Полный текст (2 854 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بل يقول ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به»، وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر؛ فإذا مطرت سُري عنه فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد، فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا»»، وفي رواية: ويقول إذا رأى المطر: «رحمة» متفق عليه.
وإذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»، لما ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» رواه أحمد، والترمذي، وقال: حديث غريب.
عن عامر بن عبد الله بن الزبير «أنه ﷺ كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»» رواه مالك، وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلاب استعاذ من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديكة سأل الله من فضله، لما ورد في حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فاستعيذوا بالله من الشيطان الرحيم؛ فإنه رأى شيطانًا».
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير من الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم؛ فإنها ترى ما لا ترون».
يا أمة الهادي أما تنتهون عن … ذنوب بها حبس الحيا المتعود
فذلك عقبى الجود من كل ظالم … وعقبى الزنى ثم الربا والتزيد
نعم بما يجني العقوبة غيرنا … هنا وغدا يشقى بها كل معتد
стр. 247
كفى زاجرًا للمرء موت محتم … وقبر وأهوال تشاهد في غد
ونار تلظى أوعد الله من عصى … فمن خارج بعد الشقا ومخلد
فقد عند حبس القطر في الناس واعظًا … وخوف ومرهم بالمتاب وهدد
إذا خفت فوت الزرع والجدب في الربى … تهيأ وميقات الخروج لهم عد
ويشرع تنظيف وترك تطيب … وإصلاح مخفى السرائر أكد
ويخرج بعض من مظالم بعضهم … ويستغفرون الله من كل مبعد
وبادر إلى الصحرا بهم متضرعًا … بإخبات ذي تقوى وذل ملهد
وأكثر على الهادي الصلاة بها تصب … وفيما به يرجو الغياث ليجهد
ويستغفر الله العظيم لنفسه … ويأمر باستغفارهم والتفقد
ويخضع نحو الأرض بالطرف خاشعًا … ويرفع كف المستغيث المجهد
ويدعو دعاء المخبتين بقلبه … دعاء غريق في دجا الليل مفرد
ولكنما صدق اللجاء مفاتح الخزائن … فادع واسع الفضل واجتهد
ولا تقنطن من رحمة الله إنما … قنوط الفتى خسرانه فادع تهتد
وقل بانكسار قارعًا باب راحم … قريب مجيب بالفواضل مبتد
إلهي آتى العاصون بابك ما لهم … سواك يزيل الأزل في الماحل الصد
إليك فررنا من عذابك رهبة … فلا تطردنا عن جنابك واسعد
دعوناك للأمر الذي أنت ضامن … إجابته يا غير مخلف موعد
стр. 248
إليك مددنا بالرجاء أكفنا … فحاشاك من رد الفتى فارغ اليد
ويدعو بغيث مغدق متدفق … يرد ظماء الهضب والمتوهد
ويستقبل البيت الحرام محولاً … يمين رداء نحو يسرة مرتد
٥٩ - كتاب الجنائز
س ٤٣٦: ما المسنون للإنسان؟ وما الواجب؟
ج: يسن الاستعداد للموت، وتجب التوبة فورًا من المعاصي، ويجب الخروج من المظالم إما بردها أو الاستحلال من أربابها، ويشرع أن يزداد من الأعمال الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا﴾.
ويستحب أن يكثر من ذكر الموت؛ فإنه روي أن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره» رواه البخاري أوله.
وروى ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله، قال: «ليس كذلك؛ ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، وليحفظ البطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» رواه أحمد والترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
س ٤٣٧: بين أحكام ما يلي: التداوي، الحمية، التداوي بمحرم، التميمة، الأنين، الصبر على المرض، تمني الموت، واذكر الأدلة على ما تقول.
ج: يجوز التداوي ولا ينافي التوكل، لما روى أبو الدرداء أن رسول
стр. 249
الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بالحرام» وتستحب الحمية.
قال ابن القيم ﵀: والأصل في الحمية قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فحمى المريض من استعمال الماء؛ لأنه يضره.
وفي سنن ابن ماجه وغيره عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ ومعه علي، وعلى ناقه من مرض ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله ﷺ يأكل منها وقام علي يأكل منها، فطفق رسول الله ﷺ يقول لعلي: «إنك ناقه حتى كف»، قالت: وصنعت شعيرًا وسلقًا فجئت به، فقال النبي ﷺ لعلي: «من هذا أصب؛ فإنه أنفع لك»»، وفي لفظ: «من هذا أصب؛ فإنه أوفق لك» اهـ.
ويحرم التداوي بمحرم أكلاً وشربًا وبصوت ملهاة؛ لقوله ﷺ : «لا تتداووا بالحرام» الحديث وتقدم، وتحرم التميمة وهي العوذة أو الخرزة تعلق لنهي الشارع ودعائه على فاعله، وقال: «لا يزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، ولو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا».
روي ذلك عن أحمد وغيره والإسناد حسن ويكره الأنين؛ لأنه يترجم عن الشكوى، ولما روي عن عطاء أنه كرهه، ويستحب للمريض أن يصبر وكذا كل مبتلى للأمر به في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقوله ﷺ : «والصبر ضياء، والصبر الجميل صبر بلا شكوى، والشكوى إلى الخالق لا تنافيه، بل هي مطلوبة ومن الشكوى إلى الله قول أيوب: (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، وقول يعقوب: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)».
قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض
стр. 250
بقضاء الله لم يكن ذلك جزعًا، ألم تسمع قول النبي ﷺ لجبريل في مرضه «أجدني مغمومًا وأجدني مكروبًا»، وقوله لعائشة: «بل أنا وارأساه» ذكره ابن الجوزي؛ وأما تمني الموت، فيكره لضر نزل به، لما ورد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به؛ فإن كان لابد متمنيًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه، ولا يكره تمني الموت لضر بدينه، وخوف فتنة، لقوله ﷺ : «إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون»، وتمني الشهادة ليس من تمني الموت المنهي عنه، بل هو مستحب لاسيما عند حضور أسبابها، لما في «الصحيح»: «من تمنى الشهادة خالصًا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء».
س ٤٣٨: تكلم عن أحكام ما يلي: عيادة المريض، تذكيره التوبة، والوصية، وحسن الظن بالله ، واذكر الدليل لما تقول؟
ج: تسن عيادة مريض غير مبتدع وغير متجاهر بمعصية، وقال ابن حمدان: فرض كفاية.
وقال الشيخ تقي الدين: الذي يقتضيه النص وجوب ذلك، واختاره جمع والمراد مرة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنازة» متفق عليه؛ وأما تذكيره التوبة، فلحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ولأنه أحوج غليها من غيره، وهي واجبة على كل أحد من كل ذنب في كل وقت؛ وأما تذكيره الوصية، فلحديث ابن عمر: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه؛ وما حسن الظن بالله فهو واجب، لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله »، ولخبر «الصحيحين» عن أبي هريرة مرفوعًا: «أنا عند ظن عبدي بي -زاد أحمد- إن ظن
стр. 251
خيرًا فله وإن ظن شرًا فله»، وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: «ليس ذلك؛ ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه؛ وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» متفق عليه.
س ٤٣٩: اذكر شيئًا مما ينبغي ويُسن في حق المريض أو يجب.
ج: ينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه بأن يستحضر في نفسه أنه حقير من مخلوقات الله، وأن الله غني عن عباداته وطاعاته، ولا يطلب العفو والإحسان إلا منه، وأن يكثر ما دام حاضر الذهن من القراءة والذكر، وأن يبادر إلى أداء الحقوق برد المظالم، والودائع، والعواري، واستحلال نحو زوجة، وولد، ووالد وقريب، وجار وصديق، ومن بينه وبينه معاملة، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، ويصير على مشقة ذلك، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال، ويتعاهد نفسه بنحو تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف إبط، وأخذ شاربه، وإزالة الأوساخ، وأن يعتمد على الله فيمن يحب من بنيه وغيرهم، ويوصي للأرجح في نظره بقضاء ديونه، وتفرقة وصيته، ونحو غسله، والصلاة عليه، وعلى غير بالغ من أولاده، ويجب المسارعة في قضاء الدين وما فيه إبراء ذمته من إخراج كفارة، وحج ونذر وغير ذلك، ويُسن الإسراع في تفريق وصيته، كل ذلك قبل الصلاة عليه؛ فإن تعذر إيفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.
стр. 252
س ٤٤٠: إذا نزل بالإنسان لقبض روحه، فماذا يسن؟ وضح ذلك.
ج: وإذا نزل به سن أن يليه أرفق أهله به، وأعرفهم بمداراته، وأتقاهم لله، وأن يتعاهد بل حلقه بماء أو شراب، ويندي شفتيه بقطنة، وأن يلقنه قول لا إله إلا الله مرة، لما ورد عن أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم والأربعة، ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم فيعد تلقينه برفق لتكون آخر كلامه لقوله ﷺ في حديث معاذ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أحمد والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
س ٤٤١: بين حكم قراءة (يس) عند المحتضر، وحكم توجيه المحتضر.
ج: مسنونان، لما ورد عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا على موتاكم يس» رواه أبو داود، والنسائي وصححه ابن حبان.
وأما الدليل على سنية توجيهه إلى القبلة قبل النزول به وتيقن موته وبعده، لقوله ﷺ عن البيت الحرام: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا» رواه أبو داود، ولما روت سلمى أم ولد رافع قالت: قالت فاطمة بنت رسول الله ﷺ : «ضعي فراشي هاهنا واستقبلي بي القبلة، ثم قامت واغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثيابًا جددًا، ثم قالت: تعلمين أني مقبوضة الآن، ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها»؛ ولقول حذيفة: وجهوني، وعلى جنبه الأيمن أفضل إن كان المكان واسعًا وإلا على ظهره وأخمصاه إلى القبلة.
س ٤٤٢: إذا مات الإنسان، فما الذي يسن في حق من حضره؟
ج: يُسن تغميض عينيه وعند تغميضه قول باسم الله وعلى وفاة رسول الله، ولا يتكلم من حضر إلا بخير، ويشد لحييه، ويلين مفاصله عقب موته
стр. 253
بإلصاق ذراعيه بعضديه، ثم يعيدهما، وإلصاق ساقيه بفخذيه، وفخذيه ببطنه، ثم يعيدها؛ فإن شق ذلك عليه تركه وينزع ثيابه ويسجي بثوب، ويجعل على بطنه حديدة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجهًا منحدرًا نحو رجليه، وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة، ولا بأس أن ينتظر به من يحضر من ولي وكثرة جمع إن كان قريبًا ما لم يخش عليه أو يشق على الحاضرين.
س ٤٤٣: اذكر ما تستحضره لما تقدم من دليل أو تعليل؟
ج: أما الإغماض وأن لا يتكلم إلا بخير والدعاء للميت، فللحديث الوارد عن أم سلمة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض أتبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه»» رواه مسلم.
وأما تليين مفاصله قبل قسوتها لتبقى أعضاؤه سهلة على الغاسل لينة.
وأما خلع ثيابه، فلئلا يحمي جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير، وأما ستره بثوب، فلما روت عائشة: «أن النبي ﷺ حين توفى سجى ببرد حبرة» متفق عليه.
أما جعل حديدة أو نحوها على بطنه، فلما روى البيهقي أنه مات مولى لأنس عند مغيب الشمس، فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة، ولئلا ينتفخ بطنه.
وأما وضعه على سرير غسله فليبعد عن الهوام، ويرفع عن نداوة الأرض، وأما كونه متوجهًا إلى القبلة، فلما تقدم من حديث: «قبلتكم أحياء وأمواتًا»؛ وأما كونه منحدرًا نحو رجليه فلينحدر عنه الماء؛ وأما إسراع تجهيزه إن مات غير فجأة، فلحديث: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود، وفي موت فجأة بصاعقة، أو هدم، أو خوف
стр. 254
من حرب، أو سبع أو ترد من جبل، أو غير ذلك وفيما إذا شك في موته حتى يعلم.
ويشرع للمرضى العيادة فأتهم … تخض رحمة تغمر مجالس عود
فسبعون ألفًا من ملائكة الرضى … تصلي على من عاد يمشي إلى الغد
وإن عاد في أول اليوم واصلت … عليه إلى الليل الصلاة فاسند
وذكر لمن تأتي وهو فؤاده … ولقنه عند الموت قول الموحد
ولا تضجرن بل إن تكلم بعده … فعاود بلطف واسأل اللطف واجهد
ويس إن تتلى يخفف موته … ويرفع عنه الإصرار عند التلحد
ووجهه عند الموت تلقاء قبلة … فإن مات غمضه ولحييه فاشدد
وملبوسه فاخلع ولين مفاصلا … وضع فوق بطن الميت مانع مصعد
ومستترًا للغسل ضعه موجهًا … ومنحدرًا تلقاء رجليه فاعمد
ووف ديون المرء مسرعًا وفرقن … وصية عدل ثم تجهيزه اقصد
س ٤٤٤: ما هي العلامات الدالة على موت من شك في موته أو مات فجأة؟
ج: يعلم موته بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيوبة سواد عينيه في البالغين وهو أقواها؛ لأن هذه العلامات دالة على الموت يقينًا، وقد يفيق بعد ثلاثة أيام ولياليها، وقد يعرف موت غيرهما بهذه العلامات وبغيرها كتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلد، وحكم النعي يكره وهو النداء بموته؛ لحديث: «إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية» رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا، ولا بأس أن يعلم به أقاربه وإخوانه من غير نداء؛ لإعلامه ﷺ أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه، متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفيه كثرة المصلين فيحصل ثواب ونفع للميت. والله أعلم، وصلى الله على محمد.
стр. 255
٦٠ - فصل في غسل الميت وما يتعلق به
س ٤٤٥: بين أحكام ما يلي: غسل الميت، تكفينه، الصلاة عليه، دفنه، واذكر الدليل على ما تقول.
ج: غسل مرة أو ييمم لعذر من عدم الماء، أو عجز عن استعماله لخوف نحو تقطع أو تهر فرض كفاية اجتماعًا على من أمكنه؛ لقوله ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه» متفق عليه من حديث ابن عباس، وكذا تكفينه فرض كفاية؛ لقوله: «وكفنوه في ثوبيه»، وكذا الصلاة عليه فرض كفاية لقوله: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» رواه الدارقطني والخلال، وضعفه ابن الجوزي، ولما ورد عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه قضاء؛ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»» الحديث متفق عليه، وحمله ودفنه كفاية، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه، ولا شك أن دفنه متوقف على حمله إلى محل الدفن.
س ٤٤٦: من هو شهيد المعركة؟ وهل يغسل؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل.
ج: شهيد المعركة هو: من مات بسبب قتال كفار وقت قيام القتال لا يغسل ولا يصلى عليه، لما ورد عن جابر قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في الثوب الواحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن» فإذا أشير إلى أحد قدمه في اللحد وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم» رواه البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي، وصححه عن أنس: «إن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وإن سقط من دابته أو وجد ميتًا ولا أثر به أو حمل فأكل أو شرب أو طال بقاؤه عرفًا غسل وصلى عليه؛ أما من مات بغير فعل العدو فلعدم مباشرتهم قتله وتسببهم فيه
стр. 256
فأشبه من مات بمرض؛ وأما من وجد ميتًا ولا أثر به، فلأن الأصل وجوب الغسل فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه؛ فإن كان به أثر لم يغسل ولم يصل عليه؛ وأما من حمل بعد جرحه فأكل ونحوه، فلأن النبي ﷺ غسل سعد بن معاذ وصلى عليه، وكان شهيدًا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله، فحمل إلى المسجد فلبث فيه أيامًا ثم مات.
س ٤٤٧: ما هي الشروط المشترطة في الماء المغسل فيه والغاسل؟
ج: أما في الماء فيشترط الطهورية والإباحة كباقي الأغسال؛ وأما في الغاسل فيشترط الإسلام، والعقل، والتمييز؛ لأنها شروط في كل عبادة، والأفضل ثقة عارف بأحكام الغسل ليحتاط، ولقول ابن عمر: لا يغسل موتاكم إلا المأمونون.
س ٤٤٨: من الأولى بغسل الميت الذكر؟ اذكره موضحًا.
ج: الأولى به وصية العدل؛ لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء، وأنس أوصى أن يغسله محمد بن سيرين؛ ولأنه حق للميت فقدم وصيه على غيره، ثم أبوه إن لم يكن وصي لاختصاصه بالحنو والشفقة، ثم الجد وإن علا لمشاركته للأب في المعنى، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته نسبًا، ثم الأقرب فالأقرب نعمة، ثم ذوو أرحامه كميراث الأحرار في الجميع -أي جميع ما تقدم- فلا تقديم لرقيق؛ لأنه لا يرث ثم الأجانب من الرجال.
س ٤٤٩: من الأولى بغسل المرأة؟ وهل لزوجها أن يغسلها وبالعكس؟
ج: الأولى بغسل أنثى وصيتها لما تقدم في الرجل فأمها، وإن علت فبنتها وإن نزلت، ثم القربى فالقربى كميراث، فتقدم أخت شقيقة ثم لأب، ثم لأم وهكذا، وعمة وخالة سواء وحكم تقديمهن كرجال يقدم منهن من يقدم من رجال لو كن رجالاً، ولكل من الزوجين غسل صاحبه، عن عائشة ﵂ قالت: «رجع إلي رسول الله ﷺ من جنازة
стр. 257
بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأقول وارأساه، فقال: «بل أنا وأرأساه، ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك»» رواه أحمد وابن ماجه، وعن عائشة أنها كانت تقول: «لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
وتقدم أن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء فغسلته.
س ٤٥٠: بين أحكام ما يلي: إذا مات رجل بين نسوة ليس فيهن زوجة ولا أمة مباحة له؟ إذا ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج، ولا سيد لها؟ إذا مات خنثى مشكل؟ إذا مات من له دون سبع سنين؟ إذا مات الكافر فهل يغسله المسلم؟ اذكر ذلك بوضوح.
ج: إذا مات رجل بين نسوة لا رجل معهن ممن لا يباح لهن غسله بأن لم يكن زوجاته ولا إماؤه يمم بحائل، وإذا ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوجها ولا سيدها يممت بحائل، وكذا الخنثى المشكل ييمم بحائل، وإن كانت له أمة غسلته؛ لأنه إن كان أنثى فلا كلام، وإن كان ذكرًا فلأمته أن تغسله، ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين من ذكر وأنثى؛ لأنه لا حكم لعورته بدليل أن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء، ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا أو أن يحمله أو يكفنه أو يتبع جنازته كالصلاة، لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بل يوارى لعدم من يواريه من الكفار كما فعل بكفار بدر واراهم في القليب، ولما روي عن علي ﵁ قال: «قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: «اذهب فواره»» رواه أبو داود، والنسائي، وكذا كل صاحب بدعة مكفرة يوارى لعدم من يواريه، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا تتبع جنازته.
س ٤٥١: ما حكم ستر الميت حال الغسل؟ وما حكم الحضور عند الميت المغسل؟
стр. 258
ج: أخذ في غسله ستر عورته وجوبًا؛ لحديث علي: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» رواه أبو داود، وهذا فيمن له سبع سنين فأكثر كما تقدم، وسن ستره كله عن العيون في خيمة أو بيت؛ لأنه أستر، ويكره لغير معين في غسله حضوره؛ لأنه ربما كان في الميت ما لا يحب أن يطلع أحد عليه والحاجة غير داعية إلى حضوره بخلاف المعين.
س ٤٥٢: ماذا يعمل الغاسل بعد ذلك؟ وما حكم مس عورة من له سبع سنين؟
ج: يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق ليخرج ما هو مستعد للخروج، ويكثر صب الماء حينئذ ثم يلف على يده خرقة فينجيه، ولا يحل مس عورة من له سبع سنين بغير حائل كحال الحياة، ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة.
س ٤٥٣: ما حكم النية والتسمية في حق المغسل للميت؟
ج: يجبان كما يجبان في غسل الحي فينوي ثم يسمي وجوبًا، وتسقط التسمية سهوًا أو جهلاً.
س ٤٥٤: ما حكم توصية الميت؟ وما صفتها؟ واذكر الدليل.
ج: حكمها مسنونة؛ لحديث أم عطية مرفوعًا في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» رواه الجماعة، وصفته كوضوئه للصلاة ما خلا المضمضمة والاستنشاق فلا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما ولا يدخلهما الماء.
س ٤٥٥: ماذا يعمل الغاسل بعد ذلك من صفة تغسيله؟
ج: ثم يضرب سدرًا ونحوه فيغسل شقه الأيمن، ثم شقه الأيسر، لحديث: «ابدأن بميامنها» وكغسل الحي يبدأ بصفحة عنقه، ثم يده اليمنى
стр. 259
إلى الكتف، ثم كتفه وشق صدره وفخذه وساقه إلى الرجل، ثم الأيسر كذلك ويقلبه الغاسل على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الأيمن ويغسل ظهره ووركه وفخذه ويفعل بجانبه الأيسر كذلك ولا يكبه على وجهه، ثم يفيض الماء القراح على جميع بدنه فيكون ذلك غسلة واحدة يجمع فيها بين السدر والماء القراح.
س ٤٥٦: ما الواجب في غسل الميت؟ وما المسنون من الغسلات، وما المكروه وما المحرم؟
ج: الواجب: مرة إن لم يخرج شيء مع الكراهة، قال أحمد: لا يعجبني واحدة؛ ولقوله ﷺ حين توفيت ابنته: «اغسلها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر إن رأيتن ذلك بماء وسدر» الحديث متفق عليه، والمسنون: القطع على وتر ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، والمحرم: الاقتصار على ما دون السبع ما دام يخرج.
س ٤٥٧: بين أحكام ما يلي: جعل كافر في غسل الميت، جعل سدر، خضاب شعره، قص شارب، تقليم أظفار، أخذ شعر إبط، واذكر الحكمة في ذلك.
ج: يُسن جعل كافور في الغسلة الأخيرة؛ لأن الكافور يصلب البدن ويبرده ويطرد عنه الهوام برائحته، وإن كان الميت محرمًا جنب الكافور؛ لأنه من الطيب، وسن خضاب شعر رأس المرأة ولحية الرجل بحناء، وقص شارب غير محرم وتقليم أظفار إن طالا، وأخذ شعر إبطيه؛ لأنه تنظيف ولا يتعلق بقطع عضو أشبه إزالة الوسخ والدرن ويعضده عمومات سنن الفطرة، وجعله معه كعضو ساقط، لما روى أحمد في مسائل صالح عن أم عطية قالت: «يغسل رأس الميتة فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها» ولأنه يستحب دفن ذلك من الحي فالميت أولى.
س ٤٥٨: ما حكم حلق رأس الميت، وضفر شعر الأنثى؟ وإذا خرج من الميت شيء بعد المسح، فما الحكم؟ وما حكم التنشيف في حق الميت بعد الغسل؟
стр. 260
ج: يحرم حلق رأس الميت، ويحرم أخذ شعر عانته، ويسن أن يضفر شعر أنثى ثلاثة قرون وسدله وراءها، لقول أم عطية: «فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها» رواه البخاري. وإذا خرج شيء بعد سبع حشي بقطن؛ إن لم يستمسك فبطين حر، ثم يغسل المحل ويوضأ وجوبًا وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل، ويُسن التنشيف بثوب كما فعل به ﷺ ولئلا يبتل كفنه.
س ٤٥٩: بين حكم استعمال ما يلي: الماء الحار في غسل الميت، الأشنان، الخلال، تسريح شعره.
ج: يكره الماء الحار إن لم يحتج إليه لشدة برد؛ لأنه يرخي البدن فيسرع إليه الفساد، والبارد يصلبه ويبعده عن الفساد، ويكره الخلال إن لم يحتج إليه لشيء بين أسنانه؛ لأنه عبث وكره أشنان إن لم يحتج إليه لوسخ، ويكره تسريح شعره رأسًا كان أو لحية؛ لأنه يقطعه من غير حاجة، وعن عائشة أنها مرت بقوم يسرحون شعر ميت فنهتهم عن ذلك، وقالت: علام تنصون ميتكم؟
س ٤٦٠: ما صفة تغسيل المحرم الميت، وهل يغسل السقط ويصلى عليه؟
ج: محرم ميت كحي يغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيبًا، ولا يلبس ذكر مخيطًا، ولا يغطي رأسه ولا وجه أنثى ولا يؤخذ شيء من شعره ولا ظفره، لحديث ابن عباس مرفوعًا في محرم مات «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليه، ولا تمنع معتدة من طيب لسقوط الإحداد بموتها، والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه، لحديث المغيرة مرفوعًا: «والسقط يصلى عليه» رواه أبو داود والترمذي، وفي رواية الترمذي:
стр. 261
«والطفل يصلى عليه»، وقال: حسن صحيح، وذكره أحمد واحتج به.
س ٤٦١: بين أحكام ما يأتي: إبقاء دم الشهيد عليه، إذا مات وبيده خاتم ونحوه، سوء الظن بمسلم، ما رآه طبيب أو غاسل من الميت؟
ج: يجب بقاء دم الشهيد عليه، لأمره ﷺ بدفن شهداء أحد بدمائهم إلا أن تخالطه نجاسة فيغسلها؛ لأن دفع المفسدة وهو غسل النجاسة أولى من جلب المصلحة وهو بقاء أثر العيادة، ويزال خاتم ونحوه كسوار وحلقة ولو ببرد؛ لأن تركه معه إضاعة مال بلا مصلحة ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ الآية. ويستحب ظن الخير بمسلم، ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبةٍ، ويجب على طبيب ونحوه كجراحي أن لا يحدث بعيب ببدن من بطبه؛ لأنه يؤذيه ويجب على غاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنًا. وفي الخبر مرفوعًا: «ليغسل موتاكم المأمونون» رواه ابن ماجه.
س ٤٦٢: بين ما الواجب في الكفن؟ وما المسنون؟ واذكر الدليل موضحًا.
ج: يجب تكفينه في ثوب لا يصف البشرة من ملبوس مثله يستر جميعه سوى رأس المحرم ووجه المحرمة؛ أما كونه في ثوب، فلقول أم عطية: «فلما فرغنا ألقي علينا حقوه، فقال: أشعرنها إياها ولم يزد على ذلك» رواه البخاري؛ وأما رأس المحرم ووجه المحرمة، فلقوله: «ولا تخمروا رأسه»؛ وأما المسنون في حق الرجل فثلاث لفائف بيض من قطن، لحديث عائشة قالت: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاث أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجًا» متفق عليه، وزاد مسلم في رواية: «وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية»، قال أحمد: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة؛ لأنها
стр. 262
أعلم من غيرها. وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه، قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، والمسنون في حق المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، لحديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة النبي ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر» رواه أبو داود.
والصبي في ثوب واحد ويباح في ثلاثة ما لم يرثه غير مكلف، ولصغيرة قميص ولفافتان، والخنثى كالأنثى في الكفن خمسة أثواب.
س ٤٦٣: ما صفة تهيئة اللفائف؟ وما صفة وضع الميت عليها؟
ج: تبسط اللفائف على بعضها واحدة فوق أخرى، وتجعل اللفافة الظاهرة وهي السفلى من الثلاث أحسنها، وذلك بعد تبخيرها بعود ونحوه بعد رشها بماء ورد لتعلق رائحة البخور بها لم يكن محرمًا، ويجعل الحنوط وهو أخلاط طيب فيما بينها، أي يذر بين اللفائف، ثم يوضع الميت على اللفائف مستلقيًا ويجعل من قطن مخيط بين إليتيه ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالبنان تجمع إليتيه ومثانته ويجعل الباقي من قطن محنط على منافذ وجهه ومواضع سجوده جبهته، ويديه، وركبتيه، وأطراف قدمه تشريفًا لها، وكذا مغابنة كطي ركبتيه، وتحت إبطيه وسرته؛ لأن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك، وإن طيب كله فحسن؛ لأن أنسًا طلى بالمسك، وطلى ابن عمر ميتًا بالمسك، ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الأيمن على الأيسر، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه، ثم يعقدها وتحل في القبر، لقول ابن مسعود: «إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد» رواه الأثرم.
стр. 263
٦١ - شروط الصلاة على الميت وأركانها
س ٤٦٤: ما الذي تسقط به الصلاة على المكلف؟ وما شروطها؟
ج: تسقط الصلاة عليه بمكلف، وشروطها ثمانية: النية، والتكليف، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وإسلام المصلي والمصلى عليه، وطهارتهما ولو بتراب للعذر.
س ٤٦٥: ما هي أركان الصلاة على الميت؟
ج: أركانها سبعة: القيام في فرضها؛ لأنها صلاة وجب القيام فيها كالظهر والتكبيرات الأربع؛ «لأن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعًا» متفق عليه، وقراءة الفاتحة لعموم حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ أم القرآن»، وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بأم القرآن، وقال: «لتعلموا أنها من السُّنة، أو قال: من تمام السُّنة» رواه البخاري، والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء للميت، والترتيب، والسلام لعموم حديث: «وتحْليْلُهَا التسليم».
س ٤٦٦: ما صفة الصلاة على الميت؟
ج: صفتها أن ينوي، ثم يكبر أربعًا يرفع يديه مع كل تكبيرة يحرم بالتكبيرة الأولى ويتعوذ، ويسمي ويقرأ الفاتحة، ولا يستفتح. وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ كما يصلي عليه في التشهد، ويدعو في الثالثة بأحسن ما يحضره، وسن بما ورد ومنه: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا، ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسُّنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم
стр. 264
نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وافسح له في قبره ونور له فيه؛ وإن كان صغيرًا أو بلغ مجنونًا واستمر، قال: اللهم اجعله ذخرًا لوالديه، وفرطًا وأجرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقل به موازينهما، واعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم؛ وإن لم يعلم إسلام والديه دعا لمواليه، ويؤنث الضمير على أنثى ويشير بما يصلح لهما على خنثى، ويقف بعد تكبيرة رابعة قليلاً، ولا يدعو ويسلم واحدة عن يمينه، ويجوز أن يسلمها تلقاء وجهه، ويجوز أن يسلم ثانية.
س ٤٦٧: ما هو الدليل على ذلك؟
ما روي عن النبي ﷺ قال: «إن من السُّنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ويقرأ في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرتين، ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرًا في نفسه» رواه الشافعي في «مسنده»، والأثرم وزاد: السُّنة أن يفعل من وراء الإمام مثل ما يفعل إمامهم.
وروى الجوزجاني عن زيد بن أرقم «أن النبي ﷺ كان يكبر على الجنازة أربعًا، ثم يقول ما شاء الله، ثم ينصرف» قال الجوزجاني: كنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف.
س ٤٦٨: ما حكم فعلها جماعة؟ وهل يستفتح فيها؟ وهل يكتفي فيها بتسليمة؟
ج: تُسن جماعة، كفعله ﵇ وأصحابه واستمر الناس عليه، وسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة، لحديث مالك بن هبيرة: «كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 265
«من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجب»» رواه الترمذي وحسنه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا يستفتح فيها؛ لأن مبناها على التخفيف، ولذلك لم تشرع فيها السورة بعد الفاتحة، ويجزئ تسليمة واحدة عن يمينه.
قال الإمام أحمد عن ستة من الصحابة وليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم.
س ٤٦٩: من الأولى بالصلاة على الميت؟ واذكر الدليل على ما تقول.
ج: الأولى بها: وصيه العدل، فسيد برقيقه، فالسلطان، فنائبه الأمير، فالحاكم، فالأولى بغسل رجل فروج بعد ذوي الأرحام، ثم مع تساوي يقرع ومن قدمه ولي لا وصي بمنزلته.
والدليل على تقديم الوصي على غيره أن أبا بكر ﵁ أوصى أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابنه حاضر، وأوسى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة، وأوصت عائشة ﵂ أن يصلي عليها أبو هريرة، ولم يعرف لهم مخالف مع كثرته وشهرته، فكان إجماعًا، ويسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة، كحديث مالك بن هبيرة «كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجب»» رواه الترمذي والحاكم. وقال: صحيح على شرط مسلم. والله أعلم، وصلى الله على محمد.
س ٤٧٠: ما حكم الصلاة على الميت في المسجد؟ وما دليل الحكم؟
ج: تباح الصلاة عليه في المسجد إن أمن تلويثه، لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد» رواه مسلم، «وصلى على أبي بكر فيه» رواه سعيد.
стр. 266
س ٤٧١: أين موقف الإمام والمنفرد من الجنازة؟ وضحه مع ذكر الدليل.
ج: السُّنة أن يقف الإمام والمنفرد عند رأس رجل ووسط المرأة، وذلك لما روى أحمد والترمذي، وحسنه وإسناده ثقات عن أنس ﵁: «أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة فقام وسطها، فقال العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ يقوم؟ قال: نعم».
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ على امرأة فقام وسطها» متفق عليه.
س ٤٧٢: إذا اجتمع جنائز، فما صفة تقديمهم للصلاة عليهم؟ وما هو الدليل.
ج: يُسن أن يلي الإمام من كل نوع أفضلهم، فأسن، فأسبق، ثم يقرع؛ فإن كان رجلاً، وصبيًا، وامرأة وخنثى قدم إلى الإمام الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى المشكل، ثم المرأة، لما روي عن ابن عمر ﵁ «أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة».
وروى عمار بن أبي عمار أن زيد بن عمر بن الخطاب، وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ ماتا فصلى عليهما سعيد بن العاص فجعل زيدًا مما يليه، وأمه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن، والحسين، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو ثمانين من أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين.
س ٤٧٣: ما الدليل على أنه يلي الإمام الأفضل؛ فإن تساووا فأكبر فأسبق فقرعة؟
ج: أولاً: قوله ﷺ : «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى».
ثانيًا: أنه المستحق للتقديم في الإمامة يؤيده: أنه ﷺ يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا؛ وأما عند الاستواء في الفضل فأكبر،
стр. 267
فلعموم قوله ﷺ : «كبر كبر»؛ وأما تقديم الاسبق عند الاستواء فيما تقدم فواضح لسبقه؛ وأما استعمال القرعة عند الاستواء في ذلك فكالإمامة ويقدم الأفضل من الموتى أمام المفضولين في المسير؛ لأن حق الأفضل أن يكون متبوعًا لا تابعًا.
س ٤٧٤: ما الذي ينبغي أن يدعو به في التكبيرة الثالثة في صلاة الجنازة؟
ج: يدعو بأحسن ما يحضره، وسن الدعاء بما ورد، ومن الوارد: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا، ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام والسُّنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من القبر وعذاب النار» رواه مسلم من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: «وأبدله أهلاً خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وافسح له في قبره ونور له فيه»؛ وإن كان صغيرًا، قال: «اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا وأجرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم» لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «السقط يُصلى عليه، ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة»، وفي لفظ: «بالعافية والرحمة» رواهما أحمد، وإنما لم يسن الاستغفار له؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه ولا جرى عليه قلم، فالعدول إلى الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له، وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل مناسب لما هو فيه، ويؤنث الضمير على أنثى، ويشير ما يصلح لها على خنثى، ويقف بعد رابعة قليلاً، لما روى الجوزجاني عم زيد بن أرقم ﵁ «أن النبي ﷺ كان يكبر أربعًا ثم
стр. 268
يقف ما شاء الله، فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه ويرفع يديه مع كل تكبيرة» رواه الشافعي عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمرو وزيد بن ثابت، وسن وقوفه مكانه حتى ترفع.
س ٤٧٥: ما هي شروط الصلاة على الجنازة؟ اذكرها بوضوح.
ج: يشترط لها ما لمكتوبة إلا الوقت، حضور الميت بين يديه إلا على غائب عن البلد ولو دون المسافة أو غير قبلته، لحديث جابر: «في صلاته ﵇ على النجاشي وأمره أصحابه بالصلاة عليه» متفق عليه، وإلا إذا صلى على غريق ونحوه كأسير، فيسقط شرط الحضور للحاجة وكذا غسلهما لتعذره، فيصلي عليه بالنية إلى شهر وزيادة يسيرة، والشرط الثاني: إسلام الميت، والشرط الثالث: تطهيره ولو بتراب لعذر؛ فإن تعذر التيمم صلى عليه.
س ٤٧٦: المسبوق في صلاة الجنازة هل يقضي؟ وإذا خشي رفعهما فماذا يعمل؟ وإذا سلم ولم يقض فما حكم صلاته؟ وهل يجوز دخوله بعد الرابعة من فاتته الصلاة عليه قبل الدفن، فهل يصلي عليه بعد؟
ج: يقضي مسبوق إذا سلم إمامه ما فاته على صفتها؛ فإن خشي رفع الجنازة تابع التكبير رفعت أو لم ترفع، وإذا سلم مسبوق ولم يقض شيئًا صحت، ويجوز دخوله بعد التكبيرة الرابعة، ويقضي الثلاث التكبيرات استحبابًا لينال أجرها، ويصلي على من قبر من فاتته الصلاة عليه قبل الدفن إلى شهر من دفنه، ولا تضر زيادة يسيرة، قال القاضي: كاليوم واليومين، قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر يُروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان، وقال أكثر ما سمعت: أن النبي ﷺ صلَّى على أم سعد بن عبادة بعد شهر، ولحديث أبي هريرة: «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابًا، ففقدها النبي ﷺ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: ماتت أو مات، فقال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغروا أمرها
стр. 269
أو أمره، فقال: «دلوني على قبرها أو قبره، فدلوه فصلى عليها أو عليه»»، وعن ابن عباس قال: «انتهى النبي ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعًا» متفق عليه.
س ٤٧٧: إن وجد بعض ميت فهل يصلي عليه؟ واذكر الدليل على ما تقول؟
ج: إن وجد بعض ميت تحقيقًا لم يصل عليه وهو غير شعر، وسن وظفر، فحكمه ككله، فيغسل ويكفن ويصلى عليه وجوبًا، وينوي بالصلاة على ما وجد ذلك البعض الموجود. والدليل على الصلاة عليه أن أبا أيوب صلى على رجل إنسان، قاله أحمد، وصلى عمر على عظام بالشام، وصلى أبو عبيدة على رؤوس. رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده، قال الشافعي: ألقى طائر بمكة بدأ من وقعة الجمعة عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وصلى عليها أهل مكة؛ ولأنها بعض ميت فيثبت لها حكم الجملة؛ فإن كان الميت صلى عليه غسل ما وجد وكفن وجوبًا وصلى عليه استحبابًا وكذا إن وجد الباقي من الميت، فيغسل ويكفن ويصلي عليه ويدفن بجنبه ولا يصلى على ما بان من حي، كيد سارق، وقاطع طريق.
س ٤٧٨: بين حكم الصلاة على الغال وقاتل نفسه؟ واذكر الدليل على ما تقول؟
ج: لا يسن للإمام الأعظم ولا إمام كل قرية وهو واليها في القضاء الصلاة على الغال ولا قاتل نفسه عمدًا، أما الغال، وهو من كنتم من الغنيمة شيئًا ليختص به، فلأنه ﵇ امتنع عن الصلاة على رجل من جهينة غل يوم خيبر، وقال: «صلوا على صاحبكم» رواه الخمسة إلا الترمذي احتج به أحمد؛ وأما قاتل نفسه عمدًا، فلحديث جابر بن سمرة: «أن النبي ﷺ جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص ولم يصل عليه» مسلم وغيره.
стр. 270
س ٤٧٩: إذا اشتبه من يصلي عليه بغيره كمسلم بكافر، فما الحكم؟ وهل يدفنوا جميعًا؟ واذكر ما للمصلي على الجنازة من الأجر مقرونًا بالدليل؟
ج: إن اختلط من يصلي عليه بغيره أو اشتبه من يصلي عليه بغيره، وذلك كاختلاط موتى مسلمين بكفار ولم يتميزوا صلى على الجميع ينوي بالصلاة من يصلي عليه منهم وهم المسلمون، لوجوب الصلاة، ولا طريق له غير ذلك، وغسلوا وكفنوا كلهم؛ لأن الصلاة عليهم لا تمكن إلا بذلك، إذ الصلاة على الميت لا تصح حتى يغسل ويكفن مع القدرة، وإن أمكن عزلهم عن مقابر المسلمين والكفار دفنوا منفردين، وإلا دفنوا معنا؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، وللمصلي على جنازة قيراط من الأجر وهو أمر معلوم عند الله تعالى، وله بتمام دفنها قيراط آخر، لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفه فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين» متفق عليه، ولمسلم: حتى توضع في اللحد. وللبخاري من حديث أبي هريرة «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها؛ فإنه يرجع بقيراطين مثل جبل أُحد».
٦٢ - فصل في حمل الجنازة
س ٤٨٠: تكلم عن أحكام ما يلي: حمل الجنازة، الإسراع فيها، التربيع في الحمل، واذكر صفته بوضوح، الحمل بين العمودين؟
ج: حملها إلى محل دفنها فرض كفاية، ويُسن التربيع، لما ورد عن ابن مسعود قال: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها؛ فإنه من السُّنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع» رواه ابن ماجه. وصفته أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة ولا يكره حمل بين العمودين
стр. 271
كل عمود واحد على عاتق نصًا، لما روي أنه ﵊ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين، ويبدأ من عند رأسه والجمع بين التربيع والحمل بين العمودين أولى؛ وأما الإسراع في الجنازة فمسنون، لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة؛ فإن كانت صالحة قربتموها إلى خير، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» رواه الجماعة، ولا يكره الحمل على دابة لغرض صحيح كبعد القبر.
س ٤٨١: هل الأولى التقدم أمام الجنازة؟ أم التأخر؟ أم فيه تفضيل؟
ج: يستحب كون المشاة أمامها. قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة» رواه أحمد عن ابن عمر؛ ولأنهم شفعاء، والشفيع يتقدم المشفوع له، وسن كون راكب خلفها، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «الراكب فخلف الجنازة» رواه الترمذي، وقال حسن: صحيح؛ ولأن سيره أمامها يؤذي تابعها.
س ٤٨٢: تكلم عن أحكام ما يلي: جلوس تابعها قبل الوضع، رفع الصوت معها، إتباع المرأة لها، إتباعها إذا كان معها منكر، واذكر ما تستحضره من دليل؟
ج: يكره جلوس تابعها حتى توضع بالأرض للدفن، لحديث مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: «إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع» قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: «حتى توضع بالأرض» ورفع الصوت معها مكروه ولو بالذكر والقرآن، لحديث: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار» رواه أبو داود.
وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له ونحوه بدعة، وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قا لقائل ذلك: لا غفر الله لك وكره أن يتبعها امرأة، لحديث أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» وحرم
стр. 272
أن يتبعها مع منكر عاجز عن إزالته، ويلزم القادر على إزالته أن يزيله ولا يترك اتباعها.
س ٤٨٣: من المقدم بالتكفين والدفن، وما حكم القيادة للجنازة إذا جاءت، واذكر الدليل، وما تستحضره من خلاف.
ج: المقدم بالتكفين من يقدم بغسل ونائبه كهو، والأولى توليه بنفسه، ويقدم بدفن رجل من يقوم بغسله؛ «لأنه ﵊ ألحده العباس وعلي وأسامة» رواه أبو داود وكانوا هم الذين تولوا غسله، ولأنه أقرب إلى ستر أحواله وقلة الاطلاع عليه، ثم يقدم الأجانب محارمه من النساء، فالأجنبيات للحاجة، ويقدم بدفن امرأة محارمها الرجال، الأقرب فالأقرب؛ لأن امرأة عمر ﵁ لما توفيت قال لأهلها: أنت أحق بها، ولأنهم أولى بها حال الحياة فكذا بعد الموت، ثم الزوج؛ لأنه أشبه بمحرمها من الأجانب فأجانب بعد الزوج، ثم محارمها النساء القربى فالقربى، وكره دفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وأما القيام للجنازة، فقيل: إنه مكروه وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب، لحديث علي ﵁ قال: «رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا تبعًا له، وقعد فقعدنا تبعًا له -يعني في الجنازة» رواه مسلم وغيره، وعن ابن عباس مرفوعًا: «قام ثم قعد» رواه النسائي، وقيل: يستحب، اختاره الشيخ تقي الدين وابن عقيل، لما ورد عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع» رواه الجماعة، ولأحمد: وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه، وله أيضًا عنه: أنه ربما تقدم الجنازة فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام حتى توضع، وعن جابر قال: «مرت بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها»»، وعن سهيل بن حنيف، وقيس بن سعد «أنهما كانا قاعدين بالقادسية، فمروا
стр. 273
عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنهما من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا»» متفق عليهما، والذي يترجح أنه يُسن القيام لها ولو كانت كافرة. والله أعلم.
س ٤٨٤: تكلم عن أحكام ما يلي مع تبيين المعاني: اللحد، الشق، التوسع، التعمير، أيهما أفضل: اللحد أم الشق، واذكر دليلاً لما يحتاج إلى دليل.
ج: اللحد: أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت وأصله الميل، وكونه مما يلي القبلة أفضل، والشق أن يحفر وسط القبر كالحوض ثم يوضع الميت فيه ويسقف عليه ببلاط أو غيره أو يبنى جانباه بلبن أو غيره، واللحد أفضل من الشق، قال أحمد: لا أحب الشق، لحديث: «اللحد لنا والشق لغيرنا» رواه أبو داود؛ فإن تعذر اللحد لكون التراب ينهال ولا يمكن دفعه بنصب ابن أو حجارة ونحوه لم يكره، وسن أن يعمق القبر ويوسع بلا حد؛ لقوله ﵇ في قتلى أُحد: «احفروا ووسعوا وعمقوا» قال الترمذي: حسن صحيح، وعن رجل من الأنصار قال: «خرجنا في جنازة فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر، ويقول: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين رب عذق له في الجنة»» رواه أحمد، وأبو داود؛ ولأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحش، والتعميق: الزيادة في النزول، والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض، ويكفي ما يمنع السباع والرائحة.
س ٤٨٥: ما صفة إدخال الميت القبر؟ وما هو الدليل عليها؟
ج: يُسن أن يسجي قبر لأنثى ولخنثى، وكره لرجل إلا لعذر، وسن أن يدخل قبره من عند رجله إن كان أسهل عليهم؛ لأنه ﷺ سل من قبل رأسه سلا، وعبد الله بن زيد أدخل الحارث من قبل رجلي
стр. 274
القبر وقال: هذا من السُّنة. رواه أحمد، وإلا من حيث سهل دفعًا للضرر والمشقة.
قال العمريطي:
ويستحب سله من رأسه … إذا أراد وضعه في رمسه
وكونه على اليمين يضجع … وأوجبوا استقباله إذ يوضع
وإن استوت الكيفيات فهي سواء، لعدم المرجح ومن في سفينة يلقى في البحر سلا كإدخاله القبر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه وتثقيله بشيء وقد ألغز بها الشيخ عبد الرحمن الزواوي، فقال:
وهل ناب ماء عن تراب كفيت ما … يسوؤك عقباه ولا نالك البلى
فقال في حلها:
من مات في بحر وقد عز دفنه … ففي البحر يلقى وهو بالترب بدلا
س ٤٨٦: ما المسنون قوله لمن يدخل الميت في القبر؟ وما صفة تلحيده؟
ج: يُسن أن يقول ملحده: بسم الله وعلى ملة رسول الله، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إذا وضعتم موتاكم في القبول، فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله» رواه الخمسة إلا النسائي، وسن أن يلحده على شقه الأيمن، ويجب أن يستقبل به القبلة، لقوله ﷺ : «في الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتًا» ولأنه طريقة المسلمين بنقل الخلف عن السلف.
س ٤٨٧: بين أحكام ما يلي: حثو التراب على الميت، رفع القبر عن الأرض، الدعاء للميت، رش القبر بعد الدفن. واذكر الدليل.
ج: يُسن حثو التراب على الميت ثلاثًا، ثم يهال عليه التراب، وسن رفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنما، ويكره فوقه، ويستحب الدعاء للميت، أما دليل حثي التراب على الميت، فهو ما ورد عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا» رواه ابن ماجه، وللدارقطني معناه من حديث عامر بن ربيعة، وزاد وهو قائم، ولما روي
стр. 275
عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن النبي ﷺ حثا على الميت ثلاث حثيات بيده جميعًا»، ثم يهال عليه التراب، لقول عائشة ﵂ «ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي» رواه أحمد؛ وأما الدليل على استحباب الدعاء للميت بعد الدفن، فهو ما ورد عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» رواه أبو داود، وصححه الحاكم؛ وأما الدليل على سنية رفعه قدر شبر فلقول جابر «إن النبي ﷺ رقع قبره عن الأرض قدر شبر» رواه الشافعي، ويكره رفعه أكثر، لقوله ﵇ لعلي: «لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» رواه مسلم؛ وأما الدليل على سنية رش القبر، فهو ما روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء ووضع عليه الحصباء» رواه الشافعي.
س ٤٨٨: اذكر ما تستحضره مما يحرم فعله في القبر، وعند القبر، وعلى القبر.
ج: يحرم إسراجه، واتخاذ المسجد عليه، وتجصيصه، والبناء عليه، والاستسقاء بترابه، وتخليفه، وتبخيره، وتقبيله، والجلوس عليه، والوطء عليه، والكتابة عليه، والتخلي عليه، والطواف به، والتمسح بالقبر، والتخلي بين القبور، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، والإتكاء إليه.
س ٤٨٩: اذكر ما تستحضره من الأدلة الدالة على تحريم المذكورات.
ج: أما الدليل على تحريم اتخاذ القبور مساجد، وتحريم اتخاذ السرج عليها، فهو ما ورد عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق عليه؛ وأما الدليل على تحريم
стр. 276
تجصيص القبر، وتحريم القعود عليه، وتحريم البناء عليه، وتحريم الكتابة على القبور، وتحريم الوطء عليه، والإتكاء إليه، فهو ما ورد عن جابر قال: «نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، والترمذي وصححه ولفظه «نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ»، وفي لفظ النسائي: «ونهى أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه»، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» رواه الجماعة إلا البخاري، والترمذي، وعن عمرو بن حزم قال: «رآني رسول الله ﷺ متكئًا على قبر، فقال: «لا تؤذ صاحب هذا القبر أو لا تؤذه»» رواه أحمد، ولا يمشي في النعل بالمقبرة، لما ورد عن بشير بن الخصاصية «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يمشي في نعلين بين القبور، فقال: «يا صاحب السبتين ألقهما»» رواه الخمسة إلا الترمذي.
وعن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» رواه مسلم، ومن البدع المحرمة: تخليق القبر، وتقبيله والطواف به، والاستشفاء بترابه، والتمسح به، والصلاة عنده، وقصد القبر لأجل الدعاء.
وأما الدليل على تحريم التخلي عليها وبينها: فلحديث عقبة بن عامر، قال: قال النبي ﷺ : «لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» رواه الخلال، وابن ماجه.
س ٤٩٠: بين أحكام ما يلي: دفن اثنين فأكثر في قبر، دفن بصحراء، المقدم في المسبلة عند الاستواء، إهداء القرب.
стр. 277
ج: يحرم دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر؛ وأما للضرورة، فلأن النبي ﷺ لما كثر القتلى يوم أُحد، كان يجمع الرجلين في القبر الواحد، ويسأل أيهم أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه، واللحد حديث صحيح؛ وأما التقديم فيقدم من يقدم إلى الإمام وتقدم، والدفن بالصحراء أفضل من الدفن بالعمران؛ لأنه ﵊ كان يدفن أصحابه بالبقيع ولم تزل الصحابة والتابعون -رضوان الله عليهم أجمعين- ومن بعدهم يقبرون في الصحارى؛ ولأنها أشبه بمساكن الآخرة، ويقدم في مسبلة عند ضيق بسبق، ثم مع التساوي في سبق يقدم من قرع وأي قرية فعلها وجعل ثوابها لحي مسلم أو ميت نفعه ذلك.
س ٤٩١: اذكر ما تستحضره من الأدلة الدالة على أن من فعل قربة وجعل ثوابها لحي مسلم أو ميت أنه ينفعه ذلك؟
ج: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه في فضل صلاة الجماعة: «فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»، ودعا ﷺ لأبي سلمة، فقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأفسح له في قبره ونور له فيه»، وقال: «إذا صليتم على الميت فاخلصوا له الدعاء» وفي حديث عوف بن مالك قال: «صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله» الحديث رواه مسلم.
стр. 278
وعن ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم»، وذلك في حجة الوداع. متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمرو سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» رواه أحمد.
وعن أبي هريرة «أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات ولم يوص أفينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: «نعم»» رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وعن عائشة «أن رجلاً قال للنبي ﷺ إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»» متفق عليه، وعن ابن عباس: «أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإن لي مخرفًا فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها» رواه البخاري، والترمذي، وأبو داود.
وعن الحسن عن سعد بن عبادة: «أن أمه ماتت، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفاتصدق عنها؟ قال: «نعم»، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال ﵊: «سقي الماء»، قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة» رواه أحمد، والنسائي.
وعن عثمان ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 279
فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»» رواه أبو داود، وصححه الحاكم.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» متفق عليه.
عن أسيد بن مالك بن ربيعة الساعدي قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذا جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وافتقاد عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»» رواه أبو داود، وهذا لفظه، وابن ماجه.
ومن الأدلة المستحسنة قوله ﷺ في الأضحية لما ضحى بكبشين، فلما ذبح أحدهما قال: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، ولما ذبح الثاني قال: «اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي»، وفي رواية ابن ماجه: «أن رسول الله ﷺ لما ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موسومين فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد، وذبح الآخر عن أمته وعمن شهد له بالبلاغ، ففيه دليل على أن النفع قد نال الأحياء والأموات من أمته بأضحيته ﷺ ، وإلا لم يكن في ذلك فائدة، فإنه قوله ﷺ ما ينطق عن الهوى».
وقال للذي قضى الدين عن الميت: «الآن بردت جلدته». والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ٤٩٢: ما المسنون قوله لمن أصيب بمصيبة؟
ج: يُسن أن يسترجع فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، لما ورد عن أم سلمة قالت: «قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به
стр. 280
إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها»، فلما مات أبو سلمة قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ » رواه مسلم.
س ٤٩٣: بين أحكام ما يلي: الصبر على المصيبة، الرضى بمرض أو فقر أو عاهة.
ج: يُسن الصبر على المصيبة ويجب منه ما يمنعه عن محرم، وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» رواه البخاري، ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، ويحرم الرضى بفعل المعصية، قال الشيخ تقي الدين: إذا نظر إلى إحداث الرب لذلك للحكمة التي يحبها ويرضاها رضى لله بما رضي لنفسه فيرضاه ويحبه مفعولاً مخلوقًا لله ويبغضه ويكرهه فعلاً للمذنب المخالف لأمر الله، انتهى. وكره لمصاب تغير حاله من خلع رداء ونحوه، وتعطيل معاشه لما فيه من إظهار الجزع. قال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يتهن بعيش.
س ٤٩٤: بين معاني الكلمات الآتية: الندب، النياحة، تعزية.
ج: الندب هو: تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مع زيادة ألف وهاء في آخره نحوه: واسيداه واجبلاه، وانقطاع ظهراه، وأصل الندب أثر الجرح شبه ما كان يجده من الوجد والحزن بألم الجرح ووجعه، والنياحة: رفع الصوت بالندب، والتعزية: التسلية لصاحب الميت، وحثه على الصبر، ووعده بالأجر، ووعظه بما يزيل عنه الحزن والألم والهم.
стр. 281
س ٤٩٥: ما حكم الندب، والنياحة، ولطم الخد، والصراخ، ونتف الشعر ونحوه؟
ج: كلها هذه من المحرمات، لما ورد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»، وعن أبي بردة قال: «وجع أبو موسى وجعًا فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ؛ فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة». وعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه من نيح عليه يعذب بما ينح عليه».
وفي صحيح مسلم: «أن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة» الأحاديث الثلاثة التي قبل هذا متفق عليها. وعن النعمان بن بشير قال: «أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة بفكي واجبلاه، واكذا، واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه» رواه البخاري.
وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه، واناصراه، واكاسباه، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها» رواه أحمد.
س ٤٩٦: ما حكم التعزية؟ وما الذي يقال للمصاب؟ وما الذي يرد به المعزى؟
ج: التعزية سُّنة، لما ورد عن الأسود عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من عزى مصابًا فله مثل أجره» رواه ابن ماجه، والترمذي، ولحديث عمرو بن حزم مرفوعًا: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الجنة» رواه ابن ماجه، ويقال للمصاب بمسلم أعظم
стр. 282
الله أجرك، وأحسن عزاك، أو يقول غير ذلك. قال الموفق: لا أعلم في التعزية شيئًا محدودًا إلا أنه يُروى أن النبي ﷺ عزى رجلاً، فقال: «رحمك الله وآجرك» رواه أحمد، وفي تعزية المسلم بكافر: «أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك» وتحرم تعزية الكافر، ويقول المعزى: استجاب الله دعاءك ورحمنا وإياك، ولا بأس بأخذه بيد من عزاه، قال أحمد: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وإن شئت فلا.
س ٤٩٧: ما حكم البكاء على الميت؟ وما هو الدليل على الحكم؟
ج: يجوز البكاء على الميت، لما ورد عن أنس ﵁ قال: «شهدت بنتًا للنبي ﷺ تدفن ورسول الله ﷺ جالس عند القبر فرأيت عينيه تدمعان» رواه البخاري. وعن ابن عمر قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: «قد قضي؟» فقالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب؛ ولكن يعذب بهذا أو يرحم»، وعن أسامة بن زيد قال: «كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها في الموت، فقال رسول الله ﷺ : «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب»، فعاد الرسول، فقال: «إنها أقسمت لتأتينها»، قال: فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ ابن جبل قال: فانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» متفق عليهما.
стр. 283
س ٤٩٨: ما حكم تصليح الطعام لأهل الميت؟ وما دليل الحكم.
ج: يُسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، لما ورد عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعى أبي حين قتل، قال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم» رواه الخمسة إلا النسائي. قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة النبي ﷺ إلى شعير فطحنته وأدمته بزيت جعل عليه وبعثت به إليهم، ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما زالت السُّنة فينا حتى تركها من تركها، وسواء كان الميت حاضرًا أو غائبًا وأتاهم نعيه، وينوي فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره؛ لأنه معونة على مكروه وهو اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره إنكارًا شديدًا، ولأحمد وغيره عن جرير وإسناده ثقات، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة، ويكره لأهل الميت فعل الطعام للناس يجتمعون عندهم.
س ٤٩٩: ما حكم زيارة القبور للرجال؟ وما الذي يقوله الزائر؟ وأين موقفه من الميت؟
ج: تسن زيارة قبر مسلم وأن يقف زائر أمامه قريبًا منه؛ أما الدليل على أنها مستحبة للرجال، فلما ورد عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» رواه مسلم، زاد الترمذي: «فإنها تذكر الآخرة» زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: «وتزهد في الدنيا، ويقول الزائر للقبور والمار بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم»، لما ورد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل
стр. 284
الديار من المؤمنين المسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»» رواه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه الترمذي.
ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس قاله أحمد، وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد.
وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، وسمع كلامه وأنس به، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك. انتهى.
س ٥٠٠: بين حكم زيارة القبور للنساء، وما حكم زيارتها بشد رحل؟
ج: قيل: إنه مكروه، لما ورد عن أم عطية قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» متفق عليه، وقيل: يحرم، لما ورد عن أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور» رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه.
ولا يجوز شد الرحل لزيارة القبور، لما ورد عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه.
قال في «مختصر النظم»:
ويشرع للذكران زور مقابر … ويكره في أولى المقال لنهد
وما قد روى عند المرور بقوله … فكم مرسل قد جاء فيه ومسند
وتعزية المرء المصاب فضيلة … وتغيير زي الساخط أكره وشدد
وكل بكاء ليس معه نياحة … ولا ندب الآبى به غير معتدي
ويحرم شق الجيب واللطم بعده … النياحة مع ندب وأشباهها اعدد
стр. 285
ويسأل في القبر الفتى عن نبيه … وعن ربه والدين فعل مهدد
فمن ثبت الله استجاب موحدًا … ومن لم يثبت فهو غير موحد
وتلك لعمرى آخر الفتن التي … متى تنج منها فزت فوز مخلد
فنسأله التثبيت دنيًا وآخرًا … وخاتمة تقضي بفوز مؤبد
٦٣ - فصل فيما يتعلق بالسلام
س ٥٠١: ما حكم السلام؟ وما دليل الحكم؟ وما المواضع التي يكره فيها السلام؟
ج: السلام مسنون لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم، ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلام الحي؛ لأن النصوص صحت بالأمرين، وقال ابن البنا: سلام التحية منكر، وسلام الوداع معرف، وابتداؤه من جماعة سُّنة كفاية، والأفضل السلام على جميعهم؛ لحديث: «أفشوا السلام بينكم»، وأما المواضع التي يكره فيها السلام فقد نظمها الغزي:
سلامك مكروه على من ستسمع … ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع
مصل وتال ذاكر ومحدث … خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع
مكرر فقيه جالس لقضائه … ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا
مؤذن أيضًا مع مقيم مدرس … كذا الأجنبيات الفتيات امنع
ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم … ومن هو في مع أهل له يتمتع
ودع كافرًا أيضًا ومكشف عورة … ومن هو في حال التغوط أشنع
ودع أكلا إلا إذا كنت جائعًا … وتعلم منه أنه ليس يمنع
كذلك أستاذ مغن مطير … فهذا ختام والزيادة تنفع
س ٥٠٢: ما حكم رد السلام؟ واذكر كيفيته بوضوح.
следующие страницы →