← Язык

Язык · id 11191

أصول علم العربية في المدينة

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (121 стр.). Показаны 106–121 · переход к 111.

стр. 106

من مسائل اللغة أشرنا فيما مضى إلى أن علوم العربية نشأت مختلطة في القرنين الأول والثاني بين فروعها قبل أن يعرف المتأخرون من علومها النحو والصرف والدلالة والمعجم وفقه اللغة. إن علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم نشأ مبكراً في المدينة في ظلال علوم القرآن كالتفسير على يد ابن عباس الذي يعد صنيعه بحق نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن الكريم في مفرداته وتراكيبه، كما ظهر ذلك فيما روي عنه في كتب التفسير وفيما جاء في سؤالات نافع بن الأزرق، وكذلك في صحيفة علي بن أبي طلحة، وبرع - أيضاً - في تمييز ما وقع في القرآن من لغات القبائل ولغات الأمم المجاورة، وهو ما يسمى بالمعرب. وقد ورد عن ابن عباس في مجالات شرح المفردات، وتمييز لغات القبائل، والإحاطة بالمعرب الشيء الكثير. أولاً: شرح المفردات: يتناول ابن عباس - في الغالب - كلمة غريبة من آية فيشرحها بما لا يزيد على كلمة أو كلمتين، ولو جمع ما أثر عن ابن عباس في هذا الشأن لكوّن معجماً صالحاً؛ وفيما يلي نماذج من الشرح اللغوي للمفردات عنده: ١- الرَّغَد: قال ابن عباس في تفسير قوله : ﴿وَكُلا منْهَا رَغَدَاً﴾ ١ الرغد: الهنيء٢.

стр. 107

٢- الإِصر: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا و َلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً﴾ ١: إصراً: عهداً٢ لا نفي به، ونقلها عنه أصحاب المعاجم٣. ٣- الدِّهاق: قال ابن عباس في تفسير قوله : ﴿كأسا دِهَاقاً﴾ ٤ دهاقاً: ملأى٥. وروى عنه الطبري أنه قال لغلامه: اسقني دهاقاً، فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق٦. ويبدو أن ابن عباس أراد أن يؤكد هذا المعنى للرّدّ على من كان يخالفه، إذ ذهب بعضهم إلى أن الدهاق في الآية ليس من الامتلاء، وإنما من التتابع٧، من الدّهق الذي هو متابعة الشدّ، والمعنى الأولى أعرف كما قال ابن منظور٨. وأكثر اللغويين على ما ذهب إليه ابن عباس٩. ٤- الحُزْن والغَضَب: سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: غرضهما واحد واللفظ

стр. 108

مختلف فمن نازعَ من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حُزْناً وجزعا١. ٥- المثبور: روي عن ابن عباس في تفسير كلمة "مثبور" في قوله تعالى: ﴿إِنّي لأظُنًّكَ يا فِرعَون مَثْبُوراً﴾ ٢ ثلاثة أقوال: أحدها: أن مثبوراً بمعنى ملعون٣. والثاني: أنه بمعنى مغلوب٤. والثالث: أنه بمعنى ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ٥. ٦- المترف: روي عن ابن عباس أنه فسر "المترفين " في قوله : ﴿إِنهُم كَانوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ٦ بأن المراد منه هو التوسع في نعيم الدنيا. وذهب أبو عبيدة وجماعة إلى أنه بمعنى: متكبرين٧. ووافق أكثرُ العلماء٨ ابن عباس. ولما كان الشعر ديوان العرب، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون؛ فقد جعل ابن عباس الشعر دليلا على كثير من شروحه اللغوية، وكان يحثّ على الاستفادة من الشعر في مقام شرح الغريب، فقد روي عنه

стр. 109

قوله: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرفْ من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديواننا فالتمسنا معرفة ذلك منه"١ وروي عنه قوله- أيضاً: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب"٢. وقد ظهرت عناية ابن عباس بالشعر واستفادته منه في سؤالات نافع بن الأزرق التي أوردها السيوطي كاملة في كتابه (الإتقان) ٣.

стр. 110

ثانيًا: لغات القبائل: روي عن ابن عباس فيما يتصل بلغات القبائل شيء غير قليل، وأقواله منثورة في كتب التراث وعلى رأسها كتب التفسير والمعاجم. وثمة رسالة برواية ابن حسنون ينتهي سندها إلى ابن عباس وصلت إلينا بعنوان "اللغات في القرآن " تشتمل على بعض لغات القبائل وشيء من المعرب. وقد شك بعض العلماء في نسبتها إليه - كما تقدم في الحديث عن مؤلفات "العربية" عند علماء المدينة، إلا أن الراجح عند كثير من العلماء أنها له، لورود كثير مما فيها من نصوص في كتب التراث، ولنقل السيوطي جل ما فيها معزواً في كتابيه: "المهذب" و"الإتقان". فمما روي عن ابن عباس في لغات القبائل: ١- قال ابن عباس في قوله : ﴿واضْممْ إِليكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهبِ﴾ ٤ الجناح اليد، والرهب الكم بلغة بني حنيفة٥. قال مقاتل: "خرجت ألتمس تفسير الرهب، فلقيت أعرابية وأنا آكل،

стр. 111

فقالت: يا عبد الله؛ تصدق عليّ، فملأت كفي لأدفعَ إليها، فقالت: ههنا في رهبي، أي: كمّي"١. ورُوي عن الأصمعي أنه سمع أعرابياً يقول لآخر: أعطني رهبك، فسأله عن الرهب فقال: الكمّ٢ فهذان النصان يؤيدان ما ذهب إليه ابن عباس. وذهب أكثر العلماء٣ في تفسير "الرهب" في هذه الآية إلى أنه بمعنى الرهبة. ٢- روى السيوطي عن أبي بكر الأنباري أن ابن عباس كان يذهب إلى أن الوَزَر: ولد الولد بلغة هذيل٤. ولم أجد لهذا المعنى أي أثر فيما اطلعت عليه من المعاجم وكتب التراث. والمشهور عن ابن عباس أنه فسر "الوراء" بولد الولد في قوله : ﴿فَبَشَّرناها بإسْحَاقَ ومن وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوب﴾ ٥ وأنه استفاد ذلك من رجل من هذيل سمعه يقول: مات فلان وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء٦. ٣- روى الفراء عن ابن عباس أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وكُنْتُم قوماً بُوراً﴾ ٧ البور في لغة أزد عمان: الفاسد٨. والذي في كتاب "اللغات في القرآن" المنسوب لابن عباس هو أنّ "قوماً بوراً يعني هلكى بلغة عمان "٩ والمعنيان متقاربان، لأن الفساد قد يؤدي إلى الهلاك في بعض الأمور.

стр. 112

٤- سئل ابن عباس عن معنى "يفتنكَم" في قوله : ﴿وإذَا ضَرَبْتُم في الأرْض فَلَيس عَلَيْكُم جُنَاحٌ أن تَقْصرُوا مِن الصَّلوة إن خفتمْ أًن يَفْتِنَكُم الَّذينَ كَفَرُوا﴾ ١ فقال: يضلكم بالعذاب والجهد بلغة هوازن، أما سمعت قول الشاعر: كل امرِئ مِن عِباد الله مُضْطهَدٍ ... ببَطْن مَكَّة مقهورٌ ومفتون٢ والذي في "اللغات في القرآن " أن معنى ﴿فتنُوا الْمؤْمِنينَ والمُؤْمِنَات﴾ ٣ أخرجوهم بلغة القريش٤. ثالثا: المعرب: يعد ابن عباس من أقدم القائلين بوقوع المعرب في القرآن الكريم٥ ونقل عنه أئمة اللغة والتفسير الشيء الكثير في ذلك٦ وفي رسالة "اللغات في القرآن" المنسوبة إليه قدر صالح من المعرب يشير إِليه بـ "التوافْق" كقوله: وافقت لغة العرب لغة الفرس أو الحبشة ونحو ذلك. وفيما يلي نماذج مختصرة مما أثر عن ابن عباس في المعرب: ١- روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فرَّت مِن قسْوَرَة﴾ ٧ فقال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة٨.

стр. 113

٢- قال في: ﴿يَكنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ ١ الكفل: النصيب، وهي بلغة وافقت النبطية، مثل قوله : ﴿يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ ٢ يعني نصيبين بلغة وافقت النبطية٣. ٣ - روي عنه أنه قال: إن ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ ٤ بمعنى هلمّ لك بالقبطية٥. ٤- أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ٦ أنه قال: هي بالنبطية: فشققهن٧.وأخرج ابن جرير - أيضاً - عن الضحاك أن "صرهن" بالنبطية "صرّى" وهو التشقيق٨. وقيل هي عربية من "الصور"٩ وهو الميل. ٥- قال إن "الإِستبرق " هو الديباج الغليظ، بلغة توافق لغة الفرس١٠ وقد ذكر كثير من العلماء أنه معرب "إستفره" أو "إستبره "١١ أو "إستروه "١٢.

стр. 114

مسائل لغوية متقرقة ... مسائل لغوية متفرقة ثمة مسال متفرقة في اللُّغة كنشأة اللغة، والاشتقاق، والأضداد، والسكت؛ معزوة لبعض علماء المدينة كابن عباس ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهما، فمن ذلك:

стр. 115

١- نشأة اللغة الإنسانية: للعلماء أربع نظريات مشهورة في نشأة اللُّغة ومنها نظرية التوقيف أو الإلهام، وهي تتلخص في أن الله ، لما خلق الأشياء، ألهم آدم ﵇، أن يضع لها أسماء فوضعها. ويستدل أصحاب هذا المذهب من علماء العرب بقوله تعالى: ﴿وعَلَّم آدمَ الأسْمَاءَ كُلَّها، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِْ﴾ ١ فكان ابن عباس يقول فيما رواه عنه ابن جرير الطبري: "علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"٢. وقد اختار جماعة من علماء العربية هذا المذهب، واستدلوا بما استدلّ به ابن عباس، ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسي٣ وابن فارس٤. ٢- الاشتقاق: يعد الاشتقاق في العربية من أبرز سماتها، وقد مكنها من التوليد والتوسع في الألفاظ حتى غدت العربية من أغنى اللغات في الألفاظ. ولابن عباس رأي في اشتقاق بعض الكلمات، لقد أورد السيوطي عن ابن عباس: "أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال عمرو: إن قريشاً تزعم أنك أعلمها؛ فلم سميت قريش قريشا؟ قال: [ابن عباس] : بأمر بيّن، فسره لنا. ففسره، قال: هل قال أحد فيه شعراً؟ قال: نعم سمّيت قريش بدابة في البحر. وقد قال المشمرج بن عمرو الحميري:

стр. 116

وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا تأكل الغثّ والسمين ولا ... تترك فيه لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا تملأ الأرضَ خيلهُ ورجالٌ ... يحشرون المَطيّ حشراً كشيشا وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ريحانة العامري قال: قال معاوية لابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟ قال: بدابة تكون في البحر من أعظم دوابه، يقال لها القرِش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، قال: فأنشدني في ذلك شيئاَ، فأنشده شعر الحميري، فذكر الأبيات"١. وقيل: سميت بذلك لتقرّشها، أي: تجمّعها إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصيّ بن كلاب، وقيل سميت بذلك لتَجْرها وتكسبها وضربها في البلاد ابتغاء الرزق٢. واختلف العلماء في اشتقاق كلمة "الناس" أو "الإنسان" فذهب بعضهم إلى أنها من "الإنس" وأصله "أناس" فحذفت فاؤه تخفيفاً، وجعلت ألف (فُعال) عوضاً عن الهمزة٣. فمادته (أن س) . وذهب بعضهم إلى أنه من "النَّوس" وهي الحركة، وأن المحذوف العين، وأصله، "نَوَس" فقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبله ٤ فمادته (ن وس) . وقال قوم: أصل الإنسان إنسيان على (إفعلان) ، فحذفت الياء استخفافاً،

стр. 117

لكثرة ما يجري على ألسنتهم، فإذا صغروه ردّوا الياء؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها. قال الجوهري: "واستدلوا عليه بقول ابن عباس ﵁ أنه قال: إنما سمّي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي"١. وعلى قول ابن عباس فإن الناس - أيضاً - من نسي، ثم حدث فيه قلب بتقديم اللام إلى موضع العين، وتأخير العين إلى موضع اللام؛ فصار "نيساً" فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. ٣- الأضداد: يقصد بالأضداد في اصطلاح اللغويين الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة "الجون" تطلق على الأبيض والأسود. ومن الأضداد كلمة "السامد" فهي تدل على اللاهي، الحزين، ولأحد نحاة المدينة رأي فيها، وهو محمد بن مروان المدني (١٩٥ هـ تقريباً) . قال أبو حاتم السجستاني: "وحكوا عن ابن مروان، قال: السامد الحزين في كلام طيء واللاهي في كلام اليمن، وأما الذي في القرآن٢ فلا علم لي به"٣. وقال أبو الطيب اللغوي: "ويحكي عن ابن مروان نحويّ أهل المدينة من خزاعة الغبشان أنه قال: السامد: الحزين من كَلام طيىء، واللاهي من كلام سائر أهل اليمن "٤. ٤- هاء السكت: من خصائص الوقف في العربية اجتلاب هاء السكت، ولها ثلاثة مواضع

стр. 118

معروفة، منها كلًّ مبني على حركة بناء دائماً، ولم يُشبه المعرب كياء المتكلم، نحو"كتابي" ومنه في القرآن: ﴿مَالِيَه﴾ ١ و ﴿سُلْطَانِيَه﴾ ٢. وقد احتج بعض علماء المدينة المغمورين بما ورد من هذا في القرآن الكريم حين خطأه أبو عمرو بن العلاء. قال الزجاجي: "حدثنا أبو هِفّان قال: قال مصعب الزبيري: أنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس: إنّ الحَوَادثَ بالمَدِينَةِ قَدْ ... أَوْجَعْنَنِي وقَرَعْنَ مَرْوَتِيَهْ٣ فانتهره أبو عمرو، وقال: مالنا ولهذا الشعر الرّخو، إنّ هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرخته. فقال المدني: قاتلك الله، ما أجهلك بكلام العرب، قال الله جل وعز في كتابه: ﴿مَا أغنَى عَنّي مَالِيَه هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَه﴾ و ﴿يَا لَيْتَنِي لَم أوْتَ كِتَابِيَه ولم أدرِ مَا حِسَابِيَه﴾ ، وتعيبه؟ فانكسر أبو عمرو انكساراً شديدا"٤. ويدل ردّ هذا المدني المغمور على أبي عمرو بن العلاء، واحتجاجه بما جاء في القرآن في تلك المسألة اللغوية، وقوله بثقة لأبي عمرو: "ما أجهلك بكلام العرب" يدل ذلك كلّه على أن ذلك الرجل كان على قدر من العلم باللغة في المدينة إن لم يكن من علماء اللُّغة فيها، وإن كنا لا نعرف اسمه، وقد تبين لنا من خلال هذا البحث أن ما نجهله من أمر علماء اللُّغة والنحو في المدينة هو أكثر مما نعرفه عنهم.

стр. 119

الخاتمة تبيّن من خلال هذا البحث أن بذرة الدراسات اللغوية العربية لغة ونحواً كانت في المدينة، منذ وقت مبكر في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من أمراء بني أمية، لعوامل ساعدت على نشأة هذه العلوم، ومن أبرزها: ١- ظهور اللحن وانتشاره. ٢- حماية القرآن من اللحن. ٣- محاولة فهم القرآن ودرسه. وأرى أن الدرس اللغوي والنحوي بخاصة لا يعزى في وضعه لعالم بعينه، إنما هو جملة من الأنظار والملحوظات والإرشادات اللغوية التي أثارها جماعة من التابعين وأصحاب الذائقة اللغوية الرفيعة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فأسهموا جميعاً - بدرجات متفاوتة - في إرساء الأسس النحوية الأولى في المدينة، تم انتشرت هذه الملحوظات والأنظار، وتداولها المهتمون بالعربية في الأمصار، كالبصرة في بادئ الأمر ثم الكوفة، فكانت هذه الملحوظات النواة للنحو العربي الذي نضج في أواخر القرن الثاني. وكان لبعض الشخصيات قدم راسخة في إرساء الأساس لبنيان العربية الشامخ، كعلي بن أبي طالب ﵁ وأبي الأسود الدؤلي، وابن عباس ﵄ ونصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وكان اشتهارهم في هذا الفن مع تقدم زمانهم مدعاة لأن يرفع الرواة والمؤرخون من شأنهم وينسبوا إليهم وضع العربية والنحو بخاصة. وقد أهمل أمر اللغويين والنحاة في المدينة، وضاع كثير من نتاجهم وآرائهم وملحوظاتهم لأسباب بَيّنتها، تتلخص في انشغال المسلمين في صدر

стр. 120

الإسلام بأخبار الحرب وأنباء الفتوح التي كانت تتوالى على المدينة صباح مساء، ثم أدّى انتقال مركز الخلافة إلى دمشق أيام الأمويين، ثم بغداد أيام العباسيين - إلى صرف الأنظار عن المدينة وتركّزِها على مراكز الخلافة الجديدة، فأهمل المؤرخون وأصحاب الطبقات كثيرا من نواحي الحياة في المدينة ومنها أخبار العلم والعلماء. ولم تزل المدينة تبتعد شيئاً فشيئاً عن دوائر الضوء وتنزوي بين جبال الحجاز ورمال الصحراء في جزيرة العرب، حتى خرجت ومعها جزيرة العرب بكاملها من اهتمامات المؤرخين وأصحاب الطبقات، فليس ثمة ما يغري المؤرخين، أو يجبرهم على الخوض في شؤون تلك البقاع سوى ما يتصل بالحج، وأخبار بعض الخوارج والقرامطة. وهكذا يمكن القول: إن اللغة والنحو وأربابهما في المدينة مما طُويَ عنا أمره، فلا نعرف اليوم من أعلام العربية أو عنهم إلا القليل؛ مما يمكن أن يجمع في قبضة يد واحدة من تراث لغوي مفقود. وقد وفقت - بعد طول بحث في المظان المختلفة - على جملة من أولئك الأعلام في المدينة، وتعرفت على شيء يسير من تراثهم اللغوي الضائع، ومن هؤلاء: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومسلم بن جندب الهزلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن ذكوان المعروف بأبي الزناد، وعبد العزيز القارئ الملقب بـ"بشكُسْت" وزيد بن أسلم العدوي، وعلي الجمل، والأصبغ بن عبد العزيز الليثي، ونافع بن أبي نعيم، وعيسى بن يزيد بن دأب، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، ومروان بن سعيد المهلبي، ومحمد بن مروان المدني، وعيسى بن مينا بن وردان. ويبدو أنّ لنحاة المدينة ولغوييها مؤلفات مفقودة في اللغة والنحو وأنّ لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأنّ لهم مجالسهم اللغوية الخاصّة.

стр. 121

وأمكن لهذا البحث أن يقف على بعض الشذرات النحوية المتفرقة، كتابع المنادى، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، وضمير الفصل، وإعراب حتى وما بعدها، والنداء والترخيم، والتقديم والتأخير، والصفة. أما علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم فيمكن القول إنه نشأ مبكراً في المدينة في ظلال علوم القرآن، كالتفسير على يد ابن عباس، الذي يعد صنيعه فيه نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن، مع العناية الواضحة بلغات القبائل، ومحاولة الإِحاطة بما في القرآن من المعرب. وكان للمدنيين نشاطهم اللغوي من خلال المجالس العلمية التي كانت تعقد لشتّى العلوم كالتفسير والحديث والفقه واللغة. وكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، ونقدّر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها، وأوّليات النحو كالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر - مما كان يعرض في تلك المجالس. وكان للغة مجالسها الخاصة كمجالس ابن عباس وأبي الزناد وابن هرمز ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهم. وأرجو - في الختام - أن يكون لهذا البحث نصيب من الإِسهام في الكشف عن بدايات مجهولة لعلم العربية في عاصمة الإسلام الأولى، المدينة النبوية الشريفة.