Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
استنقاذها، خير الأجنبي بين فسخ الصلح؛ لأنه لم يسلم له المعقود عليه فكان له الرجوع إلى بدله، وبين إمضاء الصلح؛ لأن الحق له كخيار العيب. وإن قال الأجنبي للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن العين، وهو مقر لك بها، وإنما يجحدك في الظاهر، فظاهر كلام الخرقي لا يصح الصلح. وقال القاضي: يصح، ثم إن صدقه المدعى عليه ملك العين، ورجع الأجنبي بما أدى عنه إن أذن في دفعه، وإن أنكر مدعى عليه الإذن فيه، أي: الدفع، فقوله بيمينه، وحكمه كمن أدى عن غيره دينًا بلا إذنه، وإن أنكر مدعى عليه الوكالة، فقوله مع يمينه، ولا رجوع للأجنبي، ولا يحكم له بملكها، ثم إن كان الأجنبي قد وكل في الشراء، فقد ملكها المدعى عليه باطنًا، وإلا فلا؛ لأن الشراء له بغير إذنه، وإن قال الأجنبي للمدعي: قد عرف المدعى عليه صحة دعواك، ويسألك الصلح عنه ووكلني فيه، فصالحه، صح، وكان الحكم كما ذكرنا؛ لأنه هنا لم يمتنع من أدائه. قاله في «المغني» ملخصًا. اهـ. «منتهى وشرحه».
стр. 1367
من النظم فيما يتعلق في الصلح على إنكار
ومن يدعي شيئًا عليه فأنكر أو … أرمَّ فبالمعلوم إن صالح اشهد
بصحته من مدع وهو بائع … فما جاز حكم البيع فيه ليطرد
وذاك هو الإبراء في حق منكر … فلا شفعة فيه ولا رد مفسد
ولا صلح في حق العليم بمينه … وما ناله سحت بغير تردد
وعن منكر إن صالح الغير طد فان … أذن فنوى بالمال عودًا ليردد
وقيل بلا إذن عن الدين جائز … وفي العين إن لم يدع الإذن يفسد
وفي مدعي التوكيل وجهان ثم إن … يصدقه يملكها وإلا فلا اشهد
وإن كان في التكذيب والصدق كاذبًا … ففي ملكها اعكس حكم كل بل ابتد
ولا يرجع الناوي على غير آذن … وقيل بلى عن ثابت بمبعدِ
وإن هو لم يثبت يكن مثل مدع … فيحلفه إن كان صدقه قد
وإن رام ملك المدعي فقد اشترى … ديونًا ومغصوبًا وفي البيع فاقصد
فإن كذب الدعوى فذا الصلح باطل … شرى غير مال واتقى ظلم معتدي
стр. 1368
كذا إن صدقا الدعوى بدين بأوطد … وبالعين عن ذي العجز عن قهر جحد
وإن ظن إمكان التخلص صححن … في الأقوى ويمضي إن عجز أو ليردد
وإن ظن عجزًا فاستبان مواتيًا … فوجهين في تصحيح ذا الصلح أسند
وعن كل ما جاز التعاوض عنه طد … وإن لم يجز فيه ابتياع لعقد
الصلح على ما ليس بمال
وما يصح الصلح عنه وما لا يصح
س ١٠٣: تكلم بوضوح عن الصلح على ما ليس بمال مبينًا ما يصح الصلح عنه وما لا يصح عنه، ومن الذي لا تصح مصالحته؟ وإذا صالح عن دار فبان العوض مستحقه، أو عن قود بقيمة عوض، فبأي شيء يرجع؟ وما هي الأشياء التي تسقط بالصلح؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: يصح صلح مع إقرار ومع إنكار عن قود في نفس ودونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في عوض أو معوض، قال في «المجرد»: وإن لم يجز بيع ذلك؛ لأنه لقطع الخصومة، فيصح عن قود بفوق دية ولو باع ديات، أو قيل: الواجب أحد شيئين؛ لما
روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له
стр. 1369
القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها؛ ولأن المال غير متعين، فلم يقع العوض في مقابلته، ويصح الصلح عما تقدم بما ثبت مهرًا في نكاح من نقد أو عوض، قليل أو كثير، حال ومؤجلٍ؛ لأنه يصح إسقاطه، ولا يصح صلح بعوض عن خيار في بيع أو إجارة أو عن شفعة أو عن حد قذف؛ لأنها لم تشرع لاستفادة مال، بل الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة لإزالة ضرر الشركة، وحد القذف للزجر عن الوقوع في أعراض الناس، وتسقط جميعها: الخيار، والشفعة، وحد القذف بالصلح؛ لأنه رضي بتركها، ولا يصح أن يصالح سارقًا أو شاربًا ليطلقه ولا يرفعه للسلطان؛ لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته، ولا يصح أن يصالح شاهدًا ليكتم شهادته، لتحريم كتمانها إن صالحه على أن لا يشهد عليه بحق لله ولآدمي، وكذا على أن لا يشهد عليه بالزور؛ لأنه لا يقابل بعوض. ومن صالح آخر عن دار ونحوها، ككتاب وحيوان بعوض، فبان العوض مستحقًا لغير المصالح، أو بان القن حرًا رجع بالدار ونحوها المصالح عنها إن بقيت، وببدلها إن تلفت، إن كان الصلح مع إقرار المدعى عليه؛
لأنه بيع حقيقة، وقد تبين فساده لفساد عوضه، فرجع فيما كان له، ورجع بدعواه قبل الصلح، وفي «الرعاية»: أو قيمة المستحق المصالح به مع إنكار، لتبين فساد الصلح بخروج المصالح
стр. 1370
به غير مال، أشبه ما لو صالح بعصير، فبان خمرًا، فيعود الأمر إلى ما كان عليه قبله. ووجه ما في «الرعاية» أن المدعي رضي بالعوض وانقطعت الخصومة، ولم يسلم له، فكان له قيمته، ورد بأن الصلح لا أثر له، لتبين فساده، ورجع المصالح عن قود من نفس أو دونها بعوض، وبان مستحقًا بقيمة عوض مصالح به، لتعذر تسليم ما جعل عوضًا عنه، وكذا لو صالح عنه بقن فخرج حرًا، وإن علم المتصالحان أن العوض مستحقًا أو حرًا حال الصلح، فبالدية يرجع ولي الجناية، لحصول الرضى على ترك القصاص، فيسقط إلى الدية، وكذا لو كان مجهولاً كدار وشجرة، فتبطل التسمية وتجب الدية، وإن صالح على عبد أو بعير ونحوه مطلق، صح، وله الوسط.
إجراء ماء في أرض غيره وما يترتب على ذلك
س ١٠٤: تكلم بوضوح عن كل ما يلي: إجراء ماء في أرض غيره، صلحه على ذلك، وما الذي يترتب على ذلك؟ والذي يعتبر لصحته والذي لا يعتبر؟ الصلح على ساقية محفورة. الصلح على إجراء ماء مطر على سطح أو أرض، وهل الأرض الموقوفة كالمؤجرة؟ وإذا صالحه على سقي أرضه من نهر ه أو عينه، أو اشترى ممرًا في دار أو موضعًا في حائط ليفتح بابًا أو نحوه، فما الحكم؟ وهل له إعادة ما ذكر؟ وما حكم الصلح على عدم إعادته، أو على زواله، أو على فعله صلحًا أبدًا أو إجارة؟ واذكر الدليل والتعليل.
стр. 1371
ج: يحرم أن يجري شخص في أرض غيره، أو في سطح غيره ماءً، ولو تضرر بتركه بلا إذن رب الأرض أو السطح، لتضرره أو تضرر أرضه، وكزرعها، ويصح صلحه على إجراء مائه في أرض غيره أو سطحه بعوض؛ لأنه إما بيع وإما إجارة، وإن صالحه على إجراء مائه في أرضه أو سطحه مع بقاء ملك رب المحل الذي يجري فيه، بأن تصالحا على إجرائه في ملكه، فهو إجارة؛ لأن المعقود عليه المنفعة، وإن لم يتصالحا على إجرائه فيه مع بقاء ملكه، فهو بيع؛ لأن العوض في مقابلة المحل، ويعتبر لصحة ذلك إذا وقع إجارة علم قدر الماء الذي يجريه لاختلاف ضرره بكثرته وقلته بساقية الماء الذي يخرج فيها إلى المحل الذي يجري فيه؛ لأنه لا يجري فيها أكثر من مائها. ويعتبر علم قدر ماء مطر برؤية المحل الذي يزول عنه الماء من سطح أو أرض أو بمساحته، أي: ذكر قدر طوله وعرضه، ليعلم مبلغه وتقدير ما يجري فيه الماء من ذلك المحل، ولا يعتبر علم قدر عمقه؛ لأنه إذا ملك عين الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم، فله النزول فيه ما شاء. وفي «الإقناع»: وإن كان إجارة اشترط ذلك العمق، ولا يعتبر علم قدر مدة الإجراء للحاجة، إذ العقد على المنفعة في موضع الحاجة إجارة كنكاح وفي «القواعد»: ليس بإجارة محضة،
بل شبيه بالبيع. وفي «الإقناع»: يشترط فيه تقدير المدة، ولمستأجر
стр. 1372
ومستعير الصلح على ساقية محفورة في أرض استأجرها أو استعارها، ليجري الغير ماءها فيها، لدلالتها على رسم قديم. وقال في «شرح الإقناع»: هذا ما جزم به في «الإنصاف» وغيره، وفيه نظر؛ لأن المستعير لا يملك المنفعة، فكيف يصالح عليها! ولهذا لا يجوز أن يؤجر أو يعير، وعلى تسليم الصحة ينبغي أن يكون العوض المصالح به عن ذلك لمالك الأرض، كما يأتي فيما لو أجرها بإذن معير.
ولا يجوز لمستأجر ومستعير الصلح على إجراء ماء معطر على سطح أو على أرض؛ لأن السطح يتضرر بذلك، ولم يؤذن له فيه، والأرض يجعل لغير صاحبها رسمًا، فربما ادعى رب الماء الملك على صاحب الأرض، وأرض موقوفة كمؤخرة في الصلح عن ذلك، فيجوز على ساقية محفورة لا على إحداث ساقية، أو إجراء ماء مطر عليها. وفي «المغني»: الأولى أنه يجوز له، أي: الموقوف عليه حفر الساقية؛ لأن الأرض له، وله التصرف فيها كيف شاء ما لم ينتقل الملك فيها إلى غيره، بخلاف المستأجر. قال في «الفروع»: فدل أن الباب والخوخة والكوة ونحو ذلك لا يجوز في مؤجرة، وفي موقوفة الخلاف، أو يجوز قولاً واحدًا، وهو أولى؛ لأن تعليل الشيخ لو لم يكن مسلمًا لم يفد، وظاهره لا يعتبر المصلحة وإذن الحاكم، بل
عدم الضرر، وأن إذنه يعتبر لدفع الخلاف، ويأتي كلام ابن عقيل في
стр. 1373
الوقف، وفيه إذنه فيه لمصلحة المأذون الممتازة بأمر شرعي، فلمصلحة الموقوف أو الموقوف عليه أولى، وهو معنى نصه في تجديده المصلحة، وذكره شيخُنا عن أكثر العلماء في تغيير صفاته لمصلحة كالحكورة، وعليه حكام أصحابنا بالشام حتى صاحب «الشرح» في الجامع المظفري، وقد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي ﷺ ، وغَيَّروا بناءه ثم عمر بن عبد العزيز، وزاد فيه أبوابًا، ثم المهدي، ثم المأمون. ولو صالحه على أن يسقي أرضه من نهره، أو من عينه، أو بئره مدة ولو كانت معينة، لم يصح الصلح بعوض؛ لعدم ملك الماء. وقال في «الإنصاف»: وقيل: يجوز، وهو احتمال في «المغني» و «الشرح» ومال إليه، قلت: وهو الصواب، وعمل الناس عليه قديمًا وحديثًا.
ويصح شراء مَمَرٍّ في دار ونحوها من مالكه، وشراء موضع بحائط يفتح بابًا، وشراء بقعة تحفر بئرًا؛ لأنها منفعة مباحة؛ فجاز بيعها كالأعيان، ويصح شراء علو بيت، ولو لم يبن البيت إذا وصف البيت، ليعلم ليبني عليه، أو ليضع عليه بنيانًا، أو يضع عليه خشبًا موصوفين، ومع زوال ما على العلو من بنيان أو خشب لرب البنيان أو الخشب الرجوع على رب سُفْلٍ بأجرة مدة زواله عنه، وقيده في «المغني» بما إذا كان في مدة الإجارة، وكان السقوط لا يعود، فمفهومه أنه لا
رجوع في مسألة البيع، والصلح على التأبيد، ولا فيما
стр. 1374
إذا كان السقوط عوده، وله إعادته مطلقًا، سواء زال لسقوطه أو سقوط ما تحته، أو لهدمه له أو غيره؛ لأنه استحق إبقاءه بعوض، وله الصلح على عدم الإعادة؛ لأنه إذا جاز بيعه منه جاز صلحه عنه، كما له الصلح على زواله، أي: رفع ما على العلو من بنيان أو خشب، سواء صالحه عنه بمثل العوض المصالح به على وضع أو أقل أو أكثر؛ لأنه عوض عن المنفعة المستحقة له، فصح بما اتفقا عليه، وكذا لو كان له مسيل ماءٍ من غيره، أو ميزاب ونحوه، فصالح رب الأرض مستحقه ليزيله عنه بعوض، جاز، وله فعل ما تقدم من الممر، وفتح الباب في الحائط، وحفر البقعة في الأرض بئرًا، ووضع البناء والخشب على علو غيره صلحًا أبدًا؛ لأنه يجوز بيعه وإجارته، فجاز الاعتياض عنه بالصلح، وله فعله إجارة مدة معينة؛ لأنه نفع مباح مقصود، وإذا مَضَتْ بُقِّيَ، ولمالك العلو أجرة المثل، ولا يطالب بإزالة بنائه وخشبه؛ لأنه العرف فيه؛ لأنه يعلم أنها لا تستأجر لذلك إلا للتبايع، ومع التساكت له أجرة المثل.
стр. 1375
من النظم
فيما يصح الصلح عنه
بِمَا صَحَ صلحًا عن دِمِ العمد صالحِنْ … في الأقوى ولَو فَوقَ الدِيَّات بأوطدِ
وخذ دية أو أرش جُرْحٍ لجهله … وقيمته حرًا وغصبًا بها جُدِ
وإن كان عن دار وعبد فخذهما … فصلحك ذا بيع بدا ذا تفسد
ولا تمضه عن حد قذف وشفعة … وأسقطهما في الصلح في المتجود
وإن تصطلح مع سارق لخلاصه … وعن شاهد إن يكتم الحق تعتدي
وصلح على إجراء ماءٍ بأرضه … ويمشي ووضع الخشب مع علمه امهد
وإن كان إيجارًا ليذكر قيده … سوى ماء قطر من سطوح محدد
ولابد من تحديد ساقية فإن … يكن في كرًا جوزه في متحدد
بمقدار وقت في إجازته فقط … وفي الوقف في الأقوى أجز في مجدد
وإن لم يضر الأرض أجر ضرورة … بغير رضاه في قويْلٍ مُبَعَّدِ
وصلحك كي تسقي نهارًا بمائه … بوجه أجز كالبيع ثلث المخدد
وإن تشتري أرضًا لتحفر مصنعًا … وعلوًا لتبني فيه مع علمه طد
стр. 1376
وبشرط تبيان المحل وآلة البناء … ومقدار البناء المشيد
وإن تشتري علو المهدي متى بنى … بنَيْت في الأقوى طد وكلاً فقيد
فصل في حكم الجوار
س ١٠٥: لِمَ وضع هذا الفصل؟ ومن هو الجار؟ وما هي الوصاية نحوه؟ وإذا حصل في هواء الإنسان، أو على جداره، أو في أرضه غصن شجرة غيره، فما حكم ذلك؟ وما الذي يترتب عليه من التقادير والأحكام؟ وإذا صالح رب غصن أو عرف عن ذلك بعوض، أو صالح من مال حائطه، أو زلق خشبه إلى ملك غيره عن ذلك بعوض فما الحكم؟ وإذا اتفق رب الغصن والهوى على أن الثمرة له أو بينهما، فما حكم ذلك؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: هذا الفصل عقد لبيان أحكام الجوار، ما يجب، وما يجوز، وما يحرم، والجوار، بكسر الجيم: مصدر جاور، وأصله الملازمة، ومنه قيل للمعتكف: مجاور، ولملازمة الجار جاره في المسكن. وقد وردت أحاديث في حسن الجوار والحث على ذلك، فمن ذلك ما ورد عن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله
ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» متفق
стр. 1377
عليه. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرر خشبه في جداره» الحديث متفق عليه. وإذا حصل في هواء الإنسان أو على جداره، أو في أرضه التي يملكها أو بعضها، أو يملك نفعها أو بعضه غصنُ شجرة غيره أو عرقه، لزم رب الغصن والعرق إزالته برده إلى ناحية أخرى أو قطعه، سواء أثر ضررًا أو لا، ليخلي ملكه الواجب إخلاؤه، والهواء تابع للقرار، وضمن رب الغصن أو العرق ما تلف به بعد الطلب بإزالته، لصيرورته متعديًا بإبقائه وبناه في «المغني» على مسألة ما إذا مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئًا، فعليه لا ضمان عليه مطلقًا، كما صححه في «الإنصاف»؛ لأنه ليس من فعله، فإن أبى رب غصن أو عرق إزالته، فلرب الهواء أو الأرض قطع الغصن أو العرق إن لم يزل إلا به، بلا حاكم ولا غرم؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه بلا رضاه، ولا يجبر ربه على إزالته؛ لأنه ليس من فعله، وإن أمكن رب الهواء إزالة الأغصان بلا إتلاف لها ولا قطع، من غير مشقة ولا غرامة، مثل أن يلويها ونحوه؛ لم يجز له إتلافها، كالبهيمة الصائلة إذا اندفعت بدون القتل؛ فإن أتلفها في هذه الحالة، غرمها لتعديه به. وإن اتفق رب الغصن والهواء على أن
الثمرة لصاحب الهواء أو بينهما، جاز الصلح؛ لأنه
стр. 1378
أصلح من القطع، ولم يلزم الصلح، فلكل منهما إبطاله متى شاء؛ لأنه مجرد إباحة من كل منهما لصاحبه، وصحة الصلح هنا مع جهالة العوض وهو الثمرة خلاف القياس، لخبر مكحول يرفعه: «أيما شجرة ظللت على قوم، فهم بالخيار بين قطع ما ظلل، أو أكل ثمرها»، وفي «المبهج» في الأطعمة ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين. ومعناه أيضًا لابن القيم في «إعلام الموقعين» لأن إبقاءه إذن عرفًا في تناول ما سقط. وإن امتد من عروق شجرة إلى أرض جاره، فأثرت العروق ضررًا، كتأثير الممتد في المصانع وطي الآبار، وأساس الحيطان، أو كتأثيره في منع الأرض التي امتدت إليها العروق من نبات شجر، أو نبات زرع لصاحب الأرض، أو لم يؤثر الممتد شيئًا من ذلك، فالحكم في إزالته، وفي الصلح عنه كالحكم في الأغصان على ما تقدم من التفصيل والخلاف، إلا أن العروق لا ثمرة لها بخلاف الأغصان.
وصلح من مال حائطه إلى ملك غيره أو من زلق خشبه إلى ملك غيره، كصلح رب غصن مع رب الهواء، فلا يصح على ما تقدم.
стр. 1379
فصل
في إخراج دكان ودكة بنافذ وغير ذلك
س ١٠٦: تكلم بوضوح عما يلي: إخراج دكان ودكة بنافذ ما تلف بذلك. إخراج جناح أو ساباط أو ميزاب، إخراج دكان ودكة وجناح وساباط وميزاب في ملك غيره، أو هوائه، وفي درب غير نافذ، أو فتح باب فيه لاستطراق أو لغيره. الصلح عن إخراج دكان بملك غيره وجناح وساباط وميزاب بهواء غيره. نقل باب في درب غير نافذ. من له باب سر في درب غير نافذ، فأراد أن يستطرق منه استطراقًا عامًا. واذكر ما يتعلق حول ذلك من المسائل. وما لديك من دليل أو تعليل أو أمثلة أو تفصيل أو خلاف.
ج: يحرم إخراج دكان، أو إخراج دكة بطريق نافذ. والدكة بالفتح، والدكان بالضم: بناء يسطح أعلاه للمقعد، وفي موضع آخر: الدكان كرمان: الحانوت، وفي «الإقناع» الدكان هو الدكة المبنية للجلوس عليها، فيضمن مخرج دكان أو دكة ما تلف به لتعديه، وكذا جناح، وهو: الروشن على أطراف خشب وساباط ويمزاب، فيحرم إخراجها بنافذ إلا بإذن الإمام أو نائبه بلا ضرر، بأن يمكن عبور محمل من تحته، وإلا لم يجز وضعه ولا إذنه فيه، وفي «المغني» و «الشرح» احتمال بالجواز مع انتفاء الضرر، حكي رواية عن الإمام أحمد، ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ في «شرح العمدة»، قلت:
стр. 1380
وعليه العمل في كل عصر ومصر. قال في «القواعد الفقهية»: اختاره طائفة من المتأخرين، قال الشيخ تقي الدين ﵀: إخراج الميازب إلى الدرب هو السنة، واختاره. اهـ. «إنصاف». فإن كان الطريق منخفضًا وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر وجبت إزالته، ذكره الشيخ تقي الدين.
والساباط: هو المستوفي للطريق على جدارين، قال الجوهري: الساباط سقيفة بين حائطين تحتهما طريق، والجمع سوابيط وساباطات. وأما جواز إخراجها إذا لم يكن ضرر بإذن الإمام أو نائبه؛ فلأنه نائب المسلمين، فإذنه كإذنهم؛ ولحديث أحمد: أن عمر اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزابًا إلى الطريق فقلعه، فقال: تقلعه وقد نَصَبَهُ رسولُ الله ﷺ بيده؟! فقال: والله لا تنصبه إلا على ظهري، فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه؛ ولجريان العادة به. وقال الشيخ تقي الدين: ومن كانت له ساحة يلقي فيها التراب والحيوان والميت، وتضرر الجيران بذلك؛ فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران إما بعمارتها أو بإعطائها من يعمرها، أو بأن يمنع أن يلقي فيها ما يضر بالجيران. وقال ﵀: ولا يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئًا من أجزاء البناء، حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط إلا أن يدخل رب الحائط به في حده بقدر غلظ الجص. انتهى.
стр. 1381
ويحرم إخراج دكان ودكة وجناح وساباط وميزاب في ملك غيره أو هوائه، أو في درب غير نافذ، أو فتح باب في ظهر دار في الدرب غير النافذ لا استطراق إلا بإذن مالكه إن كان في ملك غيره، أو بإذن أهل الدرب غير النافذ؛ لأنه ملكهم، فلم يجز التصرف فيه بلا إذنهم، ويجوز فتح باب في ظهر دار في درب غير نافذ بلا إذن أهله لغير استطراق كضوء وهواء؛ لأن الحق لأهله في الاستطراق ولم يزاحمهم فيه؛ ولأن غايته التصرف في ملك نفسه برفع بعض حائطه، ويجوز فتح ذلك ولو لاستطراق في زقاق نافذ؛ لأنه ارتفاق بما لا يتعين له مالك، ولا إضرار فيه على المارين.
ويجوز صلح بعوض عن إخراج دكان ودكة بملك غيره، وجناح وساباط وميزاب بهواء غيره، أو عن الاستطراق في درب غير نافذ؛ لأنه حق لمالكه الخاص ولأهل الدرب، فجاز أخذ العوض عنه كسائر الحقوق، ومحله في الجناح ونحوه إن علم مقدار خروجه وعلوه. ويجوز نقل باب في درب غير نافذ من آخره إلى أوله، لتركه بعض حقه في الاستطراق، فلم يمنع منه بلا ضرر؛ فإن كان فيه ضرر منع منه، كأن فتحه في مقابلة باب غيره، وكفتحه عاليًا يصعد إليه بسلم يشرف منه على دار جاره، ولا يجوز نقل الباب الذي بالدرب غير النافذ من أوله إلى داخل إن لم يأذن من فوق الداخل عنه، لتقدمه إلى
стр. 1382
موضع لا استطراق له فيه؛ فإن أذن له من فوقه؛ فإنه يجوز، ويكون إعارة لازمة، فلا رجوع للآذن بعد فتح الداخل وسد الأول، كإذنه في نحو بناء على جداره؛ لأنه إضرار؛ فإن سد المالك بابه الداخل، ثم أراد فتحه لم يملك إلا بإذن ثان. ومن خرق بين دارين له متلاصقتين من ظهرهما، باباهما في دربين مشتركين، باب كل واحدة منهما في درب غير نافذ، واستطرق بالخرق إلى كل من الدارين من الأخرى، جاز؛ لأنه إنما استطرق من كل درب إلى داره التي فيه، فلا يمنع من الاستطراق منها إلى موضع آخر، كدار واحدة لها بابان يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
ومَن له باب سِرٍ يخْرجُ مِنْهُ النساء، أو الرجل المرة بعد المرة في درب غير نافذ، فأراد أن يستطرق منه استطراقًا عامًا، فقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن لا يجوز؛ لأن الظاهر أنه إنما استحق الاستطراق كذلك، فلا يتجاوزه.
стр. 1383
إذا أحدث بملكه ما يضر بجاره
س ١٠٧: تكلم بوضوح عما يلي ممثلاً لما لا يتضح إلا بالتمثيل: إذا أحدث بملكه ما يضر بجاره من نحو حمام أو غرس شجر، إذا تلف بسبب إحداثه في ملكه شيء. إذا ادعى فساد بئره بكنيف جاره أو بالوعته. إذا كان المضر بالجار سابقًا. من أراد تعلية بنيانه على جاره. ماذا يلزم كل منهما نحو الآخر في نحو سترة أو بناء ما بينهما. أو صعود يشرف منه على النازل. من حفر بئرًا في ملكه، فانقطع ماء بئر جاره. من ماءُ جاره له حق في جريانه على سطحه. التصرف في جدار مُشْتركٍ أو جدار جار، وضع الخشب على جدار جاره، الاستناد إلى حائط جاره، إسناد قماشه وجلوسه في ظله، النظر في ضوء سراج الغير. واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: ويحرم على المالك أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، لخبر: «لا ضرر ولا ضرار» احتج به أحمد، ومثال ما يضر بالجار كحمام يتأذى جاره بدخانه، أو ينضر حائطه بمائه، وككنيف ملاصق لحائط جاره يتأذى بريحه، أو يصل إلى بئره، وكرحى يهتز بها حيطانه، وفي وقتنا هذا مكنة الطحنة، وكتنور يتعدى دخانه إليه، ومثله في وقتنا الفرن، لما في النار من الخطر أيضًا. وعمل دكان قصارة أو حدادة يتأذى بكثرة دق، وبهز حيطان للخبر، وهذا إضرار بجاره.
стр. 1384
ويحرم غرس نحو شجرتين، كجميز تسري عروقه فتنشق مصنع جاره. ومما يضر بالجار أيضًا غرس الأثل؛ لأن عروقه تضخم وتؤثر على ما حولها من البناء، وحفر بئر ينقطع ماء بئر جاره، وسقي وإشعار نار يتعديان إلى جاره، ونحو ذلك من كل ما يؤذيه. ويضمن من أحدث بملكه ما يضر بجاره ما تلف بذلك بسبب الإحداث لتعديه به، لجاره منعه إن أحدث ذلك، كما له منعه من إحياء ما بجواره، لتعلق مصالحه به، كما له منه من دق وسقي يتعدى إليه، بخلاف طبخه وخبزه في ملكه، فلا يمنع منه لدعاء الحاجة إليه، وليسر ضرره.
وإن ادعى فساد بئره بكنيف جاره أو بالوعته، اختبر بالنفط يلقى فيها؛ فإن ظهر طعمه أو ريحه بالماء؛ نقلت إن لم يمكن إصلاحها بنحو بناء يمنع وصوله إلى البئر، ولا يمنع من ذلك المضر بالجار سابقًا بضرر لاحق، كمن له في ملكه نحو مدبغة كرحى وتنور، فأحيا إنسان آخر بجانبها مواتًا، أو بنى دارًا، أو اشترى دارًا بجانبه بحيث يتضرر صاحب الملك المحدث بما ذكر من نحو المدبغة، لم يلزم صاحب المدبغة ونحوها إزالة الضرر؛ لأنه لم يحدث بملكه ما يضر بجاره، وليس للجار منع جاره من تعلية داره، ولو أفضى إعلاؤه إلى سد الفضاء عنه، قاله الشيخ. قال في «الفروع»: وقد احتج أحمد
بالخبر: «لا ضرر ولا ضرار» فيتوجه منه منعه، وروى أبو حفص
стр. 1385
العكبري في «الأدب» عن أبي هريرة مرفوعًا: «من حق الجار على الجار أن لا يرفع البنيان على جاره ليسد عليه الريح». قال شيخنا: وليس له منعه خوفًا من نقص أجرة ملكه بلا نزاع. قال في «الفروع»: كذا قال: ويلزم الأعلى من الجارين بناء سترة تمنع مشارفة الأسفل؛ لأن الإشراف على الجار إضرار به؛ لأنه يكشفه ويطلع على حرمه، فمنع منه، وكذا لو كانت السترة قديمة فانهدمت؛ فإنه يجب إعادتها؛ فإن استويا في العلو اشتركا في بنائها، إذ ليس أحدهما أولى بالسترة من الآخر بالسترة، فلزمتهما. ويجبر ممتنع منهما على البناء مع الحاجة؛ لأنه حق عليه، لتضرر جاره بمجاورته له من غير سترة، فأجبر عليه كسائر الحقوق، وإن كان سطح أحدهما أعلى من الآخر، فليس له الصعود على سطحه على وجه يشرف على بيت جاره إلا مع السترة كما تقدم. ولا يلزم الأعلى سد طاقة إذا لم ينظر منها ما يحرم نظره من جهة جاره، إذ لا ضرر فيما على الجار حينئذ؛ فإن رأى ذلك منها لزمه سترها، ولا يمنع من صعود سطحه حيث لم ينظر حرامًا على جاره؛ فإن نظر ذلك، حرم ومنع. وإذا حفر إنسان بئرًا في ملكه، فانقطع ماء بئر جاره، وتوهم انقطاع ماء بئر جاره بسبب حفر بئره الحادثة، طمت الحادثة ليعود ماء بئر جاره؛ لأن الظاهر
أن الانقطاع بسببها؛ فإن سد الثاني بئره، ولم يعد ماء الأولى،
стр. 1386
كلف الجار، وهو صاحب البئر القديمة، حفر البئر المطموسة التي سدت من أجله؛ لأنه تسبب في سدها بغير حق. وقيل: لا يكلف سد بئره، ولو انقطع ماء جاره. وهذا القول قوي فيما أرى، والله أعلم.
ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه ليمنع الماء أن يجري على سطحه، لما فيه من إبطال حتى جاره، أو أن يعليه لكي يكثر ضرر صاحب الحق بإجرائه على ما علاه للمضاربة به، ويحرم تصرف في جدار جار أو في جدار مشترك بين المتصرف وغيره بفتح كوة، أي: الخرق في الجدار، ويقال: روزنة أو بفتح طاق، أو بضرب وتد ولو لستره، ويحرم أن يحدث عليه سترة أو خصًا يحجز به بين السطحين إلا بإذن مالكه أو شريكه، كالبناء عليه، وكذا يحرم وضع خشب على جدار جار أو مشترك، إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به، فيجوز بلا ضرر حائط، ويجبر رب الجدار أو الشريك فيه على تمكينه منه إن أبى بلا عوض؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» متفق عليه. ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضره، أشبه الاستناد إليه وهو من
المفردات، قال ناظمها:
стр. 1387
ووضع الأخشاب على الجدار … للجار إن لم يك بالأضرار
مع اضطرار منه لتسقيف … عليه إن أباه بالتعنيف
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في «الجديد»: ليس للجار وضع خشبة على جداره جاره؛ لأنه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة. والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لحديث أبي هريرة؛ فإن كان فيه ضرر، أو لم يحتج إليه، لم يجز إلا بإذن ربه، ولا فرق بين البالغ واليتيم والمجنون والعاقل، ولم يجز لرب الحائط أخذ عوض إذًا؛ لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله، ذكره في «المبدع».
وجدار مسجد كجدار دار وأولى؛ لأنه إذا جاز في ملك الجار مع أن حقه مبني على الشح والضيق، ففي حقوق الله المبنية على المسامحة والمساهلة أولى. والفرق بين فتح الباب والطاق، وبين وضع الخشب أن الخشب يمسك الحائط، والطاق والباب يضعفه، ووضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف غيره. ولرب الحائط هدفه لغرض صحيح، ومتى زال الخشب بسقوطه، أو سقوط الحائط، ثم أعيد، فله إعادته إن بقي المجوز لوضعه، وإن خيف سقوط الحائط باستمراره عليه، لزمه إزالته. وإن استغنى رب الخشب عن إبقائه عليه لم تلزمه إزالته؛ لأن فيه إضرارًا بصاحبه، ولا ضرر على ما صاحب الحائط، وليس لرب الحائط هدمه بلا
حاجة، ولا إجارته أو إعارته على وجه يمنع المستحق
стр. 1388
من وضع خشبه؛ لأنه يُسقط بذلك حقًا وَجَبَ عليه، وإن باعه صح البيع، ولم يملك المشتري منْعَه. ومَن وجد بناءهُ أو وجد خشبه على حائط جاره، أو وجد مسيل مائه في أرض غيره أو جناحه، أو ساباطه في حق غيره، أو وجد مجرى مائه في سطحه على سطح غيره، ولم يعلم سببه وزال؛ فله إعادته؛ لأن الظاهر وضعه بحق، فإن اختلفا في أنه وضع بحق أو لا، فقول صاحب البناء والخشب والمسيل ونحوه أنه وضع بحق بيمينه، عملاً بالظاهر، وللإنسان أن يَستْنِدُ إلى حائط غيره، وأن يُسْنِدَ قماشه وجلوسه في ظله بلا إذنه، لمشقة التحرز منه، وعدم الضرر فيه. ويجوز للإنسان أن ينظر في ضوء سراج غيره بلا إذنه، وفي «الغاية وشرحها»: ويتجه، ويجوز للإنسان كتبه شيئًا يسيرًا، ككلمة وسطر بقلمه من محبرة غيره بلا إذنه، لجريان العادة بذلك؛ ولأنه مما يتسامح به عادة. وقال الشيخ تقي الدين: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع ولا عقد إجارة كمسألتنا، أي: كالاستناد إلى الجدار ونحوه، ومثلها في العين نحو حبة بر.
стр. 1389
إذا طلب شريك في حائط أو سقف شريكه ببناء معه
س ١٠٨: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا طلب شريط في حائط أو سقف شريكه ببناء معه. إذا بناه بإذن شريك أو حاكم، أو بناه شريك لنفسه. إذا احتاج نهر أو دولاب، أو بئر أو ناعورة، أو قناة لعمارة، وهو مشترك إذا عجز قوم عن عمارة قناتهم أو نحوها، فأعطوها لمن يعمرها بجزء. من كان له علو بيت، فانهدم الأسفل، هل يلزم الأعلى بناؤه أو المساعدة عليه؟ من هدم بناء له فيه حصة إذا خيف سقوطه، واذكر ما لذلك من أمثلة وأدلة وتعليلات.
ج: إذا طلب شريك في حائط انْهدم، أو سقف فيما بينهما مشاعًا، أوبين سُفْلِ أحدهما وعُلو الآخر ولو وقفًا انهدم، شريكه الموسِر فيه ببناء معه، أجبر المطلوب على النباء معه، كما يجر على نقضه معه عند خوف سقوط الحائط أو السقف دفعًا لضرره؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» وكون الملك لا حرمة له في نفسه توجب الإنفاق عليه مسلم؛ لكن حرمة الشريك الذي يتضرر بترك البناء توجب ذلك؛ فإن أبى شريك البناء مع شريكه،
وأجبره عليه حاكم وأصر، أخذ حاكم ترافعًا إليه من مال الممتنع النقدَ، وأنفق بقدر حصته، أو باع الحاكم عَرَضَ الممتنع إن
стр. 1390
لم يكن له نقد، وأنفق من ثمنه مع شريكه بالحاصة، لقيامه مقام الممتنع؛ فإن تعذر ذلك على الحاكم لنحو تغيب ماله، اقترض عليه الحاكم، ليؤدي ما عليه، كنفقة نحو زوجته، وإن بناه شريك بإذن شريكه، أو بناه بإذن حاكم أو بدون إذنهما، ليرجع على شريكه حال كون ما يبنيه شركة، رجع لوجوبه على المنفق عنه، وإن بناه لنفسه بآلته، فالمبني شركة بينهما كما كان؛ لأن الباني إنما أنفق على التأليف، وهو أثر لا عين يملكها، وليس له أن يمنع شريكه من الانتفاع به قبل أخذ نفقة تأليفه، كما أنه ليس له نقضه.
وإن بنى لنفسه بغير آلة المنهدم، فالبناء للباني خاصة، وله نقضه؛ لأنه ملكه، لا إن دفع له شريكه نصف قيمته، فلا يملك نقضه؛ لأنه يجبر على البناء فأجبر على الإبقاء، وليس لغير الباني نقضه ولا إجبار الباني على نقضه؛ لأنه إذا لم يملك منعه من بناء فأولى أن لا يملك إجباره على نقضه. وإن لم يرد الانتفاع به، وطالبه الباني بالغرامة أو القيمة، لم يلزمه إلا إن أذن. وإن كان له رسم انتفاع ووضع خشب، وقال: إما أن تأخذه مني نصف
القيمة لأنتفع به أو تقلعه لنعيد البناء بيننا، لزمه إجابته؛ لأنه لا يملك إبطال رسومه وانتفاه، وكذا إن احتاج لعمارة نهر أو دولاب أو بئر أو ناعورة أو قناة مشتركة بين اثنين فأكثر، فيجبر
стр. 1391
الشريك على العمارة إن امتنع، وفي النفقة ما سبق تفصيله. وليس لأحدهم منع صاحبه من العمارة إذا أرادها كالحائط؛ فإن عمره أحدهم فالمال بينهم على الشركة، ولا يختص المعمر؛ لأن الماء ينبع من ملكهم، وإنما أثر أحدهم في نقل الطين منه، وليس فيه عين مال، والحكم في الرجوع بالنفقة كما تقدم في الحائط، وإذا كان بعض شركاء في نهر أو نحوه أقرب إلى أوله من بعض، اشترك الكل في كريه وإصلاحه حتى يصلوا إلى الأول، ثم إذا وصلوا فلا شيء على الأول، لانتهاء استحقاقه؛ لأنه لا حق له فيما وراء ذلك، ويشترون الباقون حتى يصلوا إلى الثاني، ثم لا شيء عليه لما تقدم. ويشترك من بعد الثاني حتى ينتهي إلى الثالث، ثم لا شيء عليه، وهكذا كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شيء؛ لأنه لا ملك فيما وراء موضعه.
وإن بنيا ما بينهما نصفين من حائط وغيره، والنفقة بينهما نصفين، على أن لأحدهما أكثر مما للآخر، كأن شرطا لأحدهما الثلثين مثلاً، وللآخر الثلث، لم يصح؛ لأنه صالح على بعض ملكه ببعضه، أشبه ما لو أقر له بدار فصالحه بسكناها، أو بنياه على أن كلاً منهما يحمله ما يحتاج إليه لم يصح، ولو وصف الحمل؛ لأنه لا ينضبط.
стр. 1392
وإن عجز قوم عن عمارة قناتهم أو نحوها، فأعطوها لمن يعمرها، ويكون له منها جزء معلوم، كنصف أو ربع، صح، وكذا لم يعجزوا على ما يأتي في الإجارة، كدفع رقيق لمن يربيه بجزءٍ معلومٍ منه، وغزل لمن ينسجه كذلك. ومن له علو من طبقتين، والسفلى للآخر، أوله طبقة ثانية وما تحتها لغيره، فانهدم السفل في الأولى أو الوسطى، أو هما في الثانية، لم يشارك رب العلو في النفقة على بناء ما انهدم تحته من سفل أو وسط؛ لأن الحيطان إنما تبنى لمنع النظر والوصول إلى الساكن، وهذا يختص به من تحته دون رب العلو، وأجبر على البناء مالكُ المنهدم تحت، ليتمكن رب العلو من انتفاعه به. ولو كان السفل الواحد، والعلو لآخر، وتنازعا في السقف ولا بينة، فالسقف بينهما، لانتفاع كل به لا صاحب العلو وحده، ويأتي إن شاء الله في «الدعاوى» بأوضح من هذا.
стр. 1393
من النظم
فيما يصح الصلح عنه
ومن غصنه قد مال في ملك غيره … ليرفعه أن يطلب وإلا ليبعد
برفع إذا وأتى وإلا بقطعه … ووجهان في الإجبار مع غرم مفسد
وصلح جواز في انتفا الشح بالنما … وفي العوض المعلوم أوجه فوطد
فمن لمحفوظ خلاف ابن حامد … وقيل على سال بأرضك معمد
كذا الحكم في ساري العروض لأرضه … وكالتمر ما ينبت عليه ليعدد
وحظر بلا إذن خروج بروشن … مضر وساباط ودكان معتد
وإن كان قد ملك لقوم فحكمه … إليهم وإلا للإمام المقلد
ويضمن ما أراده والصلح جائز … مع العلم في الحقين في المتجود
وإخراج ميزاب لسيل أجز بلا … أذىً غالبًا والمنع أشهر فاصدد
ولا تفتحن في ظهر دارك منفذًا … ممرًا بلا إذن بدرب مسدد
وفتحكه لا للمرور مُجَوَّز … على أشهر الوجهين والصلح جود
وفتحكه في نافذ الدر جائز … بغير خلاف في الطريق المعود
стр. 1394
والأقوى لذي الدارين أن يتلاصقا … بدربين لاستطراق من كل مفرد
ويملك نقل الباب في الدرب خارجًا … كذا العكس في وجه في نصه اصدد
وإن رام فتحًا في مقابل باب من … يجاوره يمنعه إن شاء يصدد
وإن تجد البابين في غير نافذ … لشخصين في الدرب اشتراكهما احدد
إلى أول البابين بل منتهى بنا … المقدم وللثاني جميع المزيد
وفي ثالث فالدرب بينهما معًا … لأنهما سيان في الحق واليد
ولا تحدثن في غير ملكك طاقة … وعن وضع أخشاب لضربه ذد
وجوز بإذن أو بصلح إجارة … معينة أو صلح دهر مؤبد
وفي نقض هذا الحائط احكم له إذا … بناه برد الرسم في الصلح تحمد
وصلحًا لمنع الرد أو رفعها أجز … وإن تجهلن كيفية الوضع أيد
فإن لم يضر أو له عن غنية … فلابد من إذن على المتوطد
فإن لم يكن عنه غنى لتعذر السقيف … أجز قهرًا وقيل بل اصدد
وقولان في المضطر والحال هذه … إلى وضع أخشاب بحائط مسجد
وإن خيف من ضعف البنا فليزل كذا … لينقض لخوف الهدم أو حسن مقعد
وليس لدى ذي الحق نقل لغيره … ولا صلحه أيضًا فمع ذا الغنى اصدد
стр. 1395
وأما يعده وضع ما ليس لازمًا … فيسقط فشرط الرد إذن مجدد
ومشترك الحيطان يسقط إن أبى … الشريك على الإنفاق يجبر بأوكد
وليس له منع الشريك بناؤه … وخير له إذن الأمير المقلد
وللحاكم الإنفاق من ماله إذا … رأى يسره أو باقتراض مردد
فإن يبنه الباني بآلة نقضه … على أجرة التأليف لا يتزيد
فإن يبن بالأنقاض يرجع شركة … بلا أجر تأليف وقيل ليصدد
عن النفع قبل إعطاء قسط بنائه … وإن يبنه من ماله فليفرد
وبالشركة احكم بل إذا كان محدثًا … له آلة من ماله فليفرد
به وله إن شاء نقض بنائه … وإن يبذل القسط الشريك وينقد
على تركه للنفع لم يجبرن على … الْقَبُول وعنه إن يأب يجبر ويلهد
فإن قيل لم يجبر فإن تبد حاجة … الشريك فيمنعه انتفاعًا ويصدد
فخيره إن شاء الخراب ليبنيا … جميعًا وإن شاء القبول فأرشد
وصاحب علو دون سفل إذا هوت … من السفل حيطان إن العود يقصد
ليجبر معه صاحب السفل في البنا … وفي العكس في إحدى المقالين فاطهد
فعنه على كل بنا حد مُلْكِهِ … بقولين في تشريكه والتفرد
стр. 1396
وبينهما التسقيف ظلاً ومركزًا … وفي ثالث مع أوسط حكم ما ابتدى
ومن يبن منهم حسبة فهو شركة … ووجهين في ناوي الرجوع فأسند
ولا نفع في الأدنى متى يبن من علا … بغير رضى أو غرم قسط كمبتدي
وقيل له السكنى كظل لغيره … وليس له نفع بحيطانه اصدد
ومن داره تعلو على الجار يلزمن … بنا يستر الأدنى لباغي التقصد
ويلزم أيضًا سد طاق علا ولو … تقدم ودعوى لا أرى لا تقلد
ومن يأب ألزمه البنا مع جاره … إذا استويا بالارتفاع بأجود
ولا غرم في هدي المخوف سقوطه … المضر وإن يؤمن ليضمنه معتدي
ومن يأب ترميمًا لبئر وآلة استقاء … ليجبر مع شريك بأوكد
وليس له منع الشريك صلاحه … ومن بعد في التشريك في الماء فاشهد
وليس له نفع بآلات منفق … بغير رضى أو غرم قسط المجددِ
ويمنعه من كل نفع لجاره … كحش وحمام وتنور موقد
ودكان حداد ودق قصارة … ومدبغة تؤذي بريح منكد
ومن غرس ما يمتد منه عروقه … إلى بئر ما الجار في المتوطد
وسيان مؤذي المال والنفس يا فتى … وضمنه ما أراده فعل المصدد
стр. 1397
وَقْفٌ للهِ تَعَالَى
تَأْلِيفُ
عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء الخامس
طُبِعَ عَلَى نَفَقَةِ مَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ وَالدَار الآخرةَ فجَزاهُ اللهُ عن الإسلام والمسلمينَ خيرًا وغَفَر له ولوالديه ولمن يُعيدُ طِبَاعَتَه أو يُعِيْنُ عليها أو يَتَسبَب لها أو يُشِيرُ على مَنْ يُؤمِلُ فيه الخيرَ أن يَطبَعَه وقفًا للهِ تعالى يُوزَّع على إخوانِهِ المسلمين … اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم
стр. 1398
ومن أراد طباعته ابتغاء وجه الله تعالى لا يريد به عرضًا من الدنيا؛ فقد أذن له، وجزى الله خيرًا من طبعه وقفًا أو أعان على طبعه أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه المسلمين؛ فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن دَلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم،
стр. 1399
ومن أراد طباعته ابتغاء وجه الله تعالى لا يريد به عرضًا من الدنيا؛ فقد أذن له، وجزى الله خيرًا من طبعه وقفًا أو أعان على طبعه أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه المسلمين؛ فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن دَلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم، وورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله» الحديث رواه أبو داود. وورد عنه ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» الحديث رواه مسلم.
طُبِع على نفقة: جماعة من المحسنين، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وكثر أمثالهم في المسلمين … اللهم صل على محمد وآله وسلم.
стр. 1400
يا طالبًا لعلوم الشرع مُجتهدًا … تَبغي الفوائدَ دَانِيها وقاصِيها
في الفقه أسئلةٌ تُهدَى وأجوبَةٌ … أَلْمم بها تَرتوي من عَذب صافيها
كَم حُكْمُ شَرْعِ بقال الله مُقترنًا … أو قالهُ المُصْطَفى أودَعْتُهُ فِيها
стр. 1401
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحجر
س ١: ما هو الحجر لغةً واصطلاحًا؟ وما الأصل في مشروعيته؟ وكم أسبابه؟ وهل الأولى ذكر الحجر بعد الصلح أم بعد الرهن وجه ذلك وبيِّن من هو المفلس؟ ولِمَ سمي بذلك؟ وإلى كم ينقسم الحجر؟ وكم أقسامه؟ وما هي أقسام كل قسم؟ واذكر ما يتعلق بذلك من مطالبة أو قيد أو تعميم لحكم أو دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: الحجر لغةً: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام حجرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي حرامًا محرما، وسمي العقل حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته.
وشرعًا: منع مالك من تصدقه في ماله غالبًا سواء كن المنع من قبل الشرع كالصغير والسفيه والمجنون أو الحاكم كمنعه المشتري من التصرف في ما له حتى يقبض الثمن على ما تقدم.
والأصل في مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموالهم؛ لكن أضيفت إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها.
وقوله: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾، وقوله: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾. وقد فسر الشافعي ﵀ السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي والكبير المختل والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على عقله فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فدل على ثبوت
стр. 1402
الحجر عليهم.
وأسباب الحجر عشرة:
الأولى: أن يكون الشروع فيه بعد انتهاء الكلام على متعلق الرهن، وكان منه الحجر الخاص على الراهن ومنعه من التصرف في الرهن إلا بإذن المرتهن.
والمفلس لغةً: من لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، فهو المعدم، ومنه أفلس بالحجة أي عدمها، ومنه الخبر المشهور: «من تعدون المفلس فيكم؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس؛ ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه، ثم طرح في النار» رواه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس؛ لنه عرهم ولغتهم وقوله ليس ذلك المفلس تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل إنما أراد فلس الآخرة؛ لأنه أشد وأعظم حتى إن فلس الدنيا عنده بمنزلة الغنى الواسع وسُمِيَ بذلك؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس عند الفقهاء من دينه أكثر من ماله، وسُمي مُفلسًا وإن كان ذا مال لاستحقاق ماله الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم أو لما يؤول إليه مِن عدم ماله بعد وفاء دينه أو لأنه يمنع من التصرف في ماله من حاكم مَن عليه دينٌ حالٌ يعجز عنه من تصرفه في ماله الموجود حال الحجر والمتجدد بعده بإرث أو هبة أو غيرها مدة الحجر أي إلى وفاء دينه أو حكمه بفكه ولا حجر على مكلّف رشيد لا دين عليه ولا على من دينُه مؤجل ولا على قادر على الوفاء ولا من التصرف في ذمته والحجر
الذي يمنع الإنسان التصرف في ماله على ضربين: أحدهما: الحجر لحق الغير كالحجر على المفلس لحق الغرماء، وعلى راهن لحق المرتهن في الرهن بعد لزومه وعلى مريض مرض الموت المخوف فيما زاد على الثلث لحق
стр. 1403
الورثة وعلى قن ومكاتب لحق سيدهما وعلى مرتد لحق المسلمين؛ لأن تركته فيء يُمنع من التصرف في ماله لئلا يفوتَه عليهم، وعلى مُشتر في جميع ماله إذا كان الثمن في البلد أو قريبًا منه بعد تسليمه المبيع لحق البائع حتى يُوفيه وتقدم وعلى شقص مشفوع بعد طلب شفيع له إن قلنا لا يملكه بالطلب لحق الشفيع والمذهب أنه يملكه بالطلب فلم يكن للمشتري شيء يحجر عليه فيه، القسم الثاني: الحجر على الشخص لحظ نفسه كالحجر على الصغير والمجنون والسفيه؛ لأن مصلحته عائدة إليهم والحجر عليهم في أموالهم وذممهم عام ولا يطالب مدين لم يحل ولا يحل ولا يحجر عليه بَدينٍ لم يحل؛ لأنه لا يلزم أداؤه قبل حلوله.
مسائل فيها احترازات ومصالح لصاحب الدين والمدين
س ٢: من الغريم؟ وهل له منعُ مَديِنه إذ أراد سفرًا من أو تحليله مما أحرم به؟ ومتى يجب وفاء دَيِن حال؟ دلل على ما تقول. وماذا يُعمل مع مَن خيف هروبه؟ وهل يُمكن من طلب تمكينه من الإيفاء؟ وإذا مطل المدين رب الدين حتى شكاه، فماذا يلزم الحاكم نحوه؟ وما الحكم فيما غرم بسبب المطل أو تغيب مضمون أو أهمل شريك بناء حائط بستان اتفقا عليه فتلف من ثمرته بسبب ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تفصيل أو تعليل أو خلاف.
ج: الغريم هنا رب الدين.
قال الجوهري: الغريم الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له الدين قال كثير عزة:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها
ولغريم المدين إن أراد سفرًا منع مدينه من السفر ولو كان غير مخيف
стр. 1404
أو كان المدين لا يحل أجله قبل مدة السفر وليس بدين الغريم الذي يريد مدينه السفر رهن يحرز الدين أي يفي به أو ليس به كفيل مليء قادر بالدين حتى يوثق بالرهن أو الكفيل المليء لما منه من الضرر عليه بتأخير حقه بسفره وقدومه عند محله غير متيقن ولا ظاهر؛ فإن كان الرهن لا يحرز والكفيل غير مليء فله منعه حتى يوثق بالباقي، وقيل ليس له منعه إذا كان الدين لا يحل قبل مدة السفر إذا لم يخش غيبته المستمرة؛ لأن الغريم قبل حلول دينه على غريمه ليس له مطالبته ولا حبسه ولا منعه من شيء من عوائده التي لا تضر بالغريم، وأيضًا العرف جار بين الناس أنهم لا يمنعون غرماءهم الذين لا تحل ديونهم في السفر، وأيضًا كثير من الناس معاملاتهم تضطر إلى السفر ومنعه ضرر كبير وتفويت لمصالحه وربما عاد الضرر على الغريم، فهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
وإن أراد الغريم مدين وضام السفر معًا فله منعهما ومنع أيهما حتى يوثق كما سبق وليس الغريم من أراد سفرًا لجهاد متعين لاستنفار الإمام منعه؛ لأن هذا أي الجهاد نفعه عام بخلاف الحج.
قال في «الإنصاف»: اختار الشيخ تقي الدين ﵀ أن من أراد سفرًا وهو عاجز عن وفاء دينه أن للغريم منعه حتى يقيم كفيلًا ببدنه. قال في «الفروع»: وهو متجه، قلت من «قواعد المذهب»:
أن العاجز عن وفاء دينه إذا كان له حرفة يلزم بإيجار نفسه لقضاء الدَين فلا يبعد أن يمنع ليعمل. اهـ. ولا يملك ربُّ دَين تحليل المدين إن أحرم ولو بنقل لوجوب إتمامه. قال الشيخ تقي الدين: له منع عاجز حتى يقيم كفيلًا ببدنه، أي: لأنه قد يحصل له ميسرة ولا يتمكن من مطالبته لغيبته عن بلده فيطلبه من الكفيل، ويجب وفاء دَين حال فورًا على مدين قادر بطلب ربه؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مطل
стр. 1405
الغني ظلم»، والطلب يتحقق المطل ويمهل مدين بقدر ما يتمكن به من الوفاء بأن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو حانوته أو بلد آخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه، ويحتاط رب دين إن خيف هروب المدين بملازمته إلى وفائه أو يحتاط بكفيل مليء أو توكيل في حفظه جمعًا بين الحقين، وكذا لو طلب تمكينه من الإيفاء محبوسٌ فيكمن منه ويُحتاط إن خيف هروبه كما تقدم، وكذا لو توكل إنسان في وفاء حق وطلب الإمهال لإحضار الحق فيمكن به كالموكل، وإن مَطَلَ المدينُ ربَّ الدَين حتى شكاه رَبُّ الدين وجب على حاكم ثبت لديه أمرُهُ بوفائه بطلب غريمه إن علم قدرته عليه أو جهل حاله لتعينه عليه ولم يحجر عليه لعدم الحاجة إليه ويقضي دينه بمال فيه شبهة نصًا؛ لأنها لا تُنفى شبهة بترك واجب وما غرم ربُّ دينٍ بسبب مطل مدين أحوج رب الدين إلى شكواه فعلى مماطل لتسببه في غرمه أشبه ما لو تعدى على مال لحمله أجرة وحمله لبلد آخر وغاب ثم غرم مالك أجرة حمله لعوده إلى محله الأول؛ فإنه يرجع به على من تعدى بنقله، وإن تغيب مضمون قادر على الوفاء فغرم ضامن بسببه أو غرم شخص لكذب عليه عند وليّ الأمر رجع الغارم بما غرمه على مضمون كاذب لتسببه.
قال في «شرح المنتهى»: ولعل المراد إن ضمنه بإذنه وإلا فلا فعل له في ذلك ولا تسبب وإن أهمل شريك بناء حائط بستان بينه وبين آخر فأكثر، وقد اتفق الشريكان على البناء وبنى شريكه فما تلف من ثمرة البستان بسبب ذلك الإهمال ضمن مهمل حصة شريكه منه لحصول تلفه بسبب تفريطه؛ فإن أهملا البناء فلا ضمان على كل منهما.
مسائل حول امتناع المدين عن أداء ما عليه
س ٣: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أحضر مُدّعى عليه مدّعي به لحمله مؤنة ولم يثبت لمدّع فعلى من مؤنة إحضاره وردّه إلى محله، إذا أبى مدين وفاء ما عليه فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ ومن أول من حبس على الدَين؟ وكيف كان عمل الخصمين قبل ذلك؟ وما الذي يعمل مع محبوس موسر أبى دفع ما عليه؟ وإذا أصر على عدم القضاء فماذا يعمل معه؟ واذكر ما تستحضرهُ من دليل أو تعليل.
следующие страницы →