← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ولا يضمن رب بهائم غير معروفة بالصول وغير جوارح وشبهها ما أتلفته إن لم تكن يده عليها ولو كان ما أتلفته البهيمة بالحرم؛ لقوله ﷺ : «العجماء جرحها جبار» متفق عليه، أي هدر، فإن كانت ضاربة ضمن. ويضمن جناية دابة سواء كانت ضارية أو غير ضارية راكب وسائق وقائد للدابة مالكًا كان أو غاصبًا أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو موصى له بنفعها أو مرتهنًا قادر على التصرف فيها؛ لأن العاجز عن التصرف وجوده كعدمه. ويشترط تكليف المتصرف القادر على التصرف. وما يضمنه جناية يدها وفمها وذنبها وولدها سواء جنى بيده أو فمه أو رجله أو ذنبه ولو لم يفرط؛ لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأه بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني. ولأن فعل البهيمة منسوب إلى من بيده البهيمة إذا كان يمكنها حفظها. ولا يضمن ما نفحت برجلها ومعنى نفحت رمحت من غير سبب؛ لما روى سعيد مرفوعًا: «الرجل جبار» رواه أبو داود، وفي رواية أبي هريرة: «رجل العجماء جبار» فدل على وجوب الضمان في جناية غيرها، وخصص بالنفح دون الوطء؛ لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا يريد أن تطأه بتصرفه فيها بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه، وحيث وجب الضمان وكان المجني عليه مما تحمله العاقلة فهي عليها. ومحل عدم الضمان ما نفحت برجلها ما لم يجذبها باللجام زيادة على العادة أو يضربها في وجهها فيضمن لتسببه في جنايتها ولو فعل ذلك لمصلحة تدعو إليه.

стр. 1927

ولا يضمن الراكب ونحوه ممن بيده الدابة جناية ذنبها؛ لأنه لا يمكن التحفظ من جناية ذنبها ولا يضمن متصرف بدابة سقوط حملها إذا لم يفرط. ويضمن جنايتها مع سبب للجناية كنخس، ويقال: نغز وتنفير فاعل ذلك؛ لأنه المتسبب في جنايتها دون الراكب والسائق والقائد. فإن جنت البهيمة على من نفرها أو نخسها فأتلفته، فالجناية هدر؛ لأنه السبب في الجناية على نفسه. وإن تعدد راكب إثنان فأكثر فجنت جناية مضمونة ضمن الأول ما يضمنه المنفرد؛ لأنه المتصرف فيها والقادر على كفها عن الجناية إلا أن يكون الأول صغيرًا أو مريضًا أو أعمى أو مجنونًا، والثاني متولي تدبيرها، فعلى الثاني الضمان وحده لكونه المتصرف فيها. وإن اشترك الراكبان في التصرف في البهيمة اشتركا في ضمان جنايتها المضمون لاشتراكهما في التصرف، وكذا لو كان مع البهيمة قائد وسائق وجنت جناية تضمن، فالضمان عليها؛ لأن كلا منهما لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا. وإن كان مع القائد والسائق راكب أو كان مع أحدهما راكب شارك الراكب السائق والقائد أو أحدهما في ضمان جنايتها لاشتراكهم في التصرف؛ لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فإذا اجتمع مع غيره منهم شاركه في الضمان. ولو اجتمع الثلاثة أو إثنان منهم وانفرد واحد منهم بالتصرف اختص بالضمان. وإبل وبغال وخيل مقطرة والتقطير أن تشد الإبل على نسق واحد خلف

стр. 1928

واحد لواحدة على قائدها الضمان لما جنت كل واحدة من القطار؛ لأن الجميع إنما تسير بسير الأول وتقف بوقفه وتطأ بوطئه، وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية. وإن كان مع القائد سائق شارك السائق القائد في ضمان الأخير فقط إن كان السائق في آخرها؛ لأنهما اشتركا في التصرف الأخير ولا يشارك السائق القائد فيما قبل الأخير؛ لأنه ليس سائقًا له ولا تابعًا لما يسوقه فانفرد به القائد وإن انفرد راكب على أول قطار ضمن جناية الجميع؛ لأنه في حكم القائد لما بعد المركوب والكل يسير بسيره وتطأ بوطئه فأمكن حفظه من الجناية. وإن ركب أو ساق غير الأول وانفرد ضمن جناية ما ركبه أو ساقه وما بعده لا ما قبل الذي باشر سوقه فيختص به القائد ولا يشارك فيه السائق؛ لأنه ليس سائقًا ولا تابعًا لما يسوقه. وإن انفرد راكب بالقطار وكان الراكب على أوله ضمن الراكب جناية الجميع؛ لأن ما بعد الراكب الأول إنما يسير بسيره ويطأ بوطئه فأمكن حفظه عن الجناية فضمن كالمقطور على ما تحته. ولو انفلتت دابة ممن هي بيده فأفسدت شيئًا فلا ضمان على أحد؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار» فلو استقبلها إنسان فردها فقياس قول الأصحاب: الضمان، قاله الحارثي، ثم قال: ويحتمل عدم الضمان؛ لعموم الخبر، ولأن يده ليست عليها، قال: والبهيمة: النزفة التي لا تنضبط بكبح ولا نحوه، ليس له ركوبها بالأسواق، فإن ركب ضمن لتفريطه، وكذا الرموح والعضوض. اهـ. والكبح: الجذب، وكبح الدابة: جذب رأسها إليه، وفي حديث الإفاضة من

стр. 1929

عرفات وهو يكبح راحلته، هو من ذلك، قال في «الغاية وشرحها»: ويتجه إن راد الدابة يضمن ما أتلفته إن ردها من عند نفسه لا إن ردها بأمر ربها، فإن ردها بأمر ربها ليمسكها فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن، انتهى. ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾. ويضمن رب الدابة ومستعير ومؤجر ومودع ومرتهن وأجير لحفظها وموصى له بنفعها ما أفسدته من زرع وشجر وثوب خرقته أو أكلته أو مضغته أو وطئت عليه ونحوه ومحل ذلك إذا أفسدته ليلاً فقط؛ لحديث مالك عن الزهري عن حزام بن سعد عن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : «أن على أهل الحوائط حفظها النهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فهو مضمون على أهلها» قال ابن عبد البر: هذا وإن كان مرسلاً فهو مشهور، وحدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا للرعي وحفظها ليلاً وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلاً كان من ضمان من هي بيده. وإن فرط في حفظها بأن لم يضمها بحيث لا يمكنها الخروج، فإن ضمنها من هي بيد فأخرج غيره إذنه أو فتح عليها بابها فأتلفت شيئًا فعليه الضمان دون مالكها، ولا ضمان على من كانت بيده؛ لعدم تفريطه ولو كان ما أتلفته الدابة المعارة ونحوها ليلاً لربها ضمنه مستعير ومستأجر وإن لم يفرط ربها ونحوه بأن ضمها ليلاً بحيث لا يمكنها الخروج فأتلفت شيئًا فلا ضمان؛ لعدم تفريطه. ولا يضمن ربها ومستعيرها ونحوه ما أفسدته نهارًا؛ للحديث السابق إذا لم يكن يد أحد عليها وسواء فرط بأن أرسلها بقرب ما تفسده أو لا لعموم الحديث السابق إلا غاصبها فيضمن ما أفسدت نهارًا أيضًا لتعد بإمساكها

стр. 1930

وإن كان على البهيمة يد كقائد ضمن صاحب اليد ما أفسدت. ولو ادعى صاحب زرع أن بهائم فلان رعت زرعه أو ادعى أنها أفسدت شجره ليلاً ووجد في الزرع أثر ولم يكن هناك بهائم لغيره قضي بالضمان على صاحب البهائم التي تفشت في الزرع ليلاً عملاً بالقرينة. قال الشيخ تقي الدين: هذا من القيافة في الأموال وجعل القيافة معتبرة في الأموال كالقيافة في الإنسان ومن طرد دابة من مزرعة له فدخلت مزرعة غيره فأفسدت لم يضمن ما أفسدته من مزرعة غيره إلا أن يدخلها مزرعة غيره، فإن اتصلت المزارع لم يطردها؛ لأن ذلك تسليط على زرع غيره والذي تميل إليه نفسي أن طردها عن مزرعته إذا لم يدخلها مزرعة غيره وليس ذلك بتسليط، بل لدفع الضرر عن ماله، والله سبحانه أعلم. ولو قدر أن يخرجها من زرعه وله منصرف يخرجها منه من محل غير المزارع فتركها تأكل من زرعه ليرجع على ربها فما أكلته هدر لا رجوع لربه به؛ لتقصيره بعدم صرفها. والحطب على الدابة إذا خرق ثوب آدمي بصير عاقل يجد موضعًا يتحول إليه فالخرق هدر لا يضمنه الحطاب لتقصير رب الثوب بعدم الإنحراف وقياسه لو جرحه ونحوه، وكالحطب حديد ونحوه، وكذا لو كان صاحب الثوب مستدبرًا فصاح حامل الحطب منبهًا له ووجد منحرفًا ولم ينحرف فخرق ثوبه فهدر وكالمستدبر الأعمى إذا صاحب عليه منبهًا له بالإنحراف لموضع يمكنه الإنحراف إليه ولم يفعل وإن لم يجد منحرفًا وهو مستقبل له ولم ينبهه وهو مستدبر ضمن من مع الدابة أرش خرق الثوب، وكذا لو جرحه ونحوه. ومن صال عليه آدمي صغير أو كبير عاقل أو مجنون أو غيره من البهائم

стр. 1931

والطيور فقتله المصول عليه دفعًا عن نفسه لم يضمن إن لم يندفع إلا بالقتل؛ لأن قتله لدفع شره فكأن الصائل قتل نفسه ولو دفع إنسان الصائل عن غيره غير ولد القاتل ونسائه كزوجته وأمه وأخته وعمته وخالته فدفعه بالقتل ضمنه. (١٤) مسائل تتعلق في اصطدام السفن وإتلاف آلات اللهو وقتل الصائل والاستعانة بالمخلوق والدعاء على الظالم س ١٤: إذا اصطدمت سفينتان فغرقتا، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا خرق إنسان سفينة فغرقوا أو أشرفت سفينته على الغرق أو ألقى أحد الركاب متاعه ومتاع غيره، أو قتل صائلاً عليه أو قتل خنزيرًا أو أتلف آلة لهو أو صليب أو آلة تصوير أو مزمارًا أو طنبورًا أو عودًا أو طبلاً أو دفًا بصنوج أو حلق أو أتلف نردًا أو شطرنجًا أو تلفزيونًا أو سينما أو راديوًا وهو المذياع أو أتلف بكمًا أو أتلف شيشة أو دخانًا أو إناء فيه خمر أو كسر آنية ذهب أو فضة أو حليًا محرمًا على ذكر أو نحو ذلك؟ ج: إذا اصطدمت سفينتان واقفتان أو مصعدتان أو منحدرتان فغرقتا ضمن كل واحد من قيّمي السفينتين سفينة الآخر وما فيها من نفس ومال إن فرطا في ردها أو تكميل آلتها من الرجال والحبال وإن كان مركبًا فما يحتاج من وقود وغيره وهو قيد في كل من المتعاطفين لحصول التلف بسبب فعليهما، فوجب على كل واحد منهما ضمان ما تلف بسبب فعله كالفارسين إذا اصطدما وإن لم يفرطا فلا ضمان على واحد منهما؛

стр. 1932

لعدم مباشرته التلف وتسببه فيه، فإن فرط أحدهما دون الآخر ضمن المفرط وحده ما تلف بتفريطه لتسببه في إتلافه. ومع تعمدهما التصادم فهما شريكان في ضمان إتلاف كل من السفينتين، وفي ضمان إتلاف من فيهما من الأنفس والأموال؛ لأنه تلف حصل بفعلهما فاشتركا في ضمانه أشبه ما لو خرقاهما، فإن كان الصدم يقتل غالبًا فعليهما القود بشرطه من المكافأة ونحوها؛ لأنهما تعمدا القتل بما يقتل غالبًا أشبه ما لو ألقياه في لجة البحر بحيث لا يمكنه التخلص فغرق وإن لم يقتل غالبًا بأن فعلا قريبًا من الساحل فهو شبه عمد كما لو ألقاه في ماء قليل فغرق به ولا يسقط فعل صادم. ولو كان الاصطدام مع غيره عمدًا بأن كان خطأ أو شبه عمد بأن مات أحد القيمين دون الآخر بسبب تصادم السفينتين لم يهدر فعل الميت في حق نفسه بل يعتد به لمشاركة الآخر في قتل نفسه، فإن كان حرًا فليس لورثته إلا نصف ديته وإن كان عبدًا فليس لسيده إلا نصف قيمته؛ لأنه شارك في قتل نفسه أشبه ما لو تحامل هو وغيره على قتل نفسه بمحدد. ولو خرق السفينة قيّمها عمدًا في اللجة فغرق من فيها بذلك أو خرقها شبه عمد بأن قلع اللوح بلا داع إلى قلعه قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبًا فغرق عمل به أو خرقها خطأ بقلع لوح يحتاج إلى الإصلاح ليصلحه أو ليضع في مكانه في محل لا يغرق به من فيها غالبًا فغرقوا عمل بذلك فيقتص منه في صورة العمد بشرطه والدية على عاقلته في شبه العمد والخطأ على ما يأتي في الجنايات والكفارة في ماله والسفينة المشرفة على غرق يجب إلقاء ما يظن بإلقائه نجاة من الغرق، فإن تقاعدوا أثموا ولا ضمان، ولو ألقى متاعه ومتاع غيره فلا ضمان على أحد ومن امتنع من إلقاء متاعه ألقي وضمنه ملق غير الدواب فلا تلقى لحرمتها إلا عند إلجاء الضرورة إلى إلقائها

стр. 1933

فتلقى لنجاة الآدمي؛ لأنهم آكد حرمة، ومن قتل حيوانًا صائلاً عليه ولو كان الصائل آدميًا صغيرًا أو كبيرًا عاقلاً أو مجنونًا حرًا أو عبدًا دفعًا عن نفسه لم يضمنه إن لم يندفع إلا بالقتل؛ لأنه لدفع شره فكأنه قتل نفسه، فإن كان قتله دفعًا عن غيره، فقيل: يضمنه، وقيل: لا يضمنه، وهو الموافق لما يأتي في حد قطاع الطريق. وإن قتل خنزيرًا لم يضمنه؛ لأنه مباح القتل أشبه الكلب العقور والخنزير حيوان خبيث، يقال: أنه حرم على لسان كل نبي، وكذا كل حيوان أبيح قتله. ومن أتلف مزمارًا بكسر أو نحوه أو أتلف طنبورًا لم يضمنه، والمزمار: آلة يزمر فيها، والطنبور: آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس ج طنابير، أو أتلف عودًا أو طبلاً أو دفًا بصنوج أو حلق أو أتلف نردًا أو شطرنجًا أو أتلف صليبًا لم يضمن؛ لأنها محرمة. والعود آلة من المعازف يضرب بها ج عيدان، وأعواد والطبل آلة معهودة ذات وجه أو وجهين والدف أيضًا آلة طرب والصنوج جمع صنجة من نحاس أصفر مدورة تضرب على أخرى مثلها للطرب والصنوج أيضًا ما يجعل في إطار الدف من الهنات المدورة، وكل هذه نسأل الله العافية من المحرمات. ومن أتلف أو كسر أو شق إناء فيها خمر مأمور بإراقتها، قدر على إراقتها بدون الكسر أو لا لم يضمنه؛ لحديث ابن عمر قال: «أمرني ﷺ أن آتيه بمدية فأتيته، فأرسل بها فأهرقت ثم أعطانيها، ثم قال: «أعد علي بها» فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر وقد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من ذلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها

стр. 1934

زق خمر إلا شققته ففعلت، فلم أترك زقًا إلا شققته» رواه أحمد، والزق: وعاء الخمر، قال أبو الطيب: ولا تحسبن المجد زقًا وقينة … فما المجد إلا السيف والفتكة البكر ولأمره ﷺ بكسر دنها، رواه الترمذي، فلو لم يجز إتلافها لم يأمر ﷺ بكسر الدنان ولا شق الزقاق، ولا يضمن من أتلف تلفزيونًا أو سينما لما فيهما من المفاسد العظيمة والشرور وتحطيم العقائد والأخلاق ونشر الخلاعة والمجون، فإن هاتين الصناعتين هما المنتهى الذي وصل إليه المصورون في فن التصوير المحرم، وفيهما مع فتنة التصوير فتنة تسجيل أصحاب الصور وحركاتهم وهيئاتهم حال الرقص والغناء والمعازف والإختلاط والتبرج والسفور والتشبه بأعداء الله والسير في ركابهم، وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في «الأدلة الكاشفة»: وأما التلفزيون فهو آلة خطيرة وأضرارها عظيمة كالسينما أو أشد وقد علمنا عنه من الرسائل المؤلفة في شأنه، ومن كلام العارفين به في البلاد العربية وغيرها ما يدل على خطورته وكثرة أضراره بالعقيدة والأخلاق وأحوال المجتمع، وما ذلك إلا لما يبث فيه من تمثيل الأخلاق السافلة والمرائي الفاتنة والصور الخليعة وشبه العاريات والخطب الهدامة والمقالات الكفرية والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم وتعظيم كبرائهم وزعمائهم، والزهد في أخلاق المسلمين وأزيائهم والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم المقتضية لإحتقارهم والإعراض عن سيرتهم وبيان طرق المكر والإحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس، ولا شك أن ما كان بهذه المثابة وترتب عليه هذه المفاسد يجب منعه، والحذر منه وسد الأبواب المفضية إليه … إلخ كلامه (ص ٤٠، ٤١) انتهى. وبالتالي لو لم يكن فيهما إلا الصور المحرمة لكان كافيًا للقول بحرمتهما

стр. 1935

للأحاديث الواردة في تحريم الصور كلها عدا الشجر وما لا روح له ولتحريم النظر إلى الأجنبيات، ولما يترتب على ذلك من نشوز أحد الزوجين عن الآخر. ولا يضمن من أتلف المذياع الراديو؛ لأنه آلة لهو محرم لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآية، وقد فسر لهو الحديث كثير من السلف من الصحابة والتابعين: بالغناء والمزامير، وفسره بعضهم: بالأساطير والقصص من أخبار ملوك الأعاجم والروم، وبعضهم فسر لهو الحديث: بكل باطل يلهي ويشغل عن الخير، فإن فسرت هذه الآية بالغناء والمزامير فهو رأس الملاهي كلها وإن فسرت بالأساطير والقصص والأضاحيك المهزولة فهي غاية أخباره، وإن فسرت بما يجمع ذلك من كل باطل يلهي ويشغل عن الخير فهو الجامع لذلك وفوق ذلك الوصف. ومن المعلوم لدى كل ذي عقل سليم أن الراديو المقصود الأصلي منه اللهو والغناء والإشتغال عن طاعة الله وفي المذياع يجمع بين كلام الله والغناء، وهذا من أعظم التنقص والإمتهان له والإستهزاء به والاستخفاف به، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية، وعدم تنزيه كلام الله عن مزامير الشيطان من أعظم الظلم وأقبحه. وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن الراضي بالمعصية كالفاعل لها فالاستماع إليهم والحالة هذه مشاركة لهم، وقد أجمع المسلمون على تعظيم القرآن وتنزيهه. وقال القاضي عياض ﵀: أعلم أن من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه أو جحد حرفًا منه أو كذب بشيء مما هو مصرح به فيه

стр. 1936

من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك أو شك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين، انتهى. ومن المؤسف لدى كل ذي عقل سليم صاحب علم ودين محب لكلام الله أن يسمع الغناء يقف إثر كلام بديع السموات والأرض، وختامًا فعلى المسلم أن يطهر سمعه عن استماعه، وكل الملاهي والأغاني والنظر إليها، لعله أن يفوز باستماع أصوات الحور العين في جنات النعيم، ويرحم الله ابن القيم حيث يقول: حب الكتاب وحب ألحان الغنا … في قلب عبد ليس يجتمعان ويقول الآخر: تقول نساء الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامع وكيف ترى ليلى بعين ترى بها … سواها وما طهرتا بالمدامع وتطمع منها بالحديث وقد جرى … حديث سواها في خروق المسامع ولا يضمن من أتلف آلات اللهو بكمًا أو إسطوانة أو نحوهما لتحريمهما لما فيها من المفاسد والشرور، ولا يجوز بيعها أو شراؤها ولا إجارتها ولا إعارتها، ولا يضمن من أتلف كورة؛ لأنها من آلات اللهو، بل هي من أعظمها وقد عم البلاء بها في هذا الزمان وهي مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وكذا لا يضمن من أتلف الورق التي يلعب بها والكيرم ونحو هذه الملاهي. ولا يضمن متلف الشيش المعدة لشرب الدخان ولا آلات شربه

стр. 1937

ولا آلة توليعه وتطفيته كما أنه لا يضمن متلف الدخان؛ لأنه محرم شربًا وبيعًا وشراءً. ومن الأدلة الدالة على تحريم الدخان قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ ولا يمتري عاقل في دخوله في قسم الخبائث، وورد عنه ﷺ أنه قال: «كل مسكر حرام»، وقال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، وعن عائشة مرفوعًا: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملؤ الكف منه حرام» فهذه الأحاديث دالة على تحريمه، فإنه خبيث مسكر تارة ومفتر تارة أخرى. ومن الأدلة على تحريمه أنه ثبت طبيًا أن التبغ يحتوي على كمية كبيرة من مادة النيكوتين السامة، وأن شاربه يتعرض لأمراض خطرة كثيرة في بدنه أولاً ثم تظهر تدريجيًا فيضطرب الغشاء المخاطي ويهيج ويسيل منه اللعاب بكثرة ويتغير ويتعسر عليه هضم الطعام. وأيضًا يحدث إلتهابًا في الرئتين ينشأ عنه سعال، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية وعروض أمراض صدرية ربما يتعذر البرء منها وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين يجتمع مثله على القلب فيضغط على فتحاته فيحصل عسر في التنفس. ويؤثر على القلب بتشويش إنتظام دقاته وربما أدى بشرابه إلى الموت فيكون شاربه تسبب لقتل نفسه وقتل النفس محرم شرعًا، قال الله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال ﷺ : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا». ومن الأدلة الدالة على تحريمه أنه إسراف وليس فيه نفع مباح، بل هو

стр. 1938

محض ضرر بأخبار أهل الخبرة، وقد حرم الإسراف والتبذير شرعًا، قال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ وورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». ومن الأدلة الدالة على تحريمه كون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذين لا يستعملونه، وعلى الخصوص في مجامع الصلاة ونحوها، فقد ورد عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته». ومن المعلوم أن رائحة الدخان لا تقل عن كراهة رائحة الثوم والبصل، وورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس»، وفي الحديث الآخر: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»، وفيما ذكرنا كفاية من الأدلة الدالة على تحريمه، فالعاقل المتبصر ينظر ويتأمل ولا يغتر بأقوال أهل الأهواء. ولا يضمن متلف آلة التصوير ولا متلف صور ذوات الأرواح مجسدة أو غير مجسدة كبيرة أو صغيرة؛ لأنها محرمة، وقد تواترت الأدلة على تحريم التصوير ومشروعية طمس الصور وفيها الوعيد الشديد للمصورين والأخبار بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وقد قص الله علينا ما صنعه موسى ﵇ بالعجل من إحراقه ونسفه وإلقائه في البحر، وأخبر تعالى عن خليله ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ الآية، إلى أن قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. وقد ذكرنا بعض الأدلة في الجزء الأول من «الأسئلة والأجوبة الفقهية» في (ص ٩٧) في (س ج ١٨٤) فنكتفي بذلك عن الإطالة.

стр. 1939

ولا يضمن من كسر إناء فضة أو ذهب، وأما إذا أتلفه؛ فإنه يضمن بوزنه فضة أو ذهبًا بلا صناعة، والفرق بينه وبين آلة اللهو أن الذهب والفضة لا يتبعان الصنعة، بل هما مقصودان عملاً أو كسرًا، والخشب والرق يصيران تابعين للصنعة، فالصناعة في الذهب والفضة كالغناء في الآدمية؛ لأن الصناعة أقل من الأصل، والخشب والرق لا يبقى مقصودًا في نفسه، بل يتبع الصورة، ولا يضمن من أتلف آلة سحر أو آلة تعزيم أو آلة تنجيم ولا يضمن من أتلف وثنًا وهو الصنم يعبده المشركون، ولا يضمن من أتلف كتب مبتدعة مضلة أو كتب كفر وإلحاد، تنبيه: وليحذر اللبيب من اقتنائها أو المطالعة فيها، وإذا أشكل عليه معرفة كتاب، هل مصنفه مستقيم أم لا؟ فليسأل عنه أهل العلم المستقيمين العاملين بعلمهم الموثوق بدينهم وأمانتهم ممن يعرف المصنفين الموثوقين السلفيين ويعرف المشهورين بالبدع والقلوب المرضى بالشكوك والشبهات ليبعد عن كتبهم ويحذر عنها. ولا يضمن من أتلف أو حرق مخزن خمر أو كتبًا فيها أحاديث موضوعة؛ لأنه يحرم بيعه، ولأن مخزن الخمر من أماكن المعاصي وإتلافها جائز؛ لأنه ﷺ حرق مسجد الضرار، وأمر بهدمه، قال ابن القيم في كتاب «الهدى»: ولا فرق بين كون المتلف مسلمًا أو كافرًا كل لا يضمن شيئًا مما ذكر. وفي «الفنون»: يجوز إعدام الآية من كتب المبتدعة؛ لأجل ما هي فيه وإهانة لما وضعت له ولو أمكن تمييزها. ولا يضمن من أتلف كتبًا فها سخائف لأهل الخلاعة كالمجلات الخليعة والدواوين المحتوية على الهجاء والإغراء بالفجور والفسق والإلحاد. وختامًا: فعلى من منَّ الله عليه بأن لم يكن عنده شيء من المنكرات التي

стр. 1940

تقدم ذكرها أن يذكر من حمد الله وشكره، ويسأل الله الثبات على ذلك حتى الممات، وعلى من كانت عنده للاستعمال أو يتعاطى بيعها وشراءها أن يبادر إلى الله بالتوبة النصوح وليبعدها عنه بإتلافها أو نحو ذلك، وإن كان عنده عوضها فليتصدق به على الفقراء أو يدفعه للإمام الأهل كما مر وليحذر كل الحذر أن يخلفها بعده نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله الحي القيوم العلي العظيم القريب المجيب أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن أمثالها وأن يوفق ولاة المسلمين لإزالتها ومنعها، اللهم صل على محمد وآله وسلم. ومن كسر حليًا محرمًا على ذكر لم يضعه مالكه يصلح للنساء كلجام وسرج ونحوه لم يضمنه؛ لعدم إحترامه، وأما إذا أتلفه فقد تقدم أن محرم الصناعة يضمن بمثله وزنًا وتلغى صناعته. ولا يجوز كسر حلي صلح للنساء كخواتم ذهب، فإن كسرها؛ فإنه يضمن قيمتها، وأن اللبس الصالح للنساء كالأردية المنسوجة بالحرير والقصب يضمنها متلفها بتشقيق أو تخريق أو غيره، فأما إتلاف نحو عمامة حرير مختصة بالرجال، فإنها لا يضمنها متلفها لإزالته منكرًا ويؤيد عدم ضمان ما ليس بصالح للنساء نص الإمام أحمد في رواية المروذي على تخريق الثياب السود لما فيه من التشبه بالكفار المنهي عنه. قال الشيخ تقي الدين: للمظلوم الإستعانة بمخلوق في دفع الظلم عن نفسه فاستعانته بخالقه أولى من استعانته بمخلوق وله الدعاء على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، ولا يجوز له الدعاء على من شتمته أو أخذ ماله بالكفر؛ لأنه فوق ما يوجبه الظلم ولو كذب ظالم على إنسان لم يفتر عليه، بل يدعو الله فيمن يفتري عليه نظيره، وكذا إن أفغسد عليه دينه فلا يفسد عليه هو دينه، بل يدعو الله عليه فيمن يفسد عليه دينه. هذا مقتضى التشبيه والتورع عنه أولى، قال أحمد: الدعاء قصاص، ومن

стр. 1941

دعا على من ظلمه فما صبر يريد أنه انتصر لنفسه؛ لقوله ﵇: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» رواه الترمذي عن عائشة، ولمن صبر فلم ينتصر وغفر، إن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور. من النظم فيما يتعلق بجناية البهائم وما لا يغرم وما يغرم وما جنت العجماء نهارًا فمهدر … سوى مع تفريط وفي يد مرشد كإرسالها عمدًا بقرب الذي جرت … بإفسادها عاداتها لا التبعد وضمن بليل غير متقن حفظها … وإن غلبت من غير حبس فلا يد وإن نفرت خذ ما جنت من منفر … وعنه بليل ضمنن لا تقيد ومن راكب أو قائد أو مسوقها … يزن مطلقًا عدوان فيها مع اليد وطاء برجل رفس نح بدائه … ويضمن نفحًا هاجه كبح مقود وعنه ليضمن سائق فعل رجلها … وعنه عن الرجل أعف عن غير معتد وإن تك مع راع ومن يستعيرها … ومستأمن ألزمه مأربها يد وما غير أشجار وزرع بلازم الضمان … ولو ليلاً سوى مع مفسد

стр. 1942

ولا شيء فيما جوز الصول قتله … ومكلف أو عجمًا وبله وفوهد ولا غرم في المقتول دفعًا لشره … إذا لم يفرد قاتل بالتزيد وأن يصطدم فلكان إن غرقا معًا … بتضمين كل متلف الآخر أشهد إذا فرطا بالضبط حتى تصادما … ومن خص بالتفريط بالغرم أفرد ومنحدرًا ضمنه مصعدة سوى … مع العجز عن ضبط ودع غرم مصعد ومن غاص مع تفريطه مال غيره … بماء له واعتاض إخراج مورد ليكسر له ملغى وإن لم يفرطن … ليضمن رب المال نقص التشرد وهل بذل المظروف يلزم أخذه … مع البذل من ذي الظرف وجهين أسند وإن يصطدم نفسان عمدًا فموتًا … فذا شبه عمد ليس عمدًا بأجود وقيل إذا ما كان يقتل غالبًا … فأهد لكل بالتقاصص تهتدي وعاقل كل ضامن قتل مخطئ … وفي ماله التكفير مع باق مفسد وقيمة عبد متلف وركابه … كذلك قدر الحر في نفس أعبد

стр. 1943

وعبدين إن كانا فماتا فما توى … لفوت محل الغرم أهدره ترشد وسائرهم ضمنه متلف واقف … وقد قيل لا مع ضيق موقفه قد وأهدر على المنصوص متلف سائر … وقد قيل لا بل قيل مع ضيق مورد وإن غلب المركوب راكبه فلا … ضمان لمال متلف في مبعد ومن يقل انبذ رحلك أضمنه تبح … فالزم وفي تضمينه قسطه قد ويكره بيع وابتياع بموطن الظلام … كذا غصب لقصد التزهد ولا غرم في كسر الصليب ولا أنا … لجين وعين قل ولا آلة الدد وتمزيق كتب السحر أو لمنجم … وشبههما من كتب محظور أعدد وشق ظروف الخمر يا صاح مطلقًا … وإن نفعت في غيره في الموطد (١٥) باب في الشفعة س ١٥: ما هي الشفعة؟ وما وجه مناسبتها للغصب؟ وبأي شيء ثبتت؟ وما أركانها؟ وما شروطها؟ وما الذي لا تجب به؟ وهل تسقط بالتحيل؟ ومثل له، وهل يقبل قول من ادعى ما يسقطها؟ ولأي شيء شرعت الشفعة؟ وما الذي تسقط به؟ واذكر المحترزات والتفاصيل والأمثلة والأدلة والتعليل والخلاف والترجيح.

стр. 1944

ج: الشفعة بإسكان الفاء هي مشتقة من الزيادة والتقوية؛ لأن الشفيع يضمن المبيع إلى ملكه فيشفعه به وكأنه كان واحدًا وترًا فصار زوجًا شفعًا، وعين شافعة تنظر نظرين، وأنشد ابن الأعرابي: ما كان أبصرني بغرات الصبا … فاليوم قد شفعت لي الأشباح وأنشد ثعلب: لنفسي حديث دون صحبي وأصبحت … تزيد لعيني الشخوص الشوافع والشافع: هو جاعل الوتر شفعًا، والشفيع: فعيل بمعنى فاعل، ووجه مناسبة الشفعة للغصب تملك الإنسان مال غيره بلا رضا في كل منهما، والحق تقديمها عليه؛ لكونها مشروعة دونه؛ لكن توفر الحاجة إلى معرفته للاحتراز عنه مع كثرة وقوعه من الإستحقاق في البياعات والعقار والمنقول والأشربة والإجارات والشركات والمزارعات أوجب تقديمه. ومن محاسن الشفعة: أن الجار ربما يكون في حاجة إلى هذه الحصة المبيعة كأن يكون بيته ضيقًا ويريد إتساعه أو تكون الأرض المشتركة بجوار مزارعه ويحتاج إليها، ومن محاسن الشفعة: التنبيه على عظم حق الجار والشريك حيث أن له الحق في التقدم على غيره في الشراء إلا إذا أسقط حقه بامتناعه عن الشراء، ومن محاسن الشفعة: دفع ضرر الجوار وهو مادة المضار، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» ولا شك عند أحد

стр. 1945

في حسن دفع ضرر التأذي بسبب المجاورة على الدوام من حيث إيقاد النار وإعلاء الجدار وإثارة الغبار وسائر أنواع الضرر. ومن الفوائد المترتبة على الشفعة: أن يكون أحد الشريكين راغبًا في بيع حصته من دار أو أرض أو دكان فيأتي المشتري وربما كان عدوًا للشريك الآخر فيشتري الحصة المبيعة فيؤذي الشريك، فهذا الجوار بسبب البغض والحقد والحسد في النفوس، وقد قال ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تباغضوا» الحديث، وربما يكون المشتري من ذوي الأخلاق الفاسدة والنفوس الشريرة فيصل الضرر إلى جاره، وربما ملّ الإنسان من ملكه، وما أحسن ما قيل: كم معشر سلموا لم يؤذه سبع … وما نرى أحدًا لم يؤذه بشر وقال الآخر: إن السباع لتهدوا في مرابضها … والناس ليس بهاد شرهم أبدًا والشفعة قبل الإجماع ثابتة بالسُّنة، فورد عن جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» متفق عليه، ولمسلم قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه؛ فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به». وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط، والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد بيع نصيبه ويمكن من بيعه لشريكه

стр. 1946

وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والإستخلاص، فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه لشريكه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص لشريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. والشفعة في الشرع: إستحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد إن كان المتنقل إليه مثل الشفيع في الإسلام والكفر أو دون الشريك بأن كان الشريك مسلمًا، والمنتقل إليه الشقص كافرًا، ولا شفعة في الموروث والموصى به والموهوب بلا عوض ولا المجعول مهرًا أو عوضًا في خلع ونحوه أو صلحًا عن دم عمد ونحوه ولا تسقط الشفعة باحتيال على إسقاطها. ويحرم الاحتيال على إسقاطها، قال الإمام أحمد: «ولا يجوز شيء من الحيل في إبطالها ولا إبطال حق مسلم له»، واستدل الأصحاب بحديث أبي هريرة: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، وقال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه» متفق عليه، ولأن الله تعالى ذم المخادعين قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، وقال عبد الله بن عمر: من يخدع الله يخدعه. واتفق السلف على أن الحيل بدعة محدثة لا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقض حكمه ومن احتال على تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرض الله، وتعطيل ما شرعه الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد. وقال الشيخ ﵀: وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة فهو باطل؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر فلو شرع التحيل لإبطالها؛ لكان عودًا على إبطال مقصود الشريعة.

стр. 1947

وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله، ثم أنصف لم يشك أن تقرير الإجماع من الصحابة على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يدعى في إجماعهم، بل أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها، والمنع عنها ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسُّنة. اهـ. ومعنى الحيلة: أن يظهروا في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه ويتواطئوا في الباطن على خلافه كإظهار هبة شقص مشفوع لمشتر وإظهار هبة ثمن من مشتر لبائع بعد أن تواطئوا على ذلك، أو إظهار ثمن كثير وهو قليل مثل أن شتري شيئًا يساوي عشرة دنانير بألف درهم ثم يقتضيه عنها عشرة دنانير أو يشتريه بمائة دينار ويقضيه عنها مائة درهم، أو يشتري البائع من المشتري سيارة قيمتها مائة بألف في ذمته ثم يبيعه الشقص بالألف، أو يشتري شقصًا بألف يدفع منها مائة ويبرئه البائع من الباقي وهي تسعمائة، أو يشتري جزءًا من الشقص بمائة ثم يهب له البائع باقيه، أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار كأن يبيعه الشقص المشفوع بصبرة يجهل قدرها، والصبرة ما جمع بلا كيل ولا وزن ولا عد، أو حفنة قراضة أو جوهرة معينة أو سلعة معينة غير موصوفة، أو بمائة درهم ولولؤة ونحو ذلك، فإن وقع ذلك في غير حيلة سقطت الشفعة، وإن تحيلا به على إسقاطها لم تسقط، ويؤخذ الشقص فيما إذا ظهر التواهب بمثل ثمن وهب للبائع إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا. وفي الصورة الثانية: وهي ما إذا كان قيمة الشقص عشرة دنانير وأظهر أن الثمن ألف درهم يؤخذ شقص بمثل ثمن عقد باطنًا وهو عشرة دنانير.،

стр. 1948

وفي الصورة الثالثة: وهي ما إذا اشترى الشقص بمائة دينار وقضاه عنه مائة درهم دون المائة دينار؛ لأنها غير المقصودة. وفي الصورة الرابعة: وهي إذا اشترى سيارة قيمتها مائة بألف في ذمته ثم باعه الشقص المشفوع بألف يؤخذ مائة درهم أو قيمتها ذهبًا؛ لأن المائة هي المقصودة دون الألف. وفي الصورة الخامسة: وهي ما إذا اشترى شقصًا بألف ودفع منها مائة وأبراه البائع من تسع مائة يؤخذ منه مائة أو الباقي بعد الإبراء؛ لأن ما زاد عليه ليس مقصودًا حقيقة. وفي الصورة السادسة: وهي ما إذا اشترى جزءًا من الشقص بمائة ثم وهب له البائع بقية الشقص يؤخذ أيضًا مائة لا غير؛ لأنه إنما وهبه بقية الشقص عوضًا عن الثمن الذي اشترى به الجزء. وفي الصورة السابعة: وهي ما إذا باعه الشقص بصبرة دراهم مشاهدة مجهول قدرها حيلة أو بحفنة قراضة أو جوهرة معينة ونحوها مجهولة القيمة حيلة ومع جهل ثمن شقص فيؤخذ مثل الثمن المجهول أو من الدراهم بقيمته إذا كان جوهرة ونحوها إن كان الثمن باقيًا ولو تعذر معرفة الثمن مع الحيلة بتلف المعقود عليه أو موت العبد ونحوه المجعول ثمنًا دفع الشفيع إلى المشتري قيمة الشقص المشفوع؛ لأن الأصل في عقود المعاوضات أن يكون العوض بقدر القيمة؛ لأنها لو وقعت بأقل أو أكثر؛ لكانت محاباة والأصل عدمها. قال في «الفائق»: ومن صور التحيل أن يقفه المشتري أو يهبه حيلة لإسقاطها فلا تسقط بذلك عند الأئمة الأربعة ويغلط ومن يحكم بها ممن ينتحل مذهب أحمد، وللشفيع الأخذ بدون حكم، انتهى. قال في القاعدة

стр. 1949

الرابعة والخمسين: هذا الأظهر. وإن تعذر علم قدر الثمن من غير حيلة في ذلك على إسقاط الشفعة بأن قال المشتري: لا أعلم قدر الثمن ولا بينة به، فقوله مع يمينه أنه لا يعلم قدر الثمن ويقبل قول مشتر في نفي الحيل على إسقاط الحيلة؛ لأن الأصل عدم ذلك فإن نكل قضي عليه بالنكول. وتسقط الشفعة حيث جهل قدر الثمن بلا حيلة كما لو علم قدره عند الشراء ثم نسي؛ لأن الشفعة لا تستحق بغير البدل ولا يمكن أن يدفع إليه مالاً يدعيه ودعواه لا تمكن مع جهله. وإن خالف أحد المتعاقدين ما تواطئا وأظهرا خلافه كما لو تواطئا على أن الثمن عشرة دنانير وأظهرا ألف درهم فطالب البائع المشتري بما أظهراه وهو الألف في المثال، فإنه يلزم المشتري دفع ما أظهره المتبايعان وهو الألف حكمًا؛ لأن الأصل عدم التواطؤ. قال في «شرح الإقناع»: قلت: إن لم تقم بينة بالتواطؤ وله تحليف البائع أنه لم يتواطأ معه على ذلك، انتهى. ولا يحل في الباطن لمن غر صاحبه الأخذ بخلاف ما تواطآ عليه بأن يأخذ منه زيادة؛ لأنه ظلم. تتمة في التحذير من الحيل: قد مسخ الله تعالى أهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعًا لهم فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل فلم تخلص منها يومها كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما

стр. 1950

فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن كان جزاؤهم من جنس عملهم. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ قيل به أمة محمد ﷺ ليتعظوا بذلك فيجتنبوا فعل المعتدين، ولأن الحيلة خديعة، وقد قال ﷺ : «لا تحل الخديعة لمسلم» ولأن الشفعة وضعت لدفع الضرر فلو سقطت التحيل للحق الضرر فلم تسقط كما لو أسقطها المشتري عنه بالوقف والبيع وفارق ما لم يقصد به التحيل؛ لأنه لا خداع فيه ولا قصد به إبطال حق والأعمال بالنيات. وشروط الشفعة خمسة: أحدها: كون شقص منتقل عن الشريك مبيعًا أو صلحًا عن إقرار بمال، وهو أن يقر له بدين أو عين فيصالحه عن ذلك بالشقص؛ لأنه بمعنى البيع أو يكون الشقص مصالحًا به عن جناية موجبة للمال كقتل وشبه العمد وأرش الجائفة ونحوها أو كونه هبة مشروطًا فيها الثواب فإنها بمعنى البيع؛ لأن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي انتقل به إلى المشتري ولا يمكن هذا في غير البيع وألحق بالبيع المذكورات بعده؛ لأنها بيع في الحقيقة، لكن بألفاظ أخر. ولا شفعة فيما انتقل عن ملك الشريك بغير عوض كقسمة؛ لأنها إفراز وتراض؛ لأنها لو ثبتت أحدهما على الآخر لثبت ماله عليه فلا فائدة وهبة بغير عوض وموصى به ومورث ونحوه كدخوله في ملكه بطلاق قبل الدخول بأن أصدقت امرأة أرضًا وباعت نصفها ثم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يرجع إليه النصف الباقي في ملكها ولا شفعة للمشتري من المرأة عليه ولا شفعة أيضًا فيما عوضه غير مال كصداق

стр. 1951

وعوض خلع أو طلاق أو عتق كقوله: اعتق عبدك عني وخذ هذا الشقص وعوض خلع وصلح عن قود؛ لأن ذلك ليس له عوض يمكن الأخذ به فأشبه الموهوب والموروث وفارق البيع؛ لأنه يؤخذ بعوضه. فلو جنى جنايتين عمدًا وخطأ فصالحه منهما على شقص أخذ بها في نصف الشقص أي ما يقابل الخطأ بدون باقية؛ لأن الصفقة جمعت ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه فوجبت بها فيما تجب فيه دون الآخر كما لو باع شقصًا وسيفًا. وقيل: تجب، اختاره ابن حامد، وقال ابن شبرمة وابن أبي ليلى: لأنه مملوك بعقد معاوضة أشبه البيع، وبه قال مالك والشافعي، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم. ومن قال لأم ولده: إن خدمت ولدي حتى يستغنى فلك هذا الشقص، فخدمته إلى الفطام استحقته، ولا شفعة فيه؛ لأنه موصى به شرط. ولا شفعة أيضًا في شقص أخذ من شريك أجرة أو جعالة أو ثمن سلم إن صح جعل العقار رأس مال سلم أو عوض كتابة؛ لأنه لا يمكن الأخذ بقيمة الشقص؛ لأنها ليست بعوضه في المسائل الأربعة ولا بقيمة مقابله من النفع والعين وأيضًا الخبر وارد في البيع، وليست هذه واردة في معناه. ومثل ما عوضه غير مال شقص اشتراه بنحو خمر كجلود ميتة وسرجين نجس أو خنزير؛ لأن ذلك ليس بمال. ولا شفعة فيما يرجع إلى البائع كرد شقص مشفوع بعد الشراء على بائعه بفسخ أو عيب أو مقايلة أو لغبن فاحش أو لاختلاف متبايعين في الثمن أو خيار مجلس أو شرط أو تدليس؛ لأن الفسخ رفع العقد وليس

стр. 1952

بيعًا ولا في معناه. ولا شفعة فيما لا يصح بيعه كأراضي مصر والشام والعراق وجميع ما وقفه عمر ﵁ سوى المساكن منها، وتقدم الكلام عليها في الجزء الرابع (ص ٢٥، ٢٦). الشرط الثاني: كون الشقص مشاعًا مع الشريك من عقار تجب قسمته بطلب بعض الشركاء إجبارًا؛ لقوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم، فأما إذا وقعت الحدود فلا شفعة» روى الشافعي. ولقوله ﷺ : «الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» رواه أبو داود. فإن قيل: إنما نفى الشفعة بصرف الطرقات وهي للجار غير مصروفة أجيب بأن الطرق التي لم تنصرف بالقسمة باستطراق المشاع الذي يستطرق به الشريك ليصل إلى ملكه، فإذا وقعت القسمة انصرف استطرافه في ملك شريكه، وأما غيره من الطرقات المستحقة فلا تنصرف أبدًا فلا شفعة لجار في مقسوم محدود لما تقدم، وأما حديث أبي رافع مرفوعًا: «الجار أحق بصقبه» رواه البخاري، فليس بصريح في الشفعة، فإن الصقب القرب. قال الشاعر: كوفية نازخ محلتها … لا أمم دارها ولا صقب فيحتمل أنه أراد بإحسان جاره وصلته وعيادته، وحديث: «جار الدار أحق بالدار» رواه الترمذي، وحديث: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إذا كان غائبًا إذا كان طريقها واحدًا» رواه الترمذي. فقد أجيب عن الأول بوجهين، أحدهما: أنه أبهم الحق ولم يصرح به

стр. 1953

فلم يجز أن يحمل على العموم، والثاني: محمول على أنه أحق بالفناء الذي بينه وبين الجار ممن ليس بجار أو يكون مرتفقًا به، وعن الثاني بأن الحسن رواه عن سمرة، وأهل الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له، ومن أثبت لقاءه إياه، قال: أنه لم يرو عنه إلا حديث العقبة ولو سلم لكان عنه الجوابان المذكوران، وعن الثالث: بأن شعبة قال: سها فيه عبد الملك بن سليمان الذي الحديث من روايته. وقال الإمام أحمد: هذا الحديث منكر، وقال ابن معين: لم يرو غير عبد الملك، وقد أنكر عليه ثم يحتمل أن المراد بالجار في الأحاديث الشريك فإنه جار أيضًا؛ لأن اسم الجوار يختص بالقريب والشريك أقرب من اللصيق، فكان أحق باسم الجوار، وقد أطلقت العرب على الزوجة جارة لقربها، قال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالق، وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فأطلق الجارتين وأراد بهما الضرتين، وهذا ممكن في تأويل الحديث -حديث أبي رافع-، والله سبحانه أعلم. قال العمريطي: إن يشترك شخصان في عقار … كالأرض والأشجار والعقار فاجعل لكل بيع تلك الحصة … وللشفيع أخذها بالشفعة إن صح قسم ذلك العقار … ولا تجوز شفعة للجار وعند أبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين: تثبت الشفعة بالجوار.

стр. 1954

وتوسط بعض العلماء، فقال: بثبوت الشفعة للجار بشرط أن يكون بينهما طريق أو بئر أو جدار أو مسيل ماء ونحو ذلك، وهذا القول هو اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وبهذا القول يحصل الجمع بين الأحاديث الواردة في باب الشفعة، وهذا القول الذي تطمئن إليه النفس والله سبحانه أعلم. وقال في «الشرح»: ولا شفعة في طريق نافذ؛ لقوله ﷺ : «ولا شفعة في فناء ولا طريق مثقبة» رواه أبو عبيد في «الغريب»، والمثقبة: الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد ولا شفعة في طريق مشترك لا ينفذ ببيع دار فيه بأن كان غير نافذ لكل واحد من أهله فيه باب فباع أحدهم داره التي فيه بطريقها أو باع الطريق وحده، وكان الطريق لا يقبل القسمة فلا شفعة، ولو كان نصيب مشتر للدار بطريقها أو لطريقها من الطريق أكثر من حاجته في الإستطراق إذ في وجوبها تبعيض للصفقة على المشتري وهو ضرر ومحل ذلك حيث لا باب آخر للدار المشتراة إلا ذلك الباب ولم يمكن فتح باب لها لشارع نافذ فلا شفعة للحديث السابق؛ ولحصول الضرر على المشتري بوجوبها؛ لأن الدار تبقى لا طريق لها. وإن كان الطريق يقبل القسمة لسعته ولدار المشتري طريق آخر إلى شارع أو غيره أو لم يكن لها طريق لكن يمكن فتح باب لها إلى شارع وجبت الشفعة في الطريق المشترك؛ لأنه أرض مشتركة يحتمل القسمة فوجبت فيه الشفعة كغيره من الأرض وكالطريق المشترك الذي لا ينفذ دهليز وصحن دار مشتركان، فإذا بيعت دار لها دهليز مشترك أو بيت بابه في صحن دار مشترك ولا يمكن الإستطراق إلى المبيع إلا من ذلك الدهليز أو الصحن فلا شفعة فيهما للضرر. وإن كان له باب آخر أو أمكن فتح باب له إلى شارع وجبت لوجوب

стр. 1955

المقتضي وعدم المانع. والذي تميل إليه النفس: أن الشفعة تثبت بالشركة في البئر، والطريق، ومسيل الماء، والله سبحانه أعلم. ولا شفعة بالشرب وهو النهر أو البئر أو العين يسقي أرض هذا وأرض هذا، فإذا باع أحدهما أرضه المفردة فليس للآخر الأخذ بالشفعة بسبب حقه في الشرب، قال أحمد في روية ابن القاسم في رجل له أرش تشرب هي وأرض غيره من نهر: فلا شفعة من أجل الشرب إذا وقعت الحدود فلا شفعة. ولا شفعة فيما لم يقسم بالطلب كحمام صغير وبئر وطرق ضيقة وعراص ضيقة ورحى صغيرة وعضادة؛ لحديث أبي عبيدة السابق؛ ولقول عثمان: لا شفعة في بئر ولا نخل، ولأن إثبات الشفعة بهذا يضر البائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه في القسمة. وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع. وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها، فأما إذا أمكن قسمة ما ذكر كالحمام الكبير الواسع الذي تمكن قسمته حمامين بحيث إذا قسم لا يتضرر بالقسمة وأمكن الإنتفاع به حمامًا، فإن الشفعة تجب فيه، وكذا البئر والعضائد متى أمكن أن يحصل من ذلك شيئًان كالبئر يقسم بئرين يرتقى الماء منهما أو كان مع البئر بياض أرض بحيث يحصل البئر في أحد النصيبين وجبت الشفعة لا مكان القسمة، وهكذا كل ما أمكن قسمته. وقيل: تجب الشفعة فيما لا تجب قسمته إختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين، قال الحارثي: وهو الحق؛ لما روى ابن عباس

стр. 1956

-﵄ مرفوعًا: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» رواه الترمذي والنسائي متصلاً ومرسلاً، وهو أصح قاله الدارقطني، والذي أصله أبو حمزة السكري، وهو مخرج عنه في «الصحيحين»، ولأنها وضعت لإزالة الضرر ووجود الضرر فيما لم يقسم أبلغ، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم. ولا شفعة فيما ليس بعقار كشجر وبناء مفرد عن أرض ولا تجب الشفعة في حيوان وجوهر وسفينة، قلت: والذي يترجح عندي أن السفينة والسيارة والمركب أن فيها الشفعة نظرًا للمعنى الذي أثبت الشارع الشفعة فيه للشريك وهو إزالة الضرر وهو موجود في هذه، والله سبحانه أعلم. ولا شفعة في زرع وثمر وسيف وكل منقول؛ لأن شرط وجوبها أن يكون البيع مما يبقى ويطول ضرر، وهذا لا يطول بخلاف الأرض ويؤخذ غراس وبناء بالشفعة تبعًا للأرض؛ لحديث قضائه ﵊ بالشفعة في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائطًا، وهذا يدخل فيه البناء والأشجار والربع جمع ربوع وأربع المنزل، قال الشماخ: تصيبهم وتخطئني المنايا … وأخلف في ربوع عن ربوع وقال ذو الرمة: الأربع الدهم اللواتي كأنها … بقية وحي في بطون الصحائف والربع الدار بعينها، قال زهير: فلما عرفت الدار قلت لربعها … ألا أنعم صباحًا أيها الربع واسلم

стр. 1957

وقال المتنبي: بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا … وجدت بي وبدمعي في مغانيكا والحائط البستان من النخل إذا كان عليه حائط وهو الجدار وجمعه حوائط، وكذا نهر وبئر وقناة ودولاب فتؤخذ الشفعة تبعًا للأرض لا مفردة، ولا يؤخذ بالشفعة تبعًا ولا مفردًا ثمر ظهر ولا زرع؛ لأنهما لا يدخلان في البيع. فإن بيع الشجر مع الأرض التي فيها الشفعة وأخذ الشجر تبعًا للأرض بالشفعة، وفيه ثمر غير ظاهر كالطلع غير المتشقق دخل الثمر في المشفوع تبعًا له حيث أخذه الشفيع قبل التشقق؛ لأنه يتبع في البيع فتبع في الشفعة فيدخل في القاعدة المشهورة: يثبت تبعًا ما لا يثبت إستقلالاً. وإن لم يأخذه حتى تشقق بقي الثمر لمشتر إلى أوان أخذه وإن باع علوًا من دار وكان ذلك العلو مشتركًا والسقف الذي تحته لصاح العلو، فلا شفعة في العلو؛ لأنه بناء مفرد ولا شفعة أيضًا في السقف؛ لأنه لا أرض له فهو كالأبنية المفردة، فإن باع سفلاً مشتركًا بين إثنين فأكثر والعلو خالص لأحد الشريكين فباع رب العلو نصيبه من السفل ثبتت الشفعة في السفل فقط دون العلو لعدم الشركة فيه. فيما يتعلق بالشفعة من النظم تبارك من في طي أحكامه له … يرى حكمًا قلب اللبيب المسدد ففي الضر والإضرار يقضي على الفتى … بما أن طرا يقضي له في المجدد

стр. 1958

فمن حكم الأحكام إيجاب شفعة … لكل شريك خائف من تنكد فيملك أخذ الشقص من مشتر من … الشريك بما قرر بحتم التعقد ولم يجب إلا في عقار محتم … تقاسمه أن بيع في المتوطد وعنه يجب في كل مال ولو من … النقل إلا ممكنًا قسمه قد ولا شفعة فيما بلا عوض قني … كإرث وإيصاء وبذل مجود وما اعتاضه عن غير مال بأجود … كخلع نكاح صلح قتل تعمد فإن توجبن خذه بقيمته تصب … وقيل بقيمة ما يقابله جد ولا شفعة فيما اشترى إثنان صفقة … لكل ولا مع جهل سبق اقتنا اليد ولا في حقوق الأرض من دون عينها … ولا في شريك الوقف في ذا بأوطد ولا في مبيع في زمان الخيار للجميع … وفرد منهما في الموطد ويؤخذ غرس والبنا تبعًا وفي … ثمار بدت والزرع لا في المجود ويحرم كيد للسقوط ولم يفد … ولا شفعة للجار كره وأبعد

стр. 1959

فيأخذ في المثلي بمثل قضى فقط … وقيمة غير أو لشقص متى ردي ولا شفعة في واقع دون حيلة … ومبتاعه أقبل منه جحد التكيد (١٦) شروط الشفعة وألفاظ طلبها وبعض الألفاظ التي تسقطها والتي لا تسقطها وما يتعلق بذلك س ١٦: تكلم بوضوح عن الشرط الثالث من شروط الشفعة مبينًا حكم تأخيرها، وما صفة لفظ طلب الشفعة؟ وبأي شيء يملك الشقص؟ ومتى يصح التصرف في الشقص المشفوع؟ وهل تشترط رؤيته لأخذه؟ وإذا لم يجد الشفيع من يشهده أو كذب المخبر له أو قال لمشتر بعينه، أو أكرنيه أو صالحني أو اشتريت رخيصًا أو عمل دلالاً بينهما أو توكل لأحدهما أو جعل للشفيع الخيار فاختار إمضاءه أو رضي بالبيع أو ضمن الشفيع للبائع الثمن أو سلم عليه أو دعا له بعده أو أسقطها قبل البيع أو ترك شفعة موليه أو كان من له حق الشفعة مفلسًا أو مكاتبًا أو باع أو ترك شفعة موليه أو كان من له حق الشفعة مفلسًا أو مكاتبًا أو باع ولي محجورين لأحدهم نصيبًا في شركة أو كان وكيل بيت المال، واذكر الدليل والتعليل والمحترز والقيد والخلاف والترجيح. ج: الشرط الثالث: للشفعة المطالبة بها على الفور ساعة يعلم بالبيع؛ لقوله ﷺ : «الشفعة لمن واثبها» رواه الفقهاء في كتبهم، ورده الحارثي بأنه لا يعرف في كتب الحديث. ولقوله الشفعة: «كحل العقال» رواه ابن ماجه، وفي لفظ: «كنشط العقال» إن قيدت تثبت وإن تركت فاللوم عن من تركها؛ لأنه خيار لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور كخيار الرد بالعيب، ولأن إتيانه على التراخي المشتري؛ لكونه لا يستقر ملكه على المبيع ويمنعه من التصرف

стр. 1960

بعمارة المبيع خشية أخذه منه ولا يندفع عنه الضرر بأخذ قيمته. لأن خسارتها في الغالب أكثر من قيمتها مع تعب قلبه وبدنه فيها، والتحديد بثلاثة أيام تحكم لا دليل عليه، والأصل المقيس عليه ممنوع. وقيل: أن الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا من عفو أو مطالبة بقسمة ونحو ذلك، وهذا قول مالك وقول الشافعي، إلا أن مالكًا قال: تنقطع بمضي سنة. وقيل: بمضي مدة يعلم أنه تارك لها؛ لأن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه فلم يسقط بالتأخير كحق القصاص. وقيل: بثلاثة أيام بقدر الخيار وهو قول للشافعي، ويحكى عن ابن أبي ليلى والثوري والذي تطمئن إليه النفس القول الثاني، وهو قول من يقول: إنها على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على السقوط، والله سبحانه أعلم. صورة طلب شفعة الجوار حضر إليّ شهوده في يوم تاريخه كذا وكذا فلان ابن فلان وأشهد عليه أنه لما بلغه أن شريكه فلان باع من فلان النصف الشائع من جميع الدار أو البستان الفلاني التي يملك الحاضر المذكور النصف الآخر منه أو منها، ويحدد بثمن مبلغه كذا وكذا بادر مسرعًا من غير تأخر ولا إهمال وطلب الشفعة في المبيع المعين أعلاه وأشهد عليه بالطلب للشفعة في إشهادًا شرعيًا فلانًا وفلانًا. فإن أخر الشفيع الطلب بالشفعة عن وقت العلم لغير عذر بطلت شفعته وإن أخر الطلب للشفعة لشدة جوع أو عطش أو أخره المحدث لطهارة أو لإغلاق باب أو ليخرج من حمام أو أخر طلبها حاقن أو حاقب أو حاقز أو أخره مؤذن ليؤذن أو يقيم الصلاة أو أخر الطلب ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها باشتغاله بطلب الشفعة.

стр. 1961

أو انخرق ثوبه أو سقط منه مال فأخره أو أخره من علم ليلاً حتى يصبح مع غيبة مشتر أو أخر الطلب لفعل صلاة وسننها لم تسقط؛ لأن العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها فليس الإشتغال بها رضي بترك الشفعة إذ الفور المشروط حسب العرف والعادة. وكذا إن أخر الطلب جهلاً بأن التأخير مسقط للشفعة ومثله يجهله لم تسقط؛ لأن الجهل مما يعذر به أشبه ما لو تركها لعدم عله بها بخلاف ما ل تركها جهلاً باستحقاقه لها أو نسيانًا للطلب أو البيع، والذي تميل إليه نفسي أنه إذا كان جاهلاً أن له الشفعة أو نسي أن يشفع أن له ذلك؛ لأنه معذور، والله سبحانه أعلم. أو أشهد بطلبه غائب أو محبوس لم تسقط شفعته؛ لأن إشهاده به دليل رغبته وأنه لا مانع له منه إلا قيام العذر، فإن لم يشهد سقطت؛ لأنه قد يترك الطلب للعذر وقد يتركه لغيره وسواء قدر على التوكيل فيه أو لا إذا التوكيل إن كان بجعل فيه غرم، وإن كان بتبرع ففيه منة وقد لا يثق به. وتسقط الشفعة إذا علم الشريك بالبيع وهو غائب عن البلد بسيره هو أو وكيله إلى البلد الذي فيه المشتري في طلب الشفعة بلا إشهاد قبل سيره مع التمكن منه قبل سيره؛ لأن السير يكون لطلب الشفعة ولغيره، وقد قدر أن يبين كون سيره لطلب الشفعة بالإشهاد عليه، فإن لم يفعل سقطت كتارك الطلب مع حضوره وتقدم القول الذي تطمئن إليه النفس وأنها على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على السقوط، والله أعلم، ولا تسقط الشفعة بسير الشريك حاضر بالبلد. ولا يلزم الشفيع أن يسرع في مشيه، بل يمشي على عادته ولا يلزم أن يحرك دابته أو يسرع بسيارته أو دراجته فوق العادة؛ لأن الطلب المشروط هو

стр. 1962

الطلب بما جرت به العادة، وإن لقي الشفيع المشتري فسلم عليه ثم طالبه لم تسقط بالسلام؛ لأنه السُّنة، وفي الحديث: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» رواه الطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الحلية» من حديث ابن عمر. وإن قال الشفيع بعد السلام متصلاً به بارك الله في صفقة يمينك، أو قال بعد السلام: جزاك الله خيرًا أو غفر لك، لم تبطل الشفعة؛ لأن ذلك يتصل بالسلام فهو من جملته والدعاء بالبركة في الصفقة دعاء من الشفيع لنفسه؛ لأن الشخص يرجع إليه إذا أخذه بالشفعة فلا يكون ذلك الدعاء رضي بترك الشفعة. فإن اشتغل الشفيع بكلام غير الدعاء أو سكت بلا عذر بطلت الشفعة لفوات شرطها وهو الفور وتقدم القول الذي تطمئن إليه النفس وأن حق الشفعة كسائر الحقوق لا يسقط إلا بما يدل على السقوط. ويملك الشفيع الشقص بالمطالبة ولو لم يقبضه مع ملاءته بالثمن؛ لأن البيع السابق سبب فإذا انضمت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع إذا انضم إليه القبول. ولفظ الطلب أن يقول الشفيع: أنا طالب بالشفعة أو أنا مطالب بالشفعة أو أنا آخذ بالشفعة، أو أنا قائم على الشفعة ونحوه مما يفيد محاولة الأخذ بالشفعة كتملكت الشقص أو انتزعته من مشتريه أو ضممته إلى ما كنت أملكه من العين ويملك الشقص بذلك فيورث عنه إذا مات بعد الطلب كسائر أملاكه. ويصح تصرفه فيه وإن لم يقبضه حيث كان قادرًا على الثمن الحال ولو بعد ثلاثة أيام. ولا تشترط لملك الشفيع الشقص المشفوع رؤيته لأخذه بالشفعة قبل

стр. 1963

التملك، قال في «التنقيح»: ولا يعتبر رؤيته قبل تملكه. ولا يعتبر لا انتقال الملك إلى الشفيع رضى مشتر؛ لأنه يؤخذ منه قهرًا والمقهور لا يعتبر رضاه وإن لم يجد غائب عن البلد من يشهده على الطلب أو وجد من تقبل شهادته كامرأة أو فاسق وغير بالغ أو وجد مستوري الحال فلم يشهدهما لم تسقط؛ لأنه معذور بعدم قبول شهادتهما وإن وجد واحدًا فأشهده لم تسقط أيضًا؛ لأن شهادة العدل يقضي بها مع اليمين أو أخر الشريك الطلب، والإشهاد عجزًا عنهما كمريض أخرهما عجزًا عن السير إلى المشتري ليطالبه وإلى من يشهده على أنه مطالب لم تسقط، وأما إن كان به مرض يسير كصداع وألم قليل فلا يعذر بتأخير الطلب والإشهاد؛ لأن ذلك لا يعجزه عنهما. ولا تسقط بتأخير محبوس ظلمًا إن عجز عن الطلب والإشهاد؛ لأن التأخير ليس من جهته. ولا تسقط إن أخر الطلب والإشهاد لإظهار البائع والمشتري أو أحدهما أو مخبر الشفيع زيادة ثمن على ما وقع عليه العقد أو غير جنسه كإظهارهما أنهما تبايعا بدينار فظهر أنه بدراهم أو بالعكس أو أظهر أنه اشتراه بنقد تبايعًا بدنانير فظهر أنه بدراهم أو بالعكس أو أظهر أنه اشتراه بنقد فبان أنه اشتراه بعرض أو أظهر أنه اشتراه بعرض فبان أنه اشتراه بنقد أو أظهر أنه اشتراه بنوع من العروض فبان أنه اشتراه بغيره. أو أظهر أنه اشترى الكل بثمن فظهر أنه اشترى نصفه بنصفه أو أظهر أنه اشترى نصفه بثمن فبان أنه اشترى جميعه بضعفه أو أظهر أنه اشترى الشقص وحده فبان أنه اشتراه وغيره أو أظهر أنه اشترى الشقص وغيره فبان أنه اشتراه وحده أو لإظهار أحد ممن ذكر نقص مبيع. أو أظهر أن المبيع موهوب أو أظهر المشتري أن المشتري غيره فبان أنه

стр. 1964

هو المشتري أو أظهر أنه اشتراه لإنسان فبان أنه اشتراه لغيره أو أخر شفيع الطلب، والإشهاد عليه لتكذيب مخبر له يقبل خبره فهو في كل الصور هذه على شفعته إذا علم الحال فلا يكون ذلك مسقطًا لشفعته؛ لأنه معذور أو غير عالم بالحال على وجهه كما لو لم يعلم مطلقًا، ولأن خبر من لا يقبل خبره مع عدم تصديق شفيع له وجوده كعدمه، فإن صدقه سقطت شفعته لإعترافه بوقوع البيع وتأخيره كما لو أخبره ثقة فلم يصدقه، فأما إن أظهر المشتري أنه اشتراه بثمن فبان أنه اشتراه بأكثر فلا شفعة؛ لأن من لا يرضى بالقليل لا يرضى بأكثر منه، وكذا إذا أظهر أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى به البعض سقطت شفعته؛ لأن من لا يرضى بأخذ الشقص كله بذلك الثمن لا يرضى بأخذ بعضه وتسقط شفعته إن كذب مخبرًا له مقبولاً خبره ولو واحدًا؛ لأنه خبر عدل يجب قبوله في الرواية والفتيا والأخبار الدينية أشبه ما لو أخبره أكثر من عدل، وقيل: إن كان قد أخبره عدلان سقطت شفعته؛ لأنه أخبره من يثبت بقوله الحقوق، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. وإن قال شفيع لمشتر لشقص بعينه أو أكرنيه أو قاسمني أو صالحني عنه أو قال: هبه لي أو ائتمني عليه أو بعه من شئت أو أعطه لمن شئت أو ولَّهِ إياه ومثله قوله للمشتري: اشتريت غاليًا أو بأكثر مما أعطيت أنا؛ لأن هذا وشبهه دليل رضاه بشرائه وتركه للشفعة. وإن قيل له: شريك باع من زيد، فقال: إن باعني زيد وإلا فلي الشفعة كان ذلك كقوله لزيد يعني ما اشتريت أو حبس بحق فلم يبادر بالطلب للشفعة أو يوكل في طلبها بأن قدر عليه فلم يفعله سقطت؛ لعدم عذره في التأخير، وتقدم القول الذي تطمئن إليه النفس، وأنه لا يسقط حقه إلا بما يدل على السقوط دلالة واضحة، والله أعلم.

стр. 1965

ولا تسقط الشفعة إن عمل الشريك سفيرًا بين شريكه والمشتري، ويقال له: الدلال، قال ابن سيده: ما جعلته للدليل والدلال لم تسقط شفعته، وكذا لو توكل الشفيع لأحدهما في البيع أو جعل للشفيع الخيار في البيع فاختار إمضاء البيع فرضي الشريك بالبيع أو ضمن ثمن الشقص المبيع لم تسقط؛ لأن ذلك بسبب ثبوت الشفعة فلا تسقط به كالإذن في البيع أو أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط؛ لأن المسقط لها إنما هو الرضي بعد وجوبها ولم يوجد كما لو أبرأه مما يستقرضه له، وقيل: تسقط، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ تقي الدين ﵀ وصاحب «الفائق»، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. وإن قال لشريكه: بع نصف نصيبي مع نصف نصيبك ففعل ثبتت الشفعة لكل واحد منهما، وإن ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ لم تسقط وله الأخذ بها إذا كبر وصار أهلاً، واختاره الشيخ تقي الدين وغيره، وقيل: لا تسقط مطلقًا وله الأخذ بها إذا كبر، وهذا المذهب نص عليه؛ لأن حق الأخذ ثبت فلا يسقط بترك غيره كوكيل الغائب، وقيل: لا يأخذ المحجور عليه بعد أهليته إلا إن كان فيها حظ له وعليه الأكثر، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه أعلم. ويجب على ولي صغير أو مجنون أو سفيه الأخذ بالشفعة لمحجور عليه مع حظ بأن كان الشراء رخيصًا أو بثمن المثل وللمحجور عليه مال يشتري منه ولو بعد عفو الولي؛ لأن عليه الاحتياط وفعل الأحظ له فإن ترك الولي الأخذ حينئذ فلا غرم عليه؛ لأنه لم يفوت شيئًا من ماله. وإن لم يكن في الأخذ بالشفعة حظ للمحجور عليه كما لو غبن المشتري أو كان الأخذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال المحجور عليه حرم على الولي الأخذ وتعين عليه الترك كسائر ما لاحظ فيه لموليه،
следующие страницы →