Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وتصح المساقاة بلفظ مساقاة؛ لأنه لفظها الموضوع لها، وبلفظ معاملة، وبلفظ مفالحة، واعمل بستاني هذا حتى تكمل ثمرته على النصف مثلًا ونحوه وبكل لفظ يؤدي معناها؛ لأن القصد المعنى، فإذا دل عليه بأي لفظ كان صح كالبيع، وتقدم صفة القبول في الوكالة، وأنه يصح بما يدل عليه من قول وفعل فشروعه في العمل قبول.
وتصح المساقاة بلفظ إجارة وتصح مزارعة بلفظ إجارة، فلو قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط بنصف ثمرته أو زرعه، صح؛ لأنه القصد المعنى، وقد وجد ما يدل على المراد منه، وتصح إجارة أرض معلومة مدة معلومة بنقد معلوم، وبعروض معلومة، وتصح إجارتها بجزء مشاع معلوم كالنصف والثلث مما يخرج منها سواء كان طعامًا كالبر والشعير أو غيره كالقطن والكتان، وهو إجارة حقيقية كما لو أجرها بنقد، وهذا القول من المفردات، قال ناظمها:
ببعض ما تخرج أرض تؤجر … كالثلث أو كالنصف أو ما قدروا
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يصح ذلك؛ لأنها إجارة عين ببعض نمائها فلم يجز كسائر الأعيان.
وقال أيضًا ناظم المفردات:
يصحّ في الأرضين أن يزارعوا … ببعض ما تخرجه المزارع
ومنع النعمان ثم مالك … مِن ذا وقالا لا يصح ذلك
стр. 1612
والشافعي وافقهم في البيضا … وقال لا يصح فيها أيضًا
وذاك باب كامل مطرد … مذهبنا به إذا ينفرد
وقال أبو الخطاب ومن تبعه: هي مزارعة بلفظ الإجارة مجازًا؛ فإن لم يزرعها المستأجر في إجارة أو مزارعة، وسواء قلنا إنها إجارة أو مزارعة نظر إلى معدل المغلّ أي الموازن لما يخرج منها لو زرعت فيجب القسط المسمى في العقد وإن فسدت فأجرة المثل.
وتصح إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس الخارج منها، كما لو أجرها ليزرعها برًا بقفيز بر، وتصح إجارتها بطعام معلوم من غير جنس الخارج منها بأن أجرها بشعير لمن يزرعها بُرًا وتصح المساقاة على شجر له ثمرة موجودة لم تكمل تنمى بالعمل وتصح المزارعة على زرع نابت ينمي بالعمل؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر فيه، ففي الموجود مع قلة الغرر أولى؛ فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة أو الزرع كالجذاذ والحصاد لم يصح عقد المساقاة ولا المزارعة.
وقال في «المغني» و «المبدع»:
بغير خلاف وإذا ساقاه على صغار النخل أو ساقاه على صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا بجزء من الثمرة صح العقد؛ لأنه ليس فيها أكثر من أن عملَ العاملِ يَكثر ونصيبُه يقِل وهذا لا يمنع صحتها، كما لو جعل له جزء من ألف جزء، وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم من الثمرة أو من الشجر أو منهما، وهي المغارسة والمناصبة صح، واحتج بحديث خيبر؛ ولأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر مغروس. قال الشيخ تقي الدين: ولو كان
стр. 1613
ناظر وقف وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة. انتهى.
ومراده بالحاجة ما يجوز معه بيع الوقف؛ فإن كان الغراس من العامل فصاحب الأرض بالخيار بين قلعه، ويضمن له نقصه وبين تركه في أرضه، ويدفع إلى العامل قيمة الغراس كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها، ثم أخَذَ الشقص المشفوع الشفيعُ بالشفعة، وإن اختار العام قلع شجره، فله ذلك سواء بذل له صاحب الأرض القيمة أولًا؛ لأنه ملكه فلم يمنع تحويله وإن اتفق صاحب الأرض والعامل على بقاء الغراس في الأرض ودفع أجرة الأرض جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما، وقيل: يصح كون الغراس من مساق ومزارع ومناصب.
قال المنقح: وعليه العمل، وقال في «الإنصاف»: حكمه حكم المزارعة اختاره الموفق، والشيخ تقي الدين وابن رزين وأبو محمد الجوزي، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
٤٦ - أركان المساقاة وشروطها وأمثلة لها مما يصح ومما لا يصح وبحوث حول ذلك
س ٤٦: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشرطا التفاضل في الثمرة، وما هي أركان المساقاة؟ وما هي شروطها؟ جعل للعامل دراهم معلومة أو آصعًا معلومة مع الجزء المشاع، إذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون فشرط للعامل من كل جنس إذا كان البستان لاثنين فساقيا عاملًا واحدًا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر، إذا ساقى واحد على بستان له اثنين أو ساقاه على بستانه ثلاث على أن له في السنة الأولى النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع، المساقاة على البعل، واذكر الدليل والتعليل والترجيح والشروط والقيود والمحترزات.
стр. 1614
ج: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشطر الشريكان التفاضل في الثمرة بأن قالا على أن لك الثلث ولي الثلثان صح؛
لأن من شرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث، ومن شرط صحته تقدير نصيب العامل بجزء مشاع من الثمر كالثلث والربع والخمس؛ لما سبق من أنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فلو جعل للعامل جزأ من مائة جزء جاز أو جع لرب الشجر الجزء من مائة جزء لنفسه، والباقي للعامل جاز ما تراضَوا عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فلا يصح، وإن ساقا على النخل بسهم معلوم كالثلث أو الربح وشرط عليه زيادة وزان معلومة أو دراهم معلومة أو ساقاه على نخلة بخمسمائة وزنه أو أقل أو أكثر أو جعل له بدل التمر دراهم، فهذا النوع إجازة الشيخ تقي الدين والجمهور على المنع، والذي تطمئن إليه النفس ما قاله الشيخ. والله أعلم.
وأركان المساقاة ثلاثة: إيجاب، وقبول، وصيغة، وشروطها: سبعة أن تكون من جائز التصرف أن تكون على شجر، فلا تصح على ما ليس بشجر كالخضروات أن يكون الشجر له ثمر أن يكون الثمر يؤكل عادة أن يكون نصيب كل منهما معينًا كالنصف والربع أن يكون الشجر معلومًا برؤية أو صفة أن لا يشترط لأحدهما ثمر شجرة أو شجر معين.
وإذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون وكرم فَشَرطَ ربُّ البستان للعامل من كل جنس من الشجر قدرًا معلومًا كنصف ثمر
التين وثلث ثمر الزيتون وربع ثمر الكرم صح، أو كان البستان أنواعًا من كل جنس فشرط من كل نوع قدرًا معلومًا كنصف البرني وثلث
стр. 1615
الصيحان وربع الإبراهيمي، وربُّ البستان والعامل يعرفان قدر كل نوع صحَّ العقدُ على ما شرطاه؛ لأن ذلك بمنزلة ثلاثة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالثلث ونصفه بالربع، وهما متميزان صح؛ لأنهما كبستانين، وإن كان البستان لاثنين فَساقيا عاملًا واحدًا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عالم ما لكل واحد منهما من البستان صح العقد؛ لأنه بمنزلة بُستانين ساقاه كل واحد منهما على واحد بجزء مخالف للآخر، وكذا إن جهل العامل ما لكل منهما من البستانين إذا شرطا قدرًا واحدًا، كأن يقولا: اعمل في هذا البستان في الثلث؛ لأن له ثلث نصيب كل منهما بالغًا ما بلغ، كما لو قالا: بعناك دارنا هذه بألف ولم يعلم المشتري نصيب كل واحد منهما؛ فإنه يصح؛ لأنه اشترى الدار كلها منهما وهما يقتسمان الثمن على قدر ملكيهما، ولو ساقى واحد على بستان له اثنين ولو مع عدم التساوي بينهما في النصيب بأن جعل لأحدهما السدس وللثاني الثلث صح، أو ساقا واحدًا على بستانه ثلاث سنين على أن له في السنة الأولى النصف، وفي السنة الثانية الثلث، وفي السنة الثالثة الربع صح؛ لأن قدر الذي له في كل سنة معلوم، فصح كما لو شرط له من كل نوع قدرًا.
٤٧ - حكم المساقاة والمزارعة وما حول ذلك من المسائل
س ٤٧: ما حكم المساقاة والمزارعة؟ وما الذي يبطلان به؟ وهل يفتقران إلى قبول أو ضرب مدة؟ وما الحكم فيما إذا فسخت؟ وإذا مات العامل في المساقاة أو المناصبة، فما الحكم؟ واذكر ما يترتب على ذلك، وإذا باع العامل نصيبه، واذكر مشابههُ، وما يترتب على ذلك، وإذا فسخ رب المال أو وقتت أو ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا فلم تحمل الثمرة أو ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وهل يلزم الغاصب شيء؟ وعلى من يستقر الضمان؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا اقتسمها الغاصب والعامل، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وما الذي يترجح من الأقوال؟
стр. 1616
أو ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وهل يلزم الغاصب شيء؟ وعلى من يستقر الضمان؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا اقتسمها الغاصب والعامل، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وما الذي يترجح من الأقوال؟
ج: المساقاة والمزارعة عقدان جائزان من الطرفين؛ لما روى مسلم عن ابن عمر في قصة خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «نقركم على ذلك ما شئنا» ولو كان لازمًا لم يجز بغير توقيت مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم؛ ولأنها عقد على جزء المال فكانت جائزة كالمضاربة، وهذا القول من المفردات، قال ناظمها:
عقد المُسَاقِي وكذا المزرعي … جوازُه ففي الأصحِ قَد رُعى
وقال أكثر الفقهاء: هو عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة؛ ولأنه لو كان جائزًا جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر، وللأمر بالوفاء والعهود وليست من عقود التبرعات أو من عقود الوكالات حتى يسمح لأحدهما في فسخها، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين أي أنها عقد لازم، وهو قول مالك، وهذا القول الشيخ تقي الدين، أي أنها عقد لازم وهو قول مالك، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم. وعلى القول الأول يبطلان بما تبطل به الوكالة من موت وجنون وحجر لسفهٍ وعزل ولا يفتقران إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها؛ لأنه ﷺ لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولكل فسخا أي المساقاة والمزارعة؛ لأنه شأن العقود الجائزة؛ فإن فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة فالثمرة بين المالك والعامل على ما شرطاه عند العقد؛ لأنها حدثت على ملكهما وكالمضاربة ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها كالمالك والمضارب، ويلزم
стр. 1617
العامل تمام العمل في المساقاة كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة، قال المنقح: فيؤخذ منه دوام العمل على العامل في المناصبة، ولو فسخت المناصبة إلى أن تبيد الشجر التي عقدت عليها المناصبة، والواقع كذلك؛ فإن مات العامل في المساقاة أو المناصبة قام وارثه مقامه في الملك
والعمل؛ لأنه حق ثبت للمورث وعليه فكان لوارثه؛ فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل لم يجبر ويستأجر الحاكم من التركة من يعمل؛ فإن لم تكن تركة أو تعذر الاستئجار منها بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لتكميل العَمل واسُتؤجر من يعمله ذكره في «المغني»، وإن باع العامل نصيبه لمن يقوم مقامه أو باعه وارثه لمن يقوم مقامه بالعمل جاز؛ لأنه ملكه وإن تعلق به نصيب حق المالك من حيث العمل لم يمنع صحة البيع؛ لأنه لا يفوت عليه؛ لكن إن كان المبيع ثمرًا لم يصح إلا بعد بدو الصلاح أو لمالك الأصل وإن كان المبيع نصيب المناصب من الشجر صح مطلقًا، وصح شرط العمل من البائع على المشتري كالمكاتب إذا بيع على كتابته، وللمشتري الملك وعليه العمل؛ لأنه يقوم مقام البائع فيما له وعليه؛ فإن لم يعلم المشتري بما لزم البائع من العمل فله الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن وبين الإمساك وأخذ الأرش كمن اشترى مكاتبًا لم يعلم أنه مكاتب، وإن فسخ العامل أو هرب قبل ظهور الثمرة فلا شيء له؛ لأنه قد رضي بإسقاط حقه فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح وعامل الجعالة إذا فسخ قبل تمام عمله، وإن فسخ المالك المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد شروع العامل بالعمل فعليه للعامل أجرة عمله، بخلاف المضاربة؛ لأن الربح لا يتولد من المال بنفسه، وإنما يتولد من العمل ولم يحصل بعمله ربح والثمر متولد من عين الشجر، وقد عمل على الشجر عملًا مؤثرًا في الثمر، فكان لعمله تأثير في حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ، ذكره ابن رجب في «القواعد».
стр. 1618
ويصح توقيت المساقاة؛ لأنه لا ضرر في توقيت المدة وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا، فلم تحمل تلك السنة فلا شيء للعامل؛ لأنه دخل على ذلك وكالمضاربة وإن ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل أخذ الشجر ربه وأخذ ثمرته؛ لأنه عين ماله ولا حق للعامل في ثمرته ولا أجرة له على رب
الشجر؛ لأنه لم يأذن له في العمل، وللعامل على الغاصب أجرة مثله؛ لأنه غره واستعمله كما لو غصب نقرة واستأجر من ضربها دراهم، وإن شمس العامل الثمرة فلم تنقص قيمتها بذلك أخذها المغصوب منه، وإن نقصت الثمرة بذلك فله أخذها وأرش نقصها، ويرجع به على من شاء منهما من العامل أو الغاصب ويستقر الضمان على الغاصب؛ لأنه سبب يد العامل وإن استحقت الثمرة بعد أن اقتسمها الغاصب والعامل وأكلاها، فللمالك تضمين من شاء منهما؛ فإن ضمن الغاصب فله تضمينه الكل وله تضمينه قدر نصيبه؛ لأن الغاصب سبب إزالة يد العامل فلزم ضمان الجميع وله تضمين العامل قدر نصيبه لتلفه تحت يده؛ فإن ضمن المالك الغاصب الكل رجع على العامل قدر نصيبه لتلفه تحت يده؛ فإن ضمن المالك الغاصب الكل رجع على العامل بقدر نصيبه؛ لأن التلف وجد في يده فاستقر الضمان عليه ويرجع العامل على الغاصب بأجرة مثله؛ لأنه غره وإن ضمن العامل احتمل أن لا يضمنه إلا نصيبه خاصة؛ لأنه ما قبض الثمرة كلها، بل كان مراعيًا لها وحافظًا، ويحتمل أن يضمنه الكل؛ لأن يده مشاهدة بغير حق؛ فإن ضمنه الكل رجع على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله وإن يضمن كل ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجرة مثله لا غيره، وإن تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل قسمة، فمن جعل للعامل قابضًا لها بثبوت يده على حائطها قال: يلزمه ضمانها، ومن قال: لا يكون قابضًا إلا بأخذ نصيبه منها، قال: لا يلزمه الضمان ويكون على الغاصب ذكره في «المغني» و «شرح المنتهى». اهـ. من «الإقناع وشرحه» باختصار وتصرف.
стр. 1619
٤٨ - ما يلزم العامل في المساقاة والمزارعة
وما الذي يلزم رب الأصل فعله وذكر بعض الشروط المشترطة في ذلك
س ٤٨: ما الذي يلزم العامل في المساقاة والمزارعة؟ وما الذي يلزم رب الأصل فعله؟ وما حكم شرط الجذاذ على العامل؟ وإذا شرط في المضاربة والمساقاة والمزارعة عمل مالك أو عمل غلامه معه أو شرط العامل إن أجر الأجير الذي يستعين به يؤخذ من المال، وما الذي تتبع به الكلف السلطانية؟ وما الذي قاله الشيخ تقي الدين حول هذا الموضوع؟ وعلى من يكون الخراج في الأرض الخراجية؟ وهل يقبل قول العامل في عدم التعدي أو في الرد؟ وماذا يعمل معه إذا خان في العمل؟ وإذا اختلفا فيما شرط لعامل أو في مبطل أو اتهم رب المال العامل فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والترجيح.
ج: على عامل في المساقاة والمغارسة والمزارعة عند إطلاق العقد كل ما فيه نمو أو صلاح الثمر وزَرْعٍ من سقي بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر بئر ولا إدارة دولاب وإصلاح طرق الماء بتنقية مجراه من طين وغيره وإصلاح محله بتسوية ما ارتفع من الأرض مع ما انخفض منها لتشرب العروق وتستوفي حظها من الماء وتشميسُ ما يحتاج إلى تشميس وإصلاح موضع الشمس وحرث وآلته وبقره وزبار وهو تخفيف الكرم من الأغصان الرّديئة وبعض الجيدة بقطعها بمنجل ونحوه، وتلقيح وهو جعل طلع الفحال في طلع التمر وقطع حشيش مضر بشجر أو زرع وقطع شوك وشجر يبس وآلة قطع كفأس ومنجل وتفريق زبل وتفريق سباخ، وهو ما يجمع من الأزقة من رماد وغيره ونقل ثمر ونقل زرع لبيدر ومصطاح وحصاد ودياس ولقاط لنحو قثاء وباذنجان وتصفية زرع وتجفيف ثمرة وحفظها على الشجر وحفظ زرع في الجرين إلى قسمة وإصلاح حفر أصول نخل وتُسمى
стр. 1620
الأجاجين يجمع بها الماء ويثبت على الأصول فتروى وتنمو؛ لأن ذلك كله فيه صلاح الزرع والثمر وزيادتهما فهو لازم للعامل بإطلاق العقد، ويجب على رب أصل فعل ما يحفظ الأصل كسد حائط وتحصيل سياج وهو
الشوك يجعل على الجدار ليحفظ من الدخول وإجراء نهر وحفر بئر والجذاذ على العامل؛ لأنه كنقل الثمرة إلى الجرين فكان على العامل كالتشميس والحفظ ونحوه، وقيل: عليهما بقدر حصتيهما، والذي يترجح عندي القول الأول؛ لأن النبي ﷺ دفع إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم، وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة أشبه التشميس. والله أعلم.
قال ناظم المفردات:
وعِنْدنَا العَامِلُ والمُسَاقِي … عَلَيْهما الجَذَاذُ في الإطلَاقِ
والشيخُ لِلْعَامِلِ بَلْ يَخْتَصُّ … كالحَصْدِ والأولُ فيه النَّصُ
والله أعلم.
وإن شرط في المضاربة والمساقاة والمزارعة عمل مالك أو عمل غلامه مع العامل بأن شرط أن يعينه في العمل، صح كشرطه عليه عمل بهيمة؛ لأنه هناك شرط مجرد المعونة فلم تؤثر في العقد ويتبع في الكلف السلطانية، وهي التي يطلبها السلطان العُرْف فما عرف أخذه من رب المال، وهو المالك فيؤخذ منه أو عرف أخذه من عامل فهو عليه، ويؤخذ منه ما لم يكن شرط جرى بينهما فيتبع ويعمل بمقتضاه؛ لحديث: «المؤمنون على شروطهم» وما طلب من قرية مِن كلف سلطانية فَعَلى قدر الأموال؛ فإن وُضِعَ على الزرع فعلى ربه، أو وضِعَ على العقار فعلى ربه ما لم يشترط على مستأجر، وإن
стр. 1621
وضع مطلقًا فالعادة، قاله الشيخ تقي الدين.
وقال في المظالم المشتركة التي تطلب من الشركاء في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم ورؤوسهم مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم؛ أما على عدد رؤوسهم أو على عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم، كما يؤخذ منهم أكثر من الزكاة الواجبة في الشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع أو تؤخذ منهم الكلف التي تؤخذ في غير الأجناس الشرعية كما وضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك، وإن كان قد قيل إن ذلك وضع بتأويل وجوب الجهاد عليهم بأموالهم واحتياج الجهاد إلى تلك الأوال كما ذكره صاحب «غياث الأمم» وغيره مع ما دخل في ذلك من الظلم الذي لا مساغ له عند العلماء، ومثل ما يجمع لبعض العوارض لقدوم السلطان وحدوث ولد له ونحوه؛ وأما أن ترمي عليهم سلع تباع منهم بأكثر من أثمانها، وتسمى الحطائط، ومثل القوافل فيطلب منهم على عدد رؤوسهم أو دوابهم أو قدر أموالهم أو يطلب منهم كلهم، فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل على ما يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضًا فيما يطلب منهم، بل عليهم التزام العدل فيم أخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق؛ فإن هذه الكُلف التي تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم، وإنما يختلف حالهما بالنسبة إلى الآخذ، فقد يكون آخذًا بحق وقد يكون آخذًا بباطل؛ وأما المطالبون فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم فليس لبعضهم أن يظلم بعضًا في ذلك، بل العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل الأحوال والظلم لا يباح منه بحال وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره، بل إما أن يؤدي قسطه فيكون
стр. 1622
عادلًا؛ وإما أن يؤدي زائدًا على قسطه فيعين شركاءه فيما أخذه منهم فيكون محسنًا، وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال امتناعًا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم؛ فإن المال إذا كان
يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلمَ من يؤخذ منه القسط الذي يخصه، وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره؛ فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه، فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره، وحينئذ فيكون الأداء واجبًا على جميع الشركاء كل يؤدي قسطه الذي ينوبه إذا قسم المطلوب بينهم بالعدل، ومن أدى غَيْرُهُ قِسْطَهُ بغير إكراه كان له أن يرجع إليه، وكان محسنًا إليه في الأداء عنه فيلزمه أن يعطيه ما أداه عنه، كما في المقرض المحسن، ومن غاب ولم يؤد حتى أدى عنه الحاضرون لزم قدر ما أدوه عنه ومن قبض ذلك من ذلك المؤدى عنه وأداه إلى هذا المؤدي جاز له أخذه سواء كان الملزِم له بالأداء هو الظالم الأول أو غيره؛ ولهذا له أن يدعي بما أداه عنه كما يحكم عليه بأداء بدل القرض ولا شبهة على الآخذ في أخذ بدل ماله، والخراج في الأرض الخراجية على رب ماله لا على عامل؛ لأنه على رقبة الأرض أثمرت الشجر أو لم تثمر؛ ولأنه أجرة الأرض فكان على مَن هي ملكه ولا يجب الخراجُ في الأرض الخراجية على عامل؛ لأنه لا ملك له فيها، كما لو زارع آخر على أرضٍ مستأجرةٍ، فالأجرة عليه دون العامل؛ لأن منافعها صارت مستحقة له فملك المزارعة فيها كذلك، وحكم موقوف عليه كمالك في مساقاة ومزارعة، وكذا ينبغي في ناظر الوقف إذا رآه مصلحة وحكم عامل في مساقاة ومزارعة كمضارب فيما يقبل قوله فيه أو يرد قوله فيه فيقبل قوله أنه لم يتعد ونحوه؛ لأن رب المال إئتمنه دون الرد للثمرة والزرع؛ لأنه قبض العين لحظ نفسه، وكذا إذا اختلفا في قدر ما شرط لعامل من ثمرة أو زرع، وفي مبطل لعقدها
стр. 1623
كجزء مجهول أو دراهم ونحوها. وفي جزء مشروط من ثمر أو زرع إذا اختلفا لمن هو؟ فإن خان عامل في مساقاة أو مزارعة فمشرف يمنعه الخيانة إن ثبت بإقرار أو بينة أو نكول فيضم إليه من يمنعه حفظًا للمال وتحصيلًا
للغرضين؛ فإن تعذر منعه من الخيانة بأن لم يكن المشرف والعامل مكانه من الخائن لقيامه عنه بما عليه من العمل، كما لو عجز العامل عن عمل لضعفه مع أمانته فيضم إليه قوي أمين، ولا تنزع يده؛ لأن العمل مستحق عليه ولا ضرر في بقاء يد.
٤٩ - مسائل حول ما يشترطه العامل على رب المال أو بالعكس وبحوث حول ذلك
س ٤٩: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: الحصاد والجذاذ ليلًا، ممن يكون البذر؟ إذا شرط لعامل نصف هذا النوع مثلًا أو الجنس وربع النوع أو الجنس الآخر، إذا شرط إن سقى سيحًا فله الربع وإن سقى بكلفة فله النصف، وإن زرعها شعيرًا فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف، أو قال: لك الخمسان إن لزمتك خسارة وإلا فلك الربع، أو أن يأخذ رب الأرض مثل بذره، أو ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع، أو شرطا لأحدهما قفزانًا من الثمر أو دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة، وإذا فسدت المساقاة أو المزارعة، فما الحكم؟ مَن زارع شريكه في أرض في نصيبه منها بجزء زائد عن حصته، من زارع أو آجر شخصًا أرضًا وساقاه على شجر بها، فسخ الإجارة لتبعيض الصفقة، واذكر ما حول ذلك من مسائل وأدلة وتعاليل وتفاصيل ومحترزات وترجيح وخلاف.
ج: يكره الحصاد والجذاذ ليلًا إلا لحاجة خشية ضرر؛ لأنه ربما
стр. 1624
أصابه أذى من حية ونحوها؛ وأما كون البذر من رب الأرض، فقيل: يشترط؛ لأنه عقد يشترط للعامل ورب المال في نمائه فوجب كون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة، وقيل: لا يشترط كون البذر من رب الأرض، اختاره الموفق والمجد والشارح وابن رزين وأبو محمد يوسف الجوزي، والشيخ ابن القيم، وصاحب «الفائق» و «الحاوي الصغير»، وعليه عمل الناس؛ لأن الأصل المعول عيه قضية خيبر في المزارعة ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
وإذا شرك رب المال لعامل نصف هذا النوع أو الجنس من ثمر أو زر وربع النوع أو الجنس الآخر وجهل قدر النوعين بأن جهلاهما أو جهل أحدهما لم يصح؛ لأن قد يكون أكثر ما في البستان من النوع المشروط فيه الربع وأقله من الآخر، وقد يكون بالعكس، وإن شرط إن سقَى سَيْحًا فله الربع، وإن سقى بكُلفة فله النصف، أو إن زرعها شعيرًا فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف، فقيل: لم يصح لجهالة العمل والنصيب، وقيل: يصح، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
وإن قال: ما زرعتها من شيء فلي نصفه، صح؛ لأن النبي ﷺ ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر أو جعل له في المزارعة ثل الحنطة ونصف الشعير وثلثي الباقلا، وبيَّنا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الأنواع؛ إما بتقدير البذر أو تقدير المكان وتعيينه مثل أن يقول نزرع هذا المكان قمحًا وهذا شعيرًا أو تزرع مدين حنطة ومدى شعير جاز؛ لأن كل واحد من هذه طريق إلى العلم، فاكتفى به، وإذا قال: لك الخمسان إن لزمتك خسارة وإلا فالربع، لم يصح نصًا، وقال: هذا شرطان في شرط، وكرهه، والذي أرى أنه مثل ما إذا قال: إن سقى سيحًا فله كذا، أو إن سقى بكلفة
стр. 1625
فله كذا، وتقدمت قبل سبعة أسطر. والله أعلم.
وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره مما يحصل ويقتسما الباقي، فقيل: لم يصح، وقال في «الفروع»: ويتوجه تخريج من المضاربة. قلت:
والذي يترجح عندي جوازه. والله أعلم. وجوز الشيخ تقي الدين أخذ البذر أو بعضه بطريق القرض، وقال: يلزم من اعتبر البذر من رب الأرض وإلا فقوله فاسد، وقال أيضًا: تجوز كالمضاربة وكاقتسامهما ما يبقى بعد الكلف، وإن قال رب بستانين فأكثر: ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك البستان الآخر بالربع فسدت المساقاة والمزارعة؛ لأنه شرط عقدًا في عقدين فهو في معنى بيعتين في بيع المنهي عنه كما لو شرط رب المال والعامل لأحدهما قزفانًا من الثمر والزرع أو دراهم معلومة؛ لأنه قد لا يخرج ما يساوي تلك الدراهم أو شرط لأحدهما زرع ناحية معينة من الأرض أو شرط لأحدهما ثمرة شجر معينة غير الشجر المساقي عليه؛ أما في الأولى فلأنه قد لا يزيد ما يخرج ما يزيد على القفزان المشروطة، وفي الثانية قد لا يتحصل في الناحية المسماة أو الأخرى بشيء أو شرط لأحدهما ثمرة سنة غير السنة المساقي عليها؛ لأنه كله يخالف موضوع المساقاة، وكذا لو شرط لأحدهما ما على السواقي أو الجداول منفردًا أو مع نصيبه، وحيث فسدت المزارعة والمساقاة فالزرع في المزارعة لرب البذر أو الثمر إذا فسدت المساقاة لرب الشجر؛ لأنه ماله ينقلب من حال إلى حال، وينمو كالبيضة تُحْضن فتصير فرخًا، وعلى رب البذر والشجر أجرة مثل عامل؛ لأنه بذل منافعه بعوض لم يلم له فرجع إلى بدله وهو أجرة المثل، وإن كان رب البذر عاملًا فعليه أجرة مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجرة العمل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض، ومن زارع أو آجر شخصًا أرضًا وساقاه على شجر صح؛ لأنهما عقدان يجوز إفراد كل منهما فجاز الجمع بينهما كجمع بين إجارة وبيع
стр. 1626
في عقد واحد فيصح، سواء قل بياض الأرض أو كثر، فلو جعل رب الشجر للعامل جزء من مائة، جزء لنفسه والباقي للعامل جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها أو قبل بدء صلاحها؛ فإن كان حيلة كأن يؤجر الأرض بأكثر من أجرتها ويساقيه على الشرج بجزء من مائة جزء فيحرم ذلك، ولا يصح عقد الإجارة والمساقاة. قال المنقح: قياس المذهب بطلان عقد الحيلة مطلقًا سواء جمع بين عقد الإجارة والمساقاة أو عقد واحدًا بعد آخر؛ فإن قطع بعض الشجر المثمر والحالة هذه فإنه ينقص من العوض المستحق بقدر ما ذهب من الشجر سواء، قيل: بصحة العقد أو فساده وسواء قطعه المالك أو غيره، قاله الشيخ تقي الدين. قال البهوتي: قلت: مقتضى القواعد أنه لا يسقط من أجرة الأرض شيء إذا قلنا بصحتها؛ لأن الأرض هي المعقود عليها ولم يفت منها شيء؛ وأما إذا فسدت فعليه أجرة مثل الأرض، ويرد الثمرة وما أخذه من ثمر الشجر وله أجرة مثل عمله فيها وما أخذه مستأجر من ثمر الشجر المساقي عليه أو تلف الثمر تحت يده، فمن ضمان المستأجر لفساد العقد وله أجرة مثل عمله.
ويباح لكل إنسان إلتقاط ما تركه حَصَّاد رغبةً عنه مِن سُنبلٍ وحب وغيرهما لجريان ذلك مجرى نبذِه على سبيل الترك ويحرم منعه على غير مالك يريده؛ أما إذا أراده المالك فله منع ملتقطه؛ لأنه ملكه وقد بدا له العود إليه بعد إعراضه عنه فكان له ذلك، وإذا غصب زرع إنسان وحصده الغاصب أبيح للفقراء السُنبل المتساقط كما لو حصده المالك، وكما يُباح رعي كلأ الأرض المغصوبة واستشكل بدخول الأرض المغصوبة، ومن سَقط حبه منه وقت حصادٍ فنبت بعام قابل فلرب الأرض مالكًا كان رب الأرض أو مستأجرًا أو مستعيرًا؛ لأن رب الحب أسقط حقه بحكم العرف وزال ملكه عنه؛ لأن العادة ترك ذلك لمن يأخذه، ومن باع
стр. 1627
قصيلًا فحصد وبقي يسير فصار سنبلًا، فهو لرب الأرض، ولا يجوز أن يدخل إنسان مزرعة أحد إلا بإذنه لغير كلأ ولا شوك، والمراد ولا ضرر بدخول مريدهما ولم تحوط الأرض، إما إذا كانت محوطة أو كان يتضرر
المالك بالدخول إلى أرضه لعِزَّةِ وجُود الكلأ والشوك ودعاء الحاجة إليه، فلا يجوز؛ لأنه نبت في ملكه وهو أحق به من غيره.
من النظم فيما يتعلق بالمساقاة
وفي النخل والأشجار والكرم جائز … مساقاتها مع عامل متعهدِ
إذا كان ذا ثمر ويؤكل عادة … كذا مبتغ الأوراق والزهر فاعدد
وألغ أبو يعلى معاملة هنا … وذوو الأرض مع غرس كذا الشفعة اعدد
وإن رضيا البقيا بأجر فجائز … وإن شاء رب الغرس قلعًا ليسعد
وإن يشترط جُزأ من الغرس لم يجز … وقيل بلى كالزرع في أرضه اهتدى
وإن يشترط جزأ من الأرض لم يجز … بغير خلاف عند كل مسدد
ولغو مساقاة على ثمر بدا … ولم يبد فيه من صلاح بأوكد
وإن يتساوى ملك عمال غرسهم … متى فاضلوا في الأجر وجهين أسند
стр. 1628
وصحح على أرض مزارعة الفتى … ومن ربها أشرط بذرها في الموطد
وعن أحمد ما دل إن ليس لازمًا … وذا اختاره الشيخ الموفق قلد
ومن عامل أو منهما أو سواهما … بأرضهما في الكل قولين أسند
ويخرج هذا الخلف في بذر ثالث … وفي اثنين يعطي واحد بذره قد
وإن كان من عمرو عوامل حرثه … ومن عامل باقي الأمور فجود
وإن لم يكن من واحد غير مائة … فقولان في هذا بغير تردد
وذوو الأصل ألزمه بما فيه حفظه … كإجراء نهر أو كسد مهدد
وما منه ينمي الريع الزمه عاملًا … كسقي وإصلاح المسيل وموهد
وحرث وآلات له وعوامل … وقطع مضر النبت والحصد باليد
وزبر وتلقيح وإصلاح بيدر … ودوس وتشميس وذرى معود
وأن يحفظ الغلات حتى انقسامها … وأن يستقي الماء مطلقًا لم يقيد
стр. 1629
وقيل وألزمه الجذاذ وقيل المدير … لدولاب الحراث فجود
وقيل على العمال كل مكرر … ويلزم أهل المال كلُ مُؤَيِّدُ
فصل في حكم المساقاة
وعقد المساقي والمزارع جائز … قبيل ظهور أو بعد ذلك فاهتد
وفسخ عمول قيل يسقط حقه … ومن مالك خذ أجرة منه وأرقد
وقد قيل كل لازم العقد فاشرطن … لها مدة فِيهَا صلاح المرصد
فإن كان لم تكمل بها فسدت وإن … لعاملها أجر نعم في المجودِ
وإن كان في المشروط عرف كمالها … فيعمل فلم تحمل فيحرم ويُبعد
وإن تتردد في الكمال فأفسدت … في الأقوى وأجر العامل ابذل بأجودِ
وللوارث التتميم إن مات عامل … فإن يأب فاستأجر من الإرث وأزيد
وبالقرض فاستعمل له أو مؤجل … إن أمكن لفقد المال أو بعه وزوّد
على عمل في الذمة إن قلت لازمًا … وأما على عين فبالموت أفسد
стр. 1630
وللمالكين الأخذ عند تعذر … فبعد الظهور اقسم على الشرط تقصد
ويلزم عمالًا وثمة فعله … إلى قسمها أو من تُراث ملحدِ
وإن فسخوا قبل الظهور فاجرة … بوجه لعُمَّالٍ كذا في المُعَرَّدِ
ويأخذ رب المال أجرته متى … يباشر بإذن الحاكم المتقلدِ
فإن يتعذر إذنه فبشهد … ومن دون إذن يمكن أرجع بمبعد
كذا الحكم إن يفسد بحجر أو السفيه أو … ذهاب نُهىً من عاقد منهما اشهد
وإن قلت إن يزرع كذا أو سقى كذا … فنصف والأربع أبطل بأجود
وإن قلت ما تزرع من البر نصفه … لنا ومن الأرز ربع ففسد
كذا قوله ساقيت هذا بنصفه … على أن يساقي ذاك بالربع فازدد
ومن صح منه الفعل في ماله أجز … من المرء كلا منهما لا تردد
стр. 1631
تعاملت أو لفظًا شقاق كليهما … وشبه في آجرت وجهين أورد
بمعلوم جزء من غلال بنسبة … وتعيينك المعمول فيه فقيدِ
ومن يشترط ممن يعامل آصعًا … نهى وكذا من يشترط فقد معدد
ومَن زارع الشخص الشريك بزائد … على حظه في الريع جوّز بأجور
وبالنقد أو عرض أجز أجر أرضه … ومعلوم قفزان سوى زرعها طد
٥٠ - باب الإجارة
س ٥٠: تكلم بوضوح عن الإجارة مبينًا ما هي؟ وما سندها؟ مع ذكر شيء من محاسنها، وما هي أقسامها؟ وما الذي يستثنى من ذلك، وهل هي على وفق القياس؟ ومن الذي تصح منه؟ وما الألفاظ التي تنعقد فيها؟ وما هي أركانها؟ وما هي شروطها؟ ومتى وقت الخدمة؟ وما حكم ماء البئر؟ وهل للمستأجر أن يأذن لمن شاء في الدخول فيها؟ وما الذي يمنع من إحداثه فيها؟ وهل يذكر المكان والزمان في الإجارة؟ وإذا كان المحمول كتابًا فما الحكم؟ وهل للإنسان أن يستأجر الحرة أو الأمة، وما حكم النظر إليها والخلو بها؟ واذكر ما يحتاج إلى ذكره من تقاسيم ومحترزات وقيود وأدلة وتعليلات وخلاف وترجيح.
ج: الإجارة: مُشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره عن معصيته.
стр. 1632
والأصل في جوازها الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ووجه الدلالة منه أنَّ آتوهن أجورهن أمر، والأمر للوجوب، والإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة وإنما
يوجبها القد فتعين الحمل عليه، أي آتوهن أجورهن إذا أرضعن لكم بعقد، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ وروى ابن ماجه في «سننه» عن عتبة بن المنذر، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ (طسم) حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى ﵇ آجر نفسه ثماني حجج أو عشرًا على عفة فرجه وطعام بطنه». وقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾.
وأما السُّنة: فعن عائشة في حديث الهجرة، قالت: «واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيل هاديًا خريتًا، والخريتُ: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا» رواه البخاري وأحمد، وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت. قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه أحمد والبخاري، وعن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساوَمنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له: «زمن وأرجح» رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وكان ابن مسعود ﵁ يقول:
«كنت أرحل للنبي ﷺ رواحله، فقيل لرسول الله ﷺ :
стр. 1633
إن فلانًا أحسن من عبد الله لرجل من الطائف، فجعله النبي ﷺ يرحل له مكاني بأجرة … » الحديث. وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: قال الله : «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل
باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره»، وعن علي قال: «عملت كل ذنوب على تمرة، وأخبرت النبي ﷺ ، وأكل معي منها» رواه أحمد. وله عن أبي سعيد: «نهى النبي ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره». وعن أنس: «أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره» رواه البخاري. وعن ابن عباس في قصة اللديغ: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» رواه البخاري، وفي الحديث الآخر: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وأجمع أهل العلم في كل عصر وفي كل مصر على جواز الإجارة والعبرة أيضًا دالة عليها؛ فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا تخفى حاجة الناس إلى ذلك؛ فإنه ليس لكل أحد دار يملكها ولا يقدر كل مسافر على مركوب يملكه، ولا يلزم أصحاب الأملاك ولا يقدر كل مسافر على مركوب يملكه ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجرة ولا يمكن كل أحد عمل ذلك ولا يجد متطوعًا به، فلابد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقًا إلى الرزق حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع.
والإجارة شرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، فخرج بقولنا مباحة المحرمة كالزنا والزمر وسائر المحرمات فلا يجوز، وخرج بقولنا معلومة المجهولة التي توجد شيئًا فشيئًا، مدة معلومة كيوم أو شهر أو سنة من عين معينة أو موصوفة في الذمة كسكنى هذه الدار سنة أو دابة صفتها كذا أو سيارة أو طيارة أو نحو ذلك، للحمل أو للركوب سنة مثلًا أو شهرًا أو على عمل معلوم
стр. 1634
كحمله إلى موضع كذا فتبين أن الإجارة قسمان: الأول: تقدم، وهو كون المدة معلومة، والثاني: كونها على عمل معلوم في الضربين، فالمعقود عليه المنفعة؛ لأنه التي تستوفي دون العين والعوض في مقابلتها، وإنما أضيف العقد للعين؛ لأنها محل المنفعة كما تضاف المساقاة للبستان والمعقود عليه الثمر، ولو قال: آجرتك منفعة داري جاز، والانتفاع من قبل المستأجر تابع لمنفعة المعقود عليه إذ المنفعة لا توجد عادة إلا عقبه، وتستحق الأجرة بالعقد على المنفعة وتسليم العين أو بذلها وإن لم ينتفع بها، ويستثنى من القسم الأول وهو كون المدة معلومة صورتان: إحداهما: تقدمت في الصلح، والأخرى: ما فتح عنوة ولم يقسم بين الغانمين فيما فعله عمر ﵁ في أرض الخراج؛ فإنه وقف أرض ذلك على المسلمين، وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها كل عام ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها.
وأركان الإجارة خمسة: المتعاقدان، والعوضان، والصيِّغة. وشروطها أربعة: الأول: أنها لا تصح الإجارة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع، وتنعقد الإجارة بلفظ: آجرتك، وبلفظ: كراء كأكريتُك، واستأجرتُ، وأكتريتُ، وآجرتكها، وأكريتكها، وتنعقد بلفظ: أعطيتك نفع هذه الدار، أو ملكتُكَهُ سنة بكذا لحصول المقصود به، وكذا لو أضافه إلى العين: كأعطيتك هذه الدار سنة بكذا، وتنعقد بلفظ بيع إضافة إلى النفع نحو بعتك نفعها أو بعتك سكنى الدار ونحوه، أو أطلق؛ لأنها بيع فانعقدت به كالصرف؛ فإن أضيف إلى العين كبعتك داري شهرًا لم يصح، وقال الشيخ تقي الدين: التحقيق أن المتعاقدين إن عرَفا المقصودَ انعقدتْ بأي لفظٍ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود؛ فإن الشارع لم يحدَ حدًا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة، وكذا قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين»، وصححه في «التصحيح» والنظم، وجزم
стр. 1635
به بمعناه في «الإقناع»، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
ومن شروط الإجارة: وهو الشرط الثاني: معرفة المنفعة؛ لأنها هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع ومعرفتها إما بعرف، وهو ما يتعارفه الناس بينهم كسكنى دار شهرًا؛ لأن السكنى متعارفة بين الناس والتفاوت فيها يسير فلم يحتج إلى ضبطه وكخدمة الآدمي سنة؛ لأن الخدمة أيضًا معلومة بالعرف، فلم تحتج إلى ضبط كالسكنى فيخدمه في الزمن يقتضيه العرف فيخدم من طلوع الشمس إلى غروبها، وبالليل ما يكون من خدمة أوساط الناس، فإذا كان لهما عرف أغنى عن تعيين النفع، وعن تعيين صفته وينصرف الإطلاق إلى العرف لتبادره إلى الذهن، فإذا كان عرف الدار السكنى واكتراها فله السكنى، وله وضع متاعه فيها ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به، ويستحق ماء البئر تبعًا للدار في الأصح، وللمستأجر أن يأذن لأصحابه وأضيافه في الدخول بها والمبيت فيها؛ لأنه العادة، وقيل لأحمد: زوار عليه أن يخبر صاحب البيت بهم، قال: ربما كثروا أرى أن يخبر، وقال: إذا كان يجيئه الفرد ليس عليه أن يخبره وليس للساكن أن يعمل فيها حِدادة ولا قصارة؛ لأنه ليس العرف جار به، وأيضًا يضر بجدرانها ويخلخل سقوفها ولا يجعلها مخزونًا للطعام؛ لأنه يضر بها والعرف لا يقتضيه ولا أن يسكنها دابة لتأثر الجدران بالأندية والرطوبة. قال في «شرح الإقناع»: قلت: إن لم يكن قرينة كالدار الواسعة التي فيها اصطبل معد للدواب عملًا بالعرف ولا يدع المستأجر فيها رمادًا ولا ترابًا ولا زبالة ونحوها مما يضر بها؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وللمستأجر إسكان ضيف وزائر؛ لأنه ملك السكنى فله استيفاؤها بنفسه وبمن يقوم مقامه؛ وإما بالوصف كحمل زبرة حديدة وزنها كذا إلى موضع معين، فلابد من ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه؛ لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، وكذا كل محمول؛
стр. 1636
فإن كان المحمول كتابًا فوجد المحمول إليه غائبًا فله الأجرة لذهابه ورده، وإن كان وجده فالمسمى فقط ويرده؛ لأنه أمانة بيده، قال في «شرح الإقناع»: ولعل الفرق في الموت ليس من فعل الميت بخلاف الغيبة فكان الباعث مفرط بعدم الاحتياط. اهـ.
قال أحمد: يجوز أن يستأجر الأجنبي الأمة والحرة للخدمة؛ لأنها منفعة مباحة؛ ولكن يصرف وجهه عن النظر للحرة، ليست الأمة مثل الحرة، فلا يباح النظر لشيء من الحرة بخلاف الأمة فينظر منها إلى الأعضاء الستة أو إلى ما عدا عورة الصلاة على ما يأتي في النكاح، والحاصل أن المستأجر لهما كالأجنبي، ولا يخلو المستأجر مع الحرة في بيت ولا مع الأمة؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخلوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» متفق عليه. وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء!» فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» متفق عليه. ولا ينظر إلى شعرها المتصل بها؛ لأنه عورة من الحرة.
٥١ - مسائل حول استئجار الأجير للبناء أو الأرض للزرع أو للغرس إلخ
س ٥١: تكلم بوضوح عن الإجارة على البناء، وبأي شيء يقدر البناء، ووضح ما لابد من ذكره، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، إذا اتسأجر إنسان إنسانًا ليبني له بناء معلومًا فسقط، إذا استأجره لبناء أذرع معلومة فبنى بعضها ثم سقط، الاستئجار لتطيين الأرض ونحو ذلك، إجارة أرض معينة أو غرس أو بناء الاستئجار لضرب اللبن أو على عم لمعلوم، وما حول ذلك من المسائل التي تتعلق بذلك؟ إذا استأجر للركوب، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
стр. 1637
ج: تصح الإجارة لبناء دار ونحوها؛ لأنه نفع مباح ويقدر البناء بالزمن كيوم وشهر، وإن قدر بالعمل بأن استأجر لبناء حائط، فلابد من ذكر طول الحائط وعرضه وسمكه وهو تخانته وغلظه وهو في الحائط بمنزلة العمق في غير المنتصب، وآلة البناء من طين ولبن وآجر وجص وأسمنت وشيد؛ لأن معرفة المنفعة لا تحصل إلا بذلك والغرض يختلف فلم يكن بد من ذكره، وإذا استؤجر لحفر بئر عشرة أذرع طولًا وعشرة أذرع عرضًا وعشرة أذرع عمقًا فحفر الأجير خمسة طولًا في خمسة عرضًا في خمسة عمقًا واردت أن تعرف ما يستحقه من الأجرة المسماة له فاضرب عشرة في عشرة تبلغ مائة ثم اضرب المائة في عشرة تبلغ ألفًا فهي التي استؤجر لحفرها واضرب خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، ثم اضربها في خمسة بمائة وخمسة وعشرين وذلك الذي حفره، وإذا نسبت ذلك إلى الألف وجدته ثمن الألف، فله ثمن الأجرة؛ لأنه وفي بثمن العمل إن وجب له شيء م الأجرة بأن ترك العمل لنحو صخرة منعته الحفر، وإن استأجره ليبني له بناء معلومًا كجدار موصوف بما تقدم أو ليبني له في زمن معلوم كيوم أو أسبوع فبناه الأجير ثم سقط البناء فقد وفي الأجير ما عليه واستحق الأجرة كاملة؛ لأن سقوطه ليس من فعله ولا تفريطه هذا إن لم يكن سقوطه من جهة العامل؛ فأما إن كان سقوطه من جهته بن فرط أو بناه محلولًا أو نحو ذلك فسقط عليه إعادته وغرامة ما تلف منه لتفريطه، وإن استأجره لبناء أذرع معلومة فبنى بعضها، ثم سقط على أي وجه كان فعليه إعادة ما سقط وعليه تمام ما وقعت عليه الإجارة من الأذرع مطلقًا؛ لأنه لم يوف بالعمل وعليه غرم ما تلف إن فرط، ويصح استئجار لتطيين الأرض والسطوح والحيطان، ويصح الاستئجار لتجصيصها وتمشيتها وتسميتها وترخيمها ونحو ذلك، وتصح إجارة أرض معينة
стр. 1638
برؤية لزرع كذا من بر أو قطن أو نحو ذلك، ولا يجوز إجارتها لزرع دخان وحشيش أو نحوهما من المحرمات، وتصح إجارة أرض معينة برؤية؛ لأن الأرض لا تنضبط بالصفة لزرع أو شعير أو نحوهما أو غرس معلوم أو بناء معلوم أو بناء معلوم كدار وصفها أو لزرع ما شاء أو لغرس ما شاء أو لبناء ما شاء أو لزرع ما شاء وغرس ما شاء وبناء ما شاء، كآجرتك لتزرع ما شئت أو آجرها لغرْسٍ، ويسكت أو لبناء وزرع ويسكت أو آجر الأرض، وأطلق فلم يعين هذه الصور للعلم المعقود عليه. قال الشيخ تقي الدين: إن أطلق، أو قال: انتفع بها ما شئت فله زرع وغرس وبناء ويجوز الاستئجار لضرب اللبن والبلك على عدة كيوم وشهر أو على عمل معلوم؛ فإن قدره بالعمل احتاج إلى تعيين عدده، وإلى ذكر قالب وموضع الضرب؛ لأنه يختلف باعتبار التركيب والماء؛ فإن كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز، كما لو كان المكيال معروفًا وإن قدره بالطول والعرض والسمك جاز لانتفاء الغرر، ولا يكتفي بمشاهدة قالب الضرب إذا لم يكن معروفًا؛ لأن فيه غررًا وقد يتلف كالسلم ولا يلزم الأجير إقامة اللبن ليجف؛ لأنه إنما استؤجر للضرب لا للإقامة ما لم يكن شرط أو عرف فيرجع إليه، وإن استأجر للركوب ذكر المستأجر المركوب فرسًا أو حمارًا أو بعيرًا أو بغلًا أو سيارة أو قطارًا أو طائرة، ويذكر جنسها لاختلاف الأجرة باختلافها.
وذكر ما يركب عليه من سرج وشداد ونحو ذلك؛ لأن ضرر المركوب يختلف باختلافه وذكر كيفية سيره من هملاج وغيره؛ لأنه يختلف باختلافه، ولا يشترط ذكر ذكورية المركوب وأنوثيته ونوعه، فلا يشترط في
الفرس أن يقول حجر أو حصان ولا عربي أو برذون ونحوه؛ لأن التفاوت بين ذلك يسير ويشترط في إجارة لحمل ما يخشى عليه
стр. 1639
ضرر بكثرة الحركة أو يفوت غرض المستأجر باختلاف ما يحمل عليه إذا حمل كزجاج وأزيار وصين وخزَف ونحو ذلك معرفة حامله من آدمي أو بهيمة أو سيارة أو طائرة أو قطار أو سفينة أو مركب، ويشترط معرفة الحامل بنفسه أو على دابته أو سيارة لمحمول برؤية أو صفة إن كان زجاجًا أو خزفًا أو نحوه؛ لأنه فيه غرضًا، وذكر جنسه وقدره إن لم يكن خزفًا ونحوه بأن كان حديدًا أو قطنًا أو غيره.
٥٢ - مسائل حول استئجار الأجير والمرضعة إلخ
س ٥٢: تكلم بوضوح عن الشرط الثاني من شروط الإجارة مبينًا حكم ما كان عينًا وما كان بذمة، واستئجار دار بسكنى دار أخرى، وبخدمة، وبتزويج من معين، وحلي، بأجرة، وأجبر ومرضعة بطعامهما وكسوتهما، وبين حكم ما إذا تنازع الأجير والمرضعة مع مستأجرهما، وما الذي يسن لمن استرضع أمة لولده أو حرة، وهل تسقط نفقة الأجير باستغنائه، وإذا احتاج الأجير لدواء فعلى من يكون، وهل للعقد على الحضانة أو اللبن، وإذا أطلقت الحضانة أو خصص رضاع، فهل يشمل الآخر؟ اذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الشرط الثاني: معرفة الأجرة؛ لأنها عوض في عقد معاوضة فاعتبر علمه كالثمن، وقد روي عنه ﵇ من استأجر أجيرًا فليعلم أجره، ويصح أن تكون الأجرة في الذمة، وأن تكون معينة فما بذمة من أجرة حكمه كثمن فما صح أن يكون ثمنًا بذمة صح أن يكون أجرة في الذمة، وما عين من أجرة كمبيع معين فتكفي مشاهدة نحو صبرة وقطيع وإن جهل قدره لجريان المنفعة مجرى الأعيان لتعلقها بعين حاضرة، ويصح استئجار دار بسكنى دار أخرى سنة ونحوه للعلم بالعوضين، ويصح استئجار
стр. 1640
دار خدمة من معين وبتزويج من معين، وكذا استئجار آدمي لخدمة بتزويج امرأة لمُعين لقصة شعيب وموسى ﵉، وحديث: «أن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه» رواه ابن ماجه. لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ولأن الأصل في الفائت بقاؤه والنسخ خلاف الأصل، ولا يصح استئجار دار بعمارتها للجهالة وإن آجرها بأجرة معينة وما تحتاج إليه بنفقة مستأجر بحسابه من الأجرة، صح؛ لأن الإصلاح على مالك وقد وكله فيه، وإن شرطه خارجًا عن الأجرة لم يصح، وإن دفع عبده إلى نحو خياط ليعلمه بعمل الغلام سنة جاز، ويصح استئجار حلي الذهب أو فضة بأجرة من جنسه للبس أو عارية؛ لأن الأجرة في مقابلة المنفعة، وقيل: لا يصح، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
وأما إذا كانت الأجرة من غير جنسه فيصح قولًا واحدًا، قاله في «الإنصاف»؛ لأنه عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقائها فجازت إجارته كالأراضي، ويصح استئجار أجير ومرضعة أم أو غيرها بطعامهما وكسوتهما ولو لم يوصف الطعام والكسوة، وكذا لو استأجرهما بدراهم معلومة وشرط معها طعامهما وكسوتهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ والوارث ليس بزوج، ويستدل للأجير بقصة موسى وأبي هريرة وتقدمتا، وبأنه روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم، ولم يظهر لهم نكير، فقام العرف فيه مقام التسمية كنفقة الزوجة والأجير والمرضعة
стр. 1641
في تنازع مع مستأجرهما في صفة طعام أو كسوة أو قدرهما كزوجة فلهما نفقة وكسوة مثلهما؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فلا يطعمان إلا ما يوافقهما من الأغذية، وإن شرط للأجير لخدمة أو رضاع طعام غيره وكسوته موصوفًا صح للعلم به والمشروط للأجير نفسه إن شاء أطعمه للغير أو تركه؛ لأنه في مقابلة نفعه، ولا تسقط نفقة أجير عن مستأجر باستغناء الأجير وعجزه عن الأكل لنحو مرض أو غيره، وله المطالبة بها؛ لأنها عوض فلا تسقط بالغنى عنه كالدراهم؛ فإن احتاج الأجير لدواء لمرض لم يلزم المستأجر؛ لأنه ليس من النفقة كالزوجة، بل يلزم المستأجر بقدر طعام الصحيح يدفعه له فيصرفه بما أحب من دواء أو غيره وإن دفع المستأجر لأجير قدر الواجب فقط، أو دفع إليه أكثر منه وملكه إياه وأراد أجير بعد أن قبض طعامه أن يفضل بعضه لنفسه من طعامه الذي قبضه ولا ضرر على مستأجر جاز؛ لأنه ملكه ولا حق للمستأجر ولا ضرر عليه أشبه الدراهم، وإلا بأن دفع المستأجر للأجير أكثر من الواجب ليأكل منه قدر حاجته ويفضل الباقي منع منه فلا يجوز له التصرف فيه؛ لأنه لم يملكه إياه وإنما أباح أكل قدر حاجته وإن حصل باستفضاله ضرر بأن ضعف عن العمل أو قل لبن مرضعة منع منه أيضًا؛ لأن على المستأجر ضررًا بتفويت بعض ماله من منفعة فمنع منه كالجّمال إذا امتنع من عمل الجمَّال، وإن قدم المستأجر إلى الأجير طعامًا فنهب أو تلف قبل أكله، وكان الطعام على مائدة غير خاصة بالأجير فالطعام من ضمان مكثر؛ لأنه لم يسلم إليه وإن قدم المستأجر للأجير طعامًا وخصه به وسلمه إليه ثم نهب أو تلف، فمن ضمان أجير؛ لأنه تسليم عوض على وجه التمليك أشبه البيع، ويجب على مرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به ولمكثر مطالبتها بذلك؛ لأنه من تمام التمكين من الرضاع، وفي تركه إضرار بالطفل، وإن لم
стр. 1642
ترضعه؛ لكن سقته لبن الغنم أو غيرها أو أطعمته أو دفعته لخادمها أو صديقتها فأرضعته فلا أجر لها؛ لأنها لم توف بالمعقود عليه وإن اختلفا، فقالت: أنا أرضعته وأنكر المُسْتَرضِعُ أنها أرضعته، فالقول قولها بيمينها؛ لأنها مؤتمنة، وسن عند فطام لموسر استرضع أمة لولده ونحوه إعتاقها ولموسر استرضع حرة لولدها إعطاؤها عبدًا أو أمة؛ لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: «الغرة العبد أو الأمة»، قال الترمذي: حسن صحيح.
قال الشيخ تقي الدين: لعل هذا في متبرعه بالرضاعة، قال ابن عقيل: إنما خص الرقبة بالمجازاة بها دون غيرها؛ لأن فعلها في إرضاعه وحضانته سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته، فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة ليناسب ما بين النعمة والشكر؛ ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أمًا، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وقال ﷺ : «ولا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيعتقه» وأما كونه يستحب إعتاقها إن كانت أمة؛ فإنه يحصل بالمجازاة التي جعل النبي ﷺ مجازاة للوالد من النسب، ويصح استئجار زوجته لرضاع ولده كالأجنبية، ولو كان ولده منها؛ لأن كل عقد صح أن تعقده مع غير الزوجة صح أن تعقده مع الزوج كالبيع؛ ولأن منافعها في الحضانة والرضاع غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها عليه، وهذا القول من «المفردات»، قال ناظمها:
زوجٌ على زوجته حيثُ عَقَدْ … إجارةً جاز لإرضاع الوَلَدُ
وقال أبو حنيفة وغيره: لا يصح؛ لأنه استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه عوض لذلك. وقال أهل القول الأول: عن قولهم إنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أو لا ثم تزوجها، والقول الأول هو الأرجح عندي. والله أعلم.
стр. 1643
ويصح استئجارها لأجل حضانة الولد سواء كان منها أو من غيرها وحرم أن تسترضع أمة لغير ولدها قبل ريِّ ولدها؛ لأن الحق للولد وليس لسيد إلا ما فضل عن الولد من اللبن، ويجوز للرجل وللمرأة أن يؤجر كل منهما أمته ولو أم ولد للإرضاع؛ لأنها ملكه ومنافعها له وليس لها إجارة نفسها لرضاع ولا غيره؛ لأنها لا تملك منافعها إلا بإذن سيدها، وإن كانت الأمة متزوجة بغير عبد سيدها، لم يجز له إجارتها للرضاع إلا بإذن الزوج؛ لأنه فيه تفويتًا لحقه وإن أجرها السيد للرضاع صح النكاح، ولا تفسخ الإجارة بالنكاح كالبيع، وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرضاع والحضانة لسبق حق المستأجر والعقد في الرضاع على اللبن؛ لأنه المقصود دون الخدمة، ولهذا لو أرضعته بلا خدمة استحقت الأجرة، ولو خدمته بلا رضاع فلا شيء لها؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فرتب إيتاء الأجر على الإرضاع، فدل على أنه المعقود عليه؛ ولأن العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقي لبنها وجواز الإجارة عليه رخصه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه لضرورة حفظ الآدمي، وإن أطلقت حضانة بأن استأجرها لحضانته وأطلق لم يشمل الرضاع أو خصص رضاع بالعقد، بأن قال: استأجرها لحضانته وأطلق، لم يشمل الرضاع أو خصص رضاع بالعقد، بأن قال: استأجرتك لرضاعه لم يشمل الحضانة لئلا يلزمها زيادة عما اشترط عليها وإن وقع العقد على رضاع انفسخ بانقطاع اللبن لفوات المعقود عليه والمقصود منه، وكذا إن وقع العقد على رضاع وحضانة جميعًا انفسخ العقد بانقطاعه لفوات المعقود عليه والمقصود منه.
стр. 1644
٥٣ - استئجار الدابة بعلفها أو سلخها بجلدها أو استعمل حمالًا أو دلالًا أو ركب مركبًا بلا عقد
س ٥٣: ما هي الشروط المشترطة في استئجار الرضاع؟ وما حكم إرضاع مسلمة طفلًا لكتابي أو مجوسي، أو استئجار دابة بعلفها أو سلخها بجلدها، أو رعيها بجزء من نمائها، أو إعطاء صانعًا ما يصنعه، أو استعمل حمالًا أو دلالًا أو نحوه بلا عقد، أو ركب في سفينة أو مركب أو طيارة أو سيارة، أو دخل حمامًا، أو دفع ثوبًا لخياط، وقال: إن خطته اليوم فبدرهم أو إن خطته روميًا فبدرهم، وإن خطته غدًا أو فارسيًا فبنصفه، وإن زرعتها برًا فبخمسة أو ذرة فبعشرة، أو إن قعدت فيه خياطًا فبخمسة أو حدادًا فبعشرة؟ بين ذلك بيانًا واضحًا مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: شرط في استئجار لرضاع أربعة شروط: ١ - معرفة مرتضع بمشاهدة لاختلاف باختلاف الرضيع كبرًا وصغرًا ونهمة وقناعة. ٢ - عرفة عوض. ٣ - أمد رضاع إذ لا يكن تقديره إلا بالمدة؛ لأن السقي والعمل فيها يختلف. ٤ - معرفة مكان الرضاع؛ لأنه يشق عليها في بيت المستأجر ويسهل في بتها، ولا يصح استئجار دابة بعلفها فقط؛ لأنه مجهول ولا عرف له يرجع إليه؛ فإن وصفه من معين لشعير وقدره بمعلوم جاز، وقيل: يصح، اختاره الشيخ تقي الدين ﵀ وجزم به القاضي في التعليق، وقدمه في «الفائق»، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم. ولو استأجر من يسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أو لا؟ وهل هو ثخين أو رقيق؛ ولأنه لا يجوز أي يكون عوضًا في البيع، فلا يجوز أن يكون عوضًا في الإجارة كسائر المجهولات؛ فإن سلخه بذلك فله أجر
стр. 1645
مثله، وإن استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد؛ لأن جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه، وقد خرج بموته عن كونه ملكًا وتقدم الكلام على جلد الميتة في باب الآنية، وذكر الخلاف في طهارة جلدها في أول الجزء الأول، ولو استأجر راعيًا لغنم بثلث درها وصوفها وشعرها ونسلها أو نصفه أو جميعه، لم يجز؛ لأن الأجر غير معلوم ولا يصح عوضًا في بيع ولا يدري أيوجد أو لا؟ وأما جواز دفع الدابة لمن يعمل عليها بجزء من ربحها فلأنها عين تنمي بالعمل فأشبه المساقاة والمزارعة؛ وأما هنا فالنماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمل فيها، فلا يلحق بذلك والذي يترجح عندي أنه يجوز كما لو دفع دابته أو عبده بجزء من كسبه. والله أعلم. وإن استأجره لرعيها بجزء معين من عينها صح، ولا يصح استئجار على طحن كُرٍّ كبقفيز منه؛ لحديث الدارقطني مرفوعًا: «أنه نهى عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان» ولأنه جعل له بعض معموله أجرَ عمله فيصير الطحن مستحقًا له، وعليه ولأن الباقي بعد القفيز مطحونًا لا يدري كم هو فتكون المنفعة مجهولة، والقول الثاني - وهو الراجح عندي: جوازه بمقدار معلوم، والجواب عن الحديث كما قال بعض العلماء: بأن مقدار القفيز مجهول أو أنه كان الإستئجار على طحن صبرة بقفيز منها لا يعلم كيلها. والله أعلم. ومن أعطى صانعًا ما يصنعه كثوب ليصبغه أو يخيطه أو يغسله أو حديدًا ليضربه سيفًا ونحوه، ففعل فله أجر مثله، ومثله من استعمل حمالًا وحلاقًا أو دلالًا بلا عقد معه فله أجر مثله على عمله سواء وعده كقوله أعمله وخذ أجرته أو عرَّض له كقوله: اعمَلْ وأنا أعلم أنك لا تعمل بلا أجرة أو أنا أعلم أنك إنما تعمل بأجرة، ولو لم تجر عادة الحمال والدلال والحلاق ونحوه بأخذ الأجرة؛ لأن عمل له بإذن لما لمثله أجرة ولم يتبرع، أشبه ما لو وضع يده على ملك غيره بإذنه، ولا دليل على تمليكه إياه أو إذنه في إتلافه؛ لأن الأصل في قبض
стр. 1646
مال غيره أو منفعته الضمان، وهذا في المنتصب لذلك وإلا فلا شيء له إلا بعقد أو شرط أو تعريض، وكذا ركوب سفينة ودخول حمام فيجب أجرة المثل؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، وكذا من أعطى نجارًا ما يعمله وكذا قابلة في ولادة فيه أجرة المثل وشرب ماء ممن هو بيده أو قهوة أو شاه ونحوهما من المباحات، وما يأخذه البائع ثمن الماء أو القهوة أو الشاه وأجرة الآنية والساقي والمكان جائز بلا شرط؛ لأنه عمل لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة ومَن دفع ثوبًا لخياط، وقال: إن خطته اليوم فبدرهم، أو إن خطته روميًا فبدرهم وإن خطته غدًا فبنصه أو إن خطته فارسيًا فبنصف درهم لم يصح، كما لو قال: آجرتك الدار بدرهم نقدًا أو درهمين نسيئة أو استأجرت هذا منك بدرهم أو هذا بدرهمين لعدم الجزم بأحدهما، وله أجر مثله، وقيل: يصح؛ لأنه سمى لكل عمل عوضًا معلومًا فصحَّ، كما لو قال: كل دلو بتمرة، وهذا القول عندي أنه أرجح. والله أعلم.
وإن دفع أرضه إلى زارع، وقال: إن زرعتها برًا فبخمسة، وإن زرعتها ذرة فبعشرة ونحوه لم يصح كما لو استأجره لحمل كتاب إلى الكوفة، وقال: إن أوصلته يوم كذا فلك عشرون، وإن تأخرت بعد ذلك فلك عشرة، وقيل: يصح، وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأنه لم يظهر لي دليل المنع. والله أعلم. وكذا لو قال: آجرتك الحانوت شهرًا إن قعدت فيه خياطًا فبخمسة أو حدادًا فبعشرة؛ لأنه ليس من قبل بيعتين في بيعة المنهي عنه فيما يظهر لي، فلهذا يترجح عندي صحتها. والله أعلم.
من النظم مما يتعلق بكتاب الإجارة
وعقد على نفع مباح إجارة … بآجرت أو أكريت أو نحوه أعقد
стр. 1647
كذا بعت في الأرداء ويلزم عقدها … من الحائزين الأمر في ما لهم قد
ويشرط علم العاقدين بنفعها … بعرف له أو وصف نفع مقيد
كخدمته شهرًا وسكناه جمعة … وحمل كذا رطلًا بتعيين مقصد
وطولًا وعرض الحائط اذكر وسمكه … وآلته واللبن بالقالب احدد
وموضعه إن تكتري لبنًا كذا … وإن تكتري يومًا فعن شرطه اصدد
وإن تبنه فانهار دون تفرط … لك الأجر والبعض إن بنى فهوى أردد
وبالوقت لا الفعل المعين فاضبطن … إجارة تطيين البنا لا تقيد
وما ذكر سكنى الدار شرط لكيفها … سوى في محل غرفة ذا تعدد
ويشرط علم الأرض والغرس والبنا … وزرع كذا إن يكتري للمعددِ
وعلم بمركوب كبيع الركوب … كسرج أو طاءٍ معود
وعلم المتاع اشرطه لا حاملًا له … سوى مستضيء كالزجاج المشرد
стр. 1648
وإن عين الجمال من جنسه ولم … يفت ببديل مبتغى مكتري اظهد
وإن يكتري نصف الطريق وعقبة … يصح بعرف للركوب مقيد
ويشرط أيضًا علم أجرة نفعه … بما تعلم الأثمان في كل معقد
متى جعلت في ذمة ومتى يكن … معينة مثل المبيع لتعدد
وإن جهل المقدار فيها كصبرة … مشاهدة صحت على المتجودِ
وبالأكل واللبس الإجارة جوزت … وعنه لإرضاع وعنه ليرددِ
ووجهين في إلزام ظئر حضانة … بمطلق عقد في الإجارة أسند
ويشرط علم الأجر والطفل يا فتى … ومدة إرضاع وموضعه احدد
وفي الأجر ذو المقصود بالعقد درها … والإرضاع لا حضن ومبدأ مقصد
ويلزمها استطعام مصلح درها … وإن عينت إن تستنب فيه تصدد
وندب عطاها حين تفطم غرة … وإعتاقها إما تكن أمة زد
стр. 1649
وليس له الإنفاق إلا بشرطه … وجوزه أن يوصف بغير تردد
وأن يغني عنه أو ثوى قبل قبضه … يعوض وعن تفصيل مؤد ليصدد
وللسيد إيجار الرقيق مراصعًا … سوى ولد ينقضن ري المعود
وأجرة خياط وقصار خرقة … وخمامهم والفلك كالمتعود
وأشباههم مع فقد فهو إجارة … ويحرم من لم ينتصب للمعددِ
وليس عليهم من ضمان لتالف … بغير تعد من صحيح ومفسدِ
ولك أجر حمل الكتب حتى متى إلى … فلان توى أو غاب عود بأجودِ
وإيجار شيء للمنافع جائز … كدار لسكناها وتزويج نهد
وإن تكتري طحان كر بثلثه … وأشباههن صححه في المتأكد
وإن تكتري في الشهر عنسًا بدرهم … فما زاد تعطي بالحساب فجود
وامض إن بعين كل شهر بدرهم … في الأولى وترعى كل دلو به طد
стр. 1650
ويلزم في الوقت المبدي بعقدهم … وفيما يليه بالتلبّس أطد
وكل له فسخ إذا تم شهره … وقيل إلى تكميل يوم بل امدد
وعشرين شهرًا كل شهر بدرهم … أجز وبه ذا الشهر واحسب وزيد
يصح في الأولى دون خلف وأول … الأخيرة والوجهين في المتزيدِ
ومن يكتري للبيت حمال صبرة … مشاهدة صحح بغير تردد
كذا حولتها كل كُرِ بدرهم … كذا كل مفهم حمل أجمعها اعدد
ويشرط قصد النفع شرعًا وجُله … اختيارًا وبقيل العين وقت التعقد
ومقدار محمول ورؤية راكب … وطفل له استأجرت ظئرًا فقيد
٥٤ - إذا أكره دابة، وقال: إن رددتها اليوم فبخمسة وغدًا بعشرة أو عينا لكل يوم أو شهر شيء معلوم
س ٥٤: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أكره دابة، وقال لمستأجر: إن رددت الدابة اليوم فبخمسة وغدًا فبعشرة أو عينًا زمنًا وأجرة، واكترى دابة لمدة غزاة، إذا عُين لكل يوم أو شهر شيء معلوم، كل دلو بتمرة أو اكتراه لحمل زبرة إلى محل كذا على أنها عشرة أرطال، وإن زاد فلكل رطل درهم، إذا لم يفسخ أحدهما بعد دخول أول المدة، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
следующие страницы →