Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
(١٠) إجارة المغصوب والمقبوض بعقد فاسد وحكم تصرف
الغاصب والاختلاف في قيمة المغصوب وحكم الرهون والأمانات
والغصوب المجهول أربابها وما حول ذلك من بحوث
س ١٠: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: المغصوب والمقبوض بعقد فاسد مدة مقامه باليد، إجارة المغصوب المعجوز عن رده المقبول قوله في وقت التلف الذي لا تلزم أجرته، غصب قن ذي صنائع، حكم تصرف الغاصب في المغصوب، الاتجار بعين المغصوب، الاختلاف في قيمة المغصوب، من بيده غصوب أو رهون أو أمانات لا يعرف ملاكها، من عدم المباح وأراد أن يأكل، من نوى جحد ما بيده من الغصوب أو الرهون أو الأمانات فالثواب لمن، رد ما غصبه على الورثة، إذا ردّ ورثة غاصب بعد موته وما يتعلق بذلك؟ واذكر الدليل والتعليل والقيود والمحترزات والخلاف والترجيح.
ج: ما صحت إجارته من مغصوب ومقبوض بعقد فاسد كرقيق ودواب وسفن وعقار فعلى غاصب وقابض بعقد فاسد أجرة مثله مدة مقامه بيده.
وقال ابن نصر الله في «حواشي المحرر»: وينبغي تقييده بما إذا كان والقابض عالمًا بفساد العقد، أما إن كان جاهلاً فينبغي أن يكون حكمه في الضمان حكم القابض من الغاصب إذا كان جاهلاً في أنه يضمن ذلك فيما التزم ضمانه لا غيره.
فتضمن منافعه بالفوات والتفويت سواء استوفى المنافع أو تركها ألا تذهب؛ لأن كل ما يضمنه بالإتلاف بالعقد الفاسد جاز أن يضمنه
стр. 1892
بمجرد التلف كالأعيان، ولأن المنفعة مال متقوم فوجب ضمانه كالعين ومن لم يوجب الأجر على الغاصب احتج بحديث «الخراج بالضمان».
ولا ضمان على الغاصب؛ لأنه استوفى منفعة بغير عقد ولا شبهة ملك أشبه ما لو زنى بامرأة مطاوعة والجواب بأن كل ما ضمنه بالإتلاف بالعقد الفاسد جاز أن يضمنه بمجرد الإتلاف كالأعيان، ولأنه أتلف متقومًا فوجب ضمانه كالأعيان أو يقال مال متقوم مغصوب فوجب كالعين.
وأما الخبر فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب إجماعًا ولا يشبه الزنا، فإنها رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض، ولا عقد يقتضي العوض فكأنه بمنزلة من أعاره داره ولو أكرها عليه لزمه مهرها ولو غصب جارية ولم يطأها ومضى عليها زمن يمكن الوطء فيه لم يضمن مهرها؛ لأن منافع البضع لا تتلف بلا استيفاء بخلاف غيرها، ولأنها لا تقدر بزمن فيتلفها مضي الزمان بخلاف المنفعة ومع عجز غاصب عن رد مغصوب تصح إجارته كعبد أبق وجمل شرد فعليه أجرته إلى وقف أداء قيمته.
فإن قدر الغاصب على المغصوب بعد عجزه عنه لزمه رده لمالك، وكذا مقبوض بعقد فاسد ولا أجرة له على غاصب وقابض من حين دفع بدله إلى ربه؛ لأن مالكه بأخذ قيمته استحق الإنتفاع ببدل الذي هو قيمته فلا يستحق الإنتفاع به وببدله ومنافع المقبوض بعقد فاسد يجب الضمان في صحيحه كبيع وإجارة كمنافع المغصوب يضمنها قابضها بالفوات والتفويت سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب بخلاف عقود الأمانات كالوكالة والوديعة والمضاربة وعقود التبرعات كالهبة والوصية والصدقة فلا ضمان في صحيحها؛ ولهذا يرجع من غرم بسبب ذلك شيئًا بما غرمه.
ومع تلف مغصوب أو مقبوض بعقد فاسد فالواجب على قابضه
стр. 1893
أجرة مثله إلى تلفه؛ لأنه بعده لا منفعة له تضمن كما لو أتلف بلا غصب أو قبض ويقبل قول غاصب وقابض في تلفه فيطالبه مالكه ببدله.
ويقبل قول الغاصب والقابض بعقد فاسد في وقت التلف لتسقط عنه الأجرة من ذلك الوقت بيمينه؛ لأنه منكر ويقبل قوله في تلف المغصوب ليطالب متلفه ببدله إن كان مثليًا وبقيمه إن كان متقومًا.
وألا تصح إجارة المغصوب بأن لم تجر عادة بإجارته غالبًا فلا تلزم غاصبه ولا قابضه أجرة كغنم وشجر وطير ولو قصد صوته وكشمع ومطعوم ومشروب مما لا منافع له يستحق بها عوض غالبًا فلا يرد صحة إجارة غنم لدياس زرع وشجر لنشر ونحوه لندرته.
ويلزم غاصبًا وقابضًا بعقد فاسد في قن يحسن الصنائع أجرة أعلا الصنائع مدة إقامته عنده؛ لأنه لا يمكن الانتفاع في صنعتين معًا في آن واحد؛ ولأن غاية ما يحصل لسيده برضى النفع أن يستعمله في أعلى ما يحسنه من الصنائع أو كان غير محسن صنعة لم يلزم قابضه أجرة صنعة مقدرة ولو حبسه مدة يمكنه فيها تعلم صنعة؛ لأنه غير محقق.
ولا قصاص في مال كشق ثوب وكسر إناء، بل الضمان بالبدل والأرش على ما تقدم تفصيله، واختار الشيخ تقي الدين وجمع أنه يخير في ذلك، قال في «شرح الغاية»: لو غصب جماعة مشاعًا بين جماعة كعقار فرد أحد الغاصبين سهم واحد من المالكين إليه لم يجز له الإنفراد بالمردود، وكذا لو صالحه عنه بمال فليس له الإنفراد به نقله حرب.
وقال في «الفروع»: ويتوجه أنه كبيع المشاع انتهى، فيصح له المال وهو ظاهر، ولعل رواية حرب فيما إذا صالحوه عن سهم معين، وكذا لو كان الغاصب لحصصهم واحد.
стр. 1894
ويصح غصب المشاع فلو كانت أرض ودور لإثنين في يدهما فنزل الغاصب في الأرض أو الدار فأخرج أحدهما وبقي الآخر معه على ما كان مع المخرج، فإنه لا يكون غاصبًا إلا نصيب المخرج حتى لو استغلا الملك أو انتفعا به لم يلزم الباقي منهما لشريكه المخرج شيء، وكذا لو كان عبدًا لإثنين كف الغاصب يد أحدهما عنه ونزل في التسلط عليه موضعه مع إقرار الآخر على ما كان عليه حتى لو باعاه بطل بيع الغاصب للنصف وصح بيع الآخر كنصفه قاله المجد في «شرحه» اهـ.
وإن غصب أثمانًا لا مؤنة لحملها فطالبه المالك في غير بلد الغصب وجب على الغاصب ردها إلى مالكها لعدم الضرر وإن كان المغصوب من المتقومات كالثياب والعبيد وطالبه به مالكه في غير بلد الغصب لزم الغاصب دفع قيمته في بلد الغصب للحيلولة.
وإن كان المغصوب من المثليات ولحمله مؤنة وقيمته في بلد الغصب وبلد الطلب واحدة أو هي أقل في بلد الطلب فللمالك مطالبته بمثله للحيلولة مع أنه لا ضرر عليه.
وإن كانت قيمته ببلد الطلب أكثر منها ببلد الغصب فليس للمالك المثل لما فيه من ضرر الغاصب وله المطالبة بقيمته ببلد الغصب؛ لأنه لا ضرر فيها على الغاصب.
وفي جميع ذلك متى قدر الغاصب على المغصوب أو قدر على المثل في بلد الغصب رده للمالك؛ لأنه الواجب وأخذ الغاصب القيمة؛ لأنها إنما وجبت للحيلولة وقد زالت.
ويحرم تصرف غاصب وغيره ممن علم الحال في مغصوب مما ليس له حكم من صحة وفساد فلا يتصف بأحدهما كإتلاف المغصوب وكاستعماله
стр. 1895
كأكله ولبسه وكركوبه وحمل عليه واستخدامه وذبحه ولا يحرم المذبوح بذلك وكسكنى العقار؛ لحديث: «أن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام».
ويحرم تصرف غاصب وغيره في مغصوب بماله حكم بأن يوصف تارة بالصحة وتارة بالفساد كعبادة بأن يتوضأ بالماء المغصوب أو يتيمم بالتراب المغصوب أو في البقعة المغصوبة أو يخرج الزكاة من المال المغصوب أو يحج من المال المغصوب ونحو ذلك بخلاف نحو صوم وذكروا اعتقاد فلا مدخل له فيه، وكما لو باع المغصوب أو أجرة أو أعاره أو نكح الغاصب أو أنكح الأمة المغصوبة أو أعتق العبد المغصوب أو وقف الشقص.
ولا تصح عبادة الغاصب على الوجه المذكور ولا يصح عقده فيكونان باطلين؛ لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.
وإن أتجر غاصب بعين مغصوب بأن كان دنانير أو دراهم فاتجر بها أو أتجر بعين ثمنه بأن غصب عبدًا فباعه واتجر بثمنه وظهر ربح وهو باق فالربح.
وما اشتراه الغاصب من السلع لمالك المغصوب؛ لخبر عروة بن الجعد، وهذا حيث تعذر رد المغصوب إلى مالكه ورد الثمن إلى المشتري ونقل حرب في خبر عروة إنما جاز؛ لأن النبي ﷺ جوزه له.
وروى الأثرم عن رباح بن عبيد أن رجلاً دفع إلى رجل دراهم ليبلغها أهله فاشترى بها ناقة فباعها فسُئل ابن عمر عن ذلك قال: إدفع إليه دراهمه بنتاجها؛ لأنه نماء ملكه فكان تابعًا لأصله كالسمن.
وحيث تعين جعل الربح للغاصب أو المغصوب منه فجعله للمالك أولى؛ لأنه في مقابلة نفع ماله الذي فاته بمنعه، ولو كان الشراء بثمن في ذمته بنية نقده من المغصوب أو من ثمنه ثم نقده فيكون الربح لمالك المغصوب،
стр. 1896
وهذا من «المفردات» قال ناظمها:
وبالنقود غاصب أن تجرا … والشيخ بالعروض أيضًا نصرًا
فالربح بالمالك قد يختص … وفيه وفي المودع جاء النص
بالعين أو في ذمة كان الشرا … مع نقدها في أشهر قد حررا
حتى بذا جزمًا كثير نقلوا … وذا على الأصول فرع مشكل
وقال مالك والليث وأبو يوسف: الربح للغاصب ونحوه.
عن أبي حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن؛ لكن قالوا: يتصدق به؛ لأنه غير طيب، واستدلوا بحديث: «الخراج بالضمان» والذي تطمئن إليه النفس أنه كما قال أهل القول الأول للمالك؛ لأنه نماء ملكه ونتيجته، والله أعلم.
وحيث تعذر رد مغصوب إلى المالك ورد ثمن لمشتر كان جهل دفع له أو تلف هو، أما إذا كانت عين الغصب باقية وأمكن ردها فيجب ردها وتوابعها ويأخذ المعتاض ما دفع إلى الغاصب.
والربح للمالك ولو قلنا ببطلان التصرف فيما أدركه المالك باقيًا، وأما ما لم يدركه فوجه تصحيحه أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته، ففي القضاء ببطلانها ضرر كبير وربما عاد إلى الضرر على المالك إذا الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه وزيادته والحكم ببطلانها يمنع ذلك.
стр. 1897
وإن دفع المال المغصوب إلى من يضارب به فالحكم بالربح على ما ذكر وليس على المالك من أجر العامل شيء؛ لأنه لم يأذن له بالعمل في ماله وإن كان المضارب عالمًا بالغصب فلا أجر له؛ لأنه متعمد بالعمل ولم يغره أحد، وإن لم يعلم فعلى الغاصب أجر مثله؛ لأنه استعمله عملاً بعوض لم يحصل له فلزمه أجرة كالعقد الفاسد، وكذا الحكم لو أتجر في الوديعة فالربح للمالك.
وإن اختلف الغاصب والمالك في قيمة مغصوب تلف بأن قال الغاصب: قيمته مائة، قال المالك: بل قيمته مائة وعشرون، فالقول قول الغاصب، أو قال الغاصب: قيمته ثمانمائة، وقال المالك: قيمته ألف فقول الغاصب؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته مما زاد على المائة.
وإن اختلفا في قدر المغصوب أو في حدوث عيبه أو قال المغصوب منه كان كاتبًا فقيمته ألف، وقال الغاصب: لم يكن كاتبًا فقيمته مائة، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل عدم الكتابة وبراءة الذمة مما زاد على المائة، وإن قال الغاصب: كان سارقًا فقيمته ثمانمائة، وقال المغصوب منه: لم يكن سارقًا فقيمته ألف، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم السرقة.
وإن اختلفا في ملك ثوب على مغصوب أو اختلفا في ملك سرج على فرس، فالقول قول غاصب بيمينه حيث لا بينة للمالك؛ لأنه منكر، والأصل براءته من الزائد وعدم الصناعة فيه وعدم ملك الثوب والسرج عليه.
وإن اختلفا في رد المغصوب إلى مالكه أو في وجود عيب في المغصوب التالف بأن قال الغاصب بعد تلف المغصوب كان فيه حين غصبته سلعة أو أصبع زائدة وأنكره مالك وكذلك دعواه أنه كان أعور أو أعرج أو يبول في الفراش أو فيه طرش وهو أهون الصم أو أعمى فقول مالك بيمينه على نفي ذلك؛ لأن الأصل السلامة.
стр. 1898
وإن اختلفا بعد زيادة قيمة في وقت الزيادة، فقال المالك: زادت قبل تلفه، وقال الغاصب: بعد تلفه، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته وإن شاهدت البينة العبد معيبًا عند الغاصب، وقال المالك: تعيب عندك، وقال الغاصب: بل كان العيب فيه قبل غصبه فقول الغاصب بيمينه؛ لأنه غارم والظاهر أن صفة العبد لم تتغير.
وقيل: إن القول قول المالك كما لو تبايعا واختلفا في عيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري فإن فيه رواية أن القول قول البائع كذلك هنا، إذ الأصل السلامة وتأخر الحدوث عن وقت الغصب، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
وإن اتفقا على أنه كان به عيب وادعى كل منهما حدوثه عند الآخر فقول غاصب بيمينه.
ومن بيده غصوب لا يعرف أربابها أو كان بيده رهون لا يعرف أربابها أو بيده أمانات من ودائع وغيرها لا يعرف أربابها أو لحرفهم وفقدوا وليس لهم ورثة فسلمها إلى الحاكم ويلزمه قبولها برئ بتسليمها للحاكم من عهدتها؛ لأن قبض الحاكم لها قائم مقام قبض أربابها لقيام مقامهم.
وللذي بيده غصوب أو نحوها إن لم يدفعها للحاكم الصدقة بها عن أربابها بلا إذن حاكم؛ لأن المال يُراد لمصلحة المعاش أو المعاد ومصلحة المعاد أولى المصلحتين وقد تعينت هاهنا لتعذر الأخرى، ونقل المروذي: يعجبني الصدقة بها.
وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواري أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها، فالصواب أنه يتصدق بها عنهم، فإن حبس المال دائمًا لمن لا يرجى لا فائدة فيه بل هو تعريض لهلاك
стр. 1899
المال واستيلاء الظلمة عليه، وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل بينه ليأتي بالثمن فخرج فلم يجد البائع فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن ويقول اللهم عن رب الجارية.
وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة وتاب بعد تفرقهم أن يتصدق بذلك عنهم ورضي بهذه الفتيا أصحابه والتابعون الذين بلغتهم كمعاوية وغيره من أهل الشام.
والحاصل أن المجهول في الشريعة كالمعدوم فإن الله قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
فالله إذا أمرنا بأمر كان ذلك مشروطًا بالقدرة عليه والتمكن من العمل به فما عجزنا عن العمل به سقط عنا، انتهى.
وقال في الغنيمة: يجب عليه ذلك، أي التصدق بها قال في «الغاية وشرحها»: ويتجه حمله أي لزوم التصدق مع عدم حاكم أهل للائتمان كحكامنا الآن فإن وجد حاكم أهل وهو أندر من الكبريت الأحمر فلا يلزم التصدق بها، بل يكون مخيرًا بين دفعها إليه ليبرأ من عهدتها وبين الصدقة بها بشرط ضمانها لأربابها إذا عرفهم؛ لأن الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل وهو غير جائز.
وله شراء عرض بنقد ويتصدق به ولا يجوز في ذلك محاباة قريب أو غيره وكذا حكم مسروق ونحوه كلقطه حرم التقاطها ولم يعرفها فتصدق بها عن ربها بشرط الضمان أو يدفعها للحاكم الأهل كما تقدم وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة وبكل حال ترك الأخذ أجود من القبول وإذا صح الأخذ كان
стр. 1900
أفضل أي الأخذ والصرف إلى المحتاجين من الناس إلا إذا كان من المفاسد فهنا الترك أولى.
ويسقط عن الغاصب والسارق ونحوه إثم الغصب أو السرقة ونحوها؛ لأنه معذور بعجزه عن الرد لجهله بالمالك وثوابها لأربابها، وفي الصدقة بها عنهم جمع بين مصلحة الغاصب بتبرئة ذمته ومصلحة المالك بتحصيل الثواب له.
ونقل ابن هانئ يتصدق أو يشتري به كراعًا أو سلاحًا يوقف هو مصلحة المسلمين وسأله جعفر عمن بيده أرض أو كروم ليس أصله طيبًا ولا يعرف ربه قال يوقفه على المساكين، وسأله المروذي عمن مات وكان يدخل في أمور تكره فيريد بعض ولد التنزه، فقال: إذا وقفها على المساكين فأي شيء يبقى عليه واستحسن أن يوقفها على المساكين ويتوجه على أفضل البر.
قال الشيخ تقي الدين: تصرف في المصالح، وقاله في وديعة وغيرها، وقال قاله العلماء وإنه مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك، وهذا مراد أصحابنا؛ لأن الكل صدقة.
وقال ﵀: من تصرف بولاية شرعية لم يضمن، وقال: ليس لصاحبه إذا عرف رد المعارضة لثبوت الولاية شرعًا عليها للحاجة كمن مات ولا ولي له ولا حاكم، وقال: فيمن اشترى مال مسلم من التتار لما دخلوا الشام، إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطى مشتريه ما اشتراه به؛ لأنه لم يصر لها إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك كما رجحه فيمن اتجر في مال غيره وربح، انتهى.
قال ابن رجب: وعليه أي وعلى هذا الأصل وهو قوله ومن بيده نحو غصوب أو أمانات … إلخ بتخرج جواز أخذ الفقراء الصدقة من يد من ماله
стр. 1901
حرام كقطاع الطريق وأفتى بجوازه.
قال الشيخ عثمان إنما يظهر هذا التخريج أنه لو قصد المتصدق جعل الثواب لرب المتصدق به كما في مسألتنا فيجوز قبول الصدقة إذًا وإلا فيد المتصدق عليه من جملة الأيدي العشر المرتبة على يد الغاصب كما تقدم.
وفي «الغاية وشرحها»: ويتجه بجواز الأخذ من يد من ماله حرام ولو بغير صدقة كالأخذ على وجه الشراء منه والهبة حيث جهل حاله؛ لأن الأصل فيما بيد المسلم أنه ملكه ثم إن كانت الدراهم في نفس الأمر قد غصبها هو ولم يعلم القابض كان جاهلاً بذلك، والمجهول كالمعدوم قاله الشيخ تقي الدين، انتهى.
وأن مثل المذكور من المال الحرام كل ما جهل أربابه وصار مرجعه لبيت المال كالمكوس، والمكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار، ومنه حديث أنس وابن سيرين، قال لأنس: «لا تستعملن على المكس» أي على عشور الناس، وفي الحديث: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» قال جابر بن حني التغلبي:
أفي كل أسواق العراق إتاوة
وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
وكالمغصوب والخيانات والسرقة المجهول أربابها فيجوز للفقراء أخذها صدقة، ويجوز أخذها لهم ولغيرهم هبة وشراء ووفاء عن أجرة سيما إن أعطاها الغاصب لمن لا يعلم حالها كان قبضه لها بحق؛ لأن الله لم يكلفه ما لم يعلم، قاله الشيخ تقي الدين.
وليس لمن بيده الغصوب والرهون والأمانات المجهول أربابها التوسع بشيء منها وإن كان فقيرًا من أهل الصدقة، وصرح القاضي جواز الأكل
стр. 1902
منها إذا كان فقيرًا، وأفتى الشيخ تقي الدين به في الغاصب إذا تاب، فإن عرف أربابها وكان قد تصدق بها الغاصب ونحوه خير بين الأجر والأخذ من التصدق فإن اختاروا الأجر وأجازوا الصدقة فالثواب لهم لترتبه على ملكهم وإن لم يجيزوها وأغرموا ثمنها لمن تصدق بها فالثواب لغارم عما تصدق به وعلم منه أنه ليس للمالك إذا عرف رد ما فعله من كانت الغصوب ونحوها بيده مما تقدم لثبوت الولاية له شرعًا.
ويتصدق مديون بديون عليه جهل أربابها ببلده التي استدان من أهلها، قال ابن رجب: الديون المستحقة كالأعيان يتصدق بها عن مستحقيها ونصه في رواية صالح من كانت عنده ودائع فوكل في دفعها ثم مات وجهل ربها وأيس من الإطلاع عليه يتصدق بها الوكيل وورثة الموكل في البلد الذي كان صاحبها فيه حيث يرون أنه كان وهم ضامنون إذا ظهر له وارث.
وقد نص على مثله في الغصب، وفي مال الشبهة واحتج بأن عمر جعل الدية على أهل القرية إذا جهل القاتل ووجه الحجة منه أن الغرم إنما اختص بأهل المكان الذي فيه الجاني؛ لأن الظاهر أن الجاني أو عاقلته المختصين بالغرم لا يخلو المكان عنهم فكذلك الصدقة بالمال المجهول مالكه ينبغي أن يختص بأهل المكان؛ لأنه أقرب إلى وصول المال إليه إن كان موجودًا أو إلى ورثته، ويراعى في ذلك الفقراء؛ لأنها صدقة ونص في رواية أبي طالب فيمن عليه دين لرجل ومات وعليه ديون للناس يقضي عنه دينه بالدين الذي عليه أنه يبرأ باطنًا.
وإذا أراد من بيده عين جهل مالكها أن يتملكها ويتصدق بقيمتها عن مالكها فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى آجرًا وعلم أن البائع باعه
стр. 1903
ما لا يملك ولا يعرف له أرباب أرجو أن أخرج قيمة الآجر فتصدق به أن ينجو من إثمه.
ومن عدم المباح لم يأكل من الحرام ماله غنية عنه كفاكهة وحلو ونحو ذلك ويأكل عادته إذ لا مبيح للزيادة عما تندفع به حاجته.
قال في «الاختبارات الفقهية»: لو باع الرجل مبايعات يعتقد حلها ثم صار المال إلى وارث أو متهب أو مشتر يعتقد تلك العقود محرمة فالمثال الأصلي لهذا اقتداء المأموم بصلاة إمام أهل بما هو فرضه عند المأموم دونه، والصحيح الصحة نقله في «حاشية الإقناع».
ومن نوى جحد ما بيده من الغصوب والأمانات وما في معناها أو نوى جحد دين عليه في حياة ربه فثوابه لربه؛ لأن نية جحده قائمة مقام إتلافه إذًا فكأنه لم ينتقل لورثة ربه بموته لورثته نقله ابن الحكم؛ لأنه إنما عدم عليهم.
وعلم من ذلك أنه يثاب على ما فات عليه قهرًا مع أنه لم ينوه ولو ندم غاصب على ما فعله وقد مات المغصوب منه ورد ما غصبه على الورثة برئ من إثم المغصوب؛ لوصوله للمستحق ولا يبرأ من إثم الغصب، بل يبقى عليه إثم ما أدخل على قلب مالك المغصوب من ألم الغب ومضرة المنع منه والانتفاع به مدة حياته فيفتقر لتوبة إذ لا يزول إثم ذلك إلا بها أي التوبة هذا معنى كلام ابن عقيل.
قال بعضهم: فيه توقف الأولى ما قاله أبو يعلى الصغير من أن بالقضاء والضمان بلا توبة يزول حق الآدمي ويبقى مجرد حق الله تعالى؛ لأنه قد حصل معه ندم ورد مظلمة وهو توبة، وقد ذكر المجد فيمن أدان على أن يؤديه فعجز لا يطالب به في الدنيا ولا في الآخرة، وقاله أبو يعلى الصغير بما يقتضي أنه
стр. 1904
محل وفاق، انتهى.
ولو رد المال المغصوب ونحوه ورثة غاصب بعد موته وموت مالكه لورثة المغصوب منه فللمغصوب منه ونحوه مطالبة الغاصب ونحوه في الآخرة؛ لأن المظالم لو انتقلت لما استقر للمظلوم حق في الآخرة، ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم كما لو جهل ورثة ربها فتصدق بها عنهم أو ورث الغاصب المغصوب منه فتصدقوا بالغصب على أجنبي.
ويجب على غاصب رد مغصوب إن لم يكن عذر يمنعه من الرد كخوف على نفسه أو ما بيده من مغصوب وغيره إن ظهر ذلك يؤخذ منه أو يعاقب فورًا من غير تأخير؛ لأنه يأثم باستدامة المغصوب تحت يده لحيلولته بينه وبين مالكه.
فلا تصح توبة الغاصب بدون الرد الذي هو أحد شروط التوبة الثلاثة التي هي: (١) الندم على ما فات. (٢) والعزم على أن لا يعود إلى المعصية.
(٣) والإقلاع بالحال. وإن كان الحق لآدمي فيشترط: (٤) الرد للحق إذ توبته مع بقائه تحت يده وجودها كعدمها.
ولو ألقى نحو ريح أو طائر ثوب غيره بداره لزم حفظه؛ لأنه أمانة بيده إلى أن يرده إلى ربه، فإن عرف رب الدار صاحب الثوب أعلمه به فورًا من غير تأخير وإن لم يعلمه فورًا وتلف الثوب ضمنه رب الدار إن مضى زمن يتمكن فيه من إعلامه؛ لأنه لم يستحفظه والذي تميل إليه نفسي أنه يستحب لمن أطارت الريح إلى داره ثوبًا أن يحفظه وأنه لا يضمنه إذا أخره ولا حصل منه تعد ولم يغصبه ولم يستعره فلماذا يوجب عليه الضمان؟ والله سبحانه أعلم.
فإن لم يعرف رب الدار صاحب الثوب فهو لقطة تجري فيه أحكامها
стр. 1905
على ما يأتي في أحكام اللقطة.
وكذا حكم طائر ألقته ريح أو طفل أو مجنون بداره وهو غير ممتنع كمقصوص الجناح لا يقدر على الفرار من قاصده.
وإن دخل طير مملوك برجه فأغلق عليه الباب ناويًا إمساكه لنفسه ضمنه؛ لتعديه وإن لم يغلق عليه أو أغلقه غير ناو إمساكه لنفسه بأن لم يعلم به أو نوى إمساكه لربه، فلا ضمان عليه؛ لعدم تعديه وهو في الأخير محسن؛ لكن عليه إعلامه فورًا.
من النظم فيما يتعلق
وما كان محظور الصناعة مهدر … وما صيغ من نقدين قوم بمفرد
وأعط ذوي الأموال عرضًا بقدره … وكن ذا احتراز عن ربا عند معقد
كان إن تشا خذ منه أن يجن غيره … ورد عليه الأرش من مال معتد
وإن تشأ خذ مما جنى أرش فعله … ومن غاصب خذ باقي النقص ترشد
وخذ قيمة من غاصب غير قادر … على رد مغصوب فإن رد فاردد
وإن يغتصب شيء فاحتيج واحد … فنقص قدر السالم المتخلد
فإن عليه رد باق لقيمة الفقيد … وأرش النقص في المتجود
стр. 1906
ومن يغتصب ثوبًا فيبليه نقصه … خذ الأرش واطلب أجرة اللبس تسعد
ولو بسوى استعماله كان نقصه … فخذها إلى أن رد أو هلكه قد
وأجرة ما لم تستطع رده إلى … وفا الغرم بل حتى الهلاك بمبعد
وحكمي فعل الغاصب أحكم بلغوه … كفعل عبادات وعقد بأوكد
وعنه ليمض الثالث أن يرضى مالك … ومن قال بالتفصيل لما أبعد
وأن يشتري بالمال فالربح كله … لمالكه والإثم حظ المعربد
كذلك أن يتبع بنية نقده … فينقده بعد العقد في المتأكد
وفي قدر مغصوب ووصف وقيمة … وهلك مقال الغاصب أقبله وأعضد
وفي رده والعيب خذ قول ربه … إذا اختلفا في ذاك مع فقد شهد
فإن قال مولى العبد قد كان كاتبًا … فقال بل أميًا إلى قوله أعدد
وغاصبه إن قال قد كان سارقًا … فكذبه المولى لمولاه قلد
وأن يختلف في كسوة العبد مالك … وغاصبه للغاصب القول مهد
стр. 1907
وأن تجهل المغصوب تصدقن … به عنه مضمونًا كلقطة منشد
ورد إلى الحكام يبرأ مطلقًا … وإن يتصدق اسقطن إثمه قد
ومبهم حل النقد مع حظر ثلثه … بردك قدر الحظر حل المنكد
وإن غير المحظور ثلثًا فكله اجتنبه … وقيل الحكم فيه كما ابتدي
(١١) من أتلف شيئًا أو أزال مانعًا فتلف أو تلف ما أزيل عنه شيئًا أو نفر صيدًا أو غرى ظالمًا أو ربط دابة بطريق أو فتح بابًا أو نحوه إلخ
س ١١: تكلم بوضوح عما يلي: من أتلف مالاً محترمًا لغيره، من أكره على إتلاف مال نفسه، أو أتلف غير محترم، من دفع ماله لغير رشيد، من أتلف مال ولده، من فتح قفصًا عن طائر أو حل قيدًا أو وكاء أو دفع لأسير أو قن مبردًا فبرد القيد وفات أو حل فرسًا أو سفينة أو بهيمة ففات ذلك أو أتلف ما أفلت شيئًا أو بقي بعد حله فألقته ريح أو أذابته شمس، أو دفع مفتاحًا للص، أو حبس مالك الدواب فهلكت الدواب من حبس عن طعامه فاحترق إذا بقي الطائر الذي فتح قفصه واقفًا ونفره آخر إذا أزال إنسان يد آخر عن عبد أو حيوان فهرب أو غصب دابة فتبعها ولدها فأكله ذئب أو نحوه أو فتح بابًا فسرق البيت أو ضرب يد إنسان فسقط ما في يده أو أغرى ظالمًا أو ربط دابة بطريق، واذكر الأدلة والتعاليل والقيود والمحترزات والتفاصيل والأمثلة والخلاف والترجيح.
стр. 1908
ج: من أتلف من مكلف أو غيره ولو كان الإتلاف سهوًا أو خطأ مالاً محترمًا لغير المتلف ولم يأذن ربه في إتلافه ولم يدفع إلى المتلف ومثله يضمنه لإتلافه له؛ لأنه فوته عليه فوجب عليه ضمانه كما لو غصبه فتلف عنده.
واحترز بالمال عن السرجين النجس والكلب ونحوهما وبالمحترم عن الصليب وآلات اللهو كالمزمار والتلفزيون والسينما والراديو والبكم والصور والدخان والطنبور ونحوها وبقول لغيره مال نفسه وبقول ومثله يضمنه ما يتلفه أهل العدل من مال أهل البغي وقت حرب وعكسه وعما يتلفه المسلم من مال الحربي والحربي من مال المسلم وعما يتلفه الصغير.
وبقوله بلا إذن ربه عما أذن مالكه المطلق التصرف في إتلافه، فإن المتلف حينئذ يكون وكيلاً عن ملكه في الإتلاف وبقوله ومثله يضمنه عما يتلفه أهل العدل من مال أهل البغي وعكسه حال الحرب وعما يتلفه المسلم من مال الحربي، والحربي من مال المسلم وعما يتلفه الصغير والمجنون من مال من دفعه إليهما مالكه وعما يتلفه الآدمي من مال ولده وما يتلفه دفعًا عن نفسه كما لو صال عليه رقيق أو بهيمة لمعصوم.
وإن أكره إنسان على مال غيره المضمون فمكرهه يضمنه ولو أكره على إتلاف مال نفسه ضمنه المكره كإكراهه على دفع الوديعة إلى غير ربها؛ لأن الإتلاف من المكره، وأما المكره فهو كالآلة بخلاف قتل لم يختره فيضمنه لمباشرته ما فيه إبقاء نفسه وبخلاف مضطر فإنه يأتي ما اضطر إليه باختياره ويضمن؛ لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من يحال الضمان عليه.
стр. 1909
ولا يضمن ما أتلفه إن كان غير مال ككلب ولو لماشية أو صيد أو أتلف مال نفسه باختياره أو أتلف مالاً بإذن مالكه الرشيد فلا يضمنه؛ لأنه وكيله في الإتلاف أو أتلف غير محترم كصائل عليه دفعًا عن نفسه ولو آدميًا ويأتي إن شاء الله تعالى.
وكذا لا يضمن ما أتلف قن مرتد قبل توبته حيث قبلت أو حال قطعه الطريق مال حربي أو آلة لهو كالصليب والمزمار والبكم ونحو ذلك؛ لأنها غير محترمة ولا يضمنه مثله كمتلف حال قتال بغاة؛ لأن قتالهم مأذون فيه شرعًا أو دفع ماله لغير رشيد فلا يضمن في هذه الصور كلها ولا يضمن ما أتلفه أب من مال ابن بمعنى أنه ليس له مطالبة أبيه حال حياته فأما بعد الموت فإنه يأخذه من تركته.
ومن فتح قفصًا عن طائر مملوك محترم ففات أو أتلف بعد فتح القفص شيئًا ضمنه أو فتح إصطبل حيوان وهو موقف الحيوان وهو أعجمي تكلمت به العرب وهمزته أصلية.
أو حل قيد قن أو أسير أو دفع للقن أو الأسير مبردًا فبرد القيد وانطلق وفات أو أتلف بعد ما فات شيئًا ضمنه أو حل فرسًا مربوطًا أو سفينة أو بهيمة غير ضارية ليلاً لا نهارًا إذ على أرباب الأموال حفظها من الدواب بالنهار ففات بأن ذهب الطائر من القفص أو دخل إليه حيوان فقتله أو هرب القن أو الأسير أو شردت الفرس أو الجمل أو نحوهما وغرقت السفينة لعصوف ريح أو غير ذلك أو عقر أو جرح شيئًا من ذلك بسبب إطلاقه بأن كان الطائر جارحًا فقلع عين حيوان أو حل سلسلة فهد أو أسد فقتل أو عفر ضمن الفاتح والحال للقيد ودافع المبرد لتسببه في الضياع أو التلف أو الجرح أو كسر إناء أو قتل إنسانًا ونحوه أو أتلف مالاً أو أتلفت الدابة التي حلها زرعًا أو غيره أو انحدرت السفينة التي حلها أو السيارة التي أدار
стр. 1910
المفتاح المحرك لها للمشي، ويقال له: (سوتش Switch) وكذلك الدراجة النارية على شيء فأتلفته ونحوه ضمنه؛ لأن المباشرة إنما حصلت ممن لا يمكن إحالة الحكم عليه كما لو نفر طائرًا أو أهاج دابة وأشلى كلبًا على صيد فقتله أو أطلق نارًا في متاع إنسان فإن للنار فعلاً لكن لما لم يمكن إحالة الحكم عليها كان وجوده كعدمه، ولأن الطائر وسائر الصيد من طبعه النفور وإنما يبقى على طبعه فإذا أزيل المانع ذهب لطبعه فكان الضمان على من أزال المانع كمن قطع علاقة قنديل أو لمبة أو أطلق زجاجة أو نحوها فانكسرت وهكذا حل قيد العبد أو الأسير، قال في «الفنون»: إلا ما كان من الطيور يألف الرواح ويعتاد العود فلا ضمان في إطلاقه ويضمن من حل وكاء وهو الحبل الذي يربط به نحو قربة وسواء كان ما حل وكاؤه مائعًا أو جامدًا فأذابته الشمس فاندفق بخلاف ما لو أذابته نار قربها إليها غير أو بقي الزق بعد فكه منتصبًا فألقته ريح أو ألقاه نحوه طير كحيوان أو زلزلة فاندفق فخرج ما فيه كله في الحال أو خرج قليلاً قليلاً أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط فاندفق أو ثقل أحد جانبيه بعد حل وكائه فلم يزل يميل قليلاً قليلاً حتى سقط أو هتك حرزًا فسرق اللص الذي داخل الحرز ضمنه لتسببه في ذلك التلف سواء تعقب ذلك فعله أو تراخى عنه فالقرار على السارق ولا يضمن دافع مفتاح للص ما سرقه اللص من المال لمباشرته للسرقة فاللص أولى بإحالة الحكم عليه من المتسبب؛ لأن القاعد أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر.
ولا يضمن حابس مالك دواب تلفت بسبب حبسه، قال في «المبدع»: ينبغي أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
ويضمن الغاصب لو حبس إنسانًا عن طعامه بعد جعله على النار أو بعد
стр. 1911
وضع خبزه في التنور فاحترق الطعام أو الخبز بسبب منعه، ولو بقي الطائر الذي فتح قفصه واقفًا أو بقيت الفرس التي حل ربطها واقفة حتى نفرها إنسان آخر قاصدًا تنفيرها ضمن المنفر؛ لأن سببه أخص فاختص الضمان به كدافع الواقع في البئر مع حافرها، وكذا لو حل إنسان حيوانًا وحرضه آخر فجنى فضمان جنايته على المحرض.
ولا يضمن المار إن نفر بسبب مروره حيث لا صنع له في التنفير وإن طار الطائر الذي فتح قفصه ووقف على جدار أو شجرة أو نحوهما فنفره آخر فطار لم يضمنه المنفر؛ لأن تنفيره لم يكن سببًا لفواته؛ فإنه كان ممتنعًا قبل ذلك وإن رماه إنسان فقتله ضمن الرامي ولو كان في داره أو في هواء دار غيره ضمنه؛ لأنه لا يمكن منع الطائر من الهواء، وإن سقط طائر غيره في داره لم يلزم رب الدار حفظه ولا إعلام صاحبه؛ لأنه لم يزل ممتنعًا، فإن كان غير ممتنع فكالثوب فيما سبق إذا ألقته الريح أو طائر أو نحوه في آخر جواب سؤال (٩)، وإن دخل برجه فأغلق عليه ناويًا إمساكه لنفسه ضمنه لتعديه، وإلا فلا ضمان عليه لعدم تعديه، ولو غصب فرسًا أو حمارة فتبعها ولدها فأكله ذئب ضمنه لتسببه في ذلك، وقد ألغز بعضهم بذلك وفي غيره، فقال:
وغاصب شيء كيف يضمن غيره … وليس له فعل بما يتغير
وغاصب نهر هل له منه شربه … وهل ثم نهر طاهر لا مطهر
البيت الأول واضح، وأما الثاني: فالجواب على قوله هل له منه شربة؟ ج- إن حوّل النهر عن موضعه كره شربه لظهور أثر الغصب بالتحويل، وكذا يكره الوضوء وإن لم يحوله فلا لثبوت حق كل أحد فيهما، والجواب عن
стр. 1912
الشطر الثاني أنه الفرس السريع، فإنه يسمى نهرًا وبحرًا، قال ﷺ في فرس أبي طلحة: «وإن وجدناه لبحرًا»، والله سبحانه أعلم.
ولو أزال إنسان يد آخر عن عبد أو حيوان فهرس إذا كان الحيوان مما يذهب بزوال اليد عنه كالطير والبهائم الوحشية والبعير الشارد والعبد الآبق فيضمنه من أزال يد مالكه عند تسببه في فواته، وكذا لو أزال يده الحافظة لمتاعه حتى نهبه الناس أو أفسدته الدواب أو النار أو أفسده الماء فيضمنه.
وإن فتح بابًا تعديًا فيجيء غيره فينهب المال أو يسرقه أو يفسده بحرق أو غرق فلرب المال تضمين فاتح الباب لتسببه في الإضاعة والقرار على الآخذ لمباشرته فإن ضمنه المالك لم يرجع على أحد وإن ضمن الفاتح رجع على الآخذ.
وإن ضرب إنسان آخر فوقع من يده جنيه أو ريال أو دينار فضاع ضمنه الضارب لتسببه في الإضاعة، وكذا لو ضربه فسقطت غترته أو عمامته أو ساعته أو نظاراته فتلفت لوقوعها في نار أو بئر أو نحو ذلك أو سقطت في زحام بسبب هزه ونحوه فضاعت ضمنها الذي سقطت بفعله لتعديه.
قال في «شرح الإقناع»: قلت: فإن وقعت في نحو قدر ينقصها فعليه أرش النقص وإن رفد جدار بيته أو أسند عمودًا أو نحوه بجداره المائل ليمنعه من السقوط فأزال العمود أو نحوه آخر تعديًا فسقط الجدار أو السقف المرفود بالحال أي من حين أزال العمود ونحوه ضمن المزيل للعمود ونحوه لتعديه برفعه ما لزم الجدار ونحوه.
وإن حل إنسان رباط دابة عقور وجنت بعد حلها أو فتح اصطبلها ونحوه ضمن الحال ونحوه بجنايتها؛ لأنه السبب فيها كما لو حل سلسلة
стр. 1913
فهد أو ساجور كلب فعقر، فالضمان على الحال لتسببه والساجور خشبة تجعل في عنق الكلب، ولو فتح إنسانًا بثقًا وهو الجسر الذي يحبس الماء فأفسد بمائه زرعًا أو أفسد بنيانًا أو غراسًا ضمن فاتح البثق ما تلف بسببه، قال في «شرح الإقناع»: قلت: وعلى قياسه لو فات ربه ري شيء من الأراضي فيضمن.
ويضمن مغرمًا أخذه ظالم بإغرائه ودلالته لتسببه فيه.
والمغري هو من يقول للحكم خذ من مال فلان كذا أو يأتي بكلام يكون سببًا لأخذ الظالم.
والدال هو الذي يقول له ماله في موضع كذا؛ لأنه يصدق عليه أنه تسبب في ظلمه فهو كالذي بعده.
ويضمن كاذب ما غرم مكذوب عليه عند ولي الأمر بسبب كذبه؛ لأنه تسبب في ظلمه وله الرجوع على الآخذ منه؛ لأنه المباشر ومثله من شكى إنسانًا ظلمًا فأغرمه شيئًا لحاكم سياسي كما أفتى به الشهاب بن النجار.
ومن ربط دابة في طريق أو أوقف دابة بطريق أو ترك بالطريق طينًا أو خشبة أو عمودًا أو حجرًا، أو أسند خشبة إلى حائط أو وضع كيس دراهم أو صندوقًا أو رش السوق أو أوقف سيارة أو ألقى فيها قشر موز أو بطيخ أو أوقف دبابًا أو سيكلاً أو عربية ضمن ما تلف بسبب ذلك الفعل لتعديه بوضعه في طريق المسلمين.
وعن النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا: «من أوقف دابة في سبيل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني، ولأن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها فإيقافها في الطريق كوضع الحجر ونصب السكين فيه ووضع براميل القز أو القاز أو البانزين
стр. 1914
في السوق فيضمن ما تلف بسبب ذلك الفعل لتعديه.
ومن اقتنى كلبًا عقورًا بأن يكون له عادة بالعقر أو اقتنى كلبًا لا يقتنى بأن اقتنى كلبًا لا لحرث ولا لماشية ولا لصيد أو اقتنى كلبًا أسود بهيمًا بأن لا يكون فيه لون غير السواد ولو كان اقتناؤه لصيد أو ماشية أو حرث أو اقتنى أسدًا أو نمرًا أو ذئبًا أو هرًا تأكل الطيور وتقلب القدور عادة مع علمه بحالها فعقرت أو خرقت ثوبًا بمنزله ضمنها مقتنيها؛ لأنه تعد باقتنائه إذًا فإن لم يكن للهر عادة بذلك كالكلب الذي ليس بعقور إذا اقتناه لنحو صيد ولم يكن أسود بهيمًا فإن صاحبه لا يضمن جنايته.
ومن اقتنى نحو دب وقرد أو أسد أو صقر أو باز أو كبش معلم للنطاح فعقر أو خرق ثوبًا أو جرح أو أتلف شيئًا ضمنه لتعديه باقتنائه ولا فرق في ضمان إتلاف ما لا يجوز إقتناؤه مما تقدم بين إتلاف الليل والنهار؛ لأنه للعدوان بخلاف البهائم من إبل وبقر وغنم ونحوها إلا أن يخرق ثوب من دخل منزل ربه بلا إذنه أو دخل بإذنه ونبهه رب المنزل بأن الكلب ونحوه عقور أو أن حبله المربوط به غير موثوق به لرداءة ربطه أو لضعف الحبل فلا يضمن رب المنزل؛ لأنه دخل في الأولى بغير إذنه فهو المتعدي بالدخول.
وإن كان بإذن رب المنزل ونبهه على أنه عقور أو غير موثوق فقد أدخل الضرر على نفسه على بصيرة.
ويلزم رب المنزل تنبيهه قبل رؤية الحيوان للداخل وإعلامه بأن الحيوان مفترس؛ ليكون متيقظًا لدفعه عن نفسه.
ولو حصل عنده نحو كلب عقور وكقرد أو ذئب أو سنور ضار من غير اقتناء واختيار فأفسد بغير ما ذكر من عقر وخرق ثوب بأن أفسد ببول أو ولوغ أو تنجيس في إناء أو ثوب أو نحو ذلك؛ لأن هذا لا يختص بالكلب
стр. 1915
العقور لم يضمن؛ لأنه لم يحصل الإفساد بسببه.
ويجوز قتل هر يأكل لحم كالفواسق، وقيل: له قتلها إذا لم تندفع إلا بالقتل كالصائل، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
ومن أجج نارًا بأن أوقدها حتى صارت تلتهب عادة بلا إفراط ولا تفريط بحيث لا تسري في العادة وتأجيجه إياها في داره أو على سطحه ولو كان ملكه لمنفعة الدار كملكه منفعتها بإجارة أو إعارة فتعدى ذلك إلى ملك غيره فأتلفه لم يضمن الفاعل؛ لأن ذلك ليس من فعله ولا من تعديه ولا من تفريطه، وكذا لو مر في الطريق العامة ومعه نار يحملها إلى أرضه وداره فهبت بها الريح غير متعد وهو محق في مروره في الطريق؛ لأن له حقًا في المرور بخلاف الطريق الخاص أو سقى مواتًا أو ملكه فتعدى ذلك السقي لملك غيره لم يضمن؛ لأنه لم يتعد ولم يفرط.
ولو سرى ما أججه من النار بملكه بطيران ريح إلى ملك غيره فأتلفه لم يضمن إذا كان التأجج جرت به العادة بلا إفراط ولا تفريط فإن أفرط بكثرة بأن أجج نارًا تسري عادة لكثرتها أو فتح ماء كثيرًا يتعدى مثله أو فرط بنحو نوم كإهمال بأن ترك النار مؤججة والماء مفتوحًا ونام عن ذلك أو أهمله ضمن لتعديه أو تقصيره، كما لو باشر إتلافه أو فرط بأن أججها وقت ريح شديدة تحملها إلى ملك غيره ضمن لتعديه، وكذا لو أججها فرب زرب: وهو المدخل، وموضع الغنم أو أججها قرب حصيد أو أقد نارًا بمكان غصب ضمن مطلقًا سواء فرط أو أسرف أو لا.
وكذا يضمن إن أبيست النار التي أوقدها ولو في ملكه شجرة غيره؛ لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة إلا أن تكون الأغصان في هوائه
стр. 1916
فلا يضمن؛ لأنه لا يمنع من التصرف في ملكه، ولكن الأولى بل يتأكد في حقه أن يأمره بلي الأغصان عن هواء داره فإن نبهه فلم يمتثل فلا ضمان.
وإن أجج نارًا في السطح، ولم يكن له سترة وبقربه زرع ونحوه، والريح هابة ضمن.
وإن منع من ذلك لأذى جاره ضمن وإن لم يسرف، وإن اقتنى حمامًا أو غيره من الطير فأرسله نهارًا فلقط حبًا لم يضمنه؛ لأن العادة إرساله.
(١٢) من بنى في الطريق أو أخرج إليها جناحًا أو نحوه
أو وضع في المسجد شيئًا إلخ
س ١٢: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: من بنى دكة أو نحوها أو حفر بئرًا أو فتحها أو بنى في السابلة الواسعة نحو مسجد أو بنى جسرًا أو قلع حجرًا يضر بالمارة من المسلمين أو فعل ما فيه نفع أو أمر حرًا بحفر بئر أو أمر سلطان بحفرها أو بسط بمسجد حصيرًا أو بساطًا أو علق قنديلاً أو وضع في المسجد خزائن أو جلس في المسجد فعثر به إنسان أو أخرج جناحًا أو ميزابًا أو ساباطًا أو بنى حائطه مائلاً، أو أحدث في ملكه بركة أو بالوعة أو مستحمًا فزل إلى جدار جاره. واذكر التفاصيل والقيود والمحترزات والأدلة والتعاليل والخلاف والترجيح.
ج: من بنى دكة وهي المبنية للجلوس عليها أو حفر بنفسه أو حفر أجيره أو حفر قنه أو ولده بأمره بئرًا لنفسه ليختص بنفعها في فنائه وهو ما كان خارج الدار قريبًا منها سواء حفر أو بنى بإذن الإمام أو بغير إذنه وسواء حفر البئر في حده نصفها ونصفها في فنائه ضمن ما تلف
стр. 1917
بالبئر، وقال أصحاب الشافعي: وإن حفرها بإذن الإمام لم يضمن، وقال بعض الأصحاب: له حفرها لنفسه بإذن الإمام فعليه لا ضمان؛ لأن للإمام أن يأذن فيما لا ضرر فيه وجوابه بأنه حفر في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فضمن ولا نسلم أن للإمام الإذن فيه فدل على أنه لا يجوز لوكيل بيت المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ وأنه ليس للحاكم الحكم بصحته، وقاله الشيخ تقي الدين، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
وكذا الدكة؛ لأنه تلف حصل بسبب تعديه ببنائه أو حفره في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فأشبه ما لو نصب في فنائه سكينًا فتلف بها شيء كحفر أجيره الحر بئرًا في فنائه فيضمن الأجير الحافر ما تلف بها سواء حفرها بأجرة أو لا؛ لأنه هو المتعدي، ومحل ذلك أن علم الأجير الحال بأنها ليست ملك الآذن إذ الأفنية ليست بملك؛ ولهذا قال القاضي: لو باع الأرض بفنائها لم يصح البيع؛ لأن الفناء ليس بملك، بل مرفق وإن جهل الحافر أنها في ملك الغير فالضمان على الآمر لتقريره الحافر، وكذا لو جهل الباني فلو ادعى الآمر علم الحافر والباني وأنكر الحافر والباني فقولهما؛ لأن الأصل عدمه.
ولا يضمن من حفر بئرًا في موات لتملك أو ارتفاق لنفسه أو حفر بئرًا بملكه إذ للإنسان التصرف في ملكه كيف شاء وإن حفر في طريق واسعة لنفع عام لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه شرعًا كما لو حفرها ليجمع فيها ماء المطر أو لينبع منها الماء ليشرب المارة فلا يضمن؛ لأنه محسن، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ ولو لم يجعل عليها حاجزًا لتعلم به فتتوقى، وفي «الغاية وشرحها».
стр. 1918
ولا يضمن من حفر بئرًا في موات ونحوها ولو لم يجعل عليها حاجز، ولا يضمن من لم يسد بئره سدًا يمنع الضرر. اهـ.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: يضمن ما تلف بها، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
وما فتحه وأعاده الإنسان من الآبار القديمة يكون فتحه لها بمنزلة إحداثها ضررًا ونفعًا فلو فعله بملكه لا يضمن ما تلف بسببه؛ لأنه مأذون فيه شرعًا، ولو كان فتحه لها بغير ملكه يضمن لتعديه ويلزمه سدها سدًا بحيث يمنع الضرر بالمارة.
وإن بنى في السابلة الواسعة نحو مسجد أو مدرسة بلا ضرر بالمارة بإحداث ذلك، ولو فعله بلا إذن لم يضمن ما تلف بذلك؛ لأنه محسن، قال الشيخ تقي الدين: حكما ما بنى وقفًا على المسجد في هذه الأمكنة حكم بناء المسجد، وقيل: لا يضمن إن كان بإذن الإمام وإلا ضمن.
وقال بعض الأصحاب: ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان عنه فيما إذا حفرها في موضع مائل عن القارعة بشرط أن يجعل عليه حاجزًا يعلم به ليتوقى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
ومن بنى جسرًا وهو القنطرة ليمر عليه الناس وكذا فعل ما تدعو الحاجة إليه لنفع الطريق وإصلاحها كإزالة الماء والطين عنها وتنقيتها مما يضر فيها كقشر بطيخ أو موز ووضع حجر أو خشب ليطأ عليه الناس وحفر هدف وهو ما ارتفع وعلا في الطريق بحيث أنه بعد إزالتها يتساوى وتصير كغيرها، وكذا قلع حجر في الأرض يضر بالمارة ووضع الحصاء في حفر الأرض ليملأها وتسقيف ساقية فيها، فهذا كله مباح لا يضمن ما تلف به؛ لأنه إحسان ومعروف، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
стр. 1919
وإن فعل ما فيه نفع عام كان حفر بئرًا أو بنى مسجدًا أو خانًا وهو الحانوت ونحوه في الطريق فتلف فيه شيء لم يضمن.
وإن فعل شيئًا لنفع خاص بنفسه أو كان يضر بالمارة كأن حفر البئر في القارعة أو بطريق ضيقة، فإنه يضمن ما تلف بها سواء فعله لمصلحة عامة أو لا بإذن الإمام أو لا لما فيه من الضرر.
ونقل المروذي حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق تهدم، وسأل محمد بن يحيى الكحال: يزيد في المسجد من الطريق، قال: لا يصلى فيه.
ونقل حنبل أنه: سُئل عن المساجد على الأنهار؟ قال: أخشى أن يكون من الطريق، وسأله ابن أهيم عن ساباط فوقه مسجدًا أيصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه إذا كان من الطريق.
ومن أمر حرًا بحفر بئر أو بناء بملك غير الآمر بأجرة أو لا فحفر المأمور وتلف بها شيء ضمن ما تلف به حافر علم بذلك وضمن بأن علم أن الأرض ملك لغير الآمر.
ويحلف الحافر والباني إن أنكر العلم بأنه ملك غير الآمر وادعى الآمر وعلمه؛ لأن الأصل عدمه وإن لم يعلم حافر بذلك أو كان المأمور قن الآمر فآمر يضمن ما تلف لتغريره.
ويضمن سلطان آمر بحفر بئر أو بناء في ملك غيره دون حافر وبان، وسواء علم أن الأرض ملك لغير السلطان أو لا؛ لأنه لا تسعه مخالفته أشبه ما لو أكره عليه، ومن بسط بمسجد ونحوه حصيرًا أو بادية أو مدة أو بساطًا أو زولية أو علق فيه أو أوقد فيه قنديلاً، قلت: ومثل ذلك الكهرب لو علق مروحة أو لمبة أو نجفًا أو كنديشة أو ثلاجة أو نصب رفًا أو بابًا؛ لنفع المسلمين لم يضمن ما تلف به.
стр. 1920
ومن جلس من المسجد أن إضطجع فيه أو قام فيه مسلم فعثر به حيوان فتلف أو نقص لم يضمن نقصه ولا تلفه أو أقام في طريق واسع فعثر به حيوان فتلف أو نقص لم يضمن؛ لأنه فعل مباحًا لم يتعد به على أحد في مكان له فيه حق أشبه ما لو فعل بملكه ويضمن إن جلس أو اضطجع أو أقام في طريق ضيق لإضراره بالمارة.
وإن أخرج جناحًا وهو الروشن أو أخرج برندة (بلكونة Balcony) أو أخرج ميزابًا كساباط أو أبرز حجرًا في البنيان إلى طريق نافذ بلا إذن الإمام أو نائبه في ذلك بلا ضرر إذ ليس للإمام أن يأذن بما فيه ضرر أو أخرج ما ذكر في درب غير نافذ بغير إذن أهله فسقط على شيء فأتلفه ضمنه المخرج لحصول التلف بما أخرج إلى هواء الطريق أشبه ما لو بنى حائطًا مائلاً إلى طريق أو أقام خشبة في ملكه مائلة إلى الطريق فأتلف شيئًا.
قال ع ن: ومقتضى ما تقدم في حفر البئر أن نحو الجناح من ضمان الباني أي الأجير إذا كان حرًا وانظر هل يفرق بين العالم التحريم أم لا؟ انتهى. ولو كان التلف بعد بيع وقد طولب البائع بنقضه قبل البيع ولم يفعل لحصول التلف بفعله وهو إخراجه ما تقدم إلى هواء الطريق.
وإن سقط بعد البيع ولم يكن طولب بنقضه قبل البيع لا ضمان عليه ولا على المشتري؛ لأنه لم يطالب بنقضه، وكذلك إن وهبه وأقبضه قبل الطلب ثم سقط فأتلف شيئًا لم يضمنه الواهب؛ لأنه ليس ملكه ولا الموهب له؛ لأنه لم يطالب، وكذا لو صالح به أو جعله صداقًا أو عوضًا في خلع أو طلاق أو عتق ومحل الضمان ما لم يأذن في الجناح والميزاب والساباط المخرج إلى الطريق إمام أو نائبه ولا ضرر على المارة بإخراجه فإن أذن فيه فأخرج فلا ضمان؛ لأن النافذ حق للمسلمين والإمام وكيلهم فإذنه كإذنهم.
ومع وجوب الضمان والتالف آدمي فديته على عاقلة رب المخرج؛ لأنها
стр. 1921
تحمل دية الخطأ وشبه العمد فإن أنكرت العاقلة كون المخرج لصاحبهم أو أنكروا مطالبته بنقضه حيث اعتبر أو أنكروا تلف الآدمي لم يلزمهم شيئ إلا أن يثبت بينة؛ لأن الأصل عدم الوجود.
وإن مال حائطه لغير ملكه سواء كان مختصًا كهواء جاره أو مشتركًا كالطريق أو تشقق الحائط فكميله فلا ضمان إن لم يطالب بنقضه وأبى هدمه حتى أتلف شيئًا بسقوطه، وقيل: إن طولب بنقضه وأشهد عليه فلم يفعل ضمن واختاره جماعة، قال الموفق والشارح: والمطالبة من كل مسلم إن كان ميله إلى الطريق.
وقال أبو حنيفة: الإستحسان أن يضمن؛ لأن الجواز للمسلمين وميل الحائط يمنعهم، والقول الثاني: وهو قول من يقول بالإشهاد عليه هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
وإن بنى الحائط مائلاً لطريق ضمن ما تلف به، أو بناه مائلاً إلى ملك غيره بلا إذنه ضمن ما تلف به ولو لم يطالب بنقضه لتسببه بذلك، وإن بناه مائلاً إلى ملك غيره بإذنه أو مائلاً إلى ملك نفسه أو مال الحائط إلى ملك ربه لم يضمن ربه ما تلف به لعدم تعديه.
وإن أحدث بركة أو كنيفًا أو صهروجًا أو بالوعة فنزل إلى جدار جاره فأوهاه وهدمه ضمنه؛ لأن هذه الأسباب تتعدى ذكره في الفصول والتلخيص قالا: وللجار منعه من النزول إلى جدار جاره، وقال أيضًا: الدق الذي يهدم الجدار مضمون السراية؛ لأنه عدوان محض.
ومحترم الأموال إن تتلف أضمن … لغيرك أن تجهل وأن تتعمد
ويضمن أيضًا فاتح حبس طائر … ومن فك قيد المال أن تتشرد
стр. 1922
وإن يثنيا من بعد هذا فنفرًا … فغرمهما أخصص بهذا المشرد
ومن يرد مملوكًا من الطير في هوا … جدرًا له أو فوقه يضمن الردي
كفاتح وعا السيال أو جامد به … فسال بما ليس أهل غرم بأجود
ومن ربط العجماء في ضيق من … الدروب ليضمن ما جنت لا تقيد
وقولان بالإطلاق إن يك واسعًا … كذابًا قتنًا كلب عقور بأجود
وعنه إن جنى في داخل دون إذنه … إلى داره لا غرم إذ هو معتدي
كذا الحكم في هر يصيد الطيور لا … إذا بال في شيء وولغ الذي ابتدي
وأن يوقد الإنسان نارًا بملكه … ويجري عليه ماؤه غير معتد
فليس عليه غرم تاو لجار … به مع سوى تفريطه والتزيد
ويمنع من إنشا مضر بجاره … ويضمن ما أردى بحفر مجدد
ويضمن منشي ما يضر بملكه … ومختصه في واسع لا تقيد
وإن ينشه في واسع لانتفاعنا … لا غرم حتى دون إذن بأوكد
стр. 1923
ولا غرم في ملغى بموحل … وأشباهه من نافع غير مفسد
ومن يحتقرها في موات لنفعه … ونفع الورى التضمين عن مثله ذد
ولا غرم في شيء نوى في المجود … بوضعك قنديلاً وبسطًا بمسجد
ولا عائر في جالس وسط مسجد … ولا في طريق واسع في المجود
ويضمن في ذا واضع حجرًا به … ومن قشر بطيخ وماء مبدد
وما أتلف الميزاب في ملك غيره … وروشنه يضمن بلا إذن ذي اليد
وإن نحن جوزنا بإذن الإمام ما … خلا عن أذى وجهين في العرف أسند
وذو حائط قد مال في ملك غيره … فيدعى لإصلاح بإشهاد شهد
فضمنه أن يأتي فإن جاء ممكنًا … وقيل وإن لم يدع وأعكس بأوحكد
ولا يسقط التضمين تأجيل حاكم … ولا مفرد من شركة متعدد
وإن يبن ميالاً إلى ملك غيره … فمتلفه ضمنه دون تردد
والإتلاف في هذه الأمور من الخطأ … فما ليس معقولاً ففي مال معتد
стр. 1924
ومن يدخل الإنسان حتى يضيفه … فيسقط ببئر عنده لم يحدد
ولم ير أما للعمى أو لسترها … فضمنه ما لم ينذر المرء ترشد
ومن يغتصب أرضًا فحظر دخولها … على غير رب الأرض إن حوطت قد
وإن لم تحوط جاز فيها دخوله … وأخذ الكلا منها على نص أحمد
(١٣) ما أتلفته البهائم الضارية وغير الضارية وما أتلفه المركوب عليه … إلخ
س ١٣: تكلم بوضوح عما يلي من أحكام ومفردات: ما أتلفته البهائم الضارية والجوارح وشبهها، ماذا يجب على رب البهيمة المعروفة بالصول، إذا حاله الدابة بين المال ومالكه البهائم غير الضارية، ماذا على السائق والقائد والراكب إذا أتلف المركوب شيئًا أو جنى على أحد، إذا تعدد الراكب إذا كانت البغال والإبل مقطرة، ما أفسدته البهائم بالليل أو بالنهار، إذا طرد الدابة من مزرعته ودخلت مزرعة غيره من صال عليه آدمي صغير أو كبير عاقل أو مجنون فقتله؟ واذكر ما يتصل بذلك من أحكام وشروط ومحترزات وتفاصيل وأدلة وتعليل وخلاف وترجيح.
ج: يضمن رب بهائم ضارية، والضارية: المفترسة المعتادة بالجناية، قال أبو الطيب:
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى … ولا تتقى حتى تكون ضواريا
стр. 1925
إذا كان عالمًا بضريانها أو أمر بإمساكها من لم يعلم بأنها ضارية فما أتلفته ضمنه.
ويضمن رب جوارح وشبهها ما أتلفته من نفس ومال، قال في «الفصول»: من أطلق كلبًا عقورًا أو دابة رفوسًا، ويقال لها: رموحًا أو عضوضًا على الناس وخلاه في طريقهم ورحابهم ومصاطبهم فأتلف مالاً أو نفسًا ضمن لتفريطه.
وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس وحيواناتهم، انتهى. قال في «الإنصاف» وهو الصواب.
ومتى عرفت البهيمة أنها تصول أي تعدو وتثب على الناس وجب على مالكها وغيره إمساكها أن تمكن من غير أن يصيبه ضرر وإلا فيتلفها دفعًا لضررها وحيث جاز إتلافها فله أن يتلفها بالمعروف على أي وجه لا تعذيب فيه للحيوان؛ لحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».
ولا يضمن البهيمة المعروفة بالصول إذا قتلت حال صولها؛ لأنها غير محترمة كمرتد وزان محصن، وإن حالت الدابة بين إنسان وبين ماله ولم تندفع بلا قتل قتلها، ولا شيء عليه ولو كانت مملوكة للغير؛ لأن قتلها دفعًا لشرها.
ومن القواعد إن من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه وإن أتلف لدفع أذاه به ضمنه فمن صال عليه جمل أو ثور وأتلفه المصول عليه لم يضمنه.
وحيث جاز له قتلها إزالة لضررها بالحيلولة بينه وبين ماله فعليه أن يسمي عليها إن كانت مأكولة اللحم لئلا يضيعها على ربها فلو قتلها ولم يسمّ عليها سهوًا لا جهلاً بالحكم فلا شيء عليه؛ لسقوط التسمية بذلك، وإن ترك التسمية عمدًا ضمن لربها قيمتها مذكاة.
стр. 1926
ولا يضمن رب بهائم غير معروفة بالصول وغير جوارح وشبهها ما أتلفته إن لم تكن يده عليها ولو كان ما أتلفته البهيمة بالحرم؛ لقوله ﷺ : «العجماء جرحها جبار» متفق عليه، أي هدر، فإن كانت ضاربة ضمن.
ويضمن جناية دابة سواء كانت ضارية أو غير ضارية راكب وسائق وقائد للدابة مالكًا كان أو غاصبًا أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو موصى له بنفعها أو مرتهنًا قادر على التصرف فيها؛ لأن العاجز عن التصرف وجوده كعدمه.
ويشترط تكليف المتصرف القادر على التصرف.
وما يضمنه جناية يدها وفمها وذنبها وولدها سواء جنى بيده أو فمه أو رجله أو ذنبه ولو لم يفرط؛ لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأه بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني.
ولأن فعل البهيمة منسوب إلى من بيده البهيمة إذا كان يمكنها حفظها.
ولا يضمن ما نفحت برجلها ومعنى نفحت رمحت من غير سبب؛ لما روى سعيد مرفوعًا: «الرجل جبار» رواه أبو داود، وفي رواية أبي هريرة: «رجل العجماء جبار» فدل على وجوب الضمان في جناية غيرها، وخصص بالنفح دون الوطء؛ لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا يريد أن تطأه بتصرفه فيها بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه، وحيث وجب الضمان وكان المجني عليه مما تحمله العاقلة فهي عليها.
ومحل عدم الضمان ما نفحت برجلها ما لم يجذبها باللجام زيادة على العادة أو يضربها في وجهها فيضمن لتسببه في جنايتها ولو فعل ذلك لمصلحة تدعو إليه.
стр. 1927
ولا يضمن الراكب ونحوه ممن بيده الدابة جناية ذنبها؛ لأنه لا يمكن التحفظ من جناية ذنبها ولا يضمن متصرف بدابة سقوط حملها إذا لم يفرط.
ويضمن جنايتها مع سبب للجناية كنخس، ويقال: نغز وتنفير فاعل ذلك؛ لأنه المتسبب في جنايتها دون الراكب والسائق والقائد.
فإن جنت البهيمة على من نفرها أو نخسها فأتلفته، فالجناية هدر؛ لأنه السبب في الجناية على نفسه.
وإن تعدد راكب إثنان فأكثر فجنت جناية مضمونة ضمن الأول ما يضمنه المنفرد؛ لأنه المتصرف فيها والقادر على كفها عن الجناية إلا أن يكون الأول صغيرًا أو مريضًا أو أعمى أو مجنونًا، والثاني متولي تدبيرها، فعلى الثاني الضمان وحده لكونه المتصرف فيها.
وإن اشترك الراكبان في التصرف في البهيمة اشتركا في ضمان جنايتها المضمون لاشتراكهما في التصرف، وكذا لو كان مع البهيمة قائد وسائق وجنت جناية تضمن، فالضمان عليها؛ لأن كلا منهما لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا.
وإن كان مع القائد والسائق راكب أو كان مع أحدهما راكب شارك الراكب السائق والقائد أو أحدهما في ضمان جنايتها لاشتراكهم في التصرف؛ لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فإذا اجتمع مع غيره منهم شاركه في الضمان.
ولو اجتمع الثلاثة أو إثنان منهم وانفرد واحد منهم بالتصرف اختص بالضمان.
وإبل وبغال وخيل مقطرة والتقطير أن تشد الإبل على نسق واحد خلف
стр. 1928
واحد لواحدة على قائدها الضمان لما جنت كل واحدة من القطار؛ لأن الجميع إنما تسير بسير الأول وتقف بوقفه وتطأ بوطئه، وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية.
وإن كان مع القائد سائق شارك السائق القائد في ضمان الأخير فقط إن كان السائق في آخرها؛ لأنهما اشتركا في التصرف الأخير ولا يشارك السائق القائد فيما قبل الأخير؛ لأنه ليس سائقًا له ولا تابعًا لما يسوقه فانفرد به القائد وإن انفرد راكب على أول قطار ضمن جناية الجميع؛ لأنه في حكم القائد لما بعد المركوب والكل يسير بسيره وتطأ بوطئه فأمكن حفظه من الجناية.
وإن ركب أو ساق غير الأول وانفرد ضمن جناية ما ركبه أو ساقه وما بعده لا ما قبل الذي باشر سوقه فيختص به القائد ولا يشارك فيه السائق؛ لأنه ليس سائقًا ولا تابعًا لما يسوقه.
وإن انفرد راكب بالقطار وكان الراكب على أوله ضمن الراكب جناية الجميع؛ لأن ما بعد الراكب الأول إنما يسير بسيره ويطأ بوطئه فأمكن حفظه عن الجناية فضمن كالمقطور على ما تحته.
ولو انفلتت دابة ممن هي بيده فأفسدت شيئًا فلا ضمان على أحد؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار» فلو استقبلها إنسان فردها فقياس قول الأصحاب: الضمان، قاله الحارثي، ثم قال: ويحتمل عدم الضمان؛ لعموم الخبر، ولأن يده ليست عليها، قال: والبهيمة: النزفة التي لا تنضبط بكبح ولا نحوه، ليس له ركوبها بالأسواق، فإن ركب ضمن لتفريطه، وكذا الرموح والعضوض. اهـ.
والكبح: الجذب، وكبح الدابة: جذب رأسها إليه، وفي حديث الإفاضة من
стр. 1929
عرفات وهو يكبح راحلته، هو من ذلك، قال في «الغاية وشرحها»: ويتجه إن راد الدابة يضمن ما أتلفته إن ردها من عند نفسه لا إن ردها بأمر ربها، فإن ردها بأمر ربها ليمسكها فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن، انتهى. ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
ويضمن رب الدابة ومستعير ومؤجر ومودع ومرتهن وأجير لحفظها وموصى له بنفعها ما أفسدته من زرع وشجر وثوب خرقته أو أكلته أو مضغته أو وطئت عليه ونحوه ومحل ذلك إذا أفسدته ليلاً فقط؛ لحديث مالك عن الزهري عن حزام بن سعد عن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : «أن على أهل الحوائط حفظها النهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فهو مضمون على أهلها» قال ابن عبد البر: هذا وإن كان مرسلاً فهو مشهور، وحدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا للرعي وحفظها ليلاً وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلاً كان من ضمان من هي بيده.
وإن فرط في حفظها بأن لم يضمها بحيث لا يمكنها الخروج، فإن ضمنها من هي بيد فأخرج غيره إذنه أو فتح عليها بابها فأتلفت شيئًا فعليه الضمان دون مالكها، ولا ضمان على من كانت بيده؛ لعدم تفريطه ولو كان ما أتلفته الدابة المعارة ونحوها ليلاً لربها ضمنه مستعير ومستأجر وإن لم يفرط ربها ونحوه بأن ضمها ليلاً بحيث لا يمكنها الخروج فأتلفت شيئًا فلا ضمان؛ لعدم تفريطه.
ولا يضمن ربها ومستعيرها ونحوه ما أفسدته نهارًا؛ للحديث السابق إذا لم يكن يد أحد عليها وسواء فرط بأن أرسلها بقرب ما تفسده أو لا لعموم الحديث السابق إلا غاصبها فيضمن ما أفسدت نهارًا أيضًا لتعد بإمساكها
стр. 1930
وإن كان على البهيمة يد كقائد ضمن صاحب اليد ما أفسدت.
ولو ادعى صاحب زرع أن بهائم فلان رعت زرعه أو ادعى أنها أفسدت شجره ليلاً ووجد في الزرع أثر ولم يكن هناك بهائم لغيره قضي بالضمان على صاحب البهائم التي تفشت في الزرع ليلاً عملاً بالقرينة.
قال الشيخ تقي الدين: هذا من القيافة في الأموال وجعل القيافة معتبرة في الأموال كالقيافة في الإنسان ومن طرد دابة من مزرعة له فدخلت مزرعة غيره فأفسدت لم يضمن ما أفسدته من مزرعة غيره إلا أن يدخلها مزرعة غيره، فإن اتصلت المزارع لم يطردها؛ لأن ذلك تسليط على زرع غيره والذي تميل إليه نفسي أن طردها عن مزرعته إذا لم يدخلها مزرعة غيره وليس ذلك بتسليط، بل لدفع الضرر عن ماله، والله سبحانه أعلم.
ولو قدر أن يخرجها من زرعه وله منصرف يخرجها منه من محل غير المزارع فتركها تأكل من زرعه ليرجع على ربها فما أكلته هدر لا رجوع لربه به؛ لتقصيره بعدم صرفها.
والحطب على الدابة إذا خرق ثوب آدمي بصير عاقل يجد موضعًا يتحول إليه فالخرق هدر لا يضمنه الحطاب لتقصير رب الثوب بعدم الإنحراف وقياسه لو جرحه ونحوه، وكالحطب حديد ونحوه، وكذا لو كان صاحب الثوب مستدبرًا فصاح حامل الحطب منبهًا له ووجد منحرفًا ولم ينحرف فخرق ثوبه فهدر وكالمستدبر الأعمى إذا صاحب عليه منبهًا له بالإنحراف لموضع يمكنه الإنحراف إليه ولم يفعل وإن لم يجد منحرفًا وهو مستقبل له ولم ينبهه وهو مستدبر ضمن من مع الدابة أرش خرق الثوب، وكذا لو جرحه ونحوه.
ومن صال عليه آدمي صغير أو كبير عاقل أو مجنون أو غيره من البهائم
следующие страницы →