وإصابة محاولات التضليل بالعجز عن أداء دورها الهدام، تحول هذا اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أي طابع للإحساس باستقرار المشاعر، أو أي معنى من معاني الإساءة، وصار مجرد تعريف مميز لأصحاب الفكرة السلفية، ماهية الدعوة التي بشر بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأصبح هذا اللقب شائعاً ورائجاً بين الكتاب والمؤرخين الشرقيين والغربيين على حد سواء.
وبالتالي فليس هناك ما يبرر هجر استعمال تلك الكلمة كتعريف شائع أو تعبير يستخدم في إطاره الصحيح للرمز إلى المضمون الفكري المقصود: وهو التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، وما زج به في العقيدة السلفية وأدخل عليها من انحراف، مع ضرورة العيش في قيادة إسلامية عادلة تحكم الشريعة، وتلتزم تطبيق منهجه عملاً وتحمل الرعية على امتثال ذلك بأسلوبي الترغيب والترهيب، وإن أصروا على هذه التسمية نقول لهم قد أجاب العلامة الشيخ "ملا عمران بن رضوان" ﵀ صاحب مدينة لنجة بهذه الأبيات وهي فخر وشرف ووسام يفتخر بها كل نجدي وغير نجدي من الموحدين، وهو يرد على الخصوم قائلاً:
إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب
لا رقية ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب
стр. 317
أيضاً ولست معلقاً لتميمة ... أو حلقة أو دعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني وينفع ما بي١
ويقول الشيخ العلامة سليمان بن سحمان ﵀ في الرد على بعض الخصوم الحاقدين على هذه الدعوة والذين لقبوها بهذا اللقب:
نعم نحن وهابية حنفية ... حنيفية نسقي لمن غاصنا السرا
بمحكم آيات وسنة أحمد ... نصول على الأعداء فنأظرهم أطرا
حنابلة كنا على نهج أحمد ... إمام الهدى من كان من كفركم يبرا
على السنة الغراء قد كان قدوة ... لنا في الهدى لم يغد ما قاله شبر٢
يقول أبو الهدي الصعيدي المصري ﵀:
"إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا، فنحن أيضاً وهابيون"٣.
стр. 318
يقول الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي:
"من معاملة الله لهم –أي خصوم الدعوة بنقيض قصدهم هو أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقباً لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف١.
ويقول مسعود النووي ﵀:
"وعلى كل حال، فنظراً إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة، هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء، فلا أرى حرجاً في هذه التسمية"٢.
إن اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة أشد على أعدائهم من السلاح والعتاد، وأفتك بهم من الموت، وتوالت العصور وكانت شعلة النور الإسلامي موقدة تنير العالم، ذلك عندما كان المسلمون على صدق مع الله ورسوله، مستمسكيم بعقيدة التوحيد، وتوالت الأيمام وتسللت الأفكار الخبيثة إلى صفوف المسلمين، وارتدت الجموع الفارسية واليهودية والجاهلية لتتأهب وتتاح لها فرصة العمر فتنقض بانحرافاتها داخل المعاقل الإسلامية تحاول الإجهاز على المسلمين ودينهم، ولم تساهم في هذه المعارك جيوش ضاربة، وإنما كانت عقائد باطلة تحاول طمس منهاج الله تعالى وتشويه حقائقه وإنهاء دولته وتقليص نفوذه،
стр. 319
فتسللت الفلسفات اليونانية والإغريقية والفارسية، وظهرت التكايا والزوايا تربي الناس على الخمول والكسل والانحراف عن دين الله ، ولكن ... هل انتهى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ؟ ... هل انتهت أمة الإسلام؟ .. لا ... وألف لا ... فالإسلام يحفظه الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .
فبحفظ الكتاب والسنة لا تنتهي أمة الإسلام في الأرض، وبعلماء الإسلام العاملين وقادته المصلحين سيستمر العلم والتعليم لكشف الزيغ والحركات الضالة، وسوف تتربى الأجيال على الإسلام الصحيح وتتلقى القرآن فتفهم أحكامه وتحل حلاله وتحرم حرامه، وتفهم سياسته واقتصاده في شخوص رجال ونساء، إذا رأيتهم رأيت قرآناً يجري حركة حياة ونبضات قلوب تحتضن الوجود لتغمسه في بحر الإسلام ليغدو عطاء ورحمة، وهكذا كانت الدعوات الصحيحة والدعاة الصالحون في كل عصر وجدوا فيه، ولما قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإسلامية كان يسلك مسلك السلف الصالح ويعيد الناس إلى الإسلام الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، ويزيل عن الناس كثيراً مما كان قد جلبه عليهم ابتعادهم عن الدين الخالص، وقد كانت هذه الدعوة الإسلامية منطلقاً صحيحاً للمسلمين في الإصلاح والتصحيح في العقيدة والعبادة والعمل والسلوك، لأن دين الإسلام هو طب البشرية كلها من كافة أدوائها، وأن التماس الهدى في غير ضلال وضياع، فكان الإمام محمد داعية إسلامياً ظهر في زمان سيطرت على المسلمين فيه أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن الصراط المستقيم، فكان رحمه الله تعالى رائداً في دعوته إلى منابع الإسلام الأولى، واتباع ما كان عليه السلف١ الصالح، ولذلك نسبت إلى
стр. 320
السلفية فالاتجاه السلفي في أساسه يعمل على نقاوة العقيدة الإسلامية وتخليضها من الشوائب التي تفسدها وتميعها، والرد على الانحرافات التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، والصمود في وجه الفرق الضالة، وبهذا تكون الدعوة الإسلامية السلفية هي دعوة الكتاب والسنة والدين الصحيح، هي دعوة البر والبركة، ودعوة التوحيد الحق، والاتباع السليم، والتزكية والطهارة، أي أنها باختصار دعوة الإسلام الصحيح التي بعث بها النبي محمد ﷺ ، واتفق العلماء على أن السلف يراد بهم:
أولاً: الصحابة، رضوان الله عليهم.
ثانياً: التابعون لهم بإحسان، رحمهم الله تعالى.
ثالثاً: تابعو التابعين.
وهذا ما بينه الرسول ﷺ بقول: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران: "فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" ١.
стр. 321
ومذهب السلف هو –كما قلنا- ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وما كان عليه أعيان التابعين لهم بإحسان، وما كان عليه أتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظيم شأنه بالدين وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف، كالأئمة الأربعة والسفيانيين والليث بن سعد وابن المبارك والنخعي والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة أو اشتهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، والسلفية إذن تتمثل في توحيد الله وإفراده بالربوبية والألوهية، وإخلاص القول والعمل، والاتجاه به إليه وفق ما جاءت به الحنفية السمحاء والتي لا يقبل الله تعالى من أحد من عباده ديناً سواها، وهي العبودية الخالصة والتعبد لله وحده لا شريك له وفق ما جاء به نبينا محمد رسول الله ﷺ ، وقد لازم الدعوة الإسلامية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما يلازم الدعوات الكبرى من نشاط فكري وحركي على الجانبين الإيجابي والسلبي١، ومن المؤشرات التي توزن بها ضخامة الدعوات الجديدة عنف حركة التأييد والمعارضة على السواء. ذلك لأن الدعوات الكبرى تفاجئ الناس عادة بغير ما عهدوا من مألوف المعتقدات والعادات فيتهيبها الناس في أول الأمر، ويستعظمون ما جاءت به، فإذا تدبرها بعض العقلاء واكتشفوا ما تنطوي عليه من الحق والخير تعصبوا لها تعصباً شديداً، ثم تجيء ردود الأفعال عن الذين يأكل قلوبهم الحسد على المكانة التي يحظى بها صاحب الدعوة بين أنصاره ومؤيديه، والزعماء الذين يتمسكون بالأمر الواقع الذي سودهم ولا يرحبون
стр. 322
بالجديد الذي لا يأمنون عواقبه، لأن أي خلخلة للاستقرار القائم ستجلب معها زعامات جديدة تلائم الواقع الجديد، وبين هاتين الطائفتين من المتعصبين للتأييد والمعارضة ينشأ التطرف الذي يسيء إلى الدعوة في تطبيقها وتفسيرها من ناحية، وفي سوء فهمها والادعاء عليها بما ليس فيها من ناحية أخرى، وسمة أخرى من سمات الدعوات الكبرى لازمت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وهي تتمثل في تعرضها على أيدي أعدائها ومعارضيها للمحن، وثبات صاحبها على المكاره، ذلك لأن اتساع نفوذ الدعوة على مر الأيام يدفع أعداءها إلى الشعور بالخطر على أنفسهم وعلى مصالحهم فيبذلون كل ما يسعهم من جهد للقضاء على الدعوة وعلى صاحبها، وقد يذهبون في ذلك إلى حد تدبير المكائد والتخلص من صاحب الدعوة نفسه بقتله، ثم إن هذا الأذى والاضطهاد هو الاختبار الأكبر الذي يمتحن به صدق الدعوة وإخلاص صاحبها فإذا ثبت على دعوته وصبر على ما يلقى من اضطهاد زاد صبره صلابة وثباتا على مر الأيام، لأنه يزكي ويمكن لإيمانه، ويقوي توكله على الله ، ولكي توزن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بميزان عادل يجب أن توضع في الاعتبار حالة المجتمع الذي نشأت فيه الدعوة قبل ظهورها لتقارن بحالتها بعد انتشارها، كما ينبغي أن توضع في الاعتبار ردود الأفعال التي لا بد أن تتسرب إليها وتشوبها في مقاومتها للوضع السائد الذي تعارضعه وتندد به، لأنها في دعوتها إلى نبذ الأوضاع القائمة والإنحرافات السائدة تشنع بها وتقدمها في أبغض الصور لكي تصرف الناس عنها وتبين لهم شناعة ما هم عليه من فساد الحال، ثم إن ذلك لا يزيد خصومها إلا لدداً في خصومتهم فيبالغون في التشنيع بها، ونشر قالة السوء عنها، وتصيد الأخطاء التي ربما وقعت من أتباعها، وحمل أفعالهم وتأويلها على أسوأ محمل، وربما فعلوا في ذلك أن يدعوا عليهم ما ليس
стр. 323
فيهم، وذلك كله مما يملأ قلوب أصحاب الدعوة وأتباعهم حنقاً فيكيلون لهم بمثل كيلهم، وهكذا فإن التفاعل لا بد أن يجر إلى شيء من هذه المبالغة التي يجب أن تكون موضع الاعتبار والتقدير عند الباحث، والذي يقرأ ما كتبه مؤرخو الدعوة عن عنف معارضيها١.
стр. 324
قصة عجيبة
كان أحد العلماء الفضلاء في الهند يستقبل أبناءه الطلاب ويلقي عليهم دروس التفسير والحديث، وكان هذا الشيخ يبدأ درسه بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على رسوله بالدعاء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعته، يطلب من الله أن يطهر الأرض من شرورهم وآثامهم.
وكان أحد أبناء نجد تلميذاً لهذا الشيخ، وكان من المستحيل عليه أن يرد الشيخ إلى الصواب، وسط هذه الأجواء من الادعاءات والافتراءات التي يشنها الأعداء وتحرص دولة كبرى كدولة الخلافة العثمانية، ومن ورائها الاستعمار وأذنابه، وكل أصحاب المذاهب والنحل الباطلة على النيل من هذه الجماعة وصاحبها.
وفي يوم من الأيام ... فكر الطالب في أمر يرد به الشيخ إلى جادة الصواب، ويعرفه بحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته السلفية. فما أن كان منه إلا أن نزع غلاف كتاب "التوحيد" للشيخ وقدمه لأستاذه طالباً منه قراءته وإبداء حكمه عليه.
واستجاب الأستاذ لأمر الطالب وقرأ الكتاب فأثنى عليه ثناء منقطع النظير، بل وأضاف أنه من أحسن الكتب التي قرأها في هذا الباب، ومن أكثرها فائدة، وهنا كشف الطالب لأستاذه عن مؤلفه الذي يتقرب الشيخ إلى ربه بالنيل منه كل صباح.
стр. 325
فاستغفر الشيخ عما بدر منه في حق هذه الجماعة وصاحبها –وصار من أكثر المدافعين عنها الداعين لها"١.
فكشف الله تعالى لهؤلاء زيف المفترين وعرفوا صحة الدعوة وحقيقتها، وأصبحت تلك التسمية لا ذكر لها إلا عند بعض الجهلة والدجاجلة والحاقدين، ومضت الدعوة الإسلامية على نهج السلف الصالح، وقامت الصحوة الإسلامية، ونرى اليوم جل علماء الإسلام يتبنونها، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 326
الفصل الرابع عشر: الفرية العاشرة موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دولة الخلافة العثمانية
...
الفرية العاشرة موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دولة الخلافة العثمانية
افترى الأعداء على الإمام وجماعته من الموحدين بأنهم خرجوا عن دولة الخلافة العثمانية، وأنهم خالفوا بذلك الجماعة، وشقوا عصا السمع والطاعة.
وبهذا يقول دحلان: إن أتباع محمد بن عبد الوهاب "فارقوا الجماعة والسواد الأعظم"١.
ويقول ابن عفالق: "أما توحيدكم الذي مضمونه الخروج على المسلمين ... فهذا إلحاد لا توحيد"٢.
ويقول الزهاوي العراقي: "إنهم عرفوا بالمروق عن طاعة أمير المؤمنين"٣.
ويقول الرافضي محسن الأمين العاملي:
"الخوارج استحلوا قتال ملوك المسملين والخروج عليهم ... وكذلك الوهابيون٤.
стр. 327
وهذا قليل من كثير مما قاله الذين ادعوا على الإمام محمد وأتباعه بأنهم خرجوا عن الخلافة وألفوا من الكتب والرسائل لحرب هذه الدعوة السلفية وتشويهها أمام العالم الإسلامي، حتى يوقفوا مسيرة هذه الدعوة المباركة التي أثارت القلوب والعقول ضد الخرافات والشرك والبدع.
أما أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه خرجوا عن الخلافة فإليكم الأدلة الواضحة التي تهدم أقوال هؤلاء المبتدعة.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حين بعث رسالة١ لأهل القصيم: وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه"٢.
ويقول ﵀:
"والأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبيشياً، فبين الله له هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند كثير ممن يدعي العلم فكيف العمل به٣.
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، عليهم الرحمة:
"ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية"٤.
стр. 328
يقول الدكتور عبد الله العثيمين:
"مهما يكن، فإن نجداً لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قوياً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت، فلا نفوذ بني جبر، أو بني خالد في بعض جهاتها، ولا نفوذ الأشراف في بعض جهاتها الأخرى أحدث نوعاً من الاستقرار السياسي، فالحروب بين البلدان النجدية ظلت قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة استمر حاداً عنيفاً"١.
ويقول الدكتور عجيل النشمي:
"نستطيع القول باطمئنان بأن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد الخلافة"٢.
ويقول:
"لم نعثر على أي فتوى له تكفر الدولة العثمانية، بل حصر إفتاءاته في البوادي القريبة منه، التي كان على علم بأنها على شرك"٣.
يقول الشيخ محمود مهدي الاستانبولي:
والغريب المضحك والمبكي معاً أن يتهم هذا الأستاذ (يقصد عبد القديم زلوم) ، يقول:
стр. 329
وصف حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها من عوامل هدم الخلافة العثمانية، مع العلم بأن هذه الحركة قامت حوالي عام ١٨١١م، والخلافة هدمت حوالي عام ١٩٢٢م!! ١.
ولكن الخلافة العثمانية في استانبول لم يصلها عن هذه الدعوة المباركة إلا الافتراءات والكذب والبهتان.
يقول الدكتور عجيل النشمي:
"لقد كانت صورة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة على صورة قد بلغت من التشويه والتشويش مداه، فلم تطلع دولة الخلافة إلا على الوجه المعادي لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سواء عن طريق التقارير التي يرسلها ولاتها في الحجاز، أو بغداد، أو غيرها ... أو عن طريق بعض الأفراد الذي يصلون إلى الأستانة يحملون الأخبار٢.
ولا ننسى دور الإنجليز وفرنسا في تشويه هذه الحركة المباركة، كما شوهت الحركة السنوسية وحركة عثمان بن فودي.
مع العلم بأن التاريخ يذكر أن هؤلاء الإنجليز وقفوا ضد هذه الحركة منذا قيامها خشية يقظة العالم الإسلامي٣.
стр. 330
الباب التاسع عشر: موقف سليمان بن عبد الوهاب من دعوة أخيه الإمام محمد بن عبد الوهاب
...
موقف سليمان بن عبد الوهاب١
من دعوة أخيه الإمام محمد بن عبد الوهاب
هو الأخ الأكبر للشيخ محمد، ويظهر أنه منذ عهد الصغر رأى سليمان ما يحظى به أخوه من إيثار ورعاية وعطف من والديه، لما يتسم به من الذكاء، والفطنة، والمكانة، فنفس على أخيه ذلك، وشب حب التنافس بينهما، وإن كان يلطفه عند محمد روح الدين الذي عرف به مبكراً ونزعة التسامي إلى معالي الأمور وصلة الرحم، ومع المدى وبروز محمد وتفوقه، تحول الأمر عند سليمان إلى حسد لاهب، مما جعل سليمان لا يتورع عن العمل ضد أخيه بكل الوسائل ومختلف الأساليب حتى غير المشرفة٢.
الحسد هو الداء الذي أخرج آدم ﵇ من قبل الشيطان، فسليمان بن عبد الوهاب حسد أخاه، بل تآمر عليه مع المتآمرين، ودبر مع العلماء المعارضين "ثورة حريملاء"، ومن ثم اتصل بأهل العيينة وأغراهم على الثورة ضد الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته، والخروج عن السمع والطاعة.
يقول الأستاذ محمد بن أحمد العقيلي:
"لم يكتف بالتدابير والتحريضات حتى تفرد بكتابة رسالة مطولة إلى أهل
стр. 331
العيينة، هاجم فيها العقيدة السلفية وناقض آراء آخيه، وفند أقواله وركز على تكفير المخالفين وقتال المرتدين، وبعث بالرسالة مع شخص يعرف "بالخويطر"١.
وألف رسالة سماها: [فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب] ٢، كان من آثارها نكوص أهل حريملاء محمد أتباع الدعوة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت آثار الكتاب إلى العيينة، فارتاب وشك بعض من يدعي العلم -في العيينة- من صدق هذه الدعوة وصحتها٣.
قال الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف:
"كان سليمان في بادئ الأمر مناوئاً لأخيه الشيخ محمد، معارضاً لدعوة التوحيد –حسداً وظلماً- وقد ألف رسالة يعارض فيها دعوة التوحيد ويرد فيها على أخيه الشيخ محمد، وقد وضع أعداء التوحيد لهذه الرسالة عنواناً وسموها (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ، وطبعت بهذا العنوان سنة ١٣٢٨هـ٤.
ويقول ابن العثيمين:
"لم يقتصر نشاط سليمان على بلدته –حريملاء- وإنما بذل جهداً لإقناع أهل
стр. 332
العيينة بالخروج على الدعوة ودولتها، وكانت وسيلته في ذلك أن أرسل إليهم كتاباً ضمنه آراء تناقض آراء أخيه محمد في مسائل العقيدة"١.
وقد حمل أعداء الدعوة المباركة مخالفة سليمان بن عبد الوهاب فطبلوا وزمروا، وفتحوا كل الأبواب، ومهدوا السبل لدعوة سليمان، وأشعلوا النار بين الطرفين، وطبع كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) مرات كثيرة.
وقد ألفت الكثير من الرسائل التي تناوئ الدعوة مثل، رسالة في حكم التوسل: لمحمد حسنين مخلوف، ورسالة (النقول الشرعية في الرد على الوهابية) لحسن الشطي، و (المشكاة المضيئة في الرد على الوهابية) لابن السويد، وزينوا هذا الكتاب بالكذب والافتراء.
стр. 333
الباب العشرون: هل رجع سليمان بن عبد الوهاب عن ضلالته
...
No pages
стр. 334
الباب الواحد والعشرون: أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي
تمهيد
...
أثر دعوة الإمام
محمد بن عبد الوهاب
في العالم الإسلامي
مضت سنة الله ﵎ منذ فجر البشرية البعيد في التفريق بين المصلحين والمفسدين، وبين المحقين والمبطلين، وأن أصحاب الباطل مهما تساندوا فيما بينهم ضد الحق، ومهما تألبوا عليه، ووالي بعضهم بعضاً ضده، فإنهم مهزومون، وأصحاب الحق هم المنصورون، لأن الحق أصيل في تصميم هذا الوجود، وما على المسلمين الموحدين إلا أن يمضوا بيقين جازم، وثقة قوية بوعد الله تعالى ونصره، لا يخامرهم شك، ولا يخالطهم قلق، ولا تتسرب إليهم ريبة، وحين يتيقن القلب المؤمن ويستوثق يعرف طريقه فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد، وعندئذ يبدو له الطريق واضحاً، والأفق منيراً، والغاية محددة، والنهج مستقيماً، ويردد في كل ما يأتي أو يدعو: وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد سلطانه إلا من الله ، ولا يمكن أن يهاب إلا سلطان الله ﵎، فإذا أخلص لربه ولدعوته أيده الله ، وجعل قلوب المخالفين والمعاندين تتوجه إليه بالمودة والرحمة والنصرة، وربما أصبحوا جنوداً للدعوة وخدماً، وبهذا يعلن الحق قوته وصدقه وثباته وحياته، فيندحر الباطل ويزهق ويتوارى، ومتى استقرت حقيقة الإسلام في دعاته وتمثلت في واقع حياتهم تجرداً لله ومنهجاً للحياة فلن يجعل الله للظالمين
стр. 335
على الصالحين سبيلاً، وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها، ونحن نقرر في ثقة بوعد الله لا يخالجها شك، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان، إما في الشعور وإما في العمل، وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ثم يعود النصر، ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئاً من هذا، فلا بد أن يدافع الموحدون عن التوحيد، وأن يلقوا في سبيله العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر حيناً والهزيمة حيناً آخر، حتى إذا ثبتوا على الحق لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق الفتن، استحقوا نصر الله ، لأنهم يومئذ أمناء على دين الله ، صالحون لصيانة الهدى الحق والذود عنه.
إن النصر مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يصمدون للزلزلة، ولا يحنون رؤسهم إلا لله رب العالمين، فيهبهم قوة ويصفيهم، ويكسب دعوتهم عمقاً وحيوية وإشراقاً يتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ ينحازون إليها بعدما كانوا يحاربونها، ويناصرونها بعد مناوءة وعداء، وهذا حصل للدعوة الإسلامية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فاستأسد عليها الثعالب، واستنسر عليها البغاتة، وتربص بها وبأصحابها المتربصون، ونكل بالمخلصين من أبنائها ونالهم كل مكروه باللسان واليد، والدعاة يعلمون أنها ليست أولى المحن التي مرت على المسلمين، وأنتم تعلمون أنه مرت على الجزيرة العربية أيام كانت منزوية، تمر مواكب الحياة من أمامها فلا تحس بها ولا تراها، لم يكن لها كلمة، ولم يخرج منها دعاة، ولا تملك جامعات، فانظروا مكانتها اليوم بحمد الله ، وتأملوا المسلمين اليوم في جزيرة العروبة، وموطن الإسلام الأول.
стр. 336
إن هذا من بركة دعوة الإمام المجدد والأمير المسدد، اللذين أخلصا لله ، وزهدا في الحياة، فصنع الله تعالى بهما ذلك كله، وبارك الله بتلك الجهود الخيرة، فظهر شباب ناشؤون في طاعة الله تعالى، مجاهدون في سبيله تركوا هواهم لطاعة ربهم، وشهواتهم لمرضاته، يؤمون المساجد ولا تردهم مشاغل الحياة عن طلب العلم ودعوة الناس إلى الخير، حتى انتشرت الدعوة الإسلامية الصحيحية في كل مكان، وصار لها دعاة موحدون مخلصون متحمسون، وإن النهار لهم، فلقد أذن مؤذن الصحوة الإسلامية متأثراً بدعوة الإمام، وامتد تأثيرها إلى جميع الأمصار، وقامت على أساس مبادئها حركات دينية إصلاحية لا حصر لها، ووجهوا ولاءهم الديني والسياسي شطر أمير الدرعية عبد العزيز بن محمد بن سعود، كما يقول عثمان بن بشر عن ولاء أهل الشام للدعوة الإسلامية: "ظهر مع عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية، وهم ست نجائب محملات زكوات بوادي أهل الشام"١.
وزاد الله الدعوة نفوذاً وقوة وانتشاراً حتى وصلت إلى "أندونيسيا" شرقاً، وقد نقلها الحجاج الذين تلقوا العلم في المسجد الحرام، وتأثروا تأثراً عميقاً بالدعوة الإسلامية الصحيحة، فلما عادوا إلى بلادهم أخذوا يعلمون الناس التعاليم الإسلامية الصحيحة من الكتاب والسنة، وتخليص الإسلام مما خالطه من الشوائب، وكان له أياد بيضاء في مكافحة الاستعمار، وظهور ثمارها في البلاد العربية والإسلامية منه.
стр. 337
الفصل الأول: الشام
...
أولاً: الشام
يقول ابن بشر عن ولاء أهل الشام للدعوة الإسلامية:
ظهر عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية، وهم ست نجائب محملات زكوات بوادي أهل الشام،١ وقد قامت حركات إصلاحية سلفية تحارب البدع والخرافات أمثال:
الشيخ طاهر الجزائري ﵀ الذي قام بدور عظيم، وكان تلميذ جمال الدين القاسمي ﵀ إمام زمانه وعصره، وكان سلفي العقيدة، وله من المصنفات حوالي ٧٢ مصنفاً، وكذلك الشيخ محمد بهجت البيطار، والشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ المجاهد كامل القصاب.
وفي يومنا الحاضر الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد مهدي استانبولي، الشيخ نسيب الرفاعي وغيرهم، الذين يجاهدون ضد الشركيات والخرافات والبدع.
وبرز الشيخ محمد رشيد رضا: (١٢٨٢-١٢٥٤هـ) (١٨٦٥-١٩٣٥م) ، الذي أخذ يحارب البدع والخرافات في مصر، وأنشأ مجلة المنار التي رفعت راية التوحيد، وهي أول مجلة سلفية لهذا الشيخ وهو التلميذ المخلص لشخيه الأستاذ "محمد عبده"، وأصدر منها حوالي ٣٤ مجلداً. وله الكثير من المؤلفات التي يشرح فيها مبادئ الدعوة السلفية المباركة، ومن أبرز تلك المؤلفات: كتابه (الوهابيون والحجاز) ، وكتابه (الوهابية والرافضة) ، وكتاب (المنار والأزهر) .
стр. 338
الفصل الثاني: العراق
...
ثانياً: العراق
في العراق بلاد الفتن والقلاقل، ومواضع الرافضة في كربلاء والنجف، وأهل السنة في العراق الذين تأثروا بهؤلاء يشدون الرحال إلى قبور الصالحين وينشرون البدع والخرافات. ووسط هذا المستنقع الهائل من الشركيات والبدع والخزعبلات والشعوذة، ظهر بريق أمل يتمثل في بعض الصالحين المخلصين لرسالة الإسلام النقية البيضاء التي لا تشوبها شائبة، فوسط هذه الموجة الحمقاء، قامت أسرة عراقية كريمة مجيدة بتصحيح وتنقية الإسلام من الشركيات وعبدة الموتى والقبور والأعتاب، ومن أبرز هؤلاء الذي خاضوا غمار التصحيح:
أ-محمود شكري الألوسي١:
(١٢٧٣-١٣٢٤هـ) (١٨٥٧م-١٩٢٤م) .
صاحب تفسير عظيم جليل هو [روح المعاني] في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. وله [فتح المنان في الرد على أهل البدع في الدين] ٢.
ب-محمود الألوسي (ت١٨٣٥م) .
وله تفسير للقرآن الكريم.
ح-نعمان الألوسي (ت١٨٩٩م) .
стр. 339
الفصل الثالث: اليمن
...
ثالثاً: اليمن
في اليمن السعيد المجاور ظهر عالمان لهما مكانتهما في ديار اليمن، وهما:
١-الإمام محمد بن علي الشوكاني (١١٧٢هـ - ١٢٥٥هـ) ، (١٧٥٩م-١٨٣٤م) ، فتأثر هذا الإمام الجليل بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، فقام ﵀ بنبذ البدع والخرافات، ودعى إلى التوحيد الخالص. وألف كتابه الشهير [نيل الأوطار في منتقى الأخبار] لأبي البركات، مجدد الدين بن عبد السلام بن تيمية، جد شيخ الإسلام، ومجدد الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٦٦١هـ-٧٢٨هـ) . كما ألف رسالة في الاجتهاد سماها: (القول المفيد في حكم التقليد) .
وحينما علم وفاة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رثاه بقصيدة مطلعها:
مصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بهم الافتجاع مقاتلي
٢- والشيخ الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (١٠٩٩هـ-١١٨٢هـ) الذي تأثر بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ودعا أهل اليمن إلى التوحيد وترك التوسل بقبور الصالحين، ونزع الخرافات والبدع.
стр. 340
وقد بعث الأمير الصنعاني بقصيدة١ رائعة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب يمدح فيها دعوته السلفية، يقول فيها:
سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
ولكن أهل الخصوم يقولون بأن الأمير الصنعاني رجع عن تأييده لهذه الدعوة المباركة ونقض قصيدته بقصيدة أخرى شرحها حفيده يوسف بن إبراهيم الأمير، بعنوان (محو الحوبة في شرح أبيات التوبة) ٢.
وقد قام المجاهد الشيخ سليمان بن سحمان وألف كتاباً سماه (تبرئة الشيخين الإمامين عن تزوير أهل الكذب والبهتان) ، دافع فيها عن الشيخين الجليلين محمد بن عبد الوهاب والصنعاني، وأكد الشيخ سليمان بن سحمان عدم صحة أدلة القصيدة التي نقض بها المدح: إنما هي موضوعة ومكذوبة على الصنعاني، لأنها تخالف ما كان عليه الصنعاني من اتباع السنة وذم البدع وأهلها، كما هو ظاهر في كتبه، وقد ورد صريحه لما قرره الصنعاني في كتبه مثل "تطهير الاعتقاد"، فمن ذلك أن القصيدة وشرحها قد تضمنتا الزعم بأن دعاء الموتى والاستغاثة بهم كفر عملي، والإمام الصنعاني قد عرف عنه أن الاستغاثة بالموتى ودعاءهم من الكفر الاعتقادي المخرج عن دين الإسلام٣.
стр. 341
الفصل الرابع: مصر
...
رابعاً: مصر
كثير من المصريين تأثروا بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وساهموا في نشر العقيدة السلفية بين المصريين، وتعتبر مدرسة الإمام محمد عبده (١٣٢٣هـ) المدرسة السلفية التي تأثرت بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكان محمد عبده أكبر أمله أن يقدم في حياته للمسلمين عملاً صالحاً، فقاده اجتهاده وبحثه إلى هذين الأساسيين اللذين بنى عليهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعاليمه وهما:
١- محاربة البدع، وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بإشراك الأولياء والقبور والأضرحة مع الله تعالى.
٢- وفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين، وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين١.
محمد حامد الفقي: من أبرز أنصار هذه الدعوة في مصر، والذي أسس (جمعية أنصار السنة المحمدية) ، وهذه الجمعية إلى يومنا الحاضر تقوم بالذود عن التوحيد وتصدر مجلة أسبوعية تسمى: (التوحيد) . وقد ألف محمد حامد الدين ﵀ الكثير من الكتب، منها كتاب (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمران في جزيرة العرب) ، وكذلك عبد الرحمن الوكيل: مؤلف كتاب هذه هي الصوفية، خليل الهراسي، عبد الرزاق عفيقي: عضو هيئة كبار العلماء بالرياض.
ويوجد اليوم ولله الحمد كثير من إخواننا المصريين السلفين الذي ينشرون العقيدة السلفية ويحاربون البدع والخرافات والوثنيات الصوفية.
стр. 342
الفصل الخامس: المغرب
...
خامساً: المغرب
أما في المغرب العربي، فقد استقبل أهله دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقناعة، وتأثروا بها في العمل، بعد أن أدركوا منها انتهاج الدرب السليم الذي دعا إليه نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، وسار عليها أصحابه من بعده، ثم من بعدهم في عصور ازدهار دولة الإسلام، وأن الشيخ ما هو إلا مجدد لدرب اندرست معالمه ومقتف آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بعد أن أدرك كما أدرك غيره من المجددين، أن سعادة الأمة لا تتم إلا في نبذ كل أمر محدث يتناقض مع المحجة البيضاء التي ترك الرسول ﷺ أمته عليها.
ويتضح استقبال أهل المغرب لهذه الدعوة في أمور تاريخية ثابتة، هي من الحقائق التي تجعلها واضحة للبيان، ضمن مقال لأحد المستشرقين يقول فيه: "إن الإمام سعود بن عبد العزيز، والشيخ محمد ابن عبد الوهاب بعثا رسالة مطولة إلى أهل تونس، لشرح عقيدة التوحيد، وأصول الدين، وما تنطوي عليه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتقع هذه الرسالة في ثلاث صفحات"١. وقد كان لهذه الرسالة صدى لدى حكام المغرب العلويين الذين قامت دولتهم لمحاربة النصارى، والنهوض بالمغرب من عام ١٦٣١م في المغرب الأقصى٢ الإسلامي.
وكان من أقوى سلاطين الدولة العلوية سيدي محمد بن عبد الله العلوي:
стр. 343
(١٧٥٧م-١٧٩٠م) الذي اهتم بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بعد أن درسها وأدرك ما تدعو إليه من التجديد الصحيح للعقيدة، وتنقيتها من الخرافات والبدع، فتأثر بهذه الدعوة واستجاب لها بعد أن أدرك ما تنطوي عليه، ولذا قام بمحاربة البدع والانحراف، كما كان ﵀ يحارب تشعب الطرق الصوفية التي تسيء إلى عقيدة المسلمين، ودعا إلى الاجتهاد والسنة١، وقد وصلت إليه معلومات كثيرة عن هذه الدعوة الإسلامية بواسطة الحجاج المغاربة الذين عرفوها أثناء زيارتهم للحجاز في مواسم الحج، ودرسها كثير من المؤرخين والباحثين الفرنسيين، فأثنوا على دروها في تنقية الإسلام من البدع والخرافات الداخلة عليه. وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي معاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كتب بدوره إلى العلماء يدعوهم إلى انتهاج منهج السلف الصالح، ومؤازرة دعوة الشيخ محمد التي انتشرت في الجزيرة العربية.
وقد وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: "كان سيدي محمد بن عبد الله العلوي، وهو التقي الورع على علم –بواسطة الحجاج- بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وتأييد عائلة آل سعود لها، وقد أعجب بعبارتها، وكان يؤثر عنه قوله: "أنا مالكي المذهب، وهابي العقيدة، وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية، وتهديم بعض الزوايا"٢.
وقد تعرض خير الدين الزركلي لترجمة المولى سليمان، وذكر مصادر تلك
стр. 344
الترجمة التي أثبتت حياته واهتمامه الإسلامي، وحرصه على عقيدة السلف الصالح، وهي: الاستقصاء. والدرر الفاخرة، وفهرس الفهارس، وشجرة الدر١، وأكدت دائرة المعارف الإسلامية على تأثر المولى سليمان بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد عام ١٨١٠م، الموافق لعام ١٢٢٥هـ، مما جعله يتخذ موقفاً صارماً ضد المربوطية، وهو اللقب الذي كان يطلق في المغرب٢ على الصوفيين، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه الطرق الحديثة النشأة تحظى بانتشار كبير في المغرب، وجاءت بعد ذلك الحركة السنوسية٣ التي ابتدأها في الجزائر محمد بن علي السنوسي في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وقد تأثر السنوسي بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عندما كان في مكة، حيث كان يطلب العلم، ولقد تزعم الدعوة إلى منهج السلف الصالح الشيخ أبو شعيب
стр. 345
الدكالي، أحد كبار المحدثين، والذي أقام في مكة مدة تزيد على عشر سنوات، قام خلالها بتدريس الحديث في الحرم المكي، ثم عاد إلى المغرب حيث أصبح زعيماً للحركة السلفية لمدة تزيد على ربع قرن، ونشر بالفكرة السلفية، وحارب البدع والضلالات١.
من هذه النقول الوثائقية، ندرك اهتمام المغاربة٢ بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحرصهم عليها، لأنهم وجدوا فيها نقاوة الإسلام واتباع هدى المصطفى ﷺ ودعوتهم إلى الكتاب والسنة في كل أمر يعترض، سواء كان تعبدياً أو عقدياً، أو في شوون الحياة، وأن كثيراً من علماء المغرب قد تأثروا بعد دراسة وتمحيص، وبعد اكتشافهم للأكاذيب التي حبكها المخرفون، والجاهلون حول الشيخ ودعوته، فبعثوا العلماء للمناظرة، وللوقوف أمام الحقيقة التي ظهرت لهم، وهذا منهج العلماء في البحث والتدقيق والتمحيص والتحقيق، ونبذ الدعايات والمقالات التي لا تستند إلى علم موثق بفهم حقيقي لكتاب الله جل وعلا، وصحيح السنة النبوية.
من أجل ذلك صارت دعوة الإمام في كل مكان، واستقرت في كل قلب يرجو الله، والدار الآخرة، ويدعو إلى الله على بصيرة، ويتفهم تعاليم الدين بروية وعلم، وما زالت منذ انبلاج صبحها تلقى القبول في النفوس، وتزداد رسوخاً مع الأيام، وتتوسع بين الجماهير الظامئة، رغم محاولات الأعداء اليائسة التي تقف ضدها، وتبث الفرقة بين المسلمين بالأكاذيب والمفتريات.
стр. 346
الفصل السادس: الجزائر
...
سادساً: الجزائز
كان أول من حمل الدعوة إلى الجزائر المؤرخ الجزائري "أبو رواس الناصري"، الذي قدر له أن يجتمع بتلامذة الإمام محمد بن عبد الوهاب في موسم الحج، ويذاكرهم في أمور انتهى بعدها إلى الاقتناع باتجاه حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وكان ذلك بحضور وفد الحجيج المغربي الذي كان يرأسه ولي عهد المغرب آنذاك، وقد أشاد المؤرخ "أبو رواس" بآراء ابن عبد الوهاب عندما دون تفاصيل رحلته للحج بعد عودته إلى الجزائر١.
والبطل المجاهد الشيخ محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد في الجزائر سنة (١٢٠٢هـ١٧٨٧م) ، والذي جدد الإسلام في ليبيا حين ترك الجزائر وقاوم الاستعمار الإيطالي في ليبيا.
وقد تأثر الإمام محمد بن علي السنوسي بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حين ذهب لأداء الحج. حيث بقي مدة يأخذ من أساتذتها السلفيين٢، فدعوة الإمام محمد بن علي السنوسي في ليبيا تشابه دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.
يقول العقاد:
"تشابهتا في حماسة الدعوات وفي نبذ البدع والخرافات والرجوع بالإسلام إلى الكتاب والسنة، ولكنهما تختلفان بعد ذلك في أمور كثيرة"٣.
стр. 347
والشيخ المجاهد محمد البشير الإبراهيمي: الذي كان له دور لا ينسى في محاربة الاستعمار الفرنسي وصد جيوش حلف الأطلسي، وكان ﵀ مع أنه يحارب الاستعمار محارباً للبدع والخرافات.
والشيخ المجاهد: عبد الحميد بن باديس (١٣٠٥هـ-١٣٥٩هـ -١٨٨٧م-١٩٤٠م) فقد تأثر بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب عندما أدى فريضة الحج إلى مكة المكرمة، واجتمع مع علماء الدعوة السلفية.
وأسس ابن باديس جمعية على أساس من المبادئ السلفية، فدعا إلى إصلاح عقيدة المسليمن في الجزائر من أنواع البدع والخرافات، كما دعا إلى الاجتهاد ومحاربة التقليد الأعمى والجمود الفكري، وذلك بالتعمق في دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية، ولقد كان لجمعيته دور كبير في محاربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر. حتى نال استقلاله عام (١٣٨٢هـ - ١٩٦٢م) .
стр. 348
الفصل السابع: ليبيا
...
سابعاً: ليبيا
تأثر الإمام محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد في الجزائر بوهران سنة (١٢٠٢هـ-١٢٧٦هـ/١٧٨٧م-١٨٥٩م) . والذي تنسب إليه الدعوة السنوسية١.
يقول الأمير شكيب أرسلان:
"من أعظم أبطال المسليمن، وهو خاتمة مجاهدي الإسلام، ولولاه لاحتلت إيطاليا قطرى طرابلس وبرقة من الشهر الأول من غارتها الغادرة عليهما٢.
وقد حج، وفي الحج مكث في مكة يطلب العلم، وقد كانت مكة تحت حكم آل سعود سنة ١٨٢٩م، فتأثر بالعقيدة السلفية، وبعد أن تتلمذ على علمائها، عاد إلى الجزائر يباشر دعوته. وقد حققت هذه الدعوة النتائج الآتية:
أولاً: النهضة الشاملة.
ثانياً: معاداة الاستعمار.
ثالثاً: نشر الإسلام ومقاومة التبشير.
رابعاً: تخريج العلماء والأدباء٣.
стр. 349
الفصل الثامن: تونس
...
ثامناً: تونس
في تونس الخضراء تأثر كثير من العلماء، ولكن لم يشتهروا كما اشتهر خير الدين باشا التونسي (١٢٢٥-١٣٠٧هـ) (١٨١٠م-١٨٧٩م) ، الذي تأثر بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في دراسته، وتكوينه الفكري، وإدراكه مشكلات المسلمين، وقضايا العالم الإسلامي، وهو شركسي الأصل، كان وزيراً للحربية سنة (١٢٧٣هـ-١٢٧٩هـ) ، في عهد باي تونس محمد باشا، كما عين في الأستانة في عهد السلطان عبد الحميد وزير دولة، ثم رئيساً للوزارة في شهر كانون الأول سنة (١٨٧٨م/١٢٩٥هـ) . ووضع كتاباً سماه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) .
وأوضح خير الدين أن الأمم الإسلامية لا تصلح إلا بالنظام القائم على الشورى الذي يفيد الحاكم، وأن العدل والحرية هما ركنا الدولة، وأن أعداء الإصلاح الذين يرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان هم جهلة١.
стр. 350
الفصل التاسع: السودان
...
تاسعاً: السودان
فقد تأثر محمد بن عبد الله المهدي١ بالدعوة الإسلامية الصحيحة التي قامت في الحجاز، وأسس على غرارها دولته المهدية عام (١٨٨١-١٨٨٤) ، وامتدت حتى سقوط السودان عام (١٨٩٨) ، وقد لاحظ المؤرخون وجود شبه بين الحركة المهدية والحركة الإصلاحية السلفية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب، هذا التشابة واضح في تشديد المهدي في مبادئ التوحيد وجعل التعبد لله وحده، وتحريم التطلع للأولياء وزيارة قبورهم، والامتناع عن شرب "التنباك" ... ، والمهدي أراد أن يزيل الفروق المذهبية بجميع السوادن على دين واحد، ومذهب واحد، وطريقة واحدة، فألغى المذاهب الأربعة، وألغى الطرق الصوفية، وروض الناس على الزهد في الدنيا، ومحاسبة النفس٢ ... ".
وفي غرب إفريقيا قام عثمان بن فودي٣، الذي استطاع أن يكون دولة واسعة هناك على أنقاض إمارات الهوسا أو الحوصا، قائداً للجهاد، حارب فيه البدع التي وقع فيها المسلمون، كما حارب الوثنية المتفشية، وحاول نشر الإسلام مكانها"٤.
стр. 351
يقول لوثروب ستودارد:
"أما في السودان فقد كان الداعية الوهابي هو الشيخ عثمان دانفوديو"، أحد أفراد قبيلة الفولاني، وهي من قبائل الرعاة السودانية، فإنه بعد التقائه بالوهابيين في موسم الحج، وبعد اعتناقه للمبادئ الوهابية، عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية، وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين، ثم أخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ ابن عبد الوهاب، فاستطاع أولاً أن يجمع قبيلته في وحدة متماسكة"١، أما في الهند فقد كان لدعوة أحمد عرفان علاقة كبيرة ووثيقة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث قام يدعو هناك إلى إحياء معالم الدين وتخليصه مما علق به من البدع والمحرمات، ورده إلى صفائه ونقائه، ودعوة المسلمين إلى عقيدة التوحيد، وإلى عزة الإيمان، وأخلاق الإسلام وآدابه، وألا يقبلوا الدنية في دينهم، وألا يرضوا بسلطان إلا سلطان الإسلام، وأن يكون الحكم اليوم صورة كاملة لما كان عليه الحكم في صدر الإسلام.
стр. 352
الفصل العاشر: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب نبراس يقتدى بها
...
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
نبراس يقتدى بها
ومن خلال هذه الدعوة قامت حركات مقاومة عسكرية كثيرة في العالم الإسلامي، لمواجهة الاستعمار، وأبرز هذه الحركات حركة الأمير عبد القادر (١٨٣٠-١٨٤٦) ، وحركة أحمد عرابي (١٨٨٢) ، وثورة الهند ضد الإنجليز (١٨٥٢) ، وحركة الشيخ شامل في القوقاز، وحركة الشيخ عبد الكريم الخطابي في المغرب (١٩٢٦) ، ودعوة أحمد خان١ في الهند، وجمعيات الإصلاح في أرجاء أندونيسيا والبنغال وباكستان كل هذه الحركات كانت ببركة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والتي بارك الله تعالى فيها، فامتدت لتمثل الطليعة الأولى ليقظة المسلمين بعد سبات عميق، وظهرت في أنحاء العالم الإسلامي حركات تستمد مفهومها وتستقي تعاليمها من الدعوة الإصلاحية التوحيدية الخالصة التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن آزره.
وهكذا على الرغم من وجود العوائق الكثيرة في وجه الدعوة الإسلامية المجددة، فقد قيض الله تعالى لها عوامل مهمة دفعت بها إلى سماء الانتشار في أقطار مختلفة ومتفرقة من العالم الإسلامي، وقد استطاع القائمون عليها بفضل الله تعالى ثم بفضل إخلاصهم العظيم، وعلمهم
стр. 353
الصحيح، وإيمانهم العميق، وثباتهم على الحق أن ينتصروا على جميع الخصوم والمناوئين، فيحملوا أكثر المجافين على الاعتراف بقوة الحق، وسيطرة النور على الظلمات، وعلى هذا فإن واجب علماء الدعوة وأنصارها أن يستمروا في إعلان الحقائق التي كان الجهل بها سبباً لتشويه سمعة المسلمين الموحدين عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين، ولا بأس أن نذكر ما قاله رئيس الوفد الأوروبي في الندوة العلمية التي عقدت في المملكة العربية السعودية ابتداء من ٢٢مارس ١٩٧٢ الموافق ٧ صفر ١٣٩٢.
وكان الوفد الأوروبي مكوناً من وزير خارجية إيرلندا رئيس المجلس الأوروبي والرئيس السابق للجنة التشريعية الدولية، وعضوية أستاذ القانون بكلية بوايزانسون، ومدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان، ومدير قسم حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، وأستاذ الدراسات المدنية الإسلامية المستشرق لادوست، ولفيف من رجال الفكر والقانون في أوربا.
وفي نهاية الندوة العلمية وبعد أن شاهدوا واقع المجتمع الإسلامي في جزيرة العرب، بفضل الله ، ودينه العظيم أعلن المستر ماك برايد رئيس الوفد تهنئته للدولة التي قامت على أساس الإسلام والتوحيد، وعلى ما حققته من مفاخر بفضل العقيدة الصحيحة ... إلى أن قال: "وإنني بصفتي مسيحياً أعلن هنا أن هذا البلد الإسلامي يعبد الله حقيقة.
نورد هذه العبارة لأولئك الذين ما زال الحقد والحسد يغشي أبصارهم عن رؤية الحق، ولم يسلكوا مسلك المسلمين الموحدين، ويقتدوا بهدى رسول العالمين ﷺ ، ولكن لله تعالى في خلقه شؤون.
стр. 354
وقديماً قال أبو الحسن التهامي:
ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتباين الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم العلى ... فعما ولم يقضوا على آثاري
لو أبصروا بقلوبهم لتبصروا ... وعمى البصائر عن عمى الأبصار
ولا بد أن يأتي اليوم إن شاء الله الذي يرفع فيه جميع الحواجز التي وضعها المرجفون الجاهلون والكافرون الجاحدون لقمع انتشار الإسلام دين الهدى والحق، وسيعلم الناس أن شفاءهم من جميع أدوائهم لا يوجد إلا في الإسلام، وقيمه الأصيلة، وعقيدته الصافية، وشريعته العادلة. وما زالت الدنيا مفتوحة بقدر للعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون
стр. 355
الباب الثاني والعشرون: وقفة مع أفكار المتصوفة
...
وقفة مع أفكار المتصوفة١
لقد قامت الدعوة إلى الله نقية صافية، متمحصة عن سلامة العقيدة، وصفاء الطوية، والاقتداء بالسلف الصالح من القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان. إلا أن المتصوفة الجهال الذين قامت بدعهم على التذوق، لا على النصوص الصحيحة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، نراهم قد تعلقوا بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أبدى المسلمون الصالحون استياءهم، وتمرغت وجوهم من هؤلاء الجهلة، ومكابرتهم، وسوء معتقدهم، وخروجهم عن ربقة الإسلام بما ينشرون من شركيات وضلالات ومنكرات، فلما لاحظوا استغراب الناس لها منذ زمن بعيد، ودهشتهم منها، قالوا: "بأن علومهم علوم ذوقية، لا يكاد النظر يصل إليها إلا بذوق ووجدان، كالعلم بكيفية حلاوة السكر، لا يحصل بالوصف، فمن ذاقه عرفه٢، ولذلك استعملوا طريقة الكشف، والأحلام والخواطر في تفسير القرآن الكريم، محتجين بحديث يسندونه إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: "أن القرآن ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال، ولكل طائفة من هذه الطوائف قطب، وعلى ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف٣، ولا نستغرب إذا علمنا أن المصادر التي يستقي منها المتصوفة الجهال