Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فلا يصح سلم في مكيل وزنًا، أو في موزون كيلاً؛ لحديث: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» متفق عليه؛ ولأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الربويات بعضها ببعض؛ ولأن قدره بغير ما هو مقدر به في الأصل، فلم يجز. واختاره أكثر الأصحاب، قال الزركشي: هو المشهور والمختار للعامة، وممن قال به: القاضي وابن أبي موسى، وجزم بن ناظم «المفردات»، فقال:
وفي المكيل لا يصح السلم … وزنًا ولا بالعكس نصًا فاعلموا
وعنه: يصح، اختاره الموفق والشارح وابن عبدوس وصاحب «الوجيز» والشيخ تقي الدين وابن القيم، وبه قال الثلاثة، وعليه العمل في هذا الزمن وقبله؛ لأن الغرض معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي شيء قدر قدره جاز. وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ولا يصح السلم في المذروع إلا بالذرع، ولابد أن يكون المكيال
ونحوه، كالصنجة والذراع معلومًا عند العامة؛ لأنه إذا كان مجهولاً تعذر الاستيفاء به عند التلف، وذلك مخل بالحكمة التي اشترط معرفة القدر لأجلها؛ فإن شرط مكيالاً بعينه، أو ميزانًا بعينه أو ذراعًا
بعينه، أو صنجة بعينها غير معلومات، أو أسلم في مثل هذا
стр. 1192
الثوب ونحوه، لم يصح السلم؛ لأنه قد يهلك فتتعذر معرفة المسلم فيه، وهو غرر؛ لكن إن عين مكيال رجل أو ميزان أو صنجته أو ذراعه، صح السلم، ولم تتعين، فله أن يسلم في أي مكيال أو ميزان أو صنجة أو ذراع، لعدم الخصوصية. ويسلم في معدود مختلف يتقارب فيه حيوان عَدَدًا، وفي المعدود الذي لا يتقارب وزنًا إن صح السلم فيه، والمذهب أنه لا يصح، والرواية الثانية: يصح، وعندي أنها أقوى من الأولى إذا كان التفاوت يسيرًا.
س ٦٣: ما هو الشرط الرابع من شروط السلم؟ وبم يصح؟ وما الحكم فيما إذا أسلم، أو باع، أو أجر، أو شرط الخيار مطلقًا، أو لمجهول، أو قالا: محله رجب أو إليه، أو فيه، ونحوه أو يؤديه فيه؟ وإذا أسلم وعين عيد فطر أو أضحى، أو ربيعًا، أو جمادى، أو قالا: محله رجب أو إلى رجب، أو في رجب أو إلى أول شهر كذا أو أخره، أو يؤديه فيه، أو إلى ثلاثة أشهر فما الحكم؟ واذكر الدليل، والتعليل، والتفصيل، والخلاف، والترجيح.
ج: الشرط الرابع: أن يكون في الذمة إلى أجل معلوم؛ لقوله ﷺ : «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» فأمر بالأجل كما أمر بالكيل والوزن، والأصل الوجوب؛ ولأن السلم رخصة جاز للرفق، ولا يحصل إلا
стр. 1193
بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، والحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، بخلاف بيوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص التأجيل، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وأكثر العلماء، خلافًا للشافعي، ففي كتاب «المهذب»: ويجوز حالاً؛ لأنه إذا جاز مؤجلاً، فلأن يجوز حالاً، وهو من الغرر أبعد أولى. اهـ. وفي «الاختيارات الفقهية»: ويصح السلم حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه، وإلا فلا. اهـ. قال: وهو المراد بقوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» أي: ما ليس في ملكك، فلو لم يجز السلم حالاً لقال: لا تبع هذا، سواء كان عندك أم لا. وتلكم على ما ليس عنده. للأجل وقع في الثمن عادة؛ لأن اعتبار الأجل لتحقق الرفق، ولا يحصل بمدة لا وقع لها بالثمن كشهر ونحوه. وفي «الكافي»: أو نصفه، وفي «المغني» و «الشرح»: وما قارب الشهر. وقال بعض الأصحاب: ويشترط أن تفي به مدته، فلا يصح كمائتي سنة؛ لأن آجال الناس لا تبلغها غالبًا، وهو ظاهر.
ويصح أن يسلم في جنسين، كأرز وعَسل إلى أجل واحد، إن بين ثمن كل جنس منهما؛ فإن لم يُبينه لم يصح، قال في «المغني»: لأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول، فلم يصح، كما
لو عقد عليه مفردًا بثمن مجهول، ولأن فيه غررًا؛ لأنا لا نأمن
стр. 1194
الفسخ بتعذر أحدهما، فلا يعرف بما يرجع، وهذا غرر يؤثر مثله في السلم، وبمثل هذا عللنا معرفة صفة الثمن وقدره، وقد ذكرنا ثم وجهًا آخر أنه لا يشترط، فيخرج هاهنا مثله؛ لأنه في معناه، ولأنه لما جاز أن يسلم في شيء واحد إلى أجلين، ولا يبين ثمن كل واحد منهما، كذا هاهنا. قال ابن أبي موسى: ولا يجوز أن يسلم خمسة دنانير وخمسين درهمًا في كر حنطة حتى يبين حصة ما لكل واحد منهما من الثمن، والأولى صحة هذا؛ لأنه إذا تعذر بعض المسلم فيه، رجع بقسطه منهما، إن تعذر النِّصف رجع بنصفهما، وإن تعذر الخمس رجع بدينار وعشرة دارهم. ويصح أن يسلم في جنس واحد إلى أجلين، كسمن يأخذ بعضه في رجب، وبعضه إلى رمضان؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين، وآجال إن بَيَّنَ قسط كل أجل وثمنه؛ لأن الأجل الأبعد له زيادة وقع على الأقرب، فما يقابله أقل، فاعتبر معرفة قسطه وثمنه؛ فإن لم يبينهما لم يصح، وكذا لو أسلم جنسين كذهب وفضة في جنس كأرز، لم يصح حتى يبين حصة كل
جنس من المسلم فيه. ويصح أن يسلم في شيء كلحم وخبز وعسل، يأخذ كل يوم جزءًا معلومًا مطلقًا، وساء بين ثمن كل قسط أو لا، لدعاء الحاجة إليه، ومتى قبض البعض وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للمقبوض فضلاً على الباقي؛ لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء،
стр. 1195
فقسط الثمن على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله. ومن أسلم أو باع مطلقًا أو لمجهول، أو أجر، أو شرط الخيار مطلقًا، بأن لم يُغَيِّهِ بغايةٍ، أو جَعلها لأجلٍ مجهولٍ، كحصادٍ وجذاذٍ ونحوهما، أو قدوم الحاج، أو نزول المطر، أو جعلها إلى عيد أو ربيع أو جمادى أو النفر، لم يصح غير البيع، لفوات شرطه؛ ولأن الحصاد ونحوه يختلف بالقرب والبعد حتى لو أبهم الأجل، كإلى وقت أو زمن. أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، واضْرِبْ له أجلاً. وفي لفظ: ولكن سمه شهرًا. وعن أحمد: يجوز إلى الحصاد والجذاذ، وبه قال مالك؛ لأن التفاوت يسير يتسامح بمثله، وعن ابن عمر ﵄: أنه يباع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى. وكذا إن قال: إلى قدوم الغزاة، وهذا القول هو الذي يترجح؛ لأن التفاوت يسير فيه، وهو مقصود مَن أسلم في الثمر والزرع ولو عين شهرًا؛ فإن قصده حصول تلك الثمرة. والله أعلم. وأما
البيع فيصح لعدم تعلقه بالأجل، ويكون الثمن حالاً، وللمشتري الخيار بين إمضاء البيع مع استرجاع الزيادة على قيمة المبيع حالاً، وبين الفسخ؛ فإن عين عيد فطر أو أضحى، أو ربيع
أول أو ثانٍ أو جمادى كذلك، أو النفر الأول أو الثاني،
стр. 1196
أو إلى يوم عرفة أو عاشوراء أو نحوها، صح؛ لأنه أجل معلوم. وإن قالا: محلُّه رجب، أو: محله إلى رجب، أو: في رجب ونحوه، صح السلم وحَلَّ بأوَّلِه، وإن قالا: محله إلى أوله، أي: شهر كذا، أو إلى آخره، يحل بأول جزء من أوله أو آخره، ولا يصح إن قالا: يؤديه فيه، لجعل الشهر كلَّهِ ظرفًا، فيحتمل أوله وآخره فهو مجهول. وإن قالا: إلى ثلاثة أشهر، فإلى انقضائها، وإن كانت مبهمة فابتداؤها حين تلفظه بها، وإن قال: إلى شهر انصرف إلى الهلال، إلا أن يكون في أثنائه؛ فإنه يكمل العدد وينصرف إطلاق الأشهر إلى الأشهر الهلالية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: ٣٦].
المقبول قوله في قدر الأجل وعدم مضيه
س ٦٤: من المقبولُ قولُه في قدْرِ الأجل، وعَدَمِ مُضيه، ومكان تسليم؟ وإذا أتي إنسانٌ بمالهُ مِن سلَمِ أو غيره قَبْل حلولِهِ أو بعده، فما حكم ذلك؟ وماذا يعمل معه إذا أبى قبضه؟ وإذا أراد إنسانٌ قضاء دين عن مدين أو غيره، فأبى ربه أو أعسر زوج بنفقة زوجة، أو لم يعسر فبذلها أجنبي فما الحكم؟ وهل تملك الفسخ لإعساره؟
стр. 1197
واذكر جميع ما يتعلق بما ذكر، والدليل والتعليل، والخلاف والترجيح والتفصيل.
ج: ويقبل قول مدين، أي: مسلم إليه في قدر الأجل، وفي عدم مضيه بيمينه؛ لأن العقد اقتضى الأجل والأصل بقاؤه، ولأن المسلم إليه ينكر استحقاق التسليم، وهو الأصل، ويقبل قوله أيضًا في مكان تسليم إذا الأصل براءة ذمته في مؤونة نقله إلى موضع ادعى المسلم شرط التسليم فيه. ومَنْ أتي بماله من سلم أو غيره قبل محله، ولا ضرر عليه في قبضه، لخوف وتحمل مؤنة، أو اختلاف قديم مسلم فيه وحديثه؛ لزم رب الدين قبضه، لحصول غرضه؛ فإن كان فيه ضرر كالأطعمة والحبوب والحيوان أو الزمن مخوفًا، لم يلزمه قبضه قبل محله، وإن أحضره في محله لزمه قبضه مطلقًا كمبيع معين؛ فإن أبى قبضه حيث لزمه، قال له حاكم: إما أن تقبض، أو تبرئ من الحق؛ فإن أبى القبض والإبراء قبضه الحاكم لرب الدين، لقيامه مقام الممتنع، كما يأتي في السيد إذا امتنع من مال الكتابة، ومع ضرر في
قبضه لكونه مما يتغير كالفاكهة التي يصح السلم فيها من الرطب والعنب ونحوهما، فإنها تتلف سريعًا، والضرر لا يزال بالضرر أو كان المسلم فيه قديمه دون حديثه كالحبوب، فلا يلزمه قبضه قبل محله، وكذلك ما يحتاج في حفظه لكلفة كقطن وحيوان يحتاج لمؤنة،
стр. 1198
أو يخشى المسلم على ما يقبضه من خوف في زمان أو مكان، فلا يلزمه قبل محله، لما عليه من الضرر، وإن جاء المسلم إليه بالمسلم فيه بعد محله؛ فإنه يلزم المسلم قبول المسلم فيه مطلقًا، تضرر بقبضه أو لا؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ومن أراد قضاء دين عن مدين وغيره، فأبى رب الدين قبضه من غير مدينه، أو أعسر زوج بنفقة زوجته، وكذا إن لم يعسر بطريق الأولى، فبذلها أجنبي، أي: من لم تجب نفقته، فأبت الزوجة قبول نفقتها من الأجنبي، لم يجبر رب الدين والزوجة لما فيه من المنة عليهما؛ وإذا كان الباذل لذلك وكيلاً ونحوه لزم القبول تبرئة لذمة المبذول عنه، وتملك الزوجة الفسخ لإعسار زوجها، كما لو لم يبذلها أحد؛ فإن ملكه لمدين وزوج وقبضاه ودفعاه لهما، أجبر على قبوله، وليس للمسلم إلا أقل ما يقع الصفة. وتسلم الحبوب نفية من تبن وعقد ونحوها، وتراب إلا يسيرًا لا يؤثر في كيل، ويسلم التمر جافًا.
س ٦٥: ما هو الشرط الخامس من شروط السلم؟ ما حكم السلم إذا عين مسلم فيه من ناحية، أو عين قرية أو بستانًا، أو أسلم في شاة من غنم زيد أو نتاج فحله، أو أسلم لمحل يوجد فيه عامًا فانقطع وتحقق بقاؤه، أو هرب مسلم إليه، أو تعذر مسلم فيه، لو أسلم فهي لذمي في خمر ثم أسلم أحدهما؟
стр. 1199
واذكر الدليل والتعليل، والتمثيل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، والخلاف والترجيح.
ج: الخامس: غلبة مسلم فيه وقت محله؛ لأنه وقت وجوب تسليمه، وإن عدم وقت عقد، كسلم في رطب وعنب في الشتاء إلى الصيف بخلاف عكسه؛ لأنه لا يمكنه تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه ببيع الآبق بل أولى. ويصح سلم إن عين مسلم فيه من ناحية تبعد فيها آفة كتمر المدينة، وإن سلم في ثمرة بستان بعينه، أو قرية صغيرة، لم يصح؛ لأنه لا يؤمن انقطاعه وتلفه. قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم: الثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي. قال: وروينا عن النبي ﷺ أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبي ﷺ : «أما من حائط بني فلان فلا؛ ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» رواه ابن ماجه وغيره، ورواه الجوزجاني في «المترجم»، وقال: أجمع الناس
على الكراهة لهذا البيع؛ ولأنه لا يؤمن انقطاعه وتلفه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة وأسلم في مثلها، قال في «الإنصاف»: ونقل أبو طالب وحنبل: يصح إن بدا صلاحه واستحصد. وقال أبو بكر في
стр. 1200
«التنبيه»: أن أَمِنَ عَليها الجائحة. اهـ. وكذا لو أسلم في مثل هذا الثوب. ولا يصح إن أسلم في شاة من غنم زيد، أو في بعير من نتاج فحله، أو في عبد مثل هذا العبد ونحوه؛ لحديث ابن ماجه المتقدم.
وإن أسلم إلى وقت يوجد فيه مسلم فيه عامًا، فانقطع وتحقق بقاؤه؛ لزمه تحصيله، ولو شق كبقية الديون، وإن تعذر مسلم فيه، أو تعذر بعضه، خير مسلم بين صبر إلى وجوده فيطالب به، أو فسخ فيما تعذر منه، ويرجع إن فسخ لتعذره كله برأس ماله إن وجد، أو عوضه إن كان تالفًا، أي: مثله إن كان مثليًا، وقيمته إن كان متقومًا. هذا إن فسخ في الكل؛ فإن فسخ في البعض فيسقطه، وبذلك قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر؛ فإن هرب مسلم إليه أخذ مسلم فيه من ماله كغيره من الديون عليه، وإن أسلم ذمي لذمي في خمر، ثم أسلم أحدهما، رد لمسلم رأس ماله إن وجد أو عوضه إن تعذر.
من النظم فيما يتعلق في اشتراط الوقت
ووجود ذلك عند الحلول
ولابد في وقت به الرفق غالبًا … ومن كون مبتاعتى حل يوجد
فإن كنت لا تلاقاه أو تلق نادرًا … إذا حل من يسلم إذًا فيه يصدد
стр. 1201
ومن قبضك الأثمان قبل تفرق … فمهما تجده اختل منهن يفسد
وإن تقبضن البعض ثم افترقتما … فما حزت في الأقوى امض والغير أفسد
وإن تسلمن في الحال أو لغد فلا … يصح وقول الشافعي غير مبعد
وإن تشترط قبضًا لجزء معين … بكل نهار منه صحح وجود
وتعديد آجال لجنس مجوز … كذلك أجناسٌ لوقت محدد
وشرط إلى حين الجذاذ وحصدهم … في الأوهى أجز واطلب به حين يبتدي
كذاك إلى شهري جمادى ونحوه … وإما إلى شهرٍ ففي الآخر اقصد
ولا تك في الجنسين مفرد قيمة … وعَيِّن لكل منهما في المؤكَّدِ
وما قبض دين قبل ما حل لازمًا … متى كان في التعجيل تفويت مقصدِ
وقل للمدين اقبله في قدر وقتهم … ونفي حلول مع يمين وأكِّدِ
وما سَلَمٌ في ثمر نخل معين … وقريته الصغرى صحيحًا بل افسد
وإن يتعذر قبض ما حل فاصبرن … أو افسخ ومالك خذه أو عوض الردي
ووجهان إن تحتل به أو عليه هل … يصح إذًا أمْ لا إنِ الفَسْخَ تقصد
وقيل بنفس العقد يفسخ في الذي … تعذر من كل وبعض مفقد
стр. 1202
ويختار في باقيه بالقسط وحده … في الأقوى وفي المفقود فاسخ أو ارصد
س ٦٦: ما هو الشرط السادس من شروط السلم، وإذا ظهر رأس مال مسلم مقبوض غصبًا أو معيبًا، فما الحكم؟ وما حكم معرفة قدر رأس مال السلم، ومعرفة صفته، والسلم في الجوهر، ونحوه، ومن القول قوله في الاختلاف في القيمة؟
ج: السادس: قبض رأس مال سلم قبل تفرق من مجلس عقده تفرقًا يبطل خيار مجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، واستنبطه الشافعي من قوله ﵇: «فليسلف» أي: فليعط، قال: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارقه من أسلفه، وإن قبض مسلم إليه بعض رأس مال السلم قبل التفرق، صح فيه بقسطه فقط، وبطل فيما لم يقبض، لتفريق الصفقة. وإن بان رأس مال سلم مقبوض غصبًا أو معيبًا عيبًا من الجنس أو غيره، فحكمه كما مر في صرف من أنه إن ظهر أنه مغصوب أو العيب من غير الجنس، فللمسلم إليه إمساكه، وأخذ أرش عيبه أو رده، وأخذ بدله في مجلس الرد، لا من جنس السلم، وكقبضٍ في الحكم ما بِيَد المُسْلَم
стр. 1203
إليه أمانة أو غصب ونحوه، فيصح جعله رأس مال سلم في ذمة من هو تحت يده، ولا يصح جعل ما في ذمة رأسَ سلم؛ لأن المسلم فيه دين؛ فإن كان رأس ماله دينًا كان بيع دين بدين، بخلاف غصب وأمانة، وتشترط معرفة قدر رأس مال السلم، ومعرفة صفته؛ لأنه لا يؤمن فسخ السلم لتأخر المعقود عليه، فوجب معرفة رأس ماله ليرد بدله كالقرض، ولا تكفي مشاهدة رأس مال السلم، كما لو عقداه بصبرة لا يعلمان قدرها ووصفها، ولا يصح فيما لا ينضبط، كجوهر ونحوه، ويرد ما قبض من ذلك على أنه رأس مال سلم، لفساد العقد إن وجد، وإلا يوجد فقيمته إن كان متقومًا، ومثله إن كان مثليًا كصبرة من حبوب؛ فإن اختلفا في قيمة رأس مال السلم الباطل، أو في قدر الصبرة المجعولة رأس مال سلم، فقول مسلم إليه بيمينه؛ لأنه غارم؛ فإن تعذر قول مسلم إليه بأن قال: لا أعرف قيمة ما قبضته، فعليه قيمة مسلم فيه مؤجلاً إلى الأجل الذي عيناه؛ لأن الغالب في الأشياء أن تباع بقيمتها، ويقبل قول مسلم إليه في قبض رأس ماله، وإن قال أحدهما: قبض قبل التفرق، وقال الآخر: بعده، فقول مدعي الصحة، وتقدم بينته عند التعارض.
стр. 1204
ذكر مكان الوفاء
وأخذ الرهن والكفيل بدين السلم
س ٦٧: هل يشترط في السلم ذكر مكان الوفاء؟ وبأي مكان يكون الوفاء؟ وما حكم أخذ الرهن، والكفيل بدين السلم، وأخذ غيره مكانه؟ وبيعه أو بيع رأس ماله، أو حوالة عليه، أو به، وما صورتهما، وما الفرق بينهما؟ والدليل، والتعليل، والخلاف، والترجيح.
ج: ولا يشترط في السلم ذكر مكان الوفاء؛ لأنه ﷺ لم يذكره، ولأنه عقد معاوضة، أشبه بيوع الأعيان؛ فإن كان موضع العقد لا يمكن الوفاء به، كبرية وبحر ودار حرب، فيشترط ذكره لتعذر الوفاء في موضع العقد، وليس البعض أولى من البعض، فاشترط تعيينه بالقول، ويكون الوفاء مكان عقد السلم إذا كان محل إقامة؛ لأن مقتضى العقد التسليم في مكان، ويجب الإيفاء مكان العقد مع المشاحة؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره. وللمسلم أخذ المسلم فيه في غير مكان العقد إن رضيا؛ لأن الحق لا يعدوهما، ولا يجوز أخذه مع أجرة حمله إلى مكان العقد، ويصح شرط الإيفاء في مكان العقد، ويكون ذلك الشرط تأكيدًا، ولا يصح أخذ رهن أو كفيل بمسلم فيه، رويت كراهته عن علي وابن عباس، وابن عمر والحسن، وسعيد بن جبير، والأوزاعي؛ لأنه
стр. 1205
لا يمكن الاستيفاء من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن، ولأنه لا يؤمن هلاك الرهن في يده بعد، فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه. وقد قال النبي ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» وروى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: «من أسلف سلفًا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه»؛ ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه، فيكون في حكم أخذ العوض، والبدل عنه، وهذا لا يجوز وهو المذهب، جزم به الخرقي وابن البناء في «خصاله» وصاحب «المبهج» و «الإيضاح» وناظم «المفردات» قال في «الخلاصة»: ولا يجوز أخذ الرهن والكفيل به على الأصح، واختاره الأكثر، والرواية الثانية: يجوز، روى حنبل جوازه، ورخص فيه عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحكم ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر؛
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أن المراد به السلم، ولأن للفظ عام، فيدخل السلم في عمومه، ولأنه أحد نوعي البيع، فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الأعيان، وصححه في «التصحيح» و «الرعاية» و «النظم»، وجزم به في «الوجيز» قال الزركشي: وهو الصواب.
стр. 1206
وقال في «التنقيح»: وهو أظهر، وحملوا قوله: «لا يصرفه لي غيره» أي لا يجعله رأس مال سلم آخر. وهذا القول هو الذي يترجح عندي لما تقدم؛ ولأن الحاجة للتوثقة في دين السلم أبلغ من غيرها. والله أعلم.
ولا يجوز أخذ غيره مكانه لنهيه ﵊ عن بيع الطعام قبل قبضه. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلف في شيء؛ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه، أو رأس ماله» رواه الدارقطني وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود وابن ماجه. قال في «الشرح»: وذلك حرام، سواء كان المسلم فيه موجودًا أو معدومًا، وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة، أو أقل أو أكثر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله، ولا يؤخره إلا الطعام، قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس ﵄ قال: إذا أسلم في شيء إلى أجل؛ فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا انقص منه، ولا تربح مرتين. رواه سعيد. وسُئل شيخ الإسلام ﵀ عن رجل أسلف خمسين درهمًا في رطل حرير إلى أجل معلوم، ثم
стр. 1207
جاء الأجل فتعذر الحرير، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير، أو يأخذ أي شيء كان؟ فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد.
إحداهما: لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره، كقول الشافعي وأبي حنيفة؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» وهذه الرواية هي المعروفة عند متأخري أصحاب الإمام أحمد، وهي التي ذكرها الخرقي وغيره.
والقول الثاني: يجوز ذلك، كما يجوز في غير دين السلم، وفي المبيع من الأعيان، وهو مذهب مالك، وقد نص أحمد على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات، فإذا أخذ عوضًا غير مكيل ولا موزون بقدر دين السلم حين الاعتياض، لا بزيادة على ذلك، أو أخذ من نوعه بقدره، مثل أن يسلم في حنطة، فيأخذ شعيرًا بقدر الحنطة، أو يسلم في حرير، فيأخذ عنه عوضًا من خيل أو بقر أو غنم؛ فإنه يجوز، وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب. اهـ. من «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٠٣، ٥٠٤)، والذي يترجح عندي القول الثاني، لما تقدم. والله أعلم. ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه
هذا المذهب، وقال في «الشرح»: بغير خلاف علمناه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن؛ ولأنه
стр. 1208
مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه. وفي «المبهج» وغيره رواية بأن بيعه يصح، واختاره الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى- وقال: هو قول ابن عباس ﵄؛ لكن يكون بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن، قال: وكذا ذكره أحمد -رحمه الله تعالى- في بدل القرض وغيره، وهو اختيار ابن القيم في «تهذيب السنن».
ولا يصح بيع رأس مال بعد فسخ، وعليه أكثر الأصحاب، وقيل: يجوز، اختاره القاضي في «المجرد» وابن عقيل، وهو ظاهر ما جزم به في «المنور» وتصح هبة كل دين سلم أو غيره لمدين فقط؛ لأنه إسقاط، وعنه: تصح لغير من هو عليه، اختارها في «الفائق» وهو مقتضى كلام الشيخ تقي الدين، وهو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
ولا تصح الحوالة بدين السلم، ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل سلم، وعليه مثله من قرض، أو سلم آخر أو بيع، فيحيل بما عليه من الطعام على الذي عنده السلم، فلا يجوز، وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه، لم يصح أيضًا؛ لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز كالبيع؛ لأنها لا تجوز إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ، ولا تصح الحوالة على المسلم فيه، أو رأس ماله
стр. 1209
بعد الفسخ؛ لحديث نهيه ﷺ عن الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن. وحديث: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» ولأنه لم يدخل في ضمانه، أشبه المكيل قبل قبضه، وأيضًا فرأس مال السلم بعد فسخه وقبل قبضه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم أشبه المسلم فيه، واختار الشيخ تقي الدين جواز الحوالة بدين السلم، والحوالة عليه، وعلله بتعاليل جيدة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأنه لا محذور فيه؛ ولأن الحوالة ليست بيعًا. والله أعلم.
بيع الدين المستقر وحكم الإقالة في السلم
س ٦٨: تكلم عن حكم بيع الدين المستقر، ومثل لذلك، ذاكرًا ما يشترط لذلك وما يتعلق بذلك، وما حكم الإقالة في السلم أو بعضه، وما الذي يجب بفسخ سلم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا كان إنسان له سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال لغريمه: اقبض سلمي لنفسك، أو قال: اقبضه لي، ثم لك، أو قال: أنا أقبضه لنفسي، وخذه بالكيل الذي تشاهد، أو احضر اكتيالي منه لأقبض لك، ففعل، فما الحكم؟
ج: يصح بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول، وأجرة استوفى نفعها ومدتها، وأرش جناية وقيمة متلف ونحوه لِمَنْ هو في ذمته، وهذا المذهب؛ لحديث ابن عمر ﵄: كنا
стр. 1210
نبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، ونأخذ عوضها الدارهم، وبالدراهم ونأخذ عوضها الدنانير، فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: «لا بأس إذا تفرقتما، وليس بينكما شيء» فدل الحديث على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، وغيره يقاس عليه، ودل على اشتراط القبض قوله: «إذا تفرقتما، وليس بينكما شيء» ويُستنثى على المذهب ما إذا كان عليه دراهم من ثمن مكيل أو موزون باعه منه نسيئة؛ فإنه لا يجوز أن يستبدل عما في الذمة بما يشاركه المبيع في علة رد الفضل، نص عليه حسمًا لمادة ربا النسيئة.
ويستثنى أيضًا ما في الذمة من رأس مال السلم إذا فسخ العقد، وأنه لا يجوز الاعتياض عنه، وإن كان مستقرًا، على الصحيح من المذهب، ويشترط لصحة بيع الدين الثابت في الذمة لمن هو عليه أن يقبض عوضه في المجلس إن باعه، بما لا يباع به نسيئة، كأن باع الذهب بفضة أو عكسه، أو باعه بموصوف في الذمة، فيصير قبضه قبل التفرق، لئلا يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه كما تقدم، ولا يصح بيع الدين المستقر لغير من هو في ذمته، وهو الصحيح من المذهب، وعنه: يصح، قاله الشيخ تقي الدين. ولا يصح بيع دين الكتابة ولو لمن هو في ذمته؛ لأنه غير مستقر. وتصح إقالة في سلم؛ لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم
على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد.
стр. 1211
وقع من أصله، وليست بيعًا، وتصح الإقالة في بَعْض السلم؛ لأنها مندوب إليها، وكل مندوب إليه صح في شيء، صح في بعضِه، كالإبراء والإنظار، ولا يشترط في التقايل قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة؛ لأنها ليست بيعًا، ولا قبض عوض رأس مال السلم إن تعذر رأس مال السلم بأن عدم في مجلس الإقالة، ومتى انفسخ عقد السلم بإقالة أو غيرها كعيب في الثمن، لزم المسلم إليه رد الثمن الموجود؛ لأنه عين مال السلم عاد إليه بالفسخ، وإن لم يكن الثمن موجودًا رد مثله إن كان مثليًا، ثم قيمته إن كان متقومًا؛ لأن ما تعذر رده رجع بعوضه، وإن أخذ بدل رأس مال السلم بعد الفسخ ثمنًا وهو ثمن، فصرف يُشترط فيه التقابض قبل التفرق، وإن كان رأس السلم عرضًا، فأخذ السلم منه عرضًا أو ثمنًا بعد الفسخ، فبيع؛ يجوز فيه التفرق قبل القبض؛ لكن إن عوضه مكيلاً عن مكيل، أو موزونًا عن موزون، اعتبر القبض قبل التفرق، كالصرف.
وإن كان لرجل سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال الرجل لغريمه: اقبض سلمي لنفسك ففعل، لم يصح قبضه لنفسه إذ هو حوالة بسلم، وتقدم أنها على المذهب لا تصح به، ولا يصح قبضه للآمر؛ لأن الآمر لم يوكله في قبضه، فلم يقع له، فيرد المسلم إليه، وصح قبضه لهما إن
قال: اقبضه لي، ثم اقبضه لك، لاستنابته في قبضه له ثم لنفسه، فإذا قبضه
стр. 1212
لموكله جاز أن يقبضه لنفسه، كما لو كان له عنده وديعة. وتقدم: يصح قبض وكيل من نفسه لنفسه، إلا ما كان من غير جنس دينه. وإن قال رب سلم لغريمه: أنا أقبض السلم ممن هو عليه لنفسي، وخذه بالكيل الذي تشاهد؛ صح قبضه لنفسه، لوجود قبضه من مستحقه. والرواية الثانية: لا يجوز، ولا يكون قبضًا، وهو مذهب الشافعي؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري، ولم يوجد ذلك، ولأنه قبض بغير كيل، أشبه ما لو قبضه جزافًا. أو قال رب سلم لغريمه: احضر اكتيالي ممن عليه الحق لأقبضه لك، ففعل؛ صح قبضه لنفسه لما تقدم، ولا أثر لقوله: لِأقْبضَهُ لكَ؛ لأن القبض مع نيته لغريمه كنيته لنفسه، ولا يكون قبضًا لغريمه حتى يقبضه له بالكيل؛ فإن قبضه بدونه لم يتصرف فيه قبل اعتباره، لفساد القبض، وتبرأ به ذمة الدافع، وإن ترك القابض المقبوض بمكياله، وأقبضه لغريمه، صح القبض لهما؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه، وقبض الىخر له في مكياله جريُّ لصاعه فيه.
стр. 1213
س ٦٩: هل يقبل قول قابض لسلم في قدره، وإذا ادعى قابض أو مقبض بكيل أو وزن غلطًا أو نحوه، فما حكم ذلك؟ وإذا قبض أحد شريكين أو أكثر من دين مشترك فممن يأخذ شريكه؟ وماذا يعمل من استحق على غريمه مثل ماله عليه قدرًا وصفة حالين، أو مؤجلين أجلاً واحدًا؟ وإذا دفع مديون وفاءَ عما عليه، أو امتنع ووفاه عنه حاكم، فهل يبرأ؟ وإذا كان على أنثى دين من جنس واجب نفقتها، فهل يُحتسب به؟ وإذا كان على إنسان دين لا يعلم به ربه، فما حكم إعلامه؟ واذكر ما يتعلق حول ما ذكر من أمثلة.
ج: يقبل قول قابض لسلم أو غيره جزافًا في قدر المقبوض بيمينه؛ لأنه ينكر الزائد، والأصل عدمه؛ لكن لا يتصرف من قبض مكيلاً ونحوه جزافًا في قدر حقه قبل اعتباره بمعياره لفساد القبض، وفيه وجه: يصح التصرف في قدر حقه منه، قدمه ابن رزين في «شرحه»، ولا يقبل قول قابضٍ ولا مُقبِّضٍ بكيل ولا وزن ونحوه دعوى غلط ونحوه؛ لأنه خلاف الظاهر، وما قبضه أحد شريكين من دين مشترك بإرث أو إتلاف عين مشتركة، أو بعقد كبيع مشترك، وإجارته أو بِضَرِيْبَةٍ سببُ استحقاقها واحدٌ، كوقف على عدد محصور، فشريكه مُخيَّرٌ بين أخذ من غريم لبقاء اشتغال ذمته، أو أخذ من قابض، للاستواء في الملك، وعدَم تمييز حصة
أحدهما من حصة الآخر، فليس أحدهما أولى من الآخر به، ولو
بعد تأجيل الطالب لحقه، لما سبق، ما لم يستأذنه في القبض؛ فإن
стр. 1214
أذن له في القبض من غير توكيل في نصيبه، فقبضه لنفسه، لم يحاصصه، أو ما لم يتلف مقبوض، فيتعين غريم، والتالف من حصة قابض؛ لأنه قبضه لنفسه، ولا يضمن لشريكه شيئًا، لعدم تعديه؛ أنه قدر حصته، وإنما شاركه لثبوته مشتركًا، ومن استحقَّ على غريمِهِ مِثْلَ ماله عليه من دين جنسًا وقدرًا وصفة، حالَّين أو مؤجلين أجلاً واحدًا، كثمنين اتحد أجلهما؛ تساقطا إن استويا، أو سقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتا قدرًا بدون تراض؛ لأنه لا فائدة في أخذ الدين من أحدهما، ثم رده إليه، ولا يتساقطان إذا كان الدينان دين سلم، أو كان أحدهما دين سلم، ولو تراضيا؛ لأنه تصرف في دين سلم قبل قبضه، أو تعلق بأحد الدينين حق، بأن بيع الرهن لتوفية دينه من مدين غير المرتهن، أو عين المفلس بعض ماله لبعض غرمائه بثمن في الذمة من جنس دينه؛ فلا مقاصة، لتعلق حق الغرماء أو المرتهن بذلك الثمن، ومن عليها دين من جنس واجب نفقتها، لم يحتسب به مع عسرتها؛ لأن قضاء الدين بما فضل.
وإذا نوى مديون وفاءً عما عليه بدفع، بريء منه، وإلا ينو وفاءً، بل نوى التبرع فَتبرُّعٌ، والدين باق عليه؛ لحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى»
وتكفي نية حاكم وفاة قهرًا من مال مديون لامتناعه، أو مع غيبته لقيامه
стр. 1215
مقامه. ومن عليه دين لا يعلم به ربه، وجب عليه إعلامه. وإذا دفع زيدٌ لعمرو دراهم، وعلى زيد طعام لعمرو، فقال زيد لعمرو: اشتر لك بها مثل الطعام الذي علي، ففعل، لم يصح الشراء. قال في «الفروع»: لأنه فضولي؛ لأنه اشترى لنفسه بمال غيره. وإن قال زيد لعمرو: اشتر لي بالدراهم طعامًا، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء؛ لأنه وكيل عنه فيه، ولم يصح القبض لنفسه؛ لأن قبضهُ لنفسه فرعٌ عن قبض موكله، ولم يوجد. وإن قال زيد لعمرو: اشتر لي بدراهم مثل الطعام الذي علي، واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، فاشترى لها طعامًا له، ثم قبضه له، ثم قبضه لنفسه؛ صح ذلك كله؛ لأنه وكَّلَهُ في الشراء والقبض، ثم الاستيفاء من نفسه لنفسه، وذلك صحيح. ولو دفع إليه كيسًا، فقال: استوف منه قدر حقك، ففعل، صح؛ لأنه من استنابة من عليه الحق للمستحقِّ، والزائد أمانة، قال في «الفروع»: قال أحمد ﵁: الدين أوله هم، وآخره حزن. قال بعضهم: كان يقال: الدين هم بالليل، وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبدًا جعل في عنقه دينًا. وكان يقال: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والفقير، والمديان. وكان يقال: لا هم إلا هم
الدين، ولا وجع إلا وجع العين. قال ابن عبد البر: وقد روي
стр. 1216
هذا القول عن النبي ﷺ من وجه ضعيف. وقال جعفر بن محمد: المستدين تاجر الله في أرضه. وقال عمر بن عبد العزيز: الدين وقرٌ طالما حمله الكرام. اهـ.
من النظم
فيما يتعلق في السلم في المعين
وفي عدم نقل الملك فيه قبل قبضه والإقالة
وإن يسلم المغصوب وهو معيّن … ورد رَديًا فهو عَقْدُ تفسد
وإن قبضا عما استقر بذمة … فإن له في مجلس بدل الردي
وفيه من التفضيل والخلف مثلما … تقدم في صرف هناك ليقصد
وما سَلم في العين حل وإنما … يصح إذا أسلمت في ذمة قد
وليس بشرط ذكرهم موضع الوفا … فوف متى تطلق بموضع معقد
وإن لم يوالِ فاشترطه بأجود … وفي الثاني في أدنى البلاد ليورد
وإن تشترط فيه يكن لتأكد … وفي غيره إن تشترط صح بأوكد
ونقلك فيه الملك من قبل قبضه … حرام لنا مع جهله والتعمد
ويحرم بيع الدين بالدين مطلقًا … وبالنقد إلا للغريم بأوكد
إذا كان دينًا مستقرًا بشرط أن … يقبضه الأثمان في المجلس احدد
ووجهين في دين الكتابة خذهما … وفي مسلم من بعد فسخ منكد
стр. 1217
وبيع بممنوع به بيعه نسا … وموصوف اقبضه بمجلس معقد
وليس بشرط قبض غيرهما به … إذا ما به بعت الديون بأجود
وفي سلم إن ما تقبل نادمًا يجز … وفي بعضه أيضًا على المتأكد
وخذ رأس مال أو مثيلاً له إن توى … أو القدر عند الفسخ في المتجوزد
وإن قال شخص مالك سلمًا لمن … عليه له من جنسه اقبضه وارشد
لنفسك لم تملكه في قبضه وهل … يكون لأمار بوجهين أسند
وإن قال لي فاقبضه ثم لك احكمن … بتصحيح قبض للوكيل وأكد
ولا تجز إقباضًا بكيلة قابض … تراه ولو لم تنأ عنه بأوكد
وتركك إياه بمكيال قبضه … فتقبيضه إياه صح بأوكد
وإن تعطه نقدًا وقلت اشترى بها … لك السلم الباقي علي وجود
فإنَّ شراه كالفضولي فإن تقل … لي ابتعه واستوفى يصح الشرا قد
وإن قلت لي ابتع ثم لي اقبضه ثم لك … فيفعل يصح الكل في نص أحمد
ومن يدعي في قبض دين بعرفه … مُسوِّغَ وهْمٍ فاقبلن في المجود
ومن جنسه من تعطه صبرة لكي … يوفى فتوفى باتفاق يقلد
كذا في مكان القبض إن صح شرطه … وفي وقته قول المدين فقلد
стр. 1218
وجوز به رهنًا في الأولى وكافل … وفك إبراءٍ بفسخ المعقد
وثابت دين جاز من رهنه القضا … يجوز به أو آيل للتأطد
باب القرض
س ٧٠: ما هو القرض لغة واصطلاحًا؟ وما حكمه؟ وما وجه اتباعه بالسلم؟ وهل هو عقد لازم أم جائز؟ وبم ينعقد؟ وإذا قال: ملكتك، ولا قرينة تدل على رد بدل فمن القول قوله؟ وما حكم الاقتراض بالجاه للإخوان والشراء بدين لا وفاء له؟ وما هي شروط صحة القرض؟ ومتى يتم القبول؟ ومتى يملك ويلزم؟ ومتى يملك المقرض الرجوع فيه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفصيل أو ترجيح.
ج: القرض في اللغة: القطع، كأنه يقطع له قطعة من ماله، وقيل: هو المجازاة؛ لأنه يرد مثل ما أخذ، ومنه قولهم: الدنيا قروض ومكافأة، وهما يتقارضان الثناء، إذا أثنى رجل على رجل، وأنثى عليه الآخر. وقال الزجاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن والبلاء السيئ، قال أمية:
كل امرئ سوف يجزي قرضه حسنًا
أو سيئًا ومدينًا مثل مادانا
والقرض شرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به، ويرد بدله، وهو
стр. 1219
نوع من السلف، وهو من المرافق المندوب إليها للمقرض؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا إلا كان كصدقتها مرتين» رواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه»، والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» رواه ابن حبان في «صحيحه»، ورواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من منح منيحة لبن أو وَرِقٍ، أو هدى زُقاقًا، كان له مثل عتق رقبة» رواه أحمد والترمذي، واللفظ له، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومعنى قوله: «منح منيحة ورق» إنما يعني به: قرض الدراهم. ومعنى «هدى زقاقًا»: هداية الضال إلى الطريق، وهو نوع من المعاملات على غير قياسها، لمصلحة لاحظها الشارع، لانتفاع المقترض بما اقترضه، ويصح بلفظ: قرض، ولفظ «سلف»
لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، كملكتك هذا على أن ترد بدله؛ فإن قال معط: ملكتك، ولا قرينة على رد بدله، فهبة، وإن اختلفا في أنه هبة أو قرض، فقول آخذ بيمينه أنه هبة؛ لأنه الظاهر؛ فإن دلت قرينة على رد بدله، فقول معط أنه قرض.
стр. 1220
والقرض مباح للمقترض، وليس مكروهًا، لفعل النبي ﷺ ، ولو كان مكروهًا كان أبعد الناس منه، ولا إثم على مَن سُئل فلم يقرض؛ لأنه ليس بواجب، بل مندوب كما تقدم، وليس سؤال القرض من المسألة المذمومة، لما تقدم من فعل النبي ﷺ ؛ ولأنه إنما يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته، وينبغي للمقترض أن يعلم المقرض بحاله، ولا يغره من نفسه، ولا يستقرض إلا ما يقدر أن يؤديه، إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر مثله عادة، لئلا يضر بالمقرض. وكره الإمام أحمد الشراء بدين ولا وفاء عنده إلا اليسير. وقال الإمام: ما أحب أن يفترض بجاهه لإخوانه، قال القاضي: إذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء؛ لأنه تغرير بماله المقرض وإضرار به؛ أما إذا كان معروفًا بالوفاء فلا يكره؛ لأنه إعانة وتفريج لكربته، وينبغي للفقير إذا أراد أن يتزوج بامرأة موسرة أن يعلمها بفقره، لئلا يَغُرَّها.
وشروط صحة القرض خمسة:
أولاً: أن يكون فيما يجوز بيعه. ثانيًا: معرفة وصفه. ثالثًا: معرفة قدره. رابعًا: كون مقرض ممن يصح تبرعه، فلا يقرض نحو ولي يتيم من ماله، ولا مكاتب، ولا ناظر وقف منه، كما لا يحابي.
стр. 1221
خامسًا: أن يصَادِفَ ذمة لا على ما يحدث. قال ابن عقيل: الدين لا يثبت إلا في الذمم. اهـ.
ولا يصح قرض جهة كمسجد ونحوه، كمدرسة ورباط، وفي «الموجز»: يصح قرض حيوان وثوب لبيت المال، ولآحاد المسلمين. ذكره في «الفروع» اهـ. يؤيد ما سبق أمره ﵇ ابن عمر أن يأخذ على إبل الصدقة.
ويصح القرض في كل عين يجوز بيعها إلا بني آدم، فالمذهب: لا يصح، قال في «الشرح»: ويحتمل صحة قرض لعبد دون الأمة، وهو قول مالك والشافعي، إلا أن يقرضهن ذوو أرحامهن؛ وأما قرض الجواهر ونحوها، مما يصح بيعه، ولا يصح السلم فيه، فالصحيح الصحة، ويرد المقترض القيمة، ولا يصح قرض المنافع؛ لأنه غير معهود. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد الآخر معه يومًا آخر أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها. وقال في «الاختيارات الفقهية»: ويجوز قرض الخبز ورد مثله عددًا بلا وزن من غير قصد الزيادة، وهو مذهب أحمد، وما قاله الشيخ ﵀ هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
ويتم العقد بالقبول كالبيع، ويملك ويلزم بالقبض؛ لأنه عقد يَقِفُ التصرف فيه على القبض، فوقف الملك عليه، فلا يملك مقرض
стр. 1222
استرجاع القرض من مقترض كالبيع، للزوم من جهته، إلا إن حجر على مقترض لفلس، فيملك مقرض الرجوع فيه بشرطه؛ لحديث: «من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به» رواه أحمد. وللمقرض طلب بدل القرض من المقترض في الحال؛ لأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة، فأوجبه حالاً كالإتلاف، فلو أقرضه تفاريق فله طلبها جملة، كما لو باعه بيوعًا متفرقة ثم طالبه بثمنها جملة.
س ٧١: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا شرط المقترض رد ما اقترضه بعينه، أو اقترض مثليًا ورد بعينه، أو فلوسًا فمنع السلطان إنفاقها، وأبطل ماليتها، أو كانت الفلوس أو المكسرة التي منع السلطان المعاملة بها ثمنًا معينًا لم يقبضه البائع، أو رد المشتري مبيعًا ورام أخذ ثمنه، وكان فلوسًا أو مكسرة فمنعها السلطان، أو أعوز المثل، وإذا دفع مكيلاً وزنًا أو موزونًا كيلاً، فما الحكم؟ وما حكم قرض الماء والخبز والخمير؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل، والخلاف والترجيح.
ج: إذا شرط مقرض رده بعينه، لم يصح الشرط؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التوسع بالتصرف، ورده بعينه يمنع من ذلك. ويجب على مقرض قبول قرض مثلي رد بعينه وفاءً، ولو تغير سعره لرده على صفته التي عليها، فلزمه قبوله كالسلم، بخلاف متقوم رد وإن لم يتغير سعره فلا يلزم قبوله؛ لأن الواجب له قيمته، والمثلي هو
المكيل والموزون، ما لم يتعيب مثلي رد بعينه، كحنطة ابتلت، فلا
стр. 1223
يلزمه قبوله لما فيه من الضرر؛ لأنه دون حقه، أو ما لم يكن القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة، فيمنعها السلطان ويبطل التعامل بها، ولو لم يتفق الناس على ترك التعامل بها؛ فإن كان كذلك، فللمقرض قيمة القرض المذكور وقت قرض؛ لأنها تعيبت في ملكه، وسواء نقصت قيمتها كثيرًا أو قليلاً، وتكون القيمة من غير جنس القرض إن جرى في أخذها من جنسه ربا فضل، بأن كان اقترض دراهم مكسرة، فمنعت وأبطل التعامل بها، وقيمتها يوم القرض أنقص من وزنها؛ فإنه يعطيه بقيمتها ذهبًا، وكذا لو اقترض حُلِيًا، وكذا ثمن لم يقبض إذا كان فلوسًا أو مكسرة، فمنع السلطان إنفاقها وأبطل ماليتها، أو طُلِبَ ثمنٌ من بائع برد مبيع عليه، لعيب ونحوه، وكذا صداق وأجرة وعوض خلع ونحوها إذا كان فلوسًا أو دراهم مكسرة، فمنعها السلطان وأبطل التعامل بها، فحكمه حكم القرض، قال شيخ الإسلام: ويطرد ذلك في بقية الديون، وقد نظمها ناظم «المفردات» فقال:
والنقدُ في المبيعِ حَيْثُ عُيِّنَا … وبَعْدَ ذَا كسَادُهُ تَبَيَّنَا
نحو الفُلُوسِ ثم لا يُعَامَلُ … بها فَمِنْهُ عِنْدَنَا لا يُقْبَلُ
بل قيمةُ الفُلوسِ يَوْمَ العَقْدِ … والقرض أيضًا هكذا في الرَّدِ
ومثلهُ مَن رَامَ عَوْدَ الثَّمنِ … بِرَدِّهِ المبيع خُذْ بالأحْسَنٍ
стр. 1224
قد ذَكرَ الأصحابُ ذَا في ذي الصُّوَرْ … والنصُ في القرصِ عَيانًا قد ظَهَرْ
والنَّصُّ بالقيمةِ في بُطْلَانِهَا … لا في ازدِيَادِ القَدْرِ أَو نُقْصَانِها
بل إن غَلَتْ فالمِثْلُ فيها أَحْرَى … كَدَانِقٍ عِشْرينَ صَارَ عَشْرًا
والشيخُ في زِيَادةٍ أو نَقْصِ … مِثْلاً كَقَرْضٍ في الغَلا والرُّخْصِ
وشيخُ الإسلامِ فَتَى تَيمِيِّهْ … قال قياسُ القَرْضِ عَن جلِيّهْ
الطَّردُ في الدِّيُونِ كالصَّداقِ … وعوضٍ في الخلعِ والإعْتاقِ
والغصبِ والصلحِ عَن القصاص … ونَحوِ ذا طُرًا بلا اخْتِصَاصِ
قال وَجَافي الدَّيْنِ نصًا مُطْلَقُ … حَرَّرَهُ الأثرمُ إذْ يُحَقَّقُ
وقولهم إنَّ الكَسَاد نَقْصًا … فذاك نقصُ النوعِ عَابَتْ رُخْصًا
قال ونقصُ النوعِ لَيْسَ يُعْقَلُ … فيما سِوى القيْمَةِ ذَا لا يُجْهَلُ
وخَرَّجَ القِيْمَة في المِثْلِيِّ … بِنَقُصِ نَوْعٍ لَيْسَ بالخَفِي
واختارهُ وقالَ عَدْلٌ مَاضِي … خَوف انتظار السِّعْرِ بالتَّقَاضِي
لِحَاجَةِ النَّاسِ إلى ذِي المسألهْ … نَظَمْتُهَا مَبْسُوطَةً مُطَوَّلهْ
ويجب على مقترض رَدُّ فلوسٍ اقترضها، ولم تحرم المعاملة بها
غلت أو رخصت أو كسدت؛ لأنها مثلية، ويجب رد مثل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه؛ لأنه يضمن في الغصب
стр. 1225
والإتلاف بمثله، فكذا هنا، مع أن المثل أقرب شبهًا به من القيمة؛ فإن أعوز المثل فعليه قيمته يومَ إعوازه؛ لأنه يوم ثبوتها في الذمة.
ويجب رد قيمة غير المكيل والموزون المذكور؛ لأنه لا مثل له، فيضمن بقيمته كما في الإتلاف والغصب، فجوهر ونحوه مما تختلف قيمته كثيرًا، تعتبر قيمته يوم قبض المقترض من المقرض، لاختلاف قيمته في الزمن اليسير بكثرة الراغب وقلته، فتزيد زيادة كثيرة، فَيَنْضرُّ المقترضُ أو ينقُص، فينضر المقرِضُ وغير الجوهر ونحوه، كمذروع ومعدود تعتبر قيمته يوم قرض؛ لأنها تثبت في ذمته. وقي: يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وكذا الجواهر ونحوها، قيل: يجب رد مثله جنسًا وصفة وقيمة؛ لأن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فرد مثله؛ ولما ورد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها، وجعل فيها الطعام، وقال: «كلوا» ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة. رواه البخاري والترمذي.
ولأن ما ثبت في الذمة في السلم ثبت في القرض كالمثلي،
ويخالف الإتلاف فإنه لا مسامحة فيه.
قالوا: ولأن هذا هو مقتضى عقد القرض،
стр. 1226
ولأن مثله يحصل فيه مقصودان: مقصود القيمة، ومقصود حصول ذلك الشيء المقرض، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ويرد مثل كيل مكيل دفع وزنًا؛ لأن الكيل هو معياره الشرعي، وكذا يرد مثل وزن موزون دفع كيلاً، ويجوز قرض ماءٍ كيلا كسائر المائعات.
ويجوز قرض لسقي مقدرًا بأنبوبة أو نحوها، مما يعمل على هيئتها من فخار أو نحاس أو رصاص أو نحوه، ويجوز قرضه مقدرًا بزمن من نوبة غيره، ليرد مقترض على مقرض مثله في الزمن من نوبته نصًا. قال: وإن كان غير محدود كرهته، أي: لأنه لا يمكن أن يرد مثله، ويجوز قرض خبز وخمير ورده عددًا بلا قصد زيادة؛ لحديث عائشة قالت: قلت يا رسول الله، الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانًا، فقال: «لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس لا يُراد به الفضل» رواه أبو بكر في «الشافي»، ولمشقة اعتباره بالوزن مع دعاء الحاجة.
стр. 1227
تأجيل القرض وكل دين حال أو حل
س ٧٢: ما حكم تأجيل القرض، وكل دين حال أو حل، وشرط رهن أو ضمين في القرض، أو نقص وفاء، أو جر نفع أو نحو ذلك، أو أهدى مقترض لمقرض، أو علمت شهوة سخائه، وغلب على الظن أن يزيده، وحكم كل غريم غير المقبوض، وحكم ما إذا فعل شيئًا مما سبق قبل الوفاء أو طوب بِبَدَل قرض أو ثمن في ذمة، أو طولب ببدل غصب ببلد آخر غير بلد قرض وغصب؟ أو اقترض إنسان من رجل دراهم، وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، أو قال إنسان لآخر: أقرضني ألفًا،، وادفع إليّ أرضًا أزرعها بالثلث، أو أقرض مَن له عليه بر شيئًا يشتريه به، ثم يْوفيه إياه، أو قال: إن مت فأنت في حل، أو أقرض إنسانٌ غريمه المعسر ألفًا ليوفيه منه، ومن دينه الأول كل وقت، أو جعل إنسان جعلاً لمن يقترض له بجاهه. واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو تفصيل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر الخلاف والترجيح.
ج: يثبت بدل القرض في ذمة المقترض حالاً؛ لأنه سبب يوجب رد البدل، فأوجبه حالاً كالإتلاف؛ ولأنه عقد منع فيه التفاضل، فمنع فيه الأجل كالصرف، ولو مع تأجيل القرض؛ لأنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وأيضًا شرط الأجل زيادة بعد استقرار العقد، فلا يلزم وكذا كل دين حال أو مؤجل حَلَّ، فلا يصح تأجيله، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر، وهو أنه وإن أجل القرض لم
стр. 1228
يتأجل، وكل دين حال أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله. وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم» ولأن الله تعالى أمر بوفاء العقود، وأمر بالوفاء بالوعد، وعَدَّ النبي ﷺ إخلاف الوعد من صفات النفاق؛ وأن المتعاقدن يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء، فملكا الزيادة فيه كخيار المجلس. قال في «الإنصاف»: واختار الشيخ تقي الدين صحة تأجيله ولزومه إلى أجله، سواء كان قرضًا أو غيره، وذكره وجهًا، قلت: وهو الصواب. اهـ. وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله أعلم. ويجوز شرط رهن في القرض؛ لأنه ﷺ استقرض من يهودي شعيرًا ورهنه درعه. متفق عليه. ولأن ما جاز فعله جاز شرطه، ويجوز شرط ضمين لما تقدم، ولأنه يراد للتوثق، وليس ذلك بزيادة، والضمان كالرَّهْن، ولا يجوز الإلزام بشرط تأجيل قرض، أو شرط نقص في وفاء؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، ويحرم كلُّ شرط جر نفعًا، كشرط أن يسكنه المقترض داره، أو يقضيه خيرًا منه، أو أكثر مما أقرضه، أو يُنزِّلَ له في أجرة داره، أو شرط المقرض على المقترض أن يبيعه شيئًا يرخصه عليه، أو شرط أن يعمل له عملاً، أو أن ينتفعَ بالرهن، أو أن يساقيه على نخل، أو يزارعه على ضيعَةٍ، أو أن يبيعه شيئًا بأكثر من قيمته، أو أن يستعمله في صنعة
стр. 1229
ويعطيه أنقص من أجرة مثله، ونحوه من كل ما فيه جر منفعة. والدليل عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ نهى عن سلف وبيع» والسلف: هو القرض في لغة أهل الحجاز. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض جر منفعةً فهو ربا» رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط، وله شاهد ضعيف عند البيهقي عن فضالة بن عبيد ﵁، وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام ﵁ عن البخاري. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا شرط على المسُتسلِف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربًا. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة، فيعطيه صحاحًا أو نقدًا، ليعطيه خيرًا منه، ولا يجوز شرط أن يقضيه ببلد آخر، ولحمله مؤنة؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فشرط النفع فيه يخرجه عن موضوعه، وإن لم يكن لحملة مؤنة، فقال في «المغني»: الصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر، وكذا لو أراد إرسال نفقة لأهله، فأقرضها ليوفيها المقترض لهم جاز، ولا يفسد القرض بفساد الشرط؛ وأما إذا شرط أن يقضيه ببلد آخر،
стр. 1230
فقيل: لا يجوز، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال في «الإنصاف»: ويحتمل جواز هذا الشرط، وهو عائد إلى هذه المسألة فقط، وهو رواية عن أحمد، واختاره المصنف والشيخ تقي الدين ﵀ وصححه في النظم و «الفائق» وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وأطلق المصنف الجواز فيما إذا لم يكن لحمله مؤنة، وعدمه فيما لحمله مؤنة. اهـ. وفي «مجموع الفتاوى»: وسُئل عما إذا أقرض رجل رجلاً دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له سفتجة، أي: ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء، وقيل: نهي عنه؛ لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربًا. والصحيح: الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهي عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم (٢٩/ ٥٣٠، ٥٣١).
وإن فعل ما يحرم اشتراطه، بأن أسكنه داره، أو قضاه ببلد
следующие страницы →