Полный текст (2 854 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أقل ما فيه الوضوء، ولا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة؛ ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يداه على فرج الميت، فكان مظنة ذلك قائمًا مقام حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحدث.
وقال أبو الحسن التميمي: لا وضوء فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نص ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على الأصل؛ ولأنه غسل ميت فأشبه غسل الحي، وما روى عن أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب، فإن كلامه يقتضي في نفي الوجوب، فإنه ترك العمل بالحديث المروي عن النبي ﷺ «من غسل ميتًا فليغتسل»، وعلل ذلك بأن الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة، وإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة مع احتمال أن يكون من قول النبي ﷺ ، فلأن لا يوجب الوضوء بقوله مع عدم ذلك الاحتمال أولى وأحرى. انتهى من «المغني». والله أعلم.
س ٧٦: إذا تيقن متطهر الطهارة وشك في الحدث أو تيقن أنه محدث وشك في الطهارة فما الحكم؟ وما الدليل عليه؟
ج: ينبني على يقنيه وهو الطهارة في المسألة الأولى، والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال: شكى إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» رواه مسلم والترمذي.
وإن تيقن الحدث والطهارة وجهل أسبقهما؛ فإن جهل حاله قبلهما تطهر، وإن علم حاله قبلهما فهو على ضدها؛ فإن كان متطهرًا فمحدث وإن كان محدثًا فمتطهر؛ لأنه قد تيقن زوال تلك الحال إلى ضدها، والأصل بقاؤه، لأن ما يغير مشكوك فلا يلتفت
стр. 37
إليه. ومن هذا الحديث أخذت قاعدة: اليقين لا يزول بالشك.
قال الناظم:
فموقن طهر ثم شك وعكسه … على الأصل يبقى نابذًا للتردد
فإن شك في سبق فطورًا كعكس ما … يرى قبل أو مثلاً له الآن مهد
لإيقان فعل قد أزال طهارة … وبالعكس أو حاليهما في الذي ابتد
١٤ - موجبات الغسل
س ٧٧: ما هو الغسل؟ وما الأصل في مشروعيته؟ وما موجباته؟
ج: أصله: تعميم البدن بالغسل، وفي الشرع: استعمال ماء طهورًا في جميع بدنه على وجه مخصوص، والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وموجباته: أحدها: خروج المني دفقًا بلذة من غير نائم، لما ورد عن علي ﵁: كنتُ رجلاً مزاء، فسألتُ رسول الله ﷺ ، فقال: «في المذي الوضوء، وفي المني الغسل» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، ولأحمد فقال: «إذا حذفت الماء فاغتسل من الجنابة؛ فإن لم تكن حاذفًا فلا تغتسل».
وعن أم سلمة أن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتملت؟
قال: «نعم إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداك فبما يشبهها ولدها» متفق عليه.
ومن موجباته: التقاء الختانين، لما ورد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» متفق عليه ولمسلم وأحمد «وإن لم ينزل»، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل»، وعن عائشة: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع ثم يكسل، وعائشة جالسة، فقال:
стр. 38
رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» رواه مسلم.
قال الناظم يتعلق بالتقاء الختانين ستة عشر حكمًا، فقال:
وتقضي ملاقاة الختان بعده … وحد وغسل مع ثيوبة نهد
وتقرير مهر واستباحة أول … وإلحاق أنساب وإحصان معتد
وفيئة مول مع زوال لعنة … وتقرير تكفير الظهار فعدد
وإفسادها كفارة في ظهارة … وكون الإما صارت فراشًا لسيد
وتحريم أصهار وقطع تتابع الصيام … وحنث الحالف المتشدد
ومن موجباته: إسلام الكافر، لما ورد عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر - رواه الخمسة إلا ابن ماجه. وعن أبي هريرة ﵁ أن ثمامة بن أُثال أسلم، فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل» رواه أحمد.
ومن موجباته: خروج دم الحيض لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآية، ولما ورد عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ ، فقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري، وعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني أشد شعر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة، قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات» رواه مسلم.
ومن موجبات الغسل: خروج دم النفاس لما ورد عن أبي هريرة وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : «وتنتظر النفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك؛ فإن بلغت أربعين يومًا ولم تر الطهر فلتغسل» رواه ابن عدي.
وقال الترمذي في «سننه»:
وقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون ومن بعدهم على
стр. 39
أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى لطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي.
ومن موجباته: موت غير شهيد معركة، لما ورد في حديث أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر»، وحديث ابن عباس في الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين» متفق عليه.
س ٧٨: هل على من احتلم ولم يجد بللاً غسل؟ اذكر الحكم والدليل.
ج: ليس عليه غسل، لحديث عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلامًا، فقال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجدُ البَلَلَ، فقال: «لا غسل عليه»، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك عليها الغسل؟ قال: «نعم، إنما النساء شقائق الرجال» رواه الخمسة إلا النسائي، ولحديث خولة بنت حكيم أنها سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال: «ليس عليها حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه حتى ينزل» رواه أحمد والنسائي مختصرًا ولفظة: أنها سألت النبي ﷺ عن المرأة تحتلم في منامها، فقال: «إذا رأت الماء فلتغتسل».
١٥ - صفة الغسل الكامل وصفة المجزي
س ٧٩: ما صفة الغسل الكامل؟ وما صفة الغسل المجزي؟
ج: صفته أن ينوي، ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثًا وما لوثه، ويتوضأ وضوءًا كاملاً، ويروي رأسه ثلاثًا، ثم يغسل بقية جسده ويتيامن ويدلكه، ويغسل قدميه مكانًا آخر، فهذا الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والسنن وصفة الغسل المجزي: أن ينوي، ثم يسمي ويعم بدنه بالغسل مرة.
س ٨٠: اذكر دليل كل من الغسل الكامل والمجزي.
стр. 40
ج: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده» متفق عليه.
وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ أنها قالت: «وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده» متفق عليه؛ وأما دليل الغسل المجزي، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
١٦ - شروط الغسل وفرضه
س ٨١: اذكر ما تستحضره من شروط الغسل وفرضه؟
ج: يشترط أولاً: النية لحديث «إنما الأعمال بالنيات» الحديث، وتقدم. ثانيًا: الإسلام. ثالثًا: العقل. رابعًا: التمييز. خامسًا: الماء الطهور المباح. سادسًا: إزالة ما يمنع وصوله البشرة، وواجبه: التسمية، وتسقط سهوًا وجهلاً، وتقدم نحوه في الوضوء، وفرضه: تعميم البدن.
س ٨٢: ما حكم إيصال الماء في الغسل إلى باطن الشعور؟
ج: يجب في الغسل من الحدث الأكبر لما ورد عن علي ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا»
قال علي: فمن ثم عاديت شعري، رواه أحمد وأبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن تحت كل شعره جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا
стр. 41
البشرة» رواه أبو داود والترمذي وضعفاه.
وفي «الصحيحين» عن عائشة: «ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده» متفق عليه.
س ٨٣: إذا نوى من عليه حدثان أكبر وأصغر رفع الحدث أو أطلق أو نوى رفع الحدثين أو أمر لا يباح إلا بوضوء أو غسل فاغتسل ناويًا ذلك، فما الحكم؟
ج: يجزؤه لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فجعل الغسل في الآية الأولى غاية للمنع من الصلاة، فإذا اغتسل وجب أن لا يمنع منها؛ ولأنهما عبادتان من جنس، فدخلت الصغرى في الكبرى كالعمرة في الحج إذا كان قارنًا، قال ابن عبد البر: «المغسل إذا عم بدنه ولم يتوضأ فقد أدى ما عليه؛ لأن الله تعالى افترض عليه الغسل، وهذا إجماع لا خلاف فيه، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبله تأسيًا به ﷺ ».
قال «مختصر النظم»:
وفي طهرك الأحداث تقديم نية … على أول المفروض أوجب وأكد
وإحضارها بالذكر في الكل سُّنة … وندب على المندوب تقديمها اشهد
ويكفيه الاستصحاب حكمًا وقصده … بقلب لرفع الحادث المتجدد
أو الطهر ينوي فعل ما الطهر شرطهُ … وما قطعها والشك بعد بمفسد
ومن ينوي طهرًا مستحبًا وقد نسى … إذًا حدثًا أجزاه عن حدث زد
وإن تنوي من أحداثك الفرد أجزأت … لرفعك أحدثًا ذوات تعدد
وإن تنوي مع غسل وضوءًا تحصلا … وما ترك ترتيب بذلك مفسد
ولا بأس بالإسعاد حالة طهره … ولا يكره التنشيف في المذهب امهد
وعند الفراغ اسم بطرفك شاهدًا … تلاقي غدًا باب الرضا غير موصد
س ٨٤: تكلم عن حكم الوضوء في حق من عليه جنابة إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب، وحكم الوضوء في حق من أراد معاودة الوطء؟
стр. 42
ج: يسن الوضوء لمن أراد ذلك؛ أما الدليل على استحبابه في حق مريد النوم إذا كان جنبًا، فهو ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة»، وعن ابن عمر قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضأ» رواهما الجماعة؛ وأما الدليل على استحبابه في حق الجنب إذا أراد الأكل أو الشرب، فهو ما ورد لأحمد ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ»، وعن عمار بن ياسر: «أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة» رواه أحمد والترمذي وصححه؛ وأما الدليل على استحبابه في حق من أراد معاودة الوطء، فهو ما ورد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» رواه الجماعة إلا البخاري.
١٧ - الإسراف في الغسل والوضوء
س ٨٥: بين حكم الإسراف والغسل والوضوء مقرونًا بالدليل.
ج: مكروه، لما ورد عن عبد الله بن عمر: أن البني ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار» رواه ابن ماجه. وعن أبي ابن كعب: أن النبي ﷺ قال: «للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» رواه الترمذي في «جامعه». وفي «سنن الأثرم» من حديث سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: «يجزي من الوضوء المد، ومن الغسل من الجنابة الصاع» قال رجل: ما يكفيني، فغضب جابر حتى تربد وجهه، ثم قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرًا.
стр. 43
قال القحطاني:
واحذر وضوءك مُفِرطًا ومفَرطًا … فكلاهما في العلم محذوران
فقليل مالك في وضوئك خدعة … التعُودَ صحته إلى البطلان
وكثير مائك في وضوئك بدعة … يدعو إلى الوسواس والهملان
لا تكثرن ولا تقلل واقتصد … فالقصد والتوفيق مصطحبان
س ٨٦: ما حكم لبث الحائض والنفساء بعد انقطاع دمهما في المسجد؟ وما حكم لبث الجنب في المسجد؟ واذكر ما تستحضره من خلاف ودليل أو تعليل.
ج: قيل: إنه يحرم مطلقًا توضؤوا أو لم يتوضؤوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الآية.
وعن عائشة قالت: جاءنا رسول الله ﷺ ووجوه بيوت الله أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد»، ثم دخل رسول الله ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود، وعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: «إن المسجد لا يحل لحائض ولا جنب» رواه ابن ماجه.
والقول الثاني: وهو أرجح، أنه يجوز لهم المكث بعد الوضوء، لما ورد عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة. ثانيًا: ما ورد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدث، وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون جماعًا فيختص به العموم؛ ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث فأشبه التيمم عند عدم الماء،
стр. 44
ودليل خفته أمر النبي ﷺ الجنب به إذا أراد النوم، واستحبابه لمن أراد الأكل أو الشرب أو معاودة الوطء.
وللجنب الأولى تجنب مسجد … وقبل وضوء حرم اللبث واصدد
سوى خائف أو ملجأ عن ظهره … وكالجنب أنثى بعد قطع الدم اعدد
ويشرع غسل الفرج ثم وضوءه … لعودة وطء أو لأكل ومرقد
١٨ - باب التيمم
س ٨٧: ما معنى التيمم لغةً وشرعًا؟ وبأي شيء ثبت؟
ج: هو في اللغة: القصد، قال امرؤ القيس:
تيممت من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عالي
تيممت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الظل عرمضها طامي
وفي الشرع: القصد إلى صعيد طيب لمسح الوجه واليدين منه، وهو بدل طهارة الماء، وهو ثابت بالكتاب والسُّنة والإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة.
س ٨٨: ما هو الدليل على ذلك من الكتاب والسُّنة؟
ج: قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ وعن عمار بن ياسر، قال: بعثني النبي ﷺ في حاجة فأجنبت فتمرغت بالصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» متفق عليه، واللفظ لمسلم. وعن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله ﷺ فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: «ما منعك أن تصلي؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك» متفق عليه.
وأجمعت الأمة على جوازه في الجملة، وأما كونه من خصائص هذه الأمة، فلما ورد عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله
стр. 45
عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» رواه مسلم.
س ٨٩: ماذا يعمل من أدركته الصلاة وعدم الماء؟ أو عجز عن استعماله؟ أو خاف الضرر باستعماله؟
ج: يتيمم، أما من عدم الماء فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ وحديث عمار بن ياسر، وحديث عمران بن حصين وتقدما قبل هذا السؤال والجواب.
وأما الدليل عليه عند العجز من مرض أو منع أو لخوف الضرر باستعماله، فحديث جابر المتقدم في باب المسح على الخفين، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فقلت: ذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئًا، رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وأخرجه البخاري تعليقًا.
س ٩٠: ما الذي يستباح بالتيمم؟
ج: كل ما يستباح بالوضوء والغسل عند عدم الماء أو خوف الضرر باستعماله أو بالعجز عن استعماله للأدلة المتقدمة، ولما ورد عن أبي ذر قال: اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ﷺ بإبل، فكنت فيها فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: هلك أبو ذر، قال: «مالك؟» قال: كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء، فقال: «إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين» رواه أحمد وأبو داود والأثرم وهذا لفظه وتقدم قوله: «فلم تجدوا ماء». وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصعيد
стр. 46
وضوء المسلم وإن لم يجد ماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته» رواه البزار وصححه ابن القطان، ولكن صوب الدارقطني إرساله.
س ٩١: بين حكم الصلاة عند عدم الماء والتراب وعند عدم التمكن من استعمالها.
ج: حكم الصلاة صحيحة، لما روت عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالاً في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معه ماء فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا رسول الله ﷺ شكوا ذلك إليه، فأنزل الله آية التيمم، رواه الجماعة إلا الترمذي، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك ولا أمرهم بالإعادة، فدل على أنها غير واجبة؛ ولأن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة بعدمه كالسترة؛ ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
قال في «مختصر النظم»:
وصل لفقد الترب والماء ولا تعد … على المذهب المختار في الكل فاهتد
١٩ - صفةُ التيمم
س ٩٢: ما صفة التيمم؟
ج: صفته: أن ينوي ثم يسمي ويضرب الصعيد بيديه، ثم يمسح بها وجهه وكفيه، لما ورد عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال: «في التيمم ضربة للوجه واليدين» رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: «أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين» روا الترمذي وصححه وتقدم أدلة النية والتسمية في الوضوء والتيمم بدل عنه.
س ٩٣: ماذا يعمل من وجد ماء يكفي بعض طهره؟ وما حكم صلاة من صلى بالتيمم في أول الوقت، ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة والوقت باق لم يخرج؟
ج: أما الأول فيستعمل الماء ويتيمم، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه
стр. 47
ما استطعتم»؛ وأما الثاني فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه، لما ورد عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما للوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» رواه أبو داود والنسائي وقد روياه أيضًا عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ .
س ٩٤: بين ما الذي يبطل به التيمم؟ واذكر ما تستحضره من خلاف؟
ج: يبطل بمبطل ما تيمم له من الطهارتين، فيبطل عن وضوء بما يبطل الوضوء، وع نغسل بما ينقضه من موجبات الغسل، ويبطل بوجود الماء لعادمه قبل الصلاة؛ وأما في الصلاة، فقيل: يبطل تيممه، وتبطل صلاته لبطلان طهارته، فيتوضأ إن كان محدثًا ويغتسل إن كان جنبًا، ويستقبل الصلاة، لما ورد عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» رواه أحمد والترمذي وصححه، فدل بمفهومه على أنه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، ودل بمنطوقه على وجوب إمسامسه جلده عند وجوده؛ ولأنه قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، وقيل: لا تبطل الصلاة، واحتج القائلون بذلك بأنه وجد المبدل بعد تلبسه بمقصود على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وقال أهل القول الأول: ولا يصح قياسهم؛ فإن الصيام هو البول نفسه، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه، ثم الفرق بينهما أن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه، لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف مسألتنا وقولهم: إنه غير قادر غير صحيح؛ فإن الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية، وقولهم: إنه منهي عن إبطال
стр. 48
الصلاة قلنا: لا يحتاج إلى إبطال الصلاة، بل هي تبطل بزوال الطهارة كما في نظائرها انتهى. وبما يبطل التيمم بزوال عذر مبيح للتيمم كما لو تيمم لمرض فعوفي، أو لبرد فزال، أو جرح تيمم له؛ لأنه ضرورة، فيزول بزوالها.
تنبيه: وفي مسح يد يجب نزع خاتم ليصل التراب إلى محله من اليد ولا يكفي تحريكه بخلاف الماء لقوة سريانه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وقال الناظم:
ويبطله ما يبطل الماء مطلقًا … ورؤية ماء ممكن الأخذ باليد
ولا تعد إن صليت ثم وجدته … وإن كنت فيها الغيت في المجود
٢٠ - باب إزالة النجاسة
س ٩٥: ما هي النجاسة؟ وما أقسامها؟ اذكرها بوضوح.
ج: النجاسة تنقسم إلى قسمين: بالنسبة إلى عينية وحكمية: أما العينية فهي: ما يستقذره ذو الطبع السليم، وعرفًا: كل عين حرم تناولها لذاتها مع إمكانه لا لحرمتها ولا استقذارها ولا لضرر بها في بدن أو عقل ولا تطهر بحال، والقسم الثاني: النجاسة الحكمية: وهي الطارئة على محل طاهر وأقسامها ثلاثة: ثقيلة، ومتوسطة، وخفيفة.
س ٩٦: ما مثال النجاسة الثقيلة؟ وما صفة تطهيرها؟ وما دليلها؟
ج: نجاسة الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، وصفة تطهيرها أن يغسل سبع غسلات منقبة إحداها بتراب:
فغسل أذى الخنزير والكلب واجب … إلى السبع في الأول وترب بمفرد
وكالترب أشنان وقيل لفقده … وقيل لما أن حلة الترب يفسد
وأما الدليل: فهو ما ورد عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» متفق عليه، ولمسلم: «فليرقه ثم ليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» وإذا ثبت هذا في الكلب، فالخنزير شر منه لنص الشارع على تحريمه وجرمة اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه،
стр. 49
وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه.
س ٩٧: ما مثال النجاسة المتوسطة؟ وما صفة تطهيرها؟ وما الدليل على ذلك؟
ج: مثالها: البول من غير الغلام الذي لم يأكل الطعام بشهوة، وكدم الحيض، وكل ما عدا الثقيلة والخفيفة، فهو من المتوسطة، وصفة تطهيرها، أن يغسل ما تنجس حتى يجزم بزوالها ولا يضر بقاء لون أو ريح أو هما عجزا، عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن النبي ﷺ قال: «في دم الحيض يصيب الثوب تحته ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه بالماء ثم تصلي فيه» متفق عليه.
وعن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره» رواه أحمد وأبو داود.
س ٩٨: إذا خفى موضع نجاسة فما الحكم؟
ج: يغسل الثوب أو البدن حتى يتيقن غسلها، ليخرج من العهدة بيقين، وإن خفيت في صحراء واسعة ونحوها يصلي فيها بلا غسل ولا تحر.
قال الناظم:
وإن يخف تنجيس المعين فاعتمد … من الغسل ما يأتي عليه بأزيد
س ٩٩: ما صفة تطهير مثل الفرش الكبار؟ وهل العصر في الغسل للنجاسة معتبر بعد إزالة غير النجاسة؟
ج: أما العصر، فهو معتبر مع الإمكان، ليحصل انفصال الماء عن المحل المتنجس، وإن لم يكن كالزل والبسط الكبار ونحوها مما لا يمكن عصره فبدقها أو دوسها أو تقليبها أو تثقيلها.
قال الناظم:
ونح عن الأجسام عين نجاسة … ومن بعد هذا ابتع الماء ترشد
مع العصران وأتى وإلا بدقة … أو العرك أو تجفيف أو قلب اغتدى
стр. 50
على حسب الإمكان في كل غسلة … ويكفي مرور الماء على الأرض فافتدى
وإن شق قلع اللون أو صرف ريحها … بغسل ليعفى عنهما لا تشدد
س ١٠٠: ما مثال النجاسة الخفيفة؟ وما صفة تطهيرها؟ وما الدليل على ذلك؟
ج: مثالها: بول الغلام الرضيع الذي لم يأكل الطعام بشهوة، وصفة تطهيرها غمرها بالماء؛ لحديث أم قيس بنت محصن: «أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله» رواه الجماعة.
وفي حديث أبي السمح أنه ﷺ قال: «يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي حديث أم الفضل أنه ﷺ قال: «ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وفي حديث علي أنه ﷺ قال: «بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل» قال قتادة: وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلاً جميعًا. رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن. قال الناظم ﵀:
وبول الغلام انضحه ما لم يغذه … طعام وبول الطفلة اغسله واعدد
س ١٠١: بأي شيء تطهر الأرض ونحوها إذا تنجست بمائع أو بما له جرم وأزيل؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل.
ج: يجزى في تطهير أرض وصخر وأجرنة وأحواض تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير وما تولد منهما مكاثرتها بالماء حتى يذهب لونها أو ريحها إن لم يعجز، لما ورد عن أنس بن مالك قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي فقام يبول، فقال أصحاب
стр. 51
رسول الله ﷺ : مه مه، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه» فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، ثم قال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه» متفق عليه؛ لكن ليس للبخاري فيه أن هذه المساجد إلى تمام الأمر بتنزيهما.
س ١٠٢: بأي شيء يطهر الخف والنعل إذا وطئ بهما الأذى؟ واذكر دليل الحكم.
ج: يطهر بدلكه، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب»، وفي لفظ: «فإن التراب له طهور» رواهما أبو داود، وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى أو قذرًا فليمسحه وليصل فيهما» أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة. قال بعضهم:
إذا وطئ الإنسان في نعله الأذى … أو الخف يدلك بالتراب ويطهر
س ١٠٣: إلى كم تنقسم الميتة بالنسبة إلى الطهارة والنجاسة؟
ج: إلى قسمين: طاهرة، وهي ميتة الآدمي والسمك والجراد وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر.
والقسم الثاني:
نجسة، وهي ما عدا الطاهرة.
س ١٠٤: ما الدليل على طهارة ميتة الآدمي من الكتاب والسُّنة؟
ج: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ عن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل،
стр. 52
ثم جاء فقال: كنت جنبًا، فقال: «إن المسلم لا ينجس» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
وروى الجماعة كلهم نحوه من حديث أبي هريرة، قال البخاري، وقال ابن عباس: «المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا».
قال صاحب «النظم»:
وتطهير ميت الناس أولى وعضوه … عن أحمد التطهير يختص من هدى
س ١٠٥: ما الدليل على طهارة ميتة السمك والجراد؟ وضح ذلك.
ج: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ﴾، وقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة، واللفظ له وابن خزيمة. ورواه مالك والشافعي وأحمد، ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أحل لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالطحال والكبد» أخرجه أحمد وابن ماجه، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد» متفق عليه.
وعن جابر قال: غزونا جيش الخبط، وأميرنا أبو عبيدة، فجُعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه، فمر الراكب تحته، فلما قدمنا ذكرنا للنبي ﷺ ، فقال: «كلوا رزقًا أخرجه الله إليكم وأطعمونا إن كان معكم»، قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. متفق عليه.
س ١٠٦: ما الدليل على طهارة ما لا نفس له سائلة؟
ج: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقع الذباب في شرب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» أخرجه البخاري وأبو داود، وزاد: «وإنه يتقى بجناحه
стр. 53
الذي فيه الداء» فهذا نص في الذباب، ثم عدى هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالزنبور والنحلة والعنكبوت ونحوها مما لا دم له سائل، إذ الحكم يعم بعموم علته وينتفي بانتفاء سببه.
س ١٠٧: ما حكم سؤر الهرة وما دونها؟ وما كان مثلها في الخلقة؟ واذكر دليل الحكم.
ج: حكم سؤر هذه طاهر، لما ورد عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: «إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم» أخرجه الأربعة وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وعن عائشة عن النبي ﷺ «أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها» رواه الدارقطني، وأما ما كان مثلها أو دونها فيؤخذ حكمه من التعليل للحكم.،
قال في «مختصر النظم»:
وما لا دم فيه يسيل فطاهر … ولو مات إن طهرته حيًا اهتد
وللبلغم احكم مع رطوبة فرجها … وأبوال مأكول بطهر مؤبد
وسؤر لسنور وما دون خلقها … كعرس وفأر للأراضي مخدد
ولا ريب في تنجيس مائع مسكر … وما من نجاسات تولد فاشهد
وما العفو في الأطفال عما يلامسوا … بأيديهم مع قيئهم بمبعد
وكمبهم طين في الشوارع طاهر … وإلا فنزر منه عفو بأجود
وما قيل يعفني عنه فالعفو يا فتى … يخص بتصحيح الصلاة فقيد
س ١٠٨: ما حكم اللبن، والعرق، واللعاب، والبول، والروث، والمني، والودي، والبيض، والسور، والمخاط، والدمع، والمذي من مأكول اللحم؟
ج: ما أكل لحمه ولم يكن أكثر علفه النجاسة فبوله، وروثه، وقيئه، ومذيه، ومنيه، ولبنه وعرقه، ولعابه، ووديه، ومخاطه، ودمعه، وبيضه طاهر.
стр. 54
لما ورد عن أنس «أن رهطًا من عكل أو عرينة قدموا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها» الحديث متفق عليه. وقال ﷺ لما سُئل عن الصلاة في مرابض الغنم: «صلوا فيها فإنها بركة» رواه أحمد وأبو داود، وعن عمرو بن خارجة قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بمنى وهو على راحلته ولعابها يسيل على كتفي» رواه أحمد والترمذي وصححه؛ ولأنه ﷺ طاف على بعيره، أما الحكم بالمذكورات فبالنص، وأما في غيرها من مأكول اللحم فبالقياس.
وأما الدليل على طهارة عرق الآدمي، ولبنه، ومنيه، والمخلط، والنخامة، والدمع، واللعا، والشعر، والسؤر، فمنها ما تقدم في جواب سؤال سابق، ومنذ لك ما ورد عن عائشة قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه» رواه الجماعة إلا البخاري، ولأحمد: «كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر، ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه».
وأما الدليل على عرق الآدمي وشعره، فهو ما ورد عن أنس بن مالك «أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا فيقبل عندها على ذلك النطع، فإذا قام أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جعلته في سلك، قال: فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه» أخرجه البخاري.
وعن عثمان بن عبد الله بن وهب قال: «أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله ﷺ فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها بإناء فخضخضت له فشرب منه، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء» رواه البخاري.
وأما الدليل على طهارة النخامة، والبصاق، والريق، والمخلط، والسؤر، ففي حديث صلح الحديبية من رواية مسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم
стр. 55
«أن عروة بن مسعود قام عند رسول الله ﷺ ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه» رواه أحمد.
وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: «ما بال أحدكم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه؛ فإن لم يجد فليقل هكذا» ووصف القاسم، فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض، رواه مسلم، ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه؛ ولأنه لو كان نجسًا لنجس الفم ونقض الوضوء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ فيما علمنا شيء من ذلك مع عموم البلوى به، وعن عائشة ﵂ «أنها كانت تشرب من الإناء وهي حائض فيأخذه رسول الله ﷺ فيضع فاه على موضع فيها فيشرب وتتعرق العرق فيأخذه فيضع فاه على موضع فيها» رواه مسلم.
وأما الدلالة على أبن الآدمية فقد تقدم ما يدل على طهارته، ومن ذلك ما ورد عن عائشة قالت: جاءت بنت سهيل، فقالت: يا رسول الله، إنسالمًا مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال، فقال: «أرضعيه تحرمي عليه» رواه مسلم.
س ١٠٩: ما الذي يعفى عنه من النجاسة؟ أذكره بوضوح.
ج: يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر في قول أكثر أهل العلم، وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة وغيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة لوقول عائشة «يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، ثم ترى فيه قطرة من الدم فتقصعه بريقها -وفي رواية: تبله بريقها- ثم تقصعه بظفرها» رواه أبو داود.
وهذا يدل على العفو؛ لأن الريق لا يطهره ويتنجس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثل هذا لا يخفى عليه ﷺ ، قد قال العلماء: أن ما بقي في اللحم من الدم معفو عنه؛ لأنه إنما حرم الدم المسفوح ولمشقة
стр. 56
التحرز منه ويعفى عن أثر استجمار بمحمله. والله أعلم.
س ١١٠: ما حكم سباع البهائم، والطير، والحمار الأهلي، والبغل منه؟
ج: هذه أجزاؤها وما خرج منها نجس ولا يستثنى منها شيء على المشهور من المذهب، لما ورد عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» رواه الخمسة، وفي لفظ ابن ماجه ورواية لأحمد: «لم ينجسه شيء ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين».
وعن سلمة بن الأكوع قال: «لما أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبرًا أوقدوا نيرانًا، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذه النار، على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: «أهريقوها واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ فقال أو ذاك -وفي لفظ فقال: «اغسلوا»».
وعن أنس قال: «أصبنا من لحم الحمر يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله ﷺ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس» متفق عليهما.
فهذا نص في الحمر الأنسية وقياس في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدم الأكل، والصحيح: أن الحمار والبغل ريقه وعرقه وما خرج من أنفه طاهر، بخلاف بوله وروثه وأجزائه؛ فإنها خبيثة نجسة، قال في «المغني»: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار؛ لأن النبي ﷺ كان يركبهما ويركبان في زمنه وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا لبين لهم النبي ﷺ ذلك. انتهى. وأيضًا هي أولى من طهارة سؤر الهر الذي ثبت طهارته وعلله ﷺ بأنهن من الطوافين عليكم والطوافات ومشقة ملامسة الحمير والبغل أشق من الهر بكثير. والله أعلم.
стр. 57
س ١١١: ما مثال سباع البهائم والطير مما فوق الهر خلقة؟ وما مثال ما لا يؤكل من البهائم؟
ج: مثل الفيل، والبغل، والحمار، والأسد، والنمر، والذئب، والفهد، والكلب، والخنزير، وابن آوى، والدب، والقرد، والسمع والعسبار، وجوارح الطير: كالعقاب، والصقر، والحدأة، والبومة، والنسر، والرخم، وغراب البين والأبقع.
٢١ - باب الحيض
س ١١٢: ما هو الحيض؟ وما الأصل في مشروعيته؟ ومن هي المبتدأة؟ وماذا تعمل؟
ج: هو دم وطبيعة وجبلة يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة لحكمه تربية الولد، فإذا حملت انصرف ذلك بإذن الله إلى تغذية الولد، ولذلك لا تحيض الحامل إلا نادرًا، فإذا وضعت الولد قلبه الله بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل، ولذلك قُلما تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من الحمل والرضاع بقي لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد وقد ينقص على ما ركبه الله في الطباع؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ببر الأم ثلاث مرات، وببر الأب واحدة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
والمبتدأة هي: التي رأت الدم ولم تكن حاضت، قال في «الاختيارات الفقهية»: ولا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره، بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض وإن نقص عن يوم أو زاد على الخمسة أو السبعة عشر، ولا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة ولا لأكثره ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، والمبتدأة تجلس ما تراه من الدم ما لم تصر مستحضاه، وكذلك المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال، فذلك حيض حتى تعلم أنها مستحاضة باستمرار الدم.
стр. 58
قال الناظم:
وعند إمام الوقت تجلس مطلقًا … لظاهر ما يروى بغير تقيد
س ١١٣: ما حكم وطء الحائض ومباشرتها؟
ج: محرم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. وأما مباشرتها، فتجوز في غير الفرج، وفي الفرج تحرم، لما ورد عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ اصنعوا [كذا بالأصل]، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وفي لفظ: «إلا الجماع» رواه الجماعة إلا البخاري.
س ١١٤: ما حكم فعل الصلاة والصوم في حق الحائض؟ وما دليل الحكم؟
ج: يحرم عليها فعل صلاة وصوم؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» متفق عليه، وقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» رواه البخاري والنسائي وأبو داود، وفي رواية للجماعة إلا ابن ماجه: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة».
س ١١٥: ما الدليل على سقوط وجوب الصلاة دون الصوم عن الحائض؟
ج: ما ورد عن معاذة قالت: سألتُ عائشة، فقلتُ: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» رواه الجماعة.
س ١١٦: ما حكم الطواف في حق الحائض وما دليل الحكم؟
ج: يحرم عليها فعل الطواف؛ لقوله ﷺ لعائشة إذا
стр. 59
حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه.
س ١١٧: ما حكم الاعتداد بالأشهر في حق من تحيض؟
ج: ممنوع الاعتداد بالأشهر في حق من تحيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فأوجب سبحانه العدة بالقروء، وقوله: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ شرط في العدة بالأشهر عدم الحيض.
س ١١٨: ما حكم الطلاق في وقت الحيض؟ وما دليل الحكم؟
ج: طلاق بدعة محرمة، لما في الطلاق من تطويل العدة، وعن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء».
من «مختصر النظم» الأشياء التي يمنعها الحيض وما يوجبه الحيض:
ويمنع حيض الخود فعل صلاتها … وإيجابها والصوم ولنقضه قد
ودرسًا لقرآن ومسًا لمصحف … وتطواف بيت والدوام بمسجد
وسنة تطليق وعدة أشهر … ووطئًا بفرج ثم يوجب فاعدد
بلوغًا وغسلاً واعتدادًا به وإن … لوطئكها افهم في الخطأ والتعمد
س ١١٩: من المستحاضة؟
ج: هي من يخرج دمها في غير أوانه، وهي تارة يكون لها عادة وتارة يكون لها تمييز، وتارة تكون لا عادة لها ولا تمييز.
стр. 60
س ١٢٠: بين ماذا تعمل المستحاضة المعتادة؟ بين الحكم مع ذكر الدليل.
ج: تجلس عادتها، لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي اللاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» رواه البخاري والنسائي وأبو داود.
وعن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن ابن عوف شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة. رواه أحمد والنسائي، ولقظهما. قال: «فلتنتظر قدر قروئها التي كانت تحيض فلتترك الصلاة، ثم لننظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة».
وعن القاسم عن زينب بنت جحش أنها قالت للنبي ﷺ إنها مستحاضة، فقال: «تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتصليهما جميعًا وتغتسل للفجر» رواه النسائي.
وعن أم سلمة أنها استفتت رسول الله ﷺ في امرأة تهراق الدم، فقال: رواه الخمسة إلا الترمذي
س ١٢١: ماذا تعمل المستحاضة التي لا عادة لها؟ بين الحكم واذكر الدليل.
ج: من لا عادة لها ولها تمييز ترجع إليه، لما ورد عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال النبي ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنه أسود ويعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عرق» رواه أبو داود والنسائي.
стр. 61
س ١٢٢: ماذا تعمل المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز؟
ج: ترجع إلى غالب عادات النساء، لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه، فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين وصومي وصلي؛ فإن ذلك يجزئك وكذلك فاعلي كل شهر كما تحيض النساء؛ فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، قال: وهو أحب الأمرين إليّ» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وحسنه البخاري.
س ١٢٣: ما حكم الصفرة والكدرة؟ وكم مدة النفاس؟ وضح ذلك مع الدليل.
ج: الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، لحديث أم عطية قالت: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا» رواه البخاري وأبو داود واللفظ له، وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا ولا حد لأقله، لحديث أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني والحاكم، وله طرق يقوي بعضها بعضًا.
قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي، قال أبو عبيدة: وعلى هذا جماعة الناس، وقال في «الاختيارات الفقهية»: ولا حد لأقل النفاس ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين أو الستين أو السبعين وانقطع فهو نفاس؛ ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب. والله أعلم.
стр. 62
س ١٢٤: متى يثبت حكم النفاس؟ وإذا تخلل الأربعين نقاء فما الحكم؟
ج: يثبت حكمه بوضع ما تبين فيه خلق إنسان وإن تخلل الأربعين نقاء فهو طهر تغتسل فيه وتصوم وتصلي وتفعل ما يفعل الطاهرات.
س ١٢٥: ما الفرق بين الحيض والنفاس؟
ج: الفرق الأول: أن النفاس لا تعتد به المفارقة في الحياة، والثاني: أن البلوغ يحصل بالحيض، وأما النفاس فلا يثبت به بل بالإنزال المتقدم عليه وقت الجماع.
قال في «المختصر للنظم»:
وكالحيض فيما قيل حكم نفاسها … سوى في بلوغ سابق وتعدد
٢٢ - الأذان والإقامة
س ١٢٦: ما هو الأذان؟ وما هي الإقامة؟
ج: هو لغة: الإعلام. قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه لفجر، والإقامة: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص فيها.
س ١٢٧: ما الأصل في مشروعيتهما من الكتاب والسُّنة؟
ج: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ وأما الأدلة من السُّنة، فمنها ما يأتي قريبًا في مواضعه -إن شاء الله-.
س ١٢٨: في أي وقت كان ابتداء شرعية الأذان؟ واذكر الدليل على ما تقول.
ج: قيل: إن أصح ما ورد في تعيين ابتداءه هو أنه عندما قدم المسلمون المدينة، لما ثبت عند البخاري ومسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي من حديث عبد الله بن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال
стр. 63
بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: ألا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «قم يا بلال فناد بالصلاة».
س ١٢٩: ما حكم الأذان والإقامة؟ وما دليل الحكم؟
ج: فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المفروضة والجمعة، لما ورد عن مالك بن الحويرث، أن البني ﷺ قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم» متفق عليه، ولما ورد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» رواه أحمد.
س ١٣٠: ماذا يعمل مع أهل بلد تركوهما؟ بين الحكم مقرونًا بالدليل.
ج: يقاتل أحد بلد تركوهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، وقد كان الغزاة في أيام النبرة وما بعدها إذا جهلوا حال أهل بلد أو قرية تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة؛ فإن سمعوا أذانًا كفوا عنهم، وإن لم يسمعوا قاتلوهم مقاتلة المشركين، ولما ورد عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر إلينا؛ فإن سمع أذانًا كف عنهم وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر، فلما انتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم نبي الله ﷺ ، قال: فخرجوا إلينا بملكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد والله محمد، والخميس فلجأوا إلى الحصن، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» متفق عليه.
وعن عصام المزني قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فقال: «وإذا رأيتم مسجدًا وسمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا أحدًا» رواه الترمذي وأبو داود.
стр. 64
س ١٣١: ما صفة الأذان؟ وكم هو من جملة؟ بين ذلك مع ذكر الدليل.
ج: الأذان خمس عشرة جملة في غير الفجر، يكبر أربع تكبيرات، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، ويقول: الله أكبر مرتين ولا إله إلا الله مرة، ويزيد في الفجر بعد قوله حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم مرتين، فيكون أذان الفجر سبع عشرة جملة.
عن عبد الله بن زيد قال: «لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس وهو كاره له لموافقته النصارى طاف بي من الليل طائف وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: تدعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله»، قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول: إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال رسول الله ﷺ : «إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله» ثم أمر بالتأذين فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاء فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر» رواه أحمد.
وعن أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة»
стр. 65
رواه الجماعة، وعن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله، علمني سُّنة الأذان فعلمه، وقال: «فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله» رواه أبو داود وأحمد.
س ١٣٢: بين معاني ما يلي من الكلمات: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الشفع، الوتر، الترسل، الحدر.
ج: أشهد أن لا إله إلا الله: معناها أعلم أن لا إله إلا الله، وأبين أن لا إله إلا الله؛ ولهذا سميت الشهادة بينة، وقلو الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ معناه: بين الله ذلك، وأعلم أن لا إله إلا هو، وشهد الشاهد بالحق عند الحاكم معناه بين للحاكم وأعلمه ما عنده من الخير، أشهد أن محمدًا رسول الله معناها أيضًا: أبين وأعلم، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع الأخبار من الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رسلاً، أي متتابعة. قال الأعشى:
يسقي رياضًا لها قد أصبحت عرضًا … زورًا تجانف عنها القود والرسل
والقود: الخيل، والرسل: الإبل المتتابع. قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، اسم فعل معناه: هلموا إليها وأقبلوا عليها، وعلى هاهنا بمعنى: إلى، أي هلم إلى الصلاة، والحيعلة حكاية. قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، قال الشاعر:
ألا رب طيف منك بات معانقي … إلى أن دعا داعي الصباح فحيعلا
ونظيرها في الكلام، البسملة والحوقلة إذا قال بسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشاعر:
لقد بسملت ليلي غداة لقيتها … فياحبذا ذاك الحديث المبسمل
وزاد بعضهم: السبحلة والحمدلة حكاية قول سبحان الله والحمد لله وزاد بعض المتأخرين الطيلقلة والدمعزة حكاية قول القائل أطال اله بقاءك، وأدام عزك، وزاد بعضهم: الجعفلة حكاية قول القائل: جعلت فداك،
стр. 66
الفلاح الفوز والبقاء، أي هلموا إلى العمل الذي يوجب البقاء والخلود في الجنة، وقول الصلاة خير من النوم، يسمى التثويب من ثاب إذا رجع وثوب الداعي إذا كرر ذلك؛ لأن المؤذن دعا إلى الصلاة ثم عاد إليها، ويقال: تاب إليه عقله، أي رجع إليه، وأنشدوا في ذلك:
وكل حي وإن طالت سلامته … يومًا له من دواعي الموت تثويب
الشفع: الزوج، يقال: شفعت الشيء إذا ضممت إليه مثله، والمراد أن يأتي بألفاظه شفعًا وهو مفسر بقوله: مثنى مثنى، قال الحافظ: لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله مثنى على ما سواها. انتهى. فتكون أحاديث تشفيع الأذان وتثنيته مخصصة بالأحاديث التي ذكرت فيها كلمة التوحيد مرة، كحديث عبد الله بن زيد ونحوه؛ الوتر: الفرد وأوترته إذا أفردته؛ الترسل: التمهل، والثاني من قولهم: جاء فلان على رسله؛ والحدر: الإسراع؛ الله أكبر: أي من كل شيء أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير. والله أعلم.
س ١٣٣: ما الدليل على أفضلية الأذان من الكتاب والسُّنة؟
ج: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: «إن المؤذنين أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أذن محتسبًا سبع سنين كتب له براءة من النار» رواه ابن ماجه، وفي حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ومسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا».
س ١٣٤: بين حكم الأذان في حق المسافر، واذكر ما تستحضره من خلاف.
ج: قيل: إنه واجب في السفر للجماعة، كما يجب في الحضر؛ لأن النبي ﷺ أمر به بلالاً في السفر، وقال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما» متفق عليه. وهذا
стр. 67
ظاهر في وجوبه؛ ولأنه ﷺ وأصحابه لم يكونوا يتركون الأذان في أسفارهم، وقيل: إنه مسنون للمسافر، لما ورد عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعجب ربك من راعي غنم في شظية بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني فقد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
س ١٣٥: بين حكم الأذان قبل دخول الوقت، وجلوس المؤذن بعد الأذان. واذكر الخلاف.
ج: لا يجوز قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل، لما ورد عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم» رواه الجماعة إلا الترمذي، وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل، هكذا حتى يستطير، هكذا يعني معترضًا» رواه مسلم وأحمد والترمذي، ولفظهما: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال والفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق»، وروى زياد بن الحارث الصدائي قال: «لما كان أول أذن الصبح أمرني النبي ﷺ فأذنت فجعلت أقول أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إليّ ناحية الشرق، ويقول: «لا حتى إذا طلع الفجر»، نزل فبرز، ثم انصرف إليّ وقد تلاحق أصحابه فتوضأ، فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي ﷺ : «إن أخا صداء قد أذن فهو يقيم» قال فأقمت» رواه أبو داو والترمذي، ويستحب أن لا يؤذن قبل الفجر إلا أن يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداء برسول الله ﷺ ؛ ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالأذان، فإذا كانا مؤذنين حصل الإعلام بالوقت، وقيل: لا يجوز الأذان قبل طلوع الفجر، لما روى ابن عمر أن بلالاً أذن قبل الفجر، فأمره النبي صلى الله
стр. 68
عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام، وعن بلال أن رسول الله ﷺ قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر» هكذا، ومد يديه عرضًا. رواهما أبو داود. ومن حديث أنس عند البخاري وغيره قال: «إن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر؛ فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، فجعل شعار ديار الإسلام الأذان على طلوع الفجر»، وقالت طائفة من أهل الحديث: إذا كان له مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعده فلا بأس؛ لأن الأذان قبل الفجر يفوت المقصود من الإعلام بالوقت، لم يجز كبقية الصلوات إلا أن يكون له مؤذنان يحصل إعلام الوقت بأحدهما، ويستحب أن يجلس مؤذن بعد أن أذان صلاة يسن تعجيلها، كمغرب جلسة خفيفة، ثم يقيم الصلاة، لحديث أبي بن كعب مرفوعًا «اجعل بين أذانك وإقامتك نفسًا يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل» رواه عبد الله بن أحمد.
وعن جابر أن النبي ﷺ قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمقتضى إذا دخل لقضاء حاجته» رواه أبو داود والترمذي.
وكل أذان ليس في الوقت باطل … بلى بعد نصف الليل للفجر غرد
وبعد أذان المغرب أقعد هنيهة … وإن تشأ جميعًا أو فوائت باعد
فأذن لأولاهن ثم أقم لها … وفي باقيات للإقامة أفرد
وفي موضع التأذين إن يسهلن أقم … وفي مغرب بعد الأذان ليقعد
يسيرًا فلا تكره إذًا ركعتين للمصلي بلا خلف على نص أحمد.
س ١٣٦: ما حكم رفع الصوت بالأذان؟ وما دليل الحكم؟
ج: مسنون، لما ورد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس» رواه الخمسة إلا الترمذي، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد
стр. 69
الخدري ﵁ قال له: «أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ، رواه مالك والبخاري والنسائي وابن ماجه.
س ١٣٧: بين حكم ما يلي: التثويب في أذان الفجر بعد الحيعلة، الإسراع في الإقامة، جعل المؤذن أصبعيه في أذنيه، التفاته في الحيعلة يمينًا وشمالاً غير مستدير وكونه على علو، وكونه متطهرًا قائمًا مترسلاً، وكونه أول الوقت، وكون المؤذن عالمًا بالوقت، بصيرًا حسن الصوت.
ج: هذه من المسنونات، لما ورد عن أبي جحيفة ﵁ قال: «رأيت بلالاً يؤذن وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنيه» رواه أحمد والترمذي، وصححه. ولابن ماجه «وجعل أصبعيه في أذنيه»، ولأبي داود: «ولوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالاً ولم يستدر» وأصله في «الصحيحين»؛ لقوله ﷺ : «لا يؤذن إلا متوضئ» رواه الترمذي والبيهقي مرفوعًا من حديث أبي هريرة وموقوفًا عليه، وقال: وهو أصح، وأما كونه على علو، فلأنه أبلغ في الإعلام، وروي عن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول البيوت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن» رواه أبو داود؛ وأما كونه مستقبل القبلة، فتقدم حديث أبي جحيفة وما يفهم منه، قال في الشرح: ولا نعلم خلافًا في استحبابه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السُّنة أن يستقبل القبلة بالأذان، وذلك لأن مؤذني النبي ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة؛ وأما كونه قائمًا، فلما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال لبلال: «قم فأذن» وكان مؤذنوه ﷺ يؤذنون قيامًا. قال ابن المنذر:
стр. 70
أجمع كل من نحفظ عنه أنه من السُّنة؛ لأنه أبلغ في الأسماع؛ وأما كونه مترسلاً، فلما روى جابر أن النبي ﷺ قال لبلال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» رواه الترمذي وضعفه؛ وأما الدليل على كونه في أول الوقت، لما ورد عن جابر بن سمرة قال: «كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يخرم، ثم لا يقيم حتى يخرج إليه النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام حين يراه» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وأما كونه عالمًا بالوقت فلأمن الخطأ، وليتمكن من الأذان في أوله، وأما كونه بصيرًا، فلأن الأعمى لا يعرف الوقت فربما غلط، وكره ابن مسعود وبان الزبير أذانه، وكره ابن عباس إقامته؛ وأما كونه صيتًا، فلقوله ﷺ لعبد الله بن زيد «ألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتًا منك» ولأنه أبلغ في الإعلام؛ وأما التثويب، وهو قول الصلاة خير من النوم مرتين، فلقول بلال «أمرني رسول الله ﷺ أن ثوب في الفجر، ونهاي أن أثوب في العشاء» رواه ابن ماجه؛ وأما حدر الإقامة، فلقوله ﷺ لبلال: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر» رواه أبو داود.
قال في «مختصر النظم»:
على نَشَزِ مُستقبلاً قائمًا فكنْ … وفي الأذنين الأصبعين فأورد؟
وحيعل يمينًا بالتفاتٍ ويسرة … ولا تدر الرجلين والطهر جود
وخذ عن بلالٍ خمس عشرة كلمة … ومن يقم إحدى عشرة ليعدد
وإن يترسل بالأذان ويحدر … الإقامة يظفر بالأحب ويقتدى
ومن أذن احرصْ أن يقيم مكانهُ … وللفجر بالتثويب ثنتين أفرد
س ١٣٨: من الأولى أن يتولى الأذان والإقامة؟ واذكر الدليل على ما تقول.
ج: يستحب أن يتولاهما واحد، لحديث زياد بن الحارث الصدائي قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء أذن» قال: فأذنت وذلك حين أضاء الفجر، قال: فلما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 71
قام إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : «يقيم أخو صداء فإن من أذن فهو يقيم» رواه الخمسة إلا النسائي، ولفظه لأحمد.
س ١٣٩: ما حكم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة؟ وما دليل الحكم؟
ج: يحرم أخذ الأجرة، ويجوز أن يجعل له رزق من بيت المال لعدم متطوع، لما روى عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
س ١٤٠: بين من المقدم عند تشاح المؤذنين؟ واذكر الدليل على ما تقول.
ج: يقدم أولاً أفضلهما فيه، ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم من يختاره الجيران، ثم قرعة؛ أما دليل الأفضل فيه، فقوله ﷺ لعبد الله ابن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا» الحديث، وتقدم قريبًا. وقدم أبا محذورة لصوته؛ وأما الدليل على تقديم الأفضل في دينه وعقله عند الاستواء في ذلك، فلما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم» رواه أبو داود وغيره؛ ولأنه إذا قدم بالأفضلية في الصوت فبالأفضلية في ذلك أولى؛ لأن مراعاتهما أولى من مراعاة الصوت؛ لأن الضرر بفقدهما أشد، وأما تقديم من يختاره الجيران على غيره؛ فلأن الأذان لإعلامهم فكان لرضاهم أثر في التقديم؛ ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن أعف عن النظر وعن الشبهات؛ وأما كونه يقرع عند التساوي، فلقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه ولما تشاح الناس في الأذان يوم القادسية أقرع بينهم سعد. قال الناظم:
ومتقن ذا قدمه عند تنازع … فدين فعقل فانتقا جار مسجد
ومن يحتسبه فهو أو من الذي … له رزق بيت المال أو أجر ممدد
стр. 72
فإن يستووا أقرع كسعد وجوزن … أذانًا لأعمى متقن أو مقلد
س ١٤١: إذا جمع أو قضى فوائت، فما الحكم؟ وكم يؤذن؟ وكم يقيم؟ وضح ذلك.
ج: حكم الأذان والإقامة مسنون فيؤذن للأولى ويقيم لكل فريضة، لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ﷺ ، فقال: «تنحوا عن هذا المكان»، قال: ثم أمر بلال فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح، رواه أبو داود.
ولما ورد عن أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه «أن المشركين شغلوا النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» رواه أحمد والنسائي والترمذي.
ولما روى مسلم عن جابر: «أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين» إلى غير ذلك من الأدلة.
س ١٤٢: ما المسنون قوله عند سماع الأذان؟ وضحه مع ذكر الدليل.
ج: يسن متابعته سرًا بأن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في قوله حي على الصلاة وحي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في التثويب فيحوقل أو يقول: صدقت وبررت، لما ورد عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله
стр. 73
قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» رواه مسلم وأبو داود.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ومثل المؤذن قبل إذا ما سمعتهُ … وحوقل إذا حيعل تثابن وترشد
وعند فراغ منه فاسأل وسيلة … لخير الورى تؤت الشفاعة في غد
وفضل أذان المرء يعلو إمامة … وقد قيل بل بالعكس فاختر وجود
٢٣ - كتاب الصلاة
س ١٤٣: ما معنى الصلاة لغةً وشرعًا؟ ولما سميت صلاة؟
ج: هي في اللغة: الدعاء. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الحديث: «وإن كان صائمًا فليصل». وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وسميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، كالمصلي من خيل الحلبة، وقيل: لما تتضمن من الخشوع والخشية لله، وقيل: لأن المصلي يتبع من تقدمه.
س ١٤٤: ما حكم الصلاة؟ وما دليل الحكم من الكتاب والسُّنة؟
ج: تجب وجونب عين على كل مسلم بالغ عاقل إلا حائضًا ونفساء، ودليل الحكم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
стр. 74
وقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾.
ومن السُّنة: ما ورد عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة» الحديث متفق عليه.
وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ما فرض الله علي من الصلاة، قال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا» الحديث متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
س ١٤٥: متى فرضت الصلاة؟ وماذا يلزم من نام عنها أو غفل عنها أو نسيها؟
ج: فرضت ليلة الإسراء، وقيل: بعد البعثة، أي بعثته ﷺ بنحو خمس سنين، وقيل: قبل الهجرة بسنة، ويجب على من نسى صلاة أو غفل عنها أن يصلها إذا ذكرها؛ لحديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» متفق عليه. ولمسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾»، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
س ١٤٦: بين حكم تأخير الصلاة عن وقتها؟ واذكر دليل الحكم.
ج: يحرم تأخير الصلاة عن وقته على القادر على فعلها الذاكر لها إلا لناوي الجمع، لنحو سفر أو مرض؛ لأنه يجب عليه إيقاعها في الوقت، فإذا خرج ولم يأت بها كان تاركًا للواجب، مخالفًا للآمر، ولئلا تفوت فائدة التأقيت؛ وأما الدليل على جوازه للعذر وتحريمه لغير عذر، فحديث أبي قتادة مرفوعًا «ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر الصلاة إلى أن
стр. 75
يدخل وقت صلاة أخرى»، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ عن بعض الصحابة أنه تأخيرها عن وقتها. وفي حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة» أو قال: «يؤخرونها عن وقتها»، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ قال ابن مسعود إبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس، وقال الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم ابن مخيمرة في هذا الآية: إنما أضاعوا المواقيت ولو كان تركًا كان كفرًا. وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد أن عمر بن عبد العزيز قرأ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًا﴾ قال: لم تكن إضاعتها تركها ولكن أضاعوا الوقت.
س ١٤٧: ما حكم جحد الصلاة أو تركها تهاونًا وكسلاً؟
ج: ما يخل الجاحد لوجوبها إما أن يكون ممن لا يجهله كمن نشأ بدار الإسلام، فهذا يكفر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله وإجماع الأمة ويصير مرتدًا بغير خلاف نعلمه قاله في المبدع، وإما أن يكون ممن يجهله كمن نشأ ببادية، وكحديث عهد بإسلام عرف وجوبها؛ فإن أصر على الجحد كفر، وإن تركها تهاونًا وكسلاً دعاه إمام أو نائبه إلى فعلها؛ فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله.
س ١٤٨: كم مدة الاستتابة لجاحد وجوبها وتاركها تهاونًا وكسلاً؟
ج: ثلاثة أيام بلياليها كسائر المرتدين ويضيق عليهما ويدعيان كل وقت صلاة إليها؛ فأن تابا بفعلها مع إقرار الجاحد لوجوبها خلى سبيلهما وإلا ضربت عنقهما، وحيث كفر فإنه يقتل بعد الاستتابة ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرق ولا يسبي له أهل ولا ولد كسائر المرتدين.
следующие страницы →