Полный текст (2 854 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
س ٢٠١: ماذا يلزم من يلي: إذا قضى القارن قارنًا؟ إذا قضى القارن مفردًا؟ إذا قضى القارن متمتعًا؟ ومتى يُسن للقارن والمفرد فسخ نيتهما بحج؟ إذا ساق الهدي متمتع فهل له أن يحلّ؟
ج: إذا قضى القارن قارنًا لزمه دمان: دم لقرانه الأول، ودم لقرانه الثاني، وإن قضى القارن مفردًا لم يلزمه شيء؛ لأنه أفضل، ويحرم من الأبعد بعمرة إذا فرغ من حجه، إذا قضى القارن متمتعًا أحرم بالحج من الأبعد إذا فرغ منها، وسُنَّ لمفرد وقارن فسخ نيَّتهما بحج؛ لأنه ﵊ أمَرَ أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي. متفق عليه.
وقال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلَّا خلة واحدة، فقال: وما هي؟، قال: تقول: بفسخ الحج، قال: كنت أرى أن لك عقلاً عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج، أأتركها لقولك؟
وليس الفسخ إبطالاً للإحرام من أصله، بل نقله بالحج إلى العمرة، وينويان المفرد والقارن بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، فمن كان منهما قد طاف وسعى قَصَّرَ وحَلّض م إحرامه، وإن كان لم يكن طاف وسعى؛ فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا حَلّا من العمرة أحرما الحج ليصيرا متمتعين ويتمَّان أفعال الحج ما يسوقا هديًا؛ فإن ساقاه لم يصح الفسخ للخبر.
نقل أبو طالب: الهدي يمنعه من التحلل من جميع الأشياء، وفي العشر وغيره أو يقفَا بعرفة؛ فإن وقفا بها لم يكن لهما فسخه لعدم ورود ما يدل على إباحته ولا يستفاد به فضيلة التمتع، وإن ساق الهدي متمتع لم يكن له أن يحلّ من عُمْرَته فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحليل بحلق، فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما معًا.
стр. 527
س ٢٠٢: ماذا تعمل المتمتعة إذا حاضت فخشيت فوات الحج أو خشي غيرها فوات الحج؟ وهل يصح إحرامُ مَنْ أحرَمَ ولم يُعَيّن نسكًا أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان؟ وبَيّن حكم مَا إذا عَلَم ما أحرم به فلان؟ وإذا جهل وإذا تبين أنه أطلق؟ وإذا شك في إحرامه ودليل الحكم؟
ج: إذا حاضت المرأة المتمتعة قبل طواف العمرة، فخشيت فوات الحج أحرمت به وجوبًا وصارت قارنة؛ لما روى مسلم أن عائشة كانت متمتعة فحاضت، فقال لها النبي ﷺ : «أهلي بالحج»، وكذا لو خشي غيرها ومن أحرم وأطلق فلم يعين نسكًا صح إحرامه لِتَأكُّدِهِ وكَوْنِهِ لا يخرج منه بمحظوراته وصرف الإحرام لما شاء مِنَ الأنساك وما عمل قبل صرفه لأحدها فهو لغو لا يعتد به لعدم التعيين، وإن أحرم بما أحرم به فلان أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان وعَلِمَ ما احرم به فلان قبل إحرامه أو بَعْدَ انْعَقَدَ إحرامه بمثله؛ لحديث جابر: أن عليًا قدم من اليمن، فقال النبي ﷺ : بم أهللت؟ فقال: بما أهلّ به النبي ﷺ ، قال: فأهدَى وأمكث حَرامًا، وعن أبي موسى نحوه متفق عليهما، وإذا تبين إطلاقه أي إحرام فلان بأن كان أحرم وأطلق، فالثاني الذي أحرم بمثله صرفه إلى ما شاء من الأنساك ولا يتعين صرفه إلى ما يصرفه إليه الأول، وإن جهل إحرامه فله جعله عمرة لفسخ الإفراد والقران إليها، ولو شك الذي أحرم ما أحرم به فلان أو بمثله هل أحرم الأول فكما لو لم يحرم الأول؛ لأن الأصل عدمه فينعقد إحرامه مطلقًا فيصرفه لما شاء، ولا يصح إن أحرم زيد فأنا محرم لعدم جزمه بتعليقه إحرامه.
س ٢٠٣: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أحرم بحجتين، أو بعمرتين؟ مَن أحرم بنسك أو نذر ونَسِيهُ؟ إذا أحرم عن إثنين أو أحدهما لا يعيِّنه؟ مَن أهلّ لعامين؟ مَن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عامه؟
стр. 528
مَن استنابه إثنان بعام في نسك فأحرم عن أحدهما لا بعينه؟ وإذا فرّط موصى إليه فما الحكم؟
ج: مَن أحرم بحجتين أو أحرم بعمرتين انعقد بأحدهما؛ لأن الزمن لا يصلح لهما مجتمعين فيصح بواحدة منهما كتفريق الصفقة، ومن أحرم بنسك تمتع أن إفراد أو قران ونسيه أو أحرم بنذر ونسيه قبل طواف صرفه إلى عمرة استحبابًا؛ لأنها اليقين - ويجوز صرف إحرامه إلى غير العمرة لعدم تحقق المانع؛ فإن صرفه إلى قران أو إلى إفراد يصح حجًا فقط لاحتمال أن يكون المنسي حجًا فلا يصح إدخال عمرة عليه فلا تسقط ولا دم عليه؛ لأنه ليس بمتمتع ولا قارن، وإن صرفه إلى تمتع فكفسخ حج إلى عمرة، فيصح إن لم يقف بعرفة ولم يسق هديًا؛ لأنه قصاراه أن يكون أحرم قارنًا أو مفردًا، وفسخهما صحيح؛ لما تقدم ويلزمه دم متعة بشروطه، ويجزيه عنهما وإن نسي ما أحرم به أو نذره بعد الطواف ولا هدي معه يتعين صرفه إلى العمرة لامتناع إدخال الحج عليها إذًا لمن لا هدي معه؛ فإن حلق بعد سعيه مع بقاء وقت الوقوف بعرفة يحرم بحج ويتم الحج وعليه للحلق دم.
إن تبين أنه كان حاجًا مفردًا أو قارنًا لحلقه قبل محله وإلا يتبين أنه كان حاجًا فَعَليه دم متعة بشروطه.
وإن أحرم عن إثنين استناباه في حج أو عمرة أو أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع إحرامه ونسكه عن نفسه دونهما لعدم إمكان وقوعه عنهما، ولا مُرَجَّحَ لأحدِهِما.
ومَن أهلّ لعامين بأن قال: لبيك العام وعام قابل، حج من عامه واعتمر من قابل، ومن أخذ من إثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدِّب على فعله ذلك.
стр. 529
ومن استنابه إثنان بعام في نسك فأحرم عن أحدهما بعينه ولم ينسه صَحَّ إحرامهُ عنه لعدم المانع ولم يَصِحَّ إحرامه للآخر بعده، وإن نسي المعَيّن بالإحرام من مستنيبيه وتعذر علمه؛ فإن فرّط نائب كان أمكنه كتابة إسمه أو ما يتميز به فلم يفعل أعاد الحج عنهما لتفريطه، ولا يكون الحج لأحدهما بعينه لعَدَمِ أولويِتهِ.
وإن فرّط موصىً إليه فلم يسمه للنائب غَرِمَ موصى إليه نفقة إعادة الحج عنهما، وإلا يفرط نائب ولا موصىً إليه فالغرم لذلك من تركه مُوْصِيَيْهِ بالحج عنهما؛ لأن الحج عنهما فنفقته عليهما ولا موجب لضمانه عنهما.
стр. 530
٢٧ - فصل في التلبية
س ٢٠٤: ما هي التلبية؟ وما حكمها؟ وضِّح ذلك مع ذكر الدليل لما تقول؟
ج: قال الفراء: معنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك، ونُصِب على المصدر من ألبّ بالمكان إذا أقام به.
ويقال: كان حقه أن يقال لبًا لك فثنّى على التأكيد أي إلْبَابًا بَعْدَ إلبَابِ وغقامة بعد إقامة.
والتلبية: أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
لما روي عن ابن عمر ﵄ أن تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» لا يزيد على هؤلاء الكلمات. متفق عليه.
والتلبية سُّنة، ويستحب رفع الصوت بها لخبر السائب بن خلال مرفوعًا: «أتاني جبريل يأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعن سهل بن سعد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَا من مُلَب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا عن يمينه وشماله» رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي.
قال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية.
стр. 531
وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوت بالتلبية، فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته، ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة على الطائفة لئلا ينقطع صوته وتلبيته.
ويستحب الإكثار من التلبية على كل حال؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أهلّ مهل قط، ولا كبر مكبر قط، إلا بُشِّر»، قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: «نعم» رواه الطبراني في «الأوسط» بإسنادين رجال الصحيح.
وروي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من محرم يُضْحِي لله يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه كما ولدته أمه» رواه أحمد وابن ماجه، واللفظ له، ورواه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي من حديث عامر بن ربيعة ﵁.
وتقدم حديث سهل، وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدًا أو حاجًا مهلاً أو ملبيًا إلا غربت الشمس بذنوبه، وخرج منها» رواه الطبراني.
س ٢٠٥: بَيّنْ مَتَى وقْت ابتداء التلبية؟ واذكر ما تستحضره من خلاف أو دليل أو تفصيل أو جمع بين أقوال؟
ج: يَبْتَدِئ التلبية إذا استوى على راحلته؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة من مسجد ذي الحليفة أهلّ، فقال: «لبيك الله لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
стр. 532
وكان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. متفق عليه.
وقال أنس ﵁: «صلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بهما حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به، أهَلَّ» رواه الخمسة.
وعن جابر أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. رواه البخاري.
وقيل: يستحب ابتداء التلبية عقب إحرامه، وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهلّ منه رسول الله ﷺ على حسب إختلاف الرواة.
فمنهم من روى أنه هلّ من مسجد ذي الحليفة بعد أن صلى فيه، ومنهم من روى أنه أهلَّ حين استقلت به راحلته، ومنهم من روى أنه أهلَّ لما علا على شرف البيداء.
وقد جمع بين ذلك ابن عباس، فقال: إنه أهلّ في جميع هذه المواضع، فنقل كل راوٍ ما سمعَ.
وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا.
خرج رسول الله ﷺ حاجًا، فلما صلى في المسجد بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع منه ذلك أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلّ فأدرك ذلك منهم أقوام فحفظوا عنه، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهلّ، فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به ناقته ثم مضى، فلما علا على شرف
стр. 533
البيداء أهلّ فأدرك ذلك أقوام، فقالوا: إنما أهلّ رسول الله ﷺ حين علا شرف البيداء، وَيْمُ الله لقد أوجب في مصلاه وأهلَّ حين استقلت به راحلته، وأهلّ حين علا شرف البيداء. رواه أحمد وأبو داود ولبقية الخمسة منه مختصرًا: أن النبي ﷺ أهلّ في دبر الصلاة.
س ٢٠٦: ما هي المواضع التي يتأكد استحباب التلبية فيها؟ وما هي أدلتها وتكلم عن تلبية المرأة؟ ومتى يقطع المتمتع التلبية؟
ج: تتأكد إذا علا نشزًا أو هبط واديًا أو صلى مكتوبة أو أقبل ليل أو أقبل نهارًا أو التقت الرفاق أو سمع ملبيًا أو أتى محظورًا ناسيًا أو ركب دابته أو نزل عنها أو رأى الكعبة؛ لما روى جابر، قال: «كان رسول الله ﷺ يلبِّي في حجته إذا لقي راكبًا، أو على أكمةً، أو هبطَ واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل».
وعن سليمان بن خيثمة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يلبُّون إذا هبطوا واديًا أو أشرفوا على أكمة أو لقوا راكبًا وبالأسْحار ودبر الصلوات.
وعن إبراهيم قال: تستحب التلبية في مواطن: إذا استويت على بعيرك، وإذا صعدت شرفًا، أو هبطت واديًا، أو لقيت ركبًا، وفي دبر كل صلاة، وبالأسحار. أخرجهما سعيد بن منصور.
ولأن هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج.
وقد قال ﷺ : «أفضل الحج العج الثج»، والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي.
وأما فيما إذا فعل محظورًا ناسيًا، ثم ذكره، فلندارك الحج واستشعار إقامته عليه ورجوعه إليه.
стр. 534
وتلبّي المرأة استحبابًا لدخولها في العمومات، ويعتبر أن تسمع نفسها التلبية ويكره جهرها بها أكثر من سماع رفيقها.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ويستحب التلبية في مكة والبيت الحرام وسائر مساجد الحرم، كمسدد منى، وفي عرفات أيضًا وسائر بقاع الحرم؛ لعموم ما سبق؛ ولأنها مواضع النسك، وتشرع التلبية بالعربية لقادر كالأذان وإلا فيلبي بلغته، وسُنَّ دعاء بعدها، فيسأل الله رضوانه والجنة ويسْتَعيذُ به من النار؛ لما ورد عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ «أنه كان إذا فرغ من تَلْبيَتِهِ سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار» رواه الشافعي والدارقطني.
ويُسنّ صلاة على النبي ﷺ بعدها؛ لما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي؛ ولأنه موضع يشرع فيه ذكر الله تعالى فشرعت فيه الصلاة عليه ﷺ ، كالصلاة أو فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان.
ومن كان متمتعًا أو معتمرًا قطع التلبية إذا شرع في الطواف؛ لحديث ابن عباس يرفعه: كان يمسك في التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. قال: الترمذي: حسن صحيح.
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر.
стр. 535
ومن النظم مما يتعلق بباب الإحرام
ويشرع للإحرام غسل وطيبه … ولو دام لكن إن يزلْ لم يجددِ
وبيض الثياب المتسحب فواحد … إزار وثان فوق كتفيك فارتد
وأحرم عقيب الفرض أو منتفلاً … وتشرط حلاً عند حبس مصدّد
به تستفيد الحل من كل حاظر … ولو مرض من غير ما دام قيِّد
وتعيين ما تنوي وبالنطق سنة … ونيته شرط ولو مطلقًا قدِ
وذاك هو الإحرام من غير مرية … وما زاد وصف تركه غير مفسد
وتجريده عن لبس ما خيط عادة … ووجه النسا لا غير حتم التجوُّد
وَلب كما قد جاء سنة صادقة … بصوت رفيع مكثر فوق جلْعَدِ
بإقبال ليل أو نهار وسحرة … وملقى رفاق أو هبوط ومصعد
стр. 536
وخلف فروض والتلبس ناسيًا … بمحظوره ولتخفض الصوت نهد
ويقطعها رب القران ومفرد … بأولى حصاة بالعقيبة يبتدي
وذو متعة أو عمرة بطوافه … وعند وصول البيت في وجه امدد
ومن بعدها صلِّ على خير مرسل … وبسطك كفًا للدعا فادع واجهد
وأفضل نسك متعة ثم مفرد … يليه قران ما تشا فانو واقصد
وعن أحمد إن ساق هد يتمتع … ففضل قرانًا ثم بالمتعة ابتدى
ففي أشهر الحج اعتمر قبل حجه … فعطف فاسع فاحلق ثم حجك فابتدى
من الحرم المكي في عام عمرة … ولم تنأى قدر القصر عنه وتبعد
فأنت بذا ذا متعة ملزمًا دمًا … وإن تفردن فاحرم بحج مفرد
وبعد فراغ منه أحرم بعمرة … من الحل أكملها ولا تتردد
ويا قارنًا أحرم بحج وعمرة … أو ادخل عليها حجة بتأكد
إذا سقت هديًا مطلقًا ولفقده … متى لم تطف والعكس فامنعه واحدد
وتأتي بفعل الحج يجزيك عنهما … على أشهر المنقول من قول أحمد
وألزم دمًا ذا متعة مع قارن … إذا لم يكن من حاظري خير مسجد
ومن تتمتع ثم حاضت ولم تلطف … لتقرنْ متى خافت فواتًا ولا تد
стр. 537
٢٨ - باب محظورات الإحرام
س ٢٠٧: كم محظورات الإحرام وما هي؟ وما هي أقسامها؟
ج: محظورات الإحرام تسعة:
أحدها: إزالة الشعر من جميع بدنه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا﴾ نص على حلق الرأس وعدي إلى سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه إذ حلقه يؤذن بالرفاهية وهو ينافي الإحرام؛ لكون أن المحرم أشعث أغبر، وقيس على الحلق النتف والقلع؛ لأنهما في معناه وإنما عبر به في النص؛ لأنه الغالب. الثاني: تقليم الأظفار. الثالث: تغطية رأس ذكر. الرابع: لبسه المخيط. الخامس: الطيب. السادس: قل صيد البر. السابع: عقد نكاح. الثامن: الجماع. التاسع: المباشرة والمحظورات، تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما يباح للحاجة وهي هنا ما في مشقة لا يتحمل مثلها ولا حرمة ولا فدية كلبس السراويل، لفقد الإزار وإزالة الشعر في العين.
الثاني: ما فيه الإثم ولا فدية عقد النكاح.
الثالث: ما فيه الفدية ولا إثم، وذلك فيما إذا احتاج الرجل إلى اللبس أو المرأة لستر وجهها.
الرابع: ما فيه الإثم والفدية وهو باقي المحظورات، وتنقسم بالنظر إلى ما يحرم على الذكور دون الإناث، وبالعكس إلى ثلاثة أقسام: قسم يحرم على الذكور دون الإناث، وهو تغطية الرأس ولبسة المخيط، والذي يحرم على الأنثى في الإحرام تغطية وجهها، والبقية من المحظورات يحرم عليها جميعًا وقد نظمتُ محظورَات الإحرام فيما يأتي من الأبيات:
ومَحْظور إحرامٍ ثلاثٌ وستة … فخُذْ عَدَّها واحفظْ هُديتَ إلى الرشدِ
فحلقٌ لِشعر ثم تَقْليمُ ظُفْره … ولُبْسُ ذكورٍ للمخيطِ عَلى عَمْدِ
стр. 538
وتغطيةٌ للرأسِ منه وَوَجْهُها … وقتلٌ لِصَيْدِ البرَّ وَالطيبُ عن قَصْد
وعَقدُ نكاح ثم في الفرج وطؤُه … مُباشرةٌ فاحتمُ بها مَاضِيَ العدِّ
س ٢٠٨: تكلم بوضوح عن حلق الشعر، وعن قلم الأظفار للمحرم مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: قال في «الشرح الكبير»: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم أخذ شيء من شعر إلا من عذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وروي عن كعب بن عجرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعلك يؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» متفق عليه، ففيه دليل على أن الحلق محرمًا قبل ذلك؛ فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر بإبقاء الشعر، فله إزالته؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾؛ وللحديث المذكور: قال ابن عباس ﵁: فمن كان منكم مريضًا أي برأسه قروح أو به أذى من رأسه أي قمل - وكذا أجمع العلماء أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ أنه إزالة جزء من بدنة يترفه به أشبه الشعر؛ فإن انكسر فله إزالته.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأن بقاءه يؤلمه أشبه الشعر النابت في عينه. انتهى. ولا فدية فيما لو خرج بعينه شعر أو كسر ظفره، فأزالهما؛ لأنه أزيل لأذاه أشبه قتل الصائل عليه، وإن زالا مع غيرهما كقطع جلد عليه شعر أو أنملة بظفرها فلا يفدي لإزالتهما؛ لأنهما بالتبعية لغيرهما والتابع لا يفرد بحكم كقطع أشفار عيني إنسان يضمنها دون أهدابهما إلا أن حصل التأذي بغيرهما كقرح ونحوه فيفدي لإزالتهما لذلك، كما لو احتاج لأكل صيد فأكله فعليه جزاؤه.
стр. 539
س ٢٠٩: تكلم عن تغطية الرأس بوضوح مع ذكر الدليل؟
ج: يحرم على المحرم الذكر تغطية رأسه بملاصقة كالطاقية والغترة أو نحو ذلك؛ لنهيه ﷺ عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: «ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليهما.
وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه، وذكره القاضي مرفوعًا وكره أحمد الاستظلال بمحمل، وما في معناه؛ لقول ابن عمر أضح لمن أحرمت له أي أبرز للشمس، وعنه له ذلك، أشبه الخيمة، وفي حديث جابر: «أمر بقية من شعر فضُرِبتْ له بنمرة فنزل بها» رواه مسلم. وإن طرح على شجرة ثوبًا يستظل به فلا بأس، وله أن يستظل بشجرة وخباء وجدار، وله أن يستظل بسقف السيَّارة أو الشمسية أو بثوب على عود؛ لقول أم الحصين: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدُهما آخِذٌ بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة، رواه مسلم. ويباح له تغطية وجهه.
روي عن عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، وبه قال الشافعي وعنه؛ لأن في بعض ألفاظ حديث صاحب الراحلة: «ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه، ويغسل رأسه بالماء بلا تسريح».
روي عن عمر وابنه وعليَّ وجابر وغيرهم؛ «لأنه ﷺ غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر» متفق عليه. واغتسل عمر، وقال: «لا يزيد الماء الشعر إلا شعثًا» رواه مالك والشافعي.
وعن ابن عباس قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة: «تعال أبَاقِيك أيُّنا أطولُ نفسًا في الماء» رواه سعيد. وإن حمل على رأسه طبقًا أو وضع يده عليه، فلا بأس؛ لأنه لا يقصد به الستر، قاله في «الكافي».
س ٢١٠: تكلم عن لبس المخيط واذكر الدليل والتعليل؟
стр. 540
ج: الرابع: لبس المخيط على ذكر حتى الخفين، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع لبس القميص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف، والأصل في هذا ما روى ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحدًا لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» متفق عليه. نص النبي ﷺ على هذه وألحق بها أهل العلم ما في معناه مثل الجبة والدَّراعة والتبان وأشباه ذلك، فلا يجوز للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره ولا ستر عضو من أعضائه بما عمِل على قدره كالقميص للبدن والسراويل لبعض البدن والقفازين لليدين والخفين للرجلين، ونحو ذلك.
قال ابن عبد البر: لا يجوز لبس شيء من المخيط عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون الإناث، وإذا لم يجد المحرم إزارًا فليلبس سراويل أو لا يجد نعلين فليلبس خفين ولا يقطعهما، ولا فدية عليه، والأصل فيه:
ما روى ابن عباس ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات، يقول: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، متفق عليه.
وفي رواية عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو يخطب يقول: «من لم يجد إزارًا ووجد سراويل فليلبسها، ومن يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما»، قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا» رواه أحمد. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» رواه أحمد ومسلم.
стр. 541
وأما حديث ابن عمر فما ورد فيه من الأمر بالقطع للخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين، فقيل: إنه منسوخ بحديث ابن عباس؛ لأنه بعرفات قاله الدارقطني، وحديث ابن عمر بالمدينة؛ لرواية أحمد عنه سمعت رسول الله ﷺ : على المنبر وذكره، فلو كان القطع وَاجبًا لبَيَّنهُ للجمع العظيم الذي لم يحضر أكثرهم ذلك بالمدينة وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز كما قد علم في الأصول، فثبت بذلك نسخ الأمر بالقطع، وأجيب على قولهم حديث ابن عمر فيه زيادة لفظ: بأن حديث ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم هو جواز اللبس بلا قطع.
س ٢١١: تكلم بوضوح عما يلي: عقد الرداء على المحرم؟ عقد الإزار والمنطقة والهميان؟ التقلد بالسيف؟ حمل الجراب والقربة؟ الإتزار والالتحاف بالقميص؟ الارتداء برداء موصّل ونحو ذلك؟
ج: لا يعقد المحرم عليه رداءه ولا غيره؛ لقول ابن عمر لمحرم: «ولا تعقد عليك شيئًا» رواه الشافعي والأثرم. قال أحمد في محرم حَزَمَ عِمامَتهُ عَلى وَسَطه لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض، إلا إزاره فله عقده لحاجته لستر وَسَطه لا يَعقدها ويدخل بعضها في بعض، إلا إزاره فله عقده لحاجته لستر عورته وإلا منطقة وهَميَانًا فيهما نفقته؛ لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك، وروى معناه عن ابن عمر وابن عباس ولحاجته لستر نفقته مع حاجة لعقد المذكورات، وقيل: لا يحرم عقد الراء كما لا يحرم عقد الإزار. وفي «الاختيارات الفقهية»: ويجوز عقد الرداء في الإحْرَام ولا فدية عليه، ويجوز للمحرم لبس مقطوع إلى الكعبين مع وجود النعل، واختاره ابن عقيل في المفردات وأبو البركات. انتهى (ص ١١٧)، وله أن يتقلد بسيف لحاجة؛ لما روى البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية صالحهم أن لا يدخلها إلا يجلبان السلاح القراب بما فيه، متفق عليه. وهذا ظاهر في إباحته عند الحاجة؛ لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل
مكة أن ينقضوا العهد، ولا يجوز بلا حاجة، ويحمل محرم جرابه ويحمل
стр. 542
قربة الماء في عنقه وله أن يتزر بقميص وأن يتلحف بقميص وأن يرتدي به، وله أن يرتدي برداء موصّل؛ لأن الرداء لا يعتبر كونه صحيحًا، ويجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه ويحَكُّهُ إذا احتاج إلى ذلك برفق وسهولة؛ فإن سقط من رأسه شيء بسبب ذلك فلا حرج عليه، ومن طرح على كتفيه قباء وهو محرم فدي لنهيه ﵊ عن لبسه للمحرم، رواه ابن المنذر، ورواه البخاري عن عليِّ؛ ولأنه عادة لبسه كالقميص.
س ٢١٢: تكلم بوضوح عن الطيب للمحرم بقصد أو بغير قصد؟
ج: الخامس: الطيب فمتى طيّب محرم ثوبه أو بدنه أو استعمل في أكل أو شرب أو أدهان أو اكتحال أو استعاظ أو احتقان طيبًا يظهر طعمه أو ريحه في المذكورات حرم وفدى، أو قَصَدَ مُحْرِمٌ شمَّ دُهْنٍ مطيّب أو قصد شم مسك أو كافور أو عنبر أو زعفران أو وَرسِ أو بخور عود ونحوه كعنبر أو قصد شم ما ينبته الآدمي لطيب، ويتخذ منه الطيب كورد وبنفسخ ومنثور ولينوقر وياسمين ونحوه وشمه أو مس ما يعلق به كماء ورد حرم وفدى. قال في «المغني»: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته راحلته: «لا تمسوه بطيب» رواه مسلم، وفي لفظ: «لا تحنطوه» متفق عليه. فلما منع الميت من الطيب لإحرامه فالحي أولى. انتهى.
وفي حديث ابن عمر: «ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران» متفق عليه. وعن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان ولا الطيب. أخرجه الشافعي وأبو ذر.، ولا فدية إن شم محرم شيئًا من ذلك بلا قصد أو مس محرم من طيب ماء لا يعلق به كقطع عنبر وكافور؛ لأنه غَير مُسْتَعمل للطيب أو شم محرم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح وأترُج؛ لأنها ليست طيبًا أو شم ولو قصدا عودًا؛ لأنه لا يتطيب به بالشم، وإنما يقصد بخوره أو شم ولو قصدًا نبْتَ صحراء كشيح ونحوه كخزامي وقيصوم أو ما ينبته آدمي لا بقصد نبت كخفاء
стр. 543
وعصفر وقرنفل ودار صيني ونحوها. ومَن لبس أو تطيب أو غطّى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا فلا شيء عليه؛ لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» - ومتى زال عذره أزاله في الحال وإلَّا فدى لاستدامته المحظور.
س ٢١٣: تكلم بوضوح عن (السادس) من المحظورات وهو قتل صيد البر واصطياده وعمّا إذا أتلفه أو تلف بيده أو بعضه بمباشرة أو سبب أو دلالة أو إشارة أو إعانة؟
ج: السادس: مما يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وهو الوحشي المأكول، فمن أتلفه أو تلف بيده أو بعضه بمباشرة إتلافه أو سبب ولو كان السبب بجناية دابة المحرم المتصرف فيها بأن يكون راكبًا أو قاعدًا أو سائقًا فيضمن ما تلف بيدها وفمها لا ما رمحت برجلها، وإن انفلتت لم يضمن ما أتلفته ويضمن المحرم ما دل عليه، وأشار إليه لمريد صيده إن لم يره صائده أو بإعانة المحرم لمن يريد صيده ولو بمناولة آلة الصيد أو إعارتها له كرمح وسكين؛ لما ورد عن أبي قتادة قال: «كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: «هل معكم منه شيء؟» فقلت: نعم،
стр. 544
فناولته العضد، فأكلها وهو محرم» متفق عليه، ولفظه للبخاري، ولمسلم: «هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟» فقالوا: لا، قال: «فكلوه».
وللبخاري قال: «منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». وروى النجاد الضمان عن عليَّ وابن عباس في محرم أشار ويحرم على المحرم الإشارة والدلالة والإعانة؛ لأنه معونة على محرّم أشبه الإعانة على قتل معصوم ولا يحرم دلالة محرم على طيب ولباس؛ لأنه لا ضمان فيهما بالسبب ولا يتعلق بهما حكم يختص بالدال عليهما بخلاف الصيد؛ فإنه يحرم على الدال أكله منه ويجب عليه جزاؤه.
س ٢١٤: تكلم عما يلي: إذا دلّ المحرم حلالاً على الصيد فأتلفه؟ إذا دل محرم محرمًا على الصيد فقتله؟ إذا دل الحلال محرمًا؟ إذا اشترك في قتل الصيد حلال ومحرم أو سبع ومحرم في الحل؟ إذا جرح أحدهما قبل صاحبه؟ إذا نصب شبكة أو حفر بئرًا ثم أحرم؟
ج: إذا دل المحرم حلالاً على الصيد فأتلفه، فالجزاء كله على المحرم، روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء ومجاهد وبكر المزني وإسحاق وأصحاب الرأي، ويدل لهذا القول قول النبي ﷺ لأصحاب أبي قتادة: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» ولأنه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان. وقال مالك والشافعي: لا شيء على الدال؛ لأنه يضمن بالجناية فلا يضمن بالدلالة كالآدمي. والقول الثاني: عندي أنه أرجح. والله أعلم.
وأما إذا دل على محرم محرمًا على الصيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان؛ لأن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحدًا.
وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي: على كل واحد جزاء؛ لأن
стр. 545
كل واحد من الفعلين يسفل بالجزاء إذا انفرد، فكذلك إذا لم يضمنه غيره، وقال مالك والشافعي: لا شيء على الدّال.
وأما إذا دل محرم محرمًا على صيد، ثم دل الآخر محرمًا آخر، ثم كذلك إلى عشره فقتله العاشر، فعلى القول الأول: فالجزاء على جميعهم لاشتراكهم في الإثم والتسبب، وعلى القول الثاني: على كل واحد منهم جزاء، وعلى الثالث: لا شيء إلَّا على من باشرَ القتل.
وأما إذا دل الحلال محرمًا على صيد، فقتله المحرم ضمنه محرم وحده دون الدالّ وإذا اشترك في قتل صيد حلال ومحرم أو سبع ومحرم في الحل، فعلى المحرم الجزاء جميعه؛ لأنه اجتمع موجب ومسقط، فغلب الإيجاب كما لو قتل صيدًا بعضه في الحرم، ثم إن كان جَرحُ أحدهما قبل صاحبه والسابق الحلال أو السبع فعلى المُحرم جزاؤه مجروحًا اعتبارًا بحال جنايته عليه؛ لأنه وقت الضمن وإن سبقه المحرم فجرحه وقتله أحدهما فعلى المحرم أرش جرحه فقط؛ لأنه لم يوجد منه سوى الجرح وإن نَصَبَ حلال شبكه ونحوها ثم أحرم أو أحرم ثم حفر بئرًا بحق كان حفرها في داره أو نحوها من ملكه أو موات أو حفر البئر للمسلمين بطريق واسع لم يضمن ما تلف بذلك؛ لعدم تحريمه ما لم يكن حيلة على الاصطياد؛ فإن كان حيلة ضمن؛ لأن الله تعالى عاقب اليهود على نصب الشبك يوم الجمعة، وأخذ ما سقط فيها يوم الأحد، وهذا في معناه شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
س ٢١٥: إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم فما الحكم؟ وما حكم أكل ما صاده المحرم أو ذبحه أو دل عليه أو صيد لأجله أو أعان عليه؟ وما الحكم فيما إذا قتل المحرم صيدًا ثم أكله؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: إذا اشترك ساعة في قتل صيد فعند أحمد في إحدى الروايتين أن
стр. 546
عليهم جزاء واحد، وكذا قال الشافعي ومن وافقه؛ لقضاء عمر وعبد الرحمن قاله القرطبي، ثم قال أيضًا: وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا، فمرت بهم ضبع، فخذوها بعصيهم، فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر، فذكروا له ذلك، فقال: عليكم كلكم كبش، قالوا: أو على كل واحد منا كبش، قال: إنكم لمُعَزز بكم عليكم كلكلم كبش.
وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعًا، فقال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم ودليلنا قوله سبحانه: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصيد قاتل نفسًا على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليه القصاص.
وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحدًا؛ فإنهم يقتلون به جميعًا؛ لأن كل واحد قاتل وكذلك هنا كل واحد قاتل صيدًا فعليه جزاء، والذي يترجح عندي القول الأول - لما تقدم؛ ولأنه بدل متلف يتجزأ، فإذا اشترك الجماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقيم المتلفات. والله أعلم.
وأما أكل ما صاده المحرم أو ذبحه أو دل عليه أو أعان عليه أو أشار إليه، فيحرم عليه وجميع ماله أثر في صيده - لما تقدم في حديث أبي قتادة من قول النبي ﷺ : «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه» قالوا: لا، قال: «كلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه.
وكذا يحرم على المحرم أكل ما صيد لأجله لما في «الصحيحين» من حديث الصعب بن حثامة أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًا فرده عليه، فلما رأى ما في وَجْههِ، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم».
وروى جابر ﵁ مرفوعًا: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدُوه
стр. 547
أو يُصَدْ لكمْ» رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب، وما حرم على محرم لدلالة أو إعانة صياد له لا يحرم على محرم غيره كما لا يحرم على حلال؛ لما روى مالك والشافعي عن عثمان أنه أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: «كلوا» فقالوا: ألا نأكل، فقال: «إني لست كهيئتكم؛ إنما صيد لأجلي ولا يحرم على المحرم أكل غير ما صيد أو ذبح له» إذا لم يدل ونحوه عليه لما تقدم.
فلو ذبح مُحِلٌّ صَيدًا لغيره من المحرمين حرم على المذبوح له لما سبق، ولا يحرم على محرم غير الدال أو المعين أو الذي صيد أو ذبح له، وإن قتل المحرم صيدًا ثم أكله ضمنه لقتله لا لأكله؛ لأنه يحرم أكله على جميع الناس والميتة غير متموّل.
س ٢١٦: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا نقل المحرم بيض صيد أو أتلفه؟ شرب ما حلبه المحرم؟ أكل ما كسره المحرم؟
ج: وإن نقل بيض صيد ففسد بنقله أو أتلف بيض صيد غير مذر، وغير ما فيه فرخ ميت ضمنه بقيمته مكانه لإتلافه إياه؛ فإن كان مذرًا أو فيه فرخ ميت، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا قيمة له إلا ما كان من بيض النعام فيضمنه؛ لأنه لقشره قيمة فيضمنه بها. والدليل على ضمان ما أتلف من بيض الصيد ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في بعض النعام ثمنه» رواه ابن ماجه.
ولقول ابن عباس في بيض النعام قيمته؛ ولأنه تسبب إلى إتلافه بالنقل فوجب ضمانه، وإن كسر بيضة فرخ فيها، فخرج فعاش فلا شيء عليه وإن مات ففيه ما في صغار المتلف بيضه، ففي فَرَخ الحمام صغير أولاد الغنم.
وفي فرخ النعامة حوار صغير أولاد الإبل وفيما عداها قيمته؛ لأن غيرهما من الطيور يضمن بقيمته، ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره الآكل
стр. 548
أو محرم غيره؛ لأنه جزء من الصيد أشبه سائر أجزائه، وكذا شرب لبنه.
ويحل بيض الصيد الذي كسره محرم ولبنه الذي حلبه محرم للحلال؛ لأن حله على المحل لا يتوقف على الكسر أو الحلب، ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل، فلو كسره أو حلبه مجوسي أو بغير تسمية حل وإن كسره حلال فكلحم صيد إن كان أخذه لأجل المحرم لم يبح للمحرم أكله.
وإن لم يكن الحلال أخذه لأجل المحرم أبيح للمحرم كصيد ذبحه حلال، ولو كان الصيد مملوكًا وأتلفه المحرم أو أتلف بيده أو بيضه أو لبنه ضمنه جزاءً لمساكين الحرم وقيمة لمالكه ويضمن اللبن بقيمته مكانه.
س ٢١٧: هل يملك الصيد المحرم إذا أمسكه محرمًا، أو حلالاً بالحرم فذبحه؟ وإذا ذبح محل صيد حرم؟ إذا أحرم وبملكه صيد؟ إذا أدخل الصيد محرم أو حلال الحرم وضح ذلك؟
ج: لا يملك محرم صيدًا ابتداء بغير إرث فلا يملكه بشرك ولا هبة ونحوها، فلو قبض الصيد المحرم هبةً أو رهنًا أو بشراء لزمه رده إلى من أقبضه إياه؛ لفساد العقد، وعليه إن تلف الصيد قبل الرد الجزاء لمساكين الحرم مع قيمته لمالكه في هيبة وشراء لوجود مقتضى الضمانين، وإن أمسك الصيد محرمًا بالحرم أو الحل أو أمسَكهُ حلالاً بالحرم فذبحه المحرم ولو بعد حله من إحرامه أو ذبحه ممسكه بالحرم ولو بعد إخراجه من الحرم إلى الحل ضمنه؛ لأنه تلف بسبب كان في إحرامه أو في الحرم، كما لو جرحه فمات بعد حله أو بعد خروجه من الحرم، وكان ما ذبح لغير حاجة أكله ميتة.
ومن أحرم وبملكه صيد لم يزل ملكه عنه، ولا تزول عنه يده الحكمية، ولا يضمن الصيد معها.
стр. 549
ومن غصب الصيد من يد محرم حكمية لزمه رده.
ومن أدخل الصيد الحرم المكي أو أحرم رب صيد وهو بيده المشاهدة كخيمته أو رحله أو قفص معه أو حبل مربوط به لزمه إزالتها بإرساله وملكه باق عليه بعد إرساله لعدم ما يزيله فيرده آخذه على مالكه إذا حلَّ ويضمنه قاتله بقيمته له لبقاء ملكه عليه؛ فإن لم يتمكن وتلف بغير فعله لم يضمن؛ لأنه غير مفرط ولا متعمد؛ فإن تمكن من إرساله ولم يفعل ضمنه بالجزاء، وإن لم يرسله فلا ضمان على مرسله من يده قهر الزوال حرمة يده المشاهدة؛ ولأنه من الأمر بالمعروف.
س ٢١٨: تكلم عن أحكام ما يلي: مَن قتل صيدًا صائلاً دفعًا عن نفسه أو بتخليصه؟ وتكلم عن الحيوان الإنسي وعن محرم الأكل؟ وعن قتل القمل والبراغيث ونحوهما؟
ج: مَن قتل وهو مُحْرِمٌ صيدًا صائلاً عليه دفعًا عن نفسه ولم يحل ولم يضمنه؛ لأنه التحق بالمؤذيات طبعًا كالكلب العقور أو قتل صيدًا بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه لم يحل ولم يضمنه؛ لأنه مباح لحاجة الحيوان أو قطع محرم من الصيد عضوًا من آكلاً، فمات ولم يحل ولم يضمنه؛ لأنه لمداواة الحيوان أشبه مداواة الولي محجوره، وليس بمتعمد قتله فلا تتناوله الآية، ولو أخذ الصيد الضعيف محرمٌ ليداويه فوديعة لا يضمنه بلا تعد ولا تفريط ولا تأثير لحرم أو إحرام في تحريم حيوان إنسي كبهيمة الأنعام ودجاج؛ لأنه ليس بصيد، وقد كان ﵊ يذبح البدن في إحرامه في الحرم تقريبًا إلى الله تعالى.
وقال: «أفضل الحج العَجُّ»، والثج: أي إسالة الدماء بالنحر والذبح، ولا تأثير لحرم أو إحرام في محرم الآكل إلا المتولد بين مأكول وغيره ويحرم بإحرام
стр. 550
قتل قمل وصبانه ولو برميه ولا جزاء فيه ولا يحرم قتل براغيث وقراد ونحوهما، كبق وبعوض؛ لأن ابن عمر قرد بعيره بالسقيا أي نزع القراد عنه فرماه، وهذا قول ابن عباس.
س ٢١٩: ما حكم صيد ما يعيش بالماء؟ وهل يضمن الجراد؟ وإذا احتاج محرم لفعل محظور، فما الحكم؟ وتكلم عن المؤذي؟
ج: ويباح لا بالحرم صيدها ما يعيش في الماء كسمك، ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ﴾.
وأما البَحْري بالحرم، فيحرم صيده؛ لأن التحريم فيه للمكان فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر وطير الماء بري؛ لأنه يبيض ويفرخ في البر فيحرم صيده على المحرم، وفيه الجزاء ويضمن الجراد بقيمته في قول أكثر العلماء؛ لأنه غير في البر يتلفه الماء كالعصافير، وقيل: يتصدق بتمرة عن جراده.
وروي عن ابن عمر ﵄، وقيل: لا ضمان فيه.
روي عن أبي سعيد ﵁؛ لأن كعبًا أفتى بأخذه وأكله، فقال له عمر ﵁: ما حملك أن تفتيهم به، قال: هو من صيد البحر، قال: ما يدريك؟ قال: والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثر في كل عام مرتين. رواه مالك.
وقال ابن المنذر: قال ابن عباس ﵄: هو من صيد البحر، وعن أبي هريرة ﵁ قال: أصبنا ضربًا من جراد فكان الرجل منا يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل له: إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «إن هذا من صيد البحر».
وعنه عن النبي ﷺ قال: «الجراد من صيد البحر» رواهما
стр. 551
أبو داود، ولمحرم احتاج لفعل محظور فعله ويفدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية.
وحديث كعب بن عجرة ﵁ قال: حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أنجد شاة» قلت: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» متفق عليه.
ويُسن قتل كل مؤذ غير آدمي؛ لحديث عائشة: «أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» متفق عليه.
وفي معناه: كل مؤذ، وأما الآدمي غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. متفق عليه.
وَمَن اضطر إلى أكل صيد فله ذلك وهو ميتة في حق غيره، لا يباح إلا لمن يباح له أكلها، وقيل: يحل بذبحه.
قال في «التنقيح»: وهو أظهر، وقال في الفروع: ويتوجه حله لحل فعله، وهذا القول عندي أنه أرجح. والله أعلم.
س ٢٢٠: تكلم عن (المحظور السابع) من محظورات؟ وما يتعلق من توكيل أو عزل؟
ج: (السابع من المحظورات) عقد النكاح فيحرم ولا يصح؛ لحديث عثمان: أن النبي ﷺ قال: «لا ينكح المحرم، ولا يخطب» رواه الجماعة إلا البخاري، وليس للترمذي فيه: «ولا يخطب».
стр. 552
وعن أبي غطفان عن أبيه أن عمر فرق بينهما -يعني رجلاً- تزوج وهو محرم، رواه مالك والدارقطني: قال في «الشرح الكبير»: ويباح شراء الإمام للتسري وغيره لا نعلم فيه خلافًا. انتهى.
ولا فدية في عقد النكاح كشراء الصيد وقتل القمل، وقد نظمت هذه الثلاث في بيت واحد:
عقد نكاح وشار صيد … وقتل قمل حرِّمَتْ ولا جَزا
وتعتبر حالة العقد لا حالة توكيل، فلو وكل محرم حلالاً صح عقده بعدَ حِلِّ مُوكِلهِ؛ لأن كل منهما حلال حال العقد، ولو وكل حلال حلالاً فعقده الوكيل بعد أن أحرم هو أو موكل فيه لم يصح العقد، ولوْ وَكَلَّه ثم أحرم الموكل لم ينعزل وكيله بإحرامه؛ فإذا حل الموكل كان لوكيله عقده لزوال المانع، ولو وكل حلال حلالاً في عقد النكاح فعقده وأحرم الموكل، فقالت الزوجة: وقع في الإحرام، وقال الزوج: وقع قبله، فالقول قول الزوج؛ لأنَّه يَدَّعي صِحَّةَ العَقد وهي الظاهر، وإن كان بالعكس بأن قالت الزوجة: وقع قبل الإحرام، وقال الزوج: في الإحرام، فالقول قوله أيضًا؛ لأنه يملك فسخه فقُبلَ إقراره به، ولها نصف الصداق؛ لأن قوله لا يقبل عليها في إسقاطه؛ لأنه خلاف الظاهر ويصح مع جهلها وقوعه، هل كان قبل الإحرام أو فيه؛ لأن الظاهر من عقود المسلمين الصحة، وتكره خطبة محرم؛ لما ورد عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب» رواه مسلم.
قال في «سُبُلِ السلام»: الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره وتحريم الخطبة كذلك، ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم، إلا أنه قيل: إن النهي في الخطبة لِلتَّنزِيه وإنه إجماع؛ فإن صح الإجماع فذاك، ولا أظن صحته، فالظاهر هو التحريم.
стр. 553
ثم رأيت بعد هذا نقلاً عن ابن عقيل الحنبلي: أنها تحرم الخطبة.
قال ابن تيمية: لأن النبي ﷺ نهى عن الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصل وموجب النهي التحريم، وليس ما يعارض ذلك من أثر أو نظر. اهـ ملخصًا من (ص ٣١٩). وهذا القول هو الراجح عندي، والله أعلم.
وإن أحرم الإمام الأعظم لم يجز أن يتزوج لنفسه ولا لغيره بالولاية العامة ولا الخاصة؛ لعموم ما سبق ولا أن يزوج أقاربه بالولاية الخاصة وأن لا يزوج غيرهم مِمَّن لا وليَّ لهُ بالوِلايَةِ العامة كالخاصة.
ويجوز أن يزوج خلفاؤه مَنْ لا وَليَّ لهُ أو لها؛ لأنه يجوز بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب بدليل تزويج الكافرة.
وأما وكلاؤه في تزويج نحو بنته فلا لما سبق وإن أحرم نائبه فكإحرام الإمام.
س ٢٢١: تكلم بوضوح عن (المحظور الثامن) من محظورات الإحرام ومتى يفسد النسك؟ وما الذي يفسد به؟ وماذا يعمل من فسد حجه؟
ج: الثامن: الوطء في الفرج، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾.
قال ابن عباس ﵄ هو الجماع بدليل قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ يعني الجماع وحكاه ابن المنذر: إجماع من يحفظ عنه من العلماء أنه يفسٍدُ النسك.
وفي «الموطأ»: بلغني أن عمر وعليًا وأبا هريرة سُئلوا عن رَجل أصاب أهله وهو محرم، فقالوا: ينفيان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما حج من قابل والهدي لم يعرف لهم مخالف.
стр. 554
والوطء: يفسد النسك قبل تحلل أول ولو بعد الوقوف بعرفة؛ لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج ولم يستفصلوا.
وحديث من وقف بعرفة فقَد تم حجه أي قاربه وَأمِن فواته، ولو كان المجامع ساهيًا أو جاهلاً أو مكرهًا نقله جماعة لما تقدم من أن بعض الصحابة ﵃ قضوا به ولم يستفصلوا ولو اختلف الحال لوجب البيان.
وذكر في الفصول رواية عن الإمام أحمد: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره ونحوه، وخرّجها القاضي أبو يعلى في كتاب الروايتين واختارها الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، ومال إليه ابن مفلح في الفروع.
وقال: هذا متجه ولا يفسد بغير الجماع؛ لعدم النص فيه، والإجماع وعليهما المضي في فاسده ولا يخرج منه بالوطء. روي ذلك عن ابن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس وحكمه كالإحرام الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وروي مرفوعًا: أمر المجامع بذلك؛ ولأنه معنى يجب به القضاء فلم يخرج منه كالفوات، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله من وقوف وغيره ويجتنب ما يجتنبه قبله من وطء وغيره، ويفدي لمحظور فعله بعده ويقضي من فسد نسكه بالوطء صغيرًا كان أو كبيرًا واطِئًا ومَوْطُؤةً فرضًا كان الذي أفسده أو نفلاً.
والدليل على أن القضاء يكون فورًا قول ابن عمر؛ فإذا أدركت قابلاً فحج واهد، وعن ابن عباس وعبد الله بن عمر ومثله رواه الدارقطني والأثرم، وزاد: «وحل إذا حلوا».
فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهْد هَدْيًا؛ فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما، وهذا إذا كان المفسد نسكه مكلفًا؛ لأنه لا عذر له في التأخير وإلا يكن مكلفًا، بل بلغ بعد انقضاء الحجة الفاسدة فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا لزوال عذره.
стр. 555
س ٢٢٢: من أين يحرم من أفسد نسكه في القضاء؟ وما الذي يقضيه مَن أفسد القضاء؟ وعلى مَن نفقة قضاء نسك المطاوعة على الوطء؟ وعلى مَن نفقة قضاء نسك مكرهة؟ واذكر ما يُسن في حق الواطئ والموطوءة؟ واذكر ما تستحضره من دليل؟
ج: يُحرمُ مَن أفسدَ نسكه في القضاء من حيث أحرم أو لا بما فسد إن كان إحرامُهُ به قبل ميقات؛ لأن القضاء يحْكى الأداء؛ ولأن دخوله في النسك سببًا لوجوبه فيَتَعَلَّقُ بموضع الإيجاب كالنذر.
وقال في الفروع ويتَوجَه أن يحرم من الميقات مطلقًا ومال إليه وإلا يكن أحرم بما فسد قبل ميقات، بل أحرم منه أو دونه إلى مكة؛ فإنه يحرم من الميقات؛ لأنه لا يجوز مجاوزته بلا إحرام، ومَن أفسد القضاء فوطئ فيه قبل التحلل الأول قضى الواجب الذي عليه بإفساد الأول، ولا يقضي القضاء لقضاء صلاة أو صوم أفسده؛ ولأن الواجب لا يزاد بفواته، بل يبقى على ما كان عليه.
ونفقة قضاء مطاوعة على وَطْء عليها؛ لقول ابن عمر وأهديا، أضاف الفعل إليهما.
وقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة ولإفسادها نسكها بمطاوعتها أشبهت الرجل -ونفقة قضاء مكرهة على مكره. وسن تفرقهما في قضاء من موضع وطئ فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط ولا نحوه إلى أن يحل من إحرام القضاء؛ لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي ﷺ ، فقال لهما: «أتمَّا حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابل حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما وتفرقا، ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما نُسُككما وأهديا».
стр. 556
وروى سعيد والأثرم عن عمر وابن عباس نحوه، قال الإمام أحمد: يتفرقان في النزول والفسطاط والمحمل؛ ولكن يكون بقربها. انتهى. وذلك ليراعي أحوالها؛ فإنه محرمها قال ذلك في «الإنصاف».
س ٢٢٣: تكلَّم بوضوح عن الوطء بعد التحلل الأول؟ وهل على من أكرهت في حج أو عمرة فدية؟ وتكلَّم عن (المحظور التاسع) من محظورات الإحرام؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه؛ لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل. رواه مالك، ولا يعرف له مخالف.
وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي للحل فيحرم منه ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم ليطوف للزيارة محرمًا؛ لأن الحج لا يتم إلا به؛ لأنه ركن ثم السعي إن لم يكن سعي قبل لحُجة وعمرةٌ وَطِئَ فِيها كحَجِّ فيما سبق تفصليه فيفسدها وطء قبل تمام سَعي لا بعده، وقبل حلق؛ لأنه بعد تحلل أول وعليه لوطئه في عمرته شاة ولا فدية على مكرهة في وطئ في حج أو عمرة؛ لحديث: «وما استكرهوا عليه» ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يَفدي عنها أي النائمة والمكرهة.
التاسع: المباشرة من الرجل للمرأة فيما دون للفرج؛ فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه وعليه بَدَنَةٌ خلافًا للأئمة في وجوب البدنة، وإنما يجب عندهم بذلك شاة.
س ٢٢٤: تكلم بوضوح عن إحرام المرأة؟ وعمَّا يُبَاحُ لهُمَا؟ وما يحرم عليهما؟ وما يكره وما يُسن في حقها؟ وما يجب عليهما اجتنابه؟
ج: المرأة إحرامها في وججها؛ لحديث: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري وغيره.
стр. 557
وقال ابن عمر: إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. رواه الدارقطني بإسناد جيد.
فإن عطب الوجه لغير حاجة فدت كما لو غطى الرجلُ رأسه والحاجة كمرور رجال أجانب قريبًا منها فتسدل الثوب من فوق رأسها وعلى وجهها؛ لحديث عائشة كان الركبان يمرون بنا وَنْحنُ محرمان مع رسول الله ﷺ ، فإذا حَاذَوْنَ سَدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوَزُنا كشفنا، رواه أبو داود والأثرم.
قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها ولا يضر مس المسْدُولِ بَشَرةَ الوجه، وتحرم تغطية وجه المحرمة وتجب تغطية رأسها ولا تحرم تغطية كفيها ويحرم عليها ما يحرم على رجل محرم من إزالة شعر وظفر وطيب وقتل صيد وغيره مما تقدم؛ لأن الخطاب يشمل الذكور والإناث إلا لبس المخيط وتظليل المحمل لحاجتها إليه؛ لأنها عورة إلا وجهها ويحرم عليها وعلى رجل ليس قفازين أو قفاز واحد وهما كل ما يعمل لليدين إلى الكوعين يدخلهما فيه لسترهما كما يعمل للبزاة؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري.
وفي لبس القفازين أو أحدهما الفدية كالنقاب، ويباح للمحرمة خلخال ونحوه من حلي كسوار ودماج وقرط؛ لحديث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ : «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسّ الورس والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي»، ويُسن لها خضاب بحناء عند الإحرام؛ لحديث ابن عمرك «من السُّنة أن تدلك المرأة يديها في حناء» ولأنه من الزينة
стр. 558
فاستحب لها كالطيب وكره خضاب بعد الإحرام ما دامت محرمة؛ لأنه من الزينة.
ويستحب في غير إحرام لمزوجة وللمحرم لبس خاتم من فضة أو عقيق ونحوهما؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهَمَيان والخاتم للمحرم وله بَطُّ جرح وله خِتَانٌ وقطع عضو عند الحاجة إليه، وأن يحتجم؛ لأنه لا رفاهية فيه؛ ولحديث ابن عباس «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم» متفق عليه.
فإن احتاج المحرم في الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه وعليه الفدية، وكره لرَجُل وامرأة اكتحال بإثمد ونحوه لزينة؛ لما روي عن عائشة أنها قالت لامرأة محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما إتجار وعمل صنعة ما لم يشغلا عن واجب أو مستحب؛ لقول ابن عباس كانت عكاظ ومجنة وذر المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المل اسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. رواه البخاري.
ولأبي داود عن أبي أمامة التيمي، قال: كنت رجلاً أكرى في هذا الوجه، وكان ناس يقولون ليس لك حج، فلقيت ابن عمر، فقلت: إني أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون: ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ فقلت: بلى، قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: مثل ما سألتني، فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه حتى نزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقرأ هذه الآية، وقال: «لك حج» بإسناده جيد، ورواه الدارقطني وأحمد، وعنده: إنا نكري، فهل لنا من حج؟ وفيه: وتحلقون رءوسكم، وفيه: فقال: «أنتم حجاج». ويجب على المحرمة والمحرم اجتناب ما نهى الله عنه تعالى: (من الرفث)
стр. 559
وهو الجماع. روي عن ابن عباس وابن عمر، وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، ويجتنبان الفسوق وهو السباب، وقيل للعاصي والجدال: وهو المراء فيما لا يعني، وكذا التقبيل والغمز وأن يعرض لها الفحش من الكلام.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء، والقبلة والغَمزُ وأن تُعَرِّض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك ويُستَحبُّ له أن يَتَوفَّى الكلام فيما لا ينفع؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليَصْمُت» متفق عليه.
وعنه مرفوعًا: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن رواه الترمذي وغيره، ولأحمد من حديث الحسين بن علي مثله، وله أيضًا في لفظ: قلة الكلام فيما لا يعنيه.
стр. 560
٢٩ - باب الفدية وبيان أقسامها وأحكامها
س ٢٢٥: ما هي الفدية؟ وكم أقسامها؟ وهل هي على الترتيب أم التخيير؟ أم البعض تخيير والبعض ترتيب؟ وضِّح ذلك مع ذكر الأدلة؟
ج: هي مصدر فدى يفدي فداء، وشرعًا: ما يجب بسَبَبِ نسكٍ أو بسبب حَرَمٍ، والفدية ثلاثة أقسام: قسم يجب على التخيير، وهو نوعان: نوع منها يخير فيه مخرج بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين منهم مُدِّبُرِّ أو نصف صاع تمر أو شعير أو زبيب أو أقط وهي فدية لبس مخيط وطيب وتغطية رأس ذكر أو وجه أنثى وإزالة أكثر من شعرتين أو أكثر من ظفرين؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
وعن كعب بن عجرة قال: كان بي أذىً من رأسي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟» قلت: لا، فنزلت الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: هو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعام لكل مسكين. متفق عليه.
وفي رواية أتى على رسول الله ﷺ من الحديبية، فقال: «كان هوَامُّ رأسك تؤذيك»، فقلت: أجل، فقال: «فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين» رواه أحمد، ومسلم، وأبي داود.
في رواية: فدعاني رسول الله ﷺ ، فقال لي: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو أنسك شاة»، فحلقت رأسي، ثم نسكت،
стр. 561
فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير؛ لأنه مدلول في حلق الرأس، وقيس عليه الأظفار واللبس والطيب؛ لأنه يحرم في الإحرام لأجل الترفه فأشبه حلق الرأس.
وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا؛ ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد.
وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير، والحديث ذكر فيه التمر، وفي بعض طرقه الزبيب وقيس عليهما البر والشعير والأقط كالفطرة والكفارة.
النوع الثاني: جزاء الصيد يخيّر فيه من وجب عليه بين ذبح مثل الصيد من النعم وإعطاءه لفقراء الحرم، أو تقويم المثل بمحل التلف للصيد أو بقربه أو بدراهم يشتري بها طعامًا؛ لأن كل مثليِّ يُقوّم بما يُقوّم مثله كمال الآدمي ولا يجوز أن يتصدق بالدَّراهِم؛ لأنه ليس من المذكورات في الآية والطعام المذكور يجزي إخراجه في فطرة كواجب في فدية أذى وكفارة فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرِّ أو نصف صاع من غيره من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾.
وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملاً؛ لأن الصوم لا يتبعض ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعضه؛ لأنه كفارة واحدة كباقي الكفارات، ويخّير في صيد لا مثل له من النعم إذا قتله بين إطعام وصيام.
الضرب الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا وهو ثلاثة أحدها دم متعة وقران، والثاني: الحصر، والثالث: فدية الوطء.
стр. 562
س ٢٢٦: تكلم بوضوح عن الضرب الثاني من الفدية الذي يجب مرتبًا؟ وبيَّن أنواعه؟ وإذا عدم الهدي أو ثمنه، فماذا يعمل؟
ج: الضرب الثاني مرتبًا، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: دم المتعة والقران فيجب هدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ وقيس عليه القارن؛ فإن عدم الهدي متمتع أو قارن بأن لم يجده أو عدم ثمنه ولو وجد من يقرضه صام عشرة أيام في الحج، أي وقته؛ لأن الحج أفعال لا يصام فيها كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ أي فيها، والأفضل كون أخر الثلاثة يوم عرفة فيصومه هنا استحبابًا للحاجة إلى صومه ويقدم الإحرام بالحج قبل يوم التروية فيكون اليوم السابع من ذي الحجة محرمًا فيحرم قبل طلوع فجره وهو أوَّلُهَما ليصومها كلها وهو محرم بالحج، وله تقديم الثلاثة قبل إحرامه بالحج بعد أن يحرم بالعمرة لا قبله وأن يصومها في إحرام العمرة؛ لأن إحرام العمرة إحدى إحرامي التمتع فجاز الصوم فيه.
وبعده كالإحرام بالحج؛ ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب وهو هنا إحرامه بالعمرة في أشهر الحج كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين.
ولا يجوز تقديم صومها قبل إحرام العمرة لعدم وجوب سبب الوجوب كتقديم الكفارة على اليمين.
ووقت وجوب صوم الثلاثة وقت وجوب الهدي، وهو طلوع فجر يوم النحر؛ لأنها بدله وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
ولا يصح صوم السبعة بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه.
قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني من عمل الحج؛ لأنه
стр. 563
المذكور ولا يصح صومها في أيام منى لبقاء أعمال من حج كرمي الجمار، ولا يصح صوم السبعة بعد أيام منى قبل طواف الزيارة؛ لأنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج. قال في «شرح الإقناع»: قلت: وكذا بعد طواف، وقيل: سعي وإن صام السبعة بعد الطواف، ولعل المراد والسعي يصح؛ لأنه رجع من عمل الحج والاختيار أن يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر وعائشة لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، رواه البخاري. ولأن الله أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج إلا هذه الأيام، فتعين فيها الصوم ولا دم عليه إذا صامها أيام منى؛ لأنه صامها في الحج؛ فإن لم يصمها فيها ولو لعذر كمرض صام بعد ذلك عشرة أيام كاملة استدراكًا للواجب وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، وكذا إن أخر الهدي عن أيام النحر لغير عذر، فعليه دم لتأخيره الهدي الواجب عن وقته؛ فإن كان لعذر كأن ضاعت نفقته، فلا دم عليه ولا يجب تفريق ولا تتابع في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى الثلاثة أو صامها أيام منى؛ لأن الأمر ورد مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا ومتى وجب عليه الصوم لعجزه عن الهدي وقت وجوبه فشرع فيه أو لم يشرع فيه، ثم قدر على الهدي لم يَلزمه الانتقال إليه اعتبارًا بوقت الوجوب كسائر الكفارات وإن شاء انتقل من الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصل ومَن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به كله أو بعضه لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكين وإلا فلا.
النوع الثاني: من الضرب الثاني المحصر يلزمه هدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ينحره بنية التحلل؛ لقوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فإن لم يجد المحصر الهدي صام عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع بالنية، ثم حلّ وليس له التحلل قبل الذبح أو الصوم.
النوع الثالث: من الضرب الثاني فدية الوطء وتجب به في حج قبل التحلل الأول بدنة؛ فإن لم يجدها صام عشرة أيام في الحج وسبعة إذا فرغ من
стр. 564
عمل الحج كدم المتعة لقضاء الصحابة، به قال ابن عمر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة فيكون إجماعًا ويجب بوطء في عمرة شاة، ويجب على المرأة المطاوعة مثل ذلك.
س ٢٢٧: تكلم بوضوح عن (الضرب الثالث) من أضراب الفدية؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل؟
ج: الضرب الثالث: دم وجب لفوات الحج إن لم يشترط أن محلي حيث حَبسْتنيَ أوْ وَجبَ لترك واجب من واجبات الحج أو العمرة، وتأتى إن شاء الله تعالى، أو وَجَبَ لمباشرة دون فرج، فما أوجب منه بدنة، كما لو باشر دون فرج فأنزل، أو كرّر النظر فأنزل أو قبل أو لمس لشهوة فأنزل أو لمستني فأمنى، فحكمها -أي البدنة الواجبة بذلك- كبدنة وطء في فرج قياسًا عليها؛ فإن وجدها نحرها وإلا صَامَ عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع؛ لأنه يوجب الغسل أشبه الوطء وما أوْجَبَ من ذلك شاة، كما لو أمذى أو باشر ولم ينزل أو أمنى بنظرة فكفدية أذى لما فيه من الترفه، وكذا لو وطئ في العمرة.
قال ابن عباس: فمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، رواه الأثرم. وكذا لو وطئ بعد التحلل الأول في الحج. وامرأة مع شهوة فيما سبق كرجل فيما يجب من الفدية كالوطء وما وجب من فدية لفوت حج أو لترك واجب فكمتعة تجبُ شاة؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام؛ لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه أشبه المترفه بترك أحد السفرين؛ لكن لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بطلوع فجره قبل الوقوف، ولا شيء على من فكر فأنزل؛ لحديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم» متفق عليه. ولا يقاس على تكرار النظر؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة وإفضائه
стр. 565
إلى الإنزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة فيبقى على الأصل.
س ٢٢٨: إذا كرر محظورًا من جنس، فما الحكم وما المثال؟ وإذا فعل محظورًا من أجناس فما الحكم؟ وإذا حلق أو قلمّ أو وطئ أو قتل صيدًا عامدًا أو مخطئًا فما الحكم؟ وضّح ذلك مع ذكر ما نستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: ومَن كرر محظورًا من جنس غير قتل صيد بأن حلق أو قلَّم أو لبس أو تطيب أو وطئ وأعاده قبل التفكير عن أول مرة في الكل، فعليه كفارة واحدة للكل؛ لأن الله تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة؛ لأنه صادف إحرامًا فوجبت كالأول، وإن كان المحظور من أجناس بأن حلق وقلَّم ظفره وتطيب وليس مخيطًا فعليه لكل جنس فدى تفرقت أو اجتمعت؛ لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة وعكسه، إذا كانت من جنس واحد وعليه في الصيود وإن قُتلت معًا جزاءٌ بعددها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ومثل الصيدين فأكثر لا يكون مثل أحدهما وإن حلق أو قلم فعليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد؛ لأنه إتلاف، ولأنه تعالى أوجب الفدية على من حلق لأذىً به وهو معذور فغيره أولى، وقيل: لا فدية على مكره وناس وجاهل ونائم؛ وأما إذا وطئ؛ فإن عليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد.
وأما إذا قتل صيدًا فيستوي عمده وسهوه أيضًا، هذا المذهب، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسُّنة وعنه لا كفارة على المخطئ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وابن المنذر وداود؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ فدلَّ بمفهومه
следующие страницы →