرونا". فقلت بعد انتهاء الذكر لشيخهم. كيف تسموا هذا ذكراً وهذا المنشد لم يذكر الله جل وعلا ولم يدعه، بل سأل غيره من رجال الغيب، ومن هم رجال الغيب؟؟ أهؤلاء الذي يزعمون علم الغيب وقد ماتوا وانقرضوا، ثم يسألهم النصر على الأعداء؟ القرآن يقول لمثل هؤلاء: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤) .
١٠- كنت أحضر دروس شيخ مسجد قريب لي، وكان هذا الشيخ عالماً بالتفسير واللغة العربية والبلاغة، واستفدت من دروسه، وكنت أشترك معه في
стр. 373
تأليف كتب صغيرة لطلاب المدارس، وأغلبها توزع مجاناً على نفقة أهل الخير، كنت أقرأ عليه حديث ابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".
وشرح النووي له وتأكيده على دعاء الله وحده لا شريك له –في الشفاء والرزق والهداية، ولكن الشيخ لم يعجبه هذا التفسير، وذهبت أناقشه بأن هذا الحديث الصحيح صريح في طلب الاستعانة بالله، فقال لي: إن عمتي تقول الشيخ سعد ولي مدفون في مسجده على زعمهم، فأقول لها: يا عمتي هل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول له: يتدخل على الله فيستعين. فقلت له: عجباً لك أيها الشيخ، أنت رجل عالم تدرس الطلاب، وتقرأ الكتب الكبيرة، ثم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة الأمية!! فقال لي: أنت عندك أفكار وهابية، ثم تركني وتركته، وبدأت أقرأ كتب الموحدين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الذين ينكرون دعاء غير الله ويعتبرونه شركاً.
لقد بدأت أشعر بلذة التوحيد ومرارة الشرك، وأدعو غيري من المسلمين أن يكونوا على عقيدة التوحيد التي دعا إليه قرآننا العظيم ورسولنا الكريم ﷺ .
وهكذا اطلعنا في هذه العجالة على جناية الزوايا، ونسأل الله أن يجعلنا من المسلمين الموحدين، أتباع سيد المرسلين، محمد ﵌، وأن يهدي ضلال المسلمين، إنه سميع مجيب.
стр. 374
الباب الثالث والعشرون: الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق والغرب عليه
الفصل الأول: ثناء علماء ومفكري الشرق
...
الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق والغرب عليه
الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق
١- قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:
"لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدرة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. كما ورد في الأحاديث. ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب "النجدي"، من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وترك البدع والمعاصي، وإقامة شعائر الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة، فهبت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث: قوة الدولة والحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام. وكان أقوى أسلحتهم في الرد عليه، أنه خالف جمهور المسلمين.
من هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته؟
هم أعراب في البوادي، شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيراً من أمور الإسلام المجمع عليها، والتي لا يسع مسلماً جهلها١.
стр. 375
٢- محمد كرد علي:
وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هدى الناس من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعباً من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد أنملة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له١.
٣- عباس محمود العقاد:
وظاهر من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقى في رسالته عنتاً، فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع، ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع، والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد عبر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلاً بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقاً على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية صرفهم عن ألوان البدع والخرافات٢.
٤- أحمد بن عبد الغفور عطار، ﵀ :
رأى ابن عبد الوهاب ما حل بالمسلمين، ورأى ما بنجد من الشرك والوثنية، ولم تكن نجد خالية من العلماء، بل كان فيها منهم عدد غير قليل في مدنها وقراها،
стр. 376
ولكنهم كانوا ضعفاء، ومنهم من لم يفضلوا العامة في معتقداتهم الخرافية، ومنهم من كان على بصيرة من أمرهم، ولكنهم لم يكونوا شجعاناً ودعاة، بل كانوا وعاظاً محدودي الأثر، ولكن ابن عبد الوهاب لم يكن مثلهم، فقد كان عالماً حقاً، وكان سلفياً صادقاً في عقيدته ومنهجه، وكان شجاعاً وداعية، ولكن العلماء ليسوا ورثة الأنبياء في العلم وحده، ولكن ميراث النبيين يتجلى في القيام بأعباء الدعوة والتبشير برسالاتهم، واستقبال الأذى بعناد وإصرار في سبيل هداية البشر١.
стр. 377
الفصل الثاني: ثناء علماء ومفكري الغرب
...
الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الغرب
١- قال المستشرق جولد سيهر:
إذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية:
يجب على من ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان١.
٢- قال المستشرق سيديو في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
فرأى الشيخ أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن بأحكام رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعود بها عظمة الماضي، ولم يكن للشيخ هدف من الإصلاح الذي بدأه سوى إعادة شريعة الرسول الخاصة إلى سابق عهدها ... ا. هـ.
٣- ويسرد في كتابه "العربية السعودية في القرن التاسع عشر ما ملخصه":
نحن لا نعرف إن كانت الوهابية تستطيع مواجهة عصر الذرة والفضاء، ولكن أحد لا ينكر قيمتها، وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث.
стр. 378
إن الوهابية كانت في الحقيقة نعمة على المسلمين بمساهمتها الواسعة في تنبيه المسلمين إلى مظاهر الوثنية وتحذيرهم منها، ولا شك أنها حققت فكرة ابن خلدون القائل: "أن العرب البدو يستطيعون أن يؤلفوا قوة لها شأن متى انقادوا إلى الدين".
٤- قالت دائرة المعارف البريطانية:
الحركة الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح.
٥- قال المستشرق لوتروب ستوداره في كتابه "العرب":
بلغ العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري أعظم مبلغ من التضعضع الثقافي، ومن الانحطاط. فأربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع كم أصقاعه، وجاء من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال.
أما الدين فقد غشيته غاشية سوداء. فألبست الوحدانية التي حملها صاحب الرسالة ﷺ سحيقاً من الخرافات، وقشوراً من الصوفية.
٦- قال المستشرق الأسباني "أرمانو":
إن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق.
فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة محمد ﷺ وإنما ينقصهم للوصول إلى أهدافهم المقدسة رجال متنورون مثقفون، وهم ويا للأسف قلائل في هذه الديار١.
стр. 379
الباب الرابع والعشرون: الدعوة إلى الإسلام والحياة الطيبة في الدنيا ولأخرة
...
الدعوة إلى الإسلام ولحياة
الطيبة في الدنيا والآخرة
إن الإسلام هو الدين الأزلي الجامع الذي تواترت رسالات الأنبياء على إظهاره، فكانوا دعاة دين واحد. وشرائع متعددة تعاقبت، فكان لكل قوم هاد، ولكن قوم شرعه ومنهاج حتى ختم الله ﵎ بالرسالة المحمدية المصدقة لدعوات الأنبياء الأولين، ﵈. هذه الرسالة السمحة تخاطب الناس كافة، وهي صالحة لكل زمان ومكان، رسالة جمعت فأوعت، واتسعت فأرشدت كل جنبات الحياة، إن نشرها والدعوة إليها واجب على أبناء الإسلام، حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور وينعموا بمنهج الله تعالى الذي ينظم الحياة ويوجهها ويصونها ويأخذ الناس بحكم رب الناس ملك الناس إله الناس، كي يوفر لهم الحياة الطيبة المبنية على قاعدة الإيمان الخالص، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧) ، ولا يمكن أن يكون عمل صالح إلا بإيمان خالص، وبغير القاعدة التوحيدية الصحيحة، لا يمكن أن يقوم بناء إسلامي سليم، لذلك لا بد من حمل لواء الدعوة الإسلامية الصحيحة، وعلى جميع المسلمين أن يستشعروا عبوديتهم لله وحده لا شريك له، فينسوا أنفسهم في سبيله، ويتذكروا أخوتهم الإسلامية التي جمعت المهاجرين والأنصار، ووحدت قلوب المسلمين الأولين بعروة الله الوثقى، وهي: القرآن الكريم الذي عصمه الله من التحريف والتزييف، وجعله مصدقاً لما بين يديه من الكتب الإلهية ومهيمناً عليها، وخاتماً لها، هذا الكتاب الفاصل بين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر وبين الأثرة والأنانية.
стр. 380
جاء الوعد الحق بأن الباطل زهوق، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وفيه تبيان الصراط المستقيم والشعائر الإلهية التي تدعو الفرد للفضيلة، وتوجهه نحو الحياة التي تقوم على العدالة والإخاء.
فالصلاة:
تجديد للصلة بالله ، وترسيخ لمعاني الالتزام بالحق، ونهي عن الفحشاء والمنكر.
والصوم: زيادة على ما فيه من أسرار، تحمل للصبر على الشدائد، والمشاق، وتطويع للرغبات والشهوات.
والزكاة:
عبادة مالية توظف الأموال الوثروات في سبيل التكافل الذي أمر به الإسلام، ومشاركة المعسري في ثروة الميسور، بجزء معلوم للسائل والمحروم.
والحج:
عبادة كبرى تجمع بين المادة والروح احتفاء بتوحيد الله ، ورمزاً لوحدة أمة الإسلام، والتقائهم حول رب واحد، ودين واحد وقبلة واحدة.
والإسلام الصحيح وحده هو القادر على رفع الإنسان إلى القمة الشاهقة بغرس التوحيد الخالص والإيمان الصادق في قلبه، ليتمكن من تأدية واجب الأمانة التي كلفه الله تعالى به بلا وساطة ولا وسيط.
стр. 381
ومن هنا كان لهداية الإسلام أسلوب قويم، وأن مفتاح الإصلاح في الإسلام هو التوحيد، فالدعوة الإسلامية تبدأ بغرس الإيمان في قلب الإنسان، وتجعل المؤمنين مراقبين لله ، في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم، وهؤلاء الأفراد الذي تزودوا بصحوة التوحيد والعقيدة هم اللبنات التي تعمر الحياة، وتنظم المجتمع، فتجربة الإنسان عبر التاريخ الإسلامي للأهواء والبدع قد باءت بالفشل، سواء كانت صوفية أو عقلانية١، بعيدة عن الكتاب والسنة.
وما على أبناء الإسلام وخصوصاً بعد أن مرت الأمة بتجارب مريرة -إلا أن يكرسوا جهودهم من أجل العودة بالمسليمن إلى الإسلام الصحيح، والسير خلف العلماء الصالحين القادرين على قيادة الناس بالكتاب والسنة بما وهبهم الله تعالى من قوة روحية ومعنوية، هؤلاء العلماء الملتزمون قولاً وعملاً بمبادئ الإسلام- يعتبرون مسؤولين مسؤولية كاملة أمام الله والأمة جميعاً، عن تبصير الناس بدين الحق، وتحت قيادتهم، يمكن للمسلمين في أنحاء الأرض أن يقيموا المجتمع الإسلامي المتحد القادر على تطيبق رسالة الله الشاملة، والقضاء على كل نظام لا تتفق أسسه مع مضمون "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وشريعتها الإسلامية التي يجب على كل دولة إسلامية تطبيق مبادئها، وجعلها مناراً يهتدي بنوره الحاكم والمحكوم على السواء، في المجال التربوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والعسكري، واتخاذ الخطوات العملية لتضامن المسلمين، وإزالة التناقضات بينهم، تحقيقاً لقوله تعالى:
стр. 382
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥٢) .
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فأولها صلح بالاعتماد في شؤونهم كلها على الكتاب والسنة، وعلينا نحن إذا أردنا حياة العزة الإسلامية سابغة، أن نتعاون على البر والتقوى فيما بيننا، ونجتمع على تعاليم ربنا، وهدى نبينا ﷺ ، ونتحاب في الله ، ونرجع عند الاختلاف إلى الله والرسول، تنفيذاً لقوله :
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: ٥٩) .
وحينئذ تمتد أمواج الحق لتبدد ظلام الباطل، فينبلج نور الفجر معلناً عن يوم جديد تشرق فيه أشعة الإسلام، لتكشف زيف جيوش الظلام، ويهتف هادي التوحيد "شعارنا الوحيد: إلى الإسلام من جديد"، فتجدد الآمال وتمتلئ المساجد بالركع السجود كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، مثلما كانت عليه أيام رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، وتعج قاعات المحاضرات في الجامعات والمدارس والجمعيات بمن يستمع الذكر والحكمة بآذان صاغية، وقلوب واعية متيقناً بأن المستقبل للإسلام، وأن دولة الخلافة على منهاج النبوة لا بد آتية لا ريب فيها، وترتفع الهامات والرؤوس وتتطهر النفوس مستعلية بالإيمان على الدنيا، وأصحابها وعلى الباطل وأعوانه، وتنحني رؤوس الموحدين لله رب العالمين إيذاناً بأن جيلاً قرآنياً سلفياً صالحاً قد ولد من جديد بعاطفة إيمانية تأبى إلا أن تفرض نفسها، ً وتبرز وجودها، وتبرهن على حياتها وحيويتها، لأنها ليس من صنع البشر، ولكنها من صنع الله ، الذي ألف بها بين عباده الصالحين:
стр. 383
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٩) .
وبهذه الوحدة الإيمانية لن تغلب هذه الأمة، ولم تقهر، ولن تهتز حتى ولو تألبت عليها الأمم، واجتمع عليها أهل الأرض جميعاً، وقد حقق الله تعالى لهذه الأمة في ماضيها المجيد، وسيحقق لها في مستقبلها السعيد شريطة أن يرفض كل مسلم كل مظاهر الجاهلية، وجميع أشكال العقائد الأرضية، والنظم البشرية في سائر مناحي الحياة، ويعتقد أنه لا خلاص إلا بالانخراط تحت لواء التوحيد، وتسليم الأمة وجهها لله امتثالاً لأمره.
﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة: ٢٠٨) .
عند ذلك تقوم دولة الإسلام العالمية وتعلو كلمة الله ، فتغشى وجوه المنافقين والمشركين قترة سوداء، لأنهم ربطوا مصيرهم بغير الإسلام، وأعطوا ولاءهم لغير الله، وسلموا قيادهم لأعوان "ماركس، ولينين وسارتر وفرويد"، ومن دعاء الإلحاد والإباحية، ولدعاة المهاترات والسخافات، والقيل والقال من الشيوعيين واليساريين والقوميين والعلمانيين، وعند ذلك تكون الساحة للإسلام وأبنائه، تملؤها أفواج العابدين المخلصين، وجموع المزكين المجاهدين، وأحفاد "أبي بكر" و"عمر" و"عثمان" و "علي"، ولا يبقى للباطل وجود بيننا بارتفاع صوت الحق مدوياً:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء:٨١) .
وتولي أذناب الصليبية والإباحية الأدبار من عمالنا الإسلامي: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر:٥١) ، وتضيق بهم الأرض بما رحبت، وتلفظهم
стр. 384
البشرية جزاء عبثهم بها قروناً كثيرة، فلا يجديهم شرق ولا غرب، وتلعنهم الجن والإنس بما نقضوا من عهود الله تعالى ومواثيقه، عند ذلك تتفجر شرايين اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين غيظاً على ما يعاينونه من عزة الإسلام وقوة أتباعه، وخذلان الباطل، وتنكيس أعلامه خاصة وهم يشاهدون راية التوحيد والإيمان ترفرف فوق "رومية" عاصمة أهل الصلبان، والتي هي اليوم مقراً لباب الفاتيكان، وتأمل معي هذا الأثر الصحيح: عن أبي قبيل: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنيطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أم رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً يعني القسطنطينية١.
وستكون رايات الجهاد ضد المشركين والكفرة وأصحاب البدع ترفرف في أنحاء العالم الإسلامي.
وستكون دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ناصعة مهما عبث العابثون والمضللون والخرافيون وأذنابهم، وقد خيب الله أمل كبير القساوسة المجرم "الزويمر" الذي يقول وهو يتبجح: "لقد انتهت هذه الحركة كاملة، ولقد ثبت الآن أن وجودها السياسي كان مجرد تمثيلية رائعة"٢، ولكن الله غالب على أمره،
стр. 385
فهذه المملكة العربية السعودية وترى السلفية قائمة دينياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، ومشرفة على البيتين، ومحاربة الدخلاء والمنافقين، وستظل السعودية بإذن الله الدولة الإسلامية الرائدة مهما حقد عليها الأعداء.
وإن ترابط الأسرتين الكريمتين. (آل سعود وآل الشيخ) دليل على صلة وثيقة منذ مائتين وثلاثين عاماً١.
وصدق الشاعر ابن عثيمين:
وأبناء شيخ المسلمين محمد ... لهم فضل سبق طبق الأفق شائعة
هموا آزروكم حين لم يك ناصر ... سوى ربكم والمرهق الحد قاطعه
على جدث ضم الإمام محمد ... سحاب من الغفران ثج هوامعه
فإن رمت أن تأتي الهدى بدليله ... فطالع بعين القلب ما ضم جامعه
على من مضى منكم ومنهم تحية ... يجود بها جزل العطاء وواسعه
стр. 386
فأنتم وهم من رحمة الله للورى ... فلا زلتمو ما صاحب النسر واقعه
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ليست ملكاً لبلد ولا وقفاً على أسرة أو قبيلة، بل للعالم الإسلامي بأسره، وعشيرته هم الموحدون المؤمنون في كل بقعة من عالمنا الإسلامي الكبير.
أما الحاسدون لهذه الدعوة وصاحبها وأتباعهم، فإننا نقول لهم كما قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل طيب العود
وكما قال الشاعر:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
стр. 387
ويقول آخر:
إذا أراد الله حتفاً بنملة ... أتاها الله جناحين لها فأطارها
رحم الله سليمان بن سحمان إذا يقول:
ولو كل من يعوي يلقم صخرة ... لأصبح صخر الأرض أغلى من الدر
والمثل العربي يقول: نبح الكلاب لا يضر السحاب.
وقبل أن نختم هذا الفصل أضع أمام الأخوة الردود النافعة على المعارضين لدعوة التوحيد لتكون نبراساً لطلبة العلم، الذين يريدون الحق وكشف الحقائق.
١- تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود ابن جرجيس عبد الله بن عبد الرحمن البابطين (ت١٢٨٢هـ) .
٢- النبذة الشريفة النفسية في الرد على القبوريين، وكتاب الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب، تأليف محمد ابن ناصر بن معمر.
٣- الصيب الهطال في كشف شبه ابن كمال: تأليف أحمد بن محمد الكثلاني.
٤- إيقاظ الوسنان على بيان الخلل الذي في صلح الإخوان: تأليف محمد بن ناصر الشريف التهامي اليمني (ت١٢٨٣هـ) .
٥- القول الفصل النفيس في الرد على داود جرجيس: للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الرحيم (١٢٨٥هـ) .
стр. 388
٦- تأييد الملك المنان في نقض ضلالات دحلان: تأليف صالح بن محمد الشهري.
٧- صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: تأليف الشيخ محمد بن بشير السهسواني (ت١٣٢٦هـ) .
٨- غاية الأماني في الرد على النبهاني: تأليف علامة العراق محمود شكري الألوسي (ت١٣٤٢هـ) .
٩- الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد، وكشف غياهب الظلام عن جلاء الأوهام والرد على علي مختار أحمد المؤيد، والصواعق المرسلة الشهابية في الرد على الشبه الشامية، والرد على محمد عطا الكسم، والضياء الشارق في رد الشبهات المارد الحاذق، وتبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب، والبيان المجدي لشناعة القول المجدي، وكل هذه الكتب من تأليف علامة نجد سليمان بن سحمان (ت١٣٤٩هـ) .
١٠- البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج المختار: تأليف فوزان بن سابق السابق (ت١٣٧٣هـ) .
١١- الصراع بين الإسلام والوثنية، وهو رد على محسن الأمين العاملي صاحب كشف الارتياب، وكتاب البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية، وكتاب الفصل الحاصم بين الوهابيين، ومخالفيهم، وكتاب الثورة الوهابية. كل هذه الكتب من تأليف عبد الله بن علي القصيمي.
١٢- الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتاب نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين، تأليف أحمد بن حجر آل علي آل بو طامي.
стр. 389
١٣- دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: تأليف محمد منظور النعماني وهو من علماء الهند.
١٤- الرسالة المكية في الرد على رسالة الرملية: تأليف الشيخ عبد الظاهر أبو السمح (ت١٣٧٠هـ) .
١٥- محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه: تأليف مسعود الندوي الهندي (ت١٣٧٣هـ) .
كل هذه المؤلفات التي تدافع عن عقيدة السلف الصالح، وتكشف زيغ أعداء الدعوة المباركة، وتدمر الباطل: وصدق رب العزة والجلال إذ يقول:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .
أسأل رب العزة والجلال، رب العرش الكريم، أن يجعل هذا الكتاب خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرحم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بما قام به من جهد عظيم في محاربة الشرك والبدع والخرافات التي لصقت بالدين، والدين منها براء، فجزاه الله عنا رحمة واسعة، وأن يدخله فسيح جنانه، إنه نعم المولى ونعم النصير، كما أسأله أن يعمنا برحمته ويشملنا بفضله وإحسانه، فيا أخي القارئ: إن هذا الكتاب قد أخذ مني من الجهد ما لا يخفى عليك، فأرجو من الله أن ينتفع به شعوب العالم الإسلامي شرقه وغربه، وأن يكون نبراساً يهتدي به كل ضال يبحث عن الهدى، وأن يكون نجماً يهتدي به كل باحث عن حقيقة التوحيد الخالص النقي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه وصار على نهجه إلى يوم الدين.
стр. 390
أموت ويبقى كل ما قد كتبته ... فيا ليت من يقرأ كتابي دعا ليا
لعل الإله يمن بلطفه ... ويرحم تقصيري وسوء فعاليا
بقلم
أبي عبد الله
أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين
القصيم –بريدة