← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال: قال أبي جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا، فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين» رواه البخاري وأبو داود، وعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؛ فإن كان في القراءة سواء، فأعلهم بالسُّنة» الحديث وتقدم، فهو يتناول الصغير؛ ولأنه يؤذن للرجال فجاز أن يؤمهم كالبالغ، وهذا عنيد أنه أرجح لقوة الدليل. والله أعلم. س ٣٠٩: بين حكم ما إذا صلى الإمام وهو محدث، أو عليه نجاسة، واذكر الدليل. ج: إذا صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه ويعيد الإمام، لما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم» رواه محمد بن الحسين الحراني، ولما روى «أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلامًا فأعاد الصلاة ولم يعد الناس»، وروى مثل ذلك عن عثمان وابن عمر، وعن علي قال: «إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد، ولا أمرهم أن يعيدوا» رواهما الأثرم، وهذا في محل الشهرة ولم ينكر فكان إجماعه؛ ولأن الحدث مما يخفي ولا سبيل إلى المعرفة من الإمام للمأموم فكان معذورًا في الاقتداء به. س ٣١٠: ما صفة صلاة المأمومين خلف إمام الحي المرجو زوال علته؟ ج: إمام الحي هو إمام كل مسجد راتب ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، وإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا، لما ورد عن عائشة قالت: «لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فصلى أبو بكر تلك الأيام ثم إن النبي

стр. 177

صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين ورجلاه في الأرض حتى دخل المسجد فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول ﷺ أن لا يتأخر فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر» متفق عليه. وفي رواية لهما يسمع أبو بكر الناس التكبير فأتموا قيامًا لابتدائهم قيامًا؛ وأما الدليل على استحباب صلاتهم خلفه جلوسًا، فهو ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: «صلى بنا رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون»» وروى أنس نحوه أخرجهما البخاري ومسلم. س ٣١١: بين حكم ائتمام المفترض بالمتنفل واذكر الدليل على ما تقول؟ ج: قيل: إنه لا يصح ائتمام المفترض بالمتنفل، لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» وكون صلاة المأموم غير صلاة الإمام اختلاف عليه، والقول الثاني: وهو الأرجع عندي، لما أراه من قوة الدليل أنه يصح لما ورد عن جابر «أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» متفق عليه، ورواه الشافعي والدارقطني، وزاد هي له تطوع وهم

стр. 178

مكتوبة، «وصلى النبي ﷺ بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم» رواه أبو داود والأثرم، والثانية منهما تقع نافلة وقد أم بها مفترضين، وروي عن أبي خلدة قال: «أتينا أبا رجاء لنصلي معه الأولى فوجدناه قد صلى، فقلنا: جئناك لنصلي معك، فقال: قد صلينا؛ ولكن لا أخيبكم، فقام فصلى وصلينا معه» رواه الأثرم. ومنها ما رواه الإسماعيلي عن عائشة «أنه ﷺ كان يعود المسجد فيؤم بأهله»، وعن عمرو بن سلمة ﵁ قال: «قال أبي: جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا، فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين» رواه البخاري والنسائي. قال في «الاختيارات الفقهية»: ويصح ائتمام مفترض بمتنفل وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب الشافعي. اهـ. قال الشيخ سليمان بن سحمان الناظم لبعض اختيارات شيخ الإسلام: وقال أبو العباس ذلك جائز … لفعل معاذ مع صحابة أحمد يصلي بهم فرض وهم ذو فريضة … وقد كان صلى الفرض خلف محمد كذا من يصلي الظهر يأثم بالذي … يصلي صلاة الغير غير مفند س ٣١٢: ما حكم ائتمام المتنفل بالمفترض؟ والمتوضئ بالمتيمم؟ ج: يصح، لما ورد عن يزيد بن الأسود «أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما، ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة»» رواه أحمد، واللفظ له

стр. 179

والثلاثة، وصححه ابن حبان والترمذي؛ ولقوله ﷺ في حديث محجن بن الأدرع «فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة» رواه أحمد وأبو داود. وفي حديث أبي سعيد: «من يتصدق على ذا فيصلي معه» رواه أحمد وأبو داود، ومنها: «أمره ﷺ لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن يصلوها في بيوتهم في الوقت ثم يجعلوها معهم نافلة». وأما ائتمام المتوضئ بالمُتيمم فيصح، لما ورد من أن عمرو بن العاص ﵁ صلى بأصحابه في غزوات ذات السلاسل بالتيمم، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم ينكر عليه، وتقدم هذا الحديث في جواب سؤال سابق. وأمَّ ابن عباس أصحابه متيمًا وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم ينكروه؛ ولأنه متطهر طهارة صحية فأبه المتوضئ. س ٣١٣: بين حكم إمامة من يلي: الأقلف، ولد الزنا، الجندي، الخصي، المنفي بلعان، اللقيط. واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل. ج: تصح إمامتهم إذا سلم دينهم، لعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» الحديث. وتقدم في جواب سؤال سابق، وقالت عائشة ﵂ في ولد الزنا: «ليس عليه من وزر أبويه شيء» قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولأن كلا منهم حر مرضي في دينه ويصلح لها كغيره. وصلى التابعون خلف ابن زياد وهو ممن في نسبته نظر. قال الناظم ﵀: ولا بأس في نجل الزنا ومجند … إذا أحرز اشترط الإمام المجود

стр. 180

س ٣١٤: ما صفة ائتمام من يقضي الصلاة بمؤديها؟ وما صفة عكسها؟ وما حكم إمامة الرجل لقوم فيهم من يكرهه؟ وضح ذلك. ج: الأولى: صفتها كأن يصلي شخص الظهر قضاء خلف إمام يصليها أداء والعكس ائتمام مؤدى الصلاة بقاضيها كأن يصلي الظهر أداء خلف إمام يصليها قضاء، والحكمة ي الصورتين صحيحة؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، ويكره أن يؤمَّ قومًا أكثرهم له كارهون، لما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تقبل منهم صلاة: من تقدم قومًا وهم له كارهون» الحديث رواه أبو داود، وقال علي لرجل أو قومًا وهم له كارهون: إنك لخروط. قال أحمد ﵀: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثر القوم، وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم يكره إمامتهم. قال منصور: أما إنا سألنا أمر الإمامة، فقيل لنا: إنما عني بهذا الظلمة، فأما من أقام السُّنة، فإنما الإثم على من كرهه. قال القاضي: والمستحب، أن لا يؤمهم صيانة لنفسه وإن استوى الفريقان، فالأولى أن لا يؤمهم أراد بذلك الاختلاف. س ٣١٥: ما حكم إمامة الرجل للنساء؟ ج: يكره أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن، لما ورد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» أخرجه البخاري، ولما فيه من مخالطة الوسواس، ولا بأس بأن يؤم بذوات محارمه أو أجنبيات معهن رجل فأكثر؛ لأن النساء كن يشهدن مع رسول الله ﷺ الصلاة. س ٣١٦: ما حكم الصلاة خلف من يصلي بأجرة؟

стр. 181

ج: من صلى بأجرة لم يصلي خلفه، قال أبو داود: سُئل أحمد عن إمام يقول: لا أصلي بكم رمضان إلا بكذا وكذا، فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟ فإن دفع إليه شيء بغير شرط، فلا بأس، وكذا لو يُعطى من بيت المال أو من وقف. ٤٨ - فصل في موقف الإمام والمأمومين على اختلاف أنواعهم س ٣١٧: ما الموقف المستحب للإمام والمأمومين؟ ج: يسن وقوف إمام متقدمًا ووقوف المأمومين إذا كانوا اثنين فأكثر خلف الإمام، ووقوف المرأة الواحدة خلف الرجل، وامرأة أمت نساء فوسطًا؛ أما دليل الأول «فلأنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة تقدم وقام أصحابه خلفه»، وعن جابر بن عبد الله قال: «قام النبي ﷺ يصلي المغرب، فجئت فقمت عن يساره، فنهاني فجعلني عن يمينه، ثم جاء صاحب لي فصفنا خلفه، فصلى بنا في ثوب واحد مخالفًا بين طرفيه» رواه أحمد. وفي رواية: «قام رسول الله ﷺ ليصلي فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه» رواه مسلم وأبو داود. وعن سمرة قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا» رواه الترمذي، وعن ابن عباس قال: «صليت إلى جنب النبي ﷺ وعائشة معنا تصلي خلفنا وأنا إلى جنب النبي ﷺ أصلي معه» رواه أحمد والنسائي، وعن أنس «أن النبي ﷺ صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا» رواه مسلم وأبو داود. وأما الدليل على أن المرأة إذا أمت النساء أنها تقف وسطًا بينهن:

стр. 182

روي عن عائشة ورواه سعيد عن أم سلمة، ولأنه يستحب لها الستر وهذا أستر لها. والله أعلم. س ٣١٨: بين الموقف فيما إذا أم رجلاً وصبيًّا أو رجلاً وامرأة؟ ج: يسن وقوف رجل يمينًا لكماله وصبي شمالاً، ولو أم رجلاً وامرأة فرجل يقف يمينًا وتقف امرأة خلفًا، لحديث مسلم عن أنس «أن النبي ﷺ صلى به وبأمه فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفه». س ٣١٩: ما هو الموقف الجائز؟ وما الدليل عليه؟ ج: الجائز وقوف المأمومين جانبي الإمام أو عن يمينه، ووقوف المرأة عن يمين الرجل، لما ورد عن الأسود، قال: «دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة، قال: فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه، فأخذ بيدي ويد عمي ثم جعل أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فصفنا صفًا واحدًا قال: ثم قال: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كانوا ثلاثة» رواه أحمد، ولأبي داود والنسائي معناه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «وسطوا الإمام وسدوا الخلل» رواه أبو داود. س ٣٢٠: بين ما هو الموقف الواجب وما دليله؟ واذكر ما تستحضره من خلاف؟ ج: وقوف الرجل الواحد عن يمينه، لما روى ابن عباس قال: «بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره، فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن» متفق عليه، وعن جابر قال: «قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئتُ حتى قمتُ عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بأيدينا جميعًا

стр. 183

فدفعنا حتى أقامنا خلفه» رواه مسلم، فمن وقف عن يساره مع خلو يمينه وصلى ركعة كاملة بطلت صلاته، وقيل: تصح، اختاره أبو محمد التميمي، وللوفق. وقال في الفروع وهو أظهر، وفي الشرح وهي القياس، كما لو كان عن يمينه، وكون النبي ﷺ رد جابرًا وابن عباس لا يدل على عدم الصحة بدليل رد جابر وجبار إلى ورائه مع صحة صلاتهما عن جانبيه. وهذا القول فيما يظهر أنه أرجح فيكون الوقوف عن يمينه سُّنة مؤكدة لا واجب تبطل بتركه الصلاة. س ٣٢١: ما هو الموقف الممنوع؟ وما هو الدليل عليه؟ ج: وقوف الرجل الواحد خلف الإمام، أو خلف الصف أو قدام الإمام عن علي بن شيبان «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل، فقال: «استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف»» رواه أحمد وابن ماجه، وعن وابصة بن معيد «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته» رواه الخمسة إلا النسائي. وفي رواية، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن رجل خلف الصفوف وحده، فقال: «يعيد الصلاة» رواه أحمد. والقول الثاني: صحة صلاة الرجل الواحد خلف الصف لعذر، قال الشيخ تقي الدين: وتصح صلاة الفذ لعذر. اهـ. وعندي أن هذا القول أرجح؛ لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز فالمصافة إذا قلنا إنها واجبة فليست بأوجب من كثير من أركان الصلاة وشروطها ومع ذلك فكل من عجز عن شرط غير النية أو عن ركن؛ فإن صلاته صحيحة إذا أتى بما يقدر عليه؛ لأنه اتقى الله ما استطاع. والله أعلم. س ٣٢٢: بين حكم تقدم المأموم على إمامه مع ذكر ما تستحضره من خلاف؟ ج: إذا تقدم عليه فصلاته غير صحيحة، لقوله ﷺ : «إنما

стр. 184

جعل الإمام ليؤتم به» ولأنه لم يُنقل عنه ﷺ ولا هو في معنى المنقول، فلا يصح، ولأنه يحتاج في اقتدائه به الالتفات في صلاته فيستدبر القبلة عمدًا وإلا لأدى إلى مخالفته في أفعاله وكلاهما يبطل الصلاة، وقيل: تصح في الجمعة والعيد والجنازة لعذر، واختاره الشيخ تقي الدين، وتصح الصلاة فيما إذا تقابلا أي الإمام والمأموم داخل الكعبة، وكذا تصح إذا تدابروا داخل الكعبة، فيصح الاقتداء، لأنه لا يتحقق تقدمه عليه، ولا تصح إن جعل ظهره إلى وجه إمامه لتحقق التقدم، وكذا تصح إذا استدار الصف حول الكعبة والإمام عن الكعبة أبعد من المأموم الذي هو في غير جهته بأن كانوا في الجهة التي عن يمينه أو شماله أو مقابله، وأما الذين في جهته التي يصلي إليها فمتى تقدموا عليه لم تصح لهم لتحقق التقدم عليه، وكذا في شدة الخوف فلا يضر تقدم المأموم للعذر، ويصح الاقتداء إن أمكنت متابعته لإمامه. س ٣٢٣: ما الذي يعلم به تقدم المأموم على إمامه؟ وإذا وجد المأموم الصف تامًا فماذا يعمل؟ وإذا بطلت صلاة أحد اثنين صفًا بأن لم يكن معهما غيرهما فماذا يعمل الآخر أي الذي لم تبطل صلاته؟ ج: الاعتبار في التقدم والتأخر في حال القيام بمؤخر قدم وهو العقب، ولا يضر تقدم أصابع لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله؛ فإن صلى قاعدًا فالاعتبار بالإلية، لأنها محل القعود، وإذا وجد المأموم الصف تامًا؛ فإن وجد خللاً في الصف دخل فيه، أو وجه غير مرصوص كذلك، لقوله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون في الصف»؛ فإن لم يجد في الصف موضعًا يقف فيه وقف عن يمين الإمام إن أمكنه؛ فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه بنحنحة أو إشارة، وإن بطلت صلاة أحد اثنين صفًا تقدم الذي لم تبطل صلاته إلى يمين الإمام أو إلى الصف أو جاء معه آخر فوقف يصلي معه صحت صلاتهما؛ وإن لم يتقدم ولم يأت من يقف معه نوى

стр. 185

المفارقة للعذر، وتقدم الكلام على وقوف الرجل الواحد خلف الإمام أو خلف الصف في جواب سؤال سابق. وفي الصف فادخل إن تأتي بلا أذى … وإلا فقم من عن يمين المقلد فإن لم يؤاتي نبهن مصاففا … بلا جذبه واكره به في الموطد س ٣٢٤: من المقدم من المأمومين إذا كانوا أنواعًا؟ ج: إذا اجتمع أنواع يقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء، وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم. وخلف الإمام اصفف رجالاً فصبية … تليهم خناثى فالنسا مع تعدد كذلك فاحكم في الصلاة عليها … وفي دفنهم للقبلة ابدأ بمبتدى وأما الدليل على تقديم الرجال، فقوله ﷺ : «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى» رواه مسلم. ويقدم الأفضل فالأفضل؛ وأمَّا الصبيان، فلأنه ﷺ «صلى فصف الرجال، ثم صف خلفهم الغلمان» رواه أبو داود. وأما الخناثى فلأنه يحتمل أن يكونوا رجالاً، وأما النساء، فلما ورد عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ «أنه كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يتوب الناس، ويجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» رواه أحمد، ولقوله: «أخروهن من حيث أخرهن الله». وعن أنس «أن النبي ﷺ صلى به وبأمه أو خالفه قال: فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» رواه مسلم.

стр. 186

س ٣٢٥: بين حكم وقوف المرأة في صف الرجال، وحكم صلاة من يليها أو خلفها، وحكم صلاتها، وإذا أم رجل رجلاً وصبيًا فأين موقف الرجل والصبي؟ ج: يكره لها الوقوف في صف الرجال، لما تقدم من أمره ﷺ بتأخيرهن؛ فإن وقفت في صف الرجال لم تبطل صلاة من يليها ولا من خلفها ولا صلاة من أمامها ولا صلاتها، كما لو وقفت في غير صلاة، والأمر بتأخيرهن لا يقتضي الفساد مع عدمه، وإن أم رجل رجلاً وصبيًا استحب أن يقف الرجل عن يمينه لكمال الرجل، والصبي عن يساره أو أم رجلاً وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه، لحديث أنس المتقدم قريبًا في الجواب الذي قبل هذا السؤال. س ٣٢٦: بين حكم صلاة من وقف معه من يعلم عدم صحة صلاته، أو يعلم أنه محدث أو نجس لا يعلم منه ذلك. ج: إذا وقف معه من يعلم عدم صحة صلاته فهو منفرد، وإن وقف معه محدث أو نجس لا يعلم منه ذلك، فالاصطفاف صحيح، وإن وقف معه صبي في فرض وهو رجل لم يصح على المذهب، وعلى القول الثاني أنه يصح. قال في «المغني»: فإن كان أحد المأمومين صبيًا وكانت الصلاة تطوعًا جعلهما خلفه لخبر أنس وإن كانت فرضًا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره، كما جاء في حديث ابن مسعود: «وإن جعلهما جميعًا عن يمينه جاز وإن وقفا خلفه»، فقال بعض أصحابنا: لا تصح، لأنه لا يؤمه فلم يصافه كالمرأة ويحتمل أن تصح؛ لأنه بمنزلة المتنفل، والمتنفل يصح أن يصاف المفترض كذا هنا. والله أعلم. ٤٩ - فصل في أحكام الاقتداء س ٣٢٧: ما الذي يشترط لاقتداء المأموم الإمام؟ واذكر ما تستحضره من خلاف.

стр. 187

ج: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير، وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين؛ فإن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام أو من وراءه، فقال ابن حامد: فيه روايتان: أحدهما: لا يصح الإتمام به اختاره القاضي؛ لأن عائشة قالت لنساء كُنَّ يُصلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب، ولأنه لا يمكن الاقتداء في الغالب. والرواية الثانية: يصح، قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة: أرجو أن لا يكون به بأس، وسُئل عن رجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة قال: إذا لم يقدر على غير ذلك، وقال في المنبر: إذا قطع الصف لا يضر، ولأنه أمكنه الاقتداء بالإمام فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى؛ ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم استماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره. والله أعلم. س ٣٢٨: ما حكم إتمام الصفوف ورصها وسد خللها؟ وما دليل الحكم؟ ج: مستحب، لما ورد عن جابر بن سمرة ﵄ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف»» رواه مسلم. وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»، وعن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر، فيقول: «تراصوا واعتدلوا»» متفق عليهما، وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أتموا الصف الأول ثم الذي يليه؛ فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

стр. 188

س ٣٢٩: ما الذي تحصل به تسوية الصفوف؟ وما الدليل على ذلك؟ ج: تحصل بالمناكب، والصدور، والأعناق، والأكعب، لما ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: «لا تختلفوا تختلف قلوبكم»، وكان يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول»» رواه أبو داود بإسناد حسن. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصف صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله» رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «رصوا صفوفكم وقاربوا بينهما وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف» حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. س ٣٣٠: ما حكم تسوية الصفوف؟ وما الدليل على ذلك؟ وما الدليل على استحباب الميامن؟ ج: تسوية الصفوف مستحبة، لما ورد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة». وأما الدليل على أفضلية ميامن الصفوف، فهو ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم.

стр. 189

رجل مختلف في توثيقه، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك»» رواه مسلم. وروى ابن عمر ﵄ قال: «قيل للنبي ﷺ : إن ميسرة المسجدة قد تعطلت، فقال النبي ﷺ : «من عمر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر»» رواه ابن خزيمة وغيره. س ٣٣١: بين حكم علو الإمام عن المأموم، وعلو المأموم عن الإمام، واذكر دليل كل منهما، وما حكم اتخاذ المحراب؟ وما حكم الصلاة فيه؟ ج: يكره علو إمام عن مأموم؛ لأن عمار بن ياسر كان بالمدائن فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟» فقال عمار: فلذلك ابتعتك حين أخذت على يدي. رواه أبو داود. ولا بأس باليسر؛ «لأنه ﷺ صلى على المنبر ونزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثم عاد» الحديث متفق عليه. وأما علو المأموم عن الإمام فلا بأس ولو كان علوه كثيرًا. روى الشافعي عن أبي هريرة «أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام» رواه سعيد عن أنس؛ ولأنه يمكنه الاقتداء أشبه المتساويين، ويباح اتخاذ المحراب نصًا، وقيل: يستحب أومأ إليه أحمد، ويكره للإمام الصلاة فيه إذا كان يمنع المأموم مشاهدته، روي عن ابن مسعود وغيره؛ لأنه يستر عن بعض المأمومين أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب إلا من حاجة كضيق مسجد، وكثرة الجمع، فلا يكره لدعاء الحاجة.

стр. 190

س ٣٣٢: اذكر شيئًا مما يكره في حق الإمام والمأموم مقرونًا بالدليل. ج: يكره تطوع الإمام بعد صلاة مكتوبة موضعها، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه» رواه أبو داود؛ ولأن في تحوله إعلامًا بأنه صلى فلا ينتظر، ويكره مكث الإمام كثيرًا بعد المكتوبة مستقبل القبلة، وليس ثم نساء، لحديث عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه مسلم. ويستحب للمأموم أن لا ينصرف قبله للخبر إن لم يطل لبثه؛ فإن كان ثم نساء لبث هو والرجال قليلاً لينصرفن «لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك، قال الزهري: فنرى -والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال» رواه البخاري من حديث أم سلمة؛ ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء. ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم عرفًا. رواه البيهقي عن ابن مسعود، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا ننهي أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردًا» رواه ابن ماجه وفيه لين. وقال أنس: «كنا نتقي هذا على عهد النبي ﷺ » رواه أحمد وأبو داود، وإسناده ثقات؛ فإن كان ثم حاجة كضيق المسجد وكثرة الجماعة لم يكره. س ٣٣٣: ما حكم حضور المسجد لآكل بصل أو فجل أو نحوه؟ وما دليل الحكم؟ ج: يكره حضور المسجد لمن أكل ثومًا، أو بصلاً، أو فجلاً ونحوه حتى يذهب ريحه ولو خلا المسجد من آدمي لتأذي الملائكة؛ لحديث جابر أن

стр. 191

النبي ﷺ قال: «من أكل الثوم، والبصل، والكرات، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» متفق عليه، قال العلماء: وكذا جزار له رائحة منتنة، ومن له صنان، وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياسًا على أكل الثوم ونحوه بجامع الأذى. قال الناظم -رحمه الله تعالى-: ومن أكل المستخبث العرف فاكرهن … له أن يصلي في جماعة مسجد ٥٠ - فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة س ٣٣٤: ما هي الأعذار المسوغة لترك الجمعة والجماعة؟ ج: يعذر بترك جمعة وجماعة مريض، وخائف حدوث مرض ليسا بالمسجد، ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام هو محتاج إليه وله الشبع، ويعذر بترك الجمعة والجماعة من له ضائع يرجوه، أو يخاف ضياع ماله، أو يخاف فواته، أو يخاف ضررًا فيه أو يخاف ضررًا في معيشته يحتاجها، أو يخاف ضررًا في مال استؤجر لحفظن أو يخاف بحضور جمعة أو جماعة فوت قريبه، أو موت رفيقه، أو كان يتولى تمريضهما وليس من يقوم مقامه أو يخاف على نفسه من ضرر نحو لص، أو سلطان، أو من ملازمة غريم له ولا شيء معه، أو يخاف فوت رفقة بسفر أو غلبة نعاس يخاف به فوتها في الوقت إذا انتظر الجماعة، أو يخاف به فوتها مع الإمام، أو يخاف أذى بمطر ووحل، وثلج، وجليد، وريح باردة بليلة مظلمة، أو يخاف أذى بتطويل إمام، أو كان عليه قود يرجو العفو منه ولو على مال، وكذا عريان لم يجد سترة أو لم يجد غير ما يستر عورته في غير حاجة عراة ومن هو ممنوع من فعلها كالمحبوس والزلزلة.

стр. 192

س ٣٣٥: ما هي الأدلة الدالة على أن هذه الأعذار مسقطة للجمعة والجماعة؟ ج: أما المرض فلأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد وقال: «مُروا أبا بكر فليصل بالناس» متفق عليه. وأما الخائف حدوث مرض فلأنه في معنى المريض. وأما من بحضرة طعام محتاج إليه، ومن يدافع أحد الأخبثين؛ فلما ورد عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة» رواه البخاري. وعن عائشة قالت سمعت النبي ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي الدرداء قال: «من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ» ذكره البخاري في «صحيحه». وأما من له ضائع يرجوه أو يخاف ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه أو يخاف على مال استؤجر لحفظه، فلحديث ابن عباس مرفوعًا: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» رواه أبو داود. والخوف ثلاث أنواع: على المال من سلطان أو لص أو نحوه، وعلى نفسه من عدو، أو سيل، أو سبع، وعلى أهله وعياله، فيعذر في ذلك كله؛ لعموم الحديث، وكذا إن خاف موت قريبه نص عليه؛ لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد وهو يتجمر للجمعة، فأتاه بالعقيق وترك الجمعة. وأما الأذاء بمطر، ووحل، وجليد، وريح باردة بليلة مظلمة، فلحديث ابن عمر " أن النبي ﷺ كان يأمر المنادي فينادى بالصلاة صلوا في رحالكم في الليلة الباردة والليلة المطيرة في السفر " متفق عليه وروي في الصحيحين عن ابن عباس "في يوم مطير". وفي رواية لمسلم "وكان يوم جمعة " وأما تطويل الإمام، فلأن رجل صلى مع معاذ ثم انفرد فصلى وحده لمَّا طول

стр. 193

طول معاذ، فلم ينكر عليه النبي ﷺ حين أخبره؛ وأما الممنوع من فعلهما كالمحبوس، فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ومن «مختصر النظم» ما يلي: وعشرة أسباب لترك جماعة … وجمعة اختصت بعذر مجرد مريض ومن يخشى ضياع مريضه … وخوف ولاة أو غريم مشدد ومحتاج طعم حاضر قبل أكله … وذو نعسة أن يرقب الجمع يرقد ومن قد غدا للأخبثين مدافعًا … ومن إن توانى عن قوافل تبعد وراج وجود الماء يخشى فواته … ومن إن يغب عن مصلح المال يفسد وعذران عما التاركين اعتبرهما … بوحل ووبل العارض المتزيد وعذر عموم للجماعة مطلقًا … رياح شداد في دجى متصرد وإن وجد الزمني ومن خف سقمه … إلى جمعة طولا ولم يؤذ أطد وليس العمى عذر لترك جماعة … ولا جمعة مع طول هاد ومرشد ٥١ - باب صلاة أهل الأعذار س ٣٣٦: ما الحالات التي تلزم المريض لأداء المكتوبات؟ اذكرها على الترتيب؟ ج: تلزم المريض الصلاة قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا، وإن عجز فعلى جنبه، والأيمن أفضل؛ فإن عجز أومأ بطرفه؛ فإن عجز فبقلبه مستحضرًا القول والفعل، ولا تسقط ما دام العقل ثابتًا. س ٣٣٧: ما الدليل على هذه الحالات الثلاثة التي تلزم المريض؟ ج: قوله ﷺ لعمران ابن حصين: «صلي قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه الجماعة إلا مسلمًا، وزاد النسائي:

стр. 194

«فإن لم تستطع فمستلقيًا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها». س ٣٣٨: ما الدليل على أن الأيمن أفضل؟ وأنه يومئ إيماء ويجعل سجوده أخفض؟ ج: عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يصلي المريض قائمًا إن استطاع؛ فإن لم يستطع صلى قاعدًا؛ فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا رجلاه مما يلي القبلة» رواه الدارقطني. س ٣٣٩: إذا تعذر الإيماء من المستلقي فهل يجب عليه شيء بعد ذلك؟ ج: قيل: يومئ بطرفه ناويًا مستحضرًا للفعل والقول إن عجز عنه بقلبه كأسير خائف، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وقال في «الاختيارات الفقهية»: متى عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة ولا يلزمه الإيماء بطرفه، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد. والله أعلم. س ٣٤٠: إذا قدر على القيام في أثنائها من عجز عنه في أولها أو غير القيام؟ ج: إذا قدر على القيام في أثناء الصلاة انتقل إليه لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أو قدر على القعود ونحوه مما عجز عنه من كل ركن أو واجب في أثناء الصلاة انتقل إليه وأتمها؛ لأن المبيح العجز وقد زال؛ وأما الصلاة قبل أن كان العذر موجودًا وما بقي يجب أن يأتي بالواجب فيه. س ٣٤١: بين حكم صلاة المريض مستقليًا مع قدرته على القيام بقول طبيب؟ ج: له أن يصلي مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم

стр. 195

ثقة وهو العدل الضابط، وذلك لأنه ﷺ صلى جالسًا حين جحش شقه، والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام بل فعله إما للمشقة أو إن لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل صونًا لجزء من ماله وترك الصوم لأجل المرض، ودلت الأخبار على جواز ترك القيام في صلاة الفرض على الراحلة خوفًا من ضرر الطين على ثيابه وبدنه، وأم سلمة تركت السجود لرمد بها. والله أعلم. س ٣٤٢: بين حكم الصلاة في السفينة، مع ذكر ما تستحضره من الأدلة؟ ج: ولا تصح صلاة الفرض في السفينة من قاعد مع القدرة على القيام، لما ورد عن ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: «سألت النبي ﷺ كيف أصلي في السفينة؟ قال: «صل قائمًا إلا أن تخاف الغرق»» رواه الدارقطني وأبو عبد الله الحاكم على شرط الصحيحين، وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: «صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة فصلوا قيامًا في جماعة أمهم بعضهم وهم يقدرون على الجد» رواه سعيد في «سننه». س ٣٤٣: بين متى تصح الصلاة الفريضة على الراحلة؟ مع ذكر الدليل. ج: وتصح الصلاة المكتوبة على راحلته واقفة أو سائرة، لتأذي بوحل ومطر ونحوه، لما روى يعلى بن أمية «أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع» رواه أحمد والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم وفعله أنس، ذكره أحمد ولم ينقل عن غيره خلافه.

стр. 196

س ٣٤٤: هل تصح المكتوبة على الراحلة لغير الوحل والمطر ونحوه؟ ج: نعم تصح أيضًا عليهم، لخوف انقطاع عن رفقة، أو خوف على نفسه إن نزل: من سبع أو سيل، أو عدو، أو عجز عن ركوبه إن نزل للصلاة فإن قدر ولو بأجرة يقدر عليها نزل، والمرأة إن خافت تبرز وهي خفرة صلت على الراحلة، وكذا من خاف حصول ضرر بالمشي، ذكرهما في «الاختيارات» (ص ٧٤)، ولا تصح مكتوبة على راحلة لمرض؛ لأنه لا أثر للصلاة عليها. س ٣٤٥: ماذا يلزم من صلى على الراحلة المكتوبة لعذر؟ وماذا يعمل من بماء وطين أو مربوط أو نحوه؟ ج: يلزم من صلى على الراحلة الاستقبال وما يقدر عليه من ركوع أو سجود أو بإيماء بهما وطمأنينة، لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ومن أتى بكل فرض وشرط لمكتوبة أو نافلة وصلى على الراحلة أو صلى بسفينة ونحوها سائرة أو واقفة ولو بلا عذر من نحو مطر أو مرض صحت صلاتهُ لاستيفائها ما يعتبر لها، ومن بماء وطين لا يمكنه الخروج منه يومئ بركوع وسجود كمصلوب، ومربوط، ويسجد غريق على متن الماء، ولا إعادة في الكل لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ٥٢ - فصل في القصر س ٣٤٦: بين حكم قصر الصلاة في السفر مقرونًا بالدليل؟ ج: يسن قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، لما ورد عن عمر قال: «صحبت النبي ﷺ وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك» متفق عليه. وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ

стр. 197

أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه الجماعة إلا البخاري، وقد تواترت الأخبار أن البني ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجًا، ومعتمرًا، وغازيًا، قال أنس: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع، وأقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة» وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». س ٣٤٧: اذكر ما تستحضره من رخص السفر؟ ج: أولاً: قصر الصلاة، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين. ثانيًا: الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت إحداهما. ثالثًا: الفطر في رمضان. رابعًا: الصلاة النافلة على الراحلة إلى جهة سيره. خامسًا: المسح على الخفين، والعمامة والخمر ثلاثة أيام بلياليها. سادسًا: أنه موسع للإنسان في ترك الرواتب في سفره ولا يكره له ذلك مع أنه يكره تركها في الحضر. سابعًا: ما ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا». ثامنًا: أن الجمعة لا تجب على مسافر سفر قصر. والله أعلم، وصلى الله على محمد. س ٣٤٨: بين هل مسافة القصر محددة؟ واذكر ما تستحضره من خلاف. ج: قيل: إنه لابد أن يكون السفر طويلاً أربعة يرد، وهي ستة عشر فرسخًا، كل فرسخ ثلاثة أميال، لما روى ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة، لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد ما بين عسفان إلى مكة، وكان ابن عباس وابن عمر لا يقصران في أقل من أربعة برد، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والشد، فجاز فيها القصر كمسيرة ثلاثة أيام، واختار الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: تقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرًا سواء قل

стр. 198

أو كثر ولا يتقدر بمدة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب «المغني» فيه سواء كان مباحًا أو حرامًا، ونصره ابن عقيل في موضع. وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي، وسواء نوي الإقامة أكثر من أربعة أيام أو لا هذا عن جماعة من الصحابة، وقرر أبو العباس قاعدة نافعة، وهي: أن ما أطلقه الشارع يعمل بمقتضى مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده. وقال الناظم مشيرًا إلى اختيار شيخ الإسلام: وقال إمام العصر لا حجة لهم … على ذا ولكن باسمه فليحدد وقال الشيخ سلميان بن سحمان مشيرًا إلى ذلك: وقد قصروا، أعني الصحابة، دون ما … يقدره من فرسخ بالتعدد فما حدد المعصوم قدر مسافة … لفطر ولا قصر فهل أنت مقتد وما اختاره الشيخ تقي الدين هو الأرجح عندي، لظاهر القرآن؛ فإن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض؛ ولأن الحكمة وهي المشقة التي علق الشارع عليها التخفيفات موجودة في قصير السفر وطويله. والله أعلم. س ٣٤٩: بين البريد والفرسخ والميل؟ ج: البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية، وبأميال بني أمية ميلان ونصف، والهاشمي اثنا عشر ألف قدم ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعًا معترضة عرض كل أصبع منها ست حبات شعير بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون، وقال ابن حجر في «شرح البخاري»: الذراع الذي ذكر قد حرر بذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع، ومائتان وخمسون ذراعًا، قال: وهذه فائدة نفيسة قل من ينتبه لها. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 199

س ٣٥٠: بين أحكام ما يلي: من ائتم بمن يلزمه الإتمام، من قصر ثم رجع قبل استكمال المسافة، من ذكر صلاة حضر في سفر، أو سفر في حضر. ج: أما الأولى، فيلزمه الإتمام؛ لأن ابن عباس سُئل: «ما بال المسافر يصلي ركعتين حال الانفراد وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السُّنة» رواه أحمد؛ وأما من قصر ثم رجع قبل استكمال المسافة، فلا إعادة عليه؛ وأما من ذكر صلاة حضر في سفر فيتمها؛ لأن القضاء معتبر بالأداء وهو أربع، وكذا من ذكر صلاة سفر في حضر فيتم؛ لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله. س ٣٥١: بين حكم ما إذا ذكر صلاة سفر في آخر، وحكم ما إذا أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة، وحكم ما إذا حبس ولم ينو الإقامة؟ ج: في الأولى يقصر؛ لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر كما لو قضاها في نفسه، وفي المسألة الثانية: يقصر أبدًا؛ «لأنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» رواه البخاري، «ولما فتح مكة أقام بها سبعة عشر يومًا يصلي ركعتين» رواه البخاري. وقال أنس: «أقام أصحاب رسول الله ﷺ برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة»، وقال نافع: «أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حبسه الثلج»، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: «أقمت معه سنتين بكابل يقصر الصلاة ولا يجمع»؛ وأما من حبس ولم ينو إقامة فإنه يقصر أبدًا.

стр. 200

٥٣ - فصل في الجمع بين الصلاتين س ٣٥٢: ما حكم الجمع بين الصلاتين؟ ج: يجوز في ثمان حالات: أولاً: في سفر قصر، ولمريض يلحق بتركه مشقة، ولمرضع، ومستحاضة ونحوها، ولعاجز عن الطهارة بالماء أو التيمم لكل صلاة ولعاجز عن معرفة الوقت، ولعذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، ولشغل كذلك. س ٣٥٣: ما الدليل على إباحة الجمع بسفر القصر بين الظهر والعصر، وبين العشاءين؟ ج: ما ورد عن معاذ «أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر جميعًا ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب. وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل في سفر قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما؛ فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» متفق عليه. س ٣٥٤: أيهما أفضل: الجمع أو تركه؟ والقصر أم تركه؟ ج: ترك الجمع أولى للاختلاف فيه غير جمعي عرفة ومزدلفة؛ وأما القصر فهو أفضل من الإتمام. قال في «الشرح»: القصر أفضل من الإتمام في قول جمهور العلماء، ولا نعلم أحدًا خالف فيه إلا الشافعي في أحد قوليه، قال: الإتمام أفضل؛ لأنه أكثر عملاً وعددًا، وهو الأصل، فكان أفضل كغسل الرجلين ولنا أن النبي ﷺ كان يداوم على القصر.

стр. 201

قال ابن عمر: «صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله» متفق عليه، ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعًا استرجع، وقال: صليت مع النبي ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق ولوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان. س ٣٥٥: ما الدليل على إباحة الجمع للمريض الذي يلحقه بتركه مشقة؟ ج: «لأن النبي ﷺ جمع من غير خوف، ولا مطر، وفي رواية من غير خوف ولا سفر» رواهما مسلم من حديث ابن عباس، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جوازًا الجمع للمستحاضة، وهي نوع مرض واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر، وقد روي عن أبي عبد الله -رحمه الله تعالى- أنه قال في هذا الحديث رخصة للمريض والمرضع. س ٣٥٦: ما الدليل على إباحته للمرضع والمستحاضة ونحوها؟ والعاجز عن الطهارة بماء أو تيمم لكل صلاة؟ والعاجز عن معرفة الوقت كالأعمى؟ ج: أما المرضع، فلمشقة كثرة النجاسة، وأما المستحاضة ونحوها، كذي سلس وجرح لا يرقأ دمه، فلقوله ﷺ لحمنة حين استفته في الاستحاضة: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخري المغرب وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ويقاس عليه صاحب السلس ونحوه، والعاجز عن الطهارة بماء أو تيمم لكل صلاة؛ لأنه في معنى المريض، والمسافر؛ وأما العاجز عن معرفة الوقت فأومأ إليه أحمد؛ ولكن محله كما قال بعض العلماء: إذا تمكن من معرفة الوقت في أحد الوقتين؛ وأما إذا استمر معه الجهل فلا فائدة في ذلك.

стр. 202

س ٣٥٧: ما مثال العذر الذي يبيح ترك جمعة وجماعة؟ وما مثال الشغل الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة ويبيح وجودهما أو أحدهما الجمع بين الصلاتين؟ ج: مثال الأول: خوفه على نفسه، أو ماله أو حرمته، ومثال الثاني: من له شغل يخاف بتركه ضررًا في معيشته يحتاجها. س ٣٥٨: ما الذي يختص به الجمع بين العشاءين؟ واذكر ما تستحضره من خلاف. ج: يختص بالعشاءين ثلج، وبرد، وجليد، ووحل وريح شديدة باردة ومطر يبل الثياب ويوجد معه مشقة؛ «لأنه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة» رواه النجاد بإسناد، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان. وروى الأثرم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: «إن من السُّنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء»، ولمالك في «الموطأ» عن نافع «أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم»، وقال أحمد في الجمع في المطر: «يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق كذا صنع ابن عمر» ولا يجمع بين الظهر والعصر للمطر. قيل لأبي عبد الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا ما سمعته. وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد، وقول مالك، وقال أبو الحسن التميمي فيه قولان: أحدهما: يجوز اختاره القاضي وأبو الخطاب وهو مذهب للشافعي، لما روى يحيى بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر «أن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر»؛ ولأنه معنى أباح الجمع فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر، واستدل أهل القول الأول أن مستند الجمع ما ذكر من قول أبي سلمة والإجماع، ولم يرد إلا المغرب والعشاء وحديثهم لا يصح؛ فإنه غير مذكور في الصحاح والسنن، وقول أحمد: ما سمعت يدل على أنه ليس بشيء، ولا يصح القياس على المغرب والعشاء لما بينهما من المشقة لأجل الظلمة

стр. 203

ولا القياس على السفر؛ لأن مشقته لأجل السير وفوات الرفقة وهو غير موجود هاهنا. س ٣٥٩: هل يجوز الجمع لمنفرد؟ ولمن طريقه تحت ساباط يمنع وصول المطر إليه؟ أو من كان مقامه في المسجد أو لمن يصلي في بيت؟ ج: يجوز، لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها، كالسفر وكإباحة المسجد في حق من لي له إليه حاجة، وقد روي «أنه ﵇ جمع في مطر وليس بين حجرته ومسجده شيء». س ٣٦٠: ما الأفضل لمن أبيح له الجمع؟ واذكر الدليل على ما تقول؟ ج: الأفضل فعل الأرفق به من تقديم وتأخير سوى جمعي عرفة ومزدلفة إن عدم الأرفق، فالأفضل بعرفة التقديم، ومزدلفة التأخير، وإن استويا فتأخير أفضل؛ أما الدليل على أن فعل الأرفق هو الأفضل، فهو ما ورد عن مالك في «الموطأ» عن أبي الزبير عن أبي الطفيل «أن معاذًا أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: وأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا». قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الإسناد. س ٣٦١: ما الذي يشترط للجمع في الأولى؟ واذكر ما تستحضره من خلاف. ج: يشترط أربعة شروط: أولاً: نيته عند إحرامها. ثانيًا: أن لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف. قال في «الشرح»: ويعتبر أن لا يفرق بينهما إلا تفريقًا يسيرًا والمرجع في اليسير إلى العرف والعادة، وقدره بعض أصحابنا بقدر الوضوء والإقامة؛ والصحيح أنه لا حد له؛ لأن التقدير بابه التوقيف، فما لم يرد فيه توقيف فيرجع فيه إلى العادة كالقبض

стр. 204

والحرز، فإن فرق بينهما تفريقًا كثيرًا بطل الجمع، واختار الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: لا موالاة في الجمع في الأولى، قال: وهو مأخوذ من نص أحمد في جمع المطر إذا صلى إحدى الصلاتين في بيته، والأخرى في المسجد، فلا بأس، ومن نصه في رواية أبي طالب والمروذي: للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق، وعلله أحمد بأنه يجوز الجمع، وقال: لا يشترط للقصر والجمع نية، واختاره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره. انتهى من «الاختيارات الفقهية» (صحيفة ٧٤)، وهذا القول عندي أنه أقوى دليلاً؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل التكبير نويت الجمع ولا القصر ولا الأمر، بذلك ولو كان شرطًا لنقل نقلاً مشتهرًا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم. ووجه اشتراط الموالاة؛ لأن معنى الجمع: المقارنة والمتابعة، ولا يحصل مع تفريق بأكثر من ذلك. والشرط الثالث: وجود العذر المبيح للجمع عند افتتاحهما، وعند سلام الأولى. والشرط الرابع: استمرار العذر في غير جمع مطر ونحوه إلى فراغ الثانية. س ٣٦٢: إذا أحرم بالأولى ناويًا الجمع لمطر ثم انقطع أو انقطع سفر بإحدى المجموعتين، فما الحكم؟ وضح ذلك توضيحًا شافيًا، ووضح ما إذا انقطع بعد أحدهما؟ ج: إذا أحرم الأولى منهما ناويًا الجمع، ثم انقطع ولم يعد؛ فإن حصل وحل لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل ناشئ عن المطر وهو من الأعذار المبيحة أشبه ما لو لم ينقطع المطر، وإن لم يحصل وحل بطل الجمع، وإن انقطع سفر بأولى المجموعتين بأن نوى الإقامة أو رست به السفينة على وطنه بطل الجمع والقصر لانقطاع السفر فيتمها، وتصح فرضًا لأنها في وقتها وإن انقطع سفر بثانية المجموعتين بطل الجمع والقصر ويتمها نفلاً، وإن انقطع بعدهما فلا إعادة، ومرض في جمع كسفر؛ فإن عوفي بالأولى أتمها وصحت في الثانية صحت نفلاً، وبعدهما أجزأتا. س ٣٦٣: ما الذي يشترط الجمع في ثانية المجموعتين؟ ووضح ما لو صلاهما خلف إمامين أو خلف من لم يجمع أو أحدهما منفردًا والأخرى جماعة، أو صلى إمامًا بمأموم الأولى، وصلى بمأموم آخر الثانية؟ واذكر فائدة الجمع بين الصلاتين؟

стр. 205

ج: يشترط لجمع بوقت ثانية وهو جمع التأخير شرطان: أحدهما: نيته أي الجمع بوقت أولى المجموعتين ما لم يضق عن فعلها لفوات فائدة الجمع، وهو التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين؛ ولأن تأخيرها إلى ضيق الوقت عن فعلها حرام فينافي الرخصة، وهي الجمع، والشرط الثاني: بقاء العذر إلى دخول وقت ثانية؛ لأن المبيح للجمع العذر؛ فإن لم يستمر إلى وقت الثانية إلى المقتضى للجمع، فامتنع كمريض بره ومسافر قدم، ولا يشترط غير ما مر، فلو صلاهما خلف إمامين أو صلاهما خلف من لم يجمع صح، أو صلى إحداهما منفردًا أو صلى الأخرى جماعة أو صلى إمامًا بمأموم الأولى وصلى بمأموم آخر الثانية، أو صلاهما إمامًا بمن لم يجمع صح لعدم المانع. ٥٤ - فصل في صلاة الخوف س ٣٦٤: ما حكم صلاة الخوف؟ وما سندها من الكتاب والسُّنة؟ ج: تصح صلاة الخوف إن كان القتال مباحًا حضر أو سفر؛ أما دليلها من الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية؛ وأما السُّنة: فثبت أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الخوف، وحكمها باق في قول جمهور أهل العلم، وأجمع الصحابة ﵃ على فعلها، وصلاها علي وأبو موسى وحذيفة. س ٣٦٥: إذا كان العدو في جهة القبلة، فما صفة صلاة الخوف؟ ج: صفتها كما روى جابر قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ فكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه

стр. 206

من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا» رواه مسلم. س ٣٦٦: اذكر صفة ثانية من صفات صلاة الخوف، وما الذي قاله الإمام أحمد نحوها؟ ج: الوجه الثاني: إذا كان العدو في غير القبلة، فصفتها كما ورد عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف «أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاء العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته فأتموا لأنفسهم فسلم بهم» رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وفي رواية للجماعة عن صالح ابن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ بمثل هذه الصفة، قال الإمام أبو عبد الله -رحمه الله تعالى: صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة، كل ذلك جائز لمن فعله. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله -رحمه الله تعالى-: تقول بالأحاديث كلها أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن؛ فأما حديث سهل فأنا أختاره. س ٣٦٧: ما هي الصفة الثالثة لصلاة الخوف؟ ج: صفتها كما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: «صلى النبي صلى الله

стр. 207

عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك وصلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة» متفق عليه. س ٣٦٨: إذا شد الخوف وتواصل الطعن والضرب، والكر والفر، ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما سبق، فماذا تكون صفة تأديتها واذكر الدليل؟ ج: إذا حصل مثل هذا صلوا رجالاً وركبانًا للقبلة وغيرها، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ قال ابن عمر: «فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قيامًا على أقدامهم مستقبلين القبلة وغير مستقبليها» متفق عليه. زاد البخاري: قال نافع: «لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي ﷺ » ورواه ابن ماجه مرفوعًا. س ٣٦٩: ما حكم حمل السلاح في صلاتها؟ وإذا خاف على نفسه فكيف تكون تأديته لصلاته؟ وكيف يأتي بالركوع والسجود واذكر الدليل على ما تقول؟ ج: يسن حمل ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله، كسيف وسكين، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ولمفهوم قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ ولأنهم لا يأمنون أن يفاجئهم العدو، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ الآية، وإذا خاف على نفسه يصلي على حسب حاله، ويفعل كل ما يحتاج إليه من هرب أو غيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية، ويؤمنون بركوع وسجود طاقتهم والسجود أخفض من الركوع؛ لأنهم لو تمموا الركوع والسجود لكانوا هدفًا لأسلحة العدو ومعرضين أنفسهم للهلاك.

стр. 208

٥٥ - باب صلاة الجمعة س ٣٧٠: ما حكم صلاة الجمعة؟ وما الأصل في فرضها؟ ولم سميت جمعة؟ ج: أولاً: الجمعة سميت جمعة، قيل: لجمعها الخلق الكثير، وقيل: إنما سميت جمعة لجمعها الجماعات، وهو قريب من الأول، وقيل: لجمع طين آده فيها، وقيل: لأن آدم جمع فيها خلقه، قال الزركشي: واشتقاقها من اجتماع الناس للصلاة قاله ابن دريد. وقيل: بل لاجتماع الخليفة فيه وكمالها. ويروى عنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- «أنها سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء في الأرض» انتهى من «الإنصاف»؛ وأما الأصل في مشروعيتها فهو الكتاب والسُّنة والإجماع؛ وأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ﴾ فأمر بالسعي ويقتضي الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى الواجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها؛ وأما السُّنة فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» رواه أحمد ومسلم، وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» رواه مسلم، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس، وعن أبي الجعد الضمري، وله صحبة أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه» رواه الخمسة، ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر ونحوه. وإياك والتفريط في جمعة بها … قد اختص رب الخلق أمة أحمد ففي يومها يعطي المزيد لفائز … فينظر من غير كيف فقيد وفي تركها من غير عذر ثلاثة … يران على قلب الغفول البعد

стр. 209

س ٣٧١: على من تجب صلاة الجمعة؟ وهل تجب على العبد؟ ج: تجب على كل ذكر مسلم مكلف مستوطن ببناء يشمله اسم واحد؛ أما كونه مسلمًا مكلفًا، فلأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف والعبادة، فلا تجب على مجنون إجماعًا، ولا على صبي في الصحيح من المذهب، لما روى طارق بن شهاب مرفوعًا: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود؛ وأما كونه ذكر فلأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال؛ وأما كونها لا تجب على المسافر، فلأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير. وأما العبد، فقيل: لا تجب عليه الجمعة، لحديث طارق ابن شهاب وتقدم، ولما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضًا أو مسافرًا أو امرأة أو صبيًا أو مملوكًا» رواه الدارقطني، والقول الثاني: أنها تجب عليه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وعن حفصة أن النبي ﷺ قال: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» رواه النسائي، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود والدارقطني، وقال فيه: «إنما الجمعة على من سمع النداء»، وهذا القول عندي أنه أقوى دليلاً؛ لأن النصوص الصحيحة عامة في دخولهم. والله أعلم. س ٣٧٢: هل الجمعة مستقلة أم بدل من الظهر؟ وما معنى كونها فرض الوقت؟ ج: هي مستقلة وليست بدلاً عن الظهر، ومعنى كونها فرض الوقت أي يتعين لها، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة لم تصح ظهرهم؛ لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به وتركوا ما خوطبوا به كما لو صلوا العصر مكان الظهر.

стр. 210

س ٣٧٣: هل تؤخر الفائتة لخوف فوات الجمعة؟ وهل تقتضي الجمعة إذا فاتت؟ ج: نعم تؤخر فائتة لخوف فوتها؛ لأنه لا يمكن تداركها بخلاف غيرها من الصلوات، ولا تقضي إذا فاتت لكن الظهر بدل عنها. س ٣٧٤: إذا حضر الجمعة مسافر أو امرأة أو خنثى، فما الحكم؟ ج: تجزئه عن الظهر لأن إسقاط الجمعة عنهم تخفيف فإذا صلاها فكالمريض إذا تكلف المشقة. س ٣٧٥: إذا حضر الجمعة مريض ونحوه فهل تجب عليه؟ وهل تنعقد به؟ ج: إذا حضرها مريض أو خائف على نفسه، أو ماله، أو أهله أو نحوه ممن له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة، وجبت عليه وانعقدت به وجاز أن يؤم فيها؛ لأن الساقط عنه الحضور للمشقة فإذا تكلفها وحضر تعينت عليه كمريض المسجد. س ٣٧٦: إذا صلى الظهر من عليه حضور الجمعة، فما الحكم؟ ج: لا تصح صلاة الظهر يوم الجمعة ممن يلزمه حضورها بنفسه أو غيره قبل تجميع الإمام، ولا مع شكه في تجميع الإمام؛ لأنها فرض الوقت، فقد صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به أشبه ما لو صلى العصر مكان الظهر. س ٣٧٧: إذا صلى المعذور قبل تجميع الإمام ثم زال عذره قبل تجميع الإمام، فما الحكم؟ ج: تصح من معذور قبل تجميع الإمام بشرط أنه قد دخل وقت الظهر؛ لأنه فرضه وقد أداه ولو زال عذره قبله كمعضوب حج عنه ثم عوفي إلا الصبي إذا بلغ، والأفضل لمن لا تجب عليه أن يؤخر الصلاة حتى يصلي الإمام الجمعة فيصلي بعده. س ٣٧٨: بين حكم السفر في يوم الجمعة؟ واذكر الدليل أو التعليل على ما تقول؟

стр. 211

ج: يحرم سفر من تلزمه في يومها بعد الزوال حتى يصلي الجمعة لاستقرارها في ذمته بدخول وقتها، فلم يجز له تفويتها بالسفر بخلاف غيرها من الصلوات لإمكان فعلها حال السفر إن لم يخف فوت رفقته؛ فإن خافه سقط عنه وجوبها وجاز له السفر؛ وأما قيل الزوال فيكره لمن هو من أهل وجوبها خروجًا من الخلاف ولم يحرم، لقول عمر ﵁: «لا تحبس الجمعة عن سفر» رواه الشافعي في «مسنده» وكما لو سافر من الليل، ولأنها لا تجب إلا بالزوال وما قبله وقت رخصة ومحل الكراهة إن لم يأت مسافر بها في طريقه؛ فإن أتى بها في طريقه لم يحرم. س ٣٧٩: ما هي شروط صحة صلاة الجمعة؟ ج: شروط صحتها أربعة: أحدها: الوقت. ثانيًا: حضور العدد المعتبر. ثالثًا: أن يكونوا بقرية مستوطنين. رابعًا: تقدم خطبتين. س ٣٨٠: ما أول وقت الجمعة وما آخره؟ ومتى تلزم؟ ودلل على ما تقول. ج: يدخل وقتها من أول وقت صلاة العيد، أي من ارتفاع الشمس قيد رمح، وآخره آخر وقت الظهر، وتلزم بالزوال؛ لأن ما قبله وقت جواز؛ أما الدليل على أول وقتها، فلحديث عبد الله بن أسيد السلمي قال: «شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدته مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره» رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر فكان إجماعًا. وعن جابر «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريح حين تزول الشمس» رواه أحمد ومسلم، وعن سهل ابن سعد قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة» رواه الجماعة. وقيل: إن أول وقتها كوقت الظهر بعد الزوال، لما ورد عن سلمة

стр. 212

ابن الأكوع ﵁ قال: «كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» أخرجاه، وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس» رواه أحمد والبخاري، وأبو داود والترمذي. وفعلها بعد الزوال أفضل خروجًا من الخلاف، ولأنه الوقت الذي كان ﷺ يصليها فيه في أكثر أوقاته. والله أعلم. س ٣٨١: بين الحكم إذا شك في خروج الوقت؟ وإذا لم يتم العدد المعتبر إلا بالإمام. ج: لا تسقط الجمعة بشك في خروج الوقت؛ لأن الأصل عدمه والوجوب محقق، وإذا كان الإمام من أهل وجوبها فيتم به العدد ويصلون جمعة، لقول كعب بن مالك: «أول من جمع بنا سعد بن زرارة في هزم النبيت في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً» رواه أبو داود. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أكان يأمر النبي ﷺ ؟ قال: نعم. وقال أحمد: بعث النبي ﷺ مصعب إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة. وقال جابر: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر» رواه الدارقطني. وقيل: تنعقد باثنين، واستدلوا بأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ورأوا أنه لم يثبت دليل شرعي على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نص من رسول الله ﷺ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وقيل: بثلاثة اختاره الأوزاعي، والشيخ تقي الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا جمع وأقله ثلاثة، وقيل: بخمسين،

стр. 213

لما روى أبو هريرة ﵁ قال: «لما بلغ أصحا رسول الله ﷺ خمسين جمع بهم» رواه النجاد. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم. س ٣٨٢: ما الذي تدرك به الجمعة؟ وما الذي تدرك به صلاتها؟ ج: تدرك بإدراك ركعة قبل خروج وقتها، لما تقدم في حديث أبي هريرة وعائشة في جواب سؤال سابق، وكذا صلاتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة، لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته» رواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني، واللفظ له وإسناده صحيح، لكن قوى أبو حاتم إرساله. ولما روى البيهقي عن أبي مسعود، وابن عمرو عن أبي هريرة مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك الصلاة» رواه الأثرم، وتقدم بعض الأدلة في جواب سؤال سابق. س ٣٨٣: ماذا يلزم من أحرم مع الإمام ثم زحم عن السجود بالأرض؟ ج: يلزمه السجود مع إمامه ولو على ظهر أخيه، أو رجله، لقول عمر «إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه» رواه أبو داود الطيالسي، وسعيد، وكالمريض يأتي بما يمكنه ويصح؛ فإن لم يمكنه السجود على ظهر إنسان أو رجله، فإذا زال الزحام سجد بالأرض ولحق إمامه إلا أن يخاف فوت الركعة الثانية مع الإمام؛ فإن خافه فإنه يتابعه فيها وتصير ثانية الإمام أولاه ويتمها جمعة. س ٣٨٤: إذا لم يتابع المأموم المزحوم في الثانية مع خوف فوتها، فما الحكم؟ ج: إن لم يتابعه المأموم المزحوم في الثانية مع خوف فوتها عالمًا بتحريمه بطلت صلاته، لتركه واجب المتابعة بلا عذر، وإن جهل تحريم عدم متابعته

стр. 214

فسجد سجدتي الركعة الأولى ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة ثانية بعد سلامه وصحت جمعته؛ لأن أدرك مع الإمام منها ما تدرك به الجمعة وهو ركعة. س ٣٨٥: ما حكم صلاتهما فيما قارب البنيان من الصحراء؟ ج: تصح إقامتها فيه؛ «لأن أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة» أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح، قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة. س ٣٨٦: إذا نقص العدد المعتبر قبل إتمام الجمعة، فما الحكم؟ وإذا أدرك مع الإمام منها أقل من ركعة، فما الحكم؟ ج: إن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا إن لم يمكن فعل الجمعة مرة أخرى، ومن أدرك مع الإمام منها أقل من ركعة يتمها ظهرًا إذا كن نوى صلاة الظهر ودخل وقتها وإلا انقلبت نفلاً؛ أما في الأولى فكمن أحرم بفرض فبان قبل وقته. وأما في الثانية فلحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأن الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء فكذا استدامة. س ٣٨٧: بين ما تستحضره من شروط لصحة الخطبتين مع ذكر ما تستحضره من خلاف؟ ج: أولاً: تذكر دليلاً للخطبتين، قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو الخطبة، فأمر بالسعي إليها فيكون واجبًا، لمواظبته ﵊ عليها مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعن عمر وعائشة ﵄ «قصرت الصلاة من أجل الخطبة»، وعن جابر بن سمرة قال: «كانت للنبي خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا» رواه مسلم. وعن ابن عمر قال:

стр. 215

«كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون اليوم» رواه الجماعة، ومما يشترط حمد الله، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجزم -أي مقطوع- البركة» رواه أبو داود، ورواه الجماعة مرسلاً. وروى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا تشهد قال: «الحمد له»». ويتعين هذا اللفظ في قول الجمهور، وقال جابر: «كان رسول الله ﷺ يخطب الناس بحمد الله ويثني عليه بما هو أهله» الحديث. ثانيًا: الصلاة على رسول الله ﷺ ، واختار لشيخ تقي الدين أن الصلاة عليه -أفضل الصلاة والسلام- واجبة لا شرط، قاله في «الإنصاف». وقال في «الشرح الكبير»: ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ لم يذكر ذلك في خطبته. اهـ. والدليل على ذلك: أن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر نبيه كالأذان؛ ولأنه قد روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي. ويتعين لفظ الصلاة أو يشهد أنه عبد الله ورسوله. ثالثًا: قراءة آية من كتاب الله ، لما روى جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ آيات ويذكر الناس» رواه مسلم، ولما روى الشعبي قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، وقال: «السلام عليكم» ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر يفعلانه»
следующие страницы →