← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

العقد على دابة أو نحوها موصوفة بذمة المؤجر، ثم سلم إلى المستأجر عينًا بالصفة، فغصبت فعلى المؤجر بدلها؛ لأن العقد على ما في الذمة كما وجد بالمسْلم عيبًا؛ فإن تعذر البدل فللمستأجر فسخ الإجارة، وله الصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها، وتنفسخ بمضي المدة إن كانت إلى مدة وعلم مما تقدم أن الإجارة الصحيحة ليس للمؤجر ولا غيره فسخها لزيادة حصلت ولو كانت العين وقفًا. قال الشيخ تقي الدين باتفاق الأئمة: وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور لم تلزمه إتفاقًا لو التزامها بطيب نفس منه بناء على إلحاق الزيادة والشروط بالعقود اللازمة لا تلحق ذكره في «الاختيارات» وإن كان الغاصب للمؤجرة هو المؤجر، فلا أجرة له سواء كانت الإجارة على عمل أو إلى أمد، وسواء كانت على معينة أو موصوفة، وسواء كان غصبُه لها قبل المدة أو في أثنائها، ولمستأجر الفسخ إن كانت الإجارة على موصوفة في الذمة وتعذر البدل، ويثبت الانفساخ إن كانت على معينة لتعذر تسليم المعقود عليه مع تضمين المستأجر ما أتلف من العين، وحدُوثُ خوف عام يمنع من سكنى المكان الذي فيه العين المؤجرة أو حصر للبلد فامتنع خروج المستأجر إلى الأرض المؤجرة للزرع كغصب فللمستأجر الخيار؛ فإن كان الخوف خاصًا بمستأجر كخوف من السفر لقرب عدوِّه من محل يريد سلوكه لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء النفع بالكلية أشبه المرض والحبس ولو ظلمًا، ولو اكترى دابة ليركبها أو ليحمل عليها إلى موضع معين فانقطع الطريق إلى جهة ذلك الموضع لخوف حادث أو اكترى إلى مكة، فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق مَلك كلُّ من المؤجر والمستأجِر فسخَ الإجارة وإن اختار إبقاءَ الإجارة إلى حين إمكان استيفاء النفع، جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ولا فسخ لعقد الإجارة بانتقال

стр. 1717

ملك في عين مؤجرة بنحو بيع أو هبة كعتق وجعالة لعدم التنافي بين ملك الرقبة والمنفعة، ولو كان الإنتقال لمستأجر فيجتمع على بائع لمشتر الثمن والأجرة؛ لأن عقد البيع لم يشمل المنافع الجارية في ملكه بعقد التأجير؛ لأن شراء الإنسان ملك نفسه محال، فلو فُسِخ بيع بنحو عيب، فالإجارة بحالها؛ لأنهما عقدان، فإذا فسخ أحدهما بقي الآخر، وإن كان مشتري المؤجرة أجنبيًا، فالأجرة من حين البيع له، ولا تبطل إجارة بوقف عين مؤجرة ولا بانتقال ملك فيها بإرث أو وصية أو نكاح أو خلع أو طلاق أو صلح لورودها على ما يملكه المؤجر من العين المسلوبة المنفعة، وإن استأجر من أبيه دارًا مملوكة له أو نحوها، ثم مات الأب وخلف المستأجر وأخاه، فالدار بينهما نصفين، وإن كان أبوه قبض الأجرة لم يرجع بشيء منها على أخيه ولا تركة أبيه، وما خلف أبوه بينهما نصفين ولو باع الدار التي تستحق المعتدةُ للوفاة سُكناها وهي حامل. فقال المجد: قياس المذهب صحة البيع، قال في «الإنصاف»: وهو الصواب كبيع المؤجرة، ويصح بيع عين مؤجرة سواء كانت الإجارة مدة لا تلي العقد، ثم بيعت قبلها أو في أثناء المدة؛ لأن الإجارة عقد على المنافع لا تمنع كبيع المزوجة، ولا يفتقر إلى إجارة المستأجر؛ لأن المعقود عليه في الإجارة غير المعقود عليه في البيع، ولمشتر لم يعلم أن المبيع مؤجر فسخ وإمضاء للبيع مجانًا من غير أرش والأجرة للمشتري من حين الشراء، وإن علم المشتري أن المبيع مؤجر فلا يملك فسخ المبيع ولا أجرة له لدخوله على بصيرة، وكذا مثل المنتقل بالبيع كل شقص منتقل إليه بعقد غير البيع كجعله مهرًا أو عوضًا في طلاق أو خلع، فحكمه حكم المنتقل بالبيع، فلا يبطل البيع بشيء من ذلك والمنتقل إليه بنوع مما ذكر إن لم يعلم بالحال الفسخ أو الإمضاء مجانًا وإن علم بالحال، فلا فسخ له ولا أجرة، وتنفسخ الإجارة باستيلاء حربي على دار الإسلام

стр. 1718

إذا وضع يده على المأجور، ويمنع من الانتفاع به وعكسه بأن يستوي المسلمون على دار الحرب، ويضعوا أيديهم على مأجوراتهم فلا يمكن المستأجر من التصرف فيما استأجره من الحربي، فتنفسخ بذلك للعذر المانع من الانتفاع إلا إن كان الحربي قد أجر ما بيده لإنسان معصوم من مسلم أو ذمي، فلا تنفسخ الإجارة لدوام ثبوت يده على المأجور، وإن ظهر عيب بمؤجرة معينة بأن كان بها وقت العقد، ولم يعلم به مستأجر أو حدث بمؤجرة معينة عيب كجنون الأجير ومرضه ونحوه، حيث كان بفعل الله تعالى، والعيب ما يظهر به تفاوت الأجرة بأن تكون الأجرة معه دونها مع عدمه فللمستأجر الفسخ؛ لأنه عيب في المعقود عليه أشبه العيب في بيوع الأعيان، والمنافع لا يحصل قبضها إلا شيئًا فشيئًا، فإذا حدث العيب فقد وجد قبض الباقي من المعقود عليه، فأثبت الفسخ فيما بقي منها إن لم يزل العيب سريعًا بلا ضرر يلحق المستأجر كفتح بالوعة إذا فتحها المؤجر في زمن يسير لا تتلف فيه منفعة تضر بالمستأجر، فلا خيار له ولمستأجر الإمضاء مجانًا بلا أرش لعيب قديم أو حديث بكل الأجرة؛ لأنه رضي به ناقصًا، ومن العيب الذي يسوغ للمستأجر الفسخ جارُ سوء للدار المؤجرة، بل هو من أقبح العيوب وربما اضطر جاره إلى بيع ملكه، ومما يُنسب إلى الشافعي في الجار قوله: يَلُومُونَنِي إن بِعْتُ بالرُّخْص منزِلي … ولم يَعْلَمُوا جَارًا هُنَاكَ يُنَغِّصُ فَقُلْتُ لهم: كُفُّوا الملامَ فإنَّما … بِجِيرانِها تَغْلُو الديارُ وترْخُص ومن العيوب: خوف سقوط حائط أو سقف وخوف غرق سفينة إبقاء للنفوس والأموال، ومن العيوب تغيُّر رائحة بئر بدار مؤجر؛ لأن النفوس

стр. 1719

تعافه، ومن العيوب انقطاع مائها أو غوره فيثبت له بذلك كله خيار الفسخ، قلت: ومثل ذلك فيما أرى. والله أعلم. إذا قطع عن المستأجر الماء من غير فعله ولا سببه وكان العرف أو الشرط جار بذلك، وإن اكترى أرضًا لها ماء ليزرعها أو استأجر دارًا يسكنها فانقطع ماء الأرض مع الحاجة إليه أو انهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة لتعطيل النفع فيه؛ ولأن المقصود بالعقد قد فات أشبه ما لو تلف أو انهدم البعض من الدار ونحوها، انفسخت الإجارة فيما انهدم وسقط قسطه من الأجرة ولمكثر الخيار في البقية لتفريق الصفقة عليه؛ فإن أمسك البقية فبالقسط من الأجرة فتقسط الأجرة على ما انهدم وعلى ما بقي ويلزم قسط الباقي، وقد مر مسائل في تفريق الصفقة، وهي أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه صفقة واحدة، فمثلُ البيع الإجارةُ فلو أجَّر سيارتَه وتلفزيونه لواحد يومًا أو شهرًا صفقةً واجدةً صحَّت الإجارةُ في السيارة وبطلت في التلفزيون، ولو أجَّر الدبابةَ أو السيكل والسينما، صح العقد في السيكل والدبابة وبَطلَ في السينما ولو أجر مكينته ومذياعهُ صفقةً واحدةً، صح في المكينة، وبطلت الإجارة في المذْياع، ولو آجر آلة التصوير لحرمة ذلك، ولو عقَدَ عقْدَ إجارة مع حلاق لحلق اللحية وحلق الرأس صحَّت الإجارةُ على حلق الرأس، وبطلت في حلق اللحية لحرمة ذلك، وتقدمت الأدلة ولو أجَّر أرضين صفقةً واحدةً يريد المستأجر أن يزرع واحدةً برًا والأخرى دخانًا صح في الأولى وهي التي يُريد أن يزرعها برًا وبطل في التي يريد أن يزرعها دخانًا، ويُقَسِّط العِوضَ عليهما، ولو كان ذلك بيعًا بطل في آلات اللهو لتحريمها، وصحَّ البيع في الحلال وهي السيارة والدبابة والسيكل والمكينة وآلة الطباعة وقِسْ على ذلك ما حَدَثَ مما لم يُذكر وما

стр. 1720

سيحدث مماثلًا لذلك إن حدث في حياتك. والله أعلم. ومتى زرع فغرق الزرع أو تلف بنحو حريق أو جراد أو فأر أو برد أو غيره قبل حصاده، أو لم تنبت فلا خيار وتلزمه الأجرة؛ لأن التالف غير المعقود عليه وسببه غير مضمون على المؤجر، ثم إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزرع أو بالزرع في بقية المدة، فله ذلك؛ لأن ملك المنفعة إلى انقضاء مدته، وإن تعذر زرع مؤجرة لغرق أرض أو قل الماء قبل زرعها أو بعده أو عابت بغرق يعيب به بعض الزرع فله الخيار لحصول ما نقص به منفعة العين المؤجرة، ثم إن اختار الفسخ وقد زرع بقي الزرع في الأرض إلى الحصاد، وعليه من المسمى بحصته إلى حين الفسخ وأجرة المثل لما بقي من المدة لأرض متصفة بالعيب الذي ملك الفسخ من أجله، والأرض الغارقة بالماء التي لا يمكن زرعها قبل إنحساره وهو تارة ينحسر وتارة لا ينحسر، لا يصح عقد الإجارة عليها إذن؛ لأن الانتفاع بها في الحال متعذر ولوجود المانع، وفي المآل غير ظاهر؛ لأنه لا يزول، وإن استأجر الأرض عامًا فزرعها زرعًا أجرى الله العادة بنباته، فلم ينبت إلا بعام قابل بلا تفريط مستأجر مثل أن يزرع زرعًا ينتهي في المدة عادة فأبطأ لبرد أو غيره، فللعام الأول المسحي في العقد وللعام الثاني أجرة مثل، ويلزم رب الأرض تركه إلى أن ينتهي، وليس لرب الأرض قلع الزرع قبل إدراكه؛ لأنه لا تفريط من المستأجر في تأخيره كما لو أعاره أرضًا فزرعها، ثم رجع المالك قبل كمال الزرع، وإن كان عدم نبات الزرع في العام بتفريط المستأجر كتأخير زرع لمدة لا يكمل فيها عادة فحكمه حكم زرع الغاصب للمالك بعد انقضاء المدة إبقاؤه بأجرة مثله لما زاد على المدة؛ لأنه أبقى زرعه بأرض غيره بعدوانه وله تمليكه بقيمته، وهي مثل بذره وعوض لواحقه. ومحل ذلك: ما لم يختر مكتر إزالة الزرع حالًا وتفريغ الأرض؛ فإن اختاره فله ذلك؛ لأنه يزيل الضرر ويُسلم

стр. 1721

الأرض على الوجه على اقتضاء العقد ولا يلزم المستأجر قلع الزرع لو طلبه المالك في هذه الحال؛ لأن له حدًا ينتهي إليه بخلاف الغرس ومتى أراد المستأجر زرع شيء لا يدرك مثله في مدة الإجارة فلمالك منعه؛ لأنه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق فملك منعه، وإن زرع متعديًا بأن زرع قبل انقضاء مدة الإجارة زرعًا يضر بالمستأجر أو غرس أو بنى فهو غاصب، ولمستأجر تملك زرعه بنفقته، وكذا غاصب أرض موقوفة زرعت بأن زرعها الغاصب للموقوف عليه تملك الزرع بنفقته لملك العين في الجملة، ولو اكترى أرضًا مدة لا يكمل ذلك الزرع فيها عادة كمن اكترى خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في سنة نظرنا؛ فإن شرط المستأجر قلع الزرع بعد مدة الإجارة أو نقله عنه وتفريغها صح العقد؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض ليأخذ قصيلًا أو غيره ويلزمه ما التزم، وإن لم يشترط قلعه بأن شرط إيفاءه إلى إدراكه بعد مدة الإجارة أو سكت فلم يشترط قطعًا ولا إبقاء، فلا تصح الإجارة لفسادها؛ أما في الأولى فلأنه جمع بين متضادين؛ لأن تقدير المدة يقتضي التفريغ بعدها، وشرط التبقية يخالفه؛ ولأن مدة التبقية مجهولة؛ وأما في الثانية فلأنه أكتراها لزرع شيء لا ينتفع بزرعه في مدة الإجارة أشبه إجارة المنتجة للزرع. وإذا سلم العين المعقود عليها في الإجارة الفاسدة حتى انقضت المدة أو بعضها أو مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أو لا فعليه أجرة المثل لمدة بقائه في يده سواء استعمل المأجور أو لم يستعمله؛ لأن المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمأجور فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاه، وإن لم تسلم العين في الإجارة الفاسدة لم يلزمه أجرة، ولو بذل العين المالك؛ لأن المنافع لم تتلف تحت يده والعقد الفاسد لا أثر له بخلاف الإجارة الصحيحة.

стр. 1722

من النظم فيما يتعلق في ملك نفع العين ويملك نفع العين مُستأجِرٌ لها … ويَملك منه أجْرَهُ وَقْتَ مَعْقدِ بأجمعها إنْ لم تُؤَجَّلْ وإن نَسَا … على عَملٍ في الذَّمة امنعْ بأجْوَدِ بتَسْليم عَينْ قَبْضُها تَسْتَحِقَّه … أو العَمَل المَوْصُوفَ مِن غير مُبْعِدِ فإنْ يمضِ ميقات الكِرَى بَعد بَذْلِهَا … قَبض الذي في ذمة تتأطدِ وفي صُبْرَةٍ مَجْهُولةِ القَدْرِ أجْرُه … لتعْرِيضه للْفَسْخِ وَجْهَيْن أسْندِ ومستأجرٌ شخصًا لِيُوصل كُتْبَهُ … إلى صَاحِب إن لم يَجدْه ليُمْدَدِ بأجْرَةِ إرْسَالٍ وَرَدٍّ لأنَّهُ … لِحَاجَته اضْحَى يَرُوحُ وَيَغْتَدِي ومُلْقٍ إلى الخياط ثوبًا فخاطه … وثوبًا إلى القْصَّارِ غير مُحَدَّدِ لأجْرٍ بأجْرِ المِثْلِ فاحْكُمْ وَهَكَذَا … لأجْرِ مُنادٍ أوْ سَفِينَةِ مُزْبِدِ فصل وإن ينو غرسًا أو بناءً وقد مضَى … زمان الكرى لم يشترط قَلعَه امْهَدِ

стр. 1723

لمؤجِرِهَا بالأجْرة الأخذ والبقا … بأجْرٍ وَقَلْع ضامنًا نقْصَ مُفْسِد وقيمته ما بَيْنَ قيمَة أرْضِه … وفيه البناء والغرس والحلوة أشهد وللمالِكْين القلْعُ مَعْ طَمِّ إثْرهِ … وَمَا شَرَطَا يَلْزَمْ بغَيْر تقَيُّدِ وإن يَبْقَ من تفريطه الزرع إن تشا … بقيمِتهِ خذ أوْ بأجْر مخلد وإن لم يُفرط بالمُسَمَّى فأبقهِ إنْ … يَشاء ربه مع أجر مثل المزَيَّدِ وإن شَاءَ رَبُّ الزَّرْع والغَرْس أخْذَهُ … بلا ضَرر في الحال مَكَّنْهُ واسّعِدِ وفيما قُبضْ في فَاسِدِ مُدةً وَلَوْ … بلا نَفْعِ أجْر المِثْل في المتأكِد وبالفضة أنْ يُؤجرَ ويأخُذُ عدْلَهَا … دَنَانِيرَ عِنْدَ الفَسْخِ للفضة اردد ٦٤ - الأجير الخاص والأجير العام س ٦٤: تكلم بوضوح عن الأجير الخاص والأجير المشترك مميزًا كل واحد عن الآخر، وما يلزم من ضمان أو عدمه؟ وما يتعلق بذلك من المسائل والاحترازات والتفاصيل والأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح؟ ج: الأجير قسمان: قسم خاص، وقسم مشترك. ولا ضمان على أجير خاص وهو من قدر نفعه بمدة بأن استؤجر لمدة أو عمل في بناء أو خياطة

стр. 1724

يومًا أو أسبوعًا ونحوه فيستحق المستأجر نفعه في جميع المدة المقدر نفعه بها لا يشركه فيها أحد؛ فإن لم يستحق نفعه في جميع المدة فمشترك كما يأتي سوى فعل الصلوات الخمس في أوقاتها بسننها المؤكدات، وسوى صلاة جمعة وعيد؛ فإن أزمنة ذلك لا تدخل في العقد، بل مستثناة شرعًا سواء سلَّم نفسه لمستأجر بأن كان يعمل عند المستأجر أو لا، بأن كان يعمل في بيت نفسه، ويستحق الأجير الخاص الأجرة بتسليم نفسه عمل أو لم يعمل؛ لأنه بذل ما عليه كما لو بذل البائع العين المبيعة، وتتعلق الإجارة بعينه كالأجير المعين فليس له أن يستنيب إذا تقرر هذا فلا ضمان عليه فيما تلف بيده كما لو انكسرت منه الجرة التي يستقي بها أو الآلة التي يحرث بها أو المكيل الذي يكتل به ونحوه؛ لأن عمله غير مضمون عليه، فلم يضمن ما تلف به كسراية القصاص والحد، وما روي عن علي أنه كان يضمن الأجير، ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا فهو مرسل، والصحيح فيه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ والمطلق محمول على المقيد؛ ولأنه نائب المالك في صرف منافعه إلى ما أمر به فلم يضمن كالوكيل؛ ولأن عمله غير مضمون عليه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص إلا أن يتعمد الإتلاف أو يفرط؛ لأنه إذن كالغاصب، وإن عمِلَ أجيرٌ خاص لغير مستأجره فأضره للمستأجر على الأجير قيمة ما فوته عليه من منفعة. قال أحمد: في رجل يستأجر أجيرًا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم فكان الرجل ينقل عليهما وعلى حمار لرجل آخر ويأخذ منه الأجرة؛ فإن كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة. قال في «المغني»: فظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الأجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله ويقبل دعوى الأجير لحمل شيء تلف ذلك المحمول على وجه لا يضمنه بيمينه ولحامل أجرة حمله إلى محل تلف؛ لأن ما عمل فيه

стр. 1725

من عمل بإذن وعدم تمام العمل ليس من جهته. ولا ضمان على حجام أو ختان خاصًا أو مشتركًا بآلة غير كآلة، ويشترط كون القطع في وقت صالح لقطع؛ فإن قطع في وقت لا يصلح القطع فيه ضمن ولا على بيطار أو طبيب خاصًا أو مشتركًا إذا كان حاذقًا في صنعته، ولم تجن يده بمجاوزة أو قطع ما لم يقطع؛ ولأنه فعل مباحًا فلم يضمن سرايته كحده؛ لأنه لا يمكن أن يقال: إقطع قطعًا لا يسري، بخلاف دُقَّ دقًا لا يخرقه؛ فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع إذن، فإذا قطع فقد فعل محرمًا فضمن سرايته، وإن أذِن في الفعل مكلف ولو أو ولي مَن أذن له الحاكم حتى في قطع سلعة ونحوها لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه من ذي الولاية وإلا يؤذن له فيه فسَرَتِ الجناية ضمِنَ؛ لأنه فعل غير مأذون فيه، والدية على عاقلته وعليه يحمل ما روي أن عمر قضى به في طفلة ماتت في الختان بدية على عاقلة خاتنها، وإن أذن فيه وكان حاذقًا؛ لكن جَنَت يده ولو خطأ مثل أن جاوز الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها أو قطع في غير محل القطع أو قطع سلعة فتجاوز محل القطع أو قطع بآلة كآلة يكثر ألمُها وأشباه ذلك ضَمِنَ؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه والعمد والخطأ. قال ابن القيم في «تحفة المودود»: فإن أذن له أن يختنه في زمن حرٍّ مفرط أو بردٍ مفرطٍ أو في حال ضعف يخاف عليه منه؛ فإن كان بالغًا عاقلًا لم يضمنه؛ لأنه أسقط حقه بالإذن فيه، وإن كان صغيرًا ضمنه؛ لأنه يعتبر إذنه شرعًا، وإن أذن فيه وليه في زمن الحر المفرط أو البرد، فهذا موضع نظر هل يجب الضمان على الولي أو الخاتن؟ ولا ريب أن الولي متسبب والخاتن مباشر، فالقاعدة تقضي تضمين المباشر؛ لأنه يمكن الإحالة عليه بخلاف ما إذا تعذر تضمينه، انتهى. ولا ضمان على

стр. 1726

راع فيما تلف من الماشية إذا لم يتعد ويقبل قوله في نفي التعدي وإذا لم يفرط بحفظها بنحو نوم كاشتغاله بلعب أو غيبة الماشية عنه أو ضربها ضربًا مبرحًا بأن يسرف في ضربها أو سلوكه موضعًا يتعرض لتلفها به؛ لأنه مؤتمن على حفظها أشبه المودع فلا يضمنها بدون ما ذكر كالمؤجرة؛ فإن فرط الراعي في حفظها بنوم أو غفلة أو تركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره وحفظه أو تعدى بأن أسرف في ضربها أو ضربه في غير موضع الضرب أو ضربها من غير حاجة إلى الضرب ضمن الراعي التالف، وإذا جذب الدابة مستأجر أو معلمها السير أو السير مع الكر أو الفر لتقف أو تنقلب فَتِلفت لم تضمن أو ضرب الدابة مستأجرها أو معلمها السير ونحوه كالضرب المتعارف عادة من غير إسراف لم تضمن؛ لأنه مأذون وإلا بأن جذبها لا للوقوف ولا للتعليم أو ضربًا غير المعتاد حرم ذلك، وضمن الدابة إن تلفت؛ لأنه فعل ما ليس ما فعله، وعلى راع تحري نافع مكان رعي ويلزمه توقي نبات مضرٍّ ويلزمه إيراد الماشية الماء إذا احتاجت إليه على الوجه الذي لا يضرها شربه، ويلزمه ردها عن زرع الناس ويلزمه دفع سباع عنها ويلزمه منع بعضها من أذية بعض قِتالًا ونطحًا. ويلزم أن يؤدب الصائلة بردها عن المصول عليها ويرد القرناء عن الجماء والقوية عن الضعيفة، وعليه إعادتها عند المساء لأربابها وإن اختلف راع ورب ماشية في تعد أو تفريط وعدمه بأن ادعى ربها أن الراعي تعدى وأفرط فتلفت وأنكر الراعي، فالقول قوله بيمينه؛ لأنه أمين، والأصل براءته وإن فعل الراعي فعلًا واختلفا في كونه تعديًا أو تفريطًا رجع فيه إلى أهل الخبرة؛ لأنهم أدرى به وإن ادعى الراعي موتًا لشاة أو بعير أو بقرة قُبِل قوله بيمينه ولو لم يحضر جلدًا أو غيره، وقيل: إذا أحضر الجلد ونحوه مدعيًا موتًا قُبل قوله، وقيل: لا يقبل إلا ببينة تشهد بموتها، والذي يترجح

стр. 1727

عندي القول الأول، إلا إن كان فيه قرائن تدل على كذبه فلا يقبل قوله إلا ببينة، والله أعلم. لأنه مؤتمن، أو ادعى مكترٍ لدابة أو آدمي أن المتكري آبق أو أن المكتري مريض أو أنه شارد أو مات في المدة أو بعدها قبل قوله بيمينه في عدم التفريط والتعدي ولا ضمان عليه؛ لأنه مؤتمن ولو جاء به صحيحًا وكذبه المالك، وقيل: لا يقبل قوله إلا ببينة تشهد بموتها ولا أجرة عليه حيث لم ينتفع بالمأجور؛ لأن الأجرة إنما تجب بالانتفاع بالعين المؤجرة ولم يوجد، وإن عقد إجارة على رعي إبل أو بقر وغنم معينة مدة تعينت كما لو استأجر لخياطة ثوب بعينه فلا تبدل ويبطل العقد فيما تلف منها لفوات محل المعقود عليه كموت الرضيع وإن عقد على رعي شيء موصوف في ذمة فلابد من ذكر نوعه فلا يكفي ذكر الجنس كالإبل، فلابد من أن يقول بخاتي أو عِراب، وفي البقر بقرًا أو جواميس وفي الغنم ضانًا أو معزًا، ويذكر كبره أو صغره، ويذكر عدده وجوبًا؛ لأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فاعتبر العلم به إزالة للجهالة. ولا يلزم الراعي رعي سِخالها سواء كانت على معينة أو موصوفة؛ لأن العقد لم يتناولها ولا يشمل إطلاق العقد على رعي بقر رعْي جواميس وعلى إبل لم يشمل بخاتي؛ لأن العقد لم يتناوله حملًا على العرف، ويضمن الأجير المشترك وهو مَن قدر نفعه بالعمل ولو تعرض في العمل وقت عقد لمدة ككحال بكحله شهرًا كل يوم كذا وكذا مرة أو لا كخياطة ثوب ويتقبل الأجير المشترك الأعمال في وقت واحد يعمل لهم فيشتركون في نفعه، فلذلك سمي مشتركًا فتتعلق الإجارة بذمته لا بعينه ولا يستحق الأجرة إلا بتسليم عمله دون تسليم نفسه بخلاف الخاص، فيضمن الأجير المشترك ما تلف بفعله من تخريق قصار بدقِّه أو مدِّه أو عصرِه أو بسطِه وغلط خياط في تفصيل، روي عن عمر وعلي ﵄ لأنه عمله مضمون

стр. 1728

عليه لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل؛ فإن الثوب لو تلف في حرزه لم يكن له أجر فيما عمل فيه بخلاف الخاص وما تولد منه يكون مضمونًا كالعدوان يقطع عضو أو غلط في نسج أو في طبخ أو في خبز، وكذا ملاح سفينة ونحوه ويضمن أيضًا ما تلف بفعله من يده أو خرقه أو ما يعالج به السفينة وسواء كان رب المتاع معه أو لا، وقيل: لا يضمن ما لم يتعد أو يفرط، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأنه من الأمناء الذين لا يضمنون إلا بالتعدي أو التفريط ويحمل ما ورد عن علي في تضمينهم على التعدي أو التفريط وإلا فليسوا غاصبين حتى يترتب عليهم الضمان، وأيضًا فالضمان مرتب على اليد والتصرف، فإذا كانت اليد يدًا عادية رتب عليها الضمان وإذا كان التصرف ممنوعًا رتب عليه الضمان والأجير يده غير عادية وتصرفه غير ممنوع، بل مأمور به من جهة المؤجر، والله أعلم. ويقدم قول رب التالف في صفة عمله إذا اختلفا في صفة العمل بعد تلف المأجور ليغرمه للعامل، فالقول قول ربه؛ لأنه غارم، وقيل: بل يقبل قول الأجير. قال في «الإنصاف»: لئلا يغرم نقصه مجانًا بمجرد قول ربه بخلاف الوكيل، قال في «التلخيص»: القول قول الأجير في أصح الروايتين، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه أعلم. ويضمن حامل ما تلف بزلْقِه أو عثرته أي الحامل من آدمي أو بهيمة وسقوطٍ عن دابة أو تلف يقوده وسوقه وإنقطاع حبله الذي يشد به الحمل سواء حضر ربها أو غاب إذ لا فرق بين أن يكون صاحب العمل حاضرًا عنده أو غائبًا أو كونه مع الملاح أو الجمال أو لا، قال ابن عقيل: ما تلف بجناية الملاح بحذقه أو بجناية المكاري بشده المتاع ونحوه، فهو مضمون عليه؛ لأن وجوب الضمان عليه بجناية يده فلا فرق بين حضور المالك وغيبته كالعدوان؛ لأن جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع راكبًا معه يعم المتاعِ وصاحبه

стр. 1729

وتفريطه يعمهما فلم يسقط ذلك الضمان كما لو رمى إنسانًا متترسًا فكسر ترسه وقتله؛ ولأن الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنًا مع حضور المطبب والمختون وقد ذكر القاضي فتلف ضمن، والذي تطمئن إليه نفسي، والله أعلم أنه إذا لم يحصل إعتداء أو تفريط لا ضمان عليه، وإن سرق لم يضمن؛ لأنه في العثار تلف بجنايته والسرقة ليست من جنايته ورب المال لم يحل بينه وبينه، وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه سواء حضر رب المال أو غاب في وجوب الضمان في محل النزاع أولى؛ لأن الفعل في ذلك الموضع مقصود لفاعله والسقطة من الحمال غير مقصودة له وإذا أوجب الضمان كصباغ أمر بصبغ ثوب أصفر فصبغه أسود ونحوه لما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يصلح للناس إلا ذلك. وروى الشافعي في «مسنده» عن علي أنه كان يضمن الأجراء، ويقول لا يصلح الناس إلا هذا؛ ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه فما تولد منه يجب أن يكون مضمونًا عليه كالعدوان بقطع عضو ودليل ضمان عمله عليه أنه لا يستحق العوض بمضي المدة وإن لم يعمل ولو بدفع ونحوه لغير ربه غلطًا فيضمنه؛ لأنه فوته على مالكه. قال أحمد في قصار دفع الثوب إلى غير مالكه: يغرم القصار، وليس للمدفوع إليه لبسه إذا علم وعليه رده للقصار، وغرم قابض الثوب المدفوع إليه غلطًا حيث قطعه أو لبسه جهلًا أنه ثوب غيره ضمن أرش قطعة وأجرة لبسه لتعديه على مالك وغيره ورجع قابض بأرش قطعه وأجرة لبسه على دافع؛ لأنه غره. قال في «شرح الهداية»: ويرجع بما غرمه على القصار. وزاد في «الرعاية»: مسألة الرجوع بأجرة اللبس وله المطالبة بثوبه إن كان موجودًا وإن هلك ضمن الأجير؛ لأنه أمسكه

стр. 1730

بغير إذن صاحبه بعد طلبه كما لو علم، وإن علم قابض أن الثوب ونحوه ليس بثوبه فقطعه أو لبسه فلا رجوع على دافع بما غرمه للمالك؛ لأنه أدخل الضرر على نفسه ولا يضمن أجير ما تلف بغير فعله؛ لأنه عين مقبوضة بعقد الإجارة لم يتلفها بفعله أشبه المستأجر، ولأن قبضها بإذن مالكها لنفع يعود عليهما أشبه المضارب إن لم يفرط؛ فإن فرط ضمن؛ لأن العين في يده أمانة أشبه المودع، ولا يضمن ما ضاع من حِزره بنحو سرقة ولا أجرة للأجير المشترك فيما عمل فيه ولو كان عمله ببيت ربه، وقيل: لا فرق بين أن يكون بيت ربه أو غيره؛ لأنه لم يسلم عمله للمستأجر إذ لا يمكن تسليمه إلا بتسليم المعمول فلم يستحق عوضه ككيل بيع وتلف قبل قبضه، وفيه اتجاه أن الأجير لا يستحق الأجرة فيما إذا كان العمل ببيت المستأجر وتلف المعمول قبل فراغه من العمل، وأما إذا تلف بعد فراغه من العمل وهو بيت المستأجر فقد استحق الأجرة بمجرد الفراغ؛ لأنه أتم ما عليه، وفي «المغني»: وكُلّ مَن استؤجِرَ على عمل في عين فلا يخلو إما أن يوقعه وهو في يد الأجير كالصباغ يصبغ في حانوته، والخياط في دكانه، فلا يبرأ من العمل حتى يسلمها إلى المستأجر ولا يستحق الأجرة حتى يسلمه مفروغًا منه؛ لأن المعقود عليه في يده فلا يبرأ منه ما لم يسلمه إلى العاقد كالمبيع من الطعام، وأما إذا كان يوقع العمل في بيت المستأجر مثل أن يحضره إلى داره ليخيط فيها أو يصبغ فيها؛ فإنه يبرأ من العمل ويستحق أجرة بمجرد عمله؛ لأنه في يد المستأجر فيصير مسلمًا للعمل حالًا فحالًا ولو استأجر رجلًا يبني له حائطًا في داره أو يحفر بها بئرًا برِيءَ من العمل واستحق أجره بمجرد عمله ولو كانت البئر في الصحراء أو الحائط لم يبرأ بمجرد العمل، ولو انهارت عقب الحفر أو الحائط بعد بنائه وقبل تسليمه لم يبرأ من العمل، وأما الأجير الخاص فيستحق الأجرة

стр. 1731

بمضي المدة سواء تلف ما عمله أو لم يتلف ولو استأجر أجيرًا ليبني له حائطًا طوله عشرة أذرع فبنى بعضه فسقط لم يستحق شيئًا حتى يتمه سواء كان في ملك المستأجر أو في غيره؛ لأن الاستحقاق مشروط بإتمامه ولم يوجد، وكذا لو استأجره ليحفر له بئرًا عمقها عشرة أذرع فحفر منها خمسة وانهار فيها تراب من جوانبها لم يستحق شيئًا حتى يتمم حفرها. ولا يضمن أجير مشترك تبرَّع بعمله مطلقًا سواء عمله ببينة أو غيره؛ لأنه أمين محض؛ فإن اختلفا في أنه أجير أو متبرع فقول أجير بيمينه؛ لأن الأصل براءته، ولأجيرٍ حبسُ معمولٍ على أجرته كثوب صَبغَه أو قصَّره أو خاطه إن حكم بفلس ربه وكون الأجير يملك حَبْسَ ما صبغهُ أو قصَّرَه أو خاطه؛ لأن زيادته للمفلس فأجرته عليه والعمل الذي هو عوضها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر كمن أجر دابته أو نحوها لإنسان بأجرة حالة، ثم ظهر عسر المستأجر قبل تسليمها له؛ فإن للمؤجر حبسها عنه وفسخ الأجرة، ثم إن كانت أجرته أكثر مما زادته به قيمته أخذ الزيادة وحاصص الغرماء بما بقي له من الأجرة وإن لم يحكم حاكم بفلس المستأجر فلا يملك الأجير حَبْس المعمول بعد عمله؛ فإن فعل فكغاصب حكمه؛ لأنه لم يرهنه هنده ولا أذن في إمساكه ولا يتضرر بدفعه قبل أخذ أجرته ومتى فعل فتلف ضمنه كما لو أتلفه الأجير بعد عمله أو بعد حمله إذا استؤجر له وخُيرَ مالك بين تضمين الأجير المعمولَ أو المموِّلَ غيرَ معمولٍ أو غيرَ محمولٍ بأن يطالبه بقيمته في الموضع الذي سلمه إليه فيه ليحمله منه ولا أجرة للأجير؛ لأنه لم يسلم عمله أو تضمينه المعمول أو المحمول التالف تعديًا بقيمته معمولًا ومحمولًا إلى مكان تلف فيه وله أجرة عمله وحمله؛ لأن تضمينه إياه كذلك في معنى تسليم العمل المأمور به، وإنما خير بين الأمرين؛ لأن ملكه مستصحب عليه إلى حين المطالبة

стр. 1732

بقيمته قبل عمله وحين تلفه. وإن استأجر أجيرٌ مشتركٌ أجيرًا كخياط أو صباغ يستأجر أجيرًا فأكثر مدة معلومة يستعمله فيها فلكل من الخاص والمشترك حكم نفسه، فإذا تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجير فخرقه أو أفسده بلا تعد ولا تفريط لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لمالكه؛ لأنه أجير مشترك، وإن تقبل الأجير المشترك ولم يعمل، بل استعان بغيره، فللأجير المشترك الأجرة المسماة في العقد لالتزامه العمل لا لتسليم العمل وتقدم في الشركة أن التقبل يوجب الضمان على المقتبل ويستحق الربح وسواء عمل فيه شيئًا أو لا، وإن قال الأجير: أنت لي في تفصيل الثوب قباء، وقال المستأجر: بل أذنت لك بتفصيله قميصًا فالقول قول خياط، لئلا يغرم نقصه مجانًا بمجرد قول ربه، وكذا إن قال: أذنت لي في قطعه قميص امرأة، قال: بل قميص رجل، أو في صبغه أسود، فقال: بل أحمر ونحوه لاتفاقهما على الإذن واختلافهما في صفته، فالقول قول الأجير وهو المأذون كالمضارب إذا قال: أذنت لي في البيع نساء؛ ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع، والظاهر أنه فعل ما ملكه واختلف في لزوم الغرم له، والأصل عدمه فيحلف الخياط لقد أذنت لي في قطعه كذا ويسقط عنه الغرم، ويكون له أجرة مثله؛ لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه. وقال أبو حنيفة وأبو ثور: القول قول صاحب الثوب، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من له قولان كالمذهبين، ومنهم ن قال له قول ثالث إنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن، ومنهم من قال: إن الصحيح أن القول قول رب الثوب؛ لأنهما اختلفا في صفة الإذن، والقول قوله في أصل الإذن فكذلك في صفته؛ ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه، فالقول قول من ينفيه، وهذا القول هو الذي تميل

стр. 1733

إليه النفس، والله سبحانه أعلم. ولو قال رب ثوب لخياط: إن كان يكفيني قميصًا أو قباء فاقطعه وفصّله، فقال الخياط: يكفيك ففصله فلم يكفه ضمن أرش تقطيعه؛ لأنه إنما أذنه في قطعه بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه، كما لو قال له: اقطعه قباء فقطعه قميصًا؛ فإنه يضمن أرش نقصه لمخالفته لا إن قال أنظر هل يكفيني قميصًا أو قباء، قال: يكفيك، فقال له: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه لم يضمن؛ لأنه أذنه في غير اشتراط بخلاف التي قبلها، وإن دفع إلى حائك غزلًا، وقال: انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع فنسجه زائدًا على ما قدر له في الطول والعرض فلا أجرة لما زاد على ما قدر؛ لأنه غير مأمور به ويضمن الحائك نقص غزل نسج في الزيادة لتعديه، فأما ما عدا الزائد فينظر فيه؛ فإنه كان جاء به زائدًا في الطول وحده ولم ينقص الأصل بالزيادة فله ما سمي له من الأجر كما لو استأجره على أن يضرب له مائة لبنة فضرب له مائتين وإن جاء به زائدًا في العرض وحده أو فيهما، فقدم في «المغني»: لا أجر له؛ لأنه مخالف لأمر المستأجر فلم يستحق شيئًا، كما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض ذراعين، والفرق بين الطول والعرض أنه يمكن قطع الزائد في الطول ويبقي الثوب على ما أراد ولا يمكن ذلك في العرض، وأما إن جاء به ناقصًا في الطول والعرض أو في إحداهما، فقدم في «المغني»: لا أجر له وعليه ضمان نقصان الغزل؛ لأنه مخالف لما أمره به فأشبه ما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض نصف ذراع، وأما إن أثرت الزيادة أو النقص في الأصل مثل أن يأمره بنسج عشرة أذرع ليكون الثوب ضيقًا فنسجه خمسة عشر، فصار صفيقًا أو أمره بنسج خمسة عشر ليكون خفيفًا فنسجه عشرة فصار صفيقًا فلا أجر له بحال، وعليه ضمان نقص الغزل؛ لأنه لم يأت بشيء مما أمر به.

стр. 1734

من النظم فيما يتعلق بالأجير المشترك ومستأجر قَدَّرْتَ بالفعل نَفْعَه … فَيَضْمَنُ ما أراده مِن فِعْله قَدِ كَدَقةِ قَصَّار وزَلَةِ حَامِل … وغَلْطَةِ خَيَّاطٍ بثوبٍ بأوْطَدِ وسيان ما أراده في بَيْتِ مُكْتَرٍ … وَفي غير بَيْتِ المكتري في المجودِ ولا غَرْمَ فيما فات مِن غير فعله … وَعنه بأمر ظاهرٍ لا مُبَعَّدِ وعنه عليه الغرم يا صَاحِ مُطلقًا … كما لو جَنَى عَمْدًا بغير تردد ويَضْمَنُ مَحْبُوسًا لِيَأْخُذَ أجْرَهُ … وللمالكِ التضمين غَير مُصَدَّدِ فإن شَاء مَعْمُولًا ويُعطِيه أجْره … وإنْ شاء كَحَالِ العَقد غير مُزَوَّدِ وإنْ لَمْ يُضَمَّنَ مَن تقدم ذكره … فليس له أجرٌ لِفعْل المُفَقَّدِ سوى مَا ببَيت المكتري كانَ فِعْلُه … وعنه سوى أجر البنا مطلقًا ذُدِ وعنْهُ ومنْقُولٌ إذا كان فعله … لَهُ وَاقِعًا في بَيْتِهِ فليُرفَدِ ومُلق إلى الخياط وقال إن … كفاني قميصًا فاقطع الثوب واقدد

стр. 1735

فيقطعْهُ إن لم يكفِه فَهْو ضَامِنٌ … وإنْ قال هذا الثوب يكفيك فاعهد إذا قال فصله بأن لَيْس ضامنًا … إذا لم يكن يكفيه عَهْدُ مُسَدَّدِ وإنْ يَقُل الخياط أنت أمرتني … بِقَطْعِ قباء صَالحٍ للتَّجَنُدِ فقال قَمِيصًا فاسْتَمِعْ قَولَ صَانِع … ويخرج أن للمالك القول فارشد ولا غُرْمَ مِن بَعْدِ اليَمِينِ بما ادّعَى … وأجْرَةُ مِثْلٍ لا مسمى لَهُ قَدِ ولا غُرْمَ في فِعْلِ امرئ حاذق ردًا … بطبٍ وحجمٍ والخِتَانِ مُجَوَّدِ وَلم تَجْنِ كَفَاه وضربُ مُؤَدِّبِ … وَزَوجٍ ومسْتَكْرٍ بضَرْبٍ مُعَوَّدِ وكَبْحِ لِجَامِ مِن فَتىً رائضٍ ولَا … ضَمانَ عَلىَ رَاعٍ غَدَا غَيْرَ مُعْتَدِ ومَنْ يُكتْرَى في رَعْي عِدٍ مُعَيَّنٍ … تَعَيَّنَ في الأقوى وَلَمْ تَرْعَ مَوْلِدِ ومَا سَلَّم القِصَارُ أو نحوه إلى … سِوَى رَبهِ جَهْلًا يُضَمَّنْ لذِي اليَدِ ومُسْتأجر عَيْنًا أمِينًا بحِفظها … فليْسَ عَليْه غُرمُ رَدٍ فَقَيْدِ

стр. 1736

٦٥ - ما يتعلق بتمليك العين المؤجرة من نحو وجوب أجرة واستقرار إلخ س ٦٥: متى تملك الأجرة في الإجارة؟ وما الذي يترتب على ذلك من وطء أو عتق أو تصرف؟ وبأي شيء تستقر الأجرة؟ ومتى يقع الشيء مقبوضًا؟ وإذا بذلت العين في إجارة فاسدة فهل تجب الأجرة؟ وما حكم شرط تأخير الأجرة؟ ومن الذي ليس له تعجيلها؟ ومتى تجب أجرة؟ وكيف تسقط الأجرة؟ وإذا انقضت إجارة بنحو تقايل وبها غراس أو بناء فما حكم ذلك؟ وما الذي يترتب على الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح والتفصيل والشروط والمحترزات. ج: تملك أجرة معينة في إجارة عين ولو مدة لا تلي العقد أو إجارة على منفعة في ذمة كحمل معين إلى مكان معين بعقد شُرِطَ فيه الحلول أو أطلق كما يجب الثمن بعقد البيع والصداق بالنكاح. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وحديث: «أعطوا الأجير أجرة قبل أن يجف عرقه» رواه ابن ماجه - لا يعارض ذلك الإتيان في وقت لا يمنع وجوبه قبله، كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، والصداق يجب قبل الاستمتاع فتوطؤ أمة جعلت أجرة؛ لأنها ملكت بمجرد عقد ويعتقُ قِنُّ على سيد بمجرد عقد إذا كان ممن يعتق عليه أو علق عتقه على ملكه له ويصح تصرف بالأجرة كمبيع وتستحق الأجرة كاملة ويطالب بها، ويجب على المستأجر تسليمها بمجرد تسليم عين معينة كانت في العقد أو موصوفة في الذمة ولو كانت العينُ المؤجرةُ نفسَ المؤجر فعليه تسليمُ نفسه بمجرد العقد ويملك المطالبة بالأجرة لجريان تسليم نفسه مجرى نفعها، وكذا بذل العين المستأجرة ليستوفي نفعها ولو أبى

стр. 1737

مكتر قبولها؛ لأن المؤجر فعل ما عليه كما لو بذل البائع العين المبيعة، وليس للمكتري أن يمتنع من قبولها بعد بذلها إليه، وقال أبو حنيفة: لا يملك الأجرة ولا يستحق المطالبة بها إلا يومًا ويومًا إلا أن يشترط تعجيلها، قال أبو حنيفة: إلا أن تكون معينة كالثوب والدار والعبد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أمر بإيتائهن بعد الرضاع، وقال النبي ﷺ : «يقول الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» فتوعده على الامتناع من دفع الأجرة بعد العمل دل على أنها حالة الوجوب، وروي عنه ﷺ قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» رواه ابن ماجه. ولأنه عوض لم يملك معوضه فلم يجب تسليمه كالعوض في العقد الفاسد؛ فإن المنافع معدومة لم تملك ولو ملكت فلم يتسلمها؛ لأنه يتسلمها شيئًا فشيئًا فلا يجب عليه العوض مع تعذر التسليم في العقد، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. وقال بعضهم يجب على المكتري القبول إذا بذل العين مؤجر وليس في الموضع يد حائلة، فأما إذا كان يد حائلة تمنعه من الانتفاع بها فلا يجب عليه قبولها ويجب عليه دفع الأجرة؛ لعدم تمكنه من الانتفاع، كما لو كان المأجور داة أو سيارة وكانت الشرطة تسخر الدواب أو السيارات ولا يقدر المؤجر على تسليمها ولا المستأجر على دفعهم فلا يعتبر التسليم في هذه الحال وتستقر الأجرة وتثبت كاملة بذمة مستأجر بفراغ عمل ما استؤجر لعمله وهو بيد المستأجر كطباخ استؤجر في دار المستأجر فطبخ ما استؤجر له وفرغ منه؛ لأنه أتم ما عليه وهو بيد ربه فاستقر فكل شيء يستأجره لعمله إذا عمله أجير مشترك وفرغه أي بذله بعد فراغه منه وقع ذلك الشيء في حكم المقبوض فيستحق باذله أجرته وتستقر بدفع غير ما بيد المستأجر كما لو اتفقا على أن الخياط يخيط له ثوبًا بدكانه فخاطه وسلمه لربه

стр. 1738

معمولًا؛ لأنه سلم ما عليه فاستحق عوضه وهو الأجرة. ومحل وجبو تسليم الأجرة إن لم تؤجل؛ فإن أجلت لم يجب بذلها حتى تحل كالثمن والصداق، ولا يجب تسليم العمل الذي في الذمة حتى يتسلمه المستأجر وإن وجبت بالعقد، وعلى هذا وردت النصوص، ولأن الأجير إنما يوفى أجره إذا قضى عمله؛ لأن عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق والثمن، وفارق الإجارة على الأعيان؛ لأن تسلمها جرى مجرى تسليم نفعها وتستقر الأجرة بمجرد فراغ عمل أجير خاص كأن يوقع العمل ببيت المستأجر سواء بذله له أو لا؛ لأنه في يد المستأجر فلا يفتقر إلى البذل وتستقر بانتهاء مدة الإجارة إن كانت على مدة وسلمت العين بلا مانع ولو لم ينتفع لتلف المعقود عليه تحت يده وهو حقه فاستقر عوضه كثمن المبيع إذا تلف بيد مشتر وتستقر أيضًا بتسليم عين معينة لعمل بذمة إذا مضت مدة يمكن استيفاء العمل فيها حيث لا مانع له من الانتفاع لتلف المنافع تحت يده باختيار فاستقر الضمان عليه كتلف المبيع تحت المشتري فلو استأجر دابة أو سيارة ليركبها إلى مكة مثلًا ذهابًا وإيابًا بألف وسلمها إليه المؤجر ومضت مدة يمكن فيها ذهابه إليها ورجوعه على العادة ولم يفعل استقرت عليه الأجرة ولو لم يتسلم المستأجر حتى مضت المدة المقدرة أو مضى زمن يمكن استيفاء الأجر فيه استقر الأجر عليه لتلف المنافع باختيار المستأجر فاستقر عليه الأجر كما لو كانت في يده، ولا تجب أجرة ببذل تسليم العين؛ فالإجارة فاسدة، ولأن منافعها لم تتلف تحت يده ولا في ملكه؛ فإن تسليم المؤجرة في إجارة فاسدة حتى مضت المدة أو مضى زمن يمكن استيفاء عمل معقود عليه أو لا فعليه أجرة المثل مدة بقائه بيده وإن لم ينتفع بها؛ لأن المنافع تحت يده بعوض لم يسلم لمؤجر فيرجع إلى قيمتها كما لو استوفاها.

стр. 1739

ويصح شرط تأخير الأجرة بأن تكون مؤجلة إلى أجل معلوم كما لو شرط المستأجر على المؤجر في سنة ست أن لا تحل عليه الأجرة إلا عند ابتداء سنة سبع؛ لأن إجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال ومؤجل فكذلك إجارتها، فلو مات المستأجر لم تحل أجرة مؤجلة؛ لأن حلها مع تأخير اسيتفاء المنفعة ظلم قاله الشيخ تقي الدين. ويصح تعجيل الأجرة على محل استحقاقها كما لو أجره داره سنة خمس في سنة ثلاث وشرط عليه تعجيل الأجرة في يوم العقد، قال الشيخ تقي الدين: غير ناظر وقف فليس له تعجيل الأجرة كلها إلا لحاجة التعمير الذي لا يتم الانتفاع إلا به ولو شرط التعجيل لم يجز؛ لأن الموقوف عليه يأخذ ما لم يستحقه الآن، وقال: كما يفرقون في الأرض المحتركة إذا بيعت أو ورثت؛ فإن الحكر من الانتقال يلزم المشتري والوراث وليس لهم أخذه من البائع وتركه في أصح قولهم. اهـ. ومن استؤجر لعمل كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه. قال ابن رجب: ظاهر هذا أن المستأجر للعمل مدةً مطلقة غير معينة كاستئجاره كل يوم بكذا؛ فإنه يصح، ثبت له الخيار في آخر كل يوم ويجب له أجر كل يوم في آخره؛ لأن ذلك مقتضى العرف، ولأنه غير ملتزم بالعمل فيما بعده، ولأن مدته لا تنتهي فلا يمكن تأخير إعطائه إلى تمامها وإذا عين لكل يوم منها قسطًا من الأجرة فهي إجارات متعددة، انتهى. وتقسيط الأجرة كل سنة كذا أو كل شهر كذا أو كل يوم كذا ليس بشرط. تنبيه: قال القاضي في التعليق: إذا دفع إلى دلال ثوبًا أو دارًا، وقال: بع، فمضى وعرض ذلك على جماعة مشتر، وعرف ذلك صاحب المبيع فامتنع من المبيع وأخذ السلعة ثم باعها هو من ذلك المشتري أو من غيره لم يلزمه أجرة الدلال للبيع؛ لأن الأجرة إنما جعلها في مقابلة العقد وما حصل له ذلك، قال أبو

стр. 1740

العباس: الواجب أن يستحق من الأجرة بقدر ما عمل، انتهى. وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله تعالى أعلم. فإذا فسخت أو انفسخت بنحو تقايل المتأجرين من عقد الإجارة أو اختيار شرط، وكذا بظهور عيب في المأجور مبيع للفسخ، إجارة أرض انتهت مدتها ليست الأرض مشاعًا لشريك وبالأرض المؤجرة غراس أو بناء لم يشترط في العقد قلعه بانقضاء المدة أوش رط على رب الأرض بقاء الغراس أو البناء في الأرض بعد انقضاء مدة الإجارة أو لم يشترط قلع ولا بقاء بأن أطلق إذ لا فرق بين شرط البقاء والإطلاق؛ فإن قلعه مالكه فليس لرب الأرض منعه منه؛ لأنه ملكه وإن لم يقلع مالك الغراس والبناء خُيِّرَ مالك الأرض بين أمور ثلاثة، تملُّك الغراس، أو البناء بقيمته وذلك بأن تقوم الأرض مغروسةً أو مبنيةً ثم خاليةً منهما فما بينهما قيمته إن كان ملكه للأرض تامًا فيدفع قيمة الغراس والبناء ويملك مع أرضه؛ لأن الضرر يزول بذلك، الثاني: ترك الغراس أو البناء بأجرة مثله؛ لأن فيه جمعًا بين الحقين وإزالة ضرر المالكين فلا أثر لاشتراط المستأجر تبقية غراسه أو بنائه، الثالث: قلعه جبرًا ويضمن نقص الغراس أو البناء. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في «المغني» و «الشرح» و «الوجيز» وغيرهم، قال في «التلخيص»: إذا اختار المالك القلع وضمان النقص، فالقلع على المستأجر وليس عليه تسوية الأرض؛ لأن المؤجر دخل على ذلك ولصاحب الشجر أو البناء بيعه لمالك الأرض وغيره؛ لأن ملكه عليه تام فله التصرف فيه كيف شاء فيكون المشتري غير مالك الأرض بمنزلة المستأجر، وكذا لا يمنع الخِيرةَ من أخذ رب الأرض له أو قلعه وضمان نقصه أو تركه بالأجرة، وكذا لو وقف مستأجر ما بناه أو وقف ما غرسه ولو على نحو مسجد كزاوية ومدرسة، فإذا تملكه بقيمته اشترى بالقيمة أو بما أخذه

стр. 1741

من أرش القلع ما يكون وقفًا كما لو أتلف الوقف وأخذت قيمته من متلفه وجزم في الفروع أن الآلات والغراس المقلوع باق مقامه ولو أبى المالك القلع، وأبى مستأجر أخذ المالك بالقيمة والترك بالأجرة والقلع باع حاكم من المأجور أرضًا بما فيها من غراس أو بناء ودفع لرب الأرض قيمتها فارغةً وما بقي يدفع للمستأجر وكل منهما بيع ماله منفردًا والحكم فيها كما لو استعار الأرض للغراس، ثم رجع المعير قبل القلع؛ فإن كان شرط القلع بوقت أو رجوع لزم عنده ولو لم يأمره به معيره وإن لم يشترط القلع فللمعير أخذه قهرًا بقيمته أو قلعه جبرًا ويضمن نقصه؛ فإن أبى مُعِيرٌ ذلك ومستعيرٌ الأجرة والقلعَ بيعتْ أرض بما فيها إن رضياه أو أحدهما ويجبر الآخر ودفع لرب الأرض قيمتها فارغةً والباقي للآخر. وحكم إجارة فاسدة فيما تقدم تفصيله من أنها إذا انقضت المدة وفيها غراس أو بناء كحكم إجارة صحيحة من المالك مخير فيها بين أمور ثلاثة كما تقدم. ولو غرس أو بنى مشتر فحكمه حكم العارية فيما بيع منه أي اشتراه اشتراء صحيحًا، ثم فسخ عقد بيع بنحو عيب كغبن وتقايل أو خيار شرط وإن كان البناء الذي بناه المستأجر نحو مسجد ومدرسة وسقاية وقنطرة لزم بقاؤه فلا يهدم ولا يتملك، بل يترك على حاله بأجرته إلى زواله؛ لأنه العرف إذ وَضْعُ هذه للدوام ولا يعاد المسجد ونحوه إذا انهدم بعد انقضاء المدة بغير رضى رب الأرض لزوال حكم الإذن بزوال العقد ولو مات المستأجر معسرًا فلمالك فعل ما مر من تملك البناء بقيمته أو قلعه وضمان نقصه، لئلا يضيع حقه، ولو أعسر المستأجر وعجز عن دفع الأجرة للأرض المبنية مسجدًا لا يلزم المؤجر إبقاء البناء إلى أن يبيد البناء أو يؤسر المستأجر. وقال بعضهم: لو قيل إذا أعسر أو مات معسرًا وكان على نحو مسجد وقفٌ له غَلَةٌ فيؤخذ

стр. 1742

من غلته ويدفع إلى رب الأرض أجرته أو إذا لم يكن له وقف فمن بيت المال إن وجد ولا يتملكه أو يقلعه ويضمن نقصه لم يَبْعُد. اهـ. وقال في «الفائق»: قلت: لو كانت الأرض المؤجرة لغرس أو بناء وقفًا وانقضت مدة الإجارة لم يجز أن يتملك غراس ولا بناء لجهة وقف الأرض إلا بشرط واقف للأرض أو رضى مستحق لريع الوقف إن لم يكن شرط؛ لأن نفي دفع قيمته من ريع تفويتًا على المستحق ويأتي إن شاء الله أنه لا يتملك إلا تام الملك هذا مع عدم شرط واقف أو رضى مستحق، قال الشيخ تقي الدين: ليس لأحد أن يقلع غراس المستأجر وزرعه صحيحة كانت الإجارة أو فاسدة لتضمنها الإذن في وضعه في أرض الوقف، بل إذا بقي فعلى مالكه أجرة المثل وإن أبقاه الغراس أو البناء الموقوف بالأجرة فمتى باد بطل الوقف وأخذ الأرض صاحبها فانتفع بها، وقال فيمن احتكر أرضًا بنى فيها مسجدًا أو بناء وقفه عليه حتى فرغت المدة وانهدم البناء: زال حكم الوقف وأخذها أرضهم فانتفعوا بها وما دام البناء قائمًا فيها فعليه أجرة المثل كوقف عُلْوِ رَبْعٍ أو دار مسجدًا؛ فإن وقف علو ذلك فلا يسقط حق ملاك السفل، وكذا وقف البناء لا يسقط حق ملاك الأرض، وذكر في الفنون معناه. قال في «الإنصاف»: وهو الصواب ولا يسع الناس إلا ذلك، وقال في «المنقح»: قلت: بل إذا حصل بالتملك نفع لجهة الوقف بأن يكون تملكه أحظ من قعله وضمان نقصه ومن إبقائه بأجرة مثله كان له تملكه لجهة الوقف؛ لأن فيه مصلحة تعود إلى مستحق الريع أشبه شراء ولي بناء ليتيم. وقد رؤي فيه مصلحة وإن شرط على مستأجر أرض لغرس أو بناء قلعه بانقضاء مدة الإجارة لزمه قلعه وفاء بموجب شرطه وليس على المستأجر تسوية حفر حصلت بالقلع ولا إصلاح أرض لدلالة الشرط على رضى رب الأرض بذلك إلا أن يشرطه رب الأرض

стр. 1743

عليه فيلزمه وفاء بالشرط ولا يجب على رب الأرض إذا شرط القلع عند انتهاء المدة للإجارة غرامة نقص حصل القلع؛ لأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع، ولأن رب الأرض أذن له في إشغالها مما ينقص بتفريغ الأرض، فلا يجب عليه ذلك من غير ضمان نقصه كما لو استعار أرضًا للغرس مدة فرجع المعير فيها قبل انقضائها ويخالف الزرع؛ فإنه لا يقتضي التأبيد ولا يلزم رب الأرض غُرْمُ نقصِ قيمةِ الغراس أو البناء إلا بشرط بأن شرط المستأجر على المؤجر أنه متى اختار قلعه يكون عليه غرامة نقصه. أفتى بعض العلماء في إجارة نصيب مشاع من أرض مشتركة بين اثنين أجر أحدهما نصيبه لشريكه فيبني المستأجر أو غيره بعد أن استأجر حصة شريكه ثم انقضت مدة الإجارة فالحكم أن المؤجر أخذ قدر حة نصيبه في تلك الأرض من غرس وبناء؛ فإن كان يملك نصف الأرض أخذ نصف الغراس أو البناء بنصف قيمته أو الربع أخذ ربعهما بربع القيمة وهكذا، وليس للمؤجر أن يلزم المستأجر بالقلع ولو ضمن له نقص نصيبه لاستلزامه قلع ما لا يجوز قلعه لعدم تمييز ما يخص نصيبه من الأرض من الغراس والبناء والضرر لا يزال بالضرر وإذا انقضت مدة الإجارة أو استوفي العمل من العين المؤجرة رفع مستأجر يده عن العين المؤجرة. ولو شرط مؤجر على مستأجر الضمان، فالإجارة صحيحة والشرط فاسد؛ لأن ما لا يضمن بدون شرط لا يصير بالشرط مضمونًا لكن متى طلبها ربها وجب تمكينه منها؛ فإن منعه لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة ونماؤها كالأصل. فلو استأجر دابة فولدت عنده كان ولدها أمانة كأمِّه وليس له الانتفاع به؛ لأنه غير داخل في العقد وعكسه إذا شرط المستأجر على

стр. 1744

المؤجر عدم الضمان للمؤجرة بتعديه عليها أو تفريطه لمنافاة هذه الشروط مقتضى العقد؛ فإن شرط مؤجر على مستأجر أن لا يسير بالدابة ليلًا أو شرط أن لا يسير بها وقت قائلة أو شرط أن لا ينزل بمناعه بطن واد أو شرط أن لا يتأخر بالدابة أو لا يتقدَّم القافلة وكشرطه أن لا يسير إلا مع رفقة وشبهه مما للمؤجر فيه غرض وجب العمل بالشرط؛ فإن خالف شيئًا مما شرط عليه بلا عذر فتلفت ضمن لتعديه بمخالفة الشرط كما لو شرط عليه أن لا يحمل الدابة إلا مائة صاع فحملها أكثر أو أن لا يحملها مائة رزنة فحملها أكثر، وحكم الإجارة الفاسدة حكم الصحيحة في أنه لا يضمن إذا تلفت العين من غير تفريط ولا تعد؛ لأنه عقد لا يقتضي الضمان في صحيحه فلا يقتضيه فاسدة كالوكالة، وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان وعدمه حكم صحيحه فما وجب في صحيحه وجب في فاسده وما لا فلا، وللمستأجر إيداع الدابة المؤجرة بخان إذا قدم بلدًا في طريقه أو كان غرض فيه ومضى في حاجته؛ لأنه مأذون فيه عرفًا ولو لم يستأذن مالكًا في إيداعها؛ لأن الخان معد لحفظ الدواب وغيرها فلا يكون المودع مفرطًا فيه كما لا يلزم المستأجر إستئذان مالك لغسل ثوب مستأجر (بفتح الجيم) إذا اتسخ أو تنجس؛ لأنه العرف ولمؤجر مُشترطٍ على مُستأجِر عدَم سفر بعين مؤجرة الفسخ بسفره بها لمخالفته الشرط. ومن استأجر عبدًا للخدمة وأراد السفر سافر بالعبد في العقْد المطلق وهو الذي لم يذكر فيه عدم السفر وإن شرط ترك المسافرة به لزم الشرط وليس لسيدٍ سفر برقيقه إذ أجره ولا تقبل دعوى مستأجر الرد للعين المؤجرة إلى مالكها إذا أنكره بلا بينة كالمرتهن والمستعير والمضارب وكل من قبل العين لِحَظِّ نفسه كمرتهن وأجير ومشتر وبائع وغاصبٍ وملتقطٍ ومقترضٍ ومضاربٍ وادَّعى قابض الرد لشيء من ذلك إلى المالك فأنكر المالك الرد لم يُقبَلْ

стр. 1745

قول قابض بلا بينة تشهد له بالرد، وكذا وديعٌ بجعل ووكيلٌ بجعل ووصيٌ ودلاَّل وناظرُ وقف وعامل خراج فلا يقبل قول واحد منهم إذا كان غير متبرع إلا ببينة بخلاف عامل زكاة؛ فإنه يُقبل قوله بيمينه في أنه ردها أو فرقها وسواء كان بجعل أو بدون جُعل؛ لأن الزكاةَ عبادةٌ وهو مؤتمن عليها كما يقبل قول مالك أنه فرقها قبل مجيء العامل؛ وأما دعوى التلف فتقبلُ من كل شخصٍ أمينٍ بيمين ما لم يكن التلفُ بأمرٍ ظاهر كحريق وغريق ونهب، فلابد من إقامة البينة عليه؛ لأن مثل ذلك لا يخفى غالبًا، وإذا اكترى بدراهمَ وأعطاه عنها دنانيرَ ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم، قال في «الإنصاف»: ولا أعلم فيه خلافًا، وجزم في «المغني» و «الشرح» و «الرعايتين» و «الحاوي الصغير» و «الفائق» وغيرهم؛ لأن العقد إذا انفسخ رجع كل من المتعاقدين في العوض الذي بذله وعوض العقد هو الدراهم والمؤجرُ أخذَ الدنانيرَ بعقدٍ آخر ولم ينفسخ أشبه ما إذا قبض الدراهم ثم صرفها بدنانير. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. من النظم فيما يتعلق بتملك نفع العين المؤجرة والأجرة ويملكُ نفعَ العَينِ مُسْتَأجرٌ لها … وتُملكُ مِنهُ أجْرَةٌ وقْتَ مَعْقدِ بأجْمَعِهَا إنْ لم تؤجل والنَّسَا … على عَمَلٍ في الذمةِ امْنَعْ بأجود بتَسْلِيم عينٍ قَبْضُها تَسْتحِقُّهُ … أو العمل الموصوف مِن غير مُبْعَدِ فإن يمضِ مِيقاتُ الكِرى بَعْدَ بذلِهَا … وقَبْض الذي في ذمةٍ تتَأطّد

стр. 1746

وفي صُبْرةٍ مَجهول القدر أجرةٌ … لِتَعْريضِهِ للفسخِ وجْهَين أسْنِدِ ومُسْتَأجرٌ شَخْصًا لِيُوصِل كتْبَه … إلى صَاحبٍ إن لم يجدْه ليَمْدُد بأجْرةِ إرسالٍ وَرَدٍّ لأنَّهُ … لِحَاجَتِهِ أضْحَى يَرُوْحُ ويَغْتَدِي ومُلْقٍ إلى الخياط ثوبًا فَخاطَهُ … وثوبًا إلى القصارِ غَيْرَ مُحَدَّدِ لأجْرٍ بأجْرِ المِثلِ فاحْكُمْ وهكذا … لأجْرٍ مُنَادٍ أو سَفِينَةِ مُزبِد وإن ينوِ غَرسًا أو بناءً وقَد مَضًى … زمَانُ الكِرى لم يَشْتَرِط قَلعَه امهدِ لمؤجِرِهَا بالأجْرَةِ الأخْذُ والبَقَا … بأجْرٍ وقَلْعٍ ضامنًا نقصَ مُفْسِدِ وقيمتُه ما بَينَ قيمة أرضِهِ … وفيها البناء والغَرْس والخلوة اشهدِ وللمالكين القلعُ مَعْ طَمِّ إثره … وما شَرَطَا يَلْزَمْ بغَيْرِ تَقَيُّدِ وإن يَبْقَ مِن تفريطه الزرعُ إن تَشَاء … بقيمتِهِ خُذْ أو بأجْر مُخَلَّدِ وإن لم يُفَرط بالمُسَمَّى فأبقِه إنْ … يَشَا ربُه مَعْ أجرِ مثلِ المُزَيَّدِ

стр. 1747

وإن شاء رَبُّ الزرعِ والغرس أخْذُهُ ْ … بلا ضَررٍ في الحالِ مَكِّنْه واسْعِدِ وفيما قُبِضْ في فَاسِدٍ مُدّةً وَلوْ … بلا نفع أجْرِ المِثلِ في المتأكِّدِ وبالفضة أن يُؤْجِرْ ويَأخُذُ عِدْلَها ْ … دَنَانِيرَ عِندَ الفَسْخِ لِلْفضَّةِ ارْدُدِ ٦٦ - باب المسابقة والمناضلة س ٦٦: ما هي المسابقة؟ وما هي المناضلة؟ وما هو السبق؟ وما الذي تجوز فيه المسابقة؟ والذي لا تجوز به؟ وما الذي يكره من الألعاب؟ وما الذي يجوز؟ وما الذي يستحب اللعب به؟ وما الذي ليس من اللهو المحرم؟ وما حكم ترك الرمي لمن تعلم؟ وما الدليل على ذلك؟ وما حكم المصارعة واللعب بالنرد والشطرنج؟ وما حكم النطاح بين الحيوان كالكباش والديكة ونحوها؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح. ج: المسابقة من السبق، وهو بلوغ الغاية قبل غيره، وهي المجارات بين حيوان ونحوه كرماح ومجانيق وسفن، وكذا السباق والمناضلة من النضل، يقل: ناضله مناضلة ونضالًا ونيضالًا، وهي المسابقة بالرمي بالسهام سميت بذلك؛ لأن السهم التام يُسمَّى نضلًا فالرامي به عمل بالنضل والسبق بفتح الباء هذا الأمر أي سبق الناس إليه وهو سباق غايات أي جائز قصبات السبق. قال الشماخ: يمدح عرابة الأوسي: في بيت مأثرة عزا ومكرمة … سباق غايات مجد وابن سَبَّاقِ

стр. 1748

وتجوز المسابقة بلا عوض في سُفن ومزاريقَ وهي الرماح، وبين سائر الحيوانات من إبلٍ وخيلٍ وسهام وبغال وحمير وفيلة وطير ورمي أحجار بيد ومقاليع وعلى الأقدام. أما دليل مسابقته ﷺ على الأقدام فورد عنه ﷺ في «مسند الإمام أحمد» و «سنن أبي داود» من حديث عائشة ﵂ قالت: سابقني النبي ﷺ فسبقته فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فَسَبَقني، فقال: «هذه بتلك»، وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «تقدموا»، تفقدموا، ثم قال: «سابقيني» فسبقتهُ ثم سابقني وسَبَقني، فقال: «هذه بتلك». وتسابق الصحابة ﵃ على الأقدام بين يديه ﷺ بغير رهان. وفي «صحيح مسلم» عن سلمة بن الأكوع قال بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق أبدًا فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم كريمًا وتهاب شريفًا؟ قال: لا إلا أن يكون رسول الله ﷺ ، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل، فقال: «إن شِئتَ»، فسَبْقُته إلى المدينة، وورد «أن ركانة صارعَ النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ » رواه أبو داود، وفي «الصحيح» من حديث ابن عمر قال: سابق النبي ﷺ بين الخيل فأرسلت التي ضُمِّرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع والتي لم تُضمَّر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وفي «الصحيحين»: عن موسى بن عقبة أن بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال، وقال البخاري: قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل. وفي «مسند أحمد» من حديث عبد الله بن عمر أيضًا أن النبي ﷺ سبَق بين الخيل وراهن، وفي لفظ: له سبّق بين الخيل وأعطى السابق. وفي «المسند» أيضًا من حديث أنس أنه قيل له: تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ، أكان رسول الله يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن

стр. 1749

رسول الله ﷺ على فرس له يقال له سبحة، فسبق الناس فبشَّ لذلك وأعجبه. وفي «سنن أبي داود» عن ابن عمر أن النبي ﷺ سَبَّقَ بين الخيل وفضل القرح في «الغاية» وأما مسابقته بين الإبل، ففي «صحيح البخاري» تعليقًا عن أنس بن مالك قال: كانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي، وكأن ذلك شَقَّ على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: حقُّ على الله أن لا يرتفعَ شيء إلا وضعه. وفي «صحيحه» أيضًا عن حميد عن أنس بهذه القصة، وقال: «إن حقًا على الله أن يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه»؛ وأما تناضل أصحابه بالرمي بحضرته، ففي «صحيح البخاري» عن سلمة بن الأكوع قال: مر النبي ﷺ بنفر من أسلم يناضلون بالسوق، فقال: «ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا ارموا وأنا مع بني فلان»، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : «ما لكم لا ترمون؟» فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم، فقال: «ارموا وأنا معكم كلكم»؛ وأما مراهنة الصديق للمشركين بعمله وإذنه فروى الترمذي في «جامعه» من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر الصديق ﵁ فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال: «أما إنهم سيغلبون فذكروه لهم، فقالوا: اجعلوا بيننا وبينك أجلًا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعلوا أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «ألا جعلت إلى دون العشر»». قال سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذاك قوله: ﴿الم *

стр. 1750

غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وكره رقص ومجالس شعر وكل ما يسمى لعبًا ذكره في «الوسيلة» لحديث عقبة ويأتي إلا ما كان مُعينًا على قتال عدو لما تقدم فيكره لعبه بأرجوحة ونحوها، وكذا مراماة الأحجار ونحوه وهي أن يرمي كل واحد الحجر إلى صاحبه، قال الشيخ تقي الدين ﵀: يجوز ما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة، قال في «الفروع»: وظاهر كلامه -أي الشيخ تقي الدين- لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والنقيلة، وقال أيضًا: كل فعل أفضى إلى محرم كثيرًا حرمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للفساد والشر، وقال أيضًا: كل ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه كبيع وتجارة ونحوها، قلتُ: ومَن عَلِم ما يَنْشَأ عن الكرةِ من ضياع صلاةٍ وضياع أوقاتٍ، وكلام فاحش مِن لعنٍ وقذفٍ وانكشاف عورة وأضرار بدنية، وقيل وقال، ونسيان لذكر الله لم يشك في تحريم لعبها الذي ينشأ عنه ذلك أو بعضه من البالغين العاقلين، وليس من اللهو المحرم تأديبه فرسه وملاعبة أهله ورميه بقوسه؛ لقول النبي ﷺ : «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق»، وحديث جابر رواه النسائي والطبراني في «الأوسط» و «الكبير» والبزار من حديث عطاء بن أبي رباح قال: «رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عبيد الله الأنصاري يرتميان فمَدَّ أحدهما، فجلس، فقال له الآخر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كل شيء ليس ن ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين -أي الهدفين-، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة»» قال

стр. 1751

الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا عبد الواهب بن بخت وهو تقية. ويستحب لعب بآلة حرب، قال جماعة وثقاف، وهو ما تسوى به الرماح وتثقيفها وسقيتها؛ لأنه يعين على قتال العدو ويتعلم بسيف خشب أو باغة لا حديد؛ لما ورد من النهي والوعيد على من أشار إلى أخيه بحديدة، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» رواه البخاري ومسلم، وعنه ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه» رواه مسلم. وكره شديدًا لمن علم الرمي أن يتركه لما في «الصحيح» عن النبي ﷺ : «ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا»، وكان خلفاؤه ﷺ يسبقون بين الخيل وقرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ثم قال: «ألا إن القوة الرمي!! ألا إن القوة الرمي!! ألا إن القوة الرمي!!»، وقال ﷺ : «ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها» قال العلقمي: وردت طرق صحيحة بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وسبب هذه الكراهة أن من تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دينه ونكاية العدو وتأهل لوظيفة الجهاد؛ فإن تركه فقد فرط في القيام بما يتعين عليه، وتجوز المصارعة؛ للحديث المتقدم أول الجواب من أنه ﷺ صارع ركانة، ويجوز رمي الأحجار؛ لأنه في معنى المصارعة ويحرم اللعب بالنرد لما قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ أنه قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه»، وفي «الموطأ» و «السنن» من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : «من لعب بالنرد فقد

стр. 1752

عصى الله ورسوله». وعن عبد الرحمن الخطمي قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل الذي يلعب بالنرد، ثم يقوم فصلى، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» رواه أحمد. وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله» رواه أحمد. ويحرم اللعب بالشطرنج لا بعوض ولا بغيره، وهي بالعوض أشد تحريمًا، فإذا اشتمل اللعب بالشطرنج على عوض أو تضمن ترك واجب مثل تأخير الصلاة عن وقتها أو تضييع واجباتها أو ترك ما يجب من مصالح العيال وغير ذلك مما هو واجب على المسلمين؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين، وكذلك إذا تضمن كذبًا أو ظلمًا أو غير ذلك من المحرمات؛ فإنه حرام أيضًا، وإذا خلا عن ذلك فجمهور العلماء على تحريمه كمالك وأبي حنيفة وأصحابه وكثير من أصحاب الشافعي. وروى البيهقي بإسناده عن علي أن مر على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفئ خير من أن يمسها»، وعن علي قال: «صاحب الشطرنج أكذب الناس يقول أحدهم قتلت، وما قتل»، قال ابن عبد: أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالشطرنج، وقالوا: لا تجوز شهادة المدمن المواظب على لعب الشطرنج، وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول: لا خير في الشطرنج، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. وعن مالك قال: بلغنا أن ابن عباس ولي مال يتيم فوجدها فيه فأحرقها، وعن ابن عمر: أنه سُئل عن الشطرنج، فقال: شر من النرد؛ فإن ما في النرد من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن إيقاع العداوة والبغضاء في الشطرنج أكثر بلا ريب، وهي تفعل في النفوس فعل حميًا الكوؤس فتصد عقولهم وقلوبهم عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمر والحشيشة وقليلها يدعو إلى كثيرها؛

стр. 1753

فإن الملاعب بها يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما يعمله خصمه وما يريد أن يفعله هو وفي لوازم ذلك ولوازم لوازمه حتى إنه لا يحس بجوعه ولا عطشه ولا ممن يحضر عنده، ولا ممن يسلم عليه ولا بحال أهله ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله فضلًا عن أن يذكر الله تعالى والصلاة، وهذا كما يحصل لشارب الخمر، بل كثير من الشراب يكون أصحى من عقل كثير من أصحاب الشطرنج والنرد واللاعب لا تنقضي نهمته منها وتبقى آثارها في النفس بعد انقضائها أكثر من آثار شارب الخمر حتى تعرض له في الصلاة والمرض وعند ركوب الدابة، بل عند الموت وأمثال ذلك من الآثار التي يطلب فيها ذكره لربه وتوجهه إليه يعرض له تماثيلها فصدُّها عن ذكر الله قد يكون أعظم من صد الخمر وإفسادها للقلوب أعظم من إفساد النرد؛ ولكن النرد كان معروفًا عند العرب والشطرنج لم يعرف إلا بعد أن فتحوا البلاد؛ فإن أصله من الهند وانتقل منهم إلى الفرس؛ ولهذا جاء ذكر النرد وإلا فالشطرنج شر من النرد إذا استويا في العوض أو عدمه. ولا يحل اللعب بأم الخطوط ولا الكيرم ولا المدافن إذا كانت بعوض أو أشغلت عن ذكر الله أو عن الصلاة ولو كانت بلا عوض، ومما يحرم ويدخل في المخاطرة والقمار ما يسمى بالتأمين، وهو عقد بين طرفين أحدهما مؤمن والآخر مؤمَّن يلتزم فيه المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن مبلغًا من المال أو شيئًا مرتبًا عندما يحصل ضرر أو حادث، وذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن إلى المؤمن، وفي الغالب أن الذي يقوم بالتأمين شركات مساهمة كبيرة يتعامل معها أناس كثيرون ويكون لهم وكلاء، ومما يوضح خطر التأمين وضرره أنه لو دفع إنسان إلى الشركة التي تقوم بالتأمين مثلًا ستة آلاف (٦٠٠٠) لتأمين بضاعته التي ثمنها ثلاث مائة ألف (٣٠٠٠٠٠) أو لتأمين مستودعه الذي فيه من المال نحو ذلك؛ فإن عُدِمَ المال كله، فالذي

стр. 1754

يأخذه من المؤمِّن أي من الشركة زائدًا على الستة الآلاف أليس بدون مقابل، فيكون أكلًا للمال بالباطل، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، وعن أنس أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال: «تحمر»، وقال: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك» أخرجاه. وأيضًا فيه من الغرر ومن الجهالة ما لا يخفى، وذلك أننا لا ندري ماذا يحصل على الشركة أو التجارة أو السيارة أو نحوها التي دفع القسط لتأمينها، وقد وردت أحاديث أيضًا في النهي عن الغرر من ذلك حديث أبي سعيد: «أن النبي ﷺ نهى عن المنابذة» وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، و «نهى عن الملامسة»، والملامسة: لمس الرجل الثوب لا ينظر إليه، ونهى ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وقال: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر»، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن ضربة الغائص وهو ما سيخرجه الغواص، ونهى عن شراء الصدقات حتى تقبض، ونهى عن بيع المغانم حتى تقسم، ونهى عن بيع المضامين وهي ما ينتج من أصلاف فحول الإبل الأصيلة من أولاد، ونهى عن بيع الملاقيح وهي ما ستنتجه إناث الإبل الأصيلة من نتاج، وقال العلماء: ولا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء؛ لأنه تردد بين الحصول وعدمه وكل هذه النواهي تدل على المقصود على أنه من جهة أخرى داخل في القرض الذي يجر نفعًا، وأيضًا: فالشركة ما تسلم من التعامل بالربا فيكون الدافع لها أي المؤمن قد أعان على ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال ابن القيم ﵀ في كتاب «الفروسية»: المغالبات ثلاثة أقسام

стр. 1755

محبوب مرضي لله ورسوله معين على تحصيل محابه كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنشاب، وقسم مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبههما، وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك. فالنوع الأول يشرع مفردًا عن الرهن، ويشرع فيه كل ما كان ادعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومنهما معًا ومن الأجنبي وأكل المال، بل أكل بحق ليس أكلًا بباطل وليس من القمار والميسر في شيء. والنوع الثاني محرم وحده ومع الرهان وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء كان من أحدهما أو كليهما أو من ثالث وهذا باتفاق المسلمين؛ فما إن خلا عن الرهان فهو حرام عند الجمهور نردًا كان أو شطرنجًا هذا قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه وقول جمهور التابعين ولا يحفظ عن صحابي حله. قال: وتحرير المسألة وفقهها أن الله سبحانه لمَّا حرم الميسر هل هو لأجل ما فيه من المخاطر المتضمنة لأكل المال بالباطل فعلى هذا إذا خلا عن العوض لم يكن حرامًا؛ ولكن هذا القول خلاف النص والقياس كما سنذكره أو حرمه لما يشتمل عليه في نفسه من المفسدة وإن خلا عن العوض فتحريمه من جنس تحريم الخمر؛ فإنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وأكل المال فيه عون وذريعة إلى الإقبال عليه واشتغال النفوس به؛ فإن الداعي حينئذ يقوي من وجهين من جهة المغالبة ومن جهة أكل المال فيكون حرامًا من الوجهين، وهذا المأخذ أصح نصًا وقياسًا وأصول الشريعة وتصرفاتها تشهد له بالاعتبار؛ فإن الله قال في
следующие страницы →