Полный текст (2 854 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
س ٧١: متى يجب خمس الركاز؟ وهل يجوز إخراج الخمس من غير ركاز؟ وهل يمنع الدين خمس الركاز؟ وهل لواجده أن يفرق الخمس بنفسه؟ وإذا كان واجدُه أجيرًا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا أو ذميًا أو مستأمنًا فما الحكم؟
ج: يجب في الركاز الخمس في الحال في أي نوع من المال، ولو غير نقد ويجوز إخراج الخمس من غيره كزكاة الحبوب وغيرها، ولا يمنع الدين خمس الركاز، ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه وباقيه لواجده ولو ذميًا أو مستأمنًا بدارنا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا، ويخرج عنهما ولبهما كزكاة مالهما ونفقة تجب عليهما إلا أن يكون واجده أجيرًا فيه لطلبه، فالباقي إذن لمستأجره؛ لأن الواَجِد نائب عنه، ولو استؤجر لحفر بئر أو هدم شيء فوَجدَه فهو له لا لمستأجره لا من كسب الواجِدِ وإن وَجدَهُ عبد فهو من كسبه فيكون لسيده كسائر كسبه.
س ٧٢: إذا وجَدَ الركازَ واجدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يُعلم مالكها أو في خَرِبة أو في ملكه الذي أحياه فلِمَنْ يكون الركاز؟
ج: إن وَجدَه واجِدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يعلم مالكها أو وجده في طريق غير مملوك أو في خربة أو في ملكه الذي أحياه فهو لواجده وإن علم مالك الأرض التي وجد بها الركاز أو كانت الأرض منتقلة إلى واجد الركاز فهو له أيضًا إن لم يَدَّعِهِ المالكُ للأرض؛ لأن الركاز لا يملك بملك الأرض؛ لأن مودع فيها للنقل عنها فلو ادعاه مالك الأرض التي وجد بها بلا بينة تشهد له به ولا وصف بصفة به فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأن يد مالك الأرض على الركاز فرجح بها وكذا لو ادعاه مَنْ انتقلت عنه الأرض؛ لأن يده كانت عليها، وإن اختلفت ورثة المالك فادعى بعضهم أنه لمورثهم وأنكر البعض الآخر فحكم من أنكر حكم المالك الذي لم يعترف به وحكم المدعين حكم المالك المعترف فيحلفون ويأخذون نصيبهم وكذا ورثة من انتقلت عنه.
стр. 352
ومن يتعلق بالركاز من النظم
وفرض الركاز الخمس من كل ما لنا … ولو قل مثل الفيء في الحال أورد
فيؤخذ خمس إن يجده معاهد … وفي الثاني لا والكل خذه بمبعد
وعنه إلى أهل الزكاة ادْفَعنَّه … وأربعة الأخماس منه لوَاجدِ
وسيان في أي الرباع أوجدتَه … وعن أحمد للمالك إن عَلِم أرْدِدِ
وإن رده مَن عنه حزتَ مكانَهُ … فجاوز إلى مَن قبله وتصَعَّد
وقولان هل يعطي لمن عنه نقلت … مقربه من غير وصف وشهد
وذلك دفن الكافرين بزيهم … وَمعَ شك أو زيّ الهدى اللقطة أنشُدِ
وممتَنع في أرض حرب غنيمةٌ … كجمع أتوا في منعة وتعَدُّدِ
وأن يتأتى الأخذ من غير منعة … فذاك ركاز في الأصح المجوّدِ
وجُوِّزَ صَرفَ الخمس منه لواجد … في الأقرى إذا ما كان أهل التزود
стр. 353
١٠ - باب زكاة الذهب والفضة
س ٧٣: تكلم عما تجب فيه الزكاة من الأثمان مع ذكر الدليل؟
ج: مما تجب فيه الزكاة الأثمان وهي النقود من الذهب والفضة وما يقوم مقامها من أوراق وفلوس نقدية ووجوب الزكاة فيهما بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية والسُّنة مستفيضة بذلك، ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار يُحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنُبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد» رواه مسلم.
وروى البخاري وغيره في كتاب أنس: «وفي الرقة ربع العشر؛ فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها والرقة هي الدراهم المضروبة».
وقال النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواقي صدقة» متفق عليه، وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه إلا ما اختلف فيه عن الحسن، قاله في «المغني» و «الشرح الكبير».
س ٧٤: ما أقل نصاب ذهب وفضة؟ وما مقدار كل منهما في الريال الحالي والجنيه؟ وتكلم بوضوح عن الأوراق الموجودة حاليًا.
ج: أقل نصاب ذهب عشرون مثقالاً زنة المثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، ولم تتغير في جاهلية ولا إسلام، وزنة العشرين مثقالاً بالدراهم ثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم إسلامي وخمسة وعشرون وسبعًا دينار وتسعة بالذي زنته درهم وهو على التحديد، والمثقال ثنتان وسبعون حبَّة
стр. 354
شعير متوسطة. والنصاب بالذهب بالجنيه السعودي، وكذلك بالجنيه الفرنجي أحد عشر جنيهًا ونصف جنيه، وأقل نصاب فضة مائتا درهم وبالريال العربي ستة وخمسون ريالاً تقريبًا، وبالريال الفرنسي ثلاثة وعشرون ريالاً تقريبًا؛ لما في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، والأوقية: أربعون درهمًا وهي بالمثاقيل مائة وأربعون مثقالاً؛ وأما الأوراق الموجودة؛ فإذا ملك منها ما يقايل نصابًا من الفضة وحال عليها الحول؛ فإنه يخرج منها ربع العشر ويجب في الذهب والفضة ربع العشر مضروبين أو غير مضروبين؛ لعموم قوله ﷺ : «إذا كانتا مائتا درهم فيهما خمسة دراهم»؛ ولعموم ما تقدم وعن ابن عمر وعائشة أن النبي ﷺ كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال. رواه ابن ماجه.
س ٧٥: تكلم عن حكم معشوش الذهب؟ وهل يجزي إخراج الزكاة من المغشوش؟ وماذا يعمل إذا شك في بلوغ مغشوش نصابًا؟ وإذا أخرج رديء عن أعلى فما الحكم؟ وهل يجزي إخراج مغشوش عن خالص وقليل القيمة عن كثيرها؟
ج: يزكي مغشوش ذهب وفضة بلغ خالصه نصابًا وإلا فلا؛ فإن شك في بلوغ مغشوش نصابًا سَبَكه واحتاط فأخرج ما يجزيه بيقين لتبرأ ذمته والأفضل إخراجه عنه ما لا غش فيه، ويزكي غش من نقد بلغ بضم نصابًا فأربع مائة ذهب فيها مائة فضة وعنده مائة فضة يزكي المائة الغش؛ لأنا بلغت نصابًا بضمها إلى المائة الأخرى، وكذا لو بلغ نصابًا بدون الضم كخمسمائة درهم فيها ذهب ثلاثمائة وفضة مائتان فيزكي المائتين الغش؛ لأنها نصاب بنفسها، وإن شك من أيهما الثلاثمائة درهم احتاط فجعلها ذهبًا فيخرج زكاة ثلاثمائة درهم ذهبًا ومائتي درهم فضة احتياطًا، ويعرف غش الذهب المغشوش بوضع ذهب خالص وزنَ المغشوش بماء في إناء أسِفله كأعلاه، ثم يرفع الذهب، ثم يوضع فضة خالصة وزن
стр. 355
المغشوش والفضة أضخم من الذهب ثم ترفع، ثم توضع مغشوش، ثم يرفع ويعلم عند وضع كل من ذهب وفضة ومغشوش علو الماء في الإناء والأولى كونه ضيقًا ليظهر ذلك؛ فإن تنصف بينهما علامة مغشوش فنصفه ذهب ونصفه فضة ومع زيادة أو نقص عن ذلك بحسابه ويخرج عن جيد صحيح من ذهب أو فضة من نوعه كالماشية لوجوب الزكاة في عينه ويخرج عن رديء من ذهب وفضة من نوعه؛ لأن الزكاة مواساة فلا يلزمه إخراج أعلى مما وجبت فيه، وإن اختلفت أنواع مزكي أخرج من كل نوع بحصته؛ لأنه الواجب شق أو لم يشق والأفضل الإخراج من الأعلى؛ لأنه زيادة خير للفقراء ويجزي إخراج رديء عن أعلى مع الفضل كدينار ونصف من الرديء عن دينار جيد مع تساوي القيمة؛ لأن الرِّبَا لا يجري بين العبد وربه كما لا يجزي بين العبد وسيده، ويجزي إخراج مغشوش عن خالص جيد مع الفضل وتجزي دراهم سود عن دراهم بيض مع الفضل نصًا؛ لأنه أدى الواجب قيمة وقدرًا كما لو أخرج من عينه ويجزي قليل القيمة عن كثيرها مع إنفاق الوزن لتعلق الوجوب بالنوع وقد أخرج منه ولا يجزي أعلى عن واجب بالقيمة دون الوزن، فلو وجب نصف دينار رديء فأخرج عنه ثلث جيد يساويه قيمة لم يجزه لمخالفة النص فيخرج أيضًا سدسًا.
س ٧٦: هل يضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؟ وما حكم ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة؟ وما حكم ضم جيد كل جنس ومضروبه إلى دريئه وتبره؟
ج: يضم أحد النقدين إلى الآخر بالأجزاء في تكميل النصاب؛ لأن زكاتهما ومقاصدهما متفقة؛ ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فضم إلى الآخر كأنواع الجنس ويخرج أحد النقدين عن الآخر فيخرج ذهب عن فضة وعكسه بالقيمة لاشتراكهما في المقصود من الثمنية والتوسل إلى المقاصد فهو كإخراج مكسرة عن صحاح بخلاف سائر الأجناس لاختلاف مقاصدهما؛
стр. 356
ولأنه أرفق بالمعطي والآخذ ولئلا يحتاج إلى التشقيص والمشاركة أو بيع أحدهما نصيبه من الآخر في زكاة ما دون أو بعين دينارًا وإن اختار الدفع من الجنس وأباه فقير لضرر يلحقه في أخذه لم يلزم مالكًا إجابته؛ لأنه أدى فرضه فلم يكلف سواه ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديته وتبره وتضم قيمة عروض تجارة إلى الذهب أو الفضة وتضم إلى جميعه، فلو كان ذهب وفضة وعروض ضم الجميع في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضموم إلى كل منهما فوجب ضمهما إليه. والله أعلم.
١١ - فصل في زكاة الحلي
س ٧٧: تكلم بوضوح عن حكم زكاة الحلي، وأذكر ما فيه من خلاف ودليل أو تعليل بإستقصاء؟
ج: تجب الزكاة في حلي الذهب والفضة، إذا بلغ نصابًا بنفسه أو بما يضم إليه من جنسه أو في حكمه، ولم يكن معدًا للاستعمال ولا للإعارة؛ فإن كان معدلهما أو لأحدهما فلا زكاة فيه؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجَواريه الذهب ولا يخرج من حليهن الزكاة، ورواه عبد الرزاق، أنبأنا عبد الله، عن نافع: أن ابن عمر قال: «لا زكاة في الحلي»، وروى مالك أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها فلا تخرج من حليهن الزكاة كلاهما في «الموطأ» (أثر أخرجه) الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة أثر آخر، رواه الشافعي، ثم البيهقي من جهة أبي سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي: أفيه الزكاة؟ قال جابر: لا، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير. (أثر آخر) أخرجه الدارقطني عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن
стр. 357
أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا، قال صاحب «التنقيح»: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: أنس بن مالك، وجابرًا، وابن عمر، وعائشة، وأسماء» انتهى كلامه. قال في «شرح الإقناع» وما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال لامرأة في يدها سواران من ذهب: «هل تعطين زكاة هذا»، قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» رواه أبو داود، فهو ضعيف. قال أبو عبيد والترمذي: وما صح من قوله ﷺ : «في الرقة ربع العشر»، فجوابه: إنها الدراهم المضروبة، قال أبو عبيد: لا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السكة السائرة بين المسلمين وعلى تقدير الشمول يكون مخصصًا بما ذكرنا؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم يجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب القنية، قال المعلق على «شرح الإقناع» في (ص ٢١١) على حديث المسكتين: الحديث عند أبي داود وغيره أتت امرأة من أهل اليمن النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» الحديث. قال أبو عبيد في «الأموال» (ص ٤٥٤): هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد بإسناد، وقد تكلم به قديمًا وحديثًا؛ فإن يكن الأمر على ما روى وكان عن النبي ﷺ محفوظًا فقد يحتمل معناه أن يكون أراد بالزكاة العارية كما فسرته العلماء سعيد بن المسيب والشعبي والحسن وقتادة في قولهم: زكاته عاريته، ولو كانت الزكاة في الحلي فرضًا كفرض الرقة ما اقتصرَ النبي ﷺ من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤيته الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه وسننه ولفعلته الأئمة بعد، وبهذا القول قال القاسم والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور. قال في «الاختيارات الفقهية» ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته؛ ولهذا تنازع أهل هذا القول هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على
стр. 358
وجهين في مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره؛ وأما إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء، وفي «شرح أصول الأحكام» قال ابن القيم: وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وهو الراجح وإنه لا يخلو من زكاة أو عاريَّة.
والقول الثاني: أن فيه الزكاة وإن كان معدًا للاستعمال أو للإعارة لظاهر الآيات وللأحاديث العامة والخاصة فمن الأحاديث العامة حديث أبي سعيد الخدري: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» أخرجاه في «الصحيحين»، ولمسلم عن جابر نحوه، ومنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار»، قال: فحذفتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ ، فقالت: هما لله ولرسوله» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني. وما ورد عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «دخل رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتَحات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقالت: صنعتهن أتزين لك، قال: «حسبك من النار»» رواه أبو داود والدارقطني، وفي إسناده محمد بن يحيى الغافقي، وقد احتج به الشيخان وغيرهما.
وعن أم سلمة قالت: «كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو، فقال: «ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز»» رواه مالك وأبو داود الآثار. روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» حدثنا وكيع عن مساور الورّاق قال: «كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن مُرْ من قبلك من نساء المسلمين أنْ يُزَكِّينَ حُليهُنَّ ولا يحملن الزيادة والهدية بينهم تقارضًا» قال البخاري في «تاريخه»: هو مرسل أثر آخر أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن مسعود قال: «في الحلي الزكاة» انتهى من طريق عبد الرزاق، رواه الطبراني في «معجمه»،
أثر آخر أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه كان
стр. 359
يكتب إلى خازنه سالمًا أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة، وكما روي هذا عن عمر وابن مسعود، فقد روي أيضًا عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعبد الله بن شداد وجابر ابن زيد وابن سيرين وميمون بن مهران والزهري والثوري وأصحاب الرأي لعموم ما تقدم. والذي يترجح عندي القول الأول لما تقدم؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح ولم يرصد للنماء، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ٧٨: تكلم عما يلي واذكر أمثلة توضح ما يحتاج إلى توضيح: الحلي، المحرم ما أعد للكراء، وما أعد للنفقة، هل العبرة بالوزن؟ وبأي شيء يقوم مباح الصناعة: تحلية المسجد والمحراب، تحلية السقف والحائط؟
ج: تجب الزكاة في محرم كآنية ذهب وفضة؛ لأن الصناعة المحرمة كالعدم، وتجب الزكاة في حلي مباح معد للكري أو نفقة ونحوه إذا بلغ نصابًا وزنًا؛ لأن سقوط الزكاة فيما أعد لاستعمال أو إعارة لصرفه عن جهة النماء فيبقى ما عداه على الأصل إلا المباح من الحلي المعد للتجارة ولو نقد فيعتبر نصابه قيمة كسائر أموال التجارة ويقوِّم مباح صناعة لتجارة ولو نقدًا بنقد آخر؛ فإن كان من ذهب قوِّم بفضة وإن كان من فضة قومِّم بذهب إن كان تقويمه بنقد آخر أحظ للفقراء أو نقص عن نصابه كخواتم فضة لتجارة زنتها مائة وتسعون درهمًا وقيمتها عشرون مثقالاً ذهبًا فيزكيها بربع عشر قيمتها؛ فإن كانت مائتي درهم، وقيمتها تسعة عشر مثقالاً وجب أن لا تقوم وأخرج ربع عشرها، ويعتبر مباح صناعة من حلي تجب زكاته الغير تجارة بلغ نصابًا أو وزنًا في إخراج زكاته بقيمته اعتبارًا للصنعة ويحرم أن يحلى مسجد أو محراب بنقد أو أن يموه سقف أو حائط بنقد، وكذا سرج ولجام دواة ومقلمة ونحوها؛ لأنه سرف ويقضي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهو كالآنية. وقد نهى النبي ﷺ عن
стр. 360
التختم بخاتم الذهب للرجل فتمويه نحو السقف أولى وتجب إزالته كسائر المنكرات وتجب زكاته إذا بلغ نصابًا بنفسه أو ضم إلى غيره إلا إذا استهلك فلم يجتمع منه شيئًا فيهما.
س ٧٩: ما الذي يباح من الذهب والفضة وما الذي يباح للنساء؟ وهل يجب في الجواهر واللؤلؤ زكاة؟
ج: يباح لذكر من فضة خاتم؛ لأنه ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق متفق عليه ولبسه بخنصر يساره أفضل. قال الدارقطني وغيره المحفوظ أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره، وضعّف أحمد في رواية الأثرم وغيره حديث التختم، باليمنى ويجعل فصه مما يلي كفه؛ لأنه ﵊ كان يفعل ذلك قاله في الفروع، وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه ولا بأس بجعله مثقالاً فأكثر؛ لأنه لم يرد فيه تحديد ما لم يخرج عن العادة؛ لأن الأصل التحريم خرج المعتاد لفعله ﷺ وفعل الصحابة وله جع لفصه منه ومن غيره؛ لأن في البخاري من حديث أنس كان فصه منه، ولمسلم كان فصه حبشيًّا ويكره لبسه في سبابة ووسطى للنهي الصحيح ويباحُ لذكر من فضة قبيعة سيف لقول أنس كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة، رواه الأثرم. والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة؛ ولأنها معتاد له أشبهت الخاتم ويباح حلية منطقة وهي ما يشتد به الوسط وتسميه العادة الحياصة؛ لأن الصحابة أتخذوا المناطق محلاة بالفضة ولأنها كالخاتم وعلى قياسه حلية جوشن وهو الدرع وخوذة وهي البيضة وخف وران وهي شيء يلبس تحت الخف وحمائل سيف؛ لأن هذه معتادة للرجُل فهي كالخاتم ولا يباح حلية ركاب ولجام ردواة ونحو ذلك ويباح لذكر من ذهب قبيعة سَيْف، قال أحمد: «كان في سيف عمر سبائك من ذهب، وكان في سيف عثمان بن حنيف ﵁ مسمار من ذهب»، ويباح له من ذهب ما دعت إليه ضرورة كانت
стр. 361
ولو مكن من فضة؛ لأن عَرْفجة بن سعيد قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود وغيره صححه الحاكم. وكشدّ سن، رواه الأثرم عن أبي رافع وثابت البناني وغيرهما؛ ولأنهما ضرورة فأبيح كالأنف ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر ولو زاد على ألف مثقال كسوار ودملوج وطوق وخلخال وخاتم وقرط وما في مخانقِ ومقالدٍ وما أشبه ذلك ويباح لرجل وخنثى وامرأة تحلِّ بجوهر ونحوه كزمرد وياقوت ويحرم نقض صورة حيوان على خاتم ولبسه ما بقيت عليه ولا زكاة في الجواهر واللؤلؤ وإن كثرت قيمته أو كان في حلي كسائر العروض إلا أن يكون الحلي لتجارة فيقوّم جميعه أي ما فيه من جوهر ولؤلؤ وغيرهما تبعًا لما فيه من نقد. والله أعلم.
ومما يتعلق بزكاة الذهب والفضة والحلي
وللذهب العشرون مثقالاً لا اتخد … نصابًا وربع العشر فرضٌ لها طدِ
وفي فضة صرفًا فخذ ربع عشرها … على مائتيها المنصب الخمسة أعددِ
ونقص يسير عادة غير مانع … وفي ثلث مثقال مقاليْنِ أسندِ
وفي زائد عن منصب بحاسبه … فأدّ زكاة الأصل والمتزيدِ
ولا عبرة في الغش في قدر منصب … ومن شك يخرج أوالي السبك أرشدِ
وأن يخرجن عن جيد وصحيحها … لضد فتمم نقص ذا بالتزيدِ
ويجزي مع الجبران في نص أحمد … وقد قيل لا يجزي هنا غير جيدِ
وفي ضم ورقِ في النصاب وعسجد … وإخراج ذا عن ذا مَقالين أسند
وضَمكَ بالأجزاءِ أولى وقيل بل … بقيمة ما فيْه الأحض لمجُتَدِ
وقيمة عرض ضمها لِكليهما … وحظ الفقير الزْمهُ في الضم واقصدِ
стр. 362
ما يتعلق بالحلي
ولا شيء في حلي مباح تعدة … لفعل مباح لا لكسب بأوكد
ولو كان ملكًا للمزين عرسه … وعارية الأنثى كذا حكم نهد
وما أعتادهُ النسوان حل جميعه … وقيل ألف مثقال يزكي وأبعد
وحل على الذكران خاتم فضة … وحلية سيف مع قبيعة عسجد
وأنف وربط السن منه ضرورة … وقول أبي بكر مبيح المزهد
وحلي حرام والأواني فزكها … وما اعتد للإنفاق أو للتزيد
١٢ - باب زكاة العروض
س ٨٠: ما هو العرض؟ ومتى تجب زكاته؟ وما سندها؟ وما الذي تجب فيه زكاته؟ وما الذي يشترط لزكاة العروض؟
ج: العروض جمع عرض بإسكان الراء وهو ما عدا الأثمان من الحيوان والثياب وبفتحها كثرة المال والمتاع، وسمي عرضًا؛ لأنه يعرض ليباع ثم يشترى، وقيل: لأنه يعرض ثم يزول ويفنى، والمراد هنا ما أعد للبيع والشراء لأجل ربح غير النقدين غالبًا، تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا في قول الجماهير وادعاه ابن المنذر إجماع أهل العلم، وقال المجد: هو إجماع متقدم لقوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية، وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٤٥): والأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عروض التجارة سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا سواء كان متربصًا وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخر ما إلى وقت ارتفاع السعر أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلوفة أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب
стр. 363
أموال أهل الأمصار الباطنة كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول لحديث أبي ذر مرفوعًا: «وفي البر صدقة» رواه أحمد، ورواه الحاكم من طريقين وصحح إسنادهما، وقال: إنه على شرط الشيخين واحتج أحمد بقول عمر لحماس -بكسر الحاء المهملة: «أد زكاة مالك»، فقال: مالي إلا جعاب وأدم، فقال: قومها وأد زكاتها، رواه أحمد وسعيد وأبو عبيد وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم وهو مشهور؛ لما ورد عن سَمُرةَ بن جندب قال: «إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» رواه أبو داود. وتجب لزكاة في قيمة عروض تجارة بلغت نصابًا من أحد النقدين إلا في نفس العرض؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة فهو محل الوجوب والقيمة إن لم توجد عينًا فهي مقدرة شرعًا، وقال الشيخ تقي الدين: ويجوز الأخذ من عينها، قال: ويقوى على قول من يوجب الزكاة في عين المال، وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله، ويشترط لزكاة العروض شرطان: الأول: أن يملكها بفعله بنية التجارة. الثاني: أن تبلغ قيمتها نصابًا.
س ٨١: تكلم بوضوح عما يلي: إذا ملك العروض بإرث أو بفعله بغير نية التجارة؟ من كان عنده عرض لتجارة فنواه للقنية ثم لتجارة، متى تقوم العروض؟، وما صفة تقويم الأمة المغنية والعبد الخصي وآنية الذهب والفضة ونحوها؟
ج: إذا ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوى التجارة بها لم تصر لها، وكذا لو ملكها بإرث لم تصر لها إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة فلا يحتاج إلى نية التجارة، بل يكفيه استصحاب حُكمها بأن لا ينويها للقنية وإن كان عنده عرض تجارة فنواه للقنية دون التجارة ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة؛ لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كما لو نوى المسافر الإقامة؛ ولأن نية التجارة شرط للوجوب فيها؛ فإذا نوى القنية زالت نية التجارة
стр. 364
ففات شروط الوجوب بخلاف السائمة إذا نوى علفها؛ فإن الشرط السوم دون النية إلا حُليِّ اللبس ذا نوى به التجارة فيصير لها بمجرد النية؛ لأن التجارة الأصل فيه، فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل وتقوم للعروض عند تمام الحول؛ لأنه وقت الوجوب بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة ولا يعتبرها ما اشتريت به من عين أو ورق لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به أبطال للتقويم بالأنفع، وتقوّم الأمة المغنية والزامرة والضاربة بآلة لهو ساذجة أي خالية عن معرفة ذلك؛ لأنها لا قيمة لها شرعًا ويقوم العبد الخصي بصفته ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة ونحوها كمراكب وسرج لتحريمها فيعتبر نصابها وزنًا.
س ٨٢: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض، إذا اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة أو باع عرض التجارة بنصاب من السائمة، إذا اشترى نصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية، إذا ملك نصاب سائمة لتجارة فحال الحول والسوم ونية التجارة موجدان؟
ج: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله أي حول الأول وفاقًا؛ لأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض؛ ولأن وضع التجارة للتقلب والاستبدال بثمن وعروض فلو لم يبن بطلت زكاة التجارة وإن لم يكن النقد نصابًا فحوله من حين كملت نِصابًا لا من حين اشتراه وإن اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة لم يبن على حوله لاختلافهما في النصاب والواجب وإن اشترى نِصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية بنى حَولِه؛ لأن السموم سبب للزكاة قدم عليه زكاة التجارة؛ لقوته فبزوال المعارض ثبت حكم السوم لظهوره.
стр. 365
س ٨٣: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً لتجارة فأثمر فهل عليه زكاة تجارة أو يزكي لغيرها؟ إذا اشترى صباغ ما يصبغ به للتكسب فهل يزكيه؟ إذا ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة فما الحكم؟ وهل تزكي آنية عرض التجارة أو آلة دابة التجارة وضح ذلك، مع التمثيل لما يحتاج إلى تمثيل؟
ج: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً فأثمر فعليه زكاة تجارة فقط الزرع والثمر جزر خرجًا منه فوجب أن يقوما مع الأصل كالسخال والربح المتجدد إلا أن لا تبلغ قيمة المذكور نصابًا بأن نقصت عن عشرين مثقالاً ذهبًا وعن مائتي درهم فضة فيزكي ذلك لغير التجارة فيخرج من السائمة زكاتها، ومن الزرع والثمر ما وجب فيه لئلا تسقط الزكاة بالكلية ومن ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية للتجارة استأنف الحول للسوم؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا يُبنى عليه غيره وأما آنية عرض التجارة كغرائر وأكياس وأجربة وآلة دابة التجارة كسرج ولجام وبردعة ومقود؛ فإن أريد بيعها مع العرض والدابة فهما مال تجارة يقوّمان مع العرض والدابة وإلا يريد بيعها فلا يقوّمان كسائر عروض القنية.
س ٨٤: إذا اشترى شقصًا مشفوعًا لتجارة بألف فصار عند تمام الحول بألفين فما الحكم؟ وإذا اشترى صباغ ما يصبغ به أو دباغ ما يدبغ به فما الحكم؟ وإذا أذن كل واحد من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته فما الحكم؟
ج: في المسألة الأولى يزكي ألفين؛ لأنهما قيمته ويأخذه الشفيع بالشفعة بألف؛ لأنه يأخذه بما عقد عليه وينعكس الحكم بعكسهما؛ فإذا اشترى بألفين فصار عند الحول بألف زكي ألفًا وأخذة الشفيع إن شاء بألفين وكذا لو ردّ
стр. 366
لعيبه ردّهُ بألفين، وإن اشترى صباغ ما يصبغ به وينفي أثره كزعفران ونيل ونحوه فهو عرض تجارة يقوّم عند تمام حوله لإعتياضه عن الصبغ القائم بنحو الثوب ففيه معنى التجارة وكذا ما يشتريه دباغ ويَدبَغُ به كعفص وقرض وما يدهن به كسمن وملح، وإذا أذن كل من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه إن أخرجا معا أو جهل سابق وإلا ضمن الثاني ولو لم يعلم لا إن أدى دينًا بعْدَ إداء مُوكَّلهِ ولو لم يعلم ولهن عليه زكاةُ الدقة تطوعًا قبل إخراجها.
مما يتعلق بزكاة عروض التجارة
ومن قيمة العروض اقبضن فرض بالغ … نصابًا من الأثمان من ثم فاعقد
وقيمتها أصل تفارقه إذا … تملكتها تنوي إتجارًا بها قد
ولا شيء فيها إن بإرث ملكتها … أو الفعل لم تنويها تجر قصد
ولا إن نوى بعد اقتناء تجارة … وعنه بلى فاحكم بقصد مجرد
ولا تعتبر حال الشراء وقوِّمن … لدى الحول بالأولى لأهل التفقد
وتبني على حول الأصول مبدلاً … وسائمة إن بعت بالفرض فابتدى
وسائمة عرضا تزكي تجارة … وأي نصابيها استوى عنه زود
وقبل زكاة زكها من نصابها … وقيل الأحظ افعله للفقراء قد
وإن ما تكن أرضًا ونخلاً فزكها … وأثمارها والزرع كالعرض ترشد
وقال أبو يعلى خذ العشر للنما … كسبقهما حول التجارة وراشد
ويخرج عن مال القراض وحظه … من الريح رب المال من حظه قد
وقيل من الربح احسبن كمضارب … إذا قيل زكى جاز منه بمبعد
وكل شريك ضامن حق آذن … إذا أخرجاها دفعة بتعدد
ويضمن ثان حتى أول مخرج … ولو جاهلاً أو بعد عزل بأجود
стр. 367
١٣ - باب زكاة الفطر
س ٨٥: ما حكم صدقة الفطر؟ وما الأصل في مشروعيتها؟ ولما أضيفت إلى الفطر؟ وما هي الفطرة؟ وما الذي يُراد بصدقة الفطر؟ وما الحكمة فيها؟
ج: حكمها أنها واجبة وجوب عين على كل مسلم تلزم مؤنة نفسه ولو مكاتبًا فضل له عن قوته ومن تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته صاع وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها فهو من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: لها فطرة؛ لأن الفطرة الخلقة؛ قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس والحكمة فيها هي المذكورة في حديث ابن عباس: «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين» الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، والأصل في مشروعيتها ما روى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر وصاعًا من أقط أو صاعًا من شعير على كل حر وعبد وذكر وأنثى من المسلمين» متفق عليه.
وللبخاري: «والصغير والكبير من المسلمين».
وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ أنها زكاة الفطر.
س ٨٦: بين مصرف صدقة الفطر؟ وهل الدين مانع من وجوبها؟ وهل تجب في مال اليتيم؟ ومن الذي يتولى أمره فيها؟ وما الدليل على أنها تلزم لمن مانه من المسلمين؟
ج: مصرفها كزكاة لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية وتجب في مال اليتيم كزكاة المال ويخرجها عنه وليه كما ينفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته؛ وأما كونها تلزمه عمن يمونه من المسلمين كزوجة وعبد وولد فلعموم
стр. 368
حديث ابن عمر: «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون» رواه الدارقطني، ولا يمنع الدين وجوبها إلا مع طلبه لتأكيدها بدليل وجوبها على الفقير وعلى كل مسلم قَدَرَ عليها وتحملها عمن وجَبَت عليه؛ ولأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه بخلاف زكاة المال إلا مع الطلب بالدين فتسقط لوجوب إرادته بالطلب وتأكده بكونه حق آدمي معين وبكونه أسبق سببًا ومقدارها صاعٌ فاضل بعد حاجتهما لمسكن وخادم ودابة وثياب مهنة وكسب علم النظر وحفظ؛ لأن هذه حوائج أصلية يحتاج إليها كالنفقة.
س ٨٧: على من تجب فطرة زوجة المكاتب ورفيقه وقريبه ممن تلزمه مؤنته؟ وإذا لم يفضل مَعَ مَن وجَبت عليه زكاة الفطر إلا بعض صاع، فما الحكم؟
ج: تلزم المكاتب فطرة زوجته وفطرة قريبه ممن تلزمه مؤنته كولده التابع له في الكتابة وتلزمه فطرة رقيقه كفِطرَة نفسه لدخوله في عموم النص؛ ولأنه مسلم تلزمه نفقة من ذكر فلزمته فطرته كالحر وإن لم يفضل إلا بعض صاع لزمه إخراجه عن نفسه؛ لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولأنها طهرة فهي كالطهارة بالماء؛ فإن فضل صاع وبعض صاع أخرج الصاع عن نفسه؛ لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وأخرج البعض عمن تلزمه نفقته ويكمله المخرج عنه إن قدر؛ لأنه الأصيل والمخرج متحمل.
س ٨٨: هل تلزمُ الزوج فطرة مَن بانت عنه وهي حَامل؟ وهل يلزمُ المستأجر لأجير وظئر بطعامها وكسوتهما فِطرةً؟ وتكلم عن فطرة من وجبت نفقته في بيت المال؟ وعن فطرة الزوجة الناشز؟ وممن لا تجب نفقتها لصغر أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
стр. 369
ج: لا تلزم الفطرة الزوج لبائن حامل؛ لأن النفقة للحمل لا لها من أجل الحمل، ولا تلزم الفطرة من استأجرها أجيرًا أو ظئرًا بطعامه وكسوته كضيف؛ لأن الواجب هاهنا أجرة تعمدُ الشرط في العقد فلا يُزاد عليها، ولاتجب فطرة مَن وجَبت نفقته في بيت المال كعبد الغنيمةِ قبل القسمة وعبد الفيء واللقيط؛ لأن ذلك ليس بإنفاق وإنما هو إيصال المال في حقه، وترتيب الفطرة كالنفقة لتبعيتها لها ولا تجب فطرة غائب إن شك في حياته، ولا تبج فطرة زوجة ناشز أو زوجة لا تجب نفقتها لصغر ونحوه أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؛ لأنها زمن الوجوب في نوبة سيدها فتكون على سيدها.
س ٨٩: بيِّن على من تجب فطرة مَن يلي: القن المشترك؟ مَن له أكثر مِن وارث؟ المُلحقُ بأكثر من واد؟ إذا عجز بعض الملاك أو الورَّاث فماذا يلزم القادر؟ وهل لمن لزمتْ غيرَه فطرتُهُ الطلب بإخراجها؟ وهل له أن يخرجها بنفسه؟ إذا أخرج إنسان فطرة عمن لا تلزمه فطرته، فما حكم ذلك؟
ج: فطرة القن المبعَّض والمشترك ين إثنين فأكثر وفطرة مَن له أكثر مِن وارث تقسط، وكذا ملحق بأكثر من واحد بأن ألحقته الفاقة بأبوين فأكثر تقسط فطرته بحسب نفقته؛ لأنها نابعة لها، ولأنها طهرة فكانت على ساداته أو وارثه الحصص، وقيل: إذا كان العبد بين شركاء فعلى كل واحد صاع؛ لأنها طهر فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء ككفارة القتل والقول الأول وهو المذهب وهو من المفردات، قال ناظم المفردات:
والشركاء كلهم في عيد … فيلزم الصّاع لكل فرد
وقدم المقنع والمحرّر … يلزمهم صاع ولا يُكرّر
ومِثْله مَن ألحقته القافه … بأبوين فاسمع اللطافه
وهكذا جماعة تلزمهم … نفقة لواحد يقربهم
стр. 370
وهكذا مبعض الحرية … فالكل بالإفتاه بالسوية
ومن عجز من الملاك أو الوراث لم يلزم القادر سوى قسطه ومن لزمت غيره فطرته كزوجة ولد معسر طلبه بإخراج الفطرة كالنفقة؛ لأنها تابعة لها وله أن يخرجها عن نفسه إن كان حرًا مكلفًا وتجزي عنه ولو أخرجها بلا إذن من تلزمه الفطرة؛ لأن من تلزمه متحمل لفطرة المخرج عنه والمخاطب بها ابتداء المخرج، ومن أخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أجزأ؛ لأن كالنائب عن وإلا فلا.
س ٩٠: إذا لم يجد لجميع من تلزمه فطرهم فما الحكم؟ وما حكمها عن الجنيز؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: إن لم يجد لجميعهم بدأ بنفسه لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»؛ فإن وجد صاعًا ثانيًا فزوجته لوجوب نفقتها مع الإعسار والإيسار؛ لأنها على سبيل المعارضة؛ فإن وجد ثالثًا فلرقيقه لوجوب نفقته مع الإعسار بخلاف نفقة الأقارب، ثم إن وجد رابعًا فأمه؛ لقوه ﷺ للأعرابي حين قال: من أبر؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك» ولضعفها عن التكسب، وتسن الفطرة عن الجنين لفعل عثمان، وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه، رواه أبو بكر في «الشافي»، ولا تجب عنه حكاه ابن المنذر إجماعًا من يحفظ عنه.
س ٩١: بيَّن متى يجب إخراج الفطرة؟ واذكر أمثلة توضَّح ذلك؟ ومتى وقت جواز إخراجها؟ وهل تسقط بعد وجوبها بموت أو غيره؟
ج: تجب بغروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لقول ابن عباس: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو وطعمة للمساكين» رواه
стр. 371
أبو داود والحاكم، وقال على شرط البخاري: فأضاف الصدقة إلى الفطر، فكانت واجبة به؛ لأن الإضافة تقتضي الاختصاص وأول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس من ليلة الفطر، فمن أسلم بعد الغروب أو تزوج امرأة بعده أو كان ولد له بعده أو ملك عبدًا بعده وكان معسرًا وقت الوجوب، ثم أيسر بعده فلا فطرة عليه لعدم وجود سبب الوجوب وإن وجد ذلك بأن أسلم وتزوج أو ولد له ولدًا أو ملك عبدًا أو أيسر قبل الغروب وجبت الفطرة لوجود السبب فالاعتبار بحالة الوجوب وإن مات قبل الغروب هو أو زوجته أو رقيقه أو قريبه ونحوه وأعسر أو أبان الزوجة أو أعتق العبد أو نحوه كما لو باعه أو وهبه لم تجب الفطرة ولا تسقط بعد وجوبها بموت ولا غيره لاستقرارها ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين. رواه البخاري.
س ٩٢: متى وقت أفضلية إخراج الفطرة؟ وما حكم إخراجها في باقي يوم العيد؟ وما حكم تأخيرها عن يوم العيد؟ وأين مكان إخراجها؟
ج: والأفضل إخراج الفطرة يزن العيد قبل الصلاة؛ لأنه ﵊ أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر، وقال في حديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، وقال جمع: الأفضل أن يخرجها إذا خرج إلى المصلى ويجوز إخراجها في باقي يوم العيد لحصول الإغناء المأمور به مع الكراهة لمخالفته الأمر بالإخراج قبل الخروج إلى المصلى، ويأثم مؤخرها عن يوم العيد لجوازها فيه كله؛ لحديث: «اغنوهم في هذا اليوم»، وهو عام في جميعه، وكان ﵊ يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة، فدل على الأمر بتقديمها على الصلاة للاستحباب، ويقضي من أخرها عن يوم العيد فتكون قضاء، ومن وجبت عليه فطرة غيره كزوجة وعبد وقريب أخرجها مع فطرته كان نفسه؛ لأنها طهرة له من النظم. ومن «مختصره» مما يتعلق بصدقة الفطر:
стр. 372
وأوجب زكاة الفطر عن كل مسلم … كبير وحُرٍّ بَل وعَبدٍ وفَوْهَدِ
عَلى مضن لَهُ فَضْلٌ على قوتِ عبدهِ … وليلته مَعَ مَنْ يَعول ليورد
ولا تسقطن بالدين في أظهرٍ وإن … يطالب به فاقض الفتَى الضيِّقَ اليدِ
بنفسك فابدأ ثم زوجِ فأعبدِ … فأولى فأولى عِند إنفَاقِ مُجْتَدِ
إذا لم تجد للكل والعبد إن يكن … فجمع فبين الجمع صاع به جدِ
وَينْدبُ عن حمل وأسقط لناشز … ومَنْ لم يَجِب إنفاقُهَا مِثلهَا اعددِ
ويجزئ إخراج الفتى فرض نفسه … بلا إذن ملزومٍ بها في المجوَّد
بإدراك جزءٍ آخر الشهر أوجبن … وعنه به مِنْ قبل فجر المُعَيَّدِ
ولا تلزمِنْ مَنْ بَعْدَ ذَا صَارَ أهلها … وَوَقتُ خِيَارِ مَن حَكَمتَ له افصُدِ
وقَبْلَ صَلاة العِيدِ أولى ببذلها … وسَبْقًا بيومين افهمنَّ وأجود
وإخراجُها في سائر اليوم جائز … وتأخيرُها عنه احظرن واقض ترشد
стр. 373
س ٩٣: بَيَّن مقدار الصاع النبوي بالحفَنَات؟ وما حكم إخراج الدقيق فطرة؟ وإخراج نصف صاع من البر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: الصاع النبوي أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط» متفق عليه، وصريحه إجزاء الدقيق وهو الطحين والسويق وهو قمح أو شعير يلقى ثم يطحن نص عليه، واحتج بزيادة انفرد بها ابن عُيينة من حديث أبي سعيد أو صاعًا من دقيق، قيل لابن عيينة: إن أحدًا لا يذكر فيه، قال: بل هو فيه، رواه الدارقطني.
قال المجد: بل هو أولى؛ لأنه كفى مؤنته وروي عن أبي سعيد وأبي الحسن وأبي العالية، وروى عن ابن الزبير ومعاوية أنه يجزي نصف صاع من البر، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وابن سلمة وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن النبي أنه قال: «صاع من بر أو قمح على كل إثنين» رواه أبو داود، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀.
والقول الثاني: ما عليه الأكثر أن الواجب صاع من البر كغيره، قال النووي: ظاهر الحديث والقياس على اشتراط الصاع من الحنطة كغيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الأحوط. والله أعلم.
س ٩٤: هل يجزي المجموع من الأصناف الخمسة؟ وما الذي لا يجزي إخراجه في الفطرة؟ وما هو الأفضل من الأصناف الخمسة على الترتيب؟
ج: يجوز إخراج صاع مجموع من الخمسة المذكورة؛ لأن كل واحد منها يجوز
стр. 374
منفردًا فكذا مع غيره لتقارب مقصودها واتحاده ويحتاط في الثقيل فيزيد في الوزن شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا كيلا ليسقط الفرض بيقين ولا يجزي خبز لخروجه عن الكيل والادخار ولا يجزي معيب مما تقدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ والمعيب كمسوس؛ لأن السوس أكل جوفه، وكذا مبلول؛ لأن البلل ينفخه وقديم تغير طعمه لعيبه بتغير طعمه؛ فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أجزأ لعدم عيبه، والجديد أفضل والأفضل إخراج تمر لفعل ابن عمر، قال نافع: كان ابن عمر يعطي التمر إلا عامًا واحدًا أعوز التمر فأعطى الشعير، رواه أحمد والبخاري، وقال أبو مجلز: إن الله قد وسع، والبر أفضل، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقًا فأنا أحب أن أسلكه. رواه أحمد واحتج به، وظاهره أن جماعة الصحابة كانوا يخرجوا التمر، ثم يلي التمر الزبيب؛ لأنه في معنى التمر لما فيه من القوت والحلاوة، فبر لأنه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير؛ ولأن القياس تقديمه على الكل؛ لكن ترك اقتداء بالصحابة في التمر وما شاركه في المعنى وهو الزبيب، فأنفع في اقتيات ودفع حاجة فقير، وإن استوت في نفع فشعير فدقيق بر، فدقيق شعير فسويقهما، ثم أقط.
س ٩٥: ما حكم إخراج قيمة الفطرة؟ وما الأفضل أن لا ينقص عنه مُعطي، وما الذي يشترط في الدقيق عند إخراجه فطرة؟ وما الحكم في إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة والعكس؟ وما حكم إخراج الفطرة من غير الأصناف الخمسة؟ وضح ذلك مع ذكر الخلاف.
ج: ولا يجزي إخراج القيمة؛ لأن ذلك غير المنصوص عليه وتقدم بحث يتعلق بإخراج القيمة في زكاة الأموال (في جواب وسؤال ٤٠) والأفضل أن لا ينقص معطي من فطرة عن مُد بُرّ أو نصف صاع من غيره ليغنيه عن السؤال في ذلك اليوم لكن يشترط في الدقيق أن يكون بوزن حب ويجوز إعطاء فقير واحد ما على جماعة من الفطر. قال الشيخ:
стр. 375
ولا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم ويجوز دفعها إلى واحد كما عليه المسلمون قديمًا وحديثًا، وقال: إذا كان الفقراء مجتمعين في موضع، وأكلهم جميعًا في سماط واحد، وهم مشتركون فيما يأكلونه في الصوم، ويوم العيد لم يكن لأحدهم أن يعطي فطرته لواحد من هؤلاء. انتهى.
ويجوز أن يعطي الجماعة من الفقراء ما يلزم الواحد من فطرة أو زكاة مال؛ وأما إخراج غير الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها، فقيل: لا يجزي، وقيل: يجزي كل مكيل مطعوم، واختاره الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: يجري قوت بلده مثل الأرز ونحوه، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه رواية عن أحمد -رحمه الله تعالى- وإن قدر على الأجناس المذكور؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وقال ابن القيم: وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم؛ لقوله: «اغنوهم في هذا اليوم»، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 376
من النظم ما يتعلق في مقدار الفطرة
وعن كل شخص صاع بر فأوجبن … كذا من دقيق أو سويقهما اعدد
أو التمر أو صاع الزبيب ويجزي … السويق في الأقوى والأقط في المؤكدِ
فما شئت فابذل لا سواها وقِيمَةِ … لها ولمن يعطي الزكاة بها جُدِ
ويجزئ مطعوم مكيل بمبْعَدِ … وما سَدَّ عِندَ العُدْمِ سَدَّ الممُعَدَّدِ
وإن يعْدَمُ الأجنَاسُ فالصاعُ مجْزَئٌ … مِنَ الثمرِ المثقْتَاتِ أو حبِّه قَدِ
ويجزئ صاع القوت عند ابن حامِدٍ … ولوْ لحِم أنعَامِ وحِيْتَان مُزْبدِ
وخبز ودبس مَعْ وجُود أصولها … وحَبٌ معِيْبٌ غير مجْزئ فَقَيَّدِ
وبَذْلُكَ مِنْ جِنْسَيْن صَاعك مجرئٌ … وصاعًا لجمع والكثير لِمُفْرَدِ
وأفضَلُهَا تمرٌ فما زادَ نفعُه … وقيل ل البر المقدم فانقدِ
…
стр. 377
١٤ - باب إخراج الزكاة وما يتعلق به
وحكم النفل والتعجيل ونحوه
س ٩٦: تكلم بوضوح عمّا يلي مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟ ومثّل لما يحتاج إلى تمثيل واذكر المحترزات؟ متى يجب إخراج زكاة المال؟ هل يجوز تأخير الزكاة بعد وجوبها؟
ج: إخراج زكاة المال بعد أن تستقر واجب فورًا إن أمكن إخراجها كإخراج نذر مطلق وكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والمراد الزكاة، وقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ والأمر المطلق للفورية بدليل أن المؤخِر يستحقُّ العقاب، ولو جاز التأخير لكان إما إلى غاية وهو مناف للوجوب، وإما إلى غير غاية ولا دليل عليه، بل ربما يفضي إلى سقوطها إما بموته أو تلف المال فليتضرر الفقير بذلك فيختل المقصود من شرعها؛ ولأنها للفور بطلب الساعي فكذا بطلب الله تعالى كعين مغصوبة، وفي «المغني» و «الشرح الكبير» لو لم يكن الأمر للفور لقلنا به هنا؛ ولأنها عبادة تتكرر فلِمَ تأخيرها إلى دخول وقت مثلها كالصلاة، ويجوز له تأخير زكاة لغيبة المال وغيرها كغصبه وسرته وله تأخيرها لمستحق حاجته أشد ممن هو حاضر وقيده جماعة بالزمن اليسير للحاجة وإلا لم يجز ترك واجب لمندوب وظاهر كلام الجماعة المنع، قال في «المبدع» وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر وله تأخيرها إذا خاف رجوع ساع عليه بها إن أخرجها بلا علمه ومثله إذا خاف على نفسه أو ماله ونحوه؛ لما في ذلك من الضرر وإذا جاز تأخير دين الآدمي لذلك فالزكاة أولى، وله تأخيرها ليدفعها لقريب وجار؛ لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه، ولإمام، وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة كقحط ومجاعة وله تأخيرها لحاجته إليها إلى مَيْسَرة نصًا واحتج بحديث عمر أنهم احتاجوا
стр. 378
عامًا فلم يأخذ منهم الصدقة وأخذها منهم في السنة الأخرى؛ وأما إذا تعذر إخراجها من مال لغيبة أو غيرها فلا يلزمه الإخراج من غيره؛ لأن الأصل إخراج زكاة المال منه وجواز الإخراج من غيره رخصة فلا ينقلب تضييقًا. والله أعلم.
س ٩٧: تكلم بوضوح عمّا إذا غيّب مانع الزكاة ماله أو كتمه؟
ج: أما حكم جاحد الزكاة ومانعها بخلاً فتقدما (في جواب سؤال ٣ وجواب سؤال ٤)؛ وأما إذا غيب ماله أو كتمه من وجبت عليه الزكاة أمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت الزكاة منه من غير زيادة عليها؛ لأن الصديق مع الصحابة لما منعت العرب الزكاة لم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها؛ ولأنه لا يزاد على أخذ الحقوق من الظالم كسائر الحقوق؛ وأما حديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا: «في كل إبل سائمة في كل اربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منه شيء» رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وقال: وشطر ماله، وهو ثابت إلى بهز وقد وثقه الأكثر، فجوابه: أنه كان في بدء الإسلام حيث كانت العقوبات بالمال، ثم نسخ بقوله ﷺ في حديث الصديق: «ومن سُئل فوق ذلك فلا يعطه» ولأن منع الزكاة كان في خلافة الصديق مع توفر الصحابة ولم ينفل عن أحد منهم أخذ زيادة ولا قول به.
س ٩٨: إذا لم يمكن أخذ الزكاة بالتغييب أو غيره فما الحكم؟ وهل يقل مانعها بُخلاً حدًا أو كفرًا؟ وإذا قُتِلَ فهل تؤخذ من تركته؟ وإذا يمكن أخذ الزكاة من مانع إلا بقتال فما الحكم؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف؟
стр. 379
ج: إن لم يكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبًا؛ لأن الزكاة أحد مباني الإسلام فيستتاب تاركها كالصلاة؛ فإن تاب وأخرج كف عنه وإن لم يخرج قتل لاتفاق الصحابة على قتال مانعها وإذا قتل؛ فإنه يُقتل حَدًا لا كفرًا؛ لقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرًا إلا الصلاة» رواه الترمذي، وما ورد من التكفير فيه محمول على جاحد الوجوب أو على التليظ، وإذا قتل أخذت الزكاة من تركته من غير زيادة؛ لأن القتل لا يسقط حق الآدمي فكذا الزكاة، وإن لم يكن أخذ الزكاة من مانعها إلا بقتال وجب على الإمام قاله إن وضعها مواضعها لاتفاق الصحابة مع الصديق على قتال مانعي الزكاة، وقال: «والله لو منعوني عناقًا»، وفي لفظ: «عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها» متفق عليه؛ فإن لم يضعها مواضعها لم يقاتله لإحتمال منعه إياها لاعتقاده ذلك عذرًا، وما إذا قاتل مانع الزكاة تهاونًا وبخلاً، ففي المسألة ثلاثة أقوال الصحيح في المذهب أنه لا يكفر وهو رواية عن الإمام أحمد وعنه يكفر وإن لم يقاتل عليها، وأدلة القول الأول منها حديث ابن شقيق، وتقدم ولأن عمر وغيره امتنعوا ابتداء من قتال مانعي الزكاة ولو اعتقد اكفوهم ما امتنعوا منه، ثم اتفقوا على القتال فيبقى عدم التكفير على اعتقادهم الأول، وما روى الصديِّق ﵁ لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب، قالوا: نؤديها، قال: لا أقبل حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، يحتمل أنه فيمن منعها جحودًا ولحق بأهل الردة منهم فقد كان فيهم طائفة كذلك على أنه لا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة، وفرّق القاضي بين الصلاة وغيرها من العبادات بتعذر النيابة فيها، والمقصود الأعظم دفع حاجة الفقير وهو حاصل بأدائها مع القتال. والله أعلم.
стр. 380
س ٩٩: اذكر ما تستحضره من الصور التي يُقبل فيها قول مَن طولب بدفع الزكاة مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: من طُولبَ بالزكاة فادعى ما يمنع وجوبها من نقصان الحول أو نقص النصاب أو انتقاله في بعض الحول ونحوه كادعائه أداءها أو تجدد ملكه قريبًا أو ادعى أن ما بيده من المال لغَيره أو ادعى أنه منفرد أو مختلط، قيل: قوله لأن الأصل براءة ذمته بلا يمين نصّ عليه؛ لأنها عبادة هو مؤمن عليها فلا يستحلف عليها كالصلاة، نقل حنبل لا يسأل المتصدق عن شيء ولا يبحث إنما يأخذ ما أصابه مجتمعًا وكذا الحكم أن مَرَّ بعاشر وادِّعى أنه عَشَّره آخرُ وإن أقر بقدر زكاته، ولم يخبر بقدر ماله أخذت منه بقوله ولم يكلف إحضار ماله لما مر.
س ١٠٠: من الذي يخرج الزكاة عن الصبي والمجنون، وتكلم عما يشترط لإخراج الزكاة، وما الذي ينوبه دافع الزكاة، وأين محل الأولى للإتيان بالنية ومحل الجواز، وهل تجب نية الفرض؟
ج: قد تقدم أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون (في جواب سؤال ١٠) ويُلزم بإخراج عن مال الصغير والمجنون ولهما في المال نصًّا؛ لأن حق تدخله النيابة فقام الولي فيه مقام مولى عليه كنفقة وغرامة، ويشترط لإخراج نية من مكلف؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال وولي الصبي والسلطان ينويان عند الحاجة، والنية أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه كالصبي والمجنون إلا أن تؤخذ قهرًا فتجزي ظاهرًا من غير نية رب المال فلا يؤمر بها ثانيًا، ويغيب ماله فتؤخذ منه حيث وجد وتجزي بلا نية أو يتعذر وصول إلى مالك بحبس ونحوه فيأخذها الساعي من ماله وتجزي ظاهرًا وباطنًا في المسألة الأخيرة فقط، بخلاف الأوليين قبلها
стр. 381
فتجزي ظاهرًا فقط والأولى قرن نيّة بدفع كصلاة وله تقديمها عليها بزمن يسير كصلاة ولا تجب نية فرض اكتفاء بنية الزكاة؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا.
س ١٠١: هل يجب تعيين مال مُزكيَّ عنه؟ وإذا نوى عن ماله الغائب وإن كان تالفًا فعن الحاضر فما حكم ذلك؟ وإذا وكل رب المال في إخراج زكاته، فهل تجزي نيته، أم لابد من نِيّة الوكيل؟
ج: لا يجب تعيين مال مزكى عنه، فلو نوى عن ماله الغائب وإن كان تالفًا فعن الحاضر أجرأ عن الحاضر إن كان الغائب تالفًا وإن أدى قدر زكاة أحدهما لم يعين جعل الزكاة لأيِّها شاء كتعيينه ابتداء، وإن لم يعين واحدًا منهما أجزأ مُخرج عن أحدهما فيخرج عن الآخر، ولو نوى عن الغائب، فبان الغائب تالفًا لم يصرف المخرج إلى غيره؛ لأن النية لم تتناوله كعتق في كفارة مُعينة فلم تكن وإن نوى الزكاة عن الغائب إن كان سالمًا أجزأ عنه إن كان سالمًا أو نوى عن الغائب إن كان سالمًا وإن لا يكن سالمًا فهي نفل فبان الغائب سالمًا أجزأ عنه؛ لأن ذلك في حكم الإطلاق فلا يضر تقييده به وإن وكل رب مال في إخراج زكاته مسلمًا ثقة أجزأت نية موكل مع قرب زمن إخراج من زمن توكل؛ لأن الفرض متعلق بالموكل وتأخر الأداء عن النية بزمن يسير جائز وألا يقرب زمن إخراج من زمن توكيل نوى وكيل أيضًا لئلا يخلو الدفع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة فينوي موكل عند التوكيل ووكيل عند الدفع لمستحق.
والقول الثاني:
أنه إذا نوى المتصدق الزكاة ودفعها للوكيل ثم دفعها الوكيل للمُعطي أن ذلك يجزي ولو أن الوكيل لم يَنْو أنها زكاة وسواء تأخر دفعها عن نية الموكل أو قارنها: وهذا القول عندي أنه
стр. 382
أرجح؛ لأن المتصدق حصلت منه النية ولا أرى أنه يضر عدم نية الوكيل. والله أعلم.
ولو دفع رب المال إلى بيت المال أو الساعي ناويًا أجزأ وإن لم ينو إمام أو ساع حال دفع لفقير؛ لأنه وكيل الفقراء، ومن علم أهلية آخذ زكاة كره أن يعلمه أنها زكاة.
س ١٠٢: هل الأولى الإسرار بالصدقة، أو الإظهار، وضح ذلك مع ذكر الدليل، واذكر ما في ذلك من خلاف؟
ج: يُسن لمخرج زكاة إظهارها لتنتفي التهمة عنه ويُقتدى به، والقول الثاني: أن الإسرار بالصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء به فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله ﷺ : «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، والأصل أن الإسرار أفضل (الآية سورة البقرة ٢٧١)؛ ولما ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، وفي الحديث الآخر: «صدقة السر تطفئ غضب الرب»، وفي الحديث الآخر: «لما خلق الأرض جعلت تميد فخلق الله الجبال فألقاها عليها فاستقرت» إلى أن قال: «نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله»، وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» رواه أحمد.
стр. 383
س ١٠٣: ما حكم دفع الزكاة إلى الإمام أو إلى الساعي؟ وهل يبرأ بذلك؟
ج: له دفعها إلى الإمام وإلى الساعي ويبرأ بذلك، وقيل: يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها وفاقًا للأئمة الثلاثة، قال في «شرح المنتهى» قال في الشرح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز سواء كان عدلاً أو غير عدل وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفع إليه سواء تلفت في يد الإمام أو لا صرفها في مصارفها أو لم يصرفها. انتهى.
وعن أنس أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : «إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله، قال: «نعم، إذا أديت إليّ فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها وإثمها على من بدلها»» مختصرًا لأحمد، وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها» قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه.
وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم، فقال: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» رواه مسلم والترمذي، وصححه.
وعن بشير بن الخصاصة قال: قلنا: يا رسول الله، إن قومًا من أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا، فقال: «لا» رواه أبو داود، وقال أحمد: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم، وقال سهل بن أبي صالح: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مالٌ وأريد أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى، قال: ادفعها إليها، فأتيت
стр. 384
ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد ﵃ فقالوا: مثل ذلك، وبه قال الشعبي والأوزاعي. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ١٠٤: ما المسنون أن يقوله الآخذ عند الأخذ والدافع عند الدفع؟ وما الدليل على ذلك؟
ج: يستحب أن يقوله المُعطي عند دفعه الزكاة: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا» أخرجه ابن ماجه، ويقول: آخذ الزكاة آجرك فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طَهُورًا.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم: «قال اللهم صل على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» متفق عليه.
وعن جابر بن عنيك عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: «سيأتيكم ركب مُبغَضُون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها وأرضوهم؛ فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم» رواه أبو داود.
س ١٠٥: بين حكم نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح؟
ج: الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده ما لم تتشقص زكاة سائمة كأربعين ببلدين متقاربين فيخرج في بلد واحد شاة في أي البلدين شاء دفعًا لضرر الشركة.
стр. 385
وأما نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فقيل: يحرم مع وجود مستحق سواءٌ كان لرحم أو شدة حاجة؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فذكر الحديث، وفيه: «أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ ، فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلامًا يتيمًا فأعطاني منها قلوصًا. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع، قيل له: أين المال؟ قال: ولمال أرسلتني، أخذنا من حيثُ كنَّا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناه من حيث كنا نضعه. رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن طاووس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف؛ فإن صدقته وعشرة في مخلاف عشيرته. رواه الأثرم في «سننه».
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أُتي بها من خراسان إلى الشام إلى خراسان؛ فإن خالف وفعل بأن نقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه الصلاة أجزأ المنقول للعمومات؛ ولأنه دفع الحق إلى مستحقه فبرئ كالدين، وقيل: تنفل لمصلحة راجحة كقريب محتاج ونحوه لما علم بالضرورة من «أن النبي ﷺ كان يستدعي الصدقات من الأعراق إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار» أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقات، فقال ﵊: «لولا أنها تعطي فقراء المهاجرين ما أخذتها».
وروي عن الحسن والنخعي أنها كرهًا نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قَرَابة، وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة، واختار هذا القول الشيخ
стр. 386
تقي الدين، وقال: تحديد المنع بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي، وجعل محل ذلك الأقاليم فلا تنقل من إقليم إلى إقليم. انتهى.
والذي يترجح عندي القول الثاني: أنه يجوز نقلها ولو لمسافة قصر إذا كان لمصلحة راجحة كرحم وشدة حاجة ونحو ذلك، قلت: وفي وقتنا هذا من أراد الأخذ بالقول الأول، فعليه أن يسأل عن فقراء البلدان الأخرى وإنما جاءوا في الوقت الذي يقصده بعض الناس لإخراج الزكاة كشهر رمضان، ثم يرجعون إلى بلدانهم كما هو مشاهد الآن في زمننا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ١٠٦: بيَّن على من تجب مؤنة دفع الزكاة؟ وإذا كان المال الذي وجبت فيه الزكاة ببادية أو خلا بلدهُ عن مستحق لها فأين محل تفريقها؟ ومتى بعث السعاة وأين محل استحباب عدّ الماشية؟ وإذا وجدَ ما لم يحلَّ حوله فمَا الحكم؟ وأين يُفرق الساعي ما قبضه؟ وهل له أن يبيع ما قبضه لمصلحة؟ وهل يقبل قول صاحبها في عددها؟
ج: تجب مؤنة نقل زكاة ودفع على من وجبت عليه كمؤنة كيل ووزن؛ لأنه عليه مؤنة تسليمها لمستحقها كالمة، وذلك من تمام التوفية ومسافر بالمال الزكوي يفرق زكاته ببلد أكثر إقامته فيه لتعلق الأطماع به غالبًا، ومن ببادية وعليه زكاة فرقها بأقرب بلد منه، وكذا من بلده من مستحق للزكاة يستغرقها يفرقها أو ما بقي منها بأقرب مكان منه لأنهم أولى ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر، وهو السائمة والزرع والثمر لفعله ﵊ وخلفائه، ومن الناس من لا يزكي ولا يعلم ما عليه فإهمال ذلك إضاعة للزكاة ويستحب أن يعدّ عليهم الماشية على الماء؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» رواه أحمد، وفي رواية لأحمد وأبي داود: ولا حلب ولا جنَبَ ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في
стр. 387
ديارهم، ويقبل قول صاحبها في عددها بلا يمين وإن وجد ما لم يحل حوله؛ فإن عجل ربه زكاته وإلا وكّل ثقة يقضيها ثم يصرفها وله جعله لرب المال إن كان ثقة لحصول الغرض به، وما قبضه الساعي فرقه في مكانه وما قاربه، ويبدأ بأقارب مُزَكّ لا تلزمه مؤنَتَهم؛ فإن فضل شيء حمله وإلا فلا، وله بيع سائمة وغيرها مِن زكاة لحاجة أو مَصْلحَة وصرفها في الأحظ للفقراء، أو حاجتهم حتى أجرة مسكن، ويضمَن ما أخَّرَ قسمه بلا عذر إن تلف بتفريطه.
س ١٠٧: أين محل واسم ما حصل من بهيمة الأنعام؟ وما الذي يكتب على زكاة؟ وما الذي يكتب على جزية؟
ج: ويُسن للإمام وسم ما حصل عنده من زكاة أو جزية من إبل أو بقر في أفخاذها؛ لحديث أنس، قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحكنه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة، متفق عليه. ويُسن له وسم ما حصل من غنم في آذانها لخبر أحمد وابن ماجه: دخلت على النبي ﷺ وهو يَسِمُ غنمًا في آذانها، وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لعُمَرَ إنَّ في الظهر ناقة عمياء، فقال: أمِن نِعيم الصدقة أو مِن نعَمِ الجزية، قال: أسلمُ من نِعَمِ الجزية، وقال: إن عليها ميْسم الجزية، رواه الشافعي، والوسم على زكاة «لله» أو «زكاة» والوسم على جزية «صغار» أو «جزية».
стр. 388
من النظم ما يتعلق بإخراج الزكاة
ومَن كان حُرًا مسلمًا حال حوله … على المال مقدار النِّصَابِ المحدّدِ
فمره بإخراج الزكاة بفوره … إذا أمن الساعي وليس بمرصدِ
ويأثم بالتأخير مع يسر بذلا … وكَفِّرْ مُصِرًا بعدَ تعريفِ جُحَّدِ
وخذهَا وتَوَّبْه ثلاثًا فإن أبى … فبادِرْ إلى قتل الكفور المخلد
ومع مانع بخلاً خُذَنْهَا مُعَزِّزًا … فإنْ يَأبَ قاتِله ليعطي بأوكد
وقالَ أبو بكر ومع شطر ماله … فإن يتعَذر فاستتب ثمت اقصد
إلى قتله حَدًّا وعنه مكفرًا … ومن ماله خذها بغير تأود
ويقبل قول المدعي فقَد شرطها … بغير يمين منه في المتوطدِ
ويخرج عن مال الصغير وليه … وعن مال مجنون وليُّ لِيَمْددِ
وتفريقها بالنفس أولى وعنه ما … خفي وإلى الساعي إن دفعت تسددِ
стр. 389
وقال أبو الخطّاب رفعُنكَهَا إلى … إمام أحي عدل أبرّ فأوردِ
ولا يجزئ الإخراج إلا بنيَّة … تقارنه أو قبله بمزهدِ
وقد قيل يجزي أخذها منه كارهًا … وليس بمجز باطنًا في المجوّد
وليس بشرط أن تعين منصبًا … ولكن قصد الفرض شَرْطُكَ فافصدِ
ويجزئ أن تنوي مقارب دفعها … إلى مستحق أو وَكِيلِ محمدِ
وقد قيل لا يجزي إذا بعد الأذى … عن الدفع منه للفَقِير المرصدِ
وفي كل حال يبرئ الدفع مطلقًا … لسَاع عليهَا أو إمام مقَلَّدِ
وسل عند دفع جَعْلها لكَ مَغْنمًا … ولا تجْعَلنْها مَغْرمًا قُل تسددِ
ولا تُبَكت المسكِينَ في وقتِ بَذْلِهَا … بقَولك خُذْ هَذَا زكاة يَكمدِ
وبَرَّكْ على معطيكها عند أخذهَا … وَسَلْ أجْرِهِ معَ طهرة الذنب تَقْتَدِي
ويَشرع للساعِين كتْبُ برَاءةٍ … لأرْباب أموال بأخذِ المُعَدّدِ
стр. 390
وليس بمُجْز نقْلهَا عَن محَلِّهَا … إلى الفُقَرَاء في بُعْدِ قَصْرٍ بأوكدِ
وَفي ثالِث جَوِّز إلى الثغْر نقلهَا … وَأدْنى فَأدْنى اصْرِفْ لفقدَانٍ مجتَدِ
وَيُصْرَفُ فرضُ المال حَيْثُ وجوبه … وَفِطْرَة كُلَّ في مكانِ المُعَيَّدِ
ومَيَّز بوَسم من زكاتِكَ جِزْيَة … بفَخْذَ بَعير وأذنِ شَاتِك ترشدِ
س ١٠٨: ما حكم تعجيل الزكاة؟ وإذا تم الحول والنصاب ناقص قدر ما عجله فما حكم ذلك؟ واذكر ما تستحضره من الاحترازات والأدلة والتعديلات ومثل لا يتَّضح إلا بذلك؟ وفصّل ما يحتاج إلى التفصيل؟
ج: يجوز تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا كمل النصاب والأفضل تركه والدليل على جواز التعجيل ما ورد عن علي ﵇ إن العباس ابن عبد المطلب سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخصَ له في ذلك، رواه الخمسة إلا النسائي.
وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس، فقال رسول الله ﷺ :
«ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله تعالى؛ وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله؛ وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها»، ثم قال: «يا عمر، أما علمت أن عمّ الرجل صنو أبيه؟» رواه مسلم.
وأما كونه يجوز بعد كمال النصاب فلأنه سببها فلا يجوز تقديمها كالكفارة على الحلف.
قال في «المغني»: بغير خلاف نعلمه ولا يجوز تعجيلها عما يستفيده النصاب نصًا؛ لأنه لم يوجد فقد عجل زكاة عما ليس في ملكه، ولا يجوز
следующие страницы →