Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
اشترى به الشقص حيث لا بينة لمباشرته العقد وهو أعرف بالثمن، ولأن الشقص ملكه فلا يتبرع منه بدون ما يدعي به من قدر الثمن من غير بينة، وكذا لو كان الثمن قيمة عرض إشترى به الشقص، وقال الشفيع: قيمته عشرون، وقال المشتري: بل ثلاثون، فالقول قول مشتر في قدر قيمة العرض المشتري به بيمينه حيث لا بينة ومحل ذلك حيث لم يكن العرض موجودًا، فإن كان موجودًا عرض على المقومين ليشهدوا بما يعلمون من قدر قيمته.
ويصدق المشتري بيمينه في جهل قدر ثمن كتصديقه في جهل بقيمة العرض المشتري به لجواز أن يكون اشتراه جزافًا أو بثمن نسي مبلغه ويصدق المشتري بيمينه في أنه غرس أو بنى الأرض التي منها الشقص المشفوع فيما إذا أنكر الشفيع أنه أحدث ذلك؛ لأنه ملك المشتري والشفيع يريد تملكه، فكان القول قول المالك إلا مع بينة شفيع فيعمل بها.
وتقدم بينة شفيع على بينة مشتر أن أقاما بينتين؛ لأنها بمنزلة بينة الخارج.
ولا تقبل شهادة بائع لشفيع ولا لمشتر؛ لأنه متهم، ويقبل عدل وامرأتان أو شاهد أو يمين.
وإن قال مشتر لشقص: اشتريته بألف، وأثبت الشراء بائع بأكثر من أخذ الشقص شفيع بألف؛ لأن المشتري مقر له باستحقاق أخذه بألف فلم يستحق الرجوع بأكثر، ولأن دعوى المشتري تتضمن دعوى كذب البينة، ولأن البائع ظلمه فيما زاد على الألف فلا يحكم للمشتري على الشفيع بما زاد على الألف وإنما حكم به للبائع؛ لأنه لا يكذبها.
فإن قال مشتر: صدقت البينة وغلطت أنا أو نسيت أو كذبت لم يقبل رجوعه عن قوله الأول؛ لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق غيره أشبه ما لو قر له بدين.
стр. 1997
وقيل: يقبل كما لو أخبر في المرابحة، ثم قال: غلطت، قبل هاهنا أولى؛ لأنه قد قامت بينة بكذبه، قال الحارثي: هذا الأقوى، وقال القاضي: قياس المذهب عندي يقبل، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
وإن ادعى شفيع على من انتقل إليه شقص كان لشريكه شراء الشقص المشتري قائلاً إنك اشتريت هذا الشقص بألف فلي الشفعة احتاج إلى تحرير الدعوى فيحدد المكان الذي منه الشقص ويذكر قدره وثمنه، فإن اعترف غريمه وجبت الشفعة.
وإن أنكر الشراء، فقال: بل اتهبته أو ورثته، فلا شفعة لك فيه حلف عليه ولا شفعة؛ لأن الأصل معه والمثبت للشفعة البيع ولم يتحقق، فإن نكل عن اليمين ثبتت أو قامت لشفيع بينة بالبيع ثبتت أو أنكر مدعي عليه الشراء أو أقر بائع به ثبتت الشفعة لثبوت موجبها.
ومتى انتزع منه الشقص وأبى قبض الثمن فإنه يبقى حتى في المسألة الأخيرة إن أقر بائع بقبض الثمن ممن انتزع منه الشقص، يبقى في ذمة شفيع لوصول كل منهما إلى مقصوده بدون المحاكمة حتى يدعيه مشتر فيدفع إليه؛ لأنه لا مستحق له غيره ولا يكون إنكار المشتري للبيع مسقطًا لحقه لئلا يلزم أخذ الشفيع الشقص من غير عوض.
وإن لم يقر بائع بقبضه الثمن في المسألة الأخيرة أخذ الشفيع الشقص من البائع ودفع إليه الثمن؛ لأنه معترف بالبيع الموجب للشفعة والمشتري ينكره فأخذ بإقراره؛ لأنه أقر بحقين حق للشفيع وحق للمشتري، فإذا سقط حق المشتري بإنكاره ثبت حق الآخر.
стр. 1998
(٢٢) مسائل حول ادعاء الشفيع والمشتري على الآخر وعلى مَن تكون عهدة الشفيع والشفعة في حق المضارب ورب المال والكافر على المسلم وصفة حل ما امتنع المشتري من قبضه
س ٢٢: إذا ادعى شريك على حاضر بيده نصيب شريكه الغائب إنه اشترى الشقص منه أو ادعى شريك على حاضر أنه باع نصيب الغائب وقدم الغائب وأنكر، فما الحكم؟ إذا ادعى شراءه لموليه، أو باع مريض مرض الموت المخوف، فما الحكم؟ وعلى من عهدة الشفيع؟ وإذا أبى مشتر لشقص مشفوع قبض مبيع ليسلمه لشفيع أو ورث إثنان شقصًا فباع أحدهما، فما الحكم فيما قبلهما وبين من تكون الشفعة في الأخيرة؟ وهل للكافر شفعة على المسلم؟ بين الحكم والدليل، وهل للمضارب أو رب المال شفعة على الآخر؟ وهل للمضارب فيما باعه من مال المضاربة أو في ماله فيه ملك أو فيما بيع شركة المال المضاربة؟ واذكر الدليل والتعليل والقيود والتفاصيل والمحترزات والخلاف والترجيح.
ج: إذا ادعى شريك فيما فيه الشفعة على حاضر بيده نصيب شريكه الغائب أنه اشتراه من الغائب وأنه يستحقه بالشفعة فصدقه المدعي عليه أخذ المدعي الشقص ممن هو بيده على حصته مما سبق من أنها بقدر الملك وليس المراد أخذه كاملاً إلا أن يكون المدعى عليه غير شريك لهما؛ لأن من بيده العين يصدقه في تصرفه فيما هو بيده.
ولو ادعى شريك على حاضر أنك بعت نصيب الغائب بإذنه، فقال: نعم، فإن للمدعي أخذ الشقص بالشفعة، فإذا قدم الغائب وأنكر الأذن في البيع
стр. 1999
حلف؛ لأن الأصل عدمه وأخذ شقصه وطالب بالأجرة من شاء منهما ويستقر الضمان على الشفيع؛ لأن المنافع تلفت تحت يده.
وإن ادعى الشريك على الوكيل أنك اشتريت الشقص الذي في يدك فأنكر، وقال: إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل قضى عليه؛ لأن لو أقر لقضي عليه فكذلك إذا نكل.
وتجب الشفعة فيما ادعى مشتر شراءه لمحجوره؛ لأن الشفعة حق ثبت لإزالة الضرر فاستوى فيه جائز التصرّف وغيره وقبل إقرار وليه فيه بعيب في مبيعه.
وكذا لو قال مشتري الشقص: إنما اشتريته لفلان الغائب، فإن الشفعة تثبت ويأخذه الحاكم ويدفعه إلى الشفيع ويكون الغائب على حجته إذا قدم؛ لأننا لو وقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له لكان في ذلك إسقاط الشفعة؛ لأن كل مشتر يدعي أن الشراء لغائب، وأما إذا أقر المدعى عليه بمجرد الملك لموكله الغائب أو المحجور ثم أقر بالشراء بعد ذلك لم تثبت الشفعة حتى يقوم بالشراء بينة أو يقدم الغائب أو ينفك الحجر عن المحجور ويعترفا بالشراء؛ لأن الملك إنما ثبت لهما بالإقرار فإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره فلا يقبل.
وإن لم يذكر سبب الملك لم يسأله الحاكم عنه ولم يطالب ببيانه؛ لأنه لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه.
ولا تثبت الشفعة مع خيار مجلس أو شرط قبل إنقضاء الخيار سواء كان للمتبايعين أو لأحدهما لما في الأخذ من إبطال خياره وإلزام المشتري بالعقد قبل رضاه بالتزامه وإيجاب العهدة عليه وتفويت حقه من الرجوع في غير الثمن إن كان الخيار له.
стр. 2000
وبيع المريض ولو كان مرض الموت المخوف كبيع الصحيح في الصحة، وفي ثبوت الشفعة وغيرها من الأحكام المرتبة على البيع؛ لأنه مكلف رشيد، وفي المحاباة تفصيل يأتي إن شاء الله بيانه في عطية المريض.
وعهدة شفيع على مشتر فيما إذا ظهر الشقص مستحقًا أو معيبًا وأراد الشفيع الرجوع بالثمن أو الأرش؛ لأن الشفيع ملكه من جهته فرجع عليه؛ لكونه كبائعه، ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري فكانت العهدة عليه والعهدة في الأصل كتاب الشراء والمراد بها هنا رجوع من انتقل الملك إليه من شفيع أو مشتر على من انتقل عنه الملك من بائع أو مشتر بالثمن أو الأرش عند إستحقاق الشقص أو عيبه، فإذا ظهر الشقص مستحقًا رجع الشفيع على المشتري بالثمن ثم المشتري على البائع.
وإن ظهر الشقص معيبًا، واختار الشفيع الإمساك مع الأرش رجع بالأرش على المشتري ثم المشتري على البائع، فإن أبى المشتري قبض المبيع ليسلمه للشفيع أجبره الحاكم على قبض الشقص؛ لأن القبض واجب ليحصل حق المشتري من تسليمه، ومن شأن الحاكم أن يجبر الممتنع.
فإن علم المشتري العيب عند البيع ولم يعلمه الشفيع عند الأخذ فلا شيء للمشتري وللشفيع الرد وأخذ الأرش وإن علمه الشفيع ولم يعلمه المشتري فلا رد لواحد منهما ولا أرش.
ومحل كون العهدة للشفيع على المشتري إن أقر المشتري بشرائه الشقص، فإن أنكر مشتر الشراء ولا بينة به وأخذ الشقص من بائع مقر بالبيع، فالعهدة على بائع لحصول الملك للشفيع من جهته كما أن عهدة مشتر على بائع.
وإن ورث اثنان شقصًا فباع أحدهما نصيبه، فالشفعة في المبيع بين
стр. 2001
الوارث الذي لم يبع وبين شريك مورثه على قدر ملكيهما؛ لأنهما شريكان حال ثبوت الشفعة فكانت بينهما كما لو تملكاها بسبب واحد؛ لأنها تثبت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته وهو موجود في حق الكل.
ولا شفعة لكافر حال بيع على مسلم سواء أسلم بعد البيع أو لم يسلم؛ لقوله ﷺ : «لا شفعة لنصراني» رواه الدارقطني في كتاب «العلل» بإسناده عن أنس ﵁، ولأنه معنى يختص العقار فأشبه الإستعلاء في البنيان يحققه أن الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعًا للضرر عن ملكه فقد دفع ضرر المشتري ولا يلزم تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم ضرر الذمي، فإن حق المسلم أرجح ورعايته أولى، ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجتماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك المسلم وليس الذمي في معنى المسلم فيبقى فيه على مقتضى الأصل.
وقال ابن القيم ﵀ في «البدائع»: فائدة حقوق المالك وحقوق الملك شيء، فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق، وحقوق الملك تتبع الملك ولا يراعى بها المالك وعلى هذه حق الشفعة للذمي على المسلم من أوجبه جعله من حقوق الأملاك ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين، والنظر الثاني أظهر وأصح؛ لأن الشارع لم يجعل للذمي حقًا في الطريق المشترك عند المزاحمة، فقال: «إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» فكيف يجعل له حقًا في انتزاع الملك المختص عند التزاحم، وهذه حجة الإمام أحمد نفسه.
وأما حديث: «لا شفعة لنصراني» فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين. اهـ.
وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي؛ لعموم الأدلة، ولأنها إذا أثبتت على
стр. 2002
المسلم مع عظم حرمته، فلأن تثبت على الذمي لدناءته أولى.
ولا شفعة لمبتدع مكفر ببدعة على مسلم لما تقدم وأهل البدع الغلاة كالمعتقد أن جبريل غلط في الرسالة إلى النبي ﷺ وإنما أرسل إلى علي ونحوه، وهذا اعتقاد بعض الرافضة نعوذ بالله من زيغ القلوب وكمن يعتقد ألوهية علي؛ لأنها إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره فغيره أولى، وكذا حكم من حكم بكفره من الدعاة إلى القول بخلق القرآن ونحوه.
ولا شفعة لمضارب على رب المال إن ظهر ربح؛ لأنه يصير جزء من مال المضاربة فلا تثبت له على نفسه كأن يكون للمضارب شقص في دار فيشتري المضارب بمال المضاربة بقيتها وإن لم يظهر ربح وجبت الشفعة؛ لأنه أجنبي.
ولا شفعة لرب المال على مضارب كأن يكون لرب المال شقص في دار فيشتري المضارب بمال المضاربة بقيتها؛ لأن الملك لرب المال فلا يستحق الشفعة على نفسه.
ولا شفعة لمضارب في شقص باعه من مال المضاربة وللمضارب في الذي منه الشقص المبيع ملك لتهمته أشبه شراءه من نفسه وللمضارب الشفعة في شقص باعه مالكه الأجنبي لأجنبي من مكان فيه الشفعة شركة لمال المضاربة إن كان في أخذه حظ ككونه بدون ثمن مثله؛ لأنه مظنة الربح، فإن أبى مضارب أخذه بالشفعة أخذ بالشفعة رب المال؛ لأن مال المضاربة ملكه والشركة حقيقة له.
стр. 2003
من النظم فيما يتعلق بالشفعة
بمثل عن المثلي خذ أو بيمة … وإن قرر العقد فعن غير أنقد
وللمشتري منع إلى قبض حقه … فإنت يعي يفسخ دون حكم بأجود
وليس قبول الرهن منك بلازم … ولا ضامن للمشتري بالمنقد
وإن طلب الإمهال يمهل ثلاثة … وبالعجز عنه أو عن البعض أبعد
ويأخذ في تأجيله ذو ملاءة … ومكفول شخص مع ملاءته قد
ويقبل في مقداره قول مشتر … إذا كان لم يأت الشفيع بشهد
وفي جهله مقداره مع يمينه … وفي نفي كيد ثم أسقط وأبعد
وإن قال بالألف اشتريت فخذ بها … وإن أثبت البياع ألفين فأردد
وإن يدعي النسيان في القول مشتر … ليقبل مع أحلافه في المجودِ
وإن قلت بالألف اشتريت فقال بل … هبات كذاك من وراثة ملحد
ليقبل نفي الإشتراء مع يمينه … وخذ إن أبى أو إن أتيت بشهد
стр. 2004
وسلمه أو يبريك من ثمن فإن … أبى الحفظ في الأقوى وقاض بمبعد
وإن جهل المبذول في الشقص اسقطن … وقد قيل لا بل قيمة الشقص أورد
ولا شفعة من بعد ما فسخ بائع … لخيرة أو عيب الثمين المقيد
وفي الفسخ بعد الأخذ تمضي وقيمة … المبيع من المبتاع للبائع أردد
ووازن فضل من شفيع ومشتر … عليه من الثان أردد الفضل وانقد
ويملك في الأقوى بلا حكم حاكم … نأخذ ولفظ مفهم الأخذ قيد
وقيل بتطلاب المليء بحوزه … فمن قبل قبض أن تصرف يؤطد
وخذه بإقرار بيع بما ادعى … متى جحد المبتاع عقدًا بأجود
ومن بائع خذه وضمنه عهدة … هنا وكلا الشخصين من مشتر ذد
وفي ثمن لم يدعه بائع ولا … إبتاع كالماضي وجوه فعدد
وغير هنا المبتاع ضمنه عهدة … وعهدة مبتاع على بائع طد
فإن يأب قبضا مشتر فاجبرنه … وفي قول محفوظ على بائع عد
стр. 2005
وسيان في استحقاق شقص بشفعة … شريك قريب مع شريك مبعد
فلو باع بعض الوارثي الشقص عن أب … لشرك أبيه مثل إخوته أشهد
ولا شفعة للكفر في شقص مسلم … بل العكس أو للكفر في شقص مرد
ولا مظهر الإسلام يقضي بكفره … كغال برفض واعتزال دعا قد
ولا شفعة في وقف فارو وديننا … في الأولى ومن يقض بها فيه قلد
ولا شفعة فيما بمال قراضك إشتريت … لرب المال في المتجرد
كذا عامل إن يبد ربح وقيل بالتملك … وإن شا بعد ذا الأخذ يسعد
ويملك عند الحظ أخذ بشفعة … فإن يعف يأخذ رب مال كمبتدي
(٢٣) تعريف الوديعة، ذكر طرف من محاسنها، الأصل فيها، ما يعتبر لها،
حكمها، من يصح منه الإيداع، ومن لا يصح منه، ما تنعقد به، موضع حفظها،
مبطلاتها، التعدي فيها، حرز حفظها، وما حول ذلك
س ٢٣: تكلم بوضوح عما يلي الوديعة: سبب تسميتها بذلك، الأصل فيها الإيداع، الإستيداع، الذي يعتبر لها، مبطلاتها، ومتى يجب قبولها؟ ومتى يستحب؟ ومتى يكره؟ ومتى يحرم؟ وهل تضمن
стр. 2006
إذا تلفت؟ وما حكم حفظها؟ وبأي شيء يحفظها؟ وإذا عين صاحبها موضعًا لحفظها فخالف، فما الحكم؟ ومن الذي يصح الإيداع عنده، والذي لا يصح الإيداع عنده، وبأي شيء تنعقد الوديعة؟ واذكر ما حول ذلك من القيود والتفاصيل والمحترزات والأمثلة والدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الوديعة هي فعلية من ودع إذا ترك، ومنه قوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات والجماعات» رواه مسلم، وفي النسائي: «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم، والوديعة واحدة الودائع».
قال لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع … ولا بُدَّ يومًا أن نرد الودائع
وقال الآخر:
إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة … وتحمل أخرى أثقلتك الودائع
وهي لغة: الشيء الموضوع عند غير صاحبه للحفظ، وتقال على الإيداع، وعلى العين المودعة، من ودع الشيء يدع إذا سكن؛ لأنها ساكنة عند المودع، وقيل من قولهم: فلان في دعة أي راحة؛ لأنها في راحة المودع ومراعاته وحفظه.
قال الشاعر:
استودع العلم قرطاسًا فضيعه … وبئس مستودع العلم القراطيس
стр. 2007
والوديعة شرعًا: المال المدفوع إلى من يحفظه، وسميت وديعة بالهاء؛ لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة، انتهى.
ثم محاسن الوديعة ظاهرة إذ فيها إعانة عباد الله تعالى في حفظ أموالهم ووفاء الأمانة، وهو من أشرف الخصال عقلاً وشرعًا، قال -عليه الصلا ة والسلام-: «الأمانة تجر الغنى، والخيانة تجر الفقر»، وفي المثل: الأمانة أقامة الملوك مقام الملوك، والخيانة أقامت الملوك مقام المملوك، ومن محاسن الوديعة: أنها إحسان إلى عباد الله، والله يحب المحسنين، وأنها سبب التآلف بين المسلمين ومحبة بعضهم بعضًا ومعاونة بعضهم بعضًا.
وأما الأصل فيها فهو الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
وأما السنة: فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وروي عنه ﷺ أنه كان عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن وأمر عليًا أن يردها على أهلها.
وروى البيهقي عن عمر ﵁ أنه قال وهو يخطب للناس: «لا يعجبنكم من الرجل طنطنته؛ ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل» ولقد كان سفيان الثوري ﵀ كثيرًا ما ينشد قوله:
إني وجدت فلا تظنوا غيره … إن التورع عند هذا الدرهم
فإذا قدرت عليه ثم تركته … فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم
стр. 2008
وأما الإجماع: فأجمع أهل كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع والعبرة تقتضيه لحاجة الناس إليها، فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم ويحتاجون إلى من يحفظها لهم.
والإيداع توكيل رب المال جائز التصرف في حفظه تبرعًا.
والاستيداع توكل جائز التصرف في حفظ مال غيره تبرعًا بغير تصرف في المال المحفوظ.
ويعتبر للوديعة لعقده أركان وكالة من كون كل منهما جائز التصرف وتعيين وديع ونحوه.
ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف في المال، فإن أودعه صبي أو سفيه لم يقبل؛ لأنه تصرف في المال فلم يصح من الصبي والسفيه كالبيع.
ولا يصح إلا عند جائز التصرف، فإن أودع صبيًا أو سفيهًا لم يصح الإيداع؛ لأن القصد من الإيداع الحفظ والصبي والسفيه ليسا من أهل الحفظ.
وتبطل الوديعة بما تبطل به الوكالة إلا إذا عزله المالك ولم يعلم بعزله فهي أمانة بيده بعد ذلك.
وحكم الوديعة يختلف باختلاف الأحوال فيكون قبولها واجب على القادر على حفظها فيما إذا اضطر إليه أخوه المسلم في حفظ ماله بأن لم يجد من يحفظه له سواه.
ويكون قبولها مستحبًا لمن يعلم من نفسه الأمانة والقدرة على حفظها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقوله ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
стр. 2009
ويكون قبولها مكروهًا فيما إذا كان الشخص لم يثق بأمانته بأن خاف عن نفسه الخيانة.
ويحرم على عاجز عن حفظها أخذها، وكذا من يعلم من نفسه الخيانة؛ لأنه يعرضها للتلف فلا يجوز له قبضها.
قال في «نهاية التدريب»:
ويستحب أخذها لمن يثق … بنفسه ولم يجز إن لم يطق
لكن تكون عنده أمانة … ما لم يكن تقصير أو خيانة
والوديعة أمانة بيد وديع لا تضمن بلا تعد ولا تفريط؛ لأن الله سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة، ولما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «من أودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجه، ولأن المستودع يحفظها لمالكها فلو ضمنت لامتنع الناس من قبضها، وذلك مضر لما فيه من مسيس الحاجة إليها فلا تضمن بلا تعد من الوديع أو تفريط وهو التقصير في حفظها.
فإن تعدى أو فرط ضمنها؛ لأن المتعدي متلف لمال غيره فضمنه، كما لو أتلفه من غير إيداع والمفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها ولو تلفت من بين ماله سواء ذهب معها من ماله شيء أو لا، وما روي عن عمر أنه ضمن أنسًا وديعة ذهبت من بين ماله محمول على التفريط.
قال ابن رشد: اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة، قال: وبالجملة فالفقهاء أجمعوا أنه لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى، وقال الوزير: اتفقوا على أن الوديعة أمانة محضة وأن الضمان لا يجب على المودع إلا
стр. 2010
بتعديه، واتفقوا على أنه إذا أودعه على شرط الضمان، فإنه لا يضمن بالشرط. اهـ.
ويلزم الوديع حفظها بنفسه أو وكيله أو من يحفظ ماله عادة كزوجة وعبد كما يحفظ ماله فيجعلها في حرز مثلها عرفًا.
قال في «التدريب»:
وحفظها محتم بجعلها … في موضع يكون حرز مثلها
إذ المقصود من الإيداع الحفظ والإستيداع إلتزام ذلك فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه كحرز سرقة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ فمن استودع شيئًا حفظه في حرز مثله عاجلاً مع القدرة وإلا ضمن.
وإن شرط رب الوديعة ضمانها على الوديع لم يصح الشرط ولم يضمنها؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد فلم يصح.
وفي نظم «أسهل المسالك»:
ضمانها عن الوديع قد سقط … لأنها أمانة ولو شرط
إلا بأسباب العدا كلو وقع … تعديًا منه عليها ما تدع
أو نقلها بغير نقل مثلها … أو موضع الإيداع سهوًا ضلها
وكذا لو قال الوديع: أنا ضامن للوديعة لم يضمن ما تلف منها من غير تعد ولا تفريط؛ لأن ضمان الأمانات غير صحيح.
وكذا ما أصله الأمانة كالرهن والعين المؤجرة والموصى بنفعها
стр. 2011
فلا يصح شرط ضمانها ولا يضمنها الوديع.
ولا يضر نقل الوديعة من حرز مثلها لتحرز مثله ولو نقلها إلى حرز دون الأول؛ لأن صاحبها رد حفظها إلى رأيه واجتهاده وأذن له في إحرازها بما شاء من إحراز مثلها؛ ولهذا لو تركها في الثاني أولاً لم يضمنها فكذلك إذا نقلها إليه.
فإن عين الحرز رب الوديعة بأن قال: أحفظها بهذا البيت أو الدكان فأحرزها بدون المعين رتبة في الحفظ ولو أنه حرز مثلها فضاعت ضمن؛ لأنه خالف المالك في حفظ ماله، ولأن بيوت الدار تختلف فمنها ما هو سهل فتقه، ومنها ما يصعب نقبه فيضمنها بوضعها في غيره ولو ردها للحرز المعين بعد ذلك، وتلفت فيه فيضمنها لتعديه بوضعها في الدون فلا تعود أمانة إلا بعقد جديد، وقيل: إن ردها إلى حرزها الذي عينه له فتلفت لم يضمن، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
وإن أحرز الوديعة بحرز مثل الذي عينه صاحبها في الحفظ أو أحرزها بحرز فوقه لم يضمن ولو أخرجها لغير حاجة؛ لأن تعيينه الحرز أذن فيما هو مثله كمن اكترى أرضًا لزرع حنطة فله زرعها وزرع مثلها في الضرر واقتضاء الإذن فيما هو أحفظ من باب أولى كزرع ما هو دون الحنطة أو زادها إقفالاً لم يضمن؛ لأنه زاده خيرًا، وكذلك لو قال: ضعها في الشنطة أو في الدولاب فوضعها في التجوري؛ لأنه زاده خيرًا.
ولو نهاه عن إحراز بمثل المعين أو فوقه أو عن نقلها مما عين له أو عن زيادة الإقفال وفعل لا يضمن؛ لأنه لا يعد مفرطًا ولو تلفت الوديعة بسبب نقل كانهدام محل نقلت إليه.
ولو كانت العين في بيت صاحبها، فقال الآخر: واحفظها ببيتي موضعها ولا تنقلها فنقلها من موضعها لا لخوف عليها ضمنها؛ لأنه ليس بوديع، بل
стр. 2012
وكيل في حفظها فليس له إخراجها من ملك صاحبها ولا من موضع استأجره لها إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها؛ لأنه مأمور بحفظها وقد تعين حفظها في إخراجها، ويعلم أن صاحبها لو حضر لأخرجها من هذه الحال، ولأنه مأمور في حفظها على صفة، فإذا تعذرت الصفة لزمه حفظها كالمستودع إذا خاف عليها.
وإن نهى المودع الوديع عن إخراجها فأخرجها وديع من الحرز حرز مثلها أو لحرز أعلى منه أو لحرز دونه لعذر ويلزمه إخراجها لغشيان نار بأن اشتعلت في المحل أو سيل أو شيء الغالب منه التوي والهلاك فتلفت الوديعة لم يضمن ما تلف بنقلها؛ لأنه محسن، والله تعالى يقول: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
ويلغز فيما إذا نهاه عن إخراجها فأخرجها لغشيان شيء الغالب فيه التوي والهلاك وتعذر إحرازها في حرز مثلها أو فوقه ونقلها إلى أدنى أنه لا ضمان عليه.
وإن تركها في الحرز الذي عينه ربها مع غشيان ما الغالب منه الهلاك فتلفت ضمن سواء تلفت بالأمر المخوف أو غيره؛ لأنه مفرط بها.
وإن أخرج الوديعة من المكان الذي عينه ربها ونهاه عن إخراجها منه لغير خوف ويحرم إخراجها إذن ولو كان إخراجه إياها لحرز أعلى من الحرز الذي عينه له المالك فتلفت الوديعة ضمن؛ لأن خالف ربها لغير فائدة فكان متعديًا بذلك بخلاف ما إذا لم ينهه فإن عين رب الوديعة حرزًا، وقال للوديع: لا تخرجها منه وإن خفت عليها فحصل خوف فأخرجها خوفًا عليها لم يضمن؛ لأنه زيادة خير وحفظًا، وكذا إذا لم يخرجها مع الخوف لا يضمنها إذا تلفت؛ لأنه إن تركها فقد امتثل أمر صاحبها لنهيه عن إخراجها مع الخوف كما لو قال له: أتلفها فأتلفها وإن أخرجها فقد زاده خيرًا
стр. 2013
وحفظًا وأحسن به كما لو قال: أتلفها، فلم يفعل، والحكم في إخراجها من الكيس أو الصندوق كالحكم في إخراجها من البيت فيما تقدم تفصيله.
ويشترط لصحة الوديعة شروط منها: (١) تعيين المودع. (٢) رضا المودع. (٣) رضا المودَع. (٤) أن تكون ممن يصح تصرفه. (٥) أن يكون المال مما يجوز تموله، فلا يجوز استيداع المحرم كالخمر والصور مجسدة أو غير مجسدة إذا كانت من صور ذوات الأرواح والتليفزيون والسينما والبكم والراديو والدخان والشيش والدمايم والعود آلة الغناء ونحو ذلك من المحرمات؛ لأن حفظها إبقاء للشر وإعانة عليه ومساعدة لأهله ونشر للمعاصي وتوسيع لدائرة المنكرات، ولذلك لا يضمن متلفها كما مر في الغصب، وكذا لا يصح إيداع الطير في الهواء والعبد الآبق والمال الساقط في البحر؛ لأنها غير قابلة لإثبات اليد عليها وأركان الوديعة مودِع ومودَع ووديعة وإيجاب من المودع كأودعتك أو ما نوب منابه قولاً أو فعلاً والقبول حقيقة بأن يقول: قبلت أو أخذت أو نحو ذلك مام يدل عليه أو عرفًا بأن يسكت حين يضع الوديعة.
(٢٤) حكم من أودع بهيمة ولم يعلفها فماتت، وإذا اختلفا في تقدير النفقة عليها، وإذا قال له: اتركها في جيبك فتركها في يده أو جعل الخاتم
في الخنصر بدل البنصر … إلخ
س ٢٤: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: من أودع بهيمة فلم يعلفها حتى ماتت، إذا أنفق على البهيمة المودعة، إذا اختلفا في قدر النفقة عليها، إذا لم يؤمر بإعلافها، إذا قال: اتركها في جيبك، فتركها في يده أو في كمه أو بالعكس أو أخذها في سوقه وقد أمر بحفظها في البيت فتركها لحين مضيه أو ألقاها عند هجوم ناهب، أو قال: اجعل الخاتم في الخنصر فجعله في البنصر أو عكسه أو انكسر أو جعله في أنملتها العليا، أو قال: احفظها في هذا البيت ولا تدخل أحدًا، فخالف فتلفت، أو باعها عند خوف تلفها، واذكر القيود والتفاصيل والمحترزات والأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح.
стр. 2014
ج: وإن أودعه بهيمة ولم يأمره ربها بعلفها ولا سقيها لزمه علفها وسقيها؛ لأنه من كمال حفظها، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتدي علفها وسقيها، فإن لم يعلفها الوديع أو لم يسقها حتى ماتت جوعًا أو عطشًا ضمنها بالتفريط في حفظها وتعديه به بترك ما أمر به عرفًا أو نطقًا إلا أن نهى الوديع مالك الوديعة عن علفها وسقيها فتركها حتى ماتت فلا يضمن الوديع؛ لأن مالكها أذن في إتلافها فامتثل، كما لو أمره بقتلها فقتلها.
ويحرم على الوديع ترك علفها وسقيها حتى مع الأمر بتركها لحرمتها في نفسها فيجب إحياؤها لحق الله تعالى ويرجع منفق على بهيمة نهاه مالكها عن علفها وسقيها حيث قلنا بوجوب ذلك عليه إن نوى الرجوع ومحل ذلك مع تعذر استئذان مالك للبهيمة في الإنفاق عليها إما لغيبة أو استشارة.
وإن قدر الوديع على صاحب البهيمة أو وكيله طالبه بالإنفاق عليها أو ردها عليه أو على وكيله أو طالبه بالإذن في الإنفاق عليها ليرجع به؛ لأن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن عجز عن صاحبها وعن وكيله أو لم يقدر على أن يتوصل إلى أحدهما ليطالبه بالإنفاق عليها أو استردادها أو أن يأذن في النفقة أنفق المستودع عليها ولو لم يستأذن حاكمًا أمكن استئذانه، بل نوى الرجوع فقط فله الرجوع.
وقيل: إذا أنفق مع إمكان إذن الحاكم ولم يستأذنه، بل نوى الرجوع لم يرجع.
стр. 2015
والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
ويقبل قول الوديع في قدر ما أنفق بأن قال الوديع: أنفقت عشرة ريالات، قال ربها: بل ثمانية (٨)، فالقول قول الوديع بيمينه إذا ادعى النفقة بمعروف؛ لأنه أمين وإن ادعى الوديع زيادة عن النفقة بمعروف بأن قال ربها: أنفقت منذ سنة، فقال المستودع: بل من سنتين فقول صاحب الوديعة؛ لأن الأصل براءة ذمته مما ادعاه عليه من المدة الزائدة.
ويلزم الوديع علف بهيمة ولو يأمره ربها بالعلف؛ لأن للحيوان حرمة في نفسه توجب تقديمه على قضاء الدين أحيانًا وإن لم يعلف البهيمة حتى ماتت ضمنها؛ لأن الحيوان لا يبقى عادة بدون العلف ولو خاف على الثوب أو العباءة أو البشت أو الكوت العث أو الحرق وجب نشره، فإن لم يفعل وتلف ضمنه، قلت: وكذا لو خاف عليها أو على غيرها من القماش أو الكتب من الأرضة.
وإن قال رب وديعة لوديع: اتركها في جيبك فتركها في يده أو تركها في كمه ضمنه؛ لأن الجيب أحرز وربما نسي فسقطت من يده أو كمه أو قال: اتركها في كمك فتركها في يده ضمنها؛ لأن اليد يسقط منها الشيء بالنسيان بخلاف الكم، ولو قال: أدخلها في مخبأة الكوت التي تلي الصدر فتركها في التي تلي الجنب ضمن؛ لأن التي تلي الصدر أحرز.
وقيل: لا ضمان عليه فيما إذا قال: اتركها في كمك فتركها في جيبه أو في يده، وقيل: إن تلفت بأخذ غاصب لم يضمن؛ لأن اليد بالنسبة إليه أحرز وإن تلفت لنوم أو نسيان ضمن؛ لأنها لو كانت في الكم مربوطة لما ذهبت، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
стр. 2016
وإن قال: أتركها في يدك فتركها في كمه ضمنه؛ لأن الكم يتطرق إليه البط بخلاف اليد فكل منها أدنى من الآخر من وجه فضمن لمخالفته أو أخذ الوديعة الوديع بسوقه أو أمره مالكها بحفظها في بيته فترك الوديعة إلى أن خرج إلى منزله أو فوق ما يمكن الذهاب بها من دون عذر فتلفت قبل أن يمضي بها إلى بيته ضمن؛ لأن البيت أحفظ لها وتركها فوق ما يمضي بها تفريط.
وفي «المغني»: يحتمل أن لا يضمن إن تركها إلى مضيه وصوبه في «الإنصاف».
قال في «الفروع»: وهو أظهر، قال ابن قندس: والذي يظهر إن كان بيته بعيدًا لا يروح إليه إلا بعد قضاء إشغاله فتلفت في مدة إقامته لم يضمن جزمًا. اهـ. والذي تطمئن إليه النفس ما صوبه في «الإنصاف»، والله أعلم.
ولا يضمن الوديع إن قال له المودع: اتركها في كمك، أو قال: اتركها في يدك أو ألقاها الوديع عند هجوم نحو ناهب كقاطع طريق إخفاء لها فلا يضمن؛ لأنه عادة الناس في حفظ أموالهم، وإذا لم يأمره بشيء بعينه يضعها فيه فله وضعها فيما يشاء من كم أو يد أو جيب ضيق وإن كان الجيب واسعًا غير مزرور فإنه يضمن ذكره المجد في «شرحه».
وإن شدها في كمه أو في عضده أو تركها في كمه مودعًا ثقيلاً حيث يشعر به إذا سقط بلا شد لم يضمنه حيث لم يعين ربه حرزًا؛ لجريان العادة به، وإن تركها في وسطه وشد عليها سراويله لم يضمن إن ضاعت؛ لأنه لا يعد مفرطًا.
وإن أمره رب الوديعة أن يجعلها في صندوق، وقال له: لا تقفل عليها أو لا تنم فوقها فخالفه، وقفل عليها الصندوق أو نام عليها فلا ضمان
стр. 2017
عليه؛ لأنه محسن، أو قال: إجعلها في الصندوق ولا تقفل عليها إلا قفلاً واحدًا فجعل عليها قفلين فلا ضمان عليه، أو قال: إجعلها في الشنطة فجعلها في الصندوق حديد تجوري فلا ضمان؛ لأنه محسن حيث جعلها في حرز أوثق في الأول.
وإن قال مودع لوديع: إجعل هذا الخاتم في البنصر فجعله في الخنصر فضاع ضمنه، وإن قال: إجعله في الخنصر فجعله في البنصر فلا يضمنه؛ لأنها أغلظ فهي أحرز إلا أن انكسر الخاتم من غلظها فيضمنه لإتلافه له بما لم يأذن له فيه مالكه وإن لم يدخل في جميعها فجعله في بعضها ضمن؛ لأنه أدنى من المأمور به.
وإن قال رب الوديعة: احفظها في هذا البيت ولا تدخله أحدًا فخالف فجعلها في البيت وأدخل فيه أحدًا فتلفت الوديعة بنحو حرق أو نهب أو سرقة ولو من غير داخل إليه ضمن؛ لأن الداخل ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت وعلم موضعها وطريق الوصول إليها فدل عليها غيره ووصف موضعها له فسرقها أو سرقها هو بنفسه، وقد خالف قول مالكها حيث أدخل إلى البيت قومًا أشبه ما لو نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة أو ضرورة.
وفي «الإقناع وشرحه»: وإن قال: إجعلها في هذا البيت ولا تدخله أحدًا فأدخل إليه قومًا فسرقها أحدهم حال إدخالهم أو بعده ضمنها، وقال: وإن كان السارق من غيرهم، أو كان التلف يحرق أو غرق ففي الضمان وجهان، أحدهما: لا يضمن، اختاره القاضي، قال في «المبدع»: أنه أصح.
والوجه الثاني: يضمن، اختاره ابن عقيل والموفق وإليه ميل الشارح، والذي تميل إليه النفس قول من قال لا يضمن، والله أعلم.
стр. 2018
ولمودع بيع وديعة تعذر على وديع ردها إلى مالكها أو وكيله أو الحاكم الثقة حيث خاف عليها، بل يجب بيعها مع خوف التلف وحفظ ثمنها إلى حضور ربها؛ لأن حفظ الأموال مطلوب ولو أمر رب وديعة الوديع أن يجعلها في منزله فتركها في ثيابه وخرج بها ضمنها؛ لأن البيت أحرز لها.
ولو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الآخر ضمن وإن أمره بشدها مما يلي الجانب الآخر فشدها مما يلي الجيب لم يضمن؛ لأنه أحرز وإن أمره بشدها على عضده أو أمره بحفظها معه فشد من أي الجانبين كان لم يضمن؛ لأنه ممتثل أمر مالكها حيث أحرزها بحرز مثلها، وإن شدها على وسطه فهو أحرز لها، وكذلك إن تركها في بيته في حرزها.
(٢٥) دفع الوديعة إلى من يحفظ مال المودع وإذا أراد المودع سفرًا أو تعدى فها أو أخرجها من حرزها إلى أعلى أو دونه أو خلطها بما لا تتميز منه
أو نوى التعدي فيها أو دل عليها لصًّا وما حول ذلك من المسائل
س ٢٥: إذا دفع الوديعة المودع إلى من يحفظ ما لديها عادة فهل يضمن؟ وإذا دل على الوديعة لصًّا فعلى من يكون الضمان وإذا أراد سفرًا فهل يسافر بالوديعة، وماذا يعمل من خاف على الوديعة؟ وإذا لم يجد وكيل ربها أو أخرج الدراهم أو ركب الدابة أو لم ينشر الوديعة أو خلط بما لا تتميز منه أو نوى التعدي فما الحكم؟ وما الدليل؟ واذكر التفصيل والقيود والخلاف والترجيح.
ج: إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ مال المستودع عادة أو رفعها
إلى من يحفظ مال ربها كزوجته وعبده وخادمه ونحوهم كخازنه
стр. 2019
وتلفت لم يضمن؛ لأنه قد وجب عليه حفظها فله توليه بنفسه وبمن يقوم مقامه كما لو دفع الماشية إلى الراعي والبهيمة إلى غلامه ليسقيها ولقيامهم مقام المالك في الرد أو دفعها لعذر كمن حضره الموت أو أراد سفرًا وليس السفر أحفظ لها فدفعها إلى أجنبي ثقة لم يضمن.
وحكم دفع المستودع الوديعة إلى شريك نفسه أو شريك ربها في غيرها أو فيها كحكم دفعها لأجنبي محض، فإن كان بلا عذر ضمن ولعذر وهو ثقة لم يضمن أو دفعها لحاكم فتلفت لم يضمن؛ لأنه لم يتعد ولم يفرط.
والقاعدة: أن من قبض من يد الأمناء بغير إذن المالك في حالة يجوز إقباضها فأمانة عند الثاني، قاله ابن رجب، وإلا يكن له عذر حين دفعها إلى الأجنبي المحض وهو ليس له فيها شريك ولا هو ممن يحفظ ماله عادة ضمن لتعديه؛ لأنه ليس له أن يودع بلا عذر.
كما أنه ليس له أن يؤجرها ولا يعيرها ولا يرهنها، وقد نظم بعضهم عشر مسائل لا يملك فيها تمليكا لغيره بدون إذن سواء قبض أو لا، فقال:
ومالك أمر لا يملكه بدون … أمر وكيل مستعير وموجر
ركوبًا ولبسًا فيهما ومضارب … ومرتهن أيضًا وقاص يؤمر
ومستودع مستبضع ومزارع … إذا لم يكن من عنده البذر يبذر
وما للمساقي أن يساقي غيره … وإن أذن المولى له ليس ينكر
стр. 2020
وكما لو نهاه عند إيداعها، ولأنه أمره بحفظها بنفسه فلم يرض لها غيره.
ولمالك الوديعة إذن مطالبة الأجنبي أيضًا ببدل الوديعة؛ لأنه قبض ما ليس له قبضه أشبه المودع من الغاصب، وعلى الأجنبي قرار الضمان إن علم الحال لتعديه، ولأن التلف حصل عنده وقد دخل على أنه يضمن وإن لم يعلم الحال فله تضمين الأول، وليس للأول الرجوع على الثاني؛ لأنه دخل معه في العقد على أنه أمين لا ضمان عليه، وكذا حكم كل أمانة كعارية وغير مرهونة.
وما بيد وكيل ومضارب إذا دفعها من هي بيده من غير عذر إلى أجنبي وتلفت فمع علم الأجنبي يضمن لحصول التلف عنده ومع جهل الحال لا يضمن لدخوله على أنها أمانة، وأن الحاكم لا يطالب ببدل الأمانة إذا دفعت إليه وتلفت عنده بلا تعد ولا تفريط إلا مع علمه بالحال بخلاف الأجنبي، فإنه يطالب بالبدل علم الحال أو لم يعلم لكن عليه القرار إن علم.
وإن دل وديع لصًّا على الوديعة فسرقها ضمن الوديع واللص، أما الوديع فلمنافاة دلالته الحفظ المأمور به أشبه ما لو دفعها لغيره، وأما اللص فلأنه المتلف لها وعلى اللص القرار لمباشرته ووجود التلف في يده، وللوديع الاستعانة بأجنبي في حمل ونقل من موضع إلى آخر، وله الاستعانة بأجنبي في سقي وعلف بهيمه.
وله السفر بوديعة ولو مع حضور مالكها فلا يضمنها إن تلفت معه سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لا ومحل ذلك إن كان السفر بها أحفظ للوديعة ولم ينهه رب الوديعة عن السفر بها، فإن نهاه عن السفر بها امتنع عليه السفر بها، فإن سافر بها ضمن لمخالفته صاحب الوديعة.
وقيل: إن كان حاضرًا أو وكيله في قبضها أنه لا يحملها إلا بإذن،
стр. 2021
فإن فعل ضمن، قال في «المغني»: ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو نائبه بغير إذن أنه مفرط عليه الضمان، انتهى. وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
فإن فاجأ البلد عدو أو جلا عن البلد أهله أو حدث في البلد حريق أو غرق وأراد السفر بها تعين عليه ذلك؛ لأنه موضع الحاجة، فإن تركها إذًا؛ فإنه يضمن إن تلفت لتركه فعل الأصلح، وإن لم يكن السفر أحفظ لها أو استوى الأمران أو نهاه المالك عن السفر أو فاجأ البلد عدو دفعها لمالكها الحاضر أو من يحفظ ماله عادة كزوجته وخازنه أو وكيله في قبضها كحاضر خاف عليها؛ لأن في ذلك تخليصًا له من دركها وإيصالاً للحق إلى مستحقه وامتنع عليه السفر بها، فإن تعذر على الوديع المريد للسفر دفعها إلى مالكها أو من يقوم مقامه فعليه دفعها لحاكم مأمون؛ لأن في السفر بها عذرًا؛ لأنه عرضة للنهب وغيره، ولأن الحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته.
وإن لم يكن ثم حاكم أو كان وتعذر دفعها إليه لكونه غير مأمون أو دفعها إليه ولم يقبلها فعليه دفعها لثقة لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده أم أيمن وأمر عليًا ﵁ أن يردها إلى أهلها كوديع حضره الموت؛ لأن كلا من الموت والسفر سبب لخروج الوديعة عن يده.
أو دفن الوديعة إن لم يضر الدفن وأعلم ساكنًا بالدار ثقة فإن لم يعلمه أو كان المعلم غير ساكن في الدار أو كان غير ثقة المعلم أو دفنها خارج البلدة فضاعت ضمنها الوديع؛ لأنه فرط في الحفظ بعدم إعلامه أحدًا؛ لأنه قد يموت في سفره أو يظل فيخطئ موضعها فلا تصل لربها وإن أخبر غير ثقة فربما أخذها ومن لا يسكن الدار لا يمكنه حفظ ما فيها
стр. 2022
ولم يودعه إياها وليس في إمكانه حفظها.
ولا يضمن مسافر أودع وديعة فسافر بها فتلفت في السفر؛ لأن إيداع المالك لها في السفر يقتضي الإذن في السفر بها.
ومن تعدى في الوديعة المركوبة فركبها لغير نفعها أو كانت ثيابًا أو عباءة فلبسها أو افترشها لا لخوف عث وهو سوسة تلحس الصوف ضمن وبطلت أمانته.
ويضمن وديع ثياب إن نقصت بحصول عث بها وهو الحرق إن لم ينشرها؛ لأنه مفرط، وكذا إن تلفت بسبب العث، قال بعضهم:
وتارك نشر الصوف صيفًا فعث له … يضمن وقرض الفأر بالعكس يؤثر
إذا لم يسد الثقب من بعد علمه … ولم يعلم الملاك ما هي تقرر
ومحل ذلك إن لم ينهه المالك وإلا فلا ضمان عليه.
وكاستعماله آلة صناعة من خشب لا لخوف من دابة الأرض بطلت أمانته.
وإن أخرج الدراهم أو الدنانير المودعة لينفقها أو ليخون فيها أو أخرجها لينظر غليها شهوة ليتفرج عليها ويراها ثم ردها إلى وعائها أو كسر ختمها أو حل كيسها ضمنها لهتكه الحرز.
وكذا إن كانت مصرورة ففتح الصرة أو مقفولة فأزال قفلها أو جحد الوديعة ثم أقر بها ضمن؛ لأنه بجحده لها خرج عن الاستئمان عليها فلم يزل عنه الضمان بالإقرار بها؛ لأن يده صارت يد عدوان.
وكذا لو منعها المودع مالكها بعد طلبه لها أو وكيله الثابتة وكالته بالبينة
стр. 2023
أو بعد التمكن من دفعها إلى طالبها الشرعي ضمن؛ لأن يده يد عادية إذًا بسب منعها.
وإن خلط الوديعة بما لا تتميز منه كزيت بزيت أو شيرج وكسمن بري ببحري وكصماء بصماء ورز برز نحو ذلك بطلت أمانته فيما تعدى فقط وحيث بطلت وجب ردها فورًا؛ لأنها أمانة محضة.
وقد زالت بالتعدي ولا تعود وديعة بعد التعدي فيها بغير عقد جديد.
ولا ضمان بنية التعدي في لوديعة، ل لابد من قول أو فعل.
وإن خلط الوديعة غير الوديع بما لا تتميز منه فالضمان على الخالط دون الوديع لوجود العدوان من الخالط.
ومتى جدد الوديعة الوديع استئمانًا بريء، فإن تلفت بعد لم يضمن؛ لأنه لم يتعد في الإستئمان الذي تلفت فيه والأول قد زال.
وإن أبرأه المالك من الضمان بتعديه بريء فلا يضمنها، إن تلفت بعد لإمساكه إياها بإذن ربها وزال حكم التعدي بالبراءة ونقل منها عن رجل استودع عشرة دراهم واستودعه آخر عشرة وأمره أن يخالطها فخلطها فضاعت الدراهم فلا شيء عليه، فإن أمره أحدهما بخلط دراهمه ولم يأمره الآخر فعليه ضمان دراهم من لم يأمره بخلطها دون الأخرى المأمور بخلطها.
وإن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير أو ريالات بجنيهات أو جنيهات سعودية بجنيهات إفرنجية أو ريالات فرنسية بريالات سعودية أو دراهم بيض بدراهم سود أو بر بشعير أو حب هيل بقهوة أو مسمار بهيل لم يضمن لإمكان التميز فلا يعجز بذلك عن ردها فلم يضمنها كما لو تركها في صندوق فيه أكياس له.
стр. 2024
وإن قال رب مال لوديع رد المال غدًا وبعد غد يعود المال وديعة تعين على الوديع رده غدًا امتثالاً فإن أخر رده عن الغد وتلف ضمن لمخالفته قول ربه ولا يعود بعد رده إلا بعقد جديد لبطلان العقد بمجرد الرد.
ومن استأمنه أمير على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من عاداتهم المتقدمة لزمه فعل ما يمكنه وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم لاسيما وللأخذ شبهة، قاله الشيخ تقي الدين.
من النظم فيما يتعلق بالوديعة
وأودع كذا استودع لمن جاز بيعه … وإلا ضمنت المال من يد فوهد
وتبرأ بتسليم الولي له فقط … ولا غرم أن يودع فيتلف لمبعد
وقد قيل لا تضمين في قبض خائف … ضياعًا لمال مع صبي فجود
كذا الحكم مع عبد بلا إذن سيد … وضمنه ما يريد بنفس بأجود
ومستودع في حفظها ذو أمانة … فلا غرم إن تتلف على غير معتد
وإن تلفت من بين أمواله فلا … ضمان عليه في الصحيح المؤكد
وما شرط تضمين الأمانات موجب … ضمانًا ولا نفي لتضمين مفسد
стр. 2025
ويلزمه الإحراز في حرر مثلها … ولو بيدي مأمونة المتعود
ولا غرم أن تنقل إلى حرز مثلها … ولو دون ذا إن ربها لم يقيد
وإن تك في مأموي لمالكها فإن … تزلها سوى للخوف من هلكها تدي
ولا تنقلها من معين ربها … سوى لمسلم مهلك غالب قد
كنار وسيل قاصد لمقرها … وهدم مكان أو تغلب معتد
فيلزمه نقل وقيل لمثله … وأحرز منه أنقل ولو لم يخف رد
وقيل لأعلى دون مثل وقيل دع … وإن لم تزل للخوف يضمن بأوطد
وإن ينه عن إخراجها عند خوفه … ونوم عليها ثم قفل مجود
وعن علف أو سقي البهيم فليس في … خلاف ولا في طاعة غرم أشهد
ولو قيل بالتضمين في ترك فوتها … لإثمهما في تركه لم أبعد
وأن تدع الأمر المخوف وفقدها … به جيء لغشين الشهيد بشهد
ووال بحق الله قد ذهبت به … تخلص من تضمينها وتقلد
стр. 2026
وتارك إطعام البهيمة آثم … ويضمن ما لم ينه قيمة مفسد
ومحتمل أن ليس يضمنها ولو … أمره ولم يقبل إذًا لم يزود
وخذ قوتها من ربها أو فردها … فإن غاب فاستأذن ذوي الحكم ترشد
فيفعل حظ المرء من بيع بعضها … أو الكل أو إيجارها لتزود
أو الدين للإنفاق يقضيه ربها … فإن فات كل وانفقن بشهد
فإن تنو عدوانًا فأنفق أخي بلا … شهود ولا حكم موات تردد
ويضمنها بعد التعدي بحجدها … وبالمنع مع إمكان دفع لمنشد
وأخذ لإنفاق ولو رد قبله … وتغيير ختم وانتفاع مجدد
له دونها مثل الركوب لشغل … وراكبها للسقي والرعي لها يدي
وخلط بمال يمكن الميز بعده … ولا غرم مع إمكان ميز بأوكد
فإن مات عن تلك وإن ما تميزت … فصاحبها فيها غريم بمرصد
وما احتاج نشرًا أن يدع نشره ولم … يكن قد نهاه عنه ضمنه تسعد
стр. 2027
وفي قوله في الجيب ضعها بوضعها … بكم يضمن دون عكس المحدد
وقيل إن يضع في الكم مشدودة أو … الثقيلة لم يضمن لفعل معود
ووجهان أن يعصي ويجعل في اليد … وجوزه القاضي لزحم ملدد
وإن يقل إحملها إلى البيت فليسر … سريعًا وضمن أن يقر ويقعد
وقد قيل لا غرم لمكث لحاجة … وإن لم يعين فأحفظن بالمعود
وإن قال لا يدخل سواك مقرها … فمكن منه غيره فهو معتدي
ويضمن مع تسليمها غير حافظ … جناة بلا عذر ولو حاكم زد
وليس على الثاني مع الجهل غرمها … وقال أبو يعلى بلى وليعود
على أول لا العكس والعكس إن درى … كذا حكم من أعلمته دفنها أعدد
وإما تخف يومًا عليها لديك أو … تشا سفرًا للمالك إن أمكن أردد
وإلا متى لم تنه عن سفر بها … فسافر بها إن كان أحظى له قد
ووجهان عند الإستواء وإن تسر … بها بعد نهي أو مع الخوف تعتد
стр. 2028
ويختار شيخ العصر تضمين سائر … بها أن يوات الرد للمالك إقتد
فإن لم يوات الرد أو سفرها بها … تعين إعطا حاكم في المؤطد
وقيل يجوز الدفع من ذي إقامة … بلا حاجة للحاكم المتقلد
فإن يتعذر كل أودع حفيظًا أو … لديه أدفن إن لم يؤذ وأعلمه واحدد
وما احتاج أجرًا فهو من مال ربها … وأجرة عدوان فمن مال معتدي
وتضمن أن تدفن لدى غير معلم … حفيظ وأرض الدفن في حرزة قد
ومن خاف موتًا فهو مثل مسافر … على ما مضى من حكمه المتعدد
وإن خاف كاستعمالها لانتفاعها … أرو إخراج عدوان فتاب فيردد
أو أنكر ثم إن أقر بها الفتى … فإن تلفت يضمن غير بغير تردد
стр. 2029
(٢٦) خلط الوديعة بغيرها أو أخذ شيء منها ورد وإيداع الصغير والمجنون والسفيه والمعتوه وإذا مات من عنده أمانة أو مضاربة أو رهنا ولم توجد في تركته
س ٢٦: إذا خلطت الوديعة فضاع بعضها أو أخذ منها ريالاً ثم رده وتلفت، أو أذن في أخذ درهم فضاع الكل، فهل يضمن الدرهم وحده؟ وإذا خرق الكيس أو البوك الذي فيه الفلوس أو الشنطة التي فيها الدراهم أو أودعه صغير أو مجنون أو سفيه فبأي طريق يبرأ من الوديعة؟ أو وجد ما حرم إلتقاط بمضيعة فأخذه ليحفظه فتلف أو أودع صغيرًا أو مجنونًا أو سفيهًا أو معتوهًا أو مات إنسان وعنده وديعة أو مضاربة أو رهنًا ونحوها من الأمانات ولم توجد في تركته وإذا دعي مودع ردًا للوديعة أو ادعى تلفًا أو ردها للحاكم أو للورثة أو أقر بالإيداع بعد إنكار، فما الحكم؟ واذكر التفاصيل والقيود والمحترزات والأدلة والتعاليل والخلاف والترجيح.
ج: إذا اختلطت الوديعة لا بفعل الوديع، بل بفعل طائر أو حيوان أو تدحرج عليها صخرة أو خشبة أو حديدة فضاع من الوديعة بعضها فالضائع من مال الوديع والباقي من الوديعة بخلاف ما إذا أتلفت كلها فلا ضمان على الوديع.
وإن أخذ الوديع ريالاً إن كانت ريالات أو جنيهات إن كانت جنيهات أو بعض الورق المودعة بلا إذن من مالكها وهي غير مختومة ولا مشدودة ولا مصرورة ثم رده وتلفت ضمنه وحده أو أخذ منها ريالاً ثم ر د بدله متميزًا وضاعت ضمنه وحده.
وإن أذن المالك للوديع في أخذ ريال منها فأخذ الريال ورد بدله بلا إذنه المالك فضاع الكل ضمن الريال وحده؛ لأن الضمان تعلق بالأخذ
стр. 2030
فلم يضمن غير ما أخذه بدليل ما لو لتلف في يده قبل رده ما لم تكن الوديعة مختومة أو مشدودة أو مصرورة، فإن كان كذلك ضمن الجميع لهتك الحرز بغير إذن ربه أو يكن البدل الذي رده غير متميز وضاعت الوديعة فيضمن الجميع لخلطه الوديعة بما لا تتميز منه كما لو لم يدر أيهما ضاع هل هو المردود أو غيره من الوديعة فيضمنه؛ لأن الأصل عدم براءته.
وعند مالك: لو خلط دراهم الوديعة أو دنانير أو الحنطة بمثلها حتى لا تتميز لم يكن ضامنًا للتلف، وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه لم يضمن تلفه وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان، وقال الشافعي: هو ضامن على كل حال بنفس إخراجه لتعديه، ولا يسقط الضمان سواء رده بعينه أو رده مثله.
والذي تميل النفس أنه إذا رده غير متميز لا يجب عليه ضمان الجميع، بل يضمن ما حصل فيه التعدي وهو الريال وحده، والله سبحانه أعلم.
ويضمن وديع بخرق كيس فيه وديعة من فوق شد أرش الكيس فقط دون ما في الكيس؛ لأنه لم يهتك حرزه ويضمن بخرقه من تحت شده أرشه وما فيه إن ضاع هتكه الحرز.
ومن أودعه صغير مميز أو لا أو أودعه مجنون أو أودعه سفيه وديعة لم يبرأ الوديع من صغير ونحوه إلا بردها إلى وليه في ماله كديته الذي له عليه.
ويضمنها قابضها من الصغير ونحو إن تلفت تعدى أو فرط أو لا لتعديه بأخذها؛ لأنه لا تسليط من المالك وقد تلفت بغير حق فضمنه؛ لأنه إتلاف يستوي فيه الكبير والصغير والعمد والسهو ما لم يكن المحجور عليه لحظه مميزًا مأذونًا له في الإيداع أو يخف الآخذ هلاكها معه فأخذها لحفظها حتى يسلمها لوليه حسبة فلا ضمان عليه كمال ضائغ وموجود في مهلكة إذا أخذ لحفظه لربه وتلف قبل التمكن من رده فلا ضمان عليه بأخذه
стр. 2031
لقصده به التخلص من الهلاك فالحفظ فيه لمالكه وكأخذه مالاً مغصوبًا من الغاصب تخليصًا له ليرده لمالكه فتلف قبل التمكن من رده لم يضمنه؛ لأنه محسن.
ولو وجد إنسان حيوانًا حرم إلتقاطه لامتناعه من صغار السباع ووجده بمضيعة وهي الفلاة من الأرض البعيدة من العمران وعلم الواجد مالك الحيوان فأخذه ليحفظه لربه وتلف لا يضمنه؛ لأنه محسن صانع معروفًا، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ فغير لائق أن يعامل بضده.
وما أودع أو أعير لنحو صغير أو معتوه أو مجنون أو قن صغير لم يضمن المعار أو المودع بتلف في يد قابضه ولو حصل التلف من القابض أو حصل بتفريطه؛ لأن المالك سلطهم على الإتلاف بالدفع إليه.
ويضمن المودع والمعار العبد المكلف وهو البالغ الرشيد ومثله المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم ولد في رقبته إذا أتلفه؛ لأنه مكلف فصح إستحفاظه وبه يحصل الفرق بينه وبين الصبي وكونه في رقبته؛ لأن إتلافه من جناية.
وقيل: إن إتلاف السفيه موجب للضمان كالرشيد وإلحاقه بالرشيد أقرب، وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله أعلم.
وإذا مات إنسان وثبت أن عنده وديعة أو مضاربة أو رهنًا ونحوها من الأمانات ولم يوجد تلك ونحوها بعينها في تركته فهي دين عليه تغرمها الورثة من تركته؛ لأنه لم يتحقق براءاته منها كبقية الديون، فإن كان عليه دين سواهما فهما سواء.
والمودع أمين؛ لأن الله سماها أمانة بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فيصدق المودع
стр. 2032
في رد الوديعة بيمينه؛ لأنه لا منفعة له في قبضها، فقبل قوله بغير بينة أشبه الوكيل بلا جعل ويصدق الوديع في رد إلى مالكه.
قال في «نهاية التدريب»:
ولا خلاف أن قول المودع … مصدق في ردها للمودع
ويصد في رد إلى وكيل المالك في حفظها أو لزوجة المالك أو لخازن المالك أو لمن يحفظ ماله عادة؛ لأن يدهم كيد المالك فالدفع لهم كالدفع له، وكذا الوادعي الوديع الرد على يد قن مدعي الرد أو زوجته أو خازنه، قال في «الإنصاف»: لوادعي الأداء على يد عبده أو زوجته أو خازنه فكدعوى الأداء بنفسه.
ولو ادعى الوديع الرد على يد حافظه أو وكيله يصدق؛ لأنه لما كان له حفظها بنفسه وبمن يقوم مقامه كان له دفعها كذلك؛ لأن أيديهم كيده ويقبل قول مدعي ممن ذكر بيمينه.
ولو مات المودع وادّعى المودع أنه رد إليه الوديعة قبل موته بأن ادّعى ورثة المالك عليه، فقال: رددتها إليه قبل موته قبل قوله بيمينه، كما لو كان المالك هو المدعي وأنكر ويصدق الوديع أيضًا بيمينه في قوله لمالكها أذنت لي في دفعها.
وهو من «مفردات المذهب»، وقيل: لا يقبل، قاله الحارثي وهو قوي؛ لأن الأصل عدم الإذن وله تضمينه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله أعلم.
ويصدق في قوله أذن لي مالكها قبل موته في دفعها لفلان أمانة ودفعتها إليه؛ لأن الوديع ادّعى دفعًا يبرأ به من الوديعة فكان القول قول
стр. 2033
فيه، كما لو ادّعى ردها إلى مالكها ولا يلزم المدّعي عليه غير اليمين لما لم يقرّ بقبضه، وكذا إن أقرّ المالك بالإذن في الدفع وأنكر أن يكون دفع له قبل قول الوديع ثم ينظر في المدفوع إليه، فإن أقر بالقبض فلا كلام وإن أنكر حلف وبرئ وفاتت على ربها إن كان المدفوع إليه وديعًا، وإن كان دائنًا قبل قوله مع يمينه وضمن الدافع إن لم يشهد لتقصيره صدق المالك أو كذبه؛ لأنه لما قبل قوله على المالك فكذلك يقبل قوله على الورثة مع إنكارها.
ويصدق وديع بيمينه في دعوى تلف للوديعة بسبب خفي كالسرقة لتعذر إقامة البينة على مثل هذا السبب، ولأنه لو لم يقبل قوله في ذلك لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إلى ذلك، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم أن المستودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت قبل قوله مع يمينه.
وحكى الوزير الإتفاق على أن القول قول المودع في التلف والرد مع يمينه.
وقال ابن القيم: إذا لم يكذبه شاهد الحال، وقال: إذا ادّعى الهلاك في الحريق أو تحت الهدم أو في نهب العيارين ونحوهم لم يقبل إلا إذا تحقق وجود هذه الأسباب وإن هلكت من بين ماله. اهـ.
وكذا إن لم يذكر السبب أو دعوى تلف للوديعة بسبب ظاهر كحريق وغرق ونهب جيش إن ثبت وجوده ببينة تشهد بوجود ذلك السبب، فإن عجز عن إقامة السبب الظاهر ضمن الوديعة؛ لأنه لا يتعذر إقامة البينة به والأصل عدمه.
ويكفي في ثبوت السبب الظاهر الإستفاضة ويصدق الوديع بيمينه
стр. 2034
في عدم الخيانة وعدم تفريط وفي حرز مثل بلا نزاع؛ لأنه أمين، والأصل براءته.
وإن ادّعى الوديع رد الوديعة لحاكم أو ورثة مالك لم يقبل إلا ببينة؛ لأنهم لم يأمنوه أو ادعى ردًا بعد مطله بتأخيره دفعها إلى مستحقه بلا عذر، ثم ادّعى تلفًا لم يقبل إلا ببينة؛ لأنه بالمطل بطل الإستئمان وكذلك لو ادعى ردًا بعد منعه منها لم يقبل إلا ببينة؛ لأنه صار كالغاصب.
قال في «التدريب»:
وأن يؤخر ردها بعد الطلب … من غير عذر فالضمان قد وجب
أو وعد الوديع المالك رد ما أودعه ثم ادّعى الوديع الرد أو ادّعى تلفه قبل وعده برده إليه أو ادعى ورثة الوديع ردًا منهم أو من مورثهم ولو لمالك أو ادّعى ورثة الوديع أن مورثهم رد الوديعة قبل موته لم يقبل ذلك إلا ببينة؛ لأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالكها.
وكذا لو ادعاه ملتقط أو من أطارت الريح الثوب إلى داره فلا يقبل إلا ببينة.
وكذا في الحكم كل من يقبل قوله بيمينه من الأمناء كالشريك والوكيل مجانًا والمرتهن إذ لا فرق بينهم وبين الوديع.
وإن أنكر الوديع الوديعة بأن قال: لم يودعني، ثم قرّ بالإيداع أو ثبتت عليه الوديعة ببينة، فادعى ردًا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يقبل منه ذلك؛ لأنه صار ضامنًا بجحود معترفًا على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
ولو أتى ببينة على الرد أو التلف وأطلقت البينة الشهادة فلم تقل قبل ولا بعد فلا تسمع لتكذيبه لها بجحوده.
стр. 2035
وبهذا قال المالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
وقيل: يقبل؛ لأن صاحبها لو أقر بذلك سقط عنه الضمان.
وقال في «الإنصاف»: ويحتمل أن يقبل ببينة، قال الحارثي: وهو المنصوص من رواية أبي طالب وهو الحق، وقال: هذا المذهب عندي، انتهى. وهذا القول الذي تميل إليه النفس والله أعلم.
وإن ادّعى ردًا أو تلفًا بعد جحوده كما لو ادّعى عليه بالوديعة يوم الأحد فجحدها ثم أقر بها يوم الاثنين ثم ادّعى أنه ردها أو تلفت بغير تفريط يوم الثلاثاء وأقام بينة شاهدين قبلا، والسبب في أنه يقبل الرد والتلف إذا أداهما بالبينة بعد الجحود؛ لأنه حينئذ ليس بمكذب لها ولا ضمان على وديع بتركه الوديعة عنده باختيار ربها بقائها بعد ثبوتها عند الوديع؛ لأنها بإبقاء ربها لها باختيار تعود أمانة.
وإن قال مدعى عليه: الودعية مالك عندي شيء أو لا حق لك عندي أو قبلي، ثم أقر بالإيداع أو ثبتت ببينة قبل منه رد أتلف سبقًا جحوده؛ لأنه ليس بمناف لجوابه أن يكون أودعه ثم تلفت عنده بغير تفريط أو ردها فلا يكون له عنده شيء.
ولا يقبل منه دعوى وقوع الرد والتلف بعد جحوده بلا بينة لاستقرار حكمه بالجحود فيشبه الغاصب وعليه ضمان وديعة ثبت أنها تلفت ببينة ما لم يكن جدد عقدًا بعد الجحود.
وإن قال إنسان لآخر: لك عندي وديعة ثم ادّعى المقر ظن البقاء بأن قال: كنت أظنها باقية ثم علمت تلفها قبل قوله بيمنه.
следующие страницы →