Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
٣٧ - شراء العامل وما يترتب عليه وما يتعلق بذلك من نفقة
س ٣٧: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: شراء العامل مَن يعتق على رب المال، ما يترتب على ذلك: إذا اشترى عامل زوج أو بعض زوج أو بعض زوجة لمن له في المالك ملك؟ ما يترتب على ذلك: إذا اشترى عامل المضاربة من يعتق على المضارب، شراء العامل من مال المضاربة؟ أخذ العامل مضاربة لآخر، ما يترتب على ذلك؟ شراء ربّ المال من مال المضاربة لنفسه، شراء شريك نصيب شريكه؟ شراء الجميع، نفقة المضَارب إذا أطلقت وإذا شرطت وإذا لم تشرط؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: ليس لعامل شراء من يعتق على رب المال بغير إذنه؛ لأ فيه ضررًا ولا حظ للتجارة إذ هي معقود للربح حقيقة أو مظنة، وهما منتفيان هنا سواء كان يعتق على رب المال برحم كابنه ونحوه أو قول كتعليق ربّ المال صح الشراء؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود، فصح شراؤه كغيره وعتق على ربّ المال لتعلق حقوق العقد به وضمن العامل ثمنه الذي اشتراه به لمخالفته وإن لم يعلم أنه يعتق على رب المال؛ لأنه إتلاف.
قال ناظم المفردات:
إذا اشترى مضارب مَن يَعْتُقُ … على الشريك صَحَّحُوا واطْلَقُوا
حتى بِلا إذنٍ أتَتْ إليه … لو كانَ ذَا ويَعْتُقُ عليه
وقال أبو بكر: إن لم يكن العامل عالمًا بأنه يعتق على ربّ المال لم
стр. 1577
يضمن؛ لأن التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به المشتري فلم يضمن، كما لو اشترى معيبًا لم يعلم بعيبه فتلف به، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
فإن كان الشراء بإذن رب المال انفسخت في قدر ثمنه لتلفه؛ فإن كان ثمنه كل المال انفسخت كلها وإن كان في المال ربح أخذ حصته من الربح؛ لأنه استحقهُ بالعقد والعمل ولم يوجد ما يسقطه، وإن اشترى عامل ولو بعض زوج أو بعض زوجة لمن له المال ملك صح الشراء، لوقوعه على ما يمكن طلب الربح فيه كالأجنبي، وانفسخ نكاح المشتري كله أو بعضه؛ لأن النكاح لا يجامع الملك ويتنصف المهر على ربّ المال بشراء زوجته قبل الدخول ويرجع به على العامل، ولا ضمان عليه إن اشترى زوج ربة المال فيما يفوتُها من مهر ونفقة؛ لأنه لا يعود إلى المضاربة وسواء كان الشراء بعين المال أو في الذمة، وإن اشترى عاملُ المضاربة من يعتق على المضارب كأبيه وأخيه وظهر ربح في المضاربة بحيث يُخرج عن الأب أو الأخ مِن حصته من الربح سواء كان الربح ظاهرًا حين الشراء أو بعده، ومن يعتق عليه باق لم يُتَصَرَّف فيه عتق كُلُّه لملك حصته من الربح بالظهور، وكذا إن لم يخرج كلُ ثمنه من الربح؛ لكنه مُوسرًا بقيمة باقية؛ لأنه ملكه بفعله فعتق عليه كما لو اشتراه بماله وإن كان معسرًا عتق عليه بقدر حصته من الربح.
وإن لم يظهر في المال ربحٌ حتى باع من يعتق عليه فلا يَعُتقُ منه شيء؛ لأنه لا يملكه، وإنما هو مُلك رب المال، وليس للعامل الشراء من مال المضاربة إن ظهر ربح؛ لأنه يصير شريكًا فيه؛ فإن لم يظهر ربحٌ صُحَّ شراؤه من رب المال أو بإذن كالوكيل يشتري من مُوكله وإذا أخذ عاملٌ من إنسانٍ مضاربةً، ثم أراد أخذَ مُضاربةٍ من آخر بإذن الأول جاز، وكذلك إن
стр. 1578
لم يأذن ولم يكن على الأول ضررٌ؛ فإن كان فيه ضررٌ على الأول ولم يأذن مثل أن يكون المال الثاني كثيرًا يستوعبُ زمانه فيشغلهُ عن التجارة في المال الأول أو يكون المالُ الأولُ كثيرًا متى اشتغلَ عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته، فقيل: ليس له ذلك؛ لأن المضاربة على الحظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه لم يجز كما لو أراد التصرف بالعين، وفارق ما لا ضرر فيه فعلى هذا إن فعل وربح رد الربح في شركة الأول وليقتسمانه فينظر ما ربح في المضاربة الثانية فيدفع إلى رب المال منه نصيبه ويأخذ المضارب نصيبه من الربح فيضمه إلى ربح المضاربة الأولى ويقاسمه لرب المضاربة الأولى؛ لأنه استحق حصته من الربح بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول، فكان بينهما كربح المال الأول.
وقال أكثر الفقهاء: يجوز؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها فلم يمنع من المضاربة، كما لو لم يكن فيه ضرر وكالأجير المشترك، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
ولا يصح لرب المال الشراء من مال المضاربة لنفسه؛ لأنه ملكه كشرائه مِن وكيله وعبده المأذون وفارق المكاتب؛ فإن السيد لا يملك ما في يده ولا تجب عليه زكاته، وله أخذ ما فيه شفعة منه، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي، وقيل: يصح وهو رواية عن أحمد، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة؛ لأنه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤه كما لو اشترى من مكاتبه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
وإن اشترى شريك نصيب شريكه صحَّ؛ لأنه مُلكُ غيره أشبه ما لو لم يكن بائعهُ شريكًا وإن اشترى الجميع حصته وحصة شريكه صحَّ الشراء في نصيب شريكه بناءً على تفريق الصفقة؛ وأما في نصيبه، فقيل: يبطلُ؛ لأنه
стр. 1579
ملكه، والذي تميل إليه النفس أنه يصح بناء على صحة شراء رب المال من مال المضاربة. والله أعلم، وليس للعامل نفقة إلا بشرط.
وقال ابن القيم والشيخ تقي الدين: أو عادة؛ لأن النفقة تخصه فكانت عليه كنفقة الحضر وأجر الطبيب وثمن التطبيب؛ لأنه داخل على أنه لا يستحق من الربح إلا الجزء المسمى، فلا يكون له غيره؛ ولأنه لو استحق النفقة أفْضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى النفقة، وبهذا قال ابن سيرين وحماد ابن أبي سليمان، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال الحسن والنخعي والأوزاعي ومالك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: يُنفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد؛ لأن سفره لأجل المال فكانت نفقته فيه كأجر الحمَّال، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
فأما إن شرط له النفقة صح له وذلك؛ لقوله ﷺ : «المؤمنون على شروطهم؛ فإن قدر له ذلك فحسن؛ لأن فيه قطعًا للمنازعة وزوال الاختلاف». قال أحمد في رواية الأثرم: أحب إلى أن يشترط نفقة محدودة، وله ما قدر له من مأكول وملبوس ومركوب وغيره.
فإن شرطت نفقة العامل مطلقة وتشاحا فيها فله نفقة مثله عرفًا من طعام وكسوة؛ لأن الإطلاق يقتضي جميع ما هو من ضروراته المعتادة كالزوجة.
٣٨ - مسائل وبحوث حول النفقة والتصرف بما اشترى للمضاربة
س ٣٨: إذا لقي رب المال العامل ببلد أذن له في سفر إليه فأخذه منه فهل للعامل نفقة لرجوعه؟ وإذا تعدد ربُّ المال فكيف تكون النفقة؟ وهل للعامل التسري من مال المضاربة، وإذ وطئ عاملٌ أمةً مِن المال فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك إن ظهر ربح أو لم يظهر؟ وضح ذلك مع بيان معاني ما في ذلك من مفردات. وهل لرب المال وطء أمة مِن المضاربة؟ ومتى يكون للعامل حقٌ في الربح وإذا ربح في أحد سلعتين أو ربح في إحدى سفرتين وخسر في الأخرى أو تعيبت سلعة وزادت أخرى أو نزل السعر أو تلف بعضُ المال بعد عَمَلٍ فكيف تكون الوضيعةُ؟ وما الذي يترتب على ذلك وإذا تقاسما الربحَ والمال ناضٌ أو تحاسبا بعد تنضيضه أو قسم ربّ المال والعامل الربح أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه والمضاربة باقية ثم خسر، فما الحكم؟
стр. 1580
ج: إن لقي ربّ المال العامل ببلد أذن له في السفر إليه بالمال وقد نضَّ المال بأن صار المتاع نقدًا فأخذه ربه منه فلا نفقة للعامل لرجوعه إلى بلد المضاربة؛ لأنه إنما يستحق النفقة ما دام في القراض، وقد زال ولو مات لم يكفن منه ولو اشترط النفقة.
وإن تعدد رب المال بأن كان عاملًا لاثنين فأكثر أو عاملًا لواحد ومعه مال نفسه أو بضاعة لآخر واشترط لنفسه نفقة السفر فهي له على قدر مال كل منهما أو منهم؛ لأن النفقة وجبت لأجل عمله في المال فكانت على قدر مال كل فيه إلا أن يشترطها بعض أرباب المال من ماله عالمًا بالحال وهو كون العامل يعمل في مال آخر مع ماله فيختص بها لدخوله عليه؛ فإن لم يعمل الحال فعليه بالحِصَّة وللعامل التسري من مال المضاربة بإذن رب المال، فإذا اشترى أمة للتسري بها ملكها؛ لأن البضع لا يُباحُ إلا بنكاح أو ملك يمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصار ثمنها على العامل لخروجه من المضاربة مع عدم وجود ما يدل على التبرع به من رب المال، وإن وطئَ عاملٌ أمة مِن المال عُزِّرَ؛ لأن ظُهُورَ الربح ينبني على التقويم وهو غير مُتحقق لاحتمال أن السلع تُساوي أكثر مما
стр. 1581
قُومتْ به فهو شُبْهَةٌ في درء الحد وإن لم يظهر ربح، وعليه المهر إن لم يطأ بإذن رب المال وإن ولدت منه وظهر ربح صارت أم ولد وولده حر، وعليه قيمتها وإن لم يظهر فهي وولدها لرب المال، ولا يطأ رب المال أمة من المضاربة ولو عدم الربح؛ لأنه ينقصها إن كانت بكرًا أو يعرضها للتلف والخروج من المضاربة ولا حدَّ عليه؛ لأنها ملكه وإن ولدتع منه خرجت من المضاربة وحُسبتْ قيمتُها عليه؛ فإن كان فيه ربحٌ فللعامل منه حصتُه ولا ربح لعاملٍ حتى يُستوفي رأسُ المال؛ لأن الربح هو الفاضلُ من رأس المال وما لم يفضل فليس بربح والوضيعة الخسارة والناضُّ من المال ما تحول عينًا بعد ما كان متاعًا، ويقال: ما نضَّ بيده شيء، وفي حديث ابن عمر ﵄: «كان يأخذ الزكاة من ناض المال هو ما كان ذهبًا أو فضة عينًا أو ورقًا»، وفي الحديث الآخر: «خذ صدقة ما قد نضَّ مِن أموالهم». ووصف رجل بكثرة المال، فقيل: أكثر الناس ناضًا ونضا الثياب ينضوها نضوًا إذا خلعها. قال امرؤ القيس:
فجئت وقد نضَّتْ لنوم ثيابها … لدى السِّتر إلا لبسة المتفضلِ
وإن ربح في أحد سلعتين وخسر في الأخرى أو ربح في إحدى سفرتين وخسر في الأخرى أو تعيبت سلعة وزادت أخرى أو نزل السعر أو تلف بعض المال بعد عَمَلِ عاملٍ في المضاربة فالوضيعةُ في بعض المال تُجبر من ربح باقية قبل قسم الربح ناضًا أو قبل تنضيضه مع محاسبته؛ فإن تقاسما الربح والمال ناضٌ أو تحاسبًا بعد تنضيضه المال وأبقيا المضاربة فهي مضاربة ثانية فما ربح بعد ذلك لا يُجبر به ووضيعةَ الاول إجراءً للمحاسبة مجْرَى القِسمة ولا يحتسبان على المتاع؛ لأن سِعْره ينحطُّ ويرتفعُ ولو اقتسم ربُّ المال والعامل الربْحَ أو أخذَ أحدُهما منه شيئًا بإذن صاحبه والمضاربةُ بحالها، ثم خَسِرَ كان
стр. 1582
على العامل رَدُّ ما أخذهُ من الربح؛ لأنا تبينا أنه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة، ولو دفع مائةً مضاربة فخسرت عشرةً ثم أخذ رب المال منها عشرة، فالخسران لا ينقص به رأس المال؛ لانه قد يربح فيجبر الخسران لكنه نقص بما أخذه رب المال وهو العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتسعُ درهم ويبقى رأس ثمانين وثمانية دراهم وثمانيةُ أتساع درهم وإن أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين، وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع درهم؛ لأنه أخذ خمسة أتساع المال فسقط خمسة أتساع الخسران، وهي خمسة وخمسة أتساع درهم يبقى ما ذكر، وكذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من رأس المال والربح، فلو كان المال مائة فربح عشرين فأخذ ربُّ المال فقد أخذ سدسه فينقص المال وهو مائة سُدُسُه وهو ستة عشر وثلثان وقسطها من الربح ثلاثة وثلث، يبقى ثلاثة وثمانون وثلثًا، ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال فبقي نصفه، وإن أخذ خمسين بقي ثمانية وخمسون وثلث؛ لأن أخذ ربع المال وسدسه فيبقى ثلثه وربعه، وذلك أن الخمسين المأخوذة ربع المائة والعشرين وسدسها والمال إذا ذهب منه ربعه وسدسه بقي ثلثه وربعه وثلث المائة التي هي رأس المال قبل ثلاثة وثلاثون وثلث وربعها خمسة وعشرون، ومجموع ذلك ثمانية وخمسون وثلث كما ذكر.
стр. 1583
٣٩ - مسائل حول تلف مال المضاربة وما يدخل في مال المضاربة
مما قد يتوهم عدم دخوله
س ٣٩: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: ما تلف من مال المضاربة قبل عمل، إذا تلف كل مال المضاربة ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا من السلع، وضح ذلك ما يتعلق بذلك من مطالبة ورجوع بثمن، إذا قُتل قنُ المضاربة، متى يملك العامل حصته من الربح، وهل له الأخذ من الربح؟ وما حكم القسمة والعقد باق؟ ومتى يجبر المالك على البيع في المضاربة؟ وهل يدخل في الربح المهر والثمرة والنتاج؟ وإذا أتلف مالك مال المضاربة وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا فسخت المضاربة والمال عرض أو دراهم وكان دنانير أو عكسه فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والاختلاف والترجيح.
ج: تنفسخ مضاربة فيما تلف من مال المضاربة قبل عمل العامل في مالها ويصير الباقي رأس مال؛ لأن التصرف بالعمل لم يصادف إلا الباقي فكان هو رأس المال بخلاف ما تلف بعد العمل؛ لأنه دار بالتصرف فوجب إكماله لاستحقاقه الربح؛ لأنه مقتضى الشرط؛ فإن تلف كل مال المضاربة قبل التصرف، ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا من السلع فهو كفضول وتقدم الكلام على الفضول في أول البيع في أول الجزء الرابع، وإن تلف مال المضارب بعد شراء العامل في ذمته وقبل نقد الثمن لما اشتراه، فالمضاربة بحالها أو تلف مال المضاربة بعد العمل مع ما اشتراه، فالمضاربة بحالها لوقوع تصرفه بإذن ربُّ المال ويطالب ربِّ المال والعامل بالثمن الذي اشتراه به العامل لتعلق حقوق العقد بربِّ المال ومباشرة العامل ويرجع بالثمن عامل إن دفعه على رب المال بنية الرجوع للزومه له أصالةً والعامل بمنزلة الضامن ورأس المال هو الثمن دون التالف لتلفه قبل التصرف فيه أو أشبه ما لو تلف قبل
стр. 1584
القبض وإن أتلف العاملُ مال المضاربة ثم نقد الثمن من مالِ نفسِه بلا إذن ربّ المال لم يرجع ربُ المال على العامل بشيء، والعامل باق على المضاربة؛ لأنه لم يتعد فيه وإن قُتِل قنُّ المضاربة عمدًا فلرب المال أن يقتص بشرط؛ لأنه مالك المقتول وتبطل المضاربة فيه لذهاب رأس المال، وله العفو على مال ويكون المال المعفو عليه كبدل المبيع، وهو ثمنه؛ لأنه عوضٌ عنه، والزيادة في المال المعفو عليه على قيمة المقتول ربحٌ في المضاربة ومع ربح بأن كان ظهر ربح في المضاربة وقُتل قُّنها عمدًا، فالقودُ إلى ربّ المال والعامل كالمصلحة؛ لأنهما صارا شريكين بظهور الربح، ويملك عاملٌ حصته مِن ربحٍ بمجرد ظهوره قبل قسمته كمالك المال، وكما في المساقاة والمزارعة؛ لأن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه، وهو أن يكون له جزء من الربح، فإذا وجد وجب أن يملكه، وأيضًا فهذا الجزء مملوك، ولابد له من مالك وربّ المال لا يملكه اتفاقًا فلزم أن يكون للمضارب ولملكه الطلب بالقسمة ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب ربّ المال من الربح ولو لم يعمل المضارب، إلا أنه صرف الذهب بورق فارتفع الصرف استحقه، ولا يملك المضارب الأخذ من الربح إلا بإذن رب المال؛ لأن نصيبه مشاع فلا يقاسم نفسه؛ ولأن ملكه له غير مستقر وإن شرط أنه لا يملكه إلا بالقسمة لم يصح الشرط لمنافاته مقتضى العقد وتحرم قسمة الربح وعقد المضاربة باقٍ إلا باتفاقهما؛ لأن وقاية لرأس المال فلا يجبر ربه على القسمة؛ لأنه لا يأمن الخسران فيجبره بالربح ولا العامل؛ لأنه لا يأمن أن يلزمه ما أخذه في وقت لا يقدر عليه؛ فإن اتفقا على قسمته أو بعضه جاز؛ لأنه ملكها كالشريكين، وإن أبى مالك البيع بعد فسخ المضاربة والمال عرض وطلبه عامل أجبر رب المال عليه إن كان فيه ربح؛ لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع فأجبر الممتنع لتوفيته كسائر الحقوق؛ فإن لم يظهر ربح لم يجبر مالك على بيع؛ لأنه
стр. 1585
حق للعامل فيه وربّه رضيه عرضًا، ومن الربح مهر وجب بوطء أمة من مال المضاربة أو بتزويجها باتفاقهما، ومنه ثمرة شجر اشترى من مالها، ومنه أجرة شيء من مالها أو جزء استعمل على وجه يوجبها أو تبعد على مالها، ومنه أرش جناية على رقيقها، ومنه نتاج نتجته بهيمتها؛ لأنه نماء مالها ككسب عبدها، وإتلاف مالك مال المضاربة كقسمة فيغرم حصة عامل من ربح، كما لو تلف بفعل أجنبي وحيث فسخت المضاربة والمال عرض أو دراهم وكان دنانير أو عكسه بأن كان دنانير وأصله دراهم فرضي ربه بأخذ مال المضاربة على صفته التي هو عليها قوَّم مال المضاربة ودفع حصة العامل من الربح الذي ظهر بتقويمه وملك رب المال ما قابل حصة العامل من الربح؛ لأنه أسقط عن العامل البيع، فلا يجبر على بيع ماله بلا حظ يكون للعامل في بيعه؛ فإن ارتفع السعر بعد ذلك لم يطالب العامل رب المال بقسطه، كما لو ارتفع بعد بيعه إن لم يكن فعل ربّ المال ذلك حيلة على دُخُول موسمٍ أو قفل فيبقى حق العامل في ربحه؛ لأن الحيلة لا أثر لها، وإن لم يرض ربّ مال بعد فسخ مضاربة بأخذ العروض أو الدراهم عن الدنانير أو عكسه، فعلى عاملي بيعه وقبض ثمنه؛ لأن عليه رد المال ناضًا كما أخذه وسواء كان فيه ربح أو لا؛ فإن نضَّ له قدر رأس المال لزمه أن ينض الباقي وإن كان صحاحًا فنضَّ قراضَه أو مكسره لزم العامل رده إلى الصحاح بطلب ربها فيبيعها بصحاح أو بعرض ثم يشتريها به، كما يلزم العامل بعد فسخ المضاربة تقاضى مال المضاربة لو كان دينًا ممن هو عليه سواء ظهر ربح أو لاقتضاء المضاربة رد رأس المال على صفته والدين لا يجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه كله لا قدر رأس المال فقط؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الربح إلا عند وصوله إليهما على وجه تمكن قسمته ولا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه.
стр. 1586
٤٠ - مسائل تتعلق بموت العامل أو ربّ المال أو أحدهما
س ٤٠: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: خلط رأس مال قبضه من واحد في وقتين، إذا أذن له قبل التصرف في الأول أو بعده، إذا قضى العامل برأس المال دينه ثم اتجر بوجهه وأعطى ربّه حصته من الربح، إذا مات عامل أو مات مودع أو وصي وجهل بقاء ما بأيديهم إذا أراد المالك لمال المضاربة تقرير وارث، بيع وارث العامل لعرض المضاربة، وارث المالك إذا انفسخت المضاربة، الاشتراء بعد موت المضارب وهو ربّ المال، وإذا أخذ ماشية ليقوم عليها برعي وعلف وسقي وحلب وغير ذلك، فهل يجوز ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: لا يخلط عامل رأس مال قبضه من واحد في وقتين بلا إذنه لإفراده كل مال يعقد، فلا يُجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر كما لو نهاه عنه، وإن أذن للعامل رب المالين في خلطهما قبل تصرفه في المال الأول أو بعد تصرفه في الأول، وقد صفاه من العروض وجعله نقدًا كما أخذ جاز وصار مضاربة كما لو دفعها إليه مرة واحدة، وإن كان إذنه فيه بعد تصرفه في الأول، ولم ينض حرم الخلط؛ لأن حكم العقد الأول استقر فربحه وخسرانه يختص به فضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، فإذا شرط ذلك في الثاني فسد أو قضى العامل برأس المال دينه، ثم اتجر بوجهه بأن
اشترى في ذمته بجاهه وباع وحصل ربح وأعطى ربّ المال الذي قضى به دينه حصته من الربح من تجارته بوجهه متبرعًا بها لربّ المال جاز، وإن مات عامل مضاربة أو مات مُوْدَعَ أو مات وصي على صغير أو مجنون
أو سفيه، وجهل بقاء ما بيدهم من مضاربة ووديعة ومال محجوره، فهو دين في التركة؛ لأن الأصل بقاء المال بيد الميت واختلاطه
стр. 1587
بجملة التركة ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينًا؛ ولأنه لا سبيل إلى إسقاط حق المال ولا إلى إعطائه عينًا من التركة لاحتمال أن تكون غير عين ماله، فلم يبق إلا تعلقه بالذمة؛ ولأنه لما أخفاه ولم يعينه فكأنه غاصب فتعلق بذمته، قال في «شرح المنتهى»: قلت: وقياسه ناظر وقف وعامله ووكيل وأجير.
وإن أراد المالك لمال المضاربة بعد موت عامله تَقْرِير وَارِثِ عاملٍ مكانه فتقريرُهُ مُضاربةٌ مبتدأة ولا يبيع وارث عامل عرضًا للمضاربة بلا إذن ربّ المال؛ لأنه لم يأذنه؛ ولأنه إنما رضي باجتهاد مورثه ولا يبيع المالك بلا إذن وارث العامل لوجود حقه في الربح؛ فإن تشاح ربُّ المال ووارث العامل بأن أبى كلٌ الأذن للآخر في بيعه باعه حَاكمٌ ويقسم الربح بينهما على ما شرطاه، ووارث المالك كالمالك إذا انفسخت المضاربة وهو حي فيتقرر ما لمضارب من الربح، ويقدم به على الغرماء ولا يشتري عامل بعد موت رب المال إلا بإذن ورثته فيكون وكيلًا عنهم لبطلان المضاربة بموته، والعامل بعد موت رب المال في بيع عرض واقتضاء دين ونحوه، مما يلزم المضارب كفسخ مضاربة والمال ناض جاز ويكون رأس المال الذي أعطاه مورثه وحصته من الربح رأس مال الوارث وحصة العامل من الربح شركة له مشاع وإن أراد وارث رب المال المضاربة والمال عرض فمضاربة مبتدأة، وهذا على القول بأنها لا تجوز على العروض، وتقدم في (ص ١٣٣) المقارنة بين القولين، وأن القول الذي تطمئن إليه النفس صحتها بالعروض. والله أعلم.
стр. 1588
من النظم فيما يتعلق في المضاربة
تبارك ذو الأحكام والحكم التي … تحار عقول الخلق فيها فتهتدي
ففي كل شيء حكمة ودلالة … لواع على توحيده والتفرد
أباح اكتساب المال من سبل حله … فكان له تحصيله خير مرشد
فمن حكمه أبداؤنا وأمورنا … ذوات ارتباط لا ذوات توحد
فكل امرئ لا يستقل بأمره … فسنّ لنا سبل التعاون فاهتدى
فطورًا بتوكيل وطورًا بأجرة … معينة في فعل شيء مقيد
وطورًا أباح الجهل عند تعذر التّعين … ومن هذا المضاربة اعدد
إليه انتها الأسباب في كل كائن … ومنه جميع الأمر ينهي ويبتدي
يعلق أطماعَ الأنام بمكسب … له يَركبون الهول في كل مقصد
يهون على هذا اقتحام بنفسه … وهذا يمال رغبة في التزيد
ليأتي بأرزاق يعز حصولها … إلى عاجز عنها ضجيع بمرقد
стр. 1589
فسبحان من أبدى فأتقن صنعه … وجل تعالى عن أباطيل ملحدِ
وأشهد أن الله لا ربَّ غيره … بتصديق رسل الله أودع ملحدِ
وبعد فمعطي المال شخصًا مضاربًا … له عَيَنَنْ جزءً من الربح واحددِ
ولو من مريض فوق عرف وقَدِّمَنْ … به عاملًا عن كلِ دَين وأرفدِ
وإما يساقي أو يزارع بزائدٍ … على أجر مثل جاز في المتجودِ
فإن قال خذ المال والربح بيننا … فنصفين قسم فيهما الربح تقصد
وإن يقل اتّجرْ فيه والربح كله … لك احكم بقرض المال للعامل اشهد
وإن قال في هذا لي الربح كله … فذلك إبضاع صحيح لممدد
وإن قال في هذا مضاربة وما … ربحت فلي أو ربحه لك تفسد
وإن قال نصف الربح لي ومضاربي … له الثلث اعط السدس ذا المال تهتد
وقولك لي نصف يصح بأجودِ … وللعامل الباقي وفي العكس أطد
стр. 1590
وقولك خذ ذا المال بالثلث جائز … وللعامل المشروط عند التنكد
كذا في المساقي فاحكمن ومزارع … وفي الشركة اطلب تلق كل مقصد
من المنع من فعل وإطلاقه له … وإلزامه مع كل شرط مؤكد
وإن شرطا جزأ لمن غير عامل … وَهَتْ وَلعبد المالك أو عامل طد
وإن يَنْفَسِدْ عقدُ المضاربة ابذلن … لذي المال كل الربح والأجر أوردِ
إلى عامل بل عند إن قل شرطه … ليعطي إذا أرضاه عند التعقدِ
وتعليقها بالشرط يا صاح جائز … وتوقيتها أيضًا على المتأكد
وامض إن يقل بع ذا وبالثمن اتجر … وخذ مودعي واتجر به إن أتى عد
وإن صَاحب الألفين ضارب عاملًا … على ربح ألف منهما امنع وفند
وقولك بالدَين الذي لي عليك يا … أخا العزم ضارب لا يصح فقيد
وإن يشاء بعد الفسخ يأخذ ماله … عروضًا ليعطي أو يشاء البيع يسعد
стр. 1591
والزم بتطلاب الديون مضاربًا … ولو لم يفد أو بعد فسخ العقد
وإن جن رب المال أو مات تنفسخ … كذا إن جن أو مات المضاربُ تفسد
ووارث كل مثله في ابتدائهم … قراضًا بنقد أو بعرض كما ابتدى
٤١ - فيما يقبل قول العامل والمالك فيه وغير ذلك
س ٤١: ما الذي يصدق فيه العامل وإذا أقر بربح، ثم ادعى تلفًا أو خسارة أو غلطًا أو نسيانًا أو اقتراضًا تتم به رأس المال، فما الحكم؟ وما الذي يقبل فيه قول المالك وإذا أقام كل واحد منهما بينة بدعواه فمن المقدم بينته، وإذا دفع إنسان لآخر عبدًا أو دابة أو آلة حرث أو نحو ذلك لمن يعمل به بجزء من أجرته أو دفع ثوبًا إلى من يخيط أو غزلًا إلى من ينسجه بجزء من ربحه أو حصاد زرع أو رضاع قنّ أو طحن قمح أو استيفاء مال أو بناء دار أو نجر باب أو نحو ذلك بجزء منه، فما الحكم؟ وضح ذلك مع ما يتعلق به من تمثيل أو تفصيل أو دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: العامل أمين؛ لأنه يتصرف في المال بإذن ربه ولا يختص بنفعه أشبه الوكيل بخلاف المستعير؛ فإنه يختص بنفع العارية، يصدق عامل بيمينه في قدر رأس المال؛ لأنه منكر لما يدعي عليه زائدًا، والأصل عدمه، ولو كان ثمَّ ربح متنازع فيه كما لو جاء العامل بألفين، وقال: رأس ألف والربح ألف، وقال رب المال: بل هما رأس المال، فقول عامل حيث لا بينة. قال في «شرح المنتهى»: فإن أقاما بيتين قدمت بينة رب المال، ولو دفع لاثنين قراضًا على
стр. 1592
النصف فنضيناه وهو ثلاثة آلاف، فقال ربّ المال: رأسه ألفان وصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل ألف، فقوله مع يمينه، فإذا حلف أخذ نصيبه خمسمائة ويبقى ألفان وخمسمائة يأخذ ربّ المال ألفين؛ لأن الآخر يصدقه يبقى خمسمائة ربحًا يقتسمها ربّ المال مع الآخر أثلاثًا لرب المال ثلثاها، وللعامل ثلثها؛ لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم باقي الربح بينهما على ثلاثة وما أخذه الحالف زائدًا كالتالف منهما فهو محسوب من الربح. انتهى.
ويصدق عامل بيمينه في قدر ربح وعدمه، وفي هلاك وخسران إن لم تكن بينة؛ لأن ذلك مقتضى تأمينه.
ولربِّ المال الاستفصال عن مفردات التلف والخسران ونحو ذلك حيث أمكن استظهار الصدق أو عدمه خصوصًا إذا ظهر أمارات الخيانة والكذب.
ويصدق بيمينه فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة، وكذا في شركة في عنان ووجوه ومفاوضة، وفي شركة أبدان إذا ذكر أنه تقبل العمل لنفسه دون الشركة فيصدق الشريك فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للشركة؛ لأنه أمين ولا تعلم نيته إلا منه.
ويصدق عامل بيمينه في نفي ما يدعي عليه من خيانة أو تفريط؛ لأن الأصل عدمها.
وإذا شرط العامل النفقة ثم ادعى أنه أنفق من ماله بنية الرجوع فله ذلك سواء كان المال بيده أو رجع إلى ربه كالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم، وإذا اشترط العامل شيئًا، وقال المالك: كنت نهيتك عنه وأنكر عامل، فقوله؛ لأن الأصل معه.
стр. 1593
ولو أقر عامل بأنه ربح ثم ادعى تلفًا أو خسارة بعد الربح قُبِلَ قولُه؛ لأنه أمين، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطًا أو كذبًا أو نسيانًا أو ادعى اقتراضًا تمَّمَ به رأس المال بعد إقرار العامل برأس المال لربّه بأن قال عاملٌ: هذا رأس مال مضاربتك ففسخ ربها وأخذه فادّعى العامل أن المال كان خسر وأنه خشي أن وجده ناقصًا يأخذه منه فاقترض مما تممه به ليعرضه عليه تامًا، فلا يقبل قول العامل فيه؛ لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي ولا تقبل شهادة المقرض له؛ لأن فيه جر نفع له، ولا طلب له على ربّ المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه لرب المال فيرجع المقرض على العامل لا غير؛ لكن إن علم رب المال باطن الأمر، وأن التلف حصل بما لا يضمنه المضارب لزمه الدفع له باطنًا، ويقبل قول مالك في عدم رد مال المضاربة إن ادعى عامل رده إليه ولا بينة؛ لأنه قبضه لنفع له فيه أشبه المستعير ويقبل قول مالك في صفة خروجه عن يده؛ فإن قال: أعطيتك ألفًا قراضًا فربحه بيننا.
وقال العامل: بل قرضًا لا شيء لك من ربحه، فقول ربّ المال؛ لأن الأصل بقاء ملكه عليه، فإذا حلف قسم الربح بينهما، وقال في «المغني»: ويحتمل أن يتحالفا ويكون للعامل أكثر الأمرين مما شرطه له من الربح أو أجر مثله؛ لأنه إن كان الأكثر نصيبه من الربح فرب المال معترف له به، وهو يدعي الربح كله، وإن كان أجر مثله أكثر، فالقول قوله في عمله مع يمينه، كما أن القول قول رب المال في ربح ماله، فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط، وإنما عمل لغرض لم يسلم له فيكون له أجر المثل. اهـ. وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله سبحانه أعلم. وإن خسر المال أو تلف، فقال ربه: كان قرضًا، وقال العامل: كان قراضًا أو بضاعة فقول ربه؛ لأن الأصل في القابض لمال غَيره الضمان، وإن أقاما بينتين بأن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة عامل؛ لأن معها زيادة علم؛ لأنها ناقلة
стр. 1594
عن الأصل، ولأنه خارج، وقيل: تقدم بينة رب المال، وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: كان قراضًا، حلف كل مهما على إنكار ما ادعاه خصمه وكان له أجر لا غير.
ويقبل قول مالك بعد ربح مال مضاربة في قدر ما شرط لعامل، فإذا قال العامل: شرطت لي النصف، وقال المالك: بل الثلث مثلًا، فقول مالك؛ لأنه ينكر السدس الزائد واشتراطه له، ويصح دفع عبده أو دفع دابة أو قدر أو آلة حرث أو نحو ذلك، لمن يعمل به بجزء من أجرته، ويصح خياطة ثوب ونسج وغزل وحصاد وزرع ورضاع قن واستيفاء مال ونحوه، كبناء دار وطاعون ونجر باب وطحن نحو بر بجزء مشاع منه؛ لأنها عين تتمي بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، ولا يصح تخريجها على المضاربة بالعروض؛ لأنها إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه ولا يعارضه حديث الدارقطني: «أنه ﵊ نهى عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان» لحمله على قفيز من المطحون فلا يدري الباقي بعده فتكون المنفعة مجهولة، وإن جعل له مع الجزء المشاع درهمًا فأكثر لم يصح، ويصح بيع وإيجار لمتاع وغزو بداية من ربح المتاع أو بجزء من سهم الدابة، نص عليه فيمن أعطى فرسه على النصف من الغنيمة، ويصح دفع دابة أو نحل ونحوهما لمن يقوم بهما مدة معلومة كسنة ونحوها بجزء منهما كربعها أو خمسها والنماء للدابة أو النحل ونحوهما ملك لهما للدافع والمدفوع إليه على حسب ملكهما؛ لأنه نماؤه، وإن دفع دابة أو نحلًا ونحوهما لمن يقوم بهما مدة ولو معلومة بجزء من نمائها كدر ونسل وصوف وعسل ونحوهما كمسك وزباد، قيل: لا يصح لحصول نمائه بغير عمل، وله أجر مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، وقيل له: دفع دابة أو نخل لمن يقوم به بجزء من نمائه. اختاره الشيخ تقي الدين،
стр. 1595
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الذي عليه العمل من قديم، من ذلك العدولة المتعارفة بين الناس يعطي إنسان البدوي الغنم، ويكون على البدوي رعيها والقيام بما يلزم لها وله مقابل ذلك نفعها الخارج منها من لبن ودهن وصوف فقط.
من النظم مما يتعلق في فصل والمضارب أمين
وإن مات مع جهل بمال قراضه … كدين عليه كالوديعة فارددِ
وليس عليه من ضمان لأنه … أمين بها في صحة وتفسدِ
ويقبل في الخسران منه وفي التوى … وفيما له أو للقراض اشترى اشهد
وفي نفس دعوى موجب لضمانه … وفي صفة أو قدر مال معددِ
وربح وفي أذن السفار بماله … ووصف التصرف فيهما اقبل بأوطدِ
وقد قيل رب المال يقبل فيهما … مقالته والمبتدأ نص أحمد
وإن يتعدى في فعال فضامن … لتاوٍ وإن يربح فلمالك انقد
وخذ قول رب المال في ردِ ماله … في الأقوى وعكس في الشراء بمقيدِ
стр. 1596
وإن يختلف في قدر حظ مضارب … من الربح من ذي المال، فاقبل بأوكدِ
وعنه اقبلن من عامل أجر مثله … وبَيّنَةٌ منه مقدمة قد
وإن كان مغبونًا به الناس عادة … فأجرَة مثل أعطه لا تزَّيدِ
وإقراره بالربح ثم ادعاؤه الْخَسارة … أو هلكا إلى قوله عد
وإن قال إني كنت اقررت غالطًا … وناسيًا اردد قوله رد عمد
إن يقترض تتميمه خوف أخذه … فَيْؤْخَذُ بملك لم يرد لمسعدِ
وإن قال فرض لإقراض فلي النما … فمن ربه أقبل مع يمين مؤكدِ
وبينهما ربح وقيل ليحلفا … وللعامل الأعلى من أجر ومرصدِ
ودعوى قراض والمليك بضاعة … بوجهين واعكس في العطاء والمقلد
وإن يشتري ممن يرد مقاله … له أو بيعه من ضراب ليردد
وإن قال قرض لا بضاعة محلفًا … وللعامل أجر المثل غير مزيد
стр. 1597
ودعواهما بالعكس والمال هالك … من الملك أقبل والمعامل ليردد
وإن يدعي الإنفاق من ماله وقد … تشرطه في العقد يرجع به اشهد
وللعامل أن يغضب طلاب بأجودٌ … وفي الغيبة احتم ثم أن يرج به أشهد
وإن كان للشخصين دين فمن قضى … الغريم يشاركه الشريك بأوطدِ
ومن شاء يطلب من غريم وقابض … فإن يتو مقبوض كالإبراء يوطد
٤٢ - شركة الوجوه
س ٤٢: تكلم بوضوح عن شركة الوجوه، ما هي؟ ولِمَ سميت بذلك؟ وما حكم ذكر الجنس لما يشتريانه وقدره ووقت الشركة والملك والربح والوضيعة؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الثابت شركة الوجوه وهي أن يشتركا بلا مال في ربح ما يشتريان في ذممهما بوجوههما وثقة التجار بهما، سميت بذلك؛ لأنهما يعاملان فيهما بوجوههما والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه، أي ذو جاه، وهي جائزة عند أحمد وأبي حنيفة، ومذهب مالك والشافعي أنها باطلة. قال أهل القول الأول: وجه جوازها لأن معناها وكالة كل واحد منهما صاحبه في الشراء والبيع والكفالة بالثمن، وكل ذلك صحيح لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة، وقال أهل القول الثاني: القائلون إنها شركة باطلة؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، والذي
стр. 1598
تطمئن إليه النفس القول الأول لما تقدم. والله سبحانه أعلم.
ولا يشترط لصحتها ذكر جنس ما يشتريانه ولا ذكر قدره، ولا ذكر وقت الشركة، فلو قال أحدهما للآخر: كل ما اشتريت من شيء فبينا، وقال الآخر: كذلك صح العقد ولا يعتبر ذكر شروط الوكالة؛ لأنها داخلة في ضمن الشركة بدليل المضاربة وشركة العنان، وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن؛ لأنها مبناها على الوكالة والكفالة ويكون الملك فيما يشتريانه كما شرطا؛ لحديث: «المؤمنون على شروطهم»؛ ولأن عقدها مبناه على الوكالة فينفذ بما أذن فيه وربح كما شرطا من تساوٍ وتفاضل؛ لأن أحدهما قد يكون أسلك مع الناس أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر؛ ولأنها منعقدة على عمل وغيره فكان ربحها على ما شرطا من تساوٍ وتفاضل؛ لأن أحدهما قد يكون أسلك مع الناس أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر؛ ولأنها منعقدة على عمل وغيره فكان ربحه على ما شرطا كشركة العنان والوضيعة، وهي الخسران بتلف أو بيع بنقصان عما اشترى به على قدر الملك فمن له فيه الثلثان فعليه ثلثا الوضيعة، ومن له الثلث عليه ثلثها سواء كان الربح بينهما كذلك أو لا؛ لأن الوضيعة نقص رأس المال وهو مختص بملاكه فيوزع بينهم على قدر الحصص وتصرُّف شريكي الوجوه فيما يجوز ويمتنع ويجب وشروط وإقرار وخصومة وغيرها، كتصرف شريكي عنان على ما سبق، من النظم تبع شركة الوجوه:
وذاك اشتراك لا بما بربح ما … بجهادهم ابتاعوه في الذمم احدد
وسيان أطلاق وتعين مُشْتَرٍ … بنوع ووقت أو بقدر مقيد
وضيعتهم كالملك والملك بينهم … على شرطهم كالربح في المتوطد
стр. 1599
وكل وكيل للشريك وكافل … تصرفهم مثل العنان كما ابتدى
وإن فسدت فالربح كالملك بينهم … وتبقى كفالات فلم تتفسد
٤٣ - شركة الأبدان وأنواعها وأحكامها وشركة الدلالين
س ٤٣: ما هي شركة الأبدان، ولم سميت بذلك؟ وما هي أنواعها، واذكر أمثلة توضحها وما الذي يتقبلان به العمل، وإذا تقبل أحدهما عملًا فمن المطالب ومن الذي يلزمه العمل لذلك ومن الذي يملك طلب الأجرة للعمل وإذا تلفت بيد أحدهما أو اقر أحدهما بما في يده أو حصل شيء من مباح تملكاه أو أحدهما أو أجرة عمل تقبلاه أو أحدهما فما الحكم؟ وما الذي لا يشترط لصحتها وإذا كان أحدهما غير عارف للصنعة التي لزمته للمستأجر أو مرض أحدهما أو ترك العمل، فما الحكم؟ وما حكم شركة الدلالين وما صفتها؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: القسم الرابع شركة الأبدان سميت بذلك لإشتراكهما في عمل أبدانهما وأضيفت إلى الأبدان لأنهم بذلوها في الأعمال لتحصيل المكاسب وهي نوعان: أحدهما أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانها من مباح، كاحتشاش، واصطياد، وتلصص على دار الحرب، وكسلب من يقتلانه بدار الحرب.
وحكمها الجواز عند أحمد ومالك؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلما جيء أنا وعمار بشيء وجاء سعد أسيرين ومثله لا يخفى على النبي ﷺ وكان ذلك في غزوة بدر وكانت غنائمها لمن أخذها قبل أن يُشْرِكَ الله تعالى بينهم؛ ولهذا نقل أن
стр. 1600
النبي ﷺ قال: «مَن أخذَ شيئًا فهو له»، فكان ذلك من قَبِيلِ المباحات؛ ولأن العمل أحدُ جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال، وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح كالإحتشاش والاغتنام؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها، وقال الشافعي: شركة الأبدان باطلة؛ لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» وهذا الشرط ليس في كتاب الله، فوجب أن يكون باطلًا؛ ولأنها شركة على غير مال، فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات والذي تطمئن إليه النفس أنها جائزة؛ للحديث السابق الوارد عن ابن مسعود الدليل للقول الأول. والله سبحانه أعلم.
النوع الثاني أن يشتركا فيما يتقبلان في ذممهما من عمل كحدادة وقصارة وخياطة، ولو قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيننا، صح؛ لأن تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح، فصار كتقبل المال في المضاربة والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب فينزل منزلة المضاربة ويطالبان بم يتقبله أحدهما من عمل، وبعد تقبُّل أحدهما لا فسخ للآخر ويلزمهما عملُ ما تقبَّله أحدهما؛ لأن مبناها على الضمان، فكأنها تضمَّنَتْ ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه، ولكل من الشريكين طلبُ أجرة عمل ولو تقبله الآخر، ويبرأ مستأجر بدفع الأجرة لأحدهما وتلف الأجرة بلا تفريط بيد أحدهما علهما جميعًا؛ لأن كلا وكيل الآخر في قبضها والطلب بها، وإقرار أحدهما بما في يده يُقبل عليهما؛ لأن اليد له، فقبل إقراره بما فيها بخلاف ما في يد شريكه أو دين على شريكه؛ لأنه لا يدَ له عليه، والحاصل من مباح تملكاه أو أحدهما أو مِن أجرة عمل تقبلاه أو أحدُهما كما شرطا عند العقد من تساوٍ أو تفاضل؛ لأن الربح يستحق بالعمل، ويجوز تفاضلهما
стр. 1601
فيه ولا يُشترط لصحتها اتفاق صنعة الشريكين، فلو اشترك حدادٌ ونجارٌ أو خياطٌ وقصارٌ فيما تقبلان في ممها من عمل، صح؛ لاشتراكهما في كسب مساح أشبه ما لو اتفقت الصنائع؛ ولأنه قد يكون أحدهما أحذق من الآخر مع إتفاق الصنعة، فربما تقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عملُه، ولا يمنع ذلك صحتها، فكذا اختلاف الصنعة ومن لا يعرف يتمكن من إقامة غيره بإجرة أو مجانًا، ولا يشترط لصحة الشركة معرفة الصنعة لواحد منهما، فلو اشترك شخصان لا يعرفان الخياطة في تقبلها ويدفعان ما تقبلاه لمن يعمله، وما بقي من الأجرة لهما صح، ويلزم غير عارف إقامةُ عارف للصنعة مُقامهُ في العمل ليعمل ما لزمه للمستأجر، وإن مرض أحدُ الشريكين، فالكسب بينهما على ما شرطاه.
قال أحمد: هذا بمنزلة حديث عمار وسعد وابن مسعود؛ ولأن العمل مضمون عليهما وبضمانهما له وجبت الأجرة فتكون لهما ويكون العامل منهما عونًا لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه، ويلزم من عذر بنحو مرض في ترك عمل مع شريكه بطلب شريكه له أن يقيم مقامه في العمل لدخولهما على العمل فلزمه أن يفي بمقتضى العقد وللآخر الفسخ إن امتنع أو لم يمتنع؛ وأما شركة الدلالين فصفتها أن يشترك اثنان فيما يأخذان من الناس من الأموال التي يبيعونها فيما حصل لهما، ويكون معنى اشتراكهما أن كل واحد منهما يبيع ما أخذ شريكه كما يبيع هو ما أخذه من الناس، فقيل: لا تصح؛ لأنه لابد فيها من وكالة، وهي على هذا الوجه لا تصح كآجر دابتك، والأجرة بيننا؛ لأن الشركة الفرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا ولا ضمان؛ فإنه لا دين يصير بذلك في ذمة واحد منهما ولا تقبُّل عملٍ.
وقال الشيخ تقي الدين: وتصح شركة الدلالين وجعلها بمنزلة خياطة الخياط ونجارة النجار. وموجب العقد التساوي في العمل والأجر، وهذا القول
стр. 1602
هو الذي تطمئن إليه النفس، إذا علم الناس حالهما واشتراكهما؛ لأنهم وإن أعطوا أحدهما فقد علموا أن الآخر شريكه وإن لم يعلموا أنه شريكه فالأول الذي يترجح. والله أعلم.
س ٤٣: تكلم بوضوح عما يلي: إذا اشتركا ليحملا على دابتيهما والأجرة بينهما، إذا اشتركا في أجرة عين الدابتين أو في أجرة أنفسهما، إذا اشترك اثنان لأحدهما آلة قصارة وللآخر بيت يعملان فيه بها، أو اشترك ثلاثة لواحد منهم دابة وللآخر راوية وثالث يعمل، أو اشترك أربعة لواحد دابة وللآخر رحى ولثالث دكان ورابع يعمل، وما الذي للعامل وما الذي عليه، من استأجر شيئًا مما ذكر للطحن أو أيامًا معلومة، وكيف تقسيم الأجرة، إذا تقبل الأربعة العمل فكيف تكون الأجرة؟ وبماذا يرجع كل منهم على صاحبه؟ وما الحكم إذا قال رجل لآخر أجر عبدي أو دابتي والأجرة بيننا أو جمع بين شركة عنان وأبدان ووجوه ومضاربة، وما مُوجبُ العقد في جعالة وإجارة وشركة؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: يصح أن يشتركا ليحملا على دابتيهما ما يتقبلانه من شيء معلوم إلى موضع معلوم في ذممهما؛ لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتيهما ولهما أن يحملا على أي ظهر كان والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه، ولا يصح أن يشتركا في أجرة عين الدابتين أو في أجرة أنفسها إجارة خاصة بأن أجرا الدابتين لحمله أو أجرا أنفسهما يومًا يومًا فأكثر؛ لأن الحمل ليس في الذمة، وإنما استحق الكرى منفعة البهيمة التي استأجرها أو منفعة الشخص الذي آجر نفسه، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر من البهيمة والإنسان، ولكل من مالكي الدابتين أجرة دابته فيما إذا آجرا عين الدابتين، ولكل أجرة نفسه فيما إذا أجرا أنفسهما لبطلان الشركة والذي
стр. 1603
يترجح عندي صحة الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح؛ فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله؛ لأنها منافع وفاها بشبهة عقد. والله أعلم.
وتصح شركة اثنين لأحدهما آلة قصارة وللآخر بيت على أنهما يعملان القصارة فيه بالآلة، وما حصل فبينهما لوقوع الإجارة على عملها والعمل يستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيئًا؛ لأنهما يستعملان في العمل المشترك فيهما كالدابتين يحملان عليهما، وإن كان لأحدهما آلة أو بيت، وليس للآخر شيء واتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز، ولا يصح أن يشترك ثلاثة لواحد منهم دابة وللآخر راوية وثالث يعمل بالراوية على الدابة، وما حصل بينهم أو أربعة لواحد دابة وللآخر رحى ولثالث دكان ورابع يعمل يطحن بالدابن والرحى في الدكان، وما ربحوا فبينهم؛ لأنه لا شركة ولا مضاربة، وقيل: يصح اشتراك الثلاثة ومثلها الأربعة، واختار القول بالصحة جمع منهم الموفق والشارح وصححه في «الإنصاف»، وقدمه في «الفروع» و «الرعاية»، وقال في «التنقيح»: وهو أظهر فعلى هذا يكون ما رزقهم الله بينهم على ما اتفقوا عليه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وعلى القول الأول للعامل الأجرة وعليه لرفقته أجرة آلاتهم. والله أعلم.
ومن استأجر من الأربعة ما ذكر من الدابة والرحى والدكان والعامل لطحن شيء معلوم وأيام معلومة صفقة واحدة صح العقد، وتكون الأجرة بين الأربعة بقدر قيمة أجر المثل بأن توزع عليهم على قدر أجر مثل الأعيان المؤجرة كتوزيع المهر، فيما إذا تزوج الرجل أربعًا من النساء بمهر واحد. وإن تقبَّلُوا العمل في ذممهم بأن استأجرهم ربُ حبٍ لطحنه وقبلُوه صح العقد والأجرة بينهم أرباعًا؛ لأن كل واحد لزمه طحن ربعه بربع
стр. 1604
الأجرة، ويرجع كل واحد منهم على رفقته الثلاثة لتفاوت قدر العمل بثلاثة أرباع أجر المثل فيرجع رب الدابة على رفقته الثلاثة بثلاثة أرباع أجرة مثلها وهكذا، ويسقط الربع الرابع؛ لأنه في مقابلة ما لزمه من العمل، فلو كانت أجرة مثل الدابة أربعين، والرحى ثلاثين، والدكان عشرين، وعمل العامل عشرة؛ فإن ربَّ الدابة يرجع على الثلاثة بثلاثة أرباع أجرتها وهي ثلاثون مع ربع أجرتها الذي لا يُرجعُ به على أحدِ وهو عشرة فيكمل له أربعون، ويرجع رب الرحى على الثلاثة باثنين وعشرين ونصف مع ما لا يرجع به وهو سبعة ونصف فيكمل له ثلاثون، ويرجع رب الدكان بخمسة عشر مع ما لا يرجع به وهو خمسة فيكمل له عشرون، ويرجع العامل بسبعة ونصف مع ما لا يرجع به وهو درهمان ونصف، فيكمل له عشرة ومجموع ذلك مائة درهم وهي القدر الذي استؤجروا به، وإنما لم يرجع بالربع الرابع؛ لأن كل واحد منهم قد لزمه ربع الطحين بمقتضى الإجازة، فلا يرجع بما لزمه على أحد ولو تولى أحدهما الإجارة لنفسه كانت الأجرة كلها له، وعليه لكل واحد من رفقته أجرة ما كان من جهته، ومن قال لآخر: آجر عبدي أو أجر دابتي والأجرة بيننا، ففعل، فالأجرة لرب العبد والدابة وللمؤجر أجرة مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، والذي تطمئن إليه النفس أنه إذا كان عن رضى وصحة عقل يكون على ما شرطا يؤيده حديث: «المؤمنون على شروطهم» والله أعلم. ويصح جمع بين شركة عنان وأبدان ووجوه ومضاربة لصحة كل منها منفردة، فصحت مع غيرها ومُوجب العقد في شركة وجعالة وإجارة التساوي في عمل وأجر؛ لأنه لا مرجح لأحدهم يستحق به الفضل، ولذي زيادة عمل لم يتبرع بالزيادة طلبها من رفيقه ليحصل التساوي.
стр. 1605
٤٤ - شركة المفاوضة
س ٤٤: تكلم بوضوح عن شركة المفاوضة لغةً وشرعًا؟ وبين أقسامها؟ وما الذي يختص به كل واحد من الشريكين؟
ج: المفاوضة مأخوذة من قولهم قوم فوضى أي متساوون لا رئيس لهم، قال الأفوه الأودي:
لا يصلحُ الناسُ فَوْضَى لا سراة لهم … ولا سراةَ إذا جُهَّالُهم سَادُوا
ونعامٌ فَوضى: أي مختلط بعضهم ببعض، والناس فوضى: أي متفرقون وأمرهم فوضى بينهم، أي مختلط، والمفاوضة: الاشتراك في كل شيء، ويقال: متاعهم فوضى بينهم إذا كانوا فيه شركاء، ويقال أيضًا: فوضى فضا. وقال الآخر:
طعامُهُمُ فَوضَى فَضًا في رِحَالهم … ولا يُحْسِنُون السِرَّ إلا تَنَادِيَا
والمفاوضة: المساواة، والمشاركة مفاعلة من التفويض، ومنه حديث معاوية قال لِدَغْفَل النَّسَّابة: بِمَ ضَبَطْتَ مَا أرَى؟ قال: بمفاوضة العلماء، قال: وما مفاوضة العلماء؟ قال: كنت إذا لقيتُ عالمًا أخذتُ ما عنده وأعطيته ما عندي، فكأن كل واحد منهما رد ما عنده إلى صاحبه، أراد محادثة العلماء.
وشرعًا: قسمان: أحدهما: صحيح، وهو نوعان: الأول: تفويض كل من إثنين فأكثر إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة ومضاربة وتوكيلًا ومسافرة بالمال وارتهانًا وضمانًا من الأعمال كخياطة وحدادة فهي صحيحة وهي الجمع بين عنان ومضاربة ووجوه وأبدان وتقدم وجه صحتها. والنوع الثاني: أن يشتركا في كلما يثبت لهما وعلهما إن لم يدخلا في الشركة كسبًا نادرًا
стр. 1606
أو غَرامةً؛ لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت. والقسم الثاني: فاسد، وهو أن يدخلا في الشركة كسبًا نادرًا كوجدان لقطة أو ركاز أو يدخلا فيها ما يحصل لهما من ميراث أو يدخلا فيها ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أرش جنايةٍ أو ضمان عارية أو لزوم مهر بوطء؛ لأنه عقدٌ لم يرد الشرع بمثله، ولما فيه من كثرة الغررِ؛ لأنه قد يلزمُ فيه ما لا يقدرُ الشريك عليه، ولكل من الشريكين في هذا القسم ما يستفيده وله ربح ماله وله أجرة عمله لا يشركه فيه غيره لفساد الشركة، ويختص كل منهما بضمان ما غصبه أو جناه أو ضمنه عن الغير؛ لأن لكلِ نفسٍ ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ.
من النظم مما يتعلق بشركة الأبدان
وشركة أكسَاب بأبدانهم تجز … ولو باختلاف الصنعتين بأجودِ
بكل مباح كالتلصُصِ منهم … على أهل دار الحرب أو كالتصَيُّدِ
وصحتُها في الغُنْمِ في نَفَلٍ وفي … اسْتِلابِ قَتِيْلٍ إذ يُخَصَّا بِمُوْجِدِ
ومَن يَتَقَبَّل منهم عملًا يَصِرْ … عليهم وقسِمْ بَيْنَهم كَسْبَ مُفْرَدِ
ويَلْزَمَ ذَا قَسْمٍ مَتى يَبغِ نائب … وقيل إنْ تَرَكْ كسبًا بلا عُذْرِ أطد
وما كسباه اقْسمْهُ بَيْنَهُمَا على … تشارطُهم في مُبتدأ العَقْدِ تَهْتَدِ
стр. 1607
وشَرْطَتُهُمْ في حَمْلِ ما اقْتَبَلُوا به … بذِمَّتِهم صَحِّحْ ولا تَتَردّدِ
وإن أجَّرُوا الأعيانَ كُلٌ امرء اثِبْ … على حَمْلِ ما يَخْتَصُّهُ في المجودِ
ومن يعط عبدًا أو بهائم عاملًا … عليها بنصف الكسب أو نحوه طد
كذا دَفْع أثوابٍ لِشَخْصٍ يَخِيْطُهَا … وغَزْل لِنسَّاجٍ بِرَيْعِ المُزَيّدِ
وإن يأخُذَنْ نَعْلا ورواية فَتى … وبَغْلا ودَارًا وَالرَّحَى مِن مُعَدّد
ويعمل فيها والمُحصَّلُ بَيْنَهم … يَصِحُّ وقيل ارْدُدْ وبالأجر زَوّدِ
كذا رفعُ قوس والشباك وصائد … بِمَعْلُومِ جُزْء الصَّيْدِ صَحّحْ كما ابتدى
وقيل لذي الآلاتِ أجرةُ مثِله … لبطلانها والصَّيدُ لِلْمُتَصَيِّد
ومن يشترط مع جزء كسب دراهمًا … لخيفة الاستغراق للكل يفسد
ويشرط في كل المسائل عامل … فإن آجروا أموالهم مع تعقد
على شركة فيما تحصل لم يجز … وكُلٌ بأجْرَة ملْكِهِ فَلْيُفَرَّدِ
стр. 1608
والأوكد منع إعطاء ماشِيَةٍ لِمَنْ … يَعُولُ بثُلْثِ الدُّرِ والنَّسْل أسْنِدِ
وأن يرعها حولًا كمِيْلًا بثُلْثِهَا … له الثلثُ بالنامِي يَصحُّ بأوطد
وأربعةُ الأنواع جمْعُكَ بَيْنَها … صَحيح فشَارِكْ بالأمانةِ واجْهَدِ
وشركة دَلَّالِينَ غَير صَحِيْحَةٍ … وإن جَازَ تَوْكِيْلُ الوكيل فَجَوِّدِ
وإدخالُهم في شركة كسبُ نادرٍ … مُفَاوَضَىً عَنْ رَدِّهَا لا تَحَيَّدِ
٤٥ - باب المساقاة
س ٤٥: ما هي المساقاة؟ ولماذا جعلت بين القراض والإجارة؟ وما الأصل فيها؟ وما الذي تصح عليه والذي لا تصح عليه؟ وما هي المناصبة؟ وما هي المغارسة؟ وما الدليل؟ وما هي المزارعة؟ ولماذا جمعت في باب واحد؟ وما الذي يعتبر للمساقاة والمزارعة؟ وما الألفاظ التي تصح بها؟ وتكلم عن إجارة الأرض بنقد أو بعرض أو بجزء، وعن ما إذا لم يزرعها المستأجر، وعن إجارة الأرض بطعام، وعن المساقاة على وَدْي النخل أو على شجر يغرسه ويعمل عليه. واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: المساقاة: من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز؛ لأن النخل تُسقى به نضحًا من الآبار فتكثر مشقته، ولما كانت شبيهة بالقراض في العمل في شيء ببعض نمائه، وللإجارة في اللزوم والتأقيت جعلت بينهما، وشرعًا: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء
стр. 1609
مشاع معلوم من ثمره.
والمزارعة: مفاعلة من الزرع، وشرعًا: دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها والزرع بينهما. والمخابرة هي المزارعة.
اختار الشيخ جواز المساقاة على شجر يغرس ويعمل عليه بجزء معلوم من الشجر أو بجزء من الشجر والثمر كالمزارعة، وقال: ولو كان مغروسًا، وإن اشتركا في الغرس والأرض فسدت وجهًا واحدًا، قاله في «الإنصاف»، وقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحتها، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم. اهـ.
وسواء في ذلك النخل والكرم والرمان والجوز واللوز والزيتون وغيرها، وأن يكون معلومًا للمالك والعامل برؤية أو وصف، فلو ساقاه على بستان غير معين ولا موصوف أو على أحد هذين الحائطين لم يصح؛ لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، لم تجز على غير معلوم كالبيع، والأصل في جوازها ما روى ابن عمر قال: «عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع» متفق عليه. وعن طاوس: «أن معاذ ابن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع، فهو يعمل به إلى يومك هذا» رواه ابن ماجه. وقال البخاري: قال قيس بن مسلم: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ما المدينة أهل بَيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، والمعنى شاهد بذلك، ودال عليه؛ فإن كثيرًا من أهل الشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا تشجر لهم ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة تجويز للحاجتين وتحصيل لمصلحة الفئتين كالمضاربة بالأثمان، وما روي عن ابن عمر أنا قال: كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج «أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة» فمحول على رجوعه عن معاملة فاسدة، فسرها رافع في حديثه، ولا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع؛
стр. 1610
لأنه ﵊ لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ثم عمل به الخلفاء بعده ثم من بعدهم، فكيف يتصور نهيه ﵊ عن ذلك! بل هو محمول على ما رواه البخاري عنه قال: «تكرى الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهانا» فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ، وروي تفسيره أيضًا بشيء غير هذا من أنواع الفساد وهو مضطرب أيضًا. قال الإمامُ رافعُ يروي عنه في هذا ضروب كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه، وقال طاوس: إن أعلمهم -يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي ﷺ لم ينهه عنه؛ ولكن قال: «لأنْ يَمْنَحَ أحدُكم أخاه أرضًا خيرٌ من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا» متفق عليه؛ وأما المساقاة على ما ليس له ثمر مأكول كالصفصاف، ويقال: له الخلاف، وذكر ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار»: أن الخلاف شجر سقط ثمره قبل تمامه، وهو الصفصاف.
وقال الشاعر:
توقَ خلافًا إن سَمَحْتَ بموعد … لِتسلَم مِن لوم الوَرى وتُعافَى
فلو صَدَقَ الصَّفْصَافُ مِن بَعدِ نورِهِ … إيواء آفةٍ مَا لَقَّبُوهُ خِلافًا
والسَّرر والوِرد ونحوها، فَقيل: لا تصح عليه؛ لأنه ليس منصوصًا عليه ولا في معنى المنصوص عليه؛ ولأن المساقاة إنما تجوز بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له، وقيل: تصح المساقاة على ماله ورق يقصد كتوت أو له زهر يقصد كورد وياسمين ونحوه إجراء للورق والزهر مجرى الثمرة، قالوا: وعلى قياس ماله ورقٌ أو زهر يُقْصَد وشجرٌ له خشبٌ يُقْصَدُ كَحَوَرِ وصَفْصَافٍ، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
стр. 1611
وتصح المساقاة بلفظ مساقاة؛ لأنه لفظها الموضوع لها، وبلفظ معاملة، وبلفظ مفالحة، واعمل بستاني هذا حتى تكمل ثمرته على النصف مثلًا ونحوه وبكل لفظ يؤدي معناها؛ لأن القصد المعنى، فإذا دل عليه بأي لفظ كان صح كالبيع، وتقدم صفة القبول في الوكالة، وأنه يصح بما يدل عليه من قول وفعل فشروعه في العمل قبول.
وتصح المساقاة بلفظ إجارة وتصح مزارعة بلفظ إجارة، فلو قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط بنصف ثمرته أو زرعه، صح؛ لأنه القصد المعنى، وقد وجد ما يدل على المراد منه، وتصح إجارة أرض معلومة مدة معلومة بنقد معلوم، وبعروض معلومة، وتصح إجارتها بجزء مشاع معلوم كالنصف والثلث مما يخرج منها سواء كان طعامًا كالبر والشعير أو غيره كالقطن والكتان، وهو إجارة حقيقية كما لو أجرها بنقد، وهذا القول من المفردات، قال ناظمها:
ببعض ما تخرج أرض تؤجر … كالثلث أو كالنصف أو ما قدروا
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يصح ذلك؛ لأنها إجارة عين ببعض نمائها فلم يجز كسائر الأعيان.
وقال أيضًا ناظم المفردات:
يصحّ في الأرضين أن يزارعوا … ببعض ما تخرجه المزارع
ومنع النعمان ثم مالك … مِن ذا وقالا لا يصح ذلك
стр. 1612
والشافعي وافقهم في البيضا … وقال لا يصح فيها أيضًا
وذاك باب كامل مطرد … مذهبنا به إذا ينفرد
وقال أبو الخطاب ومن تبعه: هي مزارعة بلفظ الإجارة مجازًا؛ فإن لم يزرعها المستأجر في إجارة أو مزارعة، وسواء قلنا إنها إجارة أو مزارعة نظر إلى معدل المغلّ أي الموازن لما يخرج منها لو زرعت فيجب القسط المسمى في العقد وإن فسدت فأجرة المثل.
وتصح إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس الخارج منها، كما لو أجرها ليزرعها برًا بقفيز بر، وتصح إجارتها بطعام معلوم من غير جنس الخارج منها بأن أجرها بشعير لمن يزرعها بُرًا وتصح المساقاة على شجر له ثمرة موجودة لم تكمل تنمى بالعمل وتصح المزارعة على زرع نابت ينمي بالعمل؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر فيه، ففي الموجود مع قلة الغرر أولى؛ فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة أو الزرع كالجذاذ والحصاد لم يصح عقد المساقاة ولا المزارعة.
وقال في «المغني» و «المبدع»:
بغير خلاف وإذا ساقاه على صغار النخل أو ساقاه على صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا بجزء من الثمرة صح العقد؛ لأنه ليس فيها أكثر من أن عملَ العاملِ يَكثر ونصيبُه يقِل وهذا لا يمنع صحتها، كما لو جعل له جزء من ألف جزء، وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم من الثمرة أو من الشجر أو منهما، وهي المغارسة والمناصبة صح، واحتج بحديث خيبر؛ ولأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر مغروس. قال الشيخ تقي الدين: ولو كان
стр. 1613
ناظر وقف وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة. انتهى.
ومراده بالحاجة ما يجوز معه بيع الوقف؛ فإن كان الغراس من العامل فصاحب الأرض بالخيار بين قلعه، ويضمن له نقصه وبين تركه في أرضه، ويدفع إلى العامل قيمة الغراس كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها، ثم أخَذَ الشقص المشفوع الشفيعُ بالشفعة، وإن اختار العام قلع شجره، فله ذلك سواء بذل له صاحب الأرض القيمة أولًا؛ لأنه ملكه فلم يمنع تحويله وإن اتفق صاحب الأرض والعامل على بقاء الغراس في الأرض ودفع أجرة الأرض جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما، وقيل: يصح كون الغراس من مساق ومزارع ومناصب.
قال المنقح: وعليه العمل، وقال في «الإنصاف»: حكمه حكم المزارعة اختاره الموفق، والشيخ تقي الدين وابن رزين وأبو محمد الجوزي، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
٤٦ - أركان المساقاة وشروطها وأمثلة لها مما يصح ومما لا يصح وبحوث حول ذلك
س ٤٦: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشرطا التفاضل في الثمرة، وما هي أركان المساقاة؟ وما هي شروطها؟ جعل للعامل دراهم معلومة أو آصعًا معلومة مع الجزء المشاع، إذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون فشرط للعامل من كل جنس إذا كان البستان لاثنين فساقيا عاملًا واحدًا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر، إذا ساقى واحد على بستان له اثنين أو ساقاه على بستانه ثلاث على أن له في السنة الأولى النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع، المساقاة على البعل، واذكر الدليل والتعليل والترجيح والشروط والقيود والمحترزات.
стр. 1614
ج: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشطر الشريكان التفاضل في الثمرة بأن قالا على أن لك الثلث ولي الثلثان صح؛
لأن من شرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث، ومن شرط صحته تقدير نصيب العامل بجزء مشاع من الثمر كالثلث والربع والخمس؛ لما سبق من أنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فلو جعل للعامل جزأ من مائة جزء جاز أو جع لرب الشجر الجزء من مائة جزء لنفسه، والباقي للعامل جاز ما تراضَوا عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فلا يصح، وإن ساقا على النخل بسهم معلوم كالثلث أو الربح وشرط عليه زيادة وزان معلومة أو دراهم معلومة أو ساقاه على نخلة بخمسمائة وزنه أو أقل أو أكثر أو جعل له بدل التمر دراهم، فهذا النوع إجازة الشيخ تقي الدين والجمهور على المنع، والذي تطمئن إليه النفس ما قاله الشيخ. والله أعلم.
وأركان المساقاة ثلاثة: إيجاب، وقبول، وصيغة، وشروطها: سبعة أن تكون من جائز التصرف أن تكون على شجر، فلا تصح على ما ليس بشجر كالخضروات أن يكون الشجر له ثمر أن يكون الثمر يؤكل عادة أن يكون نصيب كل منهما معينًا كالنصف والربع أن يكون الشجر معلومًا برؤية أو صفة أن لا يشترط لأحدهما ثمر شجرة أو شجر معين.
وإذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون وكرم فَشَرطَ ربُّ البستان للعامل من كل جنس من الشجر قدرًا معلومًا كنصف ثمر
التين وثلث ثمر الزيتون وربع ثمر الكرم صح، أو كان البستان أنواعًا من كل جنس فشرط من كل نوع قدرًا معلومًا كنصف البرني وثلث
стр. 1615
الصيحان وربع الإبراهيمي، وربُّ البستان والعامل يعرفان قدر كل نوع صحَّ العقدُ على ما شرطاه؛ لأن ذلك بمنزلة ثلاثة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالثلث ونصفه بالربع، وهما متميزان صح؛ لأنهما كبستانين، وإن كان البستان لاثنين فَساقيا عاملًا واحدًا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عالم ما لكل واحد منهما من البستان صح العقد؛ لأنه بمنزلة بُستانين ساقاه كل واحد منهما على واحد بجزء مخالف للآخر، وكذا إن جهل العامل ما لكل منهما من البستانين إذا شرطا قدرًا واحدًا، كأن يقولا: اعمل في هذا البستان في الثلث؛ لأن له ثلث نصيب كل منهما بالغًا ما بلغ، كما لو قالا: بعناك دارنا هذه بألف ولم يعلم المشتري نصيب كل واحد منهما؛ فإنه يصح؛ لأنه اشترى الدار كلها منهما وهما يقتسمان الثمن على قدر ملكيهما، ولو ساقى واحد على بستان له اثنين ولو مع عدم التساوي بينهما في النصيب بأن جعل لأحدهما السدس وللثاني الثلث صح، أو ساقا واحدًا على بستانه ثلاث سنين على أن له في السنة الأولى النصف، وفي السنة الثانية الثلث، وفي السنة الثالثة الربع صح؛ لأن قدر الذي له في كل سنة معلوم، فصح كما لو شرط له من كل نوع قدرًا.
٤٧ - حكم المساقاة والمزارعة وما حول ذلك من المسائل
س ٤٧: ما حكم المساقاة والمزارعة؟ وما الذي يبطلان به؟ وهل يفتقران إلى قبول أو ضرب مدة؟ وما الحكم فيما إذا فسخت؟ وإذا مات العامل في المساقاة أو المناصبة، فما الحكم؟ واذكر ما يترتب على ذلك، وإذا باع العامل نصيبه، واذكر مشابههُ، وما يترتب على ذلك، وإذا فسخ رب المال أو وقتت أو ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا فلم تحمل الثمرة أو ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وهل يلزم الغاصب شيء؟ وعلى من يستقر الضمان؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا اقتسمها الغاصب والعامل، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وما الذي يترجح من الأقوال؟
следующие страницы →