Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
يمكن تسليمه أو استؤجر طبيب لمداواة مريض صحَّ واشترط تقدير التكحيل أو المداواة بما ينضبط به من عمل أو مدة، ولو كان التقدير بمرة واحدة أو مرات متعددة، وقيل: تعتبر صحة التقدير بالمدة فقط، والقول الأول أرجح. والله أعلم.
وشرط بيان عدد ما يكحله كل يوم، فيقول: مرة أو مرتين؛ فإن كان الكحل من العليل جاز؛ لأن آلة العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء، والطين والآجر ونحوها، وإن شرطه على الكحال جاز لجريان العادة به، ويشق على العليل تحصيله وقد يعجز عنه بالكلية، فجاز ذلك، كالصبغ من الصباغ، والحبر والأقلام من الناسخ، واللبن في الرضاع، وإن استأجره مدة فكحله فلم تبرأ عينه؛ فإنه يستحق الأجرة لأنه وفَّى بالعمل الذي وقع عليه العقد، فوجب له الأجر وإن لم يبرأ، كما لو استأجره لبناء حائط يومًا أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه، وإن برئ الأرمد في أثناء المدة انفسخت فيما بقي من المدة؛ لأنه قد تعذر العمل أشبه ما لو حجز عنه أمر غالب أو مات في أثنائها انفسخت الإجارة لما مر، ويستحق من الأجرة بالقسط، وإن امتنع مريض من طب مع بقاء مرض في عينه استحق الطبيب الأجرة بمضي المدة، كما لو استأجره للبناء فلم يستعمله فيه؛ ولأن الإجارة عقد لازم، وقد بذل الأجير ما عليه ويصح أن يستأجر من يقلع له ضرسه أو سنه عند الحاجة إلى قلعه؛ فإن أخطأ الأجير فقلع غير ما أمر به من ضرس ضمنه؛ لأنه جناية ولا فرق في ضمانها بين العمد والخطأ إلا في القصاص وعدمه، وتنفسخ الإجارة ببرء قبل قلعه؛ لأن قلعه بعد برئه غير جائز ويقبل قول المريض في برء الضرس؛ لأنه أدرى به، وإن لم يبرأ الضرس وامتنع ربه من قلعه لم يجبر على قلعه؛ لأنه إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررًا وذلك مفوَّضًا إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلًا لذلك، وصاحب الضرس
стр. 1682
أعلم بمضرته ونفعه وقدر ألمه.
القسم الثاني من قسمي الإجارة: أن تكون على منفعة بذمة، وهي نوعان:
أحدهما: أن تكون في محل معين كاستأجرتك لحمل هذا الطرد أو هذا الكيس أو الغرارة البر إلى محل كذا على بعير أو سيارة تقيمها من مالك بكذا. والثاني: أن تكون في محل موصوف كاستأجرتك لحمل كيس سكر أو غرارة بر صفته كذا إلى مكة بكذا أو إلى المدينة بكذا وشرط ضبط المنفعة بوصف لا يختلف به العمل كخياطة ثوب يذكر قدره وجنسه وصفته لخياطةٍ وبناء دار يذكر الآلة ونحوها وحَمْلٍ لشيء يذكر جنسه وقدره لمحل معين ليحصل العلم بالمعقود عليه، كحمل جماعة على دابة أو سيارة أو سفينة أو طائرة أو مركب، فلابد من ذكر عددهم، فكل موضع وقع العقد عل مدة فلابد من معرفة ظهر يحمل عليه؛ لأنه يختلف بالقوة والضعف والبطء والسرعة، والغرض يختلف باختلافه وإن وقع العقد على عمل معين لم يشترط معرفة الظهر الذي يحمل عليه؛ لأن القصد العمل، وحيث ضبط حصل المطلوب، وكذا لو وقع العقد على ركوب عُقْبة بأن يركب تارة ويمشي أخرى لم يشترط معرفة ركوب لحصول الغرض بدونها، ويصح العقد؛ لأنه إذا جاز اكتراؤها في الجميع جاز في البعض، ولابد من كون العُقبة معلومة فتقدر بمسافة كفراسخ معلومة بأن يركب فرسخًا ويمشي آخر وتقدير بزمن بأن يركب ليلًا ويمشي أخرى مثلها ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول، وإطلاق العقبة يقتضي نصف الطريق حملًا على العرف وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أيام أو ما زاد أو نقص جاز أو اتفقا على أن يمشي يومًا ويركب يومًا، وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما؛ لأن فيه ضررًا على كل واحد منهما على الماشي لدوام المشي وعلى المركوب،
стр. 1683
وإن اختلفا في البادئ منهما أقرع بينهما؛ لأنه لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر فتعينت القرعة؛ لأنها تستعمل عند اشتباه المستحقين وعند تزاحمهم، وليس أحدهما أولى من الآخر وشرط كون أجير في المنفعة في الذمة آدميًا جائز التصرف؛ لأنها معاوضة على عمل في الذمة فلم تجز من غير جائز التصرف ويسمى الأجير فيه الأجير المشترك لتقدير نفعه بالعمل؛ ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة فتكون منفعة مشتركة بينهم، وشرط أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في هذا اليوم؛ لأنه قد يفرغ منه قبل انقضاء اليوم؛ فإن استعمل في بقيته فقد زاد على المعقود عليه وإن لم يعمل فقد تركه في بعض زمنه فيكون غررًا يمكن التحرز منه ولم يوجد مثل في محل الوفاق، والذي تطمئن إليه نفسي جوازها. والله أعلم. ويصح الجمع بين تقدير المدة والعمل في الجعالة؛ لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الإجارة، فإذا تم العمل قبل إنقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها؛ لأنه وفي ما عليه قبل مدته فلم يلزمه شيء آخر كقضاء الدين قبل أجله، وإن مضت المدة قبل العمل فللمستأجر فسخ الإجارة؛ لأن الأجير لم يف له بشرطه؛ فإن رضي بالبقاء عليه لم يملك الأجير الفسخ؛ لأن الإخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة إلى الفسخ؛ فإن اختار إمضاء طالبه بالعمل لا غير كالمسلم إذا صبر عند تعذر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه، وإن فسخ العقد قبل العمل سقط الأجر والعمل، وإن كان بعد عمل بعضه فله أجر مثله؛ لأن العقد قد انفسخ فسقط المسمى ورجع إلى أجر المثل، ويلزم الأجير المشروع في عمل ما استؤجر له عقب العقد لجواز مطالبته به إذًا؛ فإن أخَّر العمل بلا عذرٍ فتلف المعقودُ عليه ضمن لتلفه بسبب تركه ما وجب عليه، وشرط كون عمل لا يختص فاعله بمسلم كخياطة ونساجة ونحوهما؛ أما إن كان فاعله يختص بالمسلم كأذان وإقامة وإمامة وتعليم قرآن
стр. 1684
وفقه وحديث ونيابة في حجة وقضاء بين الناس، فتحرم الإجارة عليه، ولا تصح ولا يقع إلا قربة لفاعله؛ لحديث عثمان بن العاص أن آخر ما عهد إلى النبي ﷺ «أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا». قال الترمذي: حديث حسن، وعن عبادة بن الصامت قال: علَّمْتُ ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس وليس بمال، قال: قلت أتقلدها في سبيل الله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ وقصصتُ عليه القصة، قال: «إن سرَّكَ أن يُقلدَك الله قوسًا من نار فاقبلْها»، وعن أُبي بن كعب أن علم رجلًا سورة من القرآن، فأهدي له خميصة أو ثوبًا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «إنك لو لبستها لألبسك الله مكانها ثوبًا من نار» رواه الأثرم في «سننه»، وعن أبي قال: كنت أختلف إلى رجل مُسِنٍّ قد أصابته علةٌ وقد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فكان عند فراغه مما اقرؤه، يقول للجارية: هلمي طعام أخي فنؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فجال في نفسي منه شيء فذكرته للنبي ﷺ ، فقال: «إن كان ذلك الطعام طعامه وطعامُ أهله فكل منه، وإن كان يُتحفك به فلا تأكله»، وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القرآن، ولا تغلو فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» قال عبد الله بن شقيق: هذه الرُّغفان التي يأخذها المعلمون من السُّحْت؛ ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلا يصح أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح، وقيل: يصح للحاجة، نقل أبو طالب عن احمد أنه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومِن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة ومِن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقي الله بأمانات الناس، التعليم أحب إلي ممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن «النبي ﷺ -
стр. 1685
زوج رجلًا بما معه من القرآن» متفق عليه. فإذا جاز تعليم القرآن عوضًا في النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، ولما ورد عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؛ فإن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أنا أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» رواه البخاري. وعن أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيدٌ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغَ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحدٍا منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقى؛ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فكأنما نُشِطَ من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي ﷺ ، فذكروا له ذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية؟»، ثم قال: «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهمًا» وضحك النبي ﷺ ، رواه الجماعة إلا النسائي، وهذا لفظ البخاري. وإذا أجاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجرة؛ لأنه في معناه؛ ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء
стр. 1686
المساجد؛ ولأن الحاجة تدعو إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه، وعجز عن فعله، ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاج إلى بذل الأجرة فيه، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين، وقال: لا يصح الاستئجار على القراءة وإهداؤها إلى الميت؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن في ذلك، وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يُهدى إلى الميت وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح والاستئجار على مجرد التلاوة، ولم يقل به أحد من الأئمة وإنما تنازعوا في الإستئجار على التعليم والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج لا أن يحج ليأخذ فمن أحب إبراء ذمة الميت أو رؤية المشاعر يأخذ ليحج ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح ففرق بين من يقصد الدين فقط والدنيا وسيلة أو عكسه والأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق. قال: وحجه عن غيره ليستفضل ما يوفي دينه الأفضل تركه لم يفعله السلف، ويتوجه فعله للحاجة. قال صاحب «الفروع»: ونصره ونقل ابن هانئ فيمن عليه دين وليس له ما يحج أيحج عن غيره ليقضي دينه؟ قال: نعم، والذي يترجح عندي قول من قال بصحته للحاجة. والله أعلم.
ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك على القول الأول والثاني؛ لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة ولا يحرم أخذ الأجرة على رقية؛ لحديث أبي سعيد المتقدم وكما لا يحرم أخذ ذلك بلا شرط؛ لحديث عمر بن الخطاب المتقدم في الزكاة: إن النبي ﷺ قال له: «ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إستشراف نفس فخذه ومالًا فلا تتبعه نفسك» متفق عليه. وأما ما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة كتعليم خط وحساب ونحو ذلك، وبناء مسجد وقناطر وذبح هدي وأضحية وتفريق صدقة، فيجوز الاستئجار له، وأخذ الأجرة عليه؛ لأنه يقع
стр. 1687
تارة قربة وتارة غير قربة، أشبه غرس الأشجار وبناء البيوت، ولا يحرم أخذ رزق من بيت المال أو من وقف عليه على متعد نفعه كقضاء وتعليم قرآن وحديث ونيابة في حج وتحمل شهادة وأدائها وأذان؛ لأنه من المصالح العامة فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها، وليس بعوض، بل رزق للإعانة على الطاعة ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنه لو قدح ما اسُتحقِت الغنائم وسلبُ القاتل، بخلاف الأجر، فيمتنع أخذ الأجر على ذلك لما تقدم فَمَن عَمِلَ ممَّن يقوم بالمصالح لله أثيب على عمله الذي أخلصه لله. قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ وحرم أخذ رزق وأخذ جعل وأخذ أجر على فعل قاصر على فاعله لا يتعدى نفعه كصوم وصلاة خلفه وكحجة عن نفسه واعتكافه؛ لأنه ليس من المصالح إذ لا تدعو حاجة بعض الناس إلى بعض من أجله؛ ولأن الأجر عوض الإنتفاع فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها ومَن نفعه قاصر على نفسه كالحاج عن نفسه والمعتكف والطائف عنها لا يجوز له أن يأخذ رزقًا من بيت المال إلا ما فضل عمَّن نفعهُ متعدِّ، وتقدم أن الفاضل عمن تعدى نفعه يقسم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم لاشتراكهم فيه، والاشتراك يقتضي التسوية، وصح استئجار لحجم وفصد، ولا يحرم أجره؛ لما روى ابن عباس قال: «احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره»، ولو كان حرامًا لم يعطه، متفق عليه. وفي لفظ: لو علمه خبيثًا لم يعطه؛ ولأنها منفعة مباحة لا يختص أن يكون فاعلها من أهل القرية فجاز الاستئجار عليها كالرضاع، وكره لحر لا رقيق أكل أجرته، ولو أخذها بلا شرط تنزيهًا له ويطعمه رقيقًا وبهائم؛ لقوله ﵊: «كسب الحجام خبيث» متفق عليه.
وقال: «أطْعمه ناضِحَك ورقيقكَ» رواه الترمذي وحسنه. فعلم منه أنه ليس بحرام إذ غيرُ جائز أن يُطعِمَ رقيقه ما يحرم أكله؛ فإن الرقيق آدمي يُمنع من
стр. 1688
ما يمنع منه الحر، ولا يلزم من تسميته خبيثًا التحريمُ، وقد سمى ﷺ الثوم والبصل خبيثين مع عدم تحريمهما، وإنما كُرِه للحُر تنزيهًا له لدناءة هذه الصناعة، وقال القاضي: إنه لا يحل للحجام أكل أجرته على ذلك؛ لقوله ﷺ : «كسب الحجاب خبيث». وقال ناظم المفردات مشيرًا إلى قول القاضي:
وكَسْبُ حَجَّامٍ فَقُلْ خَبيثُ … سُحْتٌ بذا قد جاءنا الحديث
أكْلًا لِحُرٍ ليس بالمُلَائِمِ … يُطْعَمُ لِلْعَبْدِ ولِلْبَهِائِمِ
يَحْرُمُ نَصًّا جَاءَ قَال القَاضِي … وَعَقْدُها لَيْسَ بعَقْدٍ مَاضِي
وَقَالَهُ قَوْمُ وَقومٌ حَرَّموا … بالعَقْدِ لَا بِغَيْرِهِ اكْرَهْ جَزَمُوا
ومَذْهَبُ الشَّيْخَيْنَ فَاكْرَهْ مُطْلَقًا … وعَقْدُهَا يَصِحُّ فِيمَا حُقّقَا
وكذا أجرة كسح الكنيف أي إخراج ما في المحل المعد لقضاء الحاجة، ويصح الاستئجار لذلك ولشفط البالوعة لدعاء الحاجة إلى ذلك وكراهة أكل الأجرة؛ لأن النبي ﷺ قال: «كسْبُ الحجام خبيث»، ونهي الحر عن أكله، فهذا أولى، وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا حجَّ ثم أتاه، فقال له: إني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال: أي شيء تكنس؟ قال: العَذِرَة، قال: ومنه حججتْ ومنه تزوجت، قال: نعم، قال: أنت خبيثٌ وحجُّك خبيثٌ وما تزوَّجتَ خبيث، أو نحو هذا. ذكره سعيد بن منصور في «سننه» بمعناه؛ ولأن فيه دناءة فكره كالحجامة ويحْرمُ كسْبُ
стр. 1689
المصور للأحاديث الواردة في تحريم الصُّور مجسَّدة أو غير مجسدة والوعيد الشديد عليهم، ويُحرم كسْبُ حلاق اللحى للأحاديث الواردة في تحريمُ حلقها، ويحرم كسبُ مَن كسبُه من آلات اللهو كالسينماء والتلفزيون والبكمات، ويحرم كسبُ المطربين والمطربات وإعطاؤهم؛ لأنه إعانة وتشجيعٌ على المعاصي، وكذا المغنيين بالدماميم، وهي الطبول من رجال ونساء؛ لأن ذلك منكر ومع ذلك يحصل نظر محرم واستماع للملاهي واستماع لأصوات النساء الأجنبيات والتلذذ بها، وغير ذلك من المفاسد، وإن حصل ما يسمى عند الفساق والمنحلين بالتشريع، فلا تسأل عن عظم المفاسد وأضرارها ويحرم كسب حلاقي رؤوس النساء، ومن يقصُّها للتشبه بالكفر وللتمثيل بالشعر والتغيير لما خلقه الله عليها جمالًا لها وميزة عن الرجال، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل التصوير، وكذا من مكسبه من بيع ملابس الرجال للنساء وملابس النساء للرجال لحرمة التشبه، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل الرؤوس الصناعية أو بيعها؛ لأنه إذا كان وصل الشعر بشعر آخر حرام فجمعه أولى؛ لما في «الصحيحين» أن امرأة سألت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة، فتمزق شعرها، وإني زوجتها أفأصل فيه؟ فقال: «لعن الله الواصلة والموصولة»، وفي رواية: أن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: «لا، إنه قد لعن الموصولات». وروى مسلم أن النبي ﷺ زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا، وكذا يحرم كسب من مكسبه من خطه وعمله للدعايات المحرمة في اللوحات والأوراق ونحوها للترغيب في المحرمات؛ لأنه إعانة على نشر الفساد بين المسلمين والمعاصي، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل خواتم ذهب للرجال أو من بيعها ومكاسبها، وكذا يحرم كسب
стр. 1690
من مكسبه مما يأخذه من الناس باسم التأمين على الأموال أو على الأنفس؛ لأنه غرر وجهالة وأكل لأموال الناس بالباطل، وقد نهى الله عن ذلك بقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ويأتي -إن شاء الله- الكلام على التأمين بأبسط من هذا في باب السبق في آخر هذا الجزء.
ويحرم مكسب بائع الصور مجسدة أو غير مجسدة للأحاديث الواردة في تحريمها؛ ولأنه إعانة على نشر المعاصي والمفاسد والمفاتن؛ ولأنها من المعاصي المتعدية أضرارها ويحرُمُ مكسب مُصلح آلاتِ اللهو والمَعازِف؛ لأنه إعانة على المعاصي، ويحرم كسْبُ مَن مكسبُه من تعليم التصوير أو صنع آلات اللهو لما تقدم من أنه إعانة على نشر المعاصي والمفاسد؛ ولأنها من المعاصي المتعدي ضررها إلى الغير، ويحرم كسب من مكسبه من عمل المسكرات أو من بيعها لتحريمها، وتأتي الأدلة في كتاب حد شارب الخمر آخر الكتاب في الجزء الثامن -إن شاء الله تعالى-، ويحرم كسب من مكسبه من اللوط أو الزنا أو القيادة، ويقال لها الجرارة؛ لأنها من أعظم المحرمات. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ويكره كسب منمصة لإشتمال فعلها على التنميص المنهي عنه وكسب حمامي؛ لأنه لا يسلم داخلوه من كشف العورة.
من النظم فيما يتعلق في الإجارة في الذمة
ويشترط في استئجار فعل بذمة … بيان صفات الفعل كالسلم أحدد
وتعيينه وقتًا لفعل معين … يرد على الأولى وعنه ليوطد
стр. 1691
فإن تم قبل الوقت يبرأ أجيره … فللمكتري الفسخ وفي عكسه قد
ومشترك هذا الأجير ولم يكن … سوى آدمي جائز الأمر أرشد
وإن يستنب فيها الأجير فجائز … إذا كنت لم تشرط مباشرة اليد
وإن يهرب أو يمرض أقام مقامه … بأجر عليه حاكم ذو تقلد
وإن يأذن الإنفاق أو يستدين أو … يبيع بعيرًا فاضلًا للمعرد
ويرجع في الأولى بلا إذن حاكم … بالإنفاق أن يشهد لعذر ممهد
وإن هو لم يشهد لإعواز شهد … ليرجع على الأقوى إن نوى العود فاشهد
وبعد إنقضاء وقت الإجارة فليبع … ويقضيه قاض والنماء للمشردِ
وإن عاد جمال وناكر منفقًا … فللمنفق القول أرض ما لم يزيد
وللمكتري عند التعذر فسخها … ويفسخها فوت المحل المقيد
وسيان برء والفرار وهلكه … بكل زمان العقد قبل التأطدِ
стр. 1692
ويشرط في الأعيان علم صفاتها … فإن تتعطل في ابتداء العقد تفسد
وإن كان في أثناء فسخ بما بقي … وإن شئتَ فسخًا في المُعَيَّبِ فاردد
وإن شئت فامسك وأغرم الأجر كله … وإمساكها بالإرث ليس بمبعدِ
وإن غار ماء الزرع في الأرض أو هوى … الديار انفسخ فيما بقي في المجودِ
ومن يكتري شيئًا لمعلوم شغله … فيغصب ليصبر إن يشَا أو ليردد
وإن يبق نفع لم يُبَح معْ سلامةٍ … وهَتْ ولنقص وارتجا قربة طد
وإن يكن الإيجار وقتًا بعينه … له الفسخ أو أجر على غاصب قد
وإن شرط الإنفاق في مال مكتر … أو الأجر وقت العطلة اردد وأفسد
وأما إذا استأجرت عينًا بوصفها … فكالسلم أقض في الصفات وقيد
وإن يتعذر نفعها بعد دفعها … أو اعتابت استبدل وإن شئتَ فاردد
وأما إذا استأجرتها مدة مضت … بغير انتفاع للتعذر تفسد
стр. 1693
وجوز على برء جعالة طبة … في الأقوى وقل للبرء لا أجر فاشهد
وإن مات أو عوفي على غير طبةً … ينلْ أجره لا القسط حسبُ بأجود
وكل الدوا من مال من طب لا على … الطبيب سوى كُحْل شرطت بأجود
وإن تكتريه مدة ليطب فاشترط … كل يوم كم يداوي وقيد
فإن تنقضي لم يَبْرَ يحْظَ بأجره … وفيما بقي أفسخ إن ترى أو بريء أشهد
ويحرم إيجار على فعل قربة … بإيجارها يختص كل موحد
كحج وتأذين وفعل إمامة … وتعليم قرآن وفقه بأوكد
وخذ ما أتى من غير شرط كوقفه … ورزق الفتى من بيت مال مرصد
وما قد يخص المسلمين بفعله … كتعليم خط والحساب ليوطد
ولا تؤجرن للحمل إلا برؤية … أو الوزن أو كيل كوصف بمبعد
وإن ينقص المحمول أكل وهلكة … فإن له تحميل مثل بأجود
стр. 1694
٦٠ - مسائل حول استيفاء النفع وما يمنع من المستأجر والذي يجوز له إلخ
س ٦٠: هل للمستأجر أن يستوفي النفع بمثله؟ وما الذي يعتبر إن كان له ذلك؟ واذكر ما يتعلق بذلك من أمثلة، وما الذي يمنع منه المستأجر والذي يجوز له والذي يملكه والذي لا يملكه، وإذا فعل مكتر ما لا يملكه أو سلك طريقًا أشق أو اكترى لحمولة قدر فزاد أو إلى موضع فزاد عليه أو تلفت الدابة أو أردف على الدابة أو اكترى أرضًا، لوضع قدر فزاد على القدر أو اختلفا في قدر الأجرة أو صفة الانتفاع أو اختلفا في قدر المدة، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: لمستأجر استيفاء نفع معقود عليه بمثله ضررًا كبدونه بإعادة أو إجارة لملكه المنفعة، ولو اشترط المستأجر أن يستوفي النفع بنفسه لبطلان الشرط لمنافاته مقتضى العقد وهو ملك النفع والتسلط عليه بنفسه أو نائبه فتعتبر مماثلة راكب لمأجور في طول وقصر وفي خفة وثقل فلا يركبها أطول ولا أثقل منه؛ لأنه لا يملك أكثر مما عقد عليها، وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم.
ويكفي في العلم بالمماثلة غلبة الظن فمن استأجر دابة ليركبها وأراد أن يعيرها أو يؤجرها الآجر، فإذا غلب على ظنه أنه مساوٍ له في الطول والقصر والخفة والثقل كفى ذلك، ولا يحتاج إلى اعتبار نفسه بالوزن، ثم يعتبر الآخر كذلك؛ فإن ساواه عقد عه وإلا فلا؛ لأن ذلك يعسر جدًا، وقد يتعذر فاغتفر فيه التفاوت اليسير، وتقدم أن القول الذي تميل إليه النفس عدم اعتبار ذلك والتفاوت بسيط، ولا تعتبر مماثلة في معرفة ركوب؛ لأن التفاوت يسير فعفى عنه، ولهذا لا يشترط ذكره في الإجارة، وقيل: تعتبر المماثلة؛ لأن قلة المعرفة تثقل على المركوب وتضر به.
قال الشاعر:
стр. 1695
لم يركبوا الخيل إلا بعد ما ركبوا … فهم ثقال على أعجازها عُنُف
ولا يضمنها مستعير بتلف عنده بلا تفريط لقيامه مقام المستأجر في استيفاء المنفعة فحكمه حكمه في عدم الضمان، والذي يترجح عندي أن يضمنها إلا أن أذن له المالك. والله أعلم.
ويجوز استيفاء مستأجر ونائبه بمثل ضرر ما استؤجر له فما دون ضرره من جنسه، قال أحمد: إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرًا فحمل حنطة أن لا يكون به بأس إذا كان الوزن واحدًا لا إن كانت المنفعة التي يستوفيها أكثر ضررًا؛ لأنه لا يستحقه أو كانت بمخالف ضرر المستأجر في ضرر المعقود عليه؛ فإنه لا يجوز، فلو استأجر أرضًا لزرع بر فله زرع بر وزرع نحو شعير كعدس وباقلاء؛ لأنه دون البر في الضرر والمعقود عليه منفعة الأرض دون البر، ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة إذا تسلم الأرض وإن لم يزرعها وإنما ذكر البر لتقدر المنفعة به، ولا يملك مستأجر أرضًا لزرع بر زرع نحو دخن وذرة وقطن وقصب؛ لأن ذلك أكثر ضررًا من البر، ولا يملك مكتر لزرع غَرس أو بناء؛ لأن ضررهما أكثر من الزرع، وإن استأجر أرضًا للغراس لم يملك البناء بها وإن استأجرها البناء لم يملك الزرع لاختلاف ضررهما، فالغراس بباطن الأرض يضر والبناء يضر بظاهرها وإن اكتراها لغرس له زرعها؛ لأن ضرره أقل من ضرر الغراس وهو من جنسه؛ لأن كلًا منهما يضر بباطن الأرض، وإن اكتراها للبناء ملك الزرع، والقول الأول عندي أنه أرجح. والله أعلم.
ولا تخلو الأرض من قسمين:
أحدهما: أن يكون لها ماء دائم إما من نهر لم تجر العادة بانقطاعه كالأراضي التي تشرب من النيل والفرات، ونحوهما أو لها ماء لا ينقطع إلا مدة لا تؤثر في الزرع أو تشرب من عين تنبع أو بركة من مياه الأمطار يجتمع فيها
стр. 1696
الماء ثم تسقى به أو تشرب من بئر تقوم بكفايتها أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض، وقرب الماء الذي تحت الأرض، فهذا كله دائم، ويصح استئجار هذا القسم من الأرض للغراس والزرع، قال في «المغني»: بغير خلاف علمنا وكذلك الذي تشرب من مياه الأمطار وتكتفي بالمعتاد منه؛ لأن حصوله معتاد، والظاهر وجوده. القسم الثاني: أن لا يكون لها ماء دائم، وهي نوعان:
أحدهما: ما يشرب من زيادة معتادة تأتي وقت الحاجة بإذن الله تعالى كأرض مصر الشاربة من زيادة النيل وما يشرب من زيادة الفرات وأشباهه وأرض البصرة الشاربة من المد والجزر وأرض دمشق الشاربة من زيادة بردي وما يشرب من الأودية الجارية من ماء المطر المعتاد، فهذه تصح إجارتها قبل وجود الماء الذي تسقى به؛ لأن حصوله أجرى الله العادة بوجوده؛ ولأن ظن القدرة على التسليم في وقته كاف في صحة العقد كالسلم في الفاكهة إلى أوانها. النوع الثاني: أن يكون مجيء الماء إليها نادرًا أو غير ظاهر كالأرض التي لا يكفيها إلا المطر الشديد الكثير الذي يندر وجوده أو يكون شربها من فيض واد مجيئه نادرًا أو يكون شربها من زيادة غير معتادة، بل نادرة في نهر أو غير غالبة، قاله في «المغني»، من نيل أو غيره فهذه إن أجرها بعد وجود ما يسقيها به صح العقد؛ لأنها مشتملة على النفع المقصود منها، وإن آجرها قبل وجود ما يسقيها للزرع أو الغرس لا يصح العقد؛ لأن الأرض لا تُنِبتُ الزرع أو الغرس بلا ماء وحصوله غير معلوم، ولا مظنون فأشبهت السبخة إذا أوجرت للزرع، وإن اكتراها على أنها لا ماء لها، صح؛ لأنه يتمكن بالانتفاع منها بالنزول فيها، ووضع رحله وجمع الحطب. وقال الشيخ تقي الدين: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا، وإن قال في الإجارة مقيلًا ومراحًا وأطلق؛ لأنه لا يرد عليه عقد كالبرية، وليس له أن ينبني ولا يغرس فيها؛ لأن ذلك
стр. 1697
يُراد للتأبيد وتقدير الإجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها بخلاف ما إذا صرح بالبناء والغراس؛ فإن تصريحه صرف التقدير عن مقتضاه، وكذا لو أطلق مع علمه بحالها لا إن ظن إمكان تحصيله.
والدار إذا استؤجر للسكنى لمستأجرها أن يسكن ويكِّن من يقوم مقامه في الضرر أو دونه ويضع فيها ما جرت عادة الساكن به من الرحل والطعام والبز، ويخزن فيها الثياب ونحوها مما لا يضرها، وكل ما جرت العادة بوضعه فيها مما لا يضر بها ولا يعمل فيها حدادة ولا قصارة؛ لأنه لإفضائه إلى تخريق الأرض وجدران البيت وأبوابه ولا يعمل شيئًا ثقيلًا فوق السطح؛ لأنه يثقله ويكسر الخشب ولا يجعل فيها شيئًا يضربها كسرجين، وإن كان فيها موضعًا معدًا لربط الدواب فلا مانع من إسكانها الدواب عملًا بالعرف، وإن كان شرط على المؤجر أن يجعل فيها سرجينًا فله ذلك؛ لأنه فوق المعقود عليه، وله إسكان ضيف وزائر، ومن استأجر دابة لركوب أو حمل لا يملك الآخر لاختلاف ضررهما؛ لأن الراكب يعين الظهر بحركته لكنه يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر والمتاع لا معونة فيه؛ لكنه يتفرق على الجنبين، وإن اكتراها لحمل حديد أو قطن لا يملك الآخر؛ لأن ضررهما مختلف، فالقطن يتجافى وتهب فيه الرياح فيتعب الظهر، والحديد يكون في موضع واحد فيثقل عليه؛ فإن فعل مكتر ما ليس له فعله أو سلك طريقًا أشق مما عينها فيلزمه المسمى بعقد مع تفاوت المنتفعين في أجرة مثل زيادة على المسمى إن كان قد سمى أجرًا؛ لأن الزيادة غير متميزة، ولأنه متعد بالجميع بدليل أن رب الدابة منعه من سلوك تلك الطريق كلها، بخلاف من سلك تلك الطريق وجاوزها؛ فإنه إنما يمنع من الزيادة لا غير، وإن اكترى ظهرًا لحمل حديد فحمل عليه قطنًا فعليه أجرة المثل، وعكسه إذا اكترى لحمل
стр. 1698
قطن، فحمل حديدًا فيلزمه أجرة المثل؛ لأن ضرر أحدهما مخالف للآخر فلم يتحقق كون المحمول مشتملًا على المستحق بعقد الإجارة وزيادة عليه، وقيل: كالتي قبلها بأن يلزمه المسمى في تفاوت أجر المثل من غير استثناء والذي يترجح عندي القول الأول؛ لأنه أقرب إلى العدل فيما أرى والله سبحانه أعلم. وإن اكترى دابة ليركبها عريًا لم يكن له أن يركبها بسرج؛ لأنه زائد عما عقد عليه، وعكسه بأن اكتراها ليركبها بسرج لم يجز له ركوبها عريًا؛ لأنه يحمي ظهره وربما أفسده، وإن استأجرها ليركبها بسرج لا يركبها بسرج أثقل منه؛ زيادة عن المعقود عليه كما يمتنع عليه ركوب حمار بسرج برذون إن كان أثقل من سرجه أو أضر -كما تقدم- لا إن كان أخف أو أقل ضررًا من سرجه، وإن اكتراها لحمولة قدر كمائة رطل حديد، فزاد عليه أي على المقدار كما لو حملها مائة وعشرين، فعليه المسمى ولزائد أجرة مثله أو اكترى ليركب أو يحمل إلى موضع معين فجاوزه بأن زاد عليه، فعليه الأجر المسمى لاستيفاء المعقود عليه متميزًا عن غيره، وعليه لزائد أجرة مثله لتعديه كالغاصب، وإن تلفت الدابة المؤجرة، وقد خالف المستأجر ففعل ما لا يجوز له فعليه قيمتها كلها لتعديه سواء أتلفت في الزيادة أو تلفت بعد ردها إلى المسافة؛ لأن يده صارت ضامنة بمجاوزة المكان فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد ولم يوجد، وسواء كان صاحبها مع المكتري أو لم يكن، وقيل: إن تلفت في حال التعدي ولم يكن صاحبها مع راكبها فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها وكذا إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها؛ وأما إن تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها؛ فإن كان بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كما لو تلفت تحت الحمل والراكب، وإن تلفت بسبب آخر فلا ضمان فيها، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله سبحانه أعلم.
стр. 1699
وإن تلفت بافتراس سبع أو سقطت في هوة أو جرحها إنسان فماتت؛ فإنه لا ضمان على المكتري؛ لأنها لم تتلف في عارية وإحالة ضمانها على الجارح لها أو نحوه أولى من المكتري، وإن اكترى إنسان لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة؛ فإن كان المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بأنها ثلاثة فكمن اكترى لحمولة شيء فزاد عليه يلزمه المسمى وأجرة المثل للزائد، وإن كان الأجير تولى الكيل والتعبئة ولم يعلم المكتري أو علم ولم يأذن فهو غاصب، فلا أجر له في حمل الزائد، وإن تلفت دابته فلا ضمان على المستأجر لها؛ لأن تلفها بتعدي مالكها، وحكمه في ضمان الطعام إذا تلف حكم من غصب طعام غيره فتلف يضمنه بمثله، ومن استأجر دابة ليركبها فأردف غيره معه ضمنها، وإن تولى الكيل والتعبئة أجنبي ولم يعلم المستأجر والأجير ولم يأذنا بزيادة فهو متعد عليهما عليه الطعام ضمان مثل طعامه إن تلف، وسواء كان الطعام أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة أو كان الذي كاله وعبأه وضعه على ظهر الدابة، فالحكم منوط بالكائل؛ لأن التدليس منه لا بمن وضعه على ظهر الدابة ومكتر مكانًا لطرح قفيز من حنطة ونحوها، فزاد على ذلك بأن طرح أردبين فأكثر؛ فإن كان الطرح على الأرض فلا شيء لزائد؛ لأن ذلك لا يضر بالأرض، وإن كان الطرح على السطح فيلزمه لزائد أجر مثله لتعديه بزائد وإن اكتراه لطرح ألف رطل قطن فطرح فيه ألف رطل حديد لزمه المسمى مع تفاوت أجر مثل وإن اختلف المُكري والمكتري في صفة الانتفاع، بأن قال مستأجر: استأجرتها للغراس، فقال مؤجر: بل للزرع ولا بينة فقول مؤجر بيمينه كما لو أنكر الإجارة؛ لأن الأصل معه، وإن اختلفا في قدر أجرة تخالفا وإن اختلفا في قدر مدة الإجارة بأن قال مؤجرًا: أجرتكها سنة بدينار، فقال المستأجر: بل أجرتنيها سنتين بدينارين، فالقول قول مالك؛ لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره، وإن قال: أجرتكها
стр. 1700
سنة بدينار.
فقال مستأجر: بل سنتين بدينار فهاهنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة جميعًا فيتحالفان؛ لأنه لم يوجد الإتفاق منهما على مدة بعوض فصار كما لو اختلفا في قدر الأجرة مع إتفاق المدة، وإن قال المالك: أجرتكها سنة بدينار، فقال الساكن: بل أجرتني على حفظها بدينار، فقال أحمد: القول قول رب الدار إلا أن يكون للساكن بينة وذلك لأن سكنى الدار قد وجد من الساكن واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها، والقول قوله في ملكه، والأصل عدم استئجار الساكن في الحفظ فكان القول قول من ينفيه.
من النظم فيما يتعلق في استيفاء النفع
وللمكتري إستيفاء نفع بنفسه … ومن دونه أو مثله في الأذى قد
وقيل بتصحيح اشتراط تعين … لشخص على إستيفاء نفع مقيد
وليس له استيفاء فوق الذي اكترى … ولا ما يخالف في الأذى بل ليصدد
فإن فعل ألزمه بأجر زيادة الأذى مَعَ … ما سَمَّاهُ في نصِّ أحمد
ومَن يكتري للحج يركب إلى منى … وقيل إلى طَوْفِ الزيادةِ قِيدِ
стр. 1701
ووجهان فِيمَنْ يكْتَرِيْهِ لمكة … أيملك حجًا أم إلى مكةٍ قدِ
وقد قيل اجر المثل خذ فيهما معًا … كفعل المخالف في الأذى في المؤطد
كذا في اكترا عِنْسٍ إلى بُقعة مَتى … سَلكَ مِثلَها أو في أذىً فَتَردَّدِ
وقيمة توكُّلُها في يَد الذي … نَوَى بَتعَدٍّ منه خُذْ لا تَرَدَّدِ
ولو كان مَعْهُ ربُّها إن يَكُنْ نَوَى … لَدى رَبِّهِ فالنصفُ حَسْبُ بِمُبْعَدِ
ومَن يَكْتَرِي لِلزَّرعِ أرضًا فمَالهُ … بناءُ ولا غرس بغير تردد
وإن يكتري للغرس يَملكُ زرعَها … وليس له فيها بناءُ المُشَيَّدِ
ومُستأجرٌ أرْضًا لِيزرع حِنْطَةً … فلا بأسَ أن يَزْرَعْ شَعِيرًا بأجْوَدِ
وليس له زرعٌ لِقُطْنٍ وسِمْسِمٍ … وعن ذُرَةٍ والدَّخْنِ فامنْعهُ واصْدُدِ
وصَح ازْرَعَنْ ما شِئْتَ لا مَع أو اغْرِسَنْ … وَوَجْهَانِ في واغْرِسْ بواوٍ فَقَيِّدِ
ومستأجر عِنْسًا لِسَيْرِ مَسَافَةٍ … له سَيْرُ مِثْل القَدْرِ والوصف وازهَدِ
стр. 1702
ومستأجرٌ ظَهْرًا لِيَركَبَه فَلَا … يَجُوزُ له تحْمِيلهُ ولْوكِّدِ
بذلك في معكوسِ هذا ومكترٍ … لِقُطنٍ فلا يَحْمِلْ حَديِدًا وَوَطِّدِ
كذلك في معكوسِه وكذاك في … العَوارِي مَعَ الإطلاق لا في التَّقَيُّدِ
وإن يكتري المرءُ القميصَ فلا تُجِزْ … له لُبْسَه في لَيْلِهِ عِندَ مَرْقَدِ
ولكن نهارًا ثم يَتَّزرَنْ بهِ … ووجهان فيه هل يُباحُ لِمُرْتَدِي
ومستأجرٌ دارًا ليَسْكُنَهَا فما … أضَرَّ بِهَا فلجْتَنِبه ويُبْعِدِ
كخزن طعام أو مضر لِسُفْلِهَا … ورَبْطِ مُضِرٍ كَالأُتنْ والعَمَرَّدِ
ويُحْرِزُ ما لابُدَّ منه لِقُوتِهِ … وحَاجَاتِه مِن آنياتٍ وبُرْجُدِ
وأمَا إذا عَيَّنْتَ كُلًا فجائزٌ … ولو لمضر أو بناء لمسجد
стр. 1703
٦١ - ما يجب على مؤجر وما يجب على مكتر
وما يلزم كل منهما وما يتعلق بذلك
س ٦١: ما الذي يجب على مؤجر؟ وما مثاله؟ وما الذي يجب على مكتر وما الذي يلزمه، والذي لا يلزم المؤجر، وما الحكم فيما إذا امتنع أحدهما مما يجب عليه، أو شرط أحدهما ما يجب على الآخر فعله، وما مثاله؟ وبين حكم ما إذا عمر مكتر بإذن مؤجر أو بدونه؟ واذكر ما يتعلق بذلك من شروط صحيحة أو فاسدة أو ضوابط أو محترزات أو أدلة أو تعليلات أو خلاف أو ترجيح.
ج: يجب على مؤجر مع الإطلاق كل ما جرت به عادة أو عرف من آلةٍ كزِمام مركوب ليتمكن به من التصرف فيه ورحله وقتبه وحزامه ولفرس لجام وسرج ولحمار وبغل وبرذعة وإكاف؛ لأنه العرف فيحمل عليه الإطلاق أو فعل كقوْدٍ وسوْقٍ لمركوبٍ وضدٍّ ورفعٍ وحطٍّ لمحمول؛ لأنه العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع ولزوم دابة لنزولٍ لحاجةِ بولٍ أو غائطٍ، وكذا طهارة وواجب كفرض صلاة.
قال في «المبدع»: وفرض كفاية كالعين لا لِسُنَّة راتبة لصِحَّتها على الراحلة ويدع البعير واقفًا حتى يقضي الغرض؛ لأنه لا يمكنه فعلُ ذلك على ظهر الدابة، ولابد له منه بخلاف أكل وشرب ونحوه مما يمكن راكبًا وعلى مؤجر تبريكُ بعير لامرأةٍ وشيخٍ وضعيفٍ ومريضٍ وسمينٍ ونحوهم ممَّنْ يعجز عن الركوب والنزول والبعير واقف لركوبهم ونزولهم؛ لأنه المعتاد لهم؛ فإن احتاجت الراكبة إلى أخذ يد ومس جسم تولى ذلك محرمها دون الجمال؛ لأن أجنبي ويلزمه أيضًا تبريكه لمريض وكل عاجز عن الركوب والنزول ولو طرأ مرضُه على الإجارة؛ لأن العقد اقتضى الركوب بحسب العادة، قاله
стр. 1704
في «المغني» و «الشرح»، ويلزمه أيضًا حبسه لأج لطهارة ويدع البعير واقفًا حتى يقضي حاجته ويتطهر ويصلي الفرض؛ لأنه لا يمكنه فعل شيء من ذلك على ظهر الدابة، ولابد له منه بخلاف نحو أكل وشرب مما يمكنه راكبًا، فإذا أراد مكتر إتمام الصلاة وطلبه الجمال بقصرها لم يلزمه، بل تكون خفيفة في تمام ولزوم ما تقدم إذا وقع العقد على أن يسافر مع المكتري، ومن أكرى بعيرًا لإنسان يركبه لنفسه، وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك؛ لأنه وفى له بما عقدا عليه بخلاف ما إذا عقد على أن يسافر معه وعلى مؤجر ما يتمكن به مستأجر من نفع كترميم دار مؤجرة بإصلاح منكسر، وإقامة مائل من حائط وسقف وبلاط وعمل باب وتطيين سطح وتسميته إن كان غير طيني وتنظيفه من ثلج وإصلاح بركة دار وأحواض حمام ومجاري مياهه وسلاليم الأسطحة؛ لأن ذلك وشبهه يتمكن به مستأجر من النفع المعقود عليه؛ فإن لم يفعل مؤجر ذلك فلمستأجر الفسخ إزالةً للضرر الذي يلحقه بتركه، ولا يجبر مؤجرٌ على تجديدٍ لبيتٍ زائدٍ عما في الدار حالَ الإجارة ولا على هدم عامرٍ وإعادته جديدًا؛ لأنه لم يتناوله العقد ولو آجر دارًا أو حمامًا ونحوه وشرط مؤجر على المستأجر أن يقوم بأجرتها مدة تعطيلها إن تعطلت لم يصح أو يشرط عليه أن يأخذ بقدر مدة تعطيلها بعد مدة الإجارة عليها لم يصح أو شرط عليه العمارة لم يصح؛ أما في الأولى فلأنه لا يجوز أن يؤجره مدة لا يمكنه الإنتفاع في بعضها؛ وأما في الثانية فلأنه يؤدي إلى الجهل بانتهاء مدة الإجارة؛ وأما في الثالثة والرابعة، فلأن العمارة لا تنضبط فيؤدي إلى جهالة الأجرة؛ لكن لو عمر مكتر بهذا الشرط المذكور رجع أو عمر بإذن المكري له في العمارة رجع مكثر على مكر؛ لأنه أنفق على عين بإذن ربها أشبه ما لو أذن له في النفقة على عبده ودابته، وإن اختلفا في قدر النفقة في العمارة ولا بينة رجع بما قال مكر بيمينه؛ لأنه منكر، وقال في «الترغيب» وغيره: رجع
стр. 1705
بما قال مكتر؛ لأنه كالوكيل قال في «الإنصاف» وهو الصواب، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله سبحانه أعلم. ولا يلزم المؤجر ولا المستأجر تزويق ولا تجصيص ونحوهما مما يمكن الانتفاع بدونه بلا شرط؛ لأن الانتفاع لا يتوقف عليه.
ولا يلزم مؤجر محملٌ ومحارة ومظَّلة ووطاء فوق الرحل وحبل قران بين المحملين والعدلين، بل ذلك على المستأجر كأجرة دليل إن جهلا الطريق؛ لأن ذلك كله من مصلحة المكتري وهو خارج عن الدابة وآلتها فلم يلزم المكري، كالزاد، قال في «القاموس»: والمحمل كمجلس شقتان على البعير يحمل فيهما العديلان: والمِظلَّة الكبير من الأخبية وهو دون البيت من الشعر ونحوه والوطاء خلاف الغطاء، ومن اكترى بئرًا ليستقي منها فعليه بكرة وحبل ودلو لمكتر أرضًا لزرع فآلة حرث وزرع عليه وعلى مكتري دار أو حمام ونحوه تفريغ بالوعة وكنيف إذا تسلمها فارغة لحصوله بفعله كقماشة، وقال في «الإنصاف»: قلت: يتوجه أن يرجع في ذلك إلى العرف، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله سبحانه أعلم. ويلزم مكتري الدار تفريغها من قمامة ونحو زبل ورماد ونحوه إن حصل بفعله، كما لو ألقى فيها جيفة أو ترابًا ونحوه وعلى مكر تسليم مفتاح؛ لأنه به يتمكن من الإنتفاع ويتوصل إليه والمفتاح أمانة بيد المستأجر كالعين المؤجرة؛ فإن ضاع بلا تفريط فعلى مؤجر بدل، وإن أضاعه المستأجر أو فرط في حفظه فعليه.
стр. 1706
من النظم فيما يلزم المكري
ويلزم من يكري جميع الذي به … تمام انتفاع كالخزام ومقود
ورحل وتحميل كذاك وضبطه … لكي ما يصلي بالفلا فرضه قد
كذا حاجة الإنسان يضبطه لها … وللظهر لا المفعول فوق العمرد
وقائدها مع سائق ومن اكترى … تسلمها ألزمه كل المعددِ
كذلك تعمير الديار وفعلها … على مؤجر أيضًا وكل معود
ومؤجر درب عرفه المشي تارةً … فالأنثَى وضَعْفَى احْمِل وفي الجَلْدَ رَدِّدِ
ويلزم تفريغُ الكنيفِ ونحوه … لِمَن يكتريها خلوةً مِن مُنَكِّدِ
فإن تملأ أو جهل قدر مائها … ليلزم مكريها بشيل المعدد
стр. 1707
٦٢ - حكم الإجارة إذا لم يسكن المستأجر
أو تحول أثناء المدة أو حوله مالك أو نحو ذلك
س ٦٢: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: حكم الإيجارة إذا لم يسكن المستأجر أو تحول في أثناء المدة أو حوله مالك، أو لم يركب مؤجرة، أو امتنع من تسليم الدابة في أثناء المسافة، أو امتنع الأجير من تكميل العمل، أو شردت دابة مؤجرة، أو تعذر باقي استيفاء النفع، أو هرب أجير، أو مؤجر فما الحكم؟ ووضح ما تنفسخ به الإجارة، واذكر حكم ما غذ تلف مؤجر في أثناء عمل واذكر الدليل والتعليل.
ج: الإجارة عقد لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخ عقدها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع؛ لأنها نوع منه، وإنما اختصت باسم كالصرف والسلم ويملك مؤجر الأجرة بالعقد ويملك به مستأجر المنافع كالبيع، فإذا لم يسكن مستأجر مؤجرة أو لم يركب مؤجرة أو امتنع من إستيفاء المنفعة لعذر يختص به أولًا فعليه الأجرة، وكذا إن تحول مستأجر منها في أثناء المدة، فعليه الأجرة؛ لأن الإجارة عقد يقتضي تمليك مؤجر الأجرة والمستأجر المنافع، فإذا ترك المستأجر الإنتفاع اختيارًا منه لم تنفسخ الإجارة والأجر لازم له ولم يزُلْ ملكه عن المنافع كمن اشترى شيئًا وقبض فتركه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: اكتري بعيرًا، فلما قدم المدينة، قال له: فاسخني، قال: ليس ذلك له قد لزمه الكري، قلت: فإن مرض المستكري بالمدينة فلم يجعل له فسخًا وإن حوله مالك الدار ونحوها، قبل إنقضاء الإجارة فلا أجرة لما سكن قبل أن يحوله المؤجر، وهذا من المفردات، قال ناظمها:
قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّة إن حَوَّلهْ … مُؤْجرًا أسْقِطْ أجْرَةً مُكَمَّلَهْ
стр. 1708
وقال أكثر الفقهاء: له أجرة ما سكن ونحوه؛ لأنه استوفى ملك غيره على سبيل المعاوضة فلزمه عوضه كالبيع إذا سلم بعضه ومنعه المالك، وكما لو امتنع لأمر غالب، والذي تميل إليه نفسي أنه إن كان حوله لعذر فللمؤجر من الأجرة يسقطه. والله أعلم. وكذا إن امتنع مؤجر دابة من تسليم الدابة المؤجرة في أثناء المدة، وفي أثناء المسافة المؤجر للركوب، أو الحمل إليها، فلا أجرة لركوبه أو حمله عليها قبل المنع منه، أو امتنع الأجير لعمل من تكميل العمل كخياطة أو كتابة أو حفر ما شورط عليه فلا أجرة له لما عمل، والذي تطمئن إليه النفس أنه كامتناعه عن تكميل العمل لعذر؛ فإنه يستحق من الأجرة قدر ما عمل. والله أعلم.
وكل موضع منع المؤجر المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة إذا كان بعد عمل البعض فلا أجرة له فيه لما سبق؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله العقد عقد الإجارة، فلم يستحق شيئًا إلا أن يرد المؤجر العين للمستأجر قبل انقضاء المدة الأجرة؛ لأنه سلم العين؛ لكن يسقط من الأجرة المدة التي احتبسها المؤجر لإنفساخ الإجارة فيه كما تقدم، أو إلا أن يُتمم الأجير العمل إن لم يكن العقد على مدة قبل فسخ المستأجر فيكون له أجر ما عمل؛ لأنه وفى بالعمل وإن شردت دابة مؤجرة أو تعذر باقي استيفاء النفع بلا فعل المؤجر والمستأجر، فعلى المستأجر من الأجرة بقدر ما استوفى من عمل وزمن قبل ذلك لعذر كل منهما، وإن هرب أجير مدة العمل قبل استيفاء مدة النفع حتى انقضت المدة أو هرب مؤجر عين بها
قبل استيفاء بعض النفع حتى انفسخت أو شردت دابة مؤجرة قبل استيفاء بعض النفع حتى انقضت مدة الإجارة انفسخت الإجارة لفوات زمن الإجارة المعقود عليه؛ فإن عادت قبل انقضاء المدة استوفى ما بقي منها؛ لأنها تنفسخ شيئًا فشيئًا ولا أجرة لزمن هرب ولمستأجر قبل مُضِي المدة
стр. 1709
الفسخ استدراكًا لما فاته، فلو كانت الإجارة على عمل موصوف بذمة كخياطة ثوب أو بناء حائط وحمل إلى محل معلوم وهرب أجير استأجر حاكم من مال الأجير من يعمله، كما لو هرب مسلمٌ إليه في قمح ونحوه، وليس له قمح؛ فإنه يُشتري من ماله قمح بصفة المسلم فيه ويدفع لرب السلم وإن كان قصد أو شرط أن يعمل العمل الأجير بنفسه فلا يُستأجر من ماله مَن يعمله ولا يلزم المستأجر قبوله؛ فإن تعذر استئجار من يعمله من ماله خُيرَ مستأجر بين فسخ إجارة وبين صبر إلى قدرة عليه فيطالبه بعمله؛ لأن ما في ذمته لا يفوت بهربه، وإن هرب حمال أو نحوه كحمار وبغال وترك بهائمه التي أكراها وللهارب مالٌ مقدور عليه أنفق حاكم على بهائم الهارب المقدور على ماله من ماله لوجوب نفقتها عليه وهو غائب والحاكم نائبه وأمينه، ولو بيع ما فضل من البهائم عما وقع عليه العقد، وكذا يستأجر الحاكم من مال الجمال من يقوم مقامه في الشد عليها وحفظها وفعل ما يلزم فعله؛ فإن لم يوجد له مال استدان الحاكم عليه ما ينفق عليها؛ لأنه موضع حاجة أو أذن الحاكم للمستأجر في النفقة على البهائم؛ لأن إقامة أمين غير المستأجر تشق وتتعذر مباشرته كل وقت، وإن لم يوجد للغائب مال أو وُجد ولم يقدر عليه فللمستأجر إنفاق على البهائم من ماله المستأجر بدون إذن حاكم بنية رجوع وله ذلك ويرجع على مالكها بما أنفقه سواء قدر على إستئذان حاكم وتركه أولًا، أشهد على نية رجوع أولًا، لقيامه عنه بواجب غير متبرع به وإلا ينوي الرجوع فلا رجوع له؛ لأنه متبرع وإن اختلفا فيما أنفقه، وكان الحاكم قدره قبل قول المكتري في ذلك دون ما زاد وإن لم يقدره قبل قوله في قدر النفقة بالمعروف، ويبيع الحاكم
البهائم بعد انقضاء المدة ليوفي المنفق من مستأجر وغيره ما أنفقه؛ لأن فيه تخليصًا لذمة الغائب وإيفاء لحق صاحب النفقة ويحفظ الحاكم باقي
стр. 1710
ثمن البهائم لمالكها؛ لأن الحاكم يلزمه حفظ مال الغائب إن كان حيًا وإن كان ميتًا، فعلى الحاكم أن يحفظ باقي الثمن للورثة؛ لأن حكم موت الجمال حكم هربه.
وتنفسخ الإجارة بتلف محل معقود عليه كدابة أو عبد مات ودار انهدمت قبضها المستأجر أولًا لزوال المنفعة بتلف معقود عليه وقبضها إنما يكون باستيفائها أو التمكن منه ولم يحصل ذاك، وإن تلف مؤجر في أثناء مدة أو في أثناء عمل استؤجر له وقد مضى منها ما له أجر عادة انفسخت فيما بقي من المدة فقط أو العمل كتلف إحدى صبرتين قبل قبض بجائحة، ويقسط أجر مدةٍ أو عملٍ على حسب زمان رغبة للإختلاف، فإذا كان أجرها في الصيف أكثر من الشتاء أو في الشتاء أكثر من الصيف؛ فإن الأجر المسمى يُقسط على ذلك، فإذا قيل: أجرها في الصيف يساوي مائة، وفي الشتاء يساوي خمسين، وكان قد سكن الصيف، فعليه بقدر ثلثي المسمى، وكذلك العمل كالخياط؛ آجرها في أيام الصيف ليس كغيرها ولا يُقسَّط الأجر مطلقًا سواء استوى الزمان أو اختلف، بل يقدره في كل زمان بحسبه، وتنفسخ الإجارة بزوال ما استؤجر له أو برئه، كاستئجار طبيب؛ ليداويه فيبرأ، أو بموت فتنفسخ فيما بقي سواء كان التلف بفعل آدم كقتله العبد المؤجر أو لا بفعل أحد كموت حتف أنفه، وسواء كان القاتل المستأجر أو غيره، ويضمن ما أتلف كالمرأة تقطع ذكرَ زوجها تضمنه وتملكُ الفسخ؛ فإن امتنع المريض استحق الطيبي الأجرة بمضي المدة، وكاستئجار إنسان ليقتص له من آخر أو يقيم عليه الحدَّ فمات، وتنفسخ إجارةٌ بموت مرتضع أو امتناعه من الرضاع؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه في الإرتضاع؛ لاختلاف المرتضعين فيه، وقد يدر اللبن على واحد دون آخر؛ فإن كان موته عقب العقد زالت الإجارة من أصلها ورجع المستأجر بالأجر
стр. 1711
كله وإن كان بعد مضي مدة رجع بحصته ما بقي، وكذا تنفسخ بموت المرتضعة لفوات المنفعة بهلاك محلها، وكذا تنفسخ بموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو كان غائبًا كمن يموت في طريق مكة ويُخلِّف جملة الذي اكتراه، وليس له عليه شيء يحمله ولا وارث له حاضر يقوم مقامه؛ لأنه قد جاء أمرٌ غالبٌ يمنع المستأجر منفعة العين فأشبه ما لو غصِبَتْ؛ ولأن بقاء العقد ضرر في حق المكري والمكتري؛ لأن المكتري يجب عليه الكِري من غير نفع والمكرِي يمنع عليه التصرف في ماله مع ظهور امتناع الكراء عليه، وقيل: إنها لا تنفسخ بموت راكب اكترى له سواء كان له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو لا، وسواء كان هو المكتري أو غيره؛ لأن المعقود عليه منفعة الدابة دون الراكب؛ لأن له أن يركب مَن يماثله، وإنما ذكر الراكب لتقدر به المنفعة كما لو استأجر دابة ليحمل عليها هذا القنطار من القطن فتلف لم تنفسخ، وله أن يحملها من أي قطن كان، والذي تطمئن إليه النفس القول الأول؛ لتعذر استيفاء المنفعة. والله أعلم. ولا تنفسخ بموت مكر أو موت مكتر للزومها كالبيع، وكما لو زَوَّج عبده الصغيرَ بأمة غيره ثم مات السيدان، ولا تنفسخ بعذر لأحدهما بأن يكتري جملًا مثلًا ليحج عليه فتضيع نفقتُه فلا يمكنه الحج أو يكتر دكانًا ليبيع فيها فيحترق ليحج عليه فتضيع نفقتهُ فلا يمكنه الحج أو يكتر دكانًا ليبيع فيها فيحترق متاعه؛ لأنها عقد لا يجوز فسخه بغير عذر، فلم يجز لعذر من غير المعقود عليه كالبيع، بخلاف الإباق؛ فإنه عذر في المعقود عليه. ولا يصح فسخ الإجارة بمقتضى ضياع النفقة واحتراق المتاع؛ لأنه لو جاز فسخه لعذر المكتري لجاز لعذر المكري تسوية بين المتعاقدين ودفعًا للضرر عن واحد من العاقدين، ولم يجز ثمَّ فلم يجز هنا، وإن اختلف مؤجر ومستأجر في الموجود في المؤجرة هل هو العيب أم لا؟ رُجعَ فيه إلى أهل الخبرة مثل أن تكون الدابة خشنة المشي، أو أنها تتعِب راكبها لكونها لا تركب كثيرًا؛ فإن قال
стр. 1712
أهل الخبرة: هو عيب فله الفسخ، وإلا فلا فسخ له، ويكفي فيه اثنان منهم على قياس ما يأتي في الشبهات.
من النظم في أن الإجارة عقد لازم من الطرفين
ويلزم عقد من أجير ومكتر … فليس لشخصٍ فسخها بتفرد
وتركك الاستيفاء في الوقت قادرًا … عليك جميع الأجر غير مصرد
وإن يطر عيب العين أو بَانَ فافْسَخ إن … تشا كَتَعذُّر خُلْفِ ما لم يقيد
وإذا كان منع النفع من مؤجر فلا … تُنَوِّلهُ أجْرًا وذا عِنْدَ أحْمَدِ
وقيل له أجر بقسط انتفاعه … وكلُّ ويعطي أجر مثل بأجود
وما موت مكرٍ مبطلنها ومكترٍ … له شاغل للعين أو خالف زد
ولا عذر في كل كذا بقسامةٍ … وفقدان ما اسَتكرى له من معددِ
ومن يكتري شيئًا لِمعْلُوم شغله … فَيُغْصَبَ أوْ يَشْرِي ليختر ويرتدي
فإن شاء فليفسخ وإن شاء يصطبر … إلى أوبه المغصوب والمتشردِ
стр. 1713
وإن كان استئجار وقت معين … له الفسخ أو أجر على غاصب اليد
فإن ينجبر للفسخ فارجع بأجْرِ مَا … تَقَضَّي بلا غصبٍ عليه تسدد
ولا أجر للمكري إن غصبها بنفسه … ولو بعض ميقات الكرى في المؤطدِ
وإن منع أمرٌ غالبٌ نفع مكتر … فيَفْسَخْ يُؤّدِي قَدْرَ نَفْعٍ به قَدِ
ولم يَستِنبْ إن لم يشأ مكتر فتىً … مقامَ ظن قد عُيِّنَ أوْ متشرِّدِ
وبيعك ما أجرت حتى لمكتر … أجزه وكالإرث افسخ كراه بأوكد
وفي قدر أجر وانتفاع مخالف … إذا اختلفا مَن قَبْلِ قبضٍ وأفسد
وخُذْ أجْرَ مِثْلِ الفِعل مِن بَعْدِ قَبْضِهَا … ومَن يَرض قَوْلَ الخصم فالعَقْدَ أوطد
وقَولَ المليكِ أقبلْهُ في مدة الكرى … وفي نفي عدوانٍ بمن يكتري اقتدِ
وفي رد عين أو شرادٍ وموتِها … بلا نفعٍ الوجْهَينِ خذْ في المقلَّدِ
ولا مَؤجرن للحمل إلا برؤيةٍ … أو الوزن أو كيل وفي الوصف رَدِّدِ
стр. 1714
وإن تَنْقُصِ الزَّادَ المقدَّرَ أكلُه … أو الهُلْكِ فاستبدلْ به في المجودِ
وبالوقت أو بالفعل ضبطُ إنتفاعِهِ … وجَمْعُهُمَا مُوْهٍ على المتأكدِ
وجوز لذِي كِرَى نَفْسِ مُسْلمٍ … بِكُرهٍ وعنه امْنَعْ لِخِدْمَتِه قد
٦٣ - التصرف في العين المؤجرة أو ظهور عيب أو حدث فيها أو إنتقال أو نحو ذلك
س ٦٣: بين حكم التصرف في العين المؤجرة، وإذا تصرف فيها أو غصبت أو ردت بعد غصبها أو كان الغاصب المؤجر، أو حدث خوف، أو انتقل ملك فيها، أو وقِّفت، أو تنقلت بإرث، أو وصية أو نكاح، أو خلع، أو طلاق، أو صلح، أو لم يعلم المشتري أن المبيع مؤجر، أو علم، أو استولى على دار المسلمين حربي ومنَع الانتفاع بالمؤجر، أو ظهر عيب بمؤجرة، أو حدث فيها، واذكر بعض العيوب التي توجب الفسخ مع ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: لا يحل لمؤجر تصرف في عين مؤجرة سواء ترك المستأجر الانتفاع بها أو لا؛ لأنها صارت مملوكة لغيره كما لا يملك البائع التصرف في المبيع إلا أن يوجد منهما ما يدل على الإقالة؛ فإن تصرف المؤجر في العين المؤجرة بأن سكن العين المؤجرة أو أجرها لغيره بعد تسليمها للمستأجر، فعلى المؤجر أجرة المثل لمستأجر لما سكن أو تصرف فيه يسقط ذلك مما على المستأجر من الأجر، ويلزمه الباقي؛ لأنه تصرف فيما يملكه المستأجر عليه بغير
стр. 1715
إذنه فأشبه ما لو تصرف في المبيع بعد قبض المشتري له وقبض الدار هاهنا قام مقام قبض المنافع، بدليل أنه يملك التصرف في المنافع بالسكنى والإجارة، فلو كان أجر المثل الواجب على المالك بقدر المسمى في العقد لم يجب على المستأجر شيء، وإن فضلت منه فضلة لزم المالك أداؤها إلى المستأجر، فلو تصرف مالك قبل تسليم العين المؤجرة أو امتنع من التسليم حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة بذلك. قال في «المغني» و «الشرح»: وجهًا واحدًا؛ لأن العاقد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فانفسخ العقد كما لو باعه طعامًا فأتلفه قبل تسليمه، وإن سلمها إليه في أثناء المدة انفسخت فيما مضى ويجب أجر الباقي بالحصة كالمبيع إذا سلم بعضه وأتلف بعضًا، وإن غصب عينًا مؤجرة معينة لعمل بأن قال: استأجرت منك هذا الفرس لأركبه إلى محل كذا، وهذا العبد ليبني لي هذا الحائط بكذا، فغُصبت الفرس أو العبد خير مستأجر بين فسخ إجارة، كما لو تعذر تسليم مبيع وبين صبر إلى أن يقدر عليها؛ لأن الحق له، فإذا أخَّره جاز وإن غُصِبت مؤجرةٌ معينة لمدة، كما استأجر العبد سنة للخدمة فغضِبَ خُير مستأجر متراخيًا ولو بعد فراغ المدة فلا يسقط إلا بما يدل على رضاه.
خير بين فسخ وبين إمضاء العقد بلا فسخ ومطالبته غاصب بأجرة مثل، ولا ينفسخ العقد بمجرد غصب؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقًا، بل إلى بدل وهو القيمة فأشبه ما لو أتلف المبيع ونحوه آدمي؛ فإن فسخ الإجارة فعليه أجرة ما مضى من المدة قبل الفسخ بالقسط، وإن مضى فعليه المسمى تامًا ويرجع على غاصب بأجرة وإن ردت مغصوبة مؤجرة في أثناء المدة قبل فسخ مستأجر استوفى ما بقي من المدة، وخير فيما والعين بيد غاصب بين فسخ فيما مضى والرجوع بالمسمى وبين إمضاء العقد ومطالبة غاصب بأجرة المثل، وللمستأجر بدل موصوفة بذمة، وهي ما إذا وقع
стр. 1716
العقد على دابة أو نحوها موصوفة بذمة المؤجر، ثم سلم إلى المستأجر عينًا بالصفة، فغصبت فعلى المؤجر بدلها؛ لأن العقد على ما في الذمة كما وجد بالمسْلم عيبًا؛ فإن تعذر البدل فللمستأجر فسخ الإجارة، وله الصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها، وتنفسخ بمضي المدة إن كانت إلى مدة وعلم مما تقدم أن الإجارة الصحيحة ليس للمؤجر ولا غيره فسخها لزيادة حصلت ولو كانت العين وقفًا. قال الشيخ تقي الدين باتفاق الأئمة: وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور لم تلزمه إتفاقًا لو التزامها بطيب نفس منه بناء على إلحاق الزيادة والشروط بالعقود اللازمة لا تلحق ذكره في «الاختيارات» وإن كان الغاصب للمؤجرة هو المؤجر، فلا أجرة له سواء كانت الإجارة على عمل أو إلى أمد، وسواء كانت على معينة أو موصوفة، وسواء كان غصبُه لها قبل المدة أو في أثنائها، ولمستأجر الفسخ إن كانت الإجارة على موصوفة في الذمة وتعذر البدل، ويثبت الانفساخ إن كانت على معينة لتعذر تسليم المعقود عليه مع تضمين المستأجر ما أتلف من العين، وحدُوثُ خوف عام يمنع من سكنى المكان الذي فيه العين المؤجرة أو حصر للبلد فامتنع خروج المستأجر إلى الأرض المؤجرة للزرع كغصب فللمستأجر الخيار؛ فإن كان الخوف خاصًا بمستأجر كخوف من السفر لقرب عدوِّه من محل يريد سلوكه لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء النفع بالكلية أشبه المرض والحبس ولو ظلمًا، ولو اكترى دابة ليركبها أو ليحمل عليها إلى موضع معين فانقطع الطريق إلى جهة ذلك الموضع لخوف حادث أو اكترى إلى مكة، فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق مَلك كلُّ من المؤجر والمستأجِر فسخَ الإجارة وإن اختار إبقاءَ الإجارة إلى حين إمكان استيفاء النفع، جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ولا فسخ لعقد الإجارة بانتقال
стр. 1717
ملك في عين مؤجرة بنحو بيع أو هبة كعتق وجعالة لعدم التنافي بين ملك الرقبة والمنفعة، ولو كان الإنتقال لمستأجر فيجتمع على بائع لمشتر الثمن والأجرة؛ لأن عقد البيع لم يشمل المنافع الجارية في ملكه بعقد التأجير؛ لأن شراء الإنسان ملك نفسه محال، فلو فُسِخ بيع بنحو عيب، فالإجارة بحالها؛ لأنهما عقدان، فإذا فسخ أحدهما بقي الآخر، وإن كان مشتري المؤجرة أجنبيًا، فالأجرة من حين البيع له، ولا تبطل إجارة بوقف عين مؤجرة ولا بانتقال ملك فيها بإرث أو وصية أو نكاح أو خلع أو طلاق أو صلح لورودها على ما يملكه المؤجر من العين المسلوبة المنفعة، وإن استأجر من أبيه دارًا مملوكة له أو نحوها، ثم مات الأب وخلف المستأجر وأخاه، فالدار بينهما نصفين، وإن كان أبوه قبض الأجرة لم يرجع بشيء منها على أخيه ولا تركة أبيه، وما خلف أبوه بينهما نصفين ولو باع الدار التي تستحق المعتدةُ للوفاة سُكناها وهي حامل. فقال المجد: قياس المذهب صحة البيع، قال في «الإنصاف»: وهو الصواب كبيع المؤجرة، ويصح بيع عين مؤجرة سواء كانت الإجارة مدة لا تلي العقد، ثم بيعت قبلها أو في أثناء المدة؛ لأن الإجارة عقد على المنافع لا تمنع كبيع المزوجة، ولا يفتقر إلى إجارة المستأجر؛ لأن المعقود عليه في الإجارة غير المعقود عليه في البيع، ولمشتر لم يعلم أن المبيع مؤجر فسخ وإمضاء للبيع مجانًا من غير أرش والأجرة للمشتري من حين الشراء، وإن علم المشتري أن المبيع مؤجر فلا يملك فسخ المبيع ولا أجرة له لدخوله على بصيرة، وكذا مثل المنتقل بالبيع كل شقص منتقل إليه بعقد غير البيع كجعله مهرًا أو عوضًا في طلاق أو خلع، فحكمه حكم المنتقل بالبيع، فلا يبطل البيع بشيء من ذلك والمنتقل إليه بنوع مما ذكر إن لم يعلم بالحال الفسخ أو الإمضاء مجانًا وإن علم بالحال، فلا فسخ له ولا أجرة، وتنفسخ الإجارة باستيلاء حربي على دار الإسلام
стр. 1718
إذا وضع يده على المأجور، ويمنع من الانتفاع به وعكسه بأن يستوي المسلمون على دار الحرب، ويضعوا أيديهم على مأجوراتهم فلا يمكن المستأجر من التصرف فيما استأجره من الحربي، فتنفسخ بذلك للعذر المانع من الانتفاع إلا إن كان الحربي قد أجر ما بيده لإنسان معصوم من مسلم أو ذمي، فلا تنفسخ الإجارة لدوام ثبوت يده على المأجور، وإن ظهر عيب بمؤجرة معينة بأن كان بها وقت العقد، ولم يعلم به مستأجر أو حدث بمؤجرة معينة عيب كجنون الأجير ومرضه ونحوه، حيث كان بفعل الله تعالى، والعيب ما يظهر به تفاوت الأجرة بأن تكون الأجرة معه دونها مع عدمه فللمستأجر الفسخ؛ لأنه عيب في المعقود عليه أشبه العيب في بيوع الأعيان، والمنافع لا يحصل قبضها إلا شيئًا فشيئًا، فإذا حدث العيب فقد وجد قبض الباقي من المعقود عليه، فأثبت الفسخ فيما بقي منها إن لم يزل العيب سريعًا بلا ضرر يلحق المستأجر كفتح بالوعة إذا فتحها المؤجر في زمن يسير لا تتلف فيه منفعة تضر بالمستأجر، فلا خيار له ولمستأجر الإمضاء مجانًا بلا أرش لعيب قديم أو حديث بكل الأجرة؛ لأنه رضي به ناقصًا، ومن العيب الذي يسوغ للمستأجر الفسخ جارُ سوء للدار المؤجرة، بل هو من أقبح العيوب وربما اضطر جاره إلى بيع ملكه، ومما يُنسب إلى الشافعي في الجار قوله:
يَلُومُونَنِي إن بِعْتُ بالرُّخْص منزِلي … ولم يَعْلَمُوا جَارًا هُنَاكَ يُنَغِّصُ
فَقُلْتُ لهم: كُفُّوا الملامَ فإنَّما … بِجِيرانِها تَغْلُو الديارُ وترْخُص
ومن العيوب: خوف سقوط حائط أو سقف وخوف غرق سفينة إبقاء للنفوس والأموال، ومن العيوب تغيُّر رائحة بئر بدار مؤجر؛ لأن النفوس
стр. 1719
تعافه، ومن العيوب انقطاع مائها أو غوره فيثبت له بذلك كله خيار الفسخ، قلت: ومثل ذلك فيما أرى. والله أعلم.
إذا قطع عن المستأجر الماء من غير فعله ولا سببه وكان العرف أو الشرط جار بذلك، وإن اكترى أرضًا لها ماء ليزرعها أو استأجر دارًا يسكنها فانقطع ماء الأرض مع الحاجة إليه أو انهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة لتعطيل النفع فيه؛ ولأن المقصود بالعقد قد فات أشبه ما لو تلف أو انهدم البعض من الدار ونحوها، انفسخت الإجارة فيما انهدم وسقط قسطه من الأجرة ولمكثر الخيار في البقية لتفريق الصفقة عليه؛ فإن أمسك البقية فبالقسط من الأجرة فتقسط الأجرة على ما انهدم وعلى ما بقي ويلزم قسط الباقي، وقد مر مسائل في تفريق الصفقة، وهي أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه صفقة واحدة، فمثلُ البيع الإجارةُ فلو أجَّر سيارتَه وتلفزيونه لواحد يومًا أو شهرًا صفقةً واجدةً صحَّت الإجارةُ في السيارة وبطلت في التلفزيون، ولو أجَّر الدبابةَ أو السيكل والسينما، صح العقد في السيكل والدبابة وبَطلَ في السينما ولو أجر مكينته ومذياعهُ صفقةً واحدةً، صح في المكينة، وبطلت الإجارة في المذْياع، ولو آجر آلة التصوير لحرمة ذلك، ولو عقَدَ عقْدَ إجارة مع حلاق لحلق اللحية وحلق الرأس صحَّت الإجارةُ على حلق الرأس، وبطلت في حلق اللحية لحرمة ذلك، وتقدمت الأدلة ولو أجَّر أرضين صفقةً واحدةً يريد المستأجر أن يزرع واحدةً برًا والأخرى دخانًا صح في الأولى وهي التي يُريد أن يزرعها برًا وبطل في التي يريد أن يزرعها دخانًا، ويُقَسِّط العِوضَ عليهما، ولو كان ذلك بيعًا بطل في آلات اللهو لتحريمها، وصحَّ البيع في الحلال وهي السيارة والدبابة والسيكل والمكينة وآلة الطباعة وقِسْ على ذلك ما حَدَثَ مما لم يُذكر وما
стр. 1720
سيحدث مماثلًا لذلك إن حدث في حياتك. والله أعلم. ومتى زرع فغرق الزرع أو تلف بنحو حريق أو جراد أو فأر أو برد أو غيره قبل حصاده، أو لم تنبت فلا خيار وتلزمه الأجرة؛ لأن التالف غير المعقود عليه وسببه غير مضمون على المؤجر، ثم إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزرع أو بالزرع في بقية المدة، فله ذلك؛ لأن ملك المنفعة إلى انقضاء مدته، وإن تعذر زرع مؤجرة لغرق أرض أو قل الماء قبل زرعها أو بعده أو عابت بغرق يعيب به بعض الزرع فله الخيار لحصول ما نقص به منفعة العين المؤجرة، ثم إن اختار الفسخ وقد زرع بقي الزرع في الأرض إلى الحصاد، وعليه من المسمى بحصته إلى حين الفسخ وأجرة المثل لما بقي من المدة لأرض متصفة بالعيب الذي ملك الفسخ من أجله، والأرض الغارقة بالماء التي لا يمكن زرعها قبل إنحساره وهو تارة ينحسر وتارة لا ينحسر، لا يصح عقد الإجارة عليها إذن؛ لأن الانتفاع بها في الحال متعذر ولوجود المانع، وفي المآل غير ظاهر؛ لأنه لا يزول، وإن استأجر الأرض عامًا فزرعها زرعًا أجرى الله العادة بنباته، فلم ينبت إلا بعام قابل بلا تفريط مستأجر مثل أن يزرع زرعًا ينتهي في المدة عادة فأبطأ لبرد أو غيره، فللعام الأول المسحي في العقد وللعام الثاني أجرة مثل، ويلزم رب الأرض تركه إلى أن ينتهي، وليس لرب الأرض قلع الزرع قبل إدراكه؛ لأنه لا تفريط من المستأجر في تأخيره كما لو أعاره أرضًا فزرعها، ثم رجع المالك قبل كمال الزرع، وإن كان عدم نبات الزرع في العام بتفريط المستأجر كتأخير زرع لمدة لا يكمل فيها عادة فحكمه حكم زرع الغاصب للمالك بعد انقضاء المدة إبقاؤه بأجرة مثله لما زاد على المدة؛ لأنه أبقى زرعه بأرض غيره بعدوانه وله تمليكه بقيمته، وهي مثل بذره وعوض لواحقه. ومحل ذلك: ما لم يختر مكتر إزالة الزرع حالًا وتفريغ الأرض؛ فإن اختاره فله ذلك؛ لأنه يزيل الضرر ويُسلم
следующие страницы →