الكافيجيّ١ ﵀ في أول كتابه شرح القواعد أنّ أوّل من وضعه معاذ ابن جبل ﵁"٢.
وليس لهذه الرواية ما يعضدها فيما جاء في كتب التراث، ولم يؤثر عن معاذ بن جبل شيء في العربية، ليحمل على هذا أو يحمل هذا عليه، ولم يكن علم التصريف قد نشأ في ذلك الزمن المبكر، وإنما هو سهو محض من الكافيجيّ، ولعله أراد معاذ بن مسلم الهراء فذهل عنه، ولهذا قال السِيوطيّ في حديثه: "ولم تطمئن النفس إلى ذلك، وسألته عنه لما قرأته عليه، وما مستنده في ذلك، فلم يجبني بشيءٍ ولم أقف على سند لشيخنا في ذلك"٣.
ثم رجّح السيوطيّ أن معاذاً هو معاذ بن مسلم الهراء (١٨٧هـ) وأشار إلى ما يفيد أن شيخه الكافيجيّ خلط بين المعاذين، وهو الراجح عندي.
стр. 72
الفصل الرابع
من مظاهر الدرس اللغوي في المدينة
...
من مظاهر الدّرس اللّغويّ في المدينة
وضعت البذرة الأولى للدرس اللغويّ بعامة والنحويّ بخاصة في المدينة - كما تقدم - أيام الصحابة - رضوان الله عليهم - وظهرت بوادر هذا الدرس في الإشارات والتنبيهات والأنظار اللغوية المتفرقة المعزوة لبعض المهتمين بأمر اللغة، فأصبحت المدينة فيما بعد أحد المراكز اللغوية المهمة، فشارك لغويوها ونحاتها في القرنين الأول والثاني في تحديد مفاهيم النحو ووضع أسسه.
وقد وقفنا في الفصل الثالث على جملة من أعلام الدرس اللغويّ في المدينة، ونحاول في هذا الفصل أن نقف على ما يتاح لنا من مظاهر ذلك الدرس في تلك البيئة.
ومع إيماننا بأنه يتعذر الوقوف على حقيقة الحركة اللغوية في المدينة لضياع كثير مما أثر عن علمائها بالإضافة إلى ضياع كل ما ألفوه في تلك الحقبة المتقدمة، للأسباب السالف ذكرها، ولأن النحاة المشهورين الذين عرفناهم في القرنين الثاني والثالث "لا يحفلون بنسبة الآراء النحوية إلى أصحابها في كل موضع، وهذا يجعلك تجزم بأن كثيراً من الآراء النحوية التي يمكن أن تظنها للفراء وسيبويه والكسائي ليست لهم بل نقلوها عن غيرهم، ولكنها في كتبهم مغفلة أو معزوة إلى شيوخهم الأدنين، ولعل في هذا شيئا غير قليل من تراث تلامذة أبي الأسود نقله إليهم الحضرميّ وعيسى وأبو عمرو"١ ومن تراث نحاة المدينة، وهم أصحاب فضل لا ينكر في وضع نواة النحو، وتأسيس بعض قواعده، والمشاركة في بعض مسائله.
стр. 73
وعلى الرغم من ذلك فإنه من الممكن جمع بعض الشذرات اللغوية المتفرقة مما تجود به بعض المصادر، أو مما يستنبط من قراءات بعضهم وتوجيهاتها.
وقد تبين لنا بعد البحث والتنقيب أن لنحاة المدينة مؤلفات في اللغة والنحو، وأن لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأن لهم مجالسهم اللغوية الخاصة.
стр. 74
من مؤلفات المدنيين في علوم اللغة
كانت الملحوظات النحوية والإِرشادات والتنبيهات والأنظار تصدر مدّة من الزمن عن جماعة من المهتمين بالعربية في المدينة مشافهة، وتنتقل عن طريق الرواية والسماع، ولم تكن فكرة تأليف الكتب قد تبلورت في أذهانهم.
ولما تطورت العلوم في نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، وأخذت تتكوّن معالمها كالتفسير والحديث والعربية بدأت فكرة تدوين ملحوظاتهم أو معارفهم في أوراق لحفظها، ولم تلبث أن تحولت هذه الفكرة إلى نوع من التأليف عند بعض العلماء.
وكان نحاة المدينة ولغويوها من السابقين إلى تأليف الكتب النحوية، وهي إن ضاعت من يد الزمن فليس ذلك لها وحدها، بل ضاعت كتب عيسى بن عمر ويونس بن حبيب والرؤاسيّ وغيرهم.
ولا نكاد نعرف عن مؤلفاتهم في اللغة والنحو إلا الشيء القليل، ومن هذا القليل ما وصل إلينا، ومنه ما فُقِد ولا نكاد نعرف عنه شيء، ومما وصل إلينا رسالة صغيرة في لغات القرآن، برواية ابن حسنون بإسناده إلى ابن عباس، وقد نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد.
стр. 75
والرسالة طريقة في بابها مرتبة على سور القرآن، يورد فيها مؤلفها ما في كل سورة من لغات عربية أو ألفاظ معربة لأمم مجاورة كالفرس والروم والأنباط السريان والعبرانيين.
وهو من هذه الناحية - كما يقول المحقق - يبين لنا مصادر القرآن اللغوية، ويلقي الضوء على لغات القبائل قبيل الإسلام، ويحدد نسبة ما أخذ القرآن من ألفاظ كل قبيلة من تلك القبائل، ثم من كل أمة إن صح أن بعض الألفاظ فيه أعجمية١.
وقد شك بعض الباحثين في نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس، وبسط القول فيه٢.
ولابن عباس صحيفة في تفسير القرآن الكريم رواها عنه علي بن أبي طلحة، فيها من اللغة الشيء الكثير يتمثل في تفسير الغريب.
وقد كانت هذه الصحيفة موضع تقدير العلماء وعنايتهم، إذ قال عنها أحمد ابن حنبل: "بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً"٣.
وذكر السيوطي أن هذه الصحيفة ثابتة عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه مرتباً على السور٤.
ومن الواضح أنّ ابن عباس لم يكتب هذه الصحيفة في كتاب، وإنما نقلت عنه مشافهة، ثم دُوّنت فيما بعد، ومنها نسخة كانت بحوزة أبي طلحة كاتب الليث رواها عن معاوية بن أبي طلحة، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن
стр. 76
عباس، وهي عند الإمام البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها كثيراً في صحيحه كما أسلفت، وهي عند الطبري وابن أبى حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح١.
واهتم بأمر هذه الصحيفة بعض المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل، والشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، فكتب عنها الأول كلمة ضافية٢، وأخرجها الثاني في كتاب سماه: "معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاريّ" وأكثر ما فيه من هذه الصحيفة.
ويلحق بذلك ما روي عن ابن عباس مما دوّن بعده في مسائل عرفت بمسائل نافع بن الأزرقّ، وهي مسائل في تفسيرِ غريب القرآن بشواهد من شعر العرب، وهي أسئلة مشهورة أخرج الأئمة أفرادا منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس، وأخرج أبو بكر الأنباري قطعة منها في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء".
وأخرج الطبراني في معجمه الكبير جزءاً منها من طريق جويبر عن الضحّاك بن مزاحم، ورواها السيوطي كاملة في كتابه "الإتقان".
أما ما فقد من تلك المؤلفات فلا نكاد نعرف عنه شيئاً، إلا ما ورد في إشارتين أحدهما في النحو لعليّ الجمل، الذي ذكره أبو الطيب اللغوي ووصفه بأنه "لم يكن شيئاً"٣ ووصفه القفطي بأنه "لم يخلّ شيئا"٤وقد ذكرت فيما مضى أن التحريف في هذين النصين وارد.
ومهما يكن من أمر هذا الكتاب فقد امتد أثره إلى الأخفش وهو من أعلام النحو في البصرة، إذ قال تلميذه أبو حاتم السجستاني في كتابه القراءات حيث
стр. 77
ذكر القراء والعلماء: "وأظن الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النحو من كتاب الجمل"١.
وما قاله السجستاني يدل على أن الكتاب له مكانة رفيعة، وأنه أثار انتباه العلماء، وأن أثره امتدّ إلى خارج المدينة، لما كان يحويه من أصول النحو ومسائله، وإحسان أبي حاتم الظن بهذا الكتاب شهادة عالية القيمة من عالم مشهور لعالم مغمور.
والكتاب الآخر في اللغة، أشار إليه أبو الطّيّب اللغويِّ - أيضاً - في ترجمته لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ) قال: "وأما كتَابه المترجم بالغريب المصنف فإنه اعتمد فيه على كتاب عمله رجل من بني هاشم جمعه بنفسه"٢.
والراجح أن هذا الرجل كان من أهل المدينة أو مكة مقر سكنى بني هاشم كما يقول الدكتور هادي عطية٣.
وإن ثبت هذا فإنه يدل على اهتمام أهل الحجاز بالتأليف في غريب اللغة، ذلك العلم الذي فتح بابه لهم ابن عباس.
стр. 78
من المسائل النِّحويّة
ضاع الكثير من نحو المدنيين، ولم يصل إلينا منه إلا الشيء اليسير جداً، ومنه ما أشارت إليه بعض المصادر النحوية ك "الكتاب" لسيبويه، و"معاني القرآن" للفراء، و"الارتشاف" لأبي حيان، فمما يسّر الله جمعه:
١- تابع المنادى:
يُعطى تابع المنادي ما يستحق من الإعراب إذا كان منادى مستقلا، أي
стр. 79
البناء أو النصب، وذلك في التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق المجرد من أل، لأن البدل في نية تكرار العامل، والعطف كالنائب عن العامل، تقول في التوكيد: يا بكر نفسَه، ويا تميمُ كلَّهم، ويا خالدُ أبا الوليد، بنصب التابع؛ لأنه مضاف.
وتقول: يا زيد بشرُ، بالضم للبناء، ويا صالحُ وعليُّ بالضم أيضا١.
وإذا وصف المضاف المنادى بمضاف مثله أو بمفرد فالوجه النصب، قال ابن السراج: "اعلم أن المضاف إذا وصفته بمفرد ومضاف مثله لم يكن نعته إلا نصباً؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب، فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره، وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ، ويا غلامنا الطويلَ، والبدل يقوم مقام المبدل منه، تقول: يا أخانا زيد أقبل، فإن لم ترد البدل وأردت البيان، قلت: يا أخانا زيداً أقبل، لأن البيان يجري مجرى النعت"٢.
والرفع في قولك: يا أخانا زيدٌ هو قول أهل المدينة فيما حكاه سيبويه عن الخليل في قوله: "قلتَ: أرأيت قول العرب: يا أخانا زيدا أقبل، قال: عطفوه على هذا المنصوب فصار نصباً مثله، وهو الأصل؛ لأنه منصوب في موضع نصب، وقال قوم: يا أخانا زيدٌ.
وقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله، وهو قول أهل المدينة، قال: هذا بمنزلة قولنا يا زيد، كما كان قوله يا زيد أخانا بمنزلة يا أخانا، فيحمل وصف المضاف إذا كان مفرداً بمنزلته إذا كان منادى"٣.
وما عزاه سيبويه للمدنيين مثال نحوي، وليس قراءة قرآنية حتى يظن أن سيبويه كان يشير إلى قراءةٍ لنافع أو غيره من قراء المدينة.
стр. 80
٢- الفصل بين المضاف والمضاف إليه:
لا يجوز الفصل بين المتضايفين عند كثير من النحويين إلا في الشعر، وأجاز بعضهم الفصل بينهما في مواضع منها أن يكون المضاف مصدراً والمضاف إليه فاعله والفاصل مفعول به أو ظرف.
فالأول كقراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ١.
والثاني كقولك: تَرْكُ يوماً نفسِك وهواها، سعي لها في رداها.
وللمدنيين رأي في هذه المسألة أورده شيخ نحاة الكوفة الفراء في قوله: "وليس قول من قال ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ٢ ولا ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بشيءٍ، وقد فُسّر ذلك.
ونحويوا أهل المدينة ينشدون قوله:
فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا ... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة٣
قال الفراء: باطل، والصواب:
زَجَّ القَلُوصِ أَبُو مَزادَة "٤
وقال الفراء في موضع آخر في توجيه قراءة ابن عامر: "وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:
فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا ... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة
بشيء، وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية"٥.
стр. 81
وتدل عبارة الفرّاء "وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز" على أمور، منها: قِدَم هؤلاء النحاة، وأنهم جماعة، وأنهم يتفقون في المذهب النحويّ.
وذكر ابن يعيش١ أن الأخفش أنشد هذا الشاهد، وقيل: إنه زاده في حواشي الكتاب لسيبويه فأدخله الناسخ في بعض النسخ حتى شرحه الأعلم٢، فهل أخذه الأخفش من كتاب أحد هؤلاء المدنيين، وهو عليّ الجمل، كما أخذ عنه: الزيت رطلان بدرهم؟ إن صح ذلك.
وذكر ابن يعيش - أيضاً - أن "ابن كيسان قد نقل عن بعض النحويين أنه يجوز أن نفرق بين المضاف والمضاف إليه إذا جاز أن يسكت عن الأول منهما"٣ فمن هؤلاء النحاة، هل هم المدنيون أم الكوفيون؟ ليس في المصادر التي بين أيدينا ما يعين على الإِجابة عن هذا السؤال.
وقد احتج بعض الكوفيين - فيما بعد - بهذا البيت وجعلوه من شواهدهم في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فيما أورده أبو البركات الأنباريّ في مسائل الخلاف٤ على الرغم من اعتراض الفراء على هذا الشاهد.
ويبدو أن البغدادي أراد أن ينتصر للبصريين بالطعن في قائل هذا البيت فعزاه "لبعض المدنيين المولدين، فلا يكون فيه حجة"٥.
وبالعودة إلى عبارتي الفراء التي قال فيها: "ونحويوا أهل المدينة ينشدون ... "، و"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز" يتبين - كما أسلفنا - قدم هؤلاء النحاة، وإجماعهم على هذا الشاهد، وشهرته عندهم، ويمكن أن يستنبط من عبارة الفراء "وهذا مما كان يقوله.." التي قالها في أواخر القرن
стр. 82
الثاني - كما نعلم - أن هؤلاء النحاة كانوا يقولون ذلك منذ زمن مضى نقدره بنحو خمسين سنة أو يزيد، وهو ما يوافق زمن الفصاحة الذي حدد بمنتصف القرن الثاني في الحواضر ونهاية القرن الرابع في البوادي، فهل يجوز للبغدادي أن يطعن في حُجِّيّة البيت؟.
ويقوي مذهب المدنيين قراءة ابن عامر في آية المائدة المتقدمة، وهي قراءة سبعية متواترة، لا يجوز الطعن فيها، وقد قرأ بعض السلف ﴿مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِه﴾ ١، بالإِضافة إلى جملة من الشواهد الشعرية٢.
ولورود ذلك في القرآن اقترح الدكتور مكي الأنصاريّ أن تعدل القاعدة التي ذكرها البصريون، فقال: يجوز الفصل بين المتضايفين في النثر بالمفعول به٣.
وهذا دليل على سلامة ما ذهب إليه نحاة المدينة في هذه المسألة.
٣- ضمير الفصل:
قد يقع الضمير المنفصل المرفوع بين المبتدأ والخبر أو ما في حكمهما من النواسخ إذا كانا معرفتين أو مقاربين للمعرفة٤، وذلك في نحو ﴿إنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ﴾ ٥ و ﴿كُنّا نَحْنُ الوَارِثِين﴾ ٦.
ويسمى هذا الضمير عند البصريين ضمير الفصل، ويسميه الكوفيون عمادا.
стр. 83
وللمدنيين مذهب فيه وفي تسميته، قال أبو حيان: "والفصل هو صيغة ضمير منفصل، ويسميه الفراء وأكثر الكوفيين عماداً، وبعض الكوفيين يسميه دعامة، ويسميه المدنيون صفة.
وأكثر النحاة يذهب إلى أنه حرف، وصححه ابن عصفور. وذهب الخليل إلى أنه ضمير باق على اسميته، ومحل هذا الفصل المبتدأ والخبر ونواسخه، واختلفوا في وقوعه بين الحال وصاحبها، فمنعه الجمهور، وحكى الأخفش في الأوسط مجيء ذلك عن العرب، ومن قرأ ﴿هَؤلاءِ بَنَاتي هُن أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ ١ بنصب أطهر لاحِنٌ عند أبي عمرو.
وقال الخليل: والله إنه لعظيم جعل أهل المدينة هذا فصلاً، وشرط الفصل أن يتقدمه معرفة٢.
وبهذا ندرك انفراد نحاة المدينة في هذه المسألة بأمرين:
أحدهما: تسميتهم هذا الضمير: صفة.
والآخر: أنهم أجازوا وقوعه بين الحال وصاحبها كما في القراءة السابقة، وندرك - أيضاً - أن الأخفش أجاز ذلك، فهل هو متأثر بما وقع له من مصنفات أهل المدينة في النحو، ككتاب عليّ الجمل؟.
لا يستبعد ذلك.
وأجاز المدنيون وقوع ضمير الفصل بين النكرة والمعرفة، قال سيبويه في باب "هذا باب لا تكون هو وأخواتها فيه فصلا" بعد أن مثل له بقوله: ما أظن أحداً هو خير منك، قال: "وأما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفة، ويجعلونها فصلاً في هذا الموضع"٣.
стр. 84
وأضاف سيبويه قائلا: "فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا وقال احتبى ابن مروان١ في ذِه في اللحن. يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ: ﴿هَؤلاءِ بَنَاتي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ فنصب.
وكان الخليل يقول: "والله إنه لعظيم جعلهم [أي المدنيين] هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إياها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبُوهُ، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما"٢.
واعترض السيرافيّ على سيبويه في بعض ما جاء في هذه المسألة، ووجه مذهب المدنيين، فقال: "لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة، لأن الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو، وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكون فصلا للنكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنكرة، فإن هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأن أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي يحكى عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، لأنه من باب هو خيراً منكم، والذي أنكره سيبويه أن يجعل ما أظن أحدا هو خيراً منك بمنزلة ما أظن زيداً هو خيراً منك، فليس هذا مما حُكِيَ عن أهلِ المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أن أبا عمرو رآه لحنا"٣.
وفي كتاب سيبويه إشارات أخرى متفرقة إلى نحويين يفهم من سياق كلامه أنهم قدماء٤، فهل هم أو بعضهم من نحاة المدينة؟.
стр. 85
٤- إعراب حتّى وما بعدها:
ثمة شاهد نحويّ مشهور يتناقله النحاة منذ عهد سيبويه، ويروونه عن بعض نحاة المدينة، وهو مروان بن سعيد المهلبيّ، وهو قوله:
أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... والزَّاد َحَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا١
وفيه روايات، وهي "حتى نعلِه" و"حتى نعلَه" و"حتى نعلُه"٢ ولا ندري كيف أنشده مروان بن سعيد المهلبيّ، ولا نعرف رأيه في توجيهه، كما لا نعرف رأي معاصريه من نحاة المدينة في توجيه هذا البيت، الذي نقدّر أنه استأثر بعنايتهم، فهو من شواهدهم، كما استأثر بعناية النحاة في البصرة والكوفة وغيرها من الأمصار.
والشاهد فيه "حتى نعله" إذ يجوز في حتى وما بعدها ثلاثة أوجه، وقد أنشده سيبويه٣ على أن حتى فيه حرف جر بمعنى إلى، وأن مجرورها غاية لما قبلها، كأنه قال ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإِلقاء إلى النعل، ويكون "ألقاها" توكيد٤، وهي بمنزلة قوله ﴿سَلامٌ هِي حَتى مَطْلَع الفَجْر﴾ ٥.
أما النصب فمن وجهين:
أحدهما: نصبه بإضمار فعل يفسره (ألقاها) كأنه قال: حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف.
ثانيها: أن يكون نصبه بالعطف على الصحيفة، وحتى بمعنى الواو، كأنه
стр. 86
قال: ألقى الصحيفة حتى نعله، يريد: ونعله، كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسَها، بنصب رأسها، فعلى هذا الهاءُ عائدة على النعل أو الصحيفة، وألقاها تكرير وتوكيد"١وقد جاز عطف نعله مع أنه ليس واحداً مما ذكر؛ لأن الصحيفة والزاد في معنى ألقى ما يثقله؛ فالنعل بعض ما يُثقل.
وأما الرفع "فعلى الابتداء، وجملة ألقاها هي الخبر؛ فحتى - على هذا وعلى الوجه الأول من وجهي النصب - حرف ابتداء، والجملة بعدها مستأنفه"٢.
هذا ما وقفت عليه مما عزي للمدنيين من آراء في النحو وهو من القلة بحيث لا يمكّن الباحث من استخلاص خصائص معينة، وإن كنت أرى - من خلال ما سمحت به المصادر - أن نحوهم يأخذ طابع النحو الكوفيّ الذي يعتدّ بالسماع ولا يحفل كثيراً بالقياس.
стр. 87
النحو في قراءتهم وتعليقاتهم التفسيرية
...
النّحو في قراءاتهم وتعليقاتهم التفسيرية
أسهمت قراءات المدنيين وتعليقاتهم التفسيرية في خصوبة النحو العربيّ على مدى القرون، ويمكن لنا أن نستعرض بعض الملاحظات والآراء أو الأصول النحوية المستنبطة من قراءات بعضهم أو تعليقاتهم، كابن عباس وابن هرمز، من غير استقراء، فإن ما أثر عنهما في هذا الشأن شيء غير قليل، يحتاج إلى مؤلف خاص يلم شتاته، ويكفي في هذا البحوث ذكر بعض الأمثلة مما يمثل بدايات النحو عند المدنيين.
أولا: ابن عباس
أثر عن ابن عباس كثير من الملاحظات اللغوية التي كان يفسر بها القرآن، تدل على حسه اللغويّ العام السليم، وإلمامه بالنحو.
стр. 88
١- قدر ابن عباس التقديم والتأخير في قوله : ﴿أم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنا لا يَسْتطيعُونَ نَصْرَ أنفسهم ولاهُم مِنّا يُصْحَبون﴾ ١.
قال أبو حيان: " قال ابن عباس: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم٢".
٢- وروي عن ابن عباس في قوله عزّوجل: ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أئِمَّةً يَهْدُون بأمْرنا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ٣ أنه يرى أن الباء في ﴿بأمرنا﴾ بمعنى (إلى) أي يهدون الخَلق إلى أمرنا٤.
وقد ذكر النحاة - فيما بعد - أن الباء تأتي بمعنى الغاية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ ٥ أي: إلي٦.
٣- وروي عنه في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَان للرحمن وَلَدٌ فَأنَا أوَّلُ العَبدِين﴾ ٧ أنه يرى أن (إنْ) هنا نافية بمعنى ما، وكان يقول: لم يكن للرحمن ولد٨.
٤- وروي عنه في قوله تعالى: ﴿هَلْ أتَى عَلَى الإنْسَان حِينٌ مِنَ الدَّهْر لم يَكُن شَيْئاً مَذكُورا﴾ ٩ أنه ذهب إلى أن (هل) هنا بمعنى (قد) ١٠.
стр. 89
٥- واختلف المفسرون في تفسير قوله : ﴿إلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يَرْفعُهُ﴾ ١.
قال أبو حيان: "وعن ابن عباس: "والعمل الصالح يرفعه، عامله ويشرّفه، فجعله على حذف مضاف"٢ أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطّيب.
٦- واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ ٣.
وروي عن ابن عباس - في هذه الآية - أنه قدر حذف الحال، إذ قال: "في الكلام محذوف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت وقد استشهدتموهما على الإيصاء"٤ والحال هي جملة: "وقد استشهدتموهما" التي قدرها ابن عباس محذوفة.
٧- وروي عن ابن عباس في تفسيره في قول الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتي كُنْتَ عَلَيها إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقْبَيْهِ﴾ ٥ أنه قال: "القبلة في الآية الكعبة، وكنت أنت، كقوله تعالى ﴿كُنْتُم خَيْرَ أمةٍ﴾ بمعنى: أنتم"٦.
قال أبو حيان: "وهذا من ابن عباس - إن صح - تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما تفسير الإِعراب على هذا التقدير ما نقله النحويون أنّ كان تكون بمعنى صار"٧.
стр. 90
ومقتضى تفسير ابن عباس أنّ كان هنا زائدة "والذي صار بأبي حيان إلى هذا هو البناء النحوي العام القائم على العامل والمعمول، وهذا ما لم يكن يعرفه ابن عباس، ولا أهل زمانه"١.
ونلاحظ في هذه الأمثلة التي أوردناها بروز الحس اللغوي والنحوي عند ابن عباس في تعليقاته وتفسيره على نحو فطريّ بعيد عن تصنع النحاة وتعليقاتهم، وهو ما يناسب تلك المرحلة التي نشأ فيها النحو في المدينة والحجاز.
ثانيا: ابن هرمز
رأينا في الفصل الثالث أن بعض المؤرخين ذكر أنّ ابن هرمز أول من وضع علم النحو وأظهره في المدينة، وأنه كان أعلم الناس بالنحو وأن أهل المدينة أخذوا النحو عنه٢.
وجعله بعضهم أحد مؤسسي النحو الذين وضعوا "للنحو أبوابا، وأصلوا له أصولا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف"٣.
فأين هذه الأصول والأبواب؟ لقد ضاعت فيما ضاع من تراث العربية المتقدم، ولم يبق لنا من نحو ابن هرمز سوى قراءاته واختياراته الكثيرة التي أسهمت في خصوبة النحو العربي، ودلّت على إلمامه به، ومشاركته فيه، وإدراكه لبعض أصوله، فمن قراءاته واختياراته تلك:
١- قرأ يحيى بن يعمر: ﴿أفَحكمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٤ برفع (أفحكم) على الابتداء، وبإضمار مفعول في الفعل يبغون، والجملة خبر المبتدأ.
стр. 91
وقرأ ابن هرمز الآية بنصب (أفحكمَ) وهي قراءة الجمهور١، وقال: "لا أعرف في العربية: أفحكمُ"٢ فدل هذا على سعة إطلاعه، وعلمه بتراكيب اللغة وقرائنها اللفظية، وما يصاحبها من ظواهر الإعراب٣.
٢- قرأ ابن كثير وغيره: ﴿فَتَلَقّى آدَمَ مِن رَبِّه كَلِمَاتٌ﴾ ٤ بنصب (آدم) ورفع (كلمات) .
وقرأها ابن هرمز الأعرج وغيره برفع آدم ونصب (كلمات) وعللها مكيّ بقوله: "وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (كلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات؛ لأنه هو الذي قَبِلها ودعا بها، وعمل بها فتاب الله عليه. فهو الفاعل لقبوله الكلمات فالمعنى عَلى ذلك، وهو الخطاب، وفي تقديم (آدم) على الكلمات تقويه أنه الفاعل.
وقد قال أبو عبيد في معنى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ معناه قَبلها، فإذا كان آدم قابلا فالكلام مقبول، فهو المفعول وآدم الفاعل٥".
وقرأ الأعرج وآخرون: ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى مَن يَّشَاءُ﴾ ٦وقرأ الجماعة ﴿وَيَتُوبُ الله﴾ بالرفع، وعلى قراءة الأعرج فإنّ التوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وعلى قراءة الرفع تكون استئنافاً، وذلك أن قوله: ﴿قَاتِلُوهُم يُعَذّبْهُمُ الله بأَيْدِيكُم ويُخْزِهِم ويَنصُركُمْ عَلَيهِم ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين ويُذْهِبْ غَيْظ قُلُوبِهِم وَيَتُوبُ الله عَلَى من يشَاءُ﴾ ٧ فهو كقولك: إن تزرني أحسن إليك
стр. 92
وأعطي زيداً درهما، فتنصبه على إضمار (أنْ) أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد١.
وإن كان ابن هرمز في كثير من قراءاته يتوخى بحسه النحويّ ما وافق العربية وفق الأقيسة النحوية المشهورة، إلا أنه قد يغرب في بعض قراءاته وينحط في بعض اختياراته، فيوافق أوجه ضعيفة في اللغة أو شاذة لا يقبلها أكثر النحاة، فمن ذلك:
١- قرأ ابن هرمز وغيره: ﴿ولا تَتبعُوا خُطُؤات الشَّيْطَانِ﴾ ٢ بضمتين وهمزة، وهي شاذة، أنكرها بعض العلمَاء، قال ابن جني: "وهي مرفوضة وغلط٣".
وتحتمل هذه القراءة تأويلين في العربية:
أحدهما: أن خُطُؤات جمع خُطأة، بمعنى الخطأ٤، فالهمزة أصلية، وهي لام الكلمة.
والآخر: أنه قلب الواو في خُطُوات همزة؛ لمجاورتها الضمة قبلها، فكأنها عليها؛ لأن حركة الحرف بين يديه على الأرجح لا عليه٥.
٢- قرأ ابن هرمز٦: ﴿وإِذ أَخَذَ الله مِيْثَاقَ النَّبيّينَ لَمَّا آتَيْنَاكم مِن كِتَاب وحِكْمَة﴾ ٧ بفتح اللام وتشديد الميم في (لمّا) وقَد أنكرها بعض العلماء، وهي تحتمل أوجه:
стр. 93
قال أبو الفتح: "في هذه القراءة إعراب، وليست (لما) هاهنا بمعروفة في اللغة، وذلك أنها على أوجه:
تكون حرفاً جازما
وتكون ظرفاً
وتكون بمعنى إلا
وأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمِن ما آتيناكم، وهو يريد القراءة العامة: لما آتيناكم١ فزاد من ... فصارت (لَمِما) فلما التقت ثلاث ميمات فثقلت حذفت الأولى منهن، فبقي لَمَّا مشدداً كما ترى، ولو فكت لصارت: لنما، غير أن النون أدغمت في الميم كما يجب في ذلك، فصارت: لَمّا"٢.
٣- وقرأ ابن هرمز وغيره٣ ﴿قلْ هَلْ أنبئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثْوبَةٍ عِند اللهِ﴾ ٤ بسكون الثّاء في (مَثْوبة) وفتح الواو على زنة مفعلة، هذا مما خرج عن أصله، وهو شاذ في بابه، وحال نظائره كما يقول ابن جني٥، وقياسها (مثوبة) كما قرأها الجمهور.
стр. 94
المصطلح النّحويّ
مرت مصطلحات اللغة والنحو بمراحل زمنية متباينة واشترك في تطويرها مجموعة من النحاة على مختلف العصور.
وقد ظهرت بعض المصطلحات النحوية في ظهور النشأة لهذا العلم في المدينة، ثم أشاد البصريون بناء المصطلح اللغوي بعامة والنحويّ بخاصّة، وجاء بعدهم الكوفيون، وتبعهم البغداديون والأندلسيون والمصريون، فدرس من مصطلحات المدنيين ما درس، وبقي منها ما بقي وهو قليل، ولا نعلم مقدار ما ضاع منها.
ونقدر أن بعضاً من مصطلحات المدنيين النحوية شاع على ألسنة الدارسين وتبنته المدارس النحوية المشهورة، فنسب إليها، ونسي مورده الأصلي.
ومن مصطلحات المدنيين النحوية التي أنشؤوها أو كان لهم إسهام مع غيرهم في نشأتها ورسوخها: العربية، والإعراب، والنحو، واللحن، والرفع، والنصب، والجر، والاسم، والفعل، والحرف، والنداء، والترخيم، والتقديم، والتأخير، والصفة، وهي على النحو التالي:
١- العربية:
لعل "العربية" من أقدم مصطلحات العلم اللغوي والنحوي عند العرب، وهو عام المدلول، لا يحمل - في أول أمره - سمة المصطلح العلمي الدقيق، وكان ظهوره - فيما نعلم - في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وقد جرى على لسانه كثيراً، واستخدمه بعض الصحابة، وكان معناه في بادئ
стр. 95
الأمر:لغة العرب النقية من الشوائب، لاسيما لغة البوادي، قال عمر: "تعلموا العربية، فإنها تشبب العقل وتزيد في المروءة"١.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "أنْ مُرْ من قِبَلَك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام"٢.
ثم ارتقى مصطلح العربية قليلاً وأصبح يعني اللغة وأسرارها، فقد روي عن كعب الأحبار أنه حكم بين ابن عباس ومعاوية ﵃ حين اختلفا في قوله تعالى ﴿عَيْنٍ حَمِئةٍ﴾ فقال: "أما العربية فأنتم أَعلم بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين"٣.
ولم يزل هذا المصطلح يرتقي حتى أصبح يطلق على دراسة اللغة وما تحويه من ظواهر صوتية، كالهمز والإِمالة والإِبدال والإدغام، أو ظواهر إعرابية كالرفع والنصب والجر، وازداد رسوخاً وانتشاراً في القرن الأول٤، فظهر أول مصطلح لهذا العلم اللغوي.
وقد ورد هذا المصطلح في استخدامات بعض القدماء، كابن سلام، في قوله: "وكان أبو الأسود أول من استنّ العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها ووضع القياس"٥.
والسيرافي في كلامه عن نصر بن عاصم، إذ قال: إنه "أول من وضع العربية"٦.
والزهري في قوله: "إن نصر بن عاصم ليفلق بالعربية تفليقا"٧.
стр. 96
والحسن البصري الذي قال له البتّي: ما تقول في رجل رُعِفَ في الصلاة؟ فقال: إنّ هذا يعرّب الناس "أي يعلم العربية" وهو يقول رُعِف، إنما هو رَعُفَ١.
٢- الإعراب:
وهو - أيضاً - من المصطلحات العربية القديمة، تمتد جذوره إلى عهد النبي ﷺ فقد روي أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه"٢.
وروي عن أبي بكر وعمر- ﵄: "تعلم إعراب القرآن أحبّ إلينا من تعلم حروفه٣"
ولم يكن مصطلح "الإعراب" في بداية نشأته كما يتضح من هذين النصين يتجاوز معنى الإبانة في الكلام والتجويد في القرآن ونحو ذلك، فمدلوله أقرب إلى معناه اللغوي المجرد.
ثم تطور مصطلح "الإعراب" وأصبح يدل على الصواب في الكلام، قال ابن شُبرمة (١٤٤هـ) : "إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن فكأن عليه أخلاقاً، ويعرب وعليه أخلاق فكأن عليه الخز الأدكن"٤.
ثم لم يلبث هذا المصطلح أن أخذ مفهوماً مقارباً لما نعرفه اليوم، وهو تحريك أواخر الكلم بما يقتضيه التركيب، وقد روي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة قوله: "الإعراب حلي اللسان؛ فلا تمنعوا ألسنتكم حليها"٥.
стр. 97
٣-النحو:
ليس من اليسير الاهتداء إلى الزمن الذي ظهر فيه هذا المصطلح، الذي عرف ناضجاً في أواخر القرن الثاني، إلا أن الروايات المنقولة تشير إلى مرحلة مبكرة ترجع إلى زمن علي بن أبي طالب إذ رُويَ أنه ﵁ ألقى إلى أبي الأسود رقعة فيها كلام في أصول النحو فقال له: "انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع لك"١ ثم عرض عليه أبو الأسود ما وقع له فاستحسنه علي وقال: "ما أحسن هذا النحو الذي نحوته"٢ قال ياقوت معلقاً على قول علي: "فلذلك سمي نحوا"٣.
وقال الخليل بن أحمد: "وبلغنا أن أبا الأسود وضع وجوه العربية، فقال للناس انحوا نحو هذا فسمّى نحوا"٤.
وروى القفطي أن أبا الأسود أتى عبد الله بن عباس فقال: "إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئا لهم يقوِّمون به ألسنتهم قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق"٥.
فإن صحّ ما ورد في هذه الروايات فإنّ مصطلح النحو قديم تعود جذوره الأولى إلى علماء المدينة، تم تطور مع الأيام، ولكن ثمة من يشك فيما جاء في هذه الروايات، ويرى أن ذلك من تفسير الرواة وتزيدهم "لأن المصطلح اللغوي لا يسلك سبيله إلى الأذهان بهذه الطريقة، بل يكون له أساس من الاستخدام، ثم يتطور معناه ويطلق على شيء ما"٦.
стр. 98
٤- اللحن:
للحن معان عدة في اللغة ذكرها أصحاب المعاجم، وهو من المصطلحات التي أطلقت قديماً على علم النحو، ولكنه لم يشع في الاستعمال، فمن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث له في النافع من العلوم، قال: "تعلموا الفرائض والسنة واللحن، كما تتعلمون القرآن"١.
وحدّث يزيد بن هارون بهذا الأثر فقيل له: ما اللحن؟ فقال: النحو٢.
ثم شاع على ألسنة الناس في الصدر الأول من الإسلام في المدينة وغيرها استخدام اللحن بمعنى الخطأ، وهو من معانيه اللغوية، "وأغلب الظن أنه استعمل لأول مرة بهذا المعنى عندما تنبه العرب بعد اختلاطهم بالأعاجم إلى فرق ما بين التعبير الصحيح والتعبير الملحون"٣.
ومن أقدم النصوص التي ورد فيها اللحن بمعنى الخطأ في الكلام ما نسب إلى عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ) وهو قوله: "الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف"٤.
وقيل له يوماً: "أسرع إليك الشيب قال: شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن"٥.
وقد ورد هذا المعنى في بيت للحكم بن عبدل الأسدى يهجو به حاجب عبد الملك بن بشير بن مروان والي البصرة (١٠٣ هـ) ليحمل الأمير على إقالته:
стр. 99
لَيْتَ الأميرَ أَطَاعَنِي فَشَفَيْتُهُ ... مِن كُلِّ من يُكْفِي القَصِيد ويَلْحَن١
وكان بعض السلف يقول: "ربما دعوت فلحنت فأخاف ألا يستجاب لي"٢ وهكذا استقرّ اللّحن في اصطلاح اللّغويين والنّحاة على هذا المعنَى.
٥- الرفع والنصب والجر:
جاء في بعض الروايات أن علياً ﵁ قال لأبي الأسود: "اجعل للناس حروفا - وأشار له إلى الرفع والنصب والجر - فكان أبو الأسود ضنينا بما أخذه"٣.
تم انشر هذا المصطلح عند النحويين واللغويين في القرن الثاني، ولا يبعد أن يكون المدنيون قد عرفوه منذ القرن الأول، وأن يكون لهم دور بارز في نشأته.
٦-الاسم والفعل والحرف:
روى عن أبي الأسود أنه قال: "دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فأخرج لي رقعة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى"٤.
وروى الزجاجي أن أبا الأسود كان أول من سطر في كتاب: "الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فسئل عن ذلك فقال: أخذته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب"٥.
стр. 100
٧- النداء والترخيم:
روي أن علي بن أبي طالب ﵁ لما قرأ: ﴿ونَادَوا يا مَالِ لِيَقْض عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ ١ أنكر عليه ابن عباس ﵄ فقال علي: "هذا من الترخيم في النداء. فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء فقال علي: صدقت"٢.
قال ياقوت في تعليقه على هذه الرواية: "فهذا يدل على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به"٣.
ومع أن الشك يتطرق لهذا الرواية لورود مصطلح "الترخيم في النداء" فيها، إذ يظن أنه مصطلح متأخر نوعاً ما، إلا إننا لا نستطيع إنكارها لورودها عن ياقوت، ومعروف عنه تحريه فيما يرويه من الأخبار، ولأن الواقع اللغوي الجديد في عصر علي بن أبي طالب كان مهيئاً لنشأة مثل تلك المصطلحات، ويقوي ذلك مكَانة الرجلين علي وابن عباس في اللغة، وما أثر عنهما في هذا الشأن، وهو شيء كثير.
٨- التقديم والتأخير:
فسر ابن عباس قوله ﴿أَم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِم وَلاهُم مِنّا يُصحَبُون﴾ ٤ فقال: "في الكلام تقديم وتأخير"٥.
стр. 101
٩ -الصفة:
تقدم في كلامنا عن الضمير الذي يقع بين المبتدأ والخبر وما في حكمها أنه يسمى عند البصريين ضمير الفصل.
ويسمى عند الكوفيين: العماد.
ويسميه نحاة المدينة - كما ذكر أبو حيان - صفة، وقد انفردوا بهذه التسمية فيما نعلم.
стр. 102
المجالس اللغوية
من مظاهر النشاط اللغوي في المدينة أن العلماء كانوا يعقدون المجالس اللغوية كما عقدوها للتفسير والحديث والفقه، ومن المجالس التي كانت تعقد للغة مجالس ابن عباس، وأبي الزناد، وابن هرمز، ومروان بن سعيد المهلبي وغيرهم.
وكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، قال عمرو بن دينار: "ما رأيت مجلساً قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال، والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام"١.
ونقدر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها ومسائل النحو كان يعرض في تلك المجالس.
ولما ارتقت علوم اللغة وقاربت النضج وبخاصة النحو ظهرت بعض المناظرات اللغوية والنحوية في تلك المجالس، أو في مجالس علية القوم كالخلفاء والأمراء٢والوزراء وغيرهم، كان ذلك في حواضر الدولة الإِسلامية الفتية كالمدينة والبصرة والكوفة وبغداد.
стр. 103
وقد ضاع كثير من تلك المناظرات، ولم يبلغنا من أمرها إلا القليل، وأكثر ما بلغنا مما كان يدور في مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء في حواضر العراق، وقد جاءت لنا بعض المصادر بنتف يسيرة جدا من مناظرات نحوية وقعت في بعض مجالس العلم كان أحد علماء المدينة طرفا فيها، وهو مروان بن سعيد المهلبي، وكان الطرف الآخر سعيد بن مسعدة الأخفش.
وفيما يلي مجالس المهلبي مما ذكره أبو القاسم الزجاجي وغيره، وهي ثلاثة مجالس، نوردها كما رواها الرواة، تم نقفوها بشيء ٍمن التعليق:
١- فإن كانتا اثنتين:
قال أبو القاسم الزجاجي. "قال أبو يعلى زكريا بن يحي بن خلاد: حدثني أبو عثمان قال: سأل مروان الأخفش عن قول الله جلّ وعزّ: ﴿فَإِنْ كاَنَتَا اثنَْتَيْن﴾ ١ أليس خبر كان يفيد معنى ليس في اسمها؟ قال نعم. قال: فأخبرني عن ﴿كاَنَتَا اثنَْتَيْن﴾ أليس قد أفاد بقوله (كانتا) معنى ما أراد فلم يحتج إلى الخبر؟ فقال: إنما أراد: فإن كان من ترك اثنتين، ثم أضمر (من) على معناها. قال: فبإضماره (من) على معناها أفاد معنى ما أراد"٢.
وأراد مروان بن سعيد المهلبي بسؤاله أن الألف في (كانتا) تفيد التثنية فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنتين ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال: فإن كانتا ثلاثا، ولا أن يقال فإن كانتا خمساً، فأراد الأخفش أن الخبر أفاد العدد المجرد من الصفة، أي: قد كان يجوز أن يقال: فإن كانتا صغيرتين أو
стр. 104
صالحتين فلهما كذا، وإن كانتا كبيرتين فلهما كذا، فلما قال: فإن كانتا اثنتين على أية صفة كانتا عليها من كبر أو صغر أو صلاح أو طلاح أو غنى أو فْقر، فقد تحصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى١.
وبهذا ظهر ذكاء السائل وبراعة المسؤول.
٢- أزيد عندك أم عمرو؟
قال الزجاجي: "سأل مروان [بن سعيد المهلبي] مرة الأخفش، فقال: إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت أن ثمَّ كونا ثابتا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلى. قال: فإذا قلت: قد علمت أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت ما جهلت؟ قال: بلى. قال: فلم جئت بالاستفهام؟ قال: جئت به لألبس على المخبر مَن علمت. فقال له مروان: إذا قلت علمتُ من أنت، أردت أن تلبس عليه لأنه لا يعلم نفسه؟ قال: فسكت.
قال أبو عثمان: عندي أنه إذا قلت قد علمت من أنت فهو لا يريد أن يُلبس عليه؛ لأنه لا يعرف نفسه، ولكنه أراد قد علمت من أنت أخير أمرك أم شر، كما تقول: قد علمت أمرك، وكقولك: ما أعرفني بك، أي قد علمت ما تذكر به، أو ما تثلب به"٢.
٣- أزيد ضربته أم عمرًا:
قال الزجاجي: "أخبر أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري، قال: سأل مروان سعيد بن مسعدة الأخفش: أزيداً ضربته أم عمرا؟ فقال:٣ أي شيء تختاره فيه؟ فقال: أختار النصب لمجيء ألف الاستفهام. فقال: ألست إنما تختار في الاسم النصب إذا كان المستفهم عنه الفعل كقولك: أزيداً ضربته،
стр. 105
أعبد الله مررت به؟ فقال: بلى. فقال له: فأنت إذا قلت: أزيدا ضربته أم عمراً، فالفعل قد استقرّ عندك أنه قد كان، وإنما تستفهم عن غيره، وهو من وقع به الفعل، فالاختيار الرفع؛ لأن المسؤول عنه اسم وليس بفعل. فقال له الأخفش: هذا هو القياس.
قال أبو عثمان: وهو أيضا ًالقياس عندي، ولكنّ النحويين اجتمعوا على اختيار النصب في هذا لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل"١.
نعم؛ ويمكن أن نخرج من هذه المناظرات الثلاث بما يلي:
أولا: دقة المهلبي فيما أثاره من قضايا نحوية، وظهوره ندًّا قوياً لعَلَمٍ مشهور من أعلام النحو العربي، وهو الأخفش.
ثانياً: اقتصار المهلبي في مناظراته على الأخفش.
ثالثاً: جهلنا بمكان تلك المناظرات، فقد تكون وقعت في العراق، وقد تكون في المدينة، وشهرة المجالس اللغوية في العراق ترجح أن تكون هذه المناظرات الثلاث مما كان يدور هناك في حواضر العراق، وصلة الأخفش ببعض علماء المدينة كعلي الجمل على النحو الذي وضحناه فيما سبق تجعلنا نميل إلى أنها كانت في المدينة، والذي يرجح هذا الاحتمال أنها لو كانت في العراق لما اقتصر مروان بن سعيد المهلبي على مناظرة الأخفش دون غيره من علماء العراق، وهم كثر.
ومن هنا يمكن القول: إن صلة الأخفش بالمدنيين قد تكون مما يفسر به خروج الأخفش عن منهج جماعته البصريين في كثير من مسائل النحو.
стр. 106
من مسائل اللغة
أشرنا فيما مضى إلى أن علوم العربية نشأت مختلطة في القرنين الأول والثاني بين فروعها قبل أن يعرف المتأخرون من علومها النحو والصرف والدلالة والمعجم وفقه اللغة.
إن علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم نشأ مبكراً في المدينة في ظلال علوم القرآن كالتفسير على يد ابن عباس الذي يعد صنيعه بحق نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن الكريم في مفرداته وتراكيبه، كما ظهر ذلك فيما روي عنه في كتب التفسير وفيما جاء في سؤالات نافع بن الأزرق، وكذلك في صحيفة علي بن أبي طلحة، وبرع - أيضاً - في تمييز ما وقع في القرآن من لغات القبائل ولغات الأمم المجاورة، وهو ما يسمى بالمعرب.
وقد ورد عن ابن عباس في مجالات شرح المفردات، وتمييز لغات القبائل، والإحاطة بالمعرب الشيء الكثير.
أولاً: شرح المفردات:
يتناول ابن عباس - في الغالب - كلمة غريبة من آية فيشرحها بما لا يزيد على كلمة أو كلمتين، ولو جمع ما أثر عن ابن عباس في هذا الشأن لكوّن معجماً صالحاً؛ وفيما يلي نماذج من الشرح اللغوي للمفردات عنده:
١- الرَّغَد:
قال ابن عباس في تفسير قوله : ﴿وَكُلا منْهَا رَغَدَاً﴾ ١ الرغد: الهنيء٢.
стр. 107
٢- الإِصر:
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا و َلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً﴾ ١: إصراً: عهداً٢ لا نفي به، ونقلها عنه أصحاب المعاجم٣.
٣- الدِّهاق:
قال ابن عباس في تفسير قوله : ﴿كأسا دِهَاقاً﴾ ٤ دهاقاً: ملأى٥. وروى عنه الطبري أنه قال لغلامه: اسقني دهاقاً، فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق٦.
ويبدو أن ابن عباس أراد أن يؤكد هذا المعنى للرّدّ على من كان يخالفه، إذ ذهب بعضهم إلى أن الدهاق في الآية ليس من الامتلاء، وإنما من التتابع٧، من الدّهق الذي هو متابعة الشدّ، والمعنى الأولى أعرف كما قال ابن منظور٨.
وأكثر اللغويين على ما ذهب إليه ابن عباس٩.
٤- الحُزْن والغَضَب:
سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: غرضهما واحد واللفظ
стр. 108
مختلف فمن نازعَ من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حُزْناً وجزعا١.
٥- المثبور:
روي عن ابن عباس في تفسير كلمة "مثبور" في قوله تعالى: ﴿إِنّي لأظُنًّكَ يا فِرعَون مَثْبُوراً﴾ ٢ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن مثبوراً بمعنى ملعون٣.
والثاني: أنه بمعنى مغلوب٤.
والثالث: أنه بمعنى ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ٥.
٦- المترف:
روي عن ابن عباس أنه فسر "المترفين " في قوله : ﴿إِنهُم كَانوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ٦ بأن المراد منه هو التوسع في نعيم الدنيا.
وذهب أبو عبيدة وجماعة إلى أنه بمعنى: متكبرين٧.
ووافق أكثرُ العلماء٨ ابن عباس.
ولما كان الشعر ديوان العرب، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون؛ فقد جعل ابن عباس الشعر دليلا على كثير من شروحه اللغوية، وكان يحثّ على الاستفادة من الشعر في مقام شرح الغريب، فقد روي عنه
стр. 109
قوله: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرفْ من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديواننا فالتمسنا معرفة ذلك منه"١ وروي عنه قوله- أيضاً: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب"٢.
وقد ظهرت عناية ابن عباس بالشعر واستفادته منه في سؤالات نافع بن الأزرق التي أوردها السيوطي كاملة في كتابه (الإتقان) ٣.
стр. 110
ثانيًا: لغات القبائل:
روي عن ابن عباس فيما يتصل بلغات القبائل شيء غير قليل، وأقواله منثورة في كتب التراث وعلى رأسها كتب التفسير والمعاجم. وثمة رسالة برواية ابن حسنون ينتهي سندها إلى ابن عباس وصلت إلينا بعنوان "اللغات في القرآن " تشتمل على بعض لغات القبائل وشيء من المعرب.
وقد شك بعض العلماء في نسبتها إليه - كما تقدم في الحديث عن مؤلفات "العربية" عند علماء المدينة، إلا أن الراجح عند كثير من العلماء أنها له، لورود كثير مما فيها من نصوص في كتب التراث، ولنقل السيوطي جل ما فيها معزواً في كتابيه: "المهذب" و"الإتقان".
فمما روي عن ابن عباس في لغات القبائل:
١- قال ابن عباس في قوله : ﴿واضْممْ إِليكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهبِ﴾ ٤ الجناح اليد، والرهب الكم بلغة بني حنيفة٥.
قال مقاتل: "خرجت ألتمس تفسير الرهب، فلقيت أعرابية وأنا آكل،