Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ولأن مثله يحصل فيه مقصودان: مقصود القيمة، ومقصود حصول ذلك الشيء المقرض، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ويرد مثل كيل مكيل دفع وزنًا؛ لأن الكيل هو معياره الشرعي، وكذا يرد مثل وزن موزون دفع كيلاً، ويجوز قرض ماءٍ كيلا كسائر المائعات.
ويجوز قرض لسقي مقدرًا بأنبوبة أو نحوها، مما يعمل على هيئتها من فخار أو نحاس أو رصاص أو نحوه، ويجوز قرضه مقدرًا بزمن من نوبة غيره، ليرد مقترض على مقرض مثله في الزمن من نوبته نصًا. قال: وإن كان غير محدود كرهته، أي: لأنه لا يمكن أن يرد مثله، ويجوز قرض خبز وخمير ورده عددًا بلا قصد زيادة؛ لحديث عائشة قالت: قلت يا رسول الله، الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانًا، فقال: «لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس لا يُراد به الفضل» رواه أبو بكر في «الشافي»، ولمشقة اعتباره بالوزن مع دعاء الحاجة.
стр. 1227
تأجيل القرض وكل دين حال أو حل
س ٧٢: ما حكم تأجيل القرض، وكل دين حال أو حل، وشرط رهن أو ضمين في القرض، أو نقص وفاء، أو جر نفع أو نحو ذلك، أو أهدى مقترض لمقرض، أو علمت شهوة سخائه، وغلب على الظن أن يزيده، وحكم كل غريم غير المقبوض، وحكم ما إذا فعل شيئًا مما سبق قبل الوفاء أو طوب بِبَدَل قرض أو ثمن في ذمة، أو طولب ببدل غصب ببلد آخر غير بلد قرض وغصب؟ أو اقترض إنسان من رجل دراهم، وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، أو قال إنسان لآخر: أقرضني ألفًا،، وادفع إليّ أرضًا أزرعها بالثلث، أو أقرض مَن له عليه بر شيئًا يشتريه به، ثم يْوفيه إياه، أو قال: إن مت فأنت في حل، أو أقرض إنسانٌ غريمه المعسر ألفًا ليوفيه منه، ومن دينه الأول كل وقت، أو جعل إنسان جعلاً لمن يقترض له بجاهه. واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو تفصيل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر الخلاف والترجيح.
ج: يثبت بدل القرض في ذمة المقترض حالاً؛ لأنه سبب يوجب رد البدل، فأوجبه حالاً كالإتلاف؛ ولأنه عقد منع فيه التفاضل، فمنع فيه الأجل كالصرف، ولو مع تأجيل القرض؛ لأنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وأيضًا شرط الأجل زيادة بعد استقرار العقد، فلا يلزم وكذا كل دين حال أو مؤجل حَلَّ، فلا يصح تأجيله، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر، وهو أنه وإن أجل القرض لم
стр. 1228
يتأجل، وكل دين حال أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله. وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم» ولأن الله تعالى أمر بوفاء العقود، وأمر بالوفاء بالوعد، وعَدَّ النبي ﷺ إخلاف الوعد من صفات النفاق؛ وأن المتعاقدن يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء، فملكا الزيادة فيه كخيار المجلس. قال في «الإنصاف»: واختار الشيخ تقي الدين صحة تأجيله ولزومه إلى أجله، سواء كان قرضًا أو غيره، وذكره وجهًا، قلت: وهو الصواب. اهـ. وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله أعلم. ويجوز شرط رهن في القرض؛ لأنه ﷺ استقرض من يهودي شعيرًا ورهنه درعه. متفق عليه. ولأن ما جاز فعله جاز شرطه، ويجوز شرط ضمين لما تقدم، ولأنه يراد للتوثق، وليس ذلك بزيادة، والضمان كالرَّهْن، ولا يجوز الإلزام بشرط تأجيل قرض، أو شرط نقص في وفاء؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، ويحرم كلُّ شرط جر نفعًا، كشرط أن يسكنه المقترض داره، أو يقضيه خيرًا منه، أو أكثر مما أقرضه، أو يُنزِّلَ له في أجرة داره، أو شرط المقرض على المقترض أن يبيعه شيئًا يرخصه عليه، أو شرط أن يعمل له عملاً، أو أن ينتفعَ بالرهن، أو أن يساقيه على نخل، أو يزارعه على ضيعَةٍ، أو أن يبيعه شيئًا بأكثر من قيمته، أو أن يستعمله في صنعة
стр. 1229
ويعطيه أنقص من أجرة مثله، ونحوه من كل ما فيه جر منفعة. والدليل عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ نهى عن سلف وبيع» والسلف: هو القرض في لغة أهل الحجاز. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض جر منفعةً فهو ربا» رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط، وله شاهد ضعيف عند البيهقي عن فضالة بن عبيد ﵁، وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام ﵁ عن البخاري. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا شرط على المسُتسلِف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربًا. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة، فيعطيه صحاحًا أو نقدًا، ليعطيه خيرًا منه، ولا يجوز شرط أن يقضيه ببلد آخر، ولحمله مؤنة؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فشرط النفع فيه يخرجه عن موضوعه، وإن لم يكن لحملة مؤنة، فقال في «المغني»: الصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر، وكذا لو أراد إرسال نفقة لأهله، فأقرضها ليوفيها المقترض لهم جاز، ولا يفسد القرض بفساد الشرط؛ وأما إذا شرط أن يقضيه ببلد آخر،
стр. 1230
فقيل: لا يجوز، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال في «الإنصاف»: ويحتمل جواز هذا الشرط، وهو عائد إلى هذه المسألة فقط، وهو رواية عن أحمد، واختاره المصنف والشيخ تقي الدين ﵀ وصححه في النظم و «الفائق» وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وأطلق المصنف الجواز فيما إذا لم يكن لحمله مؤنة، وعدمه فيما لحمله مؤنة. اهـ. وفي «مجموع الفتاوى»: وسُئل عما إذا أقرض رجل رجلاً دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له سفتجة، أي: ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء، وقيل: نهي عنه؛ لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربًا. والصحيح: الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهي عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم (٢٩/ ٥٣٠، ٥٣١).
وإن فعل ما يحرم اشتراطه، بأن أسكنه داره، أو قضاه ببلد
стр. 1231
آخر بلا شرط، جاز، أو أهدى مقترض له هدية بعد الوفاء، جاز، أو قضى مقترض خيرًا مما أخذه، جاز، كصحاح عن مكسرة، أو أجود نقدًا، أو سكة مما اقترض، وكذا رد نوع خيرًا مما أخذ، أو أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة، وكذا رد نوع خيرًا مما أخذ، أو أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة، بلا مواطأة في الجميع، أو علمت زيادة المقترض على مثل القرض أو قيمته لشهرة سخائه، جاز ذلك؛ لأن النبي ﷺ استسلف بكرًا، فرد خيرًا منه، وقال: «خيركم أحسنكم قضاء» متفق عليه من حديث أبي رافع.
ولأن الزيادة لم تجعل عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه، ولا استيفاء دينه، أشبه ما لو لم يكن قرض، وإن فعل مقترض ذلك بأن أسكنه داره، أو أهدى له قبل الوفاء، ولو لم ينو مقرض احتسابه من دينه، أو لم ينو مكافأة عليه، لم يجز، إلا إن جرت عادة بينهما به قبل قرضه؛ لحديث أنس مرفوعًا: «إذا أقرض أحدكم فأهدي إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» رواه ابن ماجه، وكذا البيهقي في «السنن» و «الشعب» وسعيد بن منصور في «سننه»، وهو حديث حسن، ويؤيده ما في البخاري عن أبي بردة، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق، فأهدي إليك حمل تبن، أو حمل قت، فلا تأخذه؛ فإنه ربًا. وفي مسند
стр. 1232
الحارث بن أبي أسامة أن النبي ﷺ قال: «كل قرض جر منفعة فهو باب من أبواب الربا» وكذا كل غريم حكمه حكم المقترض في ما تقدم. ومن طولب ببدل قرض، ومثله ثمن في ذمة ونحوه، أو طولب بدل غصب ببلد آخر غير بلد قرض، أو غصب؛ لزمه أداء البدل لتمكنه من قضاء الحق بلا ضرر، إلا ما لحمله مؤنة كحديد وقطن وبر، وقيمته ببلد القرض أو الغصب أنقص من قيمته ببلد الطلب، فلا يلزمه إلا قيمته ببلد القرض أو الغصب؛ لأنه لا يلزمه حمله إلى بلد الطلب، فيصير كالمتعذر، وإذا تعذر المثل، تعينت القيمة، واعتبرت ببلد قرض أو غصب؛ لأنه الذي يوجب فيه التسليم؛ فإن كانت قيمته ببلد القرض أو الغصب مساوية لبلد الطلب أو أكثر، لزمه دفع المثل ببلد الطلب كما سبق، ومن طولب بعين الغصب بغير بلده لم يلزمه وكذا لو طولب بأمانة أو عارية ونحوها بغير بلدها؛ لأنه لا يلزمه حملهَا إليه، ولو بذل المثل مقترض أو غاصب بغير بلد قرض أو غصب، ولا مؤنة لحمله إليه، كأثمان لزم مقرضًا ومغصوبًا منه قبوله مع أمن بلد وطريق؛ لعدم الضرر عليه إذًا، وكذا ثمن وأجرة ونحوهما؛ فإن كان لحمله مؤنة أو البلد أو الطريق غير آمن، لم يلزمه قبوله، ولو تضرر المقترض أو الغاصب؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ومن اقترض من رجل دراهم، وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، فالبيع جائز،
ولا يرجع عليه بشيء؛ لأنها دراهمه، فعيبها عليه، وله
стр. 1233
على المقترض بدل ما أقرضه له بصفته زيوفًا، ولو أقرض إنسان فلاحه في شراء بقر يعمل عليها في أرضه بالحرث ونحوه، أو أقرضه في شراء بذر يبذره في أرضه؛ فإن شرط المقرض ذلك في القرض، لم يجز لما تقدم، وإن كان ذلك بلا شرط، أو قال المقترض: أقرضني ألفًا، وادفع إلي أرضك أزرعها بالثلث، حرم أيضًا؛ لأنه يجر به نفعًا. نص عليه، واختاره ابن أبي موسى، وجوزه المرفق وجمع لعدم الشرط والمواطأة عليه، وصححه في «النظم» و «الرعاية الصغرى»، وقدمه في «الفائق» و «الرعاية الكبرى».
ولو أقرض من له عليه بر شيئًا يشتري البر به، ثم يوفيه إياه، جاز العقد بلا كراهة، وإن قال المقرض للمقترض: إن مِتُّ -بضم التاء- فأنت في حل، فوصيته صحيحة كسائر الوصايا، وإن قال له: إن مِتَّ -بفتحها- فأنت في حلن لا يصح؛ لأنه إبراء معلق.
قال الناظم:
وقولُ إذا ما مِتُّ تَبرأ وَصِيَّةٌ
وإن تَفْتَحِ التَّا اردْدُ للابْرَا المُقَيَّدِ
ولو أقرض إنسان غريمه المعسر ألفًا، ليوفيه منه ومن دينه الأول كل وقت، جاز والكل حال، أو قال المقرض: أعطني بديني رهنًا،
وأنا أعطيك ما تعمل فيه، وتقضيني ديني كله الأول والثاني، ويكون
стр. 1234
الرهن عن الدينين، أو عن أحدهما بعينه، جاز؛ لأنه ليس فيه اشتراط زيادة عما يستحقه عليه، والكل حال، الدين الأول والثاني، ولا يتأجل بقول ذلك. ولو جعل إنسان لآخر جعلاً على اقتراضه له بجاهه، جاز؛ لأنه في مقابلة ما يبذله له بجاهه فقط، وقيل: لا يجوز؛ لأن هذه المسألة داخلة في القرض الذي جر نفعًا، ووسيلة قريبة إلى الربا، وإن جعل له جعلاً على ضمانه له، فلا يجوز؛ لأنه ضامن، فيلزمه الدين، وإن أداه وجب له على المضمون عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة، فلم يجز.
ولو أقرض ذمي ذميًا خمرًا، ثم أسلما أو أحدهما، بطل القرض، ولم يجب على المقترض شيء.
فائدة: قال في «الفروع»: قال أحمد ﵁: الدين أوله هَمٌ، وآخره حزن. قال بعضهم: كان يقال: الدين هَمٌّ بالليل، وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبدًا جعل في عتقه دينًا، وكان يقال: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والفقير، والمديان. وكان يقال: لا هم إلا هم الدين، ولا وجع إلا وجع العين. قال ابن عبد البر: وقد روي هذا القول عن النبي ﷺ من وجه ضعيف. اهـ.
стр. 1235
من النظم فيما يتعلق بالقرض
وإن تُقْرِضَنْ شيئًا فندبٌ مضاعفٌ … كمثلين إلا خمس بذل التجود
ويكره الاستقراض للسيئ الوفا … ولِلسَّهْلِهِ لا بأس بالشارع اقتد
ومن صح منه بذله صح قرضُه … لما صَحَّ فيه البيع يا ذا التنقد
سوى أمة قد قيل والعبد والذي … به سلم لم تمضه في المجود
وقيل اقترض واردد كقيمة جوهر … وفي الحيوان المثل مع كرهه اردد
ومعرفة المقدار والوصف لازم … ويملكه بالقبض مستقرض اليد
فليس عليه رده بل بديله … بذمته حتم الحلول المؤكد
وما شرط تأجيل الحلول بلازم … ويلزم منه أخذه إن يردد
متى لم يعب أو يمنع الناس أخذه … فقيمته وقت اقتراضك أورد
على نصه بل قيل يوم كساده … وما نقص سعر منع رد بأجودِ
كذا جوهر أو نحوه إن جاز قرضه … ومثلاً لموزون وما كيل فاردد
وقيمة مثل يوم إعواز مثله … وفيما سوى هذين وجهين أسند
وثانيهما قوم من القرض وانقد
стр. 1236
فوجه له مثل مقارب وصفه … قبولكه أو مثله احتم بمبعد
وفي كاسد في العرف لا منع حاكم … وعنه اشترط الوزن زن أو فعدد
وقرض يسير الخبز بالعد جائز … لرد كبير والخمير كذا اعدد
ويحرم إقراض الصغير تقصدًا … لتطييب قلب المقرض المتجود
وشرط رهنًا أو ضمينًا به أجز … كإهدائه أورد أوفى وأجود
وما جر نفعًا لا يجوز اشتراطه … إجارته أو نفعه احذر وأوعد
وبيع عليه أو شرا الشيء منه أو … بقيمة ما أهدي وإلا ليردد
ومن زاد من قبل الوفاء ليحتسب … هدية هذا الصاحب المتودد
ومن كان قبل القرض يهدي تقبلت … ففي أوطد لا بأس بالشارع اقتد
ومن زاد من غير اشتراط إذا قضى … على أوطد الوجهين أسوة أحمد
ولا تكرهن القرض للحسن الوفا … يزد ثانيًا يحرم بغير تردد
وقيل إن يزده مَرةً في القضا متى … فأتبعه المعطي بقرض مجدد
ومن صده الإفلاس عن رد قرضه … كذا قرضُه أثمان قرض ليورد
لِيُوفِيهِ شهرًا ثم شهرًا فجائز … بأرضك أو أثمان ثور بأجود
стр. 1237
كذا قرض بذر دون شرط لزارع … ولو ليتيم طد نفع بأوكد
وشرط وفا سهل بغير مكانه … وإن تفتح التا اردد للأبرا المقيد
وقول إذا ما مت تبرا وصية … أجز واكتفل عني ولك ألفٌ اردد
وقول اقترض لي الآن ألفًا ولك
كذا … بالإسلام أسقطها ولو من مفرد
ولو أقرض الذمي خمرًا لمثله … بديلاً ليرضى غير أرض التجودِ
وإن طلب المغصوب منه ومقرض … المؤونة إن يزدد هنا سعره قد
فإعطاؤه حتم سوى ما لحمله … وليس عليه هاهنا أخذ مورد
فقيمته في أرض قرض هنا له … مع الأمن في هذا وسبل المردد
سوى الشيء ما في حمله من مؤونةٍ … وإن يبق لم يجبر بحال فقيد
كذا بدل المغصوب إن كان تالفًا
стр. 1238
باب الرهن
س ٧٣: ما هو الرهن لغة وشرعًا؟ وما هو المرهون؟ وما حكم الزيادة فيه. أو في دَيْنِه؟ وهل لما يصح رهنه ضابط؟ وبم ينعقدْ؟ وما أركانه؟ وما حكمه؟ ولِمَ أتبع بالبيع والقرض، وما فائدته؟ وفصِّلُ لما يحتاج إلى تفصيل، ومثل لما يحتاج إلى تمثيل، واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.
ج: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام والاستمرار. وقال ابن سيده: ورهنه، أي: أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر:
الخُبْزُ واللحمُ لَهم رَاهِنٌ … وقهوةٌ راو وُقها ساكِبُ
وقيل: هو الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقال الشاعر:
وفارقَتْكَ بِرهْنٍ لا فكَاكَ لَهُ … يومَ الوداع فأضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لوجده بها، بالرهن الذي يلزم المرتهن، فيحبسه عنده ولا يفارقه، وتخفف العين من رَهَنَ كما خُفِفَ في رُسُل وكُتُب، ومثل رَهْن ورُهُن سَقْف وسُقُف، وقال الأعشى:
آليتُ لا أعُطِيهِ مِن أبنائنا … رُهُنًا فَيُفْسِدْهُم كَمَنْ قَدْ أفْسَد
стр. 1239
ويقال في الرهن: رَهَنْتُ وأرْهَنْت.
قال عبد الله بن همام السِّلولي:
فلما خَشيِتُ أظافِيْرَهُم … نَجَوْتُ وأرهَنْتُهُم مَالِكًا
وشرعًا: توثقه دَيْنٍ بعين يُمكن أخذه أو بَعْضُه مِنها أو من ثمنها.
وهو جائز بالكتاب، والسُّنة، والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما السُّنة: فروت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعه» متفق عليه. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن»؛ وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن، لدلالة الكتاب والسُّنة عليه.
والمرهون: عين معلومة قدرًا وجنسًا وصفةً، جُعِلتْ وَثِيْقَةً
стр. 1240
بحق يمكن استيفاء الحق، أو استيفاء بعضه منها، أو من ثمنها، بخلاف نحو وقف وحر، ويأتي حكم أم الولد، وتقدم حكم دين السلم والكتابة.
وتصح زيادة رهن، بأن رهنه شيئًا على دين، ثم رهنه شيئًا آخر عليه؛ لأنه توثقه، ولا تصح زيادة دينه، بأن استدان منه دينارًا، ورهنه كتابًا أو أقبضه له منه، ثم اقترض منه دينًا آخر، وجعل الكتاب رهنًا عليه وعلى الأول؛ لأنه رهن مرهون، والمشغول لا يشغل، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد، وهو الراجح من مذهب الشافعي، وقال مالك بالجواز، وهو رواية عن أحمد، والقديم للشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
ويصح رهن كل ما يصح بيعه، ولو كان نقدًا أو مؤجرًا أو معارًا، ولو لرب دين؛ لأنه يصح بيعه، فصح رهنه، وينعقد الرهن بلفظ وبمعاطاة كالبيع.
وأركانه خمسة: راهن، ومرهون، ومرهون به، ومرتهن، وصيغة، وهي الإيجاب، والقبول، وما أدى معناهما، فلا يصح بدونهما، فإذا قال: أقرضتك هذا، أو خذه بمثله، أو ملكتك على
أن ترد بدله، صح، وقد يكون القرض واجبًا، كالمضطر، وحرامًا
стр. 1241
كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في محرم، ومكروهًا، كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في مكروه.
وأما فائدته: فكبيرة؛ لأنه من الوثائق التي يحصل منها الاستيفاء عند تعذر الوفاء من الغريم، ويطمئن إليه، ويأمن من غدر صاحبه وأكمله أن يكون عينًا مقبوضة؛ فإن كانت قيمتها أكثر من الدين تمت من جميع الوجوه؛ فإن كانت الوثيقة دينًا أو غير مقبوضة، أو أقل من الدين، صارت ناقصة.
وأما مناسبة إتباعه للبيع والقرض، فلما كان الرهن يتسبب عن الدين، من قرض تارة، ومن بيع أخرى، وأنهى الكلام على الدينين وما يتعلق بهما من مقاصة، عقد الكلام على ما يتسبب عنهم من رهن ونحوه.
ضمان العارية إذا رهنت والمبيع قبل قبضه
س ٧٤: ما حكم ضمان العارية إذا رهنت، والمبيع قبل قبضه، والمشاع؟ وإذا لم يرض شريك ومرتهن بكون المشترك بيد أحدهما أو بيد غيرهما، أو كان الرهن مكاتبًا أو مصحفًا، أو كتب حديث أو تفسير، أو جانبًا أو مدبرًا، أو معلقًا عتقه بصفة، أو كان مما يسرع إليه الفساد، أو قنًا مسلمًا لكافر، فما الحكم؟ واذكر ما يتفرع على ذلك بالتفصيل، واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.
стр. 1242
ج: ويسقط ضمان العارية إذا أرهنت، لانتقالها للأمانة إن لم يستعملها المرتهن؛ فإن استعملها ولو بإذن الراهن، ضمن. ويجوز رهن المبيع قبل قبضه، غير المكيل والموزون والمذروع والمعدود على ثمنه وغيره عند بائعه وغيره، بخلاف المكيل ونحوه؛ أنه لا يصح بيعه قبل قبضه، فكذلك رهنه. واختار الشيخ تقي الدين جواز رهن المكيل والموزون ونحوهما قبل قبضها، وحكاه القاضي وابن عقيل عن الأصحاب، قالوا: لأن قبضه مستحق، فيمكن المشتري أن يقبضه ثم يقبضه، وإنما لم يجز بيعه؛ لأنه يفضي إلى ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ويصح رهن المشاع؛ لأنه يجوز بيعه في محل الحق، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكون المشترك في يد أحدهما أو بيد غيرهما، جاز. وإن اختلفا جعله حاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة أو آجره الحاكم عليهما، فيجتهد في الأصلح لهما؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، ولا يمكن جمعهما فيه، فتعين ذلك؛ لأنه وسيلة لحفظه عليهما.
ويصح رهن المكاتب، لجواز بيعه، وإيفاء الدين من ثمن، ولا يصح رهنه لمن يعتق عليه، بأن رهن لمكاتب عند رحمه المحرم؛ لأن
المرتهن لرحمه المحرم لا يملك بيعه عند جوازه، ويأتي في الكتابة، ويمكنه المرتهن من الكسب؛ لأن ذلك مصلحة، ولا يصح شرط
стр. 1243
منعه من التصرف، وما أداه من دين الكتابة رهن معه؛ لأنه كنمائه؛ فإن عجز عن أداء مال الكتابة، وعاد قنصا، فهو وكسبه رهن؛ أنه نماؤه وإن عتق بأداء أو إعتاق، فما أدى بعد عقد الرهن رهن، كقن مرهون اكتسب ومات.
ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد، كفاكهة رطبة، وبطيخ، ولو رهنه بدين مؤجل؛ لأنه يصح بيعه، ويباع ويجعل ثمنه رهنًا مكانه حتى يحل الدين فيوفى منه، كما لو كان حالاً، وإن أمكن تجفيفه، كعنب ورطب، جفف، ومؤنته على راهن؛ لأنها لحفظه، كمؤنة حيوان. وكذا الحكم إن رهنه ثيابًا، فخاف المرتهن تلفها، أو رهنه حيوانًا، فخاف موته فيباع على ما تقدم، وشرط أن لا يبيعه أو لا يجففه فاسد، لتضمنه فوات المقصود منه، وتعريضه للتلف.
ويصح رهن القن المسلم لكافر إذا شرط في الرهن كونه بيد مسلم عدل، كرهن كتب حديث وتفسير لكافر، لأمن المفسدة؛ فإن لم يشترط ذلك لم يصح، اختاره أبو الخطاب، والشيخ تقي الدين ﵀، وقال: اختاره طائفة من أصحابنا، وجزم به ابن عبدوس في «تذكرته» ويفارق البيع بأن البيع ينتق الملك فيه إلى الكافر، وفي الرهن
المرهون باق على ملك المسلم، وقيل: لا يصح رهن العبد المسلم لكافر، اختاره القاضي؛ لأنه عقد يقتضي قبض المعقود عليه والتسليط
стр. 1244
على بيعه، فلم يجز كالبيع، والقول الأول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ويصح رهن مدبر، ومعلق عتقه بصفة لم يعلم وجودها قبل حلول دين ومرتد وجان وقاتل في محاربة، ثم إن كان المرتهن عالمًا بالحال، فلا خيار له، كما لو لم يعلم حتى أسلم المرتد، أو عفي عن جان، وإن علم قبل ذلك فله رده، وفسخ بيع شرط فيه؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، وله إمساكه بلا أرش، وكذا لو لم يعلم حتى قتل أو مات ومتى امتنع السيد من فداء الجاني لم يجير، ويباع في الجناية، لسبق حق المجني عليه، وتعلق حقه بعينه بحيث يفوت بفواته، بخلاف مرتهن.
وأما رهن المصحف، فقيل: لا يصح؛ لأن المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه، ولا يحصل إلا ببيعه، وبيعه غير جائز، وقيل: يصح، وهو قول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، بناء على أنه يصح بيعه، فيصح رهنه كغيره، والخلاف في ذلك مبني على جواز بيعه، وتقدم الكلام عليه في أول كتاب البيع في الشرط الثالث من شروطه.
стр. 1245
ما لا يصح رهنه والذي يستثنى منه وشروط الرهن
س ٧٥: تكلم بوضوح عما لا يصح رهنه، والذي يستثنى منه، وما شروط الرهن؟ وما حكم رهن المؤجر والمعار لذلك؟ وما حكم الرهن مع الحق وبعده وقبله؟ وما الذي ينبغي للمدين الذي يريد أن يرهن شيئًا؟ وإذا أذن إنسان لآخر أن يرهنه بمائة مثلاً، فرهنه بأزيد أو أنقص، أو أراد الرجوع عن الإذن، أو تلف المأذون في رهنه، أو اختلفا في القدر المأذون فيه، فما الحكم؟ وما الدليل وما التعليل؟ واذكر أمثلة لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وفصل لما يحتاج إلى تفصيل، والخلاف والترجيح؟
ج: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؛ لأن القصد استيفاء الدين منه أو من ثمنه عند التعذر، وما لا يصح بيعه لا يمكن فيه ذلك، ويصح رهن المساكن من أرض مصر ونحوها، ولو كانت آلتها منها؛ لأنه يصح بيعها، سوى رهن ثمرة قبل بدو صلاحها بلا شرط قطع، وسوى رهن زرع أخضر بلا شرط قطع، فيصح؛ لأن النهي عن بيعها لعدم أمن العاهة، وبتقدير تلفها لا يَفُوت حق المرتهن من الدين، لتعلقه بذمة الراهن، وسوى قن ذكرًا أو أنثى، فيصح رهنه دون ولده ونحوه، كوالده وأخيه؛ لأن تحريم بيعه وحده للتفريق بين ذوي الرحم المحرم، وذلك مفقود هنا؛ فإنه إذا استحق بيع الرهن يباعان معًا، دفعًا لتلك المفسدة، ويختص المرتهن بما يخص المرهون من ثمنها،
стр. 1246
فيوفى منها دينه، وإن فَضَل شيء من ثمنه، فللرهن، وإن فضل ذا ولد مائة، وقيمة الولد خمسون، فحصة الراهن ثلثًا الثمن؛ لكن لو رهن ثمرة على دين مؤجل إلى أجل تحدث فيه ثمرة أخرى، بحيث لا يتميز عن الثمرة المرهونة، فالرهن باطل لجهالته عند حلول الحق، وإن جعلت الثمرة رهنًا على دين مؤجل، وشُرطَ في العقد قطع عند حدوث غيرها، فلا يكون الرهْنُ باطلاً، لانتفاء الجهالة، وعدم الغرر.
وشروط الرهن ستة:
أحدها: أن يكون منجزًا، فلا يصح معلقًا، كالبيع.
الثاني: كونه مع الحق، بأن يقول: بعتك هذا بعشرة إلى شهر، ترهنني بها كذا، فيقول: قبلت، فيصح ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترطه، لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق. ويصح بعد الحق بالإجماع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾
[البقرة: ٢٨٢] جعله بدلاً عن
стр. 1247
الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق؛ ولأن في الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله:
﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فجعله مذكورًا بعدها بفاء التعقيب؛ ولأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى الوثيقة به، فجاز أخذها كالضمان، ولا يجوز قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها. اختار هذا القول أبو بكر والقاضي، وذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وثيقة بحق، فلم يجز قبل ثبوته، ولأنه تابع لحق، فلا يسبقه، كالثمن لا يتقدم المبيع، بخلاف الضمان، والفرق أن الضمان التزام مال تبرعًا بالقول، فجاز في غير حق ثابت كالنذر، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فإذا قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدًا، وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم؛ لزمه الرهن، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك؛ لأنه وثيقة بالحق، فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل، كضمان الدرك، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
الثالث: كونه ممن يصح بيعه وتبرعه؛ لأنه نوع تصرف في المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع.
стр. 1248
الرابع: كون الرهن ملكه أو مأذونًا له فيه، بأن استأجر أو استعار دارًا مثلاً، وأذن المؤجر أو المعير له برهنها فرهنها، صح. ولا يشترط لصحة الإذن تعيين الدين، ولا وصفه، ولا معرفة رب الدين، وينبغي للمدين أن يذكر للمؤجر والمعير المرتَهِنَ، فيقول: أريد أن أرهنه عند زيد مثلاً، ويذكر له القدر الذي يرهنه به، وجنس القدر الذي يرهنه به، كذهب أو فضة، ويذكر له مدة الرهن، كشهر أو سنة، لئلا يغرهما، ومتى شرط الراهن شيئًا من ذلك المذكور، وهو المرتهن، وقدر الدين وجنسه، ومدة الرهن، فخالف ورهنه بغيره، لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له فيه، أشبه ما لو لم يؤذن في أصل الرهن؛ فإن أذن المؤجر والمعير الراهن في رهن ما استأجره، أو استعاره لذلك كمائة مثلاً، فنقص عنه بأن رهنه بثمانين مثلاً، صح الرهن؛ لأنه فعل بعض المأذون له فيه، وإن رهنه بأكثر، كمائة وخمسين مثلاً، صح الرهن في القدر المأذون فيه، وهو المائة فقط، وبطل في الزيادة، كتفريق الصفقة، بخلاف ما لو أذنه بدنانير، فرهنه بدراهم، وعكسه؛ فإنه لا يصح للمخالفة، ويملك آذِنٌ، مؤجرًا كان أو معيرًا، الرجوع في الإذن في الرهن قبل إقباض المرتهن لا بعده، للزومه، ويطالب معير راهنًا بفكه في محل الحق وقبل محله؛
стр. 1249
لأن العارية لا تلزم، ولا يملك مؤجر الرجوع في إجارة عين لرهن قبل مضي مدة الإجارة للزومها، وإن بيع رهن مؤجر أو معار مأذون للراهن فيه لوفاء دين، رجع مؤجر أو معير على راهن بمثلِ مِثْليٍّ؛ لأنه فوته على ربه، أشبه ما لو أتلفه، ورجع بالأكثر من قيمة متقوم أو ما بيع به؛ لأنه إن بيع بأقل من قيمته ضمن الراهن النقص، وإن بيع بأكثر كان ثمنه كله لمالكه، ويؤيده أن المرتهن لو أسقط حقه من الرهن رجع الثمن كله إلى صاحبه، فإذا قضى به الراهن دينه رجع به عليه، ولا يلزم من وجوب ضمان النقص أن لا تكون الزيادة للمالك، كما لو كان باقيًا بعينه.
وإن تلف رهن معار أو مؤجر بتفريطه، ضمن راهن ببدَلِهِ، وبلا تفريط، ضمن راهن لا مرتهن المعار لا المؤجر؛ لأن العارية مضمونة، والمؤجر أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وإن قال مأذون في الرهن لمالكه: أذنت لي في رهنه بعشرة، فقال المالك: بل أذنتُ لك في رهنه بخمسة، فقول آذن بيمينه؛ لأنه منكر للإذن في الزيادة، ويكون رهنًا بالخمسة فقط.
الخامس: كون الرهن معلومًا جنسه وقدره وصفته؛ لأنه عقد على مال، فاشترط العلم به كالبيع.
السادس: كونه بدين واجب، كقرض وثمن وقيمة متلف، أو
стр. 1250
بشيء مآله إلى الدين الواجب، كثمن في مدة خيار مجلس أو شرط، وأجرة قبل استيفاء منفعة مأجُورٍ، ومهرٍ قبلَ دخولٍ؛ لأن ذلك يؤول إلى الوجوب.
حكم الرهن على العين المضمونة
والمقبوض على وجه السوم
س ٧٦: ما حكم أخذ الرهن على العين المضمونة؟ والمقبوض على وجه السوم، أو بعقد فاسد، أو نفع إجارة، أو دية على عاقلة، أو جعل في جعالة، أو عوض في مسابقة، أو عهدة مبيع، أو عوض غير ثابت في ذمة، أو دين كتابة؟ وما حكم رهن مال اليتيم ونحوه عند فاسق؟ وهل يشترط كون رهن من مدين، أم لابد من إذنه؟ وضح ذلك، مع ذكر ما تيسر من دليل أو تعليل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟
ج: يصح بعين مضمونة، كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم، أو بعقد فاسد، ويصح بنفع إجارة في ذمة، كخياطة ثوب، وبناء دار، وحمل معلوم إلى موضع معين؛ لأنه ثابت في الذمة ويمكن وفاؤه من الرهن بأن يستأجر من ثمن من يعمه. ولا يصح أخذ رهن بدية على عاقلة قبل مضي حول، لعدم وجوبها إذن، ولا بجعل قبل العلم، لعدم وجوبه.
стр. 1251
ويصح رهن بدية على عاقلة، ويجعل بعد الحول والعمل لاستقرارهما، ولا يصح بدين كتابة، لفوات الإرفاق بالأجل المشروع، إذ يمكنه بيع الرهن وإيفاء الكتابة ولا يصح أخذ رهن بعهدة مبيع؛ لأنه ليس له حد ينتهي إليه، فيعم ضرره بمنع التصرف فيه، وإذا وثق البائع على عهدة المبيع، فكأنه ما قبض الثمن، ولا ارتفق به، ولا يصح أخذ رهن بعوض غير ثابت في ذمة، كثمن وأجرة معينين، وإجارة منافع عين معينة، كدار معينة، وعبد معين، ودابة معينة لحمل إلى مكان معلوم؛ لأن الذمة لم يتعلق بها في هذه الصور حق واجب، ولا يؤول إلى الوجوب؛ لأن الحق متعلق بأعيان هذه. وينفسخ عقد الإجارة عليها بتلفها.
ويحرم، ولا يصح رهن مال يتيم لفاسق؛ لأنه تعريض به للهلاك؛ فإن شرط كونه بيد عدل، صح. وكيتيم مكاتب وقن مأذونًا له في تجارة، لاشتراط المصلحة في ذلك التصرف، وكيتيم سفيه ومجنون وصغير، فيحرم على من كانت أموالهم تحت يده أن يجعلها تحت يد فاسق على طريق رهن أو غيره، بل عليه صيانته وحفظها عن الضياع وطلب تنميتها لهم بحسب الإمكان، لضعفهم عن ذلك، ولا يشترط كون رهن من مدين ولا بإذنه؛ لأنه إذ جاز أن يقضي عنه دينه بلا
стр. 1252
إذنه، فأولى أن يرهن عنه.
قال الشيخ تقي الدين: يجوز أن يرهن الإنسان مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى.
من نظم ابن عبد القوي
فيما يتعلق بباب الرهن
وخذ في بيان الرهن وهو وثيقة … بحق يقوي نفس كل مشدد
وفي كل دين واجب صح أخذه … ولو حضرا من جائز الأمر فارشد
ووجهان في دين الكتابة وارهنن … مع الحق أو بعدًا وقيل بمبعد
ورهنك قبل الحول بالعقد باطل … ووجهين قبل الفعل في الجعل أسند
وما لم يجب في ذمة لا تجز به … رهانًا كما عينت في كل معقد
وعقد كه في حق ذي الدين جائز … وملتزم بالقبض من راهنٍ قد
فإن كان منقولاً فبالنقل قبضه … وفي غير منقول بتخلية اليد
وعنه التزم بالعقد رهن معين … ومن منع التسليم فاجبره واضهد
ومن شرطا أن يقبض الرهن لم يجز … تفسيره إلا رضى أو لمفسد
وتقبيضه تقبيض مرتهن فإن … يك اثنين لم يحفظ على يد مفرد
وللعدل رد الرهن إن شا إليهما … فإن يعط فرد يرتجعه ويردد
стр. 1253
وضمنه إن لم يرتجعه نصيب من … تعذر بالتسليم للغير تهتدي
ويلغ لزوم الرهن بالرد عن رضى … وبالعود يلزم دون عقد مجدد
كذا ما تخمر من عصير رهنته … فإن عاد خلاً عاد لازم معقد
فإن يتصرف قبل قبض ورده … بمانع أخذ الدين منه ليفسد
ولم يلغه عارية أو إجارة … لمرتهن والغير مع إذنه اعضد
وجائز بيع جائز الرهن ما عدا المكاتب … إن يقبض لشرط التأطد
ويملك إن قلنا يجوز تكسبًا … وما جاز أو أدى فرهنًا ليعدد
ومن عتقه بالشرط إن حل قبله … ليرهن وإلا لا وإن يعم ردد
ومن يحرم التفريق في البيع بينهم … أجزْ رهن فرد ثم بع للمعدد
فإن خيف من قبل الحلول فساده … يجفف وإن واتى على الرهن أشهد
وإلا فبع وارهنه شاء أو اطلقا … في الأقوى وإما يمنعا البيع أفسد
ورهن مشاع لو لغير شريكه … أجز ولدي من عين الحفظ خلد
وفي يد عدل اجعلنه إن تخالفا … ولو مؤجر أو آكر الكل تقصد
وغير مجاز البيع لا تمض رهنه … سوى ثمر والزرع قبل التشدد
على أحد الوجهين في شرطك البقا … ولا تُرْهِنِ الكفار مُسْلَم أعبد
стр. 1254
وقال أبو الخطاب ذلك جائز … بشرطك جعل العبد في يد مهتد
ورهن مبيع عينوا قبل قبضه … أجزه ولو للبائعيه تسدد
وقيل سوى موزونه أو مكيله … كذاك على أثمانه امنع بأجود
وإن زاد دين الرهن حال لزومه … يكون به رهنًا وبالسابق اردد
ورهن معار والغصيب لقابض … أجز وانف تضمينًا على سابق اليد
وقيل إن مضى وقت لإمكان قبضها … وقيل بإذن الراهن القبض قَيِّدِ
وإن تستعر عينًا لترهنها يجز … ويلزم فك الرهن عند التقصد
وقيل إن تعين قدر دين ووقته … فإن خان أبطله وقيل بما اعتدى
وإن حل دين بعه واضمن بقيمة … وقيل بما قد بعته إن يزيد
ووجهين في رهن التراث وبيعه … قبيل وفا دين على الميت أسند
стр. 1255
وقت لزوم الرهن
ومن يلزم في حقه
س ٧٧: متى يلزم الرهن، ومن الذي يلزم في حقه؟ وإذا جُنّ، أو بُرْسِمَ، أو حجر عليه لسفه بعد عقد وقبل قبض، فما الحكم؟ وإذا مات راهن قبل إقباض، فهل للورثة إقباضه أم لا؟ ومتى يجوز للراهن أن يرجع في الرهن؟ وبأي شيء يبطل إذن الراهن في القبض؟ وإذا رجع فهل له التصريف فيه، وإذا كاتب الرهن، أو آجره، أو دبره فما الحكم؟ وما حكم استدامة قبض الرهن؟ وبأي شيء يزول لزوم الرهن؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: لا يلزم الرهن إلا بالقبض كقبض مبيع، ولو كان القبض ممن اتفق الراهن والمرتهن على أن يكون عنده؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ويكون قبل القبض رهنًا جائزًا يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وسواء في ذلك الكيل والموزون وغيره، قال بعض الأصحاب في غير المكيل والموزون: إنه يلزم بمجرد العقد.
قال في «الإنصاف»: وعنه أن القبض ليس بشرط في المتعين، فيلزم بمجرد العقد، نص عليه. قال القاضي في «التعليق»:
هذا قول أصحابنا، قال في «التلخيص»: هذا أشهر الروايتين،
стр. 1256
وهو المذهب عند ابن عقيل وغيره، وعليه العمل، وهو قول مالك، وهو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
ويلزم في حق الراهن فقط؛ لأن الحظ فيه لغيره. فلزم من جهته كالضمان، بخلاف مرتهن؛ لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فيه وحجه، فكان له فسخه كالمضمون له. ويعتبر في القبض إذن ولي أمر الحاكم لمن جن أو حصل له برسام بعد عقد رهن وقبل قبض؛ لأن ولايته للحاكم كما يأتي، وهو نوع تصرف في المال، فاحتياج إلى النظر في الحظ؛ فإن كان الحظ في إقباضه كان شرطًا في البيع، والحظ في إتمامه، أقْبَضَهُ، وإلا يجز؛ فإن قبضه مرتهن بلا إذن راهن أو وليه، لم يكن قبضًا. وإن مات راهن قبل إقباضه قام واره مَقامهُ؛ فإن أبى لم يجبر، وإن أحب إقباضه، وليس على الميت سوى هذا الدَّين، فله ذلك، وليس لورثة راهن إقباض الرهن وثم غريم للميت لم يأذن فيه نصًا؛ لأنه تخصيص له برهن لم يلزم، وسواء مات أو جُن ونحوه قبل الإذن أو بعده، لبطلان الإذن له، ولراهن الرجوع في رهن قبل الإقباض، ولو أذن الراهن في القبض، لعدم لزوم الرهن إذًا، وله التصرف فيه بما شاء؛ فإن تصرف بما ينقل الملك فيه ببيع أو هبة، أو رهنهُ ثانيًا بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا، لخروجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، وإن دبره أو
стр. 1257
كاتبه، أو آجره أو زوج الأمة، لم يبطل؛ لأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته كاستخدامه ويبطل إذن الراهن في القبض بنحو إغماء، وحجر لسفه وخرس، وليس له كتابة ولا إشارة مفهومة؛ فإن كانت له كتابة أو إشارة مفهومة، فكمتكلم، لحصول المقصود بكتابته أو إشارته، وإن رهنه عينًا مالية بيد رب الدين أمانة أو مضمونة، ولو كانت غصبًا، صح الرهن، ولزم بمجرد عقده كهبة؛ لأن استمرار القبض قبض، وإنما تغير الحكم، ويمكن تغيره مع استدامة القبض كوديعة جحدها مودع فصارت مضمونة، ثم أقر بها فعادت أمانة بإبقاء ربها لها عنده، وصار أمانة لا يضمنه مرتهن بتلفه بلا تعد ولا تفريط، وللإذن له في إمساكه رهنًا، ولم يتجدد منه فيه عدوان، ولزوال مقتضى الضمان، وحدوث سبب يخالفه، واستدامة قبل رهن من مرتهن أو من اتفقا عليه، شرط لبقاء لزوم عقده. للآية الكريمة، ولحديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد» متفق عليه. فيزيل اللزوم أخذ راهن رهنًا، أو أخذ وكيله بإذن مرتهن له في أخذه ولو أخذه إجارة أو إعارة أو نيابة للمرتهن في حفظ الرهن كاستيداع؛ لأن استدامة القبض شرط للزوم وقد زالت، فينتفي المشروط بانتفاء شرطه، بخلاف ما لو أزيلت يد المرتهن بغير حق،
стр. 1258
كما لو غصب الرهن أو أبقى، أو شرد أو سرق، فلزومه باق؛ لأن يده ثابتة حكمًا، فكأنها لم تزل.
وقال في «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة»: واستدامة الرهن عند المرتهن ليست شرطًا عند الشافعي، وهي شرط عند أبي حنيفة ومالك، فمتى خرج الرهن من يد المرتهن على أي وجه كان بطل الرهن، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن عاد إلى الراهن بوديعة أو عارية لم يبطل، وعن أحمد: أن استدامته في المتعين ليست بشرط، واختاره في «الفائق» ويزيل لزومه تخمر عصير رهن، لمنعه من صحة العقد عليه، فأولى أن يخرجه عن اللزوم، وتجب إراقته، ويعود لزوم رهن أخذه راهن بإذن مرتهن برده إلى مرتهن، أو من اتفقا عليه بحكم العقد السابق؛ لأنه يعود ملكًا بحكم الأول، فيعود به حكم الراهن، وإن استحال خمرًا قبل قبضه بطل رهنه، ولم يعد بعوده، لضعفه بعدم لزومه، كإسلام أحد الزوجين قبل الدخول.
стр. 1259
إذا أجر الرهن راهن لشخص أو إعارة
س ٧٨: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أجر الرهن راهن لشخص، أو أعاره أو وهبه أو باعه، أو شرط في مؤجل رهن ثمنه مكانه، أو شرط تعجيل الدين المؤجل، أو رجع مرتهن فيما أذن فيه لراهن، أو اختلفا في إذن، أو أعتق الرهن ران، أو أقر بالعتق، أو أحبل الأمة، أو ضرب الرهن فتلف، فما الحكم؟ وإذا اختلفا في إذن، فمن القول قوله؟ ومتى تعتبر قيمة التالف؟ واذكر الدليل والتعليل، والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: إذا أجر الرهن راهن لشخص، أو أعاره راهن لمرتهن، أو لغيره بإذن المرتهن، فلزوم الرهن باق؛ لأنه تصرف لا يمنع البيع، فلم يفسد القبض، وإن وهب راهن الرهن أو وقفه أو رهنه أو جعله عوضًا في صداق ونحوه بإذن مرتهن، صح تصرفه؛ لأن منعه من تصرفه فيه لتعلق حق المرتهن فيه، وقد أسقطه بإذنه، وبطل الرهن؛ لأن هذا التصرف يمنع الرهن ابتداءً، فامتنع دوامًا، وإن باع راهن الرهن بإذن المرتهن، والدين حالُّ، صح البيع للإذن فيه، وأخذ الدين من ثمنه؛ لأنه دلالة له في الإذن في البيع على الرضا بإسقاط حقه من الرهن، ولا مقتضى لتأخير وفاته، فوجب دفع الدين من ثمنه، وإن شرط في إذن في بيع رهن بدين مؤجل رهن ثمنه مكانه، وجب الوفاء بالشرط، فإذا بيع كان ثمنه رهنًا مكانه
стр. 1260
لرضاهما بإبدال الرهن بغيره، وإلا يشترط كون ثمنه رهنًا مكانه والدين مؤجل، بطل الرهن، كما لو أذن له في هبته. وإن شرط تعجيل مؤجل من ثمنه؛ صح البيع، وشرط تعجيل الدين المؤجل لاغٍ؛ لأن التأجيل أخذ قسطًا من الثمن، فإذا أسقط بعض مدة الأجل في مقابلة الإذن، فقد أذن بعوض، وهو المقابل لباقي مدة الأجل من الثمن، ولا يجوز أخذ العوض عنه، فيلغو الشرط، ويكون ثمنه رهنًا مكانه. وإن اختلفا في إذن، فقول مرتهن بيمينه؛ لأنه منكر، وإن اتفقا عليه، واختلفا في شرط رهن ثمنه مكانه ونحوه، فقول راهن؛ لأن الأصل عدم الشرط.
وللمرتهن الرجوع فيما أذن فيه لراهن من التصرفات قبل وقوعه، لعدم لزومه كعزل الوكيل قبل فعله؛ فإن رجع بعد تصرفه، وقال راهن بعده، فقيل: يقبل قول مرتهن، اختاره القاضي، واقتصر عليه في «المغني»، وقيل: قول راهن، قال في «الإنصاف»: وهو الصواب، وجزم بمعناه في «الإقناع».
وينفذ عتق الراهن لرهن مقبوض، ولو بلا إذْنِ مُرتهن، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، نصًا، وهو قول أبي حنيفة. ويسعى العبد المرهون في قيمته للمرتهن، وأرجح الأقوال عند الشافعي أنه ينفذ من الموسر، ويلزمه قيمته يوم عتقه ثمنًا، وإن كان معسرًا لم ينفذ،
стр. 1261
وهذا هو المشهور عن مالك. وقال مالك أيضًا: إن طرأ له مال، أو قضى المرتهن ما عليه، نفذ العتق. وعن أحمد: لا ينفذ عتق الراهن للمرهون مطلقًا، موسرًا كان أو معسرًا، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم. قالوا: لأنه تعلق به حق المرتهن تعليقًا منع صاحبه التصرف فيه قبل انفكاكه؛ ولأن تجويز عتقه قد يفضي إلى مفسدة؛ لأنه لا تحصل الثقة التامة والتوثقة برهن المماليك؛ لأنه قد يعتقه، فيكون معسرًا أو مماطلاً، فتضيع التوثقة، ويضيع حقه؛ ولأن العتق قربة إلى الله كالوقف، فكما لا ينفذ وقف المرهون، فلا ينفذ عتقه.
ويحرم عتق راهن لرهن بلا إذن مرتهن؛ لإبطاله حقه من عين الرهن، ويعايا بها، فيقال: مالك رقة كلها يحرم عليه عتقها؛ فإن نجز العتق راهن بلا إذن مرتهن، أو أقر راهن بعتقه قبل رهن، فكذبه مرتهن، أو أحبل راهن الأمة المرهونة بلا إذن مرتهن في وطء، وبلا اشتراطه في رهن، أو ضرب الرهن راهن بلا إذن المرتهن، فتلف به رهن، فعلى راهن مُوْسِرٍ ومُعسْرٍ أيسر قيمة الرهن الفائت على المرتهن بشيء مما سبق تكون رهنًا مكانه، كبدل أضحية ونحوها، لإبطاله حق مرتهن من الوثيقة، ويصدق مرتهن بيمينه، ويصدق وارثه يمينه في عدم الإذن إن اختلفا في إذن؛ لأنه
стр. 1262
الأصل، وتُعْتَبَرُ قِيْمَةُ رهنٍ حَالَ إعتاقِهِ، أوْ إقْرارٍ بِهِ، أوْ إحبال، أو ضرب، وكذا لو جرحه فمات، اعتبرت قيمته حال جرح، وإن كان الدينُ حالاً، أو حَلَّ طُوْلِبَ به خاصة لبراء ذمته به من الحقين معًا؛ فإن كان ما سبق بإذن مرتهن، بطل الرهن ولا عوض له حتى في الإذن في الوطء؛ لأنه يفضي إلى الإحبال، ولا يقف على اختياره، فإذن في سببه إذن فيه.
إذا وطئ راهن مرهونة وغرس الأرض المرهونة
س ٧٩: تكلم بوضوح عما يلي: إذا ادعى راهن أن الولد منه. إذا وطئ راهن مرهونة ولم تحبل. هل للراهن غرس الأرض المرهونة، والانتفاع بها، ووطء المرهونة، وسقي الشجر، والتلقيح وإنزاء الفحل على المرهونة، والمداواة والفصد والختان، وقطع السلعة، والانتفاع بالرهن باستخدام أو نحوه، ولمن نماؤه؟ ووضح حكم الأرش أين يكون؟ وإذا أسقط مرتهن عن جان أرشًا، أو أبرأه منه، فما الحكم؟ وعلى من مؤونة الرهن؟ وإذا تعذر إنفاق عليه فما الحكم؟
ج: إن ادعى راهن بعد ولادة مرهونة، والراهن ابن عشر فأكثر أن الولد منه، وأمكن كونه منه، بأن ولدته لستة أشهر فأكثر منذ وطئها، وأقر مرتهن بوطء الراهن لها، وأقر مرتهن بإذنه لراهن
стр. 1263
في وطء، وأقر بأن المرهونة ولدت؛ قُبل قوله بلا يمين؛ لأنه ملحق به شرعًا لا بدعواه، وإلا يمكن كونه من راهن، بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطئه، وعاش أو أنكر مرتهن الإذن، أو قال: أذنت ولم يطأ، أو أذنت ووطئ، لكنه ليس ولدها بل استعارته، فلا يقبل قول راهن في بطلان رهن الأمة، وعدم لزوم وضع قيمتها مكانها؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه، وبقاء التوثقة حتى تقوم البينة بخلافه، وإن أنكر مرتهن الإذن، وأقر بما سواه، خرجت الأمة من الرهن، وعلى الراهن قيمتها مكانها، وإن وطئ راهن مرهونة بغير إذن مرتهن، ولم تحبل، فعليه أرش بكارة فقط، يجعل رهنًا معها كجناية عليها، وإن أقر راهن بوطء حال عقد، أو قبل لزومه، لم يمنع صحته؛ لأن الأصل عدم الحمل؛ فإن بانت حاملاً منه بما تصير به أم ولد، بطل الرهن، ولا خيار لمرتهن ولو مشروطًا في بيع لدخول بائع عالمًا بأنها قد لا تكون رهنًا، وبعد لزومه وهي حامل، أو ولدت، لا يقبل على مرتهن أنكر الوطء، ويأتي.
ولراهن غَرسُ أرْضٍ رَهْنٌ على دين مؤجل؛ لأن تعطيل منفعتها إلى حلول الدين تضييع للمال، وقد نهي عن إضاعة المال، بخلاف الدين الحال؛ لأنه يجبر على فك الرهن بالوفاء أو بيعه، فلا يعطل نفعها، ويكون الغرس رهنًا معها؛ لأنه من نمائها، سواء نبت
стр. 1264
بنفسه أو بفعل الراهن، ولراهن انتفاع برهن مطلقًا بإذن مرتهن. وله وطء مرهونة بشرط وطئها، أو إذن مرتهن فيه؛ لأن المنع لحقه، وقد أسقطه بإذنه فيه أو الرضا به؛ فإن لم يكن إذن ولا شرط، حرم ذلك.
ولراهن سَقْيُ شجر، وتلقيح نخل، وإنزاء فحل على مرهونة، ومداواة وفصد ونحوه، كتعليم فن صناعة، ودابة سَيْرًا؛ لأنه مصلحة لرهن، وزيادة في حق مرتهن بلا ضرر عليه، فلا يملك المنع منه؛ إن كان فحلاً، فليس لراهنٍ إطراقه بلا إذن؛ لأنه انتفاع به، إلا إذا تضرر بترك الإطراق، فيجوز؛ لأنه كالمداواة له، والرهن مع ذلك بحاله؛ لأنه لم يطرأ عليه مفسد ولا مزيل للزومه، ولا يجوز لراهن ختان مرهون غير ما على دين مؤجل يبرأ جرحه قبل أجل الدين؛ لأنه يزيد به ثمن، ولا يجوز لراهن قطع سلعة خطرة من مرهون؛ لأنه يخشى عليه من قطعها، بخلاف أكلة؛ فإنه يخاف عليه من تركها؛ إن لم تكن السلعة خطرة فله قطعها.
وليس لراهن أن ينتفع بالرهن بلا إذن مرتهن باستخدام ووطء أو سكنى أو غيرها، وتكون منافعه معطلة إن لم يتفقا على نحو إجارته حتى ينفك الرهن، ونماء الرهن المتصل كسمن وتعلم صنعة، والمنفصل ولو صوفًا ولبنًا وَورَق شجرٍ مَقْصُوْدٍ رَهْنٌ؛ لحديث
стр. 1265
أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» رواه الشافعي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني، وكَسْبُ الرَّهْنِ رَهْنٌ؛ لأنه حكم يثبت في العين بعقد المالك، فيدخل فيه النماء والمنافع، كالملك بالبيع وغيره؛ ولأن النماء حادث من عين الرهن، فيدخل فيه كالمتصل، ولأنه حق مستقر في الأم، ثبت برضا المالك، فسرى إليه حكم الرهن كالتَّدبير والاستيلاد، وهو من المفردات، قال ناظمها:
وكسب مرهون فكإنماء … يدخل في الرهن بلا امتراء
وقال الشافعي: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفص، ولا من الكسب؛ لأنه حق تعلق بالأصل يستوفى من ثمنه، فلا يسري إلى غيره كحق جنايته، وقال أبو حنيفة: يتبع النماء لا الكسب؛ لأن الكسب لا يتبع في حكم الكتابة والاستيلاد والتدبير، فلا يتبع في الرهن كإعتاق مال الراهن، وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء؛ لأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة، كولد أم الولد، ومهر الرهن إن كان أمة حيث وجب رهن؛ لأنه تابع له، وأرش الجناية على الرهن رهن؛ لأنه بدل جزئه، فكان نه كقيمته لو أتلف، وإن أسقط مرتهن عن جان على رهن أرشًا، لزمه أو أبرأه منه سقط حق
المرتهن من الأرش، بمعنى أنه لا يكون رهنًا مع أصله دون
следующие страницы →