← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

بقرابة، لا زوجة، وولاء، فلا يجب التعديل بينهم، بخلاف القرابة، من ولد وغيره، وأم وأخ وابنه، وعم وابنه في عطيتهم في هبة شيء غير تافه، حتى لو زوج بعض بناته، وجهزها، أو بعض بنيه، وأعطا عنه الصداق. وقيل: لا يجب التعديل إلا بين الأولاد، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم؛ لحديث جابر، قال: قالت امرأة بشير لبشير: أعط بني غلامًا، وأشهد لي رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن ابنة فلان سألتني، أن أنحل ابنها غلامي، قال: «أله أخوة؟» قال: نعم، قال: «كلهم أعطيتهم مثل ما أعطيته»، قال: لا، قال: «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وروى أبو داود من حديث النعمان بن بشير، وقال فيه: «لا تشهدين على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم». وعن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به رسول الله ﷺ ، فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أكل ولدك نحلته مثل هذا»، قال: لا، فقال: «ارجعه» متفق عليه. ولفظ مسلم: قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بن رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إليه يشهده على صدقتي، فقال

стр. 2347

رسول الله ﷺ : «أفعلت هذا بولدك كلهم». قال: لا، فقال: «اتقوا الله واعدلوا في أودلاكم» فرجع أبي في تلك الصدقة. وللبخاري مثله، لكن ذكره بلفظ العطية لا بلفظ الصدقة فأمر ﷺ بالعدل بينهم، وسمي تخصيص أحدهم بدون الباقين، جورا والجور حرام، فدل على أن أمره بالعدل للوجوب. ومحل التعديل الواجب بينهم بكون الهبة لهم بقدر إرثها منه للذكر مثل حظ الأنثيين، اقتداء بقسمة الله ، وقياسًا لحالة الحياة على حالة الموت، قال عطاء: ما كانوا يقسمون على كتاب الله ، وقضية بشير قضية عين، وحكاية حال لا عموم لها، إنما يثبت حكمها في مثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير، هل فيهم أنثى أم لا؟ ولعل النبي ﷺ قد علم أن ليس له إلا ولد ذكر. وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وابن المبارك: يعطي الأنثى مثل ما يعطي الذكر، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن عقيل والحارثي؛ لأن النبي ﷺ قال لبشير: «سوي بينهم»، وعلل ذلك بقوله: «أيسرك أن يستووا في برك؟» فقال: نعم، فسوى بينهم، والبنت كالابن في الاستحقاق في برها، فكذلك في عطيتها. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرًا أحدًا لأثرت النساء على الرجال» رواه سعيد، والذي تطمئن إليه النفس القول الأول الموافق لقسمة العليم الحكيم الرؤوف الرحيم، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 2348

وأما في النفقة والكسوة، فتجب الكفاية دون التعديل، ونقل أبو طالب لا ينبغي أن يفضل أحدًا من ولده في طعام وغيره، قال إبراهيم: كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبل، قال في «الفروع»: فدخل فيه نظر وقف. وللمعطي التخصيص لبعض وارثه بإذن الباقي منهم؛ لانتفاء العداوة والقطيعة إذ لأن العلة في ذلك كونه يورث العداوة وقطيعة الرحم، فإن خص أو فضل بلا إذن رجع، أو أعطى الباقي حتى يستووا بمن خصه، أو فضله، ولو في مرض موته؛ لأنه تدارك للواجب، فإن مات معط قبل التعديل وليست العطية في مرض موته المخوف ثبتت لآخذ. وقيل: لا يثبت، وللباقي الرجوع، اختاره الشيخ، ويجوز للأب تملك الذي أعطاه لولده لقصد التسوية بلا حيلة، والحيلة أن يعطيه لقصد التسوية ونيته تملكه منه بعد ذلك. ولو زوج أحد ابنيه في صحته بصداق أداه الأب من عنده، ثم مرض الأب مرض الموت المخوف، وجب عليه إ عطاء الآخر مثل ما أعطى الأول ليستووا بمن خصه. قال في «الاختيارات الفقهية»: وينبغي أن يكون على الفور اهـ؛ لأن التسوية واجبة، ولا طريق لها في هذا الموضع إلا بعطية الآخر، فتكون واجبة إذ لا يمكن الرجوع هناك على الأول؛ لأن الزوجة ملكت الصداق. ولا يحسب ما يعطيه الأب لابنه الثاني من الثلث، مع أنه عطية في مرض الموت؛ لأنه تدارك الواجب أشبه قضاء الدين، ونص أحمد في رواية صالح وعبد الله وحنبل فيمن له أولاد زوج بعض بناته فجهزها وأعطاها، قال: يعطي جميع ولده مثل ما أعطاها.

стр. 2349

وعن جعفر بن محمد سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل له ولد يزوج الكبير، وينفق عليه ويعطيه، قال: ينبغي له أن يعطيهم كلهم مثل ما أعطاه، أو يمنحهم مثل ذلك. وتحرم الشهادة تحملاً وأداءً على كل عقد فاسد، ولو كان الأداء بعد موت المخصص والمفضل، ومحل ذلك أن علم الشاهد بالتخصيص، أو التفضيل؛ لحديث: «لا تشهدني على جور»، وأما قوله ﵊: «فاشهد على هذا غيري» فهو من باب التهديد، كقول الله : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ولو لم يفهم منه هذا المعنى يشير لبادر إلى الامتثال، ولم يرد العطية، ولكنه بادر إلى ردها. وتحرم الشهادة تحملاً وأداءً على كل عقد فاسد عند الشاهد كنكاح بلا ولي وبيع غير مرئي ولا موصوف؛ لاعتقاده عدم جوازه قياسًا على التخصيص إن لم يحكم به من يراه. ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاده من أهل الذمة، قاله الشيخ تقي الدين، وكلام غيره لا يخالفه؛ لأنهم لا يرثون منه، ولا فرق في امتناع التخصيص والتفضيل بين كون البعض ذا حاجة، أو زمانة أو أعمى أو له عيال أو أصلح أو أعلم أو لا، ولا كون البعض الآخر فاسقًا، أو مبذرًا أو لا. لعموم الأمر بالتسوية وفعل الصديق يحتمل أنه نحل معها غيرها أو أنه نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه المرض. واختار الموفق وغيره كابن رزين في «شرحه»، والناظم جواز التفضيل لبعض الورثة، لمعنى حاجة أو زمانة أو أعمى أو لكثرة عائلة أو اشتغال بعلم أو لصلاح، استدلالاً بتخصيص الصديق عائشة ﵂ أو ليس إلا لامتيازها بالفضل، وفضل عمر ﵁ ابنه عاصمًا بشيء، وفضل عبد الله

стр. 2350

ابن عمر ﵄ بعض ولده على بعض، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. وكذا لو منع الأب بعض ولده لفسقه، أو بدعته أو كونه يعصي الله بما يأخذ. ويباح لمن له ورثة قسمة ماله بين ورثته على فرائض الله ؛ لعدم الجور فيها، ويعطي حادث وارث حصته مما قسم وجوبًا ليحصل التعديل الواجب، وسن أن لا يزاد ذكر على أنثى من أولاد وأخوة ونحوهم في وقف عليهم؛ لأن القصد القربة على وجه الدوام. وقيل: المستحب القسمة على حسب الميراث كالعطية وما قاله أهل القول الأول لا أصل وهو ملغي بالميراث والعطية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. وإذا وقف مريض مرض الموت المخوف ثلثه على بعض ورثته، فقيل: يجوز ذلك ولا يتوقف على الإجازة، واحتج بحديث عمر وتقدم في الوقف حيث قال فيه: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغًا صدقة والعبد الذي فيه، والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد ﷺ تليه حفصة ما عاشت. ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشتري تنفقه حيث ترى من السائل والمحرم وذي القربى ولا حرج على من يليه أن أكل واشترى رقيقًا، رواه أبو داود بنحو من هذا، وقيل: لا يجوز تخصيص بعض الورثة بوقف ثلثه عليه أو تفضيله، وهو قول جمهور العلماء، وعليه تدل الأدلة الشرعية في إيجاب العدل بين الأولاد، ومنع الوصية لوارث، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.

стр. 2351

ولا ينفذ وقف مريض بجزء زائد على الثلث، كسائر التبرعات، بل يقف ما زاد على ثلث ماله على إجازة الورثة، ولو وقع ذلك حيلة لتحريمها أو بطلانها. ولا يصح رجوع واهب في هبته بعد قبض معتبر، بأن يكون من جائز التصرف، أو وكيله للزومها به، ولو كانت الهبة صدقة أو هدية أو نحلة أو نقوطًا، وهو ما يؤخذ شيئًا فشيئًا، أو كانت حمولة في نحو عرس أو ختان. لما ورد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «العائد في هبته، كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه، وفي رواية للبخاري: «ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته، كالكلب الذي يقيء ثم يرجع في قيئه». وإذا وهبت أنثى زوجها شيئًا بمسألته إياها، ثم ضرها بطلاق أو تزوج عليها، فقيل: يرده إليها، رضيت أو كرهت، قالوا: لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه، أو إضراره بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها وتبرعت به فهو جائز، قالوا: ولأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب به نفسًا، وإنما أباحه الله عند طيب النفس، قال : ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾. وقيل: لا ترجع على زوجها مطلقًا، بل ترجع عليه بشروط، كما لو وهبته لدفع ضرر، فلم يندفع، أو لوجود شرط، فلم يوجد، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه أعلم. وللأب الرجوع فيما وهب لولده؛ لحديث ابن عمر وابن عباس ﵃ مرفوعًا: «ليس لأحد أن يعطي عطية ويرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» رواه الترمذي

стр. 2352

وحسنه، ولا فرق بين أن يقصد برجوعه التسوية بين أولاده، أو لا. ولو وهب كافر لولده الكافر شيئًا، ثم أسلم فله الرجوع فيما وهبه لولده الذي أسلم، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: ليس للأب الكافر أن يرجع في عطيته إذا كان وهبه له في حال الكفر، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي، يؤيده فيما أرى قول الله : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ والله أعلم. وإن تعلق فيما وهبه الأب لولده حق كفلس كأن يفلس الولد والمال الموهوب في يده، ولو حجر عليه فله الرجوع فيها، وقيل: لا يرجع، بل الحجر عليه يمنع الرجوع، كما في الرهن ونحوه، وبه صرح في «المغني» وصاحب «المحرر» وصوبه الحارثي، وقال من غير خلاف، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، لتعلق حق الغرماء، والله أعلم. وإن تعلق فيما وهبه الأب لولده رغبة بأن زوج الولد الموهوب رغبة فيما بيده من المال الموهوب له، أو داينه أحد لأجل ما في يده من المال الموهوب له، أو أقرضوه أو باعوه أو أجروه ونحو ذلك، لوجود ما في يده، أو يتزوجها إن كانت أنثى رغبة فيما بيدها من المال الموهوب له، فقيل: إن ذلك لا يمنع الرجوع، أي رجوع الأب فيما وهبه لولده. وقال الشيخ تقي الدين: يرجع فيما زاد على قدر الدين أو الرغبة، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه أعلم. وإن وهب الولد ولده سرية للإعفاف، فقيل: لا رجوع فيها ولو استغنى الابن عنها بتزويج أو شرائه غيرها ونحوه،

стр. 2353

وإن لم تصر أم ولد؛ لأنها ملحقة بالزوجة. وإن أسقط الأب حقه من الرجوع فيما وهب لولده سقط؛ لأن الرجوع مجرد حقه وقد أسقطه، بخلاف ولاية النكاح، فإنها حق عليه لله وللمرأة، بدليل إثمه بالعضل. وقيل: له الرجوع ولو أسقط حقه؛ لأنه حق ثبت له بالشرع فلم يسقط بإسقاطه، كما لو أسقط الولي حقه من ولاية النكاح، والذي يترجح عندي القول الأول، وإنه يسقط بإسقاطه له كما تسقط الشفعة بإسقاط الشفيع، والله أعلم. وأما من قبل الأم، فقيل: لها الرجوع فيما وهبته لولدها كالأب، اختاره جماعة من العلماء، وهو قول الشافعي، وقال: مالك لها الرجوع، ما كان أبوه حيًا، فإن كان ميتًا فلا رجوع؛ لأنها هبة ليتيم. وهذا القول قوي فيما أرى، وعموم لفظ الوالد يدل على أن لأم الرجوع كالأب، ولأنه طريق إلى التسوية، وربما يكون ليس لها طريق غيره، ولأنها ساوته في تحريم تفضيل بعض ولدها، فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلت به تخليصًا لها من الإثم، وإزالة للتفضيل المحرم، قال الموفق: وهذا الصحيح إن شاء الله ، والله أعلم. ولا يمنع الرجوع نقص عين موهوبة بيد ولد، سواء نقصت قيمتها أو ذاتها بتآكل بعض أغصانها، أو جنى عليها، أو جنى الموهوب، فتعلق أرش الجناية برقبته ونحوه، فإن رجع فأرش جنايته على الأب، ولا ضمان على الابن له، وأرش

стр. 2354

جنايته عليه للابن؛ لأنها بمنزلة الزيادة المنفصلة. ولا يمنع الرجوع زيادة منفصلة، كولد وثمرة وكسب؛ لأن الرجوع في الأصل دون النما، والزيادة المنفصلة للولد؛ لحدوثها في ملكه، وإن حملت الأمة الموهوبة للولد وولدت عنده، فيمنع الرجوع في الأم الموهوبة، لتحريم التفرقة بين الوالدة وولدها. وتمنع الرجوع زيادة متصلة، كسمن وكبر وحمل وتعلم صنعة؛ لأن الزيادة للموهوب له؛ لأنها نماء ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم الرجوع فيها كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع في الأصل، لئلا يقضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص بخلاف الرد بالعيب، فإنه من المشتري وقد رضي ببذل الزيادة. قال في «المغني»: وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم، منع الرجوع، كسائر الزيادات. اهـ. وقال: في «بدائع الصنائع»: ومنها الزيادة في الموهوب له زيادة متصلة، فنقول جملة الكلام في زيادة الهبة أنها لا تخلو إما أن كانت متصلة بالأصل، وإما إن كانت منفصلة عنه. فإن كانت متصلة بالأصل، فإنها تمنع الرجوع سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له أو لا بفعله وسواء كانت متولدة أو غير متولدة نحو ما إذا كانت الموهوبة جارية هزيلة فسمنت أو دارًا فبنى فيها، أو أرضًا فغرس فيها، أو نصب دولابًا، وغير ذلك مما يستقي به، وهو مثبت في الأرض مبني عليها، على وجه يدخل في بيع الأرض من غير تسمية قليلاً كان أو كثيرًا أو كان الموهوب ثوبًا فصبغه بعصفر، أو زعفران أو قطعه قميصًا وخاطه، أو جبة وحشاه أو قباء؛ لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الأصل مع الزيادة؛ لأن الزيادة ليست بموهوبة،

стр. 2355

إذ لم يرد عليها العقد، فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ. ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة؛ لأنه غير ممكن، فامتنع الرجوع أصلاً. وإن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه، فله أن يرجع؛ لأن المانع من الرجوع هو الزيادة، فإذا لم يزد الصبغ في القيمة، التحقت الزيادة بالعدم. اهـ. وقيل: إن الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع، والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم. ويصدق أب في عدم الزيادة؛ لأنه منكر لها، والأصل عدمها، ويمنع الرجوع رهن موهوب لزم؛ لأن في رجوعه إبطال لحق المرتهن، وإضرار به، إلا أن ينفك الرهن بوفاء أو غيره، فيملك الرجوع إذًا؛ لأن ملك الابن لم يزل، وقد زال المانع. ويمنع الرجوع هبة الولد ما وهبه له أبوه؛ لأن في رجوع الأب إبطالاً لملك غير ابنه، وهو لا يملك ذلك، إلا أن يرجع الرجوع حينئذ؛ لأنه فسخ هبته برجوعه، فعاد إليه الملك بالسبب الأول. ويمنع الرجوع بيع الولد لما وهبه له أبوه، وكذا هبته ووقفه ونحو ذلك، مما ينقل الملك ويمنع التصرف كالاستيلاد، وكذا لا رجوع له في دين أبرأ ولده منه، أو منفعة أباحها له بعد استيفائها، كسكنى دار ونحوها. وإن رجع المبيع الموهوب إلى الولد بفسخ، أو فلس مشتر فللأب الرجوع فيه، إذ العودة للولد بالسبب الأول، أشبه الفسخ بالخيار، بخلاف ما لو اشتراه الولد أو اتهبه ونحوه،

стр. 2356

فلا رجوع للأب؛ لأنه عاد للولد بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلم يملك إزالته، كما لو لم يكن موهوبًا. ولا يمنع رجوع الأب في رقيق وهبه لولد تصرف الابن في الرقبة تصرفًا غير ناقل للملك، كإجارة، ومزارعة عليها، وجعلها مضاربة في عقد شركة وتزويج وتدبير وكتابة، وعتق معلق على صفة قبل وجودها، ووطئ مجرد عن إحبال ووصية لم تقبض لبقاء ملك الابن وسلطنة تصرفه، ويملك الرجوع مع بقاء إجارة بحالها، ومع بقاء كتابة وتزويج، كاستمراره مع المشتري من الولد. لكن تقدم أن الأخذ بالشفعة تفسخ به الإجارة، والفرق أن للأب فعلاً في الإجارة؛ لأن تمليكه لولده تسليط له على التصرف فيه، ولا كذلك الشفيع، فإن كان التصرف جائزًا كالوصية والهبة قبل القبض، والمزارعة والمضاربة والمشاركة بطل ذلك التصرف؛ لأن استمرار حكمه مقيد ببقاء المعقود معه، وقد فات بخلاف الأول. اهـ. ولا كذلك تدبير للرقيق، وتعليق عتقه بصفة، فإنه لا يبقى حكمها في حق الأب؛ لأنهما لم يصدرا منه ومع عود المدبر، والمعلق عتقه بصفة الملك للابن، فحكمها باق لعود الصفة. وما قبضه ابن من مهر أمة زوجها قبل رجوع أبيه، ومن دين كتابة، ومن أرش جناية على الرقيق، ومن مستقر أجرة فللابن دون الأب؛ لأنه نماء حصل في ملكه، ولا رجوع للأب فيما أبرأ ولده من دين كان له عليه، فلا يملك الرجوع به بعد أن أبرأه منه؛ لأن الإبراء إسقاط لا تمليك. ولا يصح رجوع إلا بقول، نحو رجعت في هبتي، أو ارتجعتها، أو رددتها، أو عدت فيها؛ لأن الملك ثابت للموهوب

стр. 2357

له يقينًا، فلا يزول إلا بيقين، وهو صريح الرجوع، فلو تصرف فيه قبل الرجوع القول لم يصح، ويثبت الرجوع سواء علم الولد به أو لم يعلم، ولا يحتاج الرجوع إلى حكم حاكم؛ لثبوته بالنص، كفسخ معتقه تحت عبد. من النظم مما يتعلق بعطية الأولاد وواجب التعديل بين بنيه في العطية … كالميراث مع كل محتد وأم مع الأولاد مثل أبيهم … عليها احتم التعديل في القسم ترشد وقيل سوى الأولاد ليس بواجب … لتخصصهم بالذكر من خير مرشد ويلزمه الرجعى ليعد بينهم … لفقد سواه هكذا الأم فأعدد فإن مات لم يعدل فهل لمنقص … رجوع على قولين بالمتزيد وما الأب في تخصيصه بعض ولده … لقصد صحيح آثم بل ليحمد وترك شهود للأداء لجائز … يجوز ولا أثم لكتمان مشهد وفي الوقف جوز أن تفاضل بينهم … على النص والشيخ انتفى المنع فاردد ووقف مريض كالهبات لوارث … وعند أحمد ألزمه في ثلثه قد فوفقك دارًا لست تملك غيرها … على ابن وبنت بالسوية فاشهد

стр. 2358

بإرث لثلثيها ووقف لثلثها … بردهما أن لم نقل بالتفسد له ثلثا الثلثين إرثًا بردة … وثلثيهما للبنت وقفًا فأبد وارثًا إذا أردت ونصفهما له … حبيسًا وزده إرث سدس مردد كذا منحه إن رد المساواة حسب … وأحبها ثلث ثلثيها لوقف مؤبد وأما على الأدنى فما الوقف لازمًا … إذا رد في شيء من الدار فاشهد فتعمل فيها ها هنا ما عملت فيه … سوى الثلث في القول الأخير كما ابتدى من النظم مما يتعلق بحكم العود في الهدية وليس مباحًا عود مهد هدية … وإن لم يثب أو واهب متجود سوى الأب في الأولى وجد بأبعد … وأم بوجه خرجوه مجود وإن زال ملك الابن عنه فإن يعد … بعقد وارث لا رجوع كذا اعدد تعلق حقوق قاطع للتصرف … كرهن وحجر الدين إيلاد خرد كذا في كتاب العبد مع منع بيعه … ومهما يزل من ذي الأمور أن تشاع ولا يمنع الرجعى تصرف الابن … ما له بعده التصريف في عينه اهتد ووجهان في عود بفسخ مبيعهم … وقولان مع تعليق رغبة قصد

стр. 2359

ويرجع فيه دون متصل النما … وقد قيل في هذا النما إن يشازد فإن كان ولدًا لا يفارق أمه … به امنع وأن يعطى أبا لم يصدد وقولين في منع الفتى من رجوعه … بمتصل قد زاد في العز أورد ويحصل فيه الارتجاع بلفظه الخصيص … وفعل بالقرائن موطد وأخذ كه تنوي ارتجاعك رجعة … وللأب في قصد ارتجاع فقلد ولا تعد أنثى في عطية زوجها … وعنه بلى عنه إن سألها ليردد تملك الأب من مال ولده س ٦: تكلم بوضوح عما يلي: تملك الأب من مال ولده، تملك الأم من مال ولدها، بما يحصل التملك؟ إذا أبرأ الأب نفسه من دين ولده، أو أبرأ غريم ولده، إذا أقر الأب بقبض دين ولده من غيرم ولده وأنكر الولد، إذا ولد الأب جارية ولده قبل تملكها، ما يترتب على الحكم إذا استولد أمة أحد أبويه، هل للولد أو ورثته مطالبة الأب بدين، أو قيمة متلف، أو أرش جناية، وما الذي يستثنى من الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك: إذا وجد الولد عين ماله الذي أقرضه، أو باعه لأبيه، بعد موت أبيه فهل يأخذه، وهل يسقط دين الولد الذي عليه بموت الأب؟ ما الذي يسقط؟ ومن أين يؤخذ ما قضاه الأب في مرضه، أو وصى بقضائه، وضح ذلك مع ذكر الدليل، والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح والاحترازات والقيود.

стр. 2360

ج: ولأن حر محتاج أو غير محتاج، تملك ما شاء من مال ولده، بعلمه أو بغير علمه صغيرًا كان، الولد أو كبيرًا، ذكر أو أنثى، راضيًا أو ساخطًا. لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» رواه الخمسة، وفي لفظ: «ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم هنيئًا» رواه أحمد. وعن جابر: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي مالاً ولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك لأبيك» رواه ابن ماجه. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أعرابيًا أتى إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا» رواه أحمد وأبو داود، وقال فيه: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: إن لي مالاً وولدًا وإن والدي … الحديث. ولأن الولد موهوب لأبيه بالنص القاطع، وما كان موهوبًا له، كان له أخذ ماله، كعبده، يؤيده أن سفيان بن عيينة قال في قوله : ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ الآية، ذكر الأقارب دون الأولاد لدخولهم في قوله : ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾؛ لأن بيوت أولادهم كبيوتهم، ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، فكان له التصرف كمال نفسه. ما لم يضر الأب ولده بما يتملكه من ماله، فإن ضره بما تتعلق حاجة الولد به، كآلة حرفته وكرأس مال يتجر به، ونحو ذلك، لم يتملكه؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على دينه، فلأن تتقدم على أبيه أولى.

стр. 2361

وكذا لا يتملكه أن تعلق به حق رهن أو فلس، ذكره في «الاختيارات» اهـ، ولا فرق بين الذكر والأنثى، وليس له أن يتملكه لي عطيه لولد آخر؛ لأنه ممنوع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى. وكذا لا يصح التملك بمرض موت أحدهما المخوف، لانعقاد سبب الإرث وليس للأب أن يتملك سرية ولده التي وطئها الابن، ولو لم تكن أم ولد للابن؛ لأنها ملحقة بالزوجة. ولا يصح التملك مع كفر أب، وإسلام ابن، لاسيما إذا كان الابن كافرًا ثم أسلم، قاله الشيخ تقي الدين، قال في «الإنصاف»: وهو عين الصواب. وقال الشيخ أيضًا: والأشبه أن الأب المسلم ليس له أن يأخذ من مل ولده الكافر شيئًا، لانقطاع الولاية والتوارث. ويحصل التملك للأب من مال ولده بقبض ما تملكه، مع قول بأن يقول تملكته ونحوه، أو نية، قال في «الفروع»: ويتوجه أو قرينة؛ لأن القبض أعم من أن يكون للتملك أو غيره، فاعتبر القول أو النية، ليتعين وجه القبض. ولا يصح تصرف الأب في مال ولده قبل قبض لما تملكه بالقول أو النية. وقيل: يصح، وقال أبو بكر في «التنبيه»: بيع الأب على ابنه، وعتقه، وصدقته ووطء إمائه ما لم يكن الابن وطئها جائز، ويجوز له بيع عبيده وإمائه وعتقهم، وهذا القول هو الذي تميل إليه نفسي، والله أعلم. ولا يملك الأب إبراء نفسه من دين لولده عليه، كإبرائه غريم ولده، ولا تملكه ما في ذمة نفسه، ولا تملكه ما في ذمة غريم ولده، ولا قبض دين الولد من الغريم غريم الابن.

стр. 2362

وقيل: إنه يملك ذلك كله، وهذا القول هو الذي اختاره يؤيده الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. ومن استولد أمة أحد أبويه لم تصر أم ولد له إن حملت منه، وولدة قن، وحد بشرطه وهو أن يكون عالمًا بالتحريم؛ لأن الابن ليس له التملك على أحد من أبويه، فلا شبهة له في الوطء، لا يقال رحم لأحد أبويه فيعتق عليه؛ لأنه ولد الزنى أجنبي من الأب. وليس لولد ولا لورثته مطالبة أب بدين كقرض، وثمن مبيع أو قيمة متلف، كثوب حرقة، أو إناء خربة أو نحو ذلك، أو أرش جناية على ولده، كقلع سن وقطع طرف، ولا بشيء من ذلك مما للابن عليه، كأجرة أرض زرعها، أو دار سكنها. لما روى الخلال أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دينًا عليه، فقال: «أنت ومالك لأبيك»، ولأن المال أحد نوعي الحقوق فلم يملك مطالبة أبيه، كحقوق الأبدان، ولا للابن أن يحيل على أبيه بدينه؛ لأنه لا يملك طلبه به، وللابن مطالبة أبيه بنفقته الواجبة عليه لفقر الولد وعجزه عن التكسب؛ لقوله ﵊ لهند: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف». وللولد مطالبة أبيه بعين مال له بيد أبيه فيطالبه الولد وورثته بعين مال له بيده، ويثبت له في ذمته الدين من ثمن وأجرة وقرض وقيمة متلف وأرش جناية من الأب سواء كانت على مال الولد أو نفسه ولا يعارضه ما تقدم من أن الولد لا يملك إحضار أبيه لمجلس حكم، بدين أو قيمة متلف أو أرش جناية ولا غير ذلك، مما للابن عليه، إذ لا يلزم من عدم ملكه المطالبة بشيء مما ذكر سقوط حقه عنه ما دام حيًا.

стр. 2363

وتظهر الفائدة فيما لو وفاه والده في مرض موته، لا يحسب من الثلث، بل يكون من رأس المال، كما يأتي إن شاء الله . ويسقط أرش الجناية بموت الأب، فلا يرجع به في تركته، قال في «شرح المنتهى»: ولعل الفرق بينها وبين القرض، وثمن المبيع ونحوهما كون الأب أخذ عن هذا عوضًا، بخلاف أرش الجناية وعلى هذا ينبغي أن يكون مثله دين ضمان، من حيث أنه يسقط عن الوالد دين ضمان، إذا ضمن غريم ولده. وما قضاه أب من ذلك الدين الذي عليه لولده في مرض الأب، أو وصى الأب بأن يقضي من دين ولده أو أرش جناية وغيرها، فمن رأس ماله؛ لأنه حق ثابت عليه لا تهمة فيه، فكان من رأس المال كدين الأجنبي. ولولد الولد مطالبة جده بماله في ذمته من دين وأرش جناية وغيرها، كسائر الأقارب، إن لم يكن انتقل إليه من أبيه لما تقدم أنه ليس لورثة الولد مطالبة أبيه بدينه، وكذا الأم تطالب بدين ولدها. ويجري الربا بين الولد وأبيه؛ لتمام ملك الولد على ماله واستقلاله بالتصرف فيه ووجوب زكاته عليه وحل الوطء وتوريث ورثته، وحديث: «أنت ومالك لأبيك» على معنى سلطنة التملك ويدل عليه إضافة المال للولد وما وجد ابن بعد موت أب في تركته من عين مال الابن الذي أقرضه لأيبه أو باعه لأبيه أو غصبه الأب من الابن، فللابن أخذه دون بقية الورثة؛ لأنه وجد عين ماله إن لم يكن الابن استلم من الأب ثمنه ولا يكون ما وجده الابن من عين ماله بعد موت أيبه ميراثًا لورثة الأب، بل هو للابن المأخوذ منه دون سائر الورثة.

стр. 2364

فصل في عطية المريض ومحاباته وما يتعلق بذلك س ٧: تكلم بوضوح عما يلي: عطية المريض الذي مرضه غير مخوف والذي مرضه مخوف ومثل لكل واحد منهما، ووضح الألفاظ اللغوية وبين ما إذا أشكل هل مخوف أو غير مخوف، وفصل ما يحتاج إلى تفصيل واذكر ما يلتحق بالمريض مرض الموت المخوف مستقصيًا لذلك ممثلاً لما يحتاج إلى تمثيل، إذا علق صحيح عتق قنة فوجد في مرضه فما الحكم؟ وإذا اجتمع مع عطية وصية فأيهما يقدم، وإذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة فبما يبدؤ، وإذا وقعت دفعة فماذا نعمل؟ ومن أين المنجرة فبما يبدؤ؟ وإذا وقعت دفعة فماذا نعمل؟ ومن أين تكون معاوضة المريض وإذا حابى المريض وارثه فما الحكم؟ وإذا حابى أجنبيًا وشفيعه وارث أو آجر المريض نفسه وحابى المستأجر فما الحكم؟ ومتى يعتبر ثلث مال المعطي في المرض، ومثل لذلك واذكر ما يترتب عليه، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح. ج: عطية المريض، وهي هبته في مرض غير مرض الموت، ولو كان المرض مخوفًا كعطية الصحيح، ومن كان مرضه غير مخوف، كوجع رأس يسيرن ويقال له: صداع أو رمد، أو به وجع ضرس، أو جرب أو حمى ساعة أو يوم، وكإسهال يسير بلا دم، ولو صار مخوفًا ومات به، فعطيته كصحيح، تصح في كل ماله؛ لأنه في حكم الصحة، لكنه لا يخاف منه في العادة، وكما لو كان مريضًا فبرئ، واعتبارًا بحال العطية. وأما الإسهال فإن كان منحرفًا لا يمكنه منعه، ولا إمساكه فهو مخوف -وإن كان ساعة- لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، وإن لم يكن منحرفًا، لكنه يكون تارة وينقطع أخرى،

стр. 2365

فإن كان يومًا أو يومين، فليس بمخوف؛ لأن ذلك قد يكون من فضلة الطعام إلا أن يكون معه زحير وتقطيع، كأن يخرج متقطعًا، فإنه يكون مخوفًا؛ لأن ذلك يضعف وإن دام الإسهال فهو مخوف، سواء كان معه زحير أو لم يكن. وما أشكل أمره من الأمراض، رجع فيه إلى قول أهل الخبرة والمعرفة، وهم الأطباء؛ لأنهم أهل التجربة والممارسة والمعرفة. وعطية مريض في مرض مخوف، كبرسام بكسر الباء: بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ، فيختل به العقل، وقال القاضي عياض: هو ورم في الدماغ، يتغير منه عقل الإنسان، ويهذي، وكذات الجنب: وهو قرح بباطن الجنب ينشأ عن التصاق الرئة بالأضلاع، وأكثر ما يحدث في أوائل الشتاء. ومن علاماته الحمى الملازمة، وقلة الشهوة، ورم القدم، ويبس اللسان، وشدة بياضه، وشدة الوجع تحت الأضلاع، وضيق النفس وشد مجاذبته له، وتغير البول إلى الحمرة، وكالقيام المتدارك، الإسهال الذي يستمسك وإن كان ساعة؛ لأن من أصابه ذلك تحلل جسمه وأسرع في هلاكه، وكذا إسهال مع دم؛ لأنه يضعف القوة وينهك الجسم. وكذلك الفالج: وهو استرخاء لأحد شي البدن لانصباب خلط بلغمي تفسد منه مسالك الروح في ابتدائه، وكالسل بكسر السين وهو وجع في الرئة، تأخذ معه البنية في النقصان والاصفرار، ومن علاماته: السعال والإسهال ووجع في الظهر مقابل الرئة، واستدرار الريق، وشد بياض العين، وسرعة نمو الشعر والأظافر وكثرة البلغم، وقلة النوم في انتهائه أما في ابتدائه فليس مخوفًا؛ لأنه في الدور الأول سهل العلاج،

стр. 2366

وفي الثاني: يصعب، ولكنه بإذن الله يبرأ إذا أراد الله، وفي الثالث يكون مخوفًا جدًا. أو هاج به بلغم؛ لأنه من شدة البرودة، وقد يغلب على الحرارة الغريزية فيطفؤها، أو هاجت به صفراء؛ لأنها تورث يبوسة، أو هاج به قولنج، ويسمى السدد، وهو احتباس في الأمعاء، بأن ينعقد الطعام في بعضها ولا ينزل، أو هاجت به حمى مطبقة، فهذه كل واحد منها بمفرده مخوف، ومع الحمى أشد خوفًا، وإن ثاوره الدم، واجتمع في عضو كان مخوفًا؛ لأنه من الحرار المفرطة، وما قال طبيبان مسلمان عدلان أنه مخوف كالطاعون، والسرطان ونحوهما، مما تقدم ذكره. قال في «الاختيارات الفقهية»: ليس المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة، وليس الهلاك غالبًا ولا مساويًا للسلامة، وإنما الغرض إنما يكون سببًا صالحًا للموت، فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال ما يكثر حصول الموت منه، فعطاياه كوصية في أنها لا تصح لوارث بشيء غير الوقف للثلث فأقل، ولا تصح لأجنبي بزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة فيما إذا كانت لوارث بشيء، وما إذا كانت لأجنبي بزيادة على الثلث؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» رواه ابن ماجه. فمفهومه: ليس لكم أكثر من الثلث، يؤيده ما روى عمران ابن حصين أن رجلاً أعتق في مرضه ستة أعبد، لم يكن له مال غيرهم، فاستدعاهم النبي ﷺ فجزأهم ثلاثة

стр. 2367

أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، رواه مسلم. وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته، فغيره أولى، ولأن هذه الحال الظاهر منها الموت، فكانت عطيته فيها في حق الورثة لا تتجاوز الثلث، كالوصية، غير أنه ينفذ ظاهرًا في جميع ما تقدم، على ما قاله القاضي. قال في «الاختيارات الفقهية»: ذكر القاضي أن الموهوب له يقبض الهبة، ويتصرف فيها، مع كونها موقوفة على الإجازة، وهذا ضعيف، والذي ينبغي أن تسليم الموهوب إلى الموهوب له، يذهب حيث يشاء، وإرسال العبد المعتق، أو إرسال المحابات لا يجوز، بل لابد أن يوقف أمر التبرعات على وجه يتمكن الوارث من ردها بعد الموت إذا شاء. ولو كانت عطيته عتقًا لبعض أرقائه، وكذا عفوه عن جناية توجب مالاً، وكذا إن كانت عطيته محاباة في بيع كإجارة، والمحابات أن يسامح أحد المتعاوضين الآخر في عقد المعاوضة ببعض ما يقابل العوض، كأن يبيع ما يساوي ألف بستمائة، أو يشتري ما يساوي أربعمائة بألف، لا إن كان الصادر من المريض كتابة لرقيقه أو بعضه بمحاباة، أو كانت وصيته بالكتابة بمحاباة، فالمحاباة فيهما من رأس المال. قال في ببعض ما يقابل العوض، كأن يبيع ما يساوي ألف بستمائة، أو يشتري ما يساوي أربعمائة بألف، لا إن كان الصادر من المريض كتابة لرقيقه أو بعضه بمحاباة، أو كانت وصيته بالكتابة بمحاباة، فالمحاباة فيهما من رأس المال. قال في «شرح الإقناع»: هذا معنى كلامه في «الإنصاف»، وفي «التنقيح» و «المنتهى»، لكن كلام «المحرر» و «الفروع» والحارثي وغيرهم يدل على أن الذي يصير من رأس المال الكتابة نفسها؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع من الغير، قال الحارثي: ثم إن وجد محاباة، فالمحاباة من الثلث. وقد ناقش شارح «المنتهى» صاحب «الإنصاف»، وعارضه بكلام «المحرر» و «الفروع»، وذكر أنه لم يقف على كلام الحارثي، وقد ذكرته لك فوقع الاشتباه على صاحب «الإنصاف» والتنقيح،

стр. 2368

وتبعه من تبعه، والحق أحق أن يتبع. اهـ. وإذا أوصى أن يكاتب عبده فلان وأطلق، فإنه يكاتب بقدر ما يساوي ذلك العبد، جمعًا بين حق الورثة وحقه، فليس للوارث أن يطلب الكتابة بأكثر من قيمة العبد، ولا للعبد أن يطلب الكتابة بأقل إلا بتراضيهما، وينفذ العتق في مرض الموت في الحال، ويعتبر خروج العتق من الثلث بعد الموت، لا حين العتق. والأمراض الممتدة كالسل ابتداء لا في حالة الانتهاء، والجذام: علة تحدث من انتشار السوداء في البدن، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تقطع، وفي نسخة تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح، والأجذم الذي ذهبت أعضاؤه كلها، ويقال: رجل أجذم ومجذوم، إذا فتت أعضاؤه من الجذام، وهو الداء المعروف. والفالج في دوامه، إن صار صاحبها صاحب فراش، فمخوف وإلا فلا؛ لأن صاحب الفراش يخشى تلفه، أشبه صاحب المرض المخوف للموت، وإلا يصير صاحبها صاحب فراش، بل كان يذهب ويجيء، فلا تكون مخوفة وعطاياه من جميع ماله كالصحيح. وكمريض مرض الموت المخوف من بين النصفين وقت التحام الحرب، واختلاط الطائفتين للقتال، وأما إذا كان كل من الطائفتين متحيزة عن الأخرى ولم يختلطوا للحرب، وبينهما رمي سهام أو لا فليس مخوفًا وكل من الطائفتين تكافئ الأخرى، أو كان المعطى من الطائفة المقهورة؛ لأن توقع التلف إذًا كتوقع المريض أو أكثر سواء تباين دين الطائفتين أو لا إن كان المعطى من الطائفة القاهرة بعد ظهورها.

стр. 2369

ومن كان بلجة البحر عند هيجان بريح عاصف لما تقدم. ومن وقع الطاعون ببلده وهو المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال عياض: هو قروح تخرج في المغابن وغيرها لا يلبث صاحبها وتعم إذا ظهرت، وفي «شرح مسلم»: وأما الطاعون فوباء معروف وهو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسود ما حوله ويخضر ويحمر حمرة بنفسجية، ويحصل معه خفقان للقلب. اهـ. وفي عرف الناس اليوك أنه الكليري، نسأل الله العافية منه ومن غيره. وقال ابن القيم: في كون الطاعون وخز أعدائنا الجن حكمة بالغة، فإن أعدائنا شياطينهم، وأما أهل الطاعة منهم، فهم أخواننا، والله أمرنا بمعاداة أعدائنا من الجن والإنس وأن نحاربهم طلبًا لمرضاته فأبى أكثر الناس إلا مسالمتهم وموالاتهم. فسلطهم الله عليهم عقوبة لهم حيث استجابوا لهم حتى أغورهم، وأمروهم بالمعاصي والفجور والفساد في الأرض، فأطاعوهم، فاقتضت الحكمة أن سلطهم عليهم بالطعن فيهم، كما سلط عليهم أعداءهم من الإنس، حيث أفسدوا في الأرض، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. فهذه ملحمة من الإنس، والطاعون ملحمة من الجن، وكل منهما بتسليط العزيز الحميد الحكيم عقوبة لمن يستحق العقوبة، وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها، وهذه سُّنة الله في العقوبات، تقع عامة فتكون طهرًا للمؤمنين وانتقامًا من الفاجرين. اهـ. وقد ثبت في عدة أحاديث أنه وخز أعدائنا من الجن، أخرج عبد الرزاق في «مصنفه»، وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل في

стр. 2370

«مسنديهما» وابن أبي الدنيا في كتاب «الطوعين» والبزار وأبو يعلى والطبراني وابن خزيمة والحاكم وصححه البيهقي في «الدلائل» من طرق علي بن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «فناء أمتي بالطعن والطاعون»، قيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «وخز أعدائكم الجن، وفي كل شهادة». قال ابن الأثير: الطعن: القتل بالرمح، والوخز طعن بلا نفاذ، فبهذا الحديث وغيره ظهر بطلان قول بعض الأطباء أن الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالاً وأن سببه فساد جوهر الهواء. وقد أبطل ابن القيم ﵀ في «الهدى» قول الأطباء هذا بوجوه، منها: وقوعه في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ومنها: لو كان من الهواء لعم الناس والحيوان، ونحن نجد الكثير من الناس والحيوان يصيبه الطاعون وبجانبه من جنسه ومن يشابه مزاجه من لم يصيبه وقد يأخذ أهل البيت بأجمعهم ولا يدخل بيتًا يجاورهم أصلاً ويدخل بيتًا فلا يصاب منه إلا البعض وربما كان عند فساد الهواء أقل مما يكون عند اعتداله، ومنها: أن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأمراض والأسقام، وهذا يقتل بلا مرض أو بمرض يسير، ومنها: أن لو كان من فساد الهواء لعم جميع البدن بمداومته الاستنشاق. والطاعون: إنما يحدث في جزء خاص من البدن، لا يتعداه لغيره، وللزوم دوامه في الأرض؛ لأن الهواء يصح تارة ويفسد أخرى، ويأتي على غير قياس ولا تجربة ولا انتظام، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ عدة سنين. ومنها: أن كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية، وهذا الطاعون أعيا الأطباء دواؤه،

стр. 2371

حتى سلم حذاقهم، أنه لا دواء له، ولا دافع له إلا الذي خلقه وقدره، انتهى. وقد جمع بعضهم بين الوارد وكلام الأطباء أنه إذا أراد الله ظهور الطاعون أفسد الهواء وجعله متعفنًا، فتخرج بسببه الجن؛ لأنه من شأنهم تتبع العفونات، فيختلطون بالناس، فيظهر منهم ما سلطوا هـ، وهو جمع حسن. اهـ. والهرم إن صار صاحب فراش، فكمريض مرضًا مخوفًا، وكذا من قدم للقتل قصاصًا أو غيره لظهور التلف وقربه، أو حبس للقتل، وكذا أسير عند من عادته القتل لخوفه على نفسه، وكذا جريح جرحًا موحيًا مع ثبات عقله؛ لأن عمر ﵁ لما جرح سقاه الطبيب لبنًا فخرج من جرحه، فقال له الطبيب: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم ووصى، فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته. وعلي ﵁ بعد ما ضربه ابن ملجم، أوصى وأمر ونهى، فلم يحكم ببطلان قوله، ومع عدم ثبات عقله لا حكم لعطيته، بل ولا لكلامه. وحامل عند مخاض وهو الطلق مع ألم حتى تنجو من نفاسها؛ لأنها قبل ضرب المخاض لا تخاف الموت، فأشبهت صاحب المرض الممتد، قبل أن يصير صاحب فراش، فإن خرج الولد والمشيمة وحصل هناك ورم أو ضربان شديد أو رأت دمًا فحكمها حكم ما قبل ذلك؛ لأنها لم تنج بعد. وكميت من ذبح أو أبينت حشوته، أي أمعاؤه فلا يعتد بكلامه لا خرقها فقط من غير إبانة ولا قطعها من غير إبانة، وقال الموفق في «فتاويه»: إن خرجت حشوته ولم تبن، ثم مات ولده ورثه، وأن أبينت، فالظاهر يرثه؛ لأن الموت الذي هو زهوق النفس وخروج الروح لم يوجد، ولأن الطفل يرث

стр. 2372

ويورث بمجرد استهلاله، وإن كان لا يدل على حياة أثبت من حياة هذا، انتهى. قال في «الفروع»: وظاهره أن من ذبح، ليس كميت مع بقاء روحه. قال في «الرعاية»: ومن ذبح أو أبينت حشوته فقوله لغو، فإن أخرجت حشوته واشتد به المرض وعقله ثابت كعمر وعلي ﵄ صح تصرفه وعطيته وتبرعه. ولو علق إنسان صحيح عتق قنه على صفة، كقدوم زيد، أو نزل مطر، فوجد الشرط الذي علق عليه العتق في مرضه المخوف، فعتق العبد يعتبر من ثلثه اعتبارًا بوقت وجود الصفة؛ لأنه وقت نفوذ العتق، وكذا الحكم لو وهب في الصحة وأقبض في المرض؛ لأن من تمام صحة الهبة التسليم، ولم يحصل إلا في المرض، فخرج من الثلث. ولو اختلف الورثة وصاحب العطية أو العتق بأن ادعى متهب أو الهبة أعطيها في الصحة فتكون من رأس المال أو ادعى معتوق أن صدور العتق في الصحة فيكون من رأس المال له فأنكر الورثة ذلك، فالقول قول الورثة وهو أنها في المرض فتكون من الثلث. وتقدم عطية اجتمعت مع وصية، وضاق الثلث عنهما، مع عدم إجازة لهما، وإن لم يف الثلث بتبرعات المريض المنجزة بدئ بالأول منهما، فالأول مرتبة؛ لأن العطية المنجزة لازمة في حق المعطي. فإذا كانت خارجة من الثلث، لزمت في حق الورثة، فلو شاركتها الثانية، لمنع ذلك لزومها في حق المعطى؛ لأنه يملك الرجوع عن بعضها بعطية أخرى، واحترز بالمنجزة عن الوصية بالتبرع.

стр. 2373

وإن وقعت العطايا المنجزة دفعة واحدة، كما لو قبلها الكل معًا، أو وكلوا واحدًا قبل لهم بلفظ واحد، وضاق الثلث عنها، ولم تجزها الورثة، قسم الثلث بين الجميع بالحصص؛ لأنهم تساووا في الاستحقاق، فيقسم بينهم قدر حقوقهم كغرماء المفلس. قال في «المغني»: فإن كانت التبرعات كلها عتقًا أقرعنا بينهم، فكملنا العتق كله في بعضهم؛ لحديث عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديدًا، رواه الجماعة إلا البخاري، وفي لفظ: أن رجلاً أعتق عند موته ستة رجلة له، فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا النبي ﷺ بما صنع، قال: «أو فعل ذلك، لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه» فأقرع بينهم، فأعتق منهم اثنين، وأرق أربعة، رواه أحمد، ولأن القصد بالعتق تكميل الأحكام بخلاف غيره. وإن قال المريض مرض الموت المخوف: إن أعتقت سعدًا فسعيد حر ثم أعتق المريض سعدًا، عتق سعيد إن خرج من الثلث لوجود الصفة، وإن لمي خرج من الثلث إلا أحدهما، عتق سعد وحده، ولم يقرع بينهما لسبق عتق سعد، ولو رق بعض سعد لعجز الثلث عن قيمته كله فات أعتاق سعيد لعدم وجود شرطه. وإن بقى من الثلث بعد إعتاق سعد مما يعتق به بعض سعيد، عتق تمام الثلث منه لوجود شرط عتقه، وإن قال المريض: إن أعتقت سعدًا، فسعيد وعمرو حران، ثم أعتق سعدًا، ولم يخرج من الثلث إلا أحدهم، عتق سعد وحده، لما

стр. 2374

تقدم وأقرع بين سعيد وعمرو، فيما بقي من الثلث، لا يقع عتقهما معًا من غير تقدم لأحدهما على الآخر. ولو خرج من الثلث اثنان وبعض الثالث، عتق سعد كاملاً بلا قرعة، لما تقدم وأقرع بين سعيد وعمرو، لتكميل الحرية في أحدهما، وحصول التشقيص في الآخر لما تقدم. ولو قصى مريض بعض غرمائه دينه صح القضاء، ولم يكن لبقية الغرماء الاعتراض عليه؛ لأن تصرف من جائز التصرف في محله، وليس بتبرع، ولم يزاحم المقضي الباقون من الغرماء، ولو لم تف تركته لبقية الديون؛ لأنه أدى واجبًا عليه، كأداء ثمن البيع. وما لزم المريض في مرضه، من حق لا يمكن دفعه، ولا إسقاطه كأروش جناياته، وأرش جنايات عبده. وما لزمه من معاوضة بثمن مثل، بيعًا أو شراءً أو إجارةً ونحوها، ولو مع إرث، فمن رأس المال؛ لأنه لا تبرع فيها، ولا تهمة، وما يتغابن الناس بمثله عادة فمن رأس مال؛ لأنه يندرج في ثمن المثل لوقوع التعارف به. ولا يبطل تبرع المريض بإقراره بعد التبرع بدين؛ لأن الحق يثبت بالتبرع في الظاهر، ولو حابى المريض وارثه، بطلت تصرفاته في قدر المحاباة؛ لأنها كالهبة، وهي لا تصح منه لوارث إلا بإجازة باقي الورثة؛ لأن المحاباة كالوصية، وهي لوارث باطلة، وكذلك المحاباة وصححت المعاوضة في غير قدر المحاباة؛ لأن المانع من صحة البيع المحاباة، وهي هنا مفقودة. فعلى هذا لو باع شيئًا بنصف ثمنه، فله نصفه بجميع الثمن؛ لأنه تبرع له بنصف الثمن، فبطل التصرف فيما تبرع به، وللمشتري الفسخ لتبعيض الصفقة في حقه.

стр. 2375

ولو باع لوارثه شيئًا لا يملك غيره يساوي ثلاثين بعشرة فلم يجز باقي الورثة، صح بيع ثلثه بالعشرة، والثلثان كعطية، وللمشتري الفسخ لتبعيض الصفقة في حقه، فشرع له ذلك دفعًا للضرر. فإن فسخ وطلب قدر المحاباة أو طلب الإمضاء في الكل، وتكميل حق الورثة من الثمن، لم يكن له ذلك، لا إن كان للوارث المشتري شفيع، وأخذ الشقص الذي وقعت فيه المحاباة من وارث؛ لأن الشفعة تجب بالبيع الصحيح، وقد وجد. وحيث أخذه الشفيع، فلا خيار للمشتري، لزوال الضرر عنه؛ لأنه لو فسخ البيع رجع بالثمن، وقد حصل له من الشفيع، ولو حابى المريض أجنبيًا بأن باعه شقصًا وحاباه في ثمنه، وخرجت المحابات من الثلث، أو جاز الورثة، وشفيع الأجنبي وارث أخذ بالشفعة، إن لم تكن حيلة على محاباة الوارث، فإن كان كذلك لم تصح؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. وإن آجر المريض نفسه وحاباه المستأجر وارثًا كان أو غيره، صح العقد مجانًا، من غير رد المستأجر لشيء من المدة والعمل؛ لأنه لو لم يؤجر نفسه لم يحصل لهم شيء، بخلاف عبيده وبهائمه. ويعتبر ثلث المعطى في المرض عند موت، لا عند عطية أو محاباة أو وقف أو عتق؛ لأن العطية معتبرة بالوصية، والثلث بالوصية معتبر بالموت؛ لأنه وقت لزومها وقبولها وردها، فكذلك في العطية. فلو أعتق مريض عبدًا لا يملك غيره، ثم ملك مالاً يخرج العبد من ثلثه تبينًا عتقه كله لخروجه من الثلث عند الموت.

стр. 2376

س ٨: تكلم بوضوح عما يلي: هل حكم العطية في مرض الموت حكم الوصية، وما الذي تفارق فيه العطية في المرض، والوصية؟ علل لما تذكر، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر حكم ما إذا أقر في مرضه أنه أعتق ابن عمه أو نحوه في صحته، أو ملك من يعتق عليه بهبة أو وصية، ومثل لذلك، ومن أين يكون الثمن، وتعرض لحكم الإرث، والولاء، وحكم ما إذا عتق على وارثه، أو دبر ابن عمه، أو علق العتق بموت قريبه، وإذا أعتق أمة وتزوجها في مرضه فما الحكم؟ وإذا أعتقها وقيمتها مائة، ثم تزوجها، وأصدقها مائتين، لا مال له غيرهما فما الحكم؟ وإذا تبرع بثلثه في المرض، ثم اشترى أباه ونحوه من الثلثين فما الحكم؟ وضح ذلك واذكر ما حول ذلك من مسائل وأدلة وتعليلات واحترازات وقيود وخلاف وترجيح وتفصيل وتمثيل لما يحتاج إليه. ج: حكم العطية في مرض الموت حكم الوصية في أشياء، منها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث أو إجازة الورثة، ومنها: أنها لا تصح لوارث إلا بإجازة الورثة. ومنها: أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة. ومنها: أنها تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا، ومنها: أن خروجها من الثلث يعتبر حال الموت لا قبله ولا بعده. وتفارق العطية في المرض الوصية في أربعة أحكام، أحدها: أنه يبدأ بالأول فالأول في العطية لوقوعها لازمة والوصية يسوى بينها وبين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها تبرع بعد الموت، فوجدت دفعة واحدة. من الوصية كل ما علق بموت، كقول المريض إذا مت فأعطوا فلانًا كذا من الدراهم، أو الأقمشة أو نحو ذلك،

стр. 2377

أو يقول أعتقوا رقيقي فلانًا، أو أمتي فلانة، أو أوقفوا داري أو أسكنوا فلانًا بها سنة أو نحو ذلك. الثاني: أنه لا يصح رجوع في عطية قبضت؛ لأنها لازمة في حق المعطى، وإن كثرت؛ لأن المنع من الزيادة على الثلث، إنما كان لحق الورثة، لا لحقه، فلا بملك إجازتها ولا ردها. بخلاف الوصية، فإنه يصح الرجوع فيها؛ لأن التبرع بها مشروط بالموت، فقبل الموت لم يوجد، فهي كالهبة قبل القبول، بخلاف العطية في المرض، فإنه قد وجدت العطية منه، والقبول والقبض من الموهوب له فلزمت كالوصية إذا قبلت بعد الموت وقبضت. الثالث: أنه يعتبر قبول عطية عندها؛ لأنها تصرف في الحياة، فيعتبر شروطه وقت وجوده، والوصية بخلافه؛ لأنها تبرع بعد الموت، فاعتبر عند وجوده، إذ لا حكم لقبولها ولا ردها قبله. الرابع: أن الملك يثبت في العطية من حين وجودها بشروطها؛ لأنها إن كانت هبة فمقتضاها تمليك الموهوب في الحال كعطية الصحة، وكذا إن كانت محاباة أو إعتاقًا. ويكون هذا الثبوت مراعي؛ لأنا لا نعلم هل هذا مرض الموت أم لا؟ ولا نعلم هل يستفيد مالاً أو يتلف شيئًا من ماله؟ فتوقفنا لنعلم عاقبة أمرهن لنعمل بها، فإذا مات وخرجت العطية من ثلثه عند موته، تبينًا أن الملك كان ثابتًا من حين الإعطاء؛ لأن المانع من ثبوته كونه زائدًا على الثلث، وقد تبين خلافه. وإذا أقر مريض ملك ابن عمه في صحته أو ابن بن عمه ونحوه، والمرض الذي أقر به مرض الموت المخوف، أنه أعتق

стр. 2378

ابن عمه أو نحوه في صحته، عتق من رأس ماله وورثه، أو ملك المريض في مرضه من يعتق عليه كأخيه وأبيه، وكان ملكه لذلك في المرض، وملكه له بطريق هبة، أو وصية، عتق المقر بعتقه في الصحة. والحادث ملكه بالهبة والوصية في المرض من رأس ماله؛ لأنه تبرع فيه، إذ التبرع بالمال إنما هو بالعطية، أو الإتلاف أو التسبب إليه وهذا ليس بواحد منها، والعتق ليس من فعله، ولا يتوقف على اختياره، فهو كالحقوق التي تلزم بالشرع. وقبول الهبة ونحوها ليس بعطية، ولا إتلاف لماله، وإنما هو تحصيل لشيء تلف بتحصيله فأشبه قبول الشيء لا يمكنه حفظه، وفارق الشراء فإنه تضييع لماله في ثمنه وورث؛ لأنه لا مانع به من الموانع التي تمنع من الإرث، أشبه غيره من الأحرار، وليس ذلك وصية، وإلا لا اعتبر في الثلث، فلو اشترى مريض ابنه ونحوه بخمسمائة وهو يساوي ألفًا، فقدر المحاباة الحاصلة للمريض من البائع وهو خمسمائة من رأس ماله، فلا يحتسب بها في التركة ولا عليها، ويحسب الثمن من ثلثه. وكذا ثمن كل من يعتق عليه؛ لأنه عتق في المرض، ولو اشترى مريض قريبه الذي إن مات يعتق على وارثه كمريض ورثه ابن عم له فوجد أخًا ابن عمه يباع فاشتراه صح الشراء، وعتق على وارثه أخيه عند موت المشتري. وإن دبر المريض ابن عمه، أو ابن عم أبيه ونحوه، عتق بموته ولم يرث؛ لأن الإرث شرطه الحرية، ولم تسبقه، فلم يكن أهلاً للإرث. ولو قال: أنت حر آخر حياتي ثم مات السيد عتق وورث

стр. 2379

لسبق الحرية الإرث، وليس عتقه وصية له، فلا يتوقف على إجازة الورثة؛ لأنه حال العتق غير وارث، وإنما يكون وارثًا بعد نفوذه. ولو اشترى مريض من يعتق عليه ممن يرث منه، كأبيه وابن عمه، عتق من الثلث وورث لما تقدم. وإن عتق ابن عمه بمباشرة أو تعليق، وكان ذلك في مرضه، عتق إن خرج من الثلث، وورث لعدم المانع، وإن لم يخرج ثمن من يعتق عليه أو قيمة من أعتقه من الثلث، عتق منه بقدر الثلث؛ لأنه تبرع، ويرث بقدر ما فيه من الحرية لما يأتي في إرث المبعض. فلو اشترى أباه بكل ماله ومات، وترك ابنًا، عتق ثلث الأب الميت بمجرد شرائه، وله ولاؤه، وورث الأب بثلثه الحر من نفسه سدس باقيها الموقوف؛ لأن فرضه السدس لو كان تام الحرية، فله بثلثها ثلث السدس. ولا ولاء لأحد على هذا الجزء الذي ورثه من نفسه، وبقية الثلثين، وهي خمسة أسداس الأب، وثلثا سدسه، تعتق على الابن بملكه لها من جده. وله ولاؤها، لعتقها عليه. فالمسألة من سبعة وعشرين، تسعة منها وهي الثلث يعتق على الميت، وله ولاؤها، وسهم منها يعتق على نفسه لا ولاء عليه لأحد، وهو ثلث سدس الثلثين، ويبقى سبعة عشر سهمًا يرثها الابن، تعتق عليه وله ولاؤها. ولو كان الثمن الذي اشترى به المريض أباه ولا يملك غيرها تسعة دنانير، وقيمة الأب ستة تحاص البائع والأب في ثلث التسعة؛ لأن ملك المريض لأبيه، مقارن لملك البائع لثمنه.

стр. 2380

وفي كل منهما عطية منجزة، فتحاصا لتقارنهما، فكان ثلث الثلث وهو دينار للبائع محاباة، وثلثاه للأب عتقا، يعتق به ثلث رقبته، ويرد البائع من المحاباة دينارين لبطلانها فيهما، ويكون ثلثا رقبة الأب مع الدينارين اللذين ردهما البائع ميراثًا، يرث منه الأب بثلثه الحر، ثلث سدس ذلك، والباقي للابن، ويعتق عليه باقي جده. وإن عتق من اشتراه المريض من أقاربه على وارثه دونه بأن يكون أخًا لابن عمه الوارث له فاشتراه صح شراؤه وعتق على أخيه لدخوله في ملكه بارئه له من ابن عمه فلا يرث معه. وإن دبر المريض ابن عمه ونحوه كابن عم أبيه عتق بموته ولم يرث منه؛ أن الإرث قارن الحرية ولم يسبقها فلم يكن أهلاً للإرث حينئذ. وإن قال المريض لابن عمه ونحوه أنت حر آخر حياتي، ثم مات المريض عتق ابن عمه ونحوه لوجود شرط عتقه، وورث لسبق الحرية الإرث، بخلاف من علق عتقه بموت قريب، كقن قال له سيده: إن مات أخوك الحر فأنت حر، فإذا مات أخوه عتق ولم يرث؛ لأنه لم يكن حرًا حال الإرث. وليس عتق المقول له أنت حر آخر حياتي وصية له حتى تكون وصية لوارث فتبطل؛ لأن العتق يقع في آخر الحياة، والوصية تبرع بعد الموت، ولو أعتق المريض أمته وتزوجها في مرضه، ثم مات ورثته، حيث خرجت من الثلث لعدم المانع، وتعتق إن خرجت من الثلث، ويصح النكاح لحريتها التامة، وإن لم تخرج من الثلث عتق منها بقدر الثلث كسائر تبرعاته وبطل النكاح، لظهور أنه نكح مبعضة يملك بعضها، والنكاح لا يجامع الملك. ولو أعتقها وقيمتها مائة، ثم تزوجها وأصدقها مائتين لا

стр. 2381

مال له سواهما، وهما مهر مثلها ثم مات، صح العتق والنكاح ولم يستحق الصداق، لئلا يفضي إلى بطلان عتقها، ثم يبطل صداقها؛ لأنها إن استحقت الصداق، لم يبق له سوى قيمة الأمة المقدر بقاؤها فلا ينفذ العتق في كلها، وإذا بطل في البعض، بطل النكاح فيبطل الصداق. ويلغز بهذه المسألة فيقال: امرأة تزوجت بصداق مقدر في نكاح صحيح، ودخل بها ولم تستحق الصداق، مع أنه لم يوجد منها ما يسقطه. وإن أعتقها وأصدق المائتين وغيرها، ومات ولم يتجدد له مال صح الإصداق، وبطل العتق في ثلثي الأمة اعتبارًا بحال الموت، وكذا إن تلفت المائتين حال موته. ولو تبرع المريض بثلثه في المرض، ثم اشترى أباه أو أمه أو أخاه من الثلث، صح الشراء؛ لأنه معاوضة، ولا عتق لما اشتراه؛ لأنه اشتراه بما هو مستحق للورثة بتقدير موته. ويلغز بها، فيقال: رجل اشتراه أباه أو ابنه ونحوهما، ولم يعتق عليه واحد منهما وإنما كان ذلك لسبق التبرع بالثلث. فإذا مات المريض، عتق الأب ونحوه على وارث المريض إن كان الأب ونحوه ممن يعتق على وارث المريض، للملك له بالإرث، ولا إرث للعتيق إذا؛ لأنه لم يعتق عليه في حياته، بل بعد موته ومن شرط الإرث حرية الوارث عند الموت ولم يوجد. وإن تبرع مريض بمال أو أعتق ثم أقر بدين لم يبطل تبرعه ولا عتقه، وإن ادعى المتهب أو العتيق صدور ذلك في الصحة، فأنكر الورثة فقولهم، نقله مهنا في «العتق». ولو قال المتهب: وهبتني زمن كذا صحيحًا فأنكروا صحته في ذلك الزمن، قبل قول المتهب.

стр. 2382

وما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه ولا إسقاطه كأرش جنايته، أو جناية رقيقه، وما عاوض عليه بثمن المثل، وما يتغابن بمثله، فمن رأس ماله، وكذا النكاح بمهر المثل وشراء جارية يستمتع بها ولو كثيرة الثمن بثمن مثلها والأطعمة التي يأكله مثله فيجوز ويصح، والله أعلم. كتاب الوصايا فصل في الوصايا س ٩: تكلم بوضوح عن الوصية، ولما سميت بذلك؟ وما حكمها؟ وما هي أركانها؟ وما الأصل فيها؟ وما الذي يجري عليها من الأحكام الخمسة، وما هي شروط الوصية؟ ومتى تنفذ؟ ومن الذي تصح منه والذي لا تصح منه؟ وما هي أقسامها؟ ولماذا قدمها بعضهم على الفرائض وبعضهم أخرها؟ وما هو الأصل فيها؟ وما حكمها مطلقة ومقيدة؟ وما معنى ذلك؟ وهل يعتبر في الوصية القربة؟ وهل تصح بالخط؟ وهل يؤثر فيها طول الزمن أو تغير حال الموصي؟ وما الذي يستحب كتبه في مقدمة الوصية؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح. ج: الوصايا جمع وصية، وهو مأخوذ من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، فإن الميت وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته، والوصية: لغة الأمر، قال الله : ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، وقال : ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾، وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وفي حديث خطب رسول الله ﷺ : «فأوصى بتقوى الله» أي أمر، واصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعده. وقال بعضهم: الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع سواء كان ذلك في الأعيان أو في المنافع، ومثال

стр. 2383

الأمر بالتصرف كأن يوصي إلى إنسان بتزويج بناته أو يوصي إلى إنسان أن يغسله أو يصلي عليه أو ما كان أو يوصيه بالكلام على صغار أولاده أو على تفرقه ثلثه ونحو ذلك. والوصية في الخلافة أن يعهد لمن يصلح لها من بعده بتوليها، وأوصى أبو بكر ﵁ بالخلافة لعمر ﵁، ووصى بها عمر لأهل الشورى. وعن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة، قال: أوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب رسول الله ﷺ فكان يحفظ عليهم أموالهم، وينفق على أيتامهم من ماله، والزبير ابن عمة رسول الله ﷺ ، وحواري رسول الله ﷺ وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين مات عنهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. وكان مع النبي ﷺ على حراء فتحول حراء، فقال ﷺ : «اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»، وكان عليه أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، ومناقب الزبير أكثر من أن تحصر، ساقها الذهبي في «سير أعلام النبلاء». والأصل فيها الكتاب والسُّنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ على من مات وله مال، وهذا في أول الإسلام كان واجبًا، ثم نسخت الآية بآية المورايث. وقال ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فرفع حكم أهل الفروض والعصبات بالكلية، وبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، ومن أدلة الكتاب قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.

стр. 2384

وقدمت الوصية على الدين للاهتمام بشأنها، ولأن النفس قد لا تسمح بها لكونها تبرعًا، أو لأنها كانت على وجه البر والصلة، والدين يقع بعد الميت بنوع تفريط، بدأ بالوصية لكونها أفضل أو لأنها حظ الفقير غالبًا والدين حظ الغريم، ويطلبه بقوة أو لأجل ذلك كله، وإلا فهو مقدم عليها شرعًا بعد مؤن التجهيز بلا نزاع. لما ورد عن علي ﵁ قال: «إنكم تقرؤن هذه الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وأن النبي قضى بالدين قبل الوصية» يشير إلى أن الترتيب في الذكر لا يوجب الترتيب في الحكم، وروي أنه قيل لابن عباس ﵄: أنك تأمر بالعمرة قبل الحج وقد بدأ الله تبارك و بالحج، فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال ﵁: كيف تقرؤون آية الدين؟ فقالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فقال: وبماذا تبدؤن؟ قالوا: بالدين، قال ﵁: هو ذاك. وأما الأدلة من السُّنة فمنها قوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. وينبغي لمن رأى المريض أو غيره يجنف في الوصية أن ينصحه وينهاه؛ لقوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾

стр. 2385

قال أهل التفسير: إذا رأى المريض يجنف على ولده أن يقول: اتق الله ولا توص بما لك كله. اهـ. قلت: ومثله لو رأى من يحرم أولاد البنات؛ لأنه جور في الوصية، ولأن النبي ﷺ نهى عن الجور. ومن السُّنة ما روى سعد بن أبي الوقاص، قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: «لا»، قلت: فالثلث، قال: «الثلث، والثلث كثير -أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» رواه الجماعة. وفي رواية أكثرهم جاءني يعودني في حجة الوداع، وفي لفظ: عادني رسول الله ﷺ في مرضي، فقال: «أوصيت؟»، قلت: نعم، قال: «بكم»، قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما تركت لولدك؟» قلت: هم أغنياء، قال: «أوص بالعشر». فما زال يقول وأقول، حتى قال: «أوص بالثلث، والثلث كثير أو كبير» رواه النسائي وأحمد بمعناه، إلا أنه قال: قلت: نعم، جعلت مالي كله في الفقراء والمساكين وابن السبيل، وهو دليل على نسخ وجوب الوصية للأقربين. والوصية على عدة أقسام: قسم تجب، وذلك لمن عليه دين أو عنده وديعة، أو عليه واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا الباب الوصية فتكون مفروضة عليه وتقدم قريبًا في حديث ابن عمر. وقسم مختلف فيه: وهو الوصية للوارث إذا أجازها الورثة، فقيل: باطلة وإن أجازها الورثة، إلا أن يعطوه عطية مبتدأة؛ لحديث شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة قال: سمعت
следующие страницы →