Полный текст (2 854 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير؛ لأنه مدلول في حلق الرأس، وقيس عليه الأظفار واللبس والطيب؛ لأنه يحرم في الإحرام لأجل الترفه فأشبه حلق الرأس.
وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا؛ ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد.
وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير، والحديث ذكر فيه التمر، وفي بعض طرقه الزبيب وقيس عليهما البر والشعير والأقط كالفطرة والكفارة.
النوع الثاني: جزاء الصيد يخيّر فيه من وجب عليه بين ذبح مثل الصيد من النعم وإعطاءه لفقراء الحرم، أو تقويم المثل بمحل التلف للصيد أو بقربه أو بدراهم يشتري بها طعامًا؛ لأن كل مثليِّ يُقوّم بما يُقوّم مثله كمال الآدمي ولا يجوز أن يتصدق بالدَّراهِم؛ لأنه ليس من المذكورات في الآية والطعام المذكور يجزي إخراجه في فطرة كواجب في فدية أذى وكفارة فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرِّ أو نصف صاع من غيره من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾.
وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملاً؛ لأن الصوم لا يتبعض ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعضه؛ لأنه كفارة واحدة كباقي الكفارات، ويخّير في صيد لا مثل له من النعم إذا قتله بين إطعام وصيام.
الضرب الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا وهو ثلاثة أحدها دم متعة وقران، والثاني: الحصر، والثالث: فدية الوطء.
стр. 562
س ٢٢٦: تكلم بوضوح عن الضرب الثاني من الفدية الذي يجب مرتبًا؟ وبيَّن أنواعه؟ وإذا عدم الهدي أو ثمنه، فماذا يعمل؟
ج: الضرب الثاني مرتبًا، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: دم المتعة والقران فيجب هدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ وقيس عليه القارن؛ فإن عدم الهدي متمتع أو قارن بأن لم يجده أو عدم ثمنه ولو وجد من يقرضه صام عشرة أيام في الحج، أي وقته؛ لأن الحج أفعال لا يصام فيها كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ أي فيها، والأفضل كون أخر الثلاثة يوم عرفة فيصومه هنا استحبابًا للحاجة إلى صومه ويقدم الإحرام بالحج قبل يوم التروية فيكون اليوم السابع من ذي الحجة محرمًا فيحرم قبل طلوع فجره وهو أوَّلُهَما ليصومها كلها وهو محرم بالحج، وله تقديم الثلاثة قبل إحرامه بالحج بعد أن يحرم بالعمرة لا قبله وأن يصومها في إحرام العمرة؛ لأن إحرام العمرة إحدى إحرامي التمتع فجاز الصوم فيه.
وبعده كالإحرام بالحج؛ ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب وهو هنا إحرامه بالعمرة في أشهر الحج كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين.
ولا يجوز تقديم صومها قبل إحرام العمرة لعدم وجوب سبب الوجوب كتقديم الكفارة على اليمين.
ووقت وجوب صوم الثلاثة وقت وجوب الهدي، وهو طلوع فجر يوم النحر؛ لأنها بدله وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
ولا يصح صوم السبعة بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه.
قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني من عمل الحج؛ لأنه
стр. 563
المذكور ولا يصح صومها في أيام منى لبقاء أعمال من حج كرمي الجمار، ولا يصح صوم السبعة بعد أيام منى قبل طواف الزيارة؛ لأنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج. قال في «شرح الإقناع»: قلت: وكذا بعد طواف، وقيل: سعي وإن صام السبعة بعد الطواف، ولعل المراد والسعي يصح؛ لأنه رجع من عمل الحج والاختيار أن يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر وعائشة لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، رواه البخاري. ولأن الله أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج إلا هذه الأيام، فتعين فيها الصوم ولا دم عليه إذا صامها أيام منى؛ لأنه صامها في الحج؛ فإن لم يصمها فيها ولو لعذر كمرض صام بعد ذلك عشرة أيام كاملة استدراكًا للواجب وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، وكذا إن أخر الهدي عن أيام النحر لغير عذر، فعليه دم لتأخيره الهدي الواجب عن وقته؛ فإن كان لعذر كأن ضاعت نفقته، فلا دم عليه ولا يجب تفريق ولا تتابع في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى الثلاثة أو صامها أيام منى؛ لأن الأمر ورد مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا ومتى وجب عليه الصوم لعجزه عن الهدي وقت وجوبه فشرع فيه أو لم يشرع فيه، ثم قدر على الهدي لم يَلزمه الانتقال إليه اعتبارًا بوقت الوجوب كسائر الكفارات وإن شاء انتقل من الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصل ومَن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به كله أو بعضه لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكين وإلا فلا.
النوع الثاني: من الضرب الثاني المحصر يلزمه هدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ينحره بنية التحلل؛ لقوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فإن لم يجد المحصر الهدي صام عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع بالنية، ثم حلّ وليس له التحلل قبل الذبح أو الصوم.
النوع الثالث: من الضرب الثاني فدية الوطء وتجب به في حج قبل التحلل الأول بدنة؛ فإن لم يجدها صام عشرة أيام في الحج وسبعة إذا فرغ من
стр. 564
عمل الحج كدم المتعة لقضاء الصحابة، به قال ابن عمر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة فيكون إجماعًا ويجب بوطء في عمرة شاة، ويجب على المرأة المطاوعة مثل ذلك.
س ٢٢٧: تكلم بوضوح عن (الضرب الثالث) من أضراب الفدية؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل؟
ج: الضرب الثالث: دم وجب لفوات الحج إن لم يشترط أن محلي حيث حَبسْتنيَ أوْ وَجبَ لترك واجب من واجبات الحج أو العمرة، وتأتى إن شاء الله تعالى، أو وَجَبَ لمباشرة دون فرج، فما أوجب منه بدنة، كما لو باشر دون فرج فأنزل، أو كرّر النظر فأنزل أو قبل أو لمس لشهوة فأنزل أو لمستني فأمنى، فحكمها -أي البدنة الواجبة بذلك- كبدنة وطء في فرج قياسًا عليها؛ فإن وجدها نحرها وإلا صَامَ عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع؛ لأنه يوجب الغسل أشبه الوطء وما أوْجَبَ من ذلك شاة، كما لو أمذى أو باشر ولم ينزل أو أمنى بنظرة فكفدية أذى لما فيه من الترفه، وكذا لو وطئ في العمرة.
قال ابن عباس: فمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، رواه الأثرم. وكذا لو وطئ بعد التحلل الأول في الحج. وامرأة مع شهوة فيما سبق كرجل فيما يجب من الفدية كالوطء وما وجب من فدية لفوت حج أو لترك واجب فكمتعة تجبُ شاة؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام؛ لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه أشبه المترفه بترك أحد السفرين؛ لكن لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بطلوع فجره قبل الوقوف، ولا شيء على من فكر فأنزل؛ لحديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم» متفق عليه. ولا يقاس على تكرار النظر؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة وإفضائه
стр. 565
إلى الإنزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة فيبقى على الأصل.
س ٢٢٨: إذا كرر محظورًا من جنس، فما الحكم وما المثال؟ وإذا فعل محظورًا من أجناس فما الحكم؟ وإذا حلق أو قلمّ أو وطئ أو قتل صيدًا عامدًا أو مخطئًا فما الحكم؟ وضّح ذلك مع ذكر ما نستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: ومَن كرر محظورًا من جنس غير قتل صيد بأن حلق أو قلَّم أو لبس أو تطيب أو وطئ وأعاده قبل التفكير عن أول مرة في الكل، فعليه كفارة واحدة للكل؛ لأن الله تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة؛ لأنه صادف إحرامًا فوجبت كالأول، وإن كان المحظور من أجناس بأن حلق وقلَّم ظفره وتطيب وليس مخيطًا فعليه لكل جنس فدى تفرقت أو اجتمعت؛ لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة وعكسه، إذا كانت من جنس واحد وعليه في الصيود وإن قُتلت معًا جزاءٌ بعددها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ومثل الصيدين فأكثر لا يكون مثل أحدهما وإن حلق أو قلم فعليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد؛ لأنه إتلاف، ولأنه تعالى أوجب الفدية على من حلق لأذىً به وهو معذور فغيره أولى، وقيل: لا فدية على مكره وناس وجاهل ونائم؛ وأما إذا وطئ؛ فإن عليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد.
وأما إذا قتل صيدًا فيستوي عمده وسهوه أيضًا، هذا المذهب، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسُّنة وعنه لا كفارة على المخطئ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وابن المنذر وداود؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ فدلَّ بمفهومه
стр. 566
على أنه لا جزاء على الخاطئ؛ ولأن الأصل براءة ذمته فلا نشغلها إلا بدليل؛ ولأنه محظور بالإحرام لا يفسد به ففرق بين عمده وخطئه كاللبس.
ووجه الأول: قول جابر ﵁ جعل رسول الله ﷺ الضبع يصيده المحرم كبشًا، وقال ﵇ في بيض النعام: «يصيبه المحرم ثمنه»، ولم يفرق بين العمد والخطأ. رواهما ابن ماجه. ولأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي، وقيل في الجميع: إن المعذور بنسيان أو جهل كما لا إثم عليه لا فدية عليه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي لما أراه من قوة الدليل. والله أعلم.
س ٢٢٩: تكلم عما يلي: مَن لبس أو تطيّب أو غطى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا؟ مَن لم يجد ماءً لغسل طيب؟ ماذا يعمل من تطيب قبل إحرامه؟ إذا لبس محرم أو افترش ما كان مطيّبًا؟
ج: وإن لبس مخيطًا ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا أو تطيب ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا أو غطى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا فلا كفارة؛ لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه فقد ذهب، فهذه الثلاث العمد والخطأ والنسيان فيها سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده مثل ما إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر ألقاهُ عن رأسه وليس عليه شيء أو ليس خفّا نزعه وليس عليه شيء، ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف، ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال، أي بمجرد زوال العذر من النسيان والجهل والإكراه؛ لخبر يعلى ابن أمية أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، وعليه جبة أثر خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال: يا رسول الله، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: «اخلع عنك هذه الجبّة، واغسل عنك أثر الخلوق»، أو قال: «أثر الصفرة واصنع
стр. 567
في عمرتك كما تصنع في حجك» متفق عليه. فلم يأمره بالفدية مع سؤاله عمّا يصنع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فدلّ ذلك على أنه عذر لجهله والناسي والمكره في معناه.
ومن لم يجد ماء لغسل طيب وهو محرم مسحه أو حكه بتراب أو نحوه؛ لأن الواجب إزالته حسب الإمكان، ويستحب أن يستعين في إزالته بحلال لئلا يباشره المحرم وله غسله بيده؛ لعموم أمره ﵊ بغسله؛ ولأنه تارك له، وله غسله بمائع؛ فإن أخر غسل الطيب عنه بلا عذر فَدَى للاستدامة، أشبه الابتداء ويفدي من رفض إحرامه، ثم فعل محظورًا؛ لأن التحلل من الإحرام إما بإكمال النسك أو عند الحصر أو بالعذر إذا شرط وما عداها ليس له التحلل به ولا يفسد الإحرام برفضه كما لا يخرج منه بفساده؛ فإحرامه باق وتلزمه أحكامه ولا شيء عليه لرفض الإحرام؛ لأنه مجرد نية لم يؤثر شيئًا، وقدم في الفروع: يلزمه له دم، ومن تطيب قبل إحرامه في بدنة فله استدامته فيه؛ لحديث عائشة: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم. متفق عليه.
ولأبي داود عنها: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضد جباهنا بالمسك المطيب عن الإحرام؛ فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلا ينهاها.
ولا يجوز لمحرم لبس مطيب بعد الإحرام؛ لحديث: «لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» متفق عليه؛ فإن لبس مطيبًا بعد إحرامه فدى أو استدام لبس مخيط أحرم فيْه ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه فدى؛ لأن استدامتهُ كابتدائه، ولا يشقه؛ لحديث يعلى بن أمية؛ ولأنه إتلاف مال بلا حاجة ولو وجب الشق أو الفدية بالإحرام فيه لبَيَنَّهُ ﷺ .
стр. 568
وإن لبس محرم أو افترش ما كان مطيّبًا وانقطع ريحه ويفوح ريحه برش ماء على ما كان مطيبًا وانقطع ريحه ولو افترشه تحت حائل غير ثيابه لا يمنع الحائل ريحه ولا مباشرته فدى؛ لأن مطيّب استعمله لظهور ريحه عند رش الماء والماء لا ريح فيه؛ وإنما هو من الطيب فيه ولو مسّ طيبًا يظنه يابسًا فبان رطبًا، ففي وجوب الفدية وجهان: صوب في «الإنصاف»، وتصحيح الفروع لا فدية عليه، وقال: قدمه في «الرعاية الكبرى» في موضع انتهى من «المنتهى وشرحه».
س ٢٣٠: تكلم بوضوح عما يتعلق بحرم أو إحرام من هدي أو إطعام؟ وحكم تفرقة لحمه في الحرام أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكين الحرم؟ ومَن هم مساكين الحرم؟ وإذا تعذر إيصاله إلى فقراء الحرم، فما الحكم؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: كل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام كجزاء صيد حرم أو إحرام، وما وجب من فدية لترك واجب أو لفوات حج، أو وجب بفعل محظور في حرم كلبس ووطء فيه فهو لمساكين الحرم؛ لقول ابن عباس ﵄: الهدي والإطعام بمكة، وكذا هدي تمتع وقران ومنذور ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وقيس عليه الباقي.
ويلزمه ذبح الهدي بالحرم، قال أحمد: مكة ومنى واحد واحتج الأصحاب بحديث جابر مرفوعًا: «فجاج مكة طريق ومنحر» رواه أحمد وأبو داود، ورواه مسلم بلفظ: «منى مَنحَر» وإنما أراد الحرم؛ لأنه كله طريق إليها، والفج: الطريق. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
ويلزم تفرقة لحمه لمساكين الحرم أو إطلاقه لهم بعد ذبحه؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة عليهم ولا يحصل بإعطاء غيرهم، وكذا الإطعام، قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة؛ ولأنه ينفعهم كالهدي.
стр. 569
ومساكين الحرم هم مَن كان مقيمًا به أو وَارِدًا إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة الحاجة كالفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه؛ والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى ونحَر ما وجب بعمرة بالمروة خروجًا من خلاف مالك ومَن تبعه.
وإن سلّم الهدي حيًّا لمساكين الحرم فنحروه أجزأه لحصول المقصود وإلا استرده وجوبًا ونحره لوجوب نحره؛ فإن أبى أو عجز عن استرداده ضمنه لمساكين الحرم لعدم براءته؛ فإن لم يقدر على إيصاله إليهم جاز نحره في غير الحرم كالهدي إذا عطب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وجاز تفرقته هو والطعام إذا عجز عن إيصاله بنفسه أو بمن يرسله معه حيث نحره.
س ٢٣١: تكلم عن الزمان والمكان لفدية الأذى وما ألحق به؟ وما وجب لترك واجب؟ ومتى يخرج دم الإحصار؟ وهل الصيام والحلق مكان معين؟ وما الذي يُجزي في الدم المطلق؟ وتكلم عن إجزاء البدنة أو البقرة عن الشياه وبالعكس؟
ج: فدية الأذى واللبس ونحوهما كطيب وما وَجَبَ بفعل محظور خارج الحرم فله تفرقتها حيث وجد سببها؛ لأنه ﷺ أمر كعْبَ بن عجرة بالفدية بالحديبية وهي من الحل واشتكى الحسين بن عليّ رأسه فحلقه عليّ ونحر عنه جزورًا بالسقيا. رواه مالك والأثرم وغيرهما، وله تفرقتها في الحرم أيضًا كسائر الهدايا.
ووقت ذبح فدية الأذى أي حلق الرأس وفدية اللبس ونحوهما كتغطية الرأس والطيب وما ألحق بما ذكر من المحظورات حين فعله وله الذبح فعله إذا أراد فعله لعذر ككفارة اليمين ونحوها، وكذلك ما وجب لترك واجب يكون وقته من ترك ذلك الواجب.
стр. 570
ودم إحصار يخرجه حيث أحصر من حلَّ أو حرم؛ لأن النبي ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية، وهي من الحل ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ولأنه موضع حلّه فكان موضع نحره كالحرم.
وأما الصيام والحلق فيجزئه بكل مكان؛ لقول ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة والصوم حَيْث شاء؛ ولأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي والإطعام بمكة ولعدم الدليل على التخصيص.
والدم يجزي فيه شاة كأضحية فيجزي الجذع من الضأن، والثني من المعز، أو سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قال ابن عباس: شاة أو شرك في دم، وقوله تعالى في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وفسره ﷺ في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة وما سوى هذين مقيس عليهما، وإن ذبح بدنة أو بقرة فَهُو أفضل وتكون كلها واجبة؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكان كله واجبًا كما لو اختار الأعلى من خصال الكفارة.
ومن وجبت عليه بدنة أجزأته عنها بقرة؛ لقول جابر: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقرة، فقال: وهل هي إلا من البدن. رواه مسلم.
ومَن وجبت عليه بقرة أجزأته عنها بَدَنة، ويجزي عن سبع شياه بدنة أو بقرة مطلقًا وجد الشاة أو عدمها في جزاء صيد أو غيره؛ لحديث جابر: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة». رواه مسلم.
стр. 571
٣٠ - باب جزاء الصيد
س ٢٣٢: ما المراد بجزاء الصيد؟ ومتى يجتمع الضمان والجزاء في الصيد؟ الصيد ينقسمُ قسمين: ما له مثل من النعم، والقسم الثاني: ما لا مثل له فوضَّح أولاً القسم الأول؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.
ج: جزاء الصيد ما يستحق بدله على من أتلفه بمباشرة أو سبب من مثله ومقاربه وشبهه، وهذا بيان نفس جزائه، والذي تقدم في الفدية ما يفعل به فلا تكرار.
ويجتمع على مُتْلفِ صَيْدِ ضمانُ قيمته لمالكه وجزاؤه لمساكين الحرم في صيد مملوك؛ لأنه حيوان مضمون بالكفارة، فجاز اجتماعهما فيه كالعبد، وهو قسمان ماله مثل من النعم خلفة لا قيمة، فيجب فيه ذلك المثل نصًّا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وجعل ﵊ في الضبع كبشًا، والصيد الذي له مثل من النعم نوعان: أحدهما: ما قضت فيه الصحابة فيجب فيه ما قضت به؛ لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسُّنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» رواه احمد والترمذي وحسنه، وفي الخبر: «اقتدوا بالّلذين مِن بعدي أبي بكر وعمر»؛ ولأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب كان حكمهم حجة على غيرهم، وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ لا يقتضي التكرار للحكم، كقوله: لا تضرب زيدًا، ومن ضربه فعليه دينار، لا يتكرر بضرب واحد.
ففي النعامة بدنة حكم به عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية؛ لأنها تشبه البعير في خلقته، فكان مثلاً لها فيدخل في عموم النص: وجعلها الخرقي من أقسام الطير؛ لأن لها جناحين فيعابا بها، فيقال: طائر يجب فيه بدنة.
стр. 572
ويجب في حمار الوحش بقرة قضى به عمر، وقاله عروة ومجاهد؛ لأنها شبيهة به، وفي بقر لوحش بقرة قضى به ابن مسعود وقاله عطاء وقتادة. وفي الأيّل والثَيْتل والوعَل؛ أما الأيل فهو الذكر من الأوعال، وفيه بَقَرةَ؛ لقول ابن عباس ﵄، والثبتل هو الوعل المسنَّ، وفيه بقرة؛ وأما الوعل فهو تيس الجبل وفيه بقرة، روي عن ابن عمر في الأروى بقرة.
وفي الضبع كبش؛ لما ورد عن جابر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: «هو صيد ويجعل فيْه كبش إذا صاده المحرم» أخرجه أبو داود، وعنه أن عمر قضى في الضبع كبش، أخرجه مالك وسعيد بن منصور، وعنه عن النبي ﷺ قال: «في الضبع إذا صاده المحرم كبش» أخرجه الدارقطني، وعن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال: في الضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم، أخرجه الشافعي.
وفي غزال عنز؛ لما ورد عن جابر أن النبي ﷺ قضى في الظبي بشاة أخرجه الدارقطني، وعنه أن عمر قضى في الغزال بعنز، أخرجه مالك والشافعي والبيهقي وسعيد بن منصور، وعن عروة قال في الشاة من الظباء: شاة، أخرجه سعيد بن منصور. وروي عن علي وابن عباس وابن عمر في الظبي شاة؛ لأن فيه شبهًا بالعنز؛ لأنه أجرد الشعر متقلّص الذنب.
وفي وَبْر ووهو دويّبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها جَدْيٌ.
وفي ضبَّ جَدْيٌ قضى به عمر وأربَدُ والوبْرُ مقيسٌ على الضب.
والجدي الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر قضى به عمر وعبد الرحمن بن عوف ﵁ في الضَّب.
وفي يربوع جفرة لها أشهر؛ لما ورد عن جابر أن النبي ﷺ قال في اليربوع: جفرة، أخرجه الدارقطني، وعن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة، أخرجه الشافعي، وروى عن عمر وعن عطاء في اليربوع جفرة.
стр. 573
وفي الأرنب عناق أي أنثى من أولاد المعز أصغر من الجفر قضى به عُمر، وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «في الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة» رواه الدارقطني.
وفي واحد الحمام وهو كل ما عَبّ وهدر شاة قضى به عمر وابنه وعثمان وابن عباس في حمام الحرم، وروي عن ابن عباس أيضًا في حال الإحرام قال: الأصحاب: هو إجماع الصحابة، وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه في كرع الماء ولا يشرب كيفية الطيور، ومن هنا قال أحمد: وسندي كل طير يعبّ الماء كالحمام فيه شاة فيدخل فيْه الفواخت والقَمريُّ والقطا ونحوها؛ لأن العرب تسميها حمامًا.
س ٢٣٣: تكلم بوضوح عما لم تقض فيه الصحابة؟ وهل يجوز أن يكون أحد الحاكمين القاتل؟ وبأي شيء يضمن الصغير والمعيب والكبير والصحيح والأعور والأعرج؟ وهل يجزي فداء ذكر بأنثى وبالعكس؟ وهل المعتبر المثليّة بالقيمة أم الخلقة؟
ج: النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة ﵃ وله مثل من النعم فيرجع فيه إلى قول عدلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ فلا يكفي واحد من أهل الخبرة؛ لأنه يتمكن من الحكم بالمثل إلا بهما فيعتبرانِ الشّبهَ خِلقةً لا قيمةً؛ لفعل الصحابة.
ويجوز أن يكون القاتل أحدهما نص عليه؛ لظاهر الآية، وروي أن عمر أمر كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، وأمر أيضًا أرْبدَ بذلك حين وطئ الضب فحكم على نفسه بجدي فأقرَّه وكتقويمه عُرض التجارة لإخراج الزكاة.
ويجوز أن يكونا، الحاكمان بمثل الصيد المقتول القاتلين فيحكمان على أنفسهما بالمثل؛ لعموم الآية، ولقول عمر: احكم يا أرْبَدُ فيه أي الضب
стр. 574
الذي وطئه أربد ففزر ظهره، رواه الشافعي في «مسنده»، قال أبو الورقاء عليَّ بن عقيل: إنما يحكم القاتل للصيد إذا قتله خطأ أو لحاجة أكله أو جاهلاً تحريمه، قال المنقح: وهو قوي، ولعله مرادهم؛ لأن قتل العمد ينافي العدالة.
ويضمن صغير وكبير وصحيح ومعيب: وما خص بمثله من النعم؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ومثل الصغير صغير، ومثل المعيب معيب؛ ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والعيب وغيرهما كالبهيمة، وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ مقيد بالمثل.
وقد أجمع الصحابة على إيجاب ما لا يصلح هديًا كالجفرة والعناق والجدي وإن فدى الصغير أو المعيب بكبير أو صحيح فأفضل.
ويجوز فداء صيد أعور من عين يمنى أو يسرى وفداء صيد أعرج قائمة يمنى أو يسرى بمثله من النعم أعور عن الأعور من أخرى كفداء أعور يمنى بأعور يسار وعكسه، وأعرج من قائمة بمثله أعرج من قائمة أخرى، كأعرج يمين بأعرج يسار وعكسه؛ لأن الاختلاف يسير ونوع العيب واحد والمختلف محله.
ويجوز فداء ذكر بأنثى وفداء أنثى بذكر، ولا يجوز فداء أعور بأعرج ونحوه لاختلاف نوع العيب أو محله. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ٢٣٤: تكلم عما لا مثل له من النعم؟ وإذا أتلف محرم أو من بالحرم جزءًا من صَيْد فاندمل جرحه، وإذا جنى محرم أو من بالحرم على حامل؟ وإذا أمسك محرم صيدصا فتلف فرخه؟ ونفر فتلف أو نقص حال نفوره؟ وإذا أخرجه جرحًا غير مُوحٍ فغاب أو وجده ميتًا ولم يعلم موته بجنايته، وإذا وقع في ماء أو تردّى من علو؟ وإذا اندمل غير ممتنع؟ وإذا نتف ريشه أو شعره أو وبره؟ وإذا اشترك حلال ومحرم في صيد حرمي، فما الحكم؟
стр. 575
ج: القسم الثاني من الصيد ما لا مثل له من النعم: وهو سائر الطير، ففيه قيمته إلا ما كان أكبر من الحمام، وذلك كالكركيّ والأوزّ والحباري، فقبل بضمنه بقيمته وهو مذهب الشافعي؛ ولأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير تركناه في الحمام لإجماع الصحابة ﵃ في غيره يبقى على أصل القياس، ولا يجوز إخراج القيمة طعامًا، وقيل: بلى.
والثاني: يجب شاة روي عن ابن عباس وعطاء وجابر أنهم قالوا: في الحجلة والقطاة والحباري شاة، وزاد عطاء في الكركيّ والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والحزب شاة والحزب فرخ الحباري، وكالحمام بطريق الأولى.
وإن أتلف محرم أو من بالحرم جزءًا من صيد، فاندمل جرحه وهو ممتنع وله مثل من النعم ضمن الجزء المتلف بمثله من مثله من النعم لحمًا كأصله ولا مشقة فيه لجواز عدوله إلى الإطعام والصوم وألا يكن له مثل من النعم؛ فإنه يضمنه بنقصه من قيمته؛ لضمان جملته بالقيمة فكذا جزاؤه.
وإن جنى محرم أو من بالحرم على حامل، فألقت ميتًا ضمن نقص الأم فقط، كما لو جرحها؛ لأن الحمل زيادة في البهائم.
وما أمسك محرم من صيد، فتلف فرخه أو ولده أو نفره، فتلف حال نفوره أو نقص حال نفوره ضمنه لحصول تلفه أو نقصه بسببه لا إن تلف بعد أمته.
وإن جرح الصيد جرحًا غير موح فغاب ولم يعلم خبره ضمنه بما نقصه فيقوّم صحيحًا وجريحًا غير مندمل، ثم يخرج من مثله إن كان مِثْليًّا، وكذا إن وجده ميتًا بعد جرحه غير مُوْح ولو يعلم موته بجرحه وإن وقع صيد بعد جرحه في ماء أو تردّى من علوّ بعد جرحه، فمات ضمنه جارحه لتلفه بسببه، ويجب فيما اندمل جرحه من الصيود غير ممتنع من قاصده جزاء جميعه؛ لأنه عطله فصار كتالف وكجرح تيقن به موته، وقيل: يضمن ما نقص لئلا يجب جزاءه لو قتله محرم آخر، وهذا القول عندي أنه أرجح. والله أعلم.
стр. 576
وإن جرح الصيد جرحًا موحيًا لا تبقى معه حياة فعليه جزاء جميعه، وإن نتف ريشه أو شعره أو وبره فعاد فلا شيء عليه فيه، وإن صاد غير ممتنع فكجرح صار به غير ممتنع، وكلما قتل محرم صيدًا حكم عليه بالجزاء في كل مرة، هذا المذهب وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ الآية؛ لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء وذكر العقوبة في الآية لا يمنع الوجوب؛ ولأنها بدل متلف يجب به المثل أو القيمة فأشبه مال الآدمي.
قال أحمد: روي عن عمر وغيره، أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوه هل كان هذا قتل أو لا؟ وفيه رواية ثانية أنه لا يجب إلا في المرة الأولى، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال شريح والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ولم يوجب جزاء، وفيه رواية ثالثة إن كفَّر عن (الأول) فعليه (للثاني) كفارة وإلا فلا.
وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرميّ، فالجزاء عليهما نصفين لاشتراكهما في القتل.
стр. 577
٣١ - باب صيد الحرمين
س ٢٣٥: تكلم عن حكم صيد حرم مكة؟ وإذا قتل محل من الحل صيدًا في الحرم كله أو جزؤه؟ وإذا قتل الصيد في الحل محل بالحرم؟ وإذا أمسكه بالحرم فهلك فرخه بالحل؟ وإذا أرسل كلبه من الحل على صيد بالحل فقتل الصيد بالحرم، وإذا دخل كلبه أو سهمه بالحرم، ثم خرج منه فقتل صيدًا أو جرحه بالحل فمات بالحرم؟ وتكلم عن حكم الصيد الذي وُجدَ سبب موته بالحرم؟
ج: حكم صيد حرم مكة حكم صيد الإحرام فيحرم حتى على محل إجماعًا؛ لخبر ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» الحديث، وفيه «لا ينفر صيدها» متفق عليه.
ويضمن بريه بالجزاء لما سبق عن الصحابة، ويدخله الصوم كصيد الإحرام، وصغير وكافر كغيرهما حتى في تملكه فلا يملكه ابتداء بغير إرث إلا أنه يحرم صيد بحريه أي الحرم؛ لعموم الخبر ولا جزاء فيه لعدم وروده.
وإن قتل محل من الحل صيدًا في الحرم كله ضمنه؛ لعموم: «ولا ينفر صيدها» وتغليبًا لجانب الحضر، وإذا كان جزء من الصيد في الحرم؛ فإن كان ذلك الجزء من القوائم ضمنه مطلقًا قائمًا أولاً، وإن كان من غير القوائم كالرأس والذنب؛ فإن كان الصيد غير قائم ضمنه أيضًا، وإن كان قائمًا لم يضمنه.
وإن قتل الصيد على غصن في الحرم ولو أن أصله في الحل ضمنه؛ لأنه في الحرم، وإن أمسك الصيد بالحل فهلك فرخه بالحرم أو هلك ولده بالحرم
стр. 578
ضمنه؛ لأنه تلف بسببه، وإن قتل الصيد في الحل محل بالحرم ولو على غصن أصله بالحرم بسهم أو كلب أو غيرهما لم يضمن.
وإن أمسكه حلال بالحرم فهلك فرخُه بالحل أو هلك ولده بالحل لم يضمن؛ لأنه من صيد الحل، وإن أرسل حلال كلبَه من الحِل على صيده به فقتله أو غيره بالحرم لم يضمن، أو فعل ذلك بسهمه بأن رمى محل به صيدًا بالحل فشطح السهم، فقتل الصيد في الحرم لم يضمن؛ لأنه لم يرم به ولم يرسل كلبه على صيد بالحرم، وإنما دخل الكلب باختيار نفسه أشبه ما لو استرسل بنفسه، وكذا سهمه إذا شطح بغير اختياره أو دخل سهمه أو كلبه الحرم، ثم خرج منه فقتل صيدًا أو جرحه بالحل، فمات بالحرم لم يضمن، كما لو جرحه محل ثم أحرم ثم مات الصيد في إحرامه فلا يضمنه؛ لأنه لم يجن عليه في إحرامه، ولو رمى الحلال صيدًا، ثم أحرم قبل أن يصيبه ضمنه اعتبارًا بحال الإصابة.
ولو رمى المحرم صيدًا ثم حَلَّ قبل الإصَابة لم يضمن الصيد اعتبارًا بحال الإصابة ولا يحل ما وجد سَببُ موته بالحرم تغليبًا للحظر، كما لو وجد سببه في الإحرام فهو ميتة، ولو جرح محل من الحل صيدًا في الحل، فمات الصيد في الحرم حل ولم يضمن؛ لأن الزكاة وجدت بالحل.
س ٢٣٦: تكلم عن حكم قطع شجر حرم مكة؟ ورعي حشيشه؟ وما تضمن به الشجرة وحشيشه؟ وإذا غرس الشجرة في الحل وتعذر ردها أو يبست فما الحكم؟ وإذا نفر الصيد من الحرم ثم قتل في الحِل، فما الحكم؟ وإذا قطع غُصنًا في الحل أصله أو بعض أصله في الحل، فما الحكم؟ وإذا قطعه في الحرم وأصله كله في الحل، فما حكمه؟ واذكر ما في ذلك من دليل أو تعليل؟
ج: يحرم قطعُ شجر حرم مكة الذي لم يزرعه آدمي إجماعًا؛ لقوله-﵊: «ولا يعضد شجرها»، ويحرم قطع حشيشه؛ لقوله-عليه الصلاة
стр. 579
والسلام-: «ولا يحش حشيشها»، حتى الشوك ولو ضر؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: «ولا يختلي شوكها»، وحتى السواك ونحوه والورق لدخوله في مسمى الشجر إلا اليابس من شجر وحشيش؛ لأنه كميت وإلا الإذخر لقول العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم.
قال: «إلا الإذخر» وهو نبت طيب الرائحة، والقين: الحداد، إلا الكمأة والفقع؛ لأنهما لا أصل لهما، وإلا الثمرة؛ لأنها تستخلف وإلا ما زرعه الآدمي من الشجر.
ويباح وعي حشيش الحرم؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سَدُّ أفواهها، ولدواعي الحاجة إليه أشبه قطع الإذخر، بخلاف الإحشاش لها، ويباح انتفاع بما زال من شجر الحرم أو انكسر فيه بغير فعل آدمي، ولو لم ينفصل لتلفه فصار كالظفر المنكسر، وتضمن شجرة صغيرة عرفًا بشاة، ويضمن ما فوق الصغيرة من الشجر وهي الكبيرة والمتوسطة ببقرة؛ لقول ابن عباس: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة.
قال: والدوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة، ويخير بين الشاة أو البقرة فيذبحها ويفرقها أو يطلقها لمساكين الحرم، وبين تقويمه أي المذكور من شاة أو بقرة بدراهم ويفعل بقيمته كجزاء صيد بأن يشتري بها طعامًا يجزي في الفطرة فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرِّ أو نصف صاع من غيره أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا، ويضمن حشيش وورق بقيمة؛ لأنه متقوم ويفعل بقيمته كما سبق ويضمن غصن بما نقص كأعضاء الحيوان، وكما لو جنى على مال آدمي فنقص ويفعل بأرشه، كما مر؛ فإن استخلف شيء من الشجر والحشيش والورق ونحوه سقط ضمانه كريش صيد نتفه وعَادَ وكَرَد شجرة فنبتت ويضمن نقصَهَا إن نقصت بالرد، ولو قلع شجرة من الحرم ثم غرسها في الحل وتعذر
ردها أو يبست ضمنها لإتلافها، فلو قلعها غيره ضمنها القالع وحده؛
стр. 580
لأنه المتلف لها، ويضمن منفر صيدًا من الحرم قتل بالحل لتفويته حرمته ولا ضمان على قاتله بالحلي، وكذا مخرج صيد الحرم إلى الحل فيقتل به فيضمنه إن لم يرده إلى الحرم؛ فإن رده إليه فلا ضمان، ولو رمى صيدًا فأصابه، ثم سقط على آخر فماتا ضمنهما.
ويضمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم أو بعض أصله بالحرم لتبعيته لأصله، ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله بالحل لما سبق، ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لما روى الترمذي، وقال: حسن غريب.
عن عائشة أنها كانت تحمل من زمزم وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله؛ ولأنه يستخلف كالثمرة، وقال أحمد: أخرجه كعب ولم يزد عليه.
س ٢٣٧: تكلم بوضوح عن حدّ حرم مكة وعن المجاورة بمكة وأفضليتهما ومضاعفة الحسنات والدليل والجواب عن الإرادات؟
ج: وحدّ حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أمياله عند بيوت السقيا دون التنعيم، وجدّه من اليمن سبعة أميال عند أضاةِ لبْن؛ وحَده من العراق كذلك أي سبعة أميال على ثنية رجْل بالمنقطع، وَحَدُّه من الطائف وبطن نمرة كذلك، أي سبعة أميال عند طرف عرفة، وحده من الجعرّانة تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، وحده من طريق جدة عشرة أميال، وحكم وَجَّ وأدى بالطائف كغيره من الحل، فيباح صيده وشجره وحشيشه بلا ضمان، والخبر فيه ضعفه أحمد وغيره، وقال ابن حبان والأزدي: لم يصح حديثه، ومكة أفضل من المدينة؛ لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو واقف بالخزورة في سوق مكة: «والله إنا لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح، ولمضاعفة الصلاة فيه أكثر.
стр. 581
وأما حديث: «المدينة خير من مكة» فلم يصح، وعلى فرض صحته فيحمل على ما قبل الفتح، ونحوه حديث: «اللهم إنهم أخرجوني من أحبّ البقاع إليّ، فأسكني في أحبّ البقاع إليك» يرد أيضًا بأنه لا يعرف، وعلى تقدير صحته، فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة، وتستحب المجاورة بمكة لما سبق من أفضليتها وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان فاضل وبزمان فاضل؛ لقول ابن عباس، وسُئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا، إلا بمكة لتعظيم البلد، ولو أن رجلاً بعدن وهمّ أن يقتل بعد البيت أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان.
стр. 582
٣٢ - فصل في حرم المدينة
س ٢٣٨: تكلم عن حرم المدينة وعمَّا يجوز أخذه وعن صيدها وحشيتها؟ وبيَّن حدود حرمها، وعن مقدار ما جعله النبي ﷺ حِمًى؟
ج: يحرم صيد حرم المدينة، وتسمى طابةَ وَطيْبَةَ، قال حسان:
بِطَيْبَةِ رَسمٌ للرسول ومعهدُ … مُنيرٌ وقد تَعْفوا الرسوم وتْهمُد
وإن صاده وذبحه صَحَّتْ تذكيتَه، ويحرم قطع شجرها وحشيشها؛ لما روى أنس: أن النبي ﷺ قال: «المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها» متفق عليه.
ولمسلم لا يختلي، فَمن فعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل أي رَحل البعير وهو أصغر من القتب وعوارضه وآلة الحرث ونحوه والعارضة لسقف المحمل، والمساند من القائمتين اللتين تنصب البكرة عليهما والعارضة بين القائمتين ونحو ذلك؛ لما روى جابر: أن النبي ﷺ لما حرّم المدينة، قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غَيْرَ أرضنا فرخص لنا، فقال: «القائمتان والوسادة والعارضة والمسند؛ فأما غير ذلك فلا يعضد» رواه أحمد. فاستثنى الشارع ذلك وجعله مباحًا، والمسند عود البكرة.
ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف؛ لقوله ﷺ في حديث عليّ: «ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» رواه أبو داود؛ ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى
стр. 583
الضرر بخلاف مكة، ومن أدخل إليها صيدًا، فله إمساكه وذبحه؛ لقولِ أنس: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال: أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا وكان إذا جاء، قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغِير؟ - وهو طائر صغير كان يلعب به» متفق عليه، ولا جزاء في صيدها وشجرها وحشيشها.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخول حرمها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النسك ولا لذبح الهدايا، فكانت كغيرها من البلدان ولا يلزم من الحرمة الضمان ولا لعدمها عدمه وحدّ حرمها ما بين ثور إلى عَيْر؛ لحديث عليّ مرفوعًا: «حرم المدينة ما بين ثور إلى عير» متفق عليه. وهو ما بين لابتيها؛ لقول أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه، واللابة الحرَّة وهي أرض تركبها حجارة سوداء، فلا تعارض بين الحديثين.
قال في «فتح الباري»: رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل جبل لابة أو لابتيها من الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق: وقَدْرُهُ بَريدٌ في بَريد. وثور رجل صغير يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير خلف أحُد من جهة الشمال، وعير جبل مشهور بالمدينة، «وجعل النبي ﷺ حول المدينة أثنى عشر ميلاً حمًى» رواه مسلم عن أبي هريرة، ولا يحرّم على المحل صَيْدُ وَجٍّ وشجره وحشيشه وهو واد بالطائف.
стр. 584
٣٣ - باب دخول مكة
س ٢٣٩: بَّين متى يُسن دخول مكة؟ ومِن أين يدخلها؟ ومِن أين يخرج؟ ومِنْ أين يدخل المسجد الحرام؟ وما الذي يقوله إذا رأى البيت؟ وما الذي يُسن لمريد دخول مكة؟ وما الذي يُسَن قوله حين يدخل المسجد؟
ج: يُسنُّ الاغتسال لدخوله ولو كان بالحرم ولدخول حرمها، ويُسن أن يدخلها نهارًا؛ لما ورد عن نافع قال:
إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طُوى حتى يصبح ويغتسل ويصلي فيدخل مكة نهارًا، وإذا نفر منها مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح وَيَذْكُرُ «أنَّ النبيّ ﷺ كان يفعل ذلك» متفق عليه.
ويُسن الدخول من أعلاها أي مكة من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والدال ممدود مهموز مصروف وغير مصروف- ذكره في المطلع النصيرية للهوريني.
ويُسن أن يخرج مِن كُدًا بضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طُوَى بقرب شعب الشافعيين من الثنية السفلى:
يُسنُّ دخولٌ من كدَاء لِمَكّة … بفتح وبالضم الخَروجُ فَقَيدِ
والدليل على ذلك ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «إن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها» متفق عليه.
عن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العلياء التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى» رواه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 585
ويُسنُّ أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شبييه؛ لحديث جابر: «أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شَيْبَةَ ثم دخل» رواه مسلم وغيره.
ويقول حين يدخلهُ: «بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب فضلك»، فإذا رأى البيت رفع يديه؛ لما ورد عن ابن جريج، قال: حدثت عن مقسم:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة ويجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميَّت».
وعن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا» الحديث.
ويُسن أن يقول بعد رفع يديه: «اللهم أنت السلام ومنك السلام حَيِّنَا ربَّنَا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا، وزد من عظّمه وشرّفه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًّا، الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته وَرَآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» يرفع بذلك صوته؛ لأنه ذكر مشروع أشبه التلبية.
س ٢٤٠: ماذا يفعل بعد رفع يديه وقول الوارد عند رؤية البيت؟
ج: ثم يطوف متمتع للعمرة، ويطوف مفرد للقدوم، ويطوف قارن للقدوم وهو الوُرُود فتستحب البداءة بالطواف لداخل المسجد الحرام، وهو
стр. 586
تحية الكعبة وتحية المسجد الصلاة وتجزي عنها ركعتا الطواف؛ لحديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا.
وعن عائشة: «حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» متفق عليه.
وروي عن أبي بكر وعمر وابنه وعثمان وغيرهم: ويضطبع استحبابًا غير حامل معذور في كل أسبوعه بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا.
ورويا عن ابن عباس أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرّانة، فرَملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عراتقهم اليسرى، وإذا فرغ من طوافه أزاله ويبتدي الطواف من الحجر الأسود، لفعله ﵊ فيحاذيه بكل بدنه ويستلمه أي يمسح الحجر بيده اليمنى.
وروى الترمذي مرفوعًا: «أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم»، وقال: حسن صحيح، ويقبّله بلا صوت يظهر للقُبلة؛ لحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يَبْكي، فقال: «يا عمر، هاهنا تسكب العبرات» رواه ابن ماجه.
ويسجد لما ورد عن ابن عباس ﵄ «أنه كان يقّبل الحجر الأسود ويسجد عليه» رواه الحاكم مرفوعًا، والبيهقي موقوفًا.
فإن شق استلامه وتقبيله لم يزاحم واستلمه بيده وقبّلها؛ لما ورد عن نافع، قال: رأيتُ ابن عمر ﵄ استلم الحجر بيده ثم قبّل يده، وقال: «ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله» متفق عليه.
ولما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ استلمه وقبّل
стр. 587
يده» رواه مسلم. فإن شق استلامه بيده؛ فإنه يستلمه بشيء ويقبل مما استلمه به؛ لما ورد عن أبي الطفيل عامر بن وَاثِلة قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه، ويقبل المحجن» رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
فإن شق استلامه بيده فبشيء أشار إليه واستقبله بوجهه ولا يقبل المشار به؛ لعدم وروده ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله أو السجود عليه فيؤذي أحدًا من الطائفين، ويقول عند استلام الحجر أو استقباله بوجهه إذا شق استلامه: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسُّنة نبيك محمد ﷺ ، ويقول ذلك كلما استلمه؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ استلم الركن الذي فيه الحجر وكبّر، وقال: «اللهم وفاء بعهدك وتصديقًا بكتابك».
وعن عليّ -كرم الله وجهه- أنه كن يقول إذا استلم: اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسُّنة نبيك محمد ﷺ .
وعن ابن عمر ﵄ مثله، وعن عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف على يمينه؛ لما روى عن جابر: «أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» رواه مسلم والنسائي.
ولأنه ﵊ طاف كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وليقرب جانبه الأيسر من البيت، فأول ركن يمر به الطائف يسمى الشامي والعراقي وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي والشِّامي وهَوَ جهة المغرب ثم اليماني جهة اليمن، فإذا أتى عليه استلمه، ولم يقبله ولا يستلم ولا يقبل الركنين الآخرين؛ لقول ابن عمر: لم أرى النبي ﷺ يمسح من الأركان
стр. 588
إلا اليمانيين. متفق عليه. ويرمل طائف ماش غير حامل معذور، وغير نساء وغير محرم من مكة أو قربها فيسرع المشي ويقّارِبُ الخُطا في ثلاثة أشواط ثم بعدها يمشي أربعة أشواط بلا رَمَل.
وعن ابن عباس ﵄ قال: أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعًا ما بين الركنين، متفق عليه.
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم؛ فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة، متفق عليه.
ولا يقضي رمل ولا اضطباع ولا يقضي بعضه إذا فاته في طواف غيره؛ لأنه هيئة عبادة لا تقضي في عبادة أخرى كالجهر في الركعتين الأولتين من مغرب وعشاء وإن تكره في شيء من الثلاثة أتى به فيما بقي منها، والرمل أولى من الدنو من البيت؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها وزمانها، وتأخير الطواف لزوال الزحام للرمل أو للدنو مِن البيت أولى من تقديم الطواف مع فوات أحدهما ليأتي به على الوجه الأكمل، وكلما حاذ الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما استحبابًا؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوافه، رواه أحمد وأبو داود.
لكن لا يقبل إلا الحجر الأسود أو أشار إليهما أي الحجر والركن اليماني إن شق استلامهما، ولا يُسن استلام الشامي وهو أول ركن يمر به ولا استلام الركن الغربي وهو ما يلي الشامي؛ لقول ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني».
стр. 589
وقال: ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.
وأيضًا فقد أنرك ابن عباس على معاوية استلامهما، وقال: لقد كن لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقة، ويقول: طائف كلما حاذى الحجر الأسود الله أكبر فقط؛ لحديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء وكبر» رواه البخاري.
ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود:
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ لما ورد عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين الركنين:
«ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وكل به سبعون ملكًا -يعني الركن اليماني-، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»، قالوا: آمين، رواه ابن ماجه.
ويقول في بقية طوافه: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اغفِرْ وارحم واهدني السبيل الأقوم وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، أو يقول غير ذلك من ما أحب ذكرًا ودعا.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: «رب قني شح نفسي».
وعن عروة كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «لا إله إلا أنت، وأنت تحيى بعد ما أمت» لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أدعية
стр. 590
مخصوصة للطواف إلا أنه كان يختم طوافه بين الركنين بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
وتُسن القراءة في الطواف؛ لأنها أفضل الذكر، قال في «الاختيارات الفقهية» (ص ١١٨): ويُسن القراءة في الطواف لا الجهر بها؛ فإما إن غلط المصلين، فليس له ذلك إذًا وَجنْسُ القراءة أفضل من جنس الطواف. انتهى.
ولا يُسنُّ رَمَل ولا اضطباع في غير هذا الطواف؛ لأنه ﷺ وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا فيه، ومن طاف راكبًا أو محمولاً لم يجزئه إلا لعذر؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة» ولأنه عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا أو محمولاً لغير عذر، كالصلاة، وإنما طاف النبي ﷺ راكبًا لعذر.
قال ابن عباس وروى: أن النبي ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي ﷺ لا تضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم.
ولا يجوز للطواف عن حامل المعذور؛ لأن القصد هذا الفعل وهو واحد فلا يقع عن اثنين ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينوه إلا لنفسه بخلاف الحامل، وإن نوى حامل الطواف وحْدَهُ دونَ المحمول أو نوى الحامل والمحمول الطواف عن الحامل فَيجزي عنه لخلوص النية منهما للحامل وحكم سعي راكبًا كطواف راكبًا، فلا يجزيه إلا لعذر، وإن حمله بعرفات أجزأ عنهما؛ لأن المقصود الحصول بعرفة وهو موجود.
س ٢٤١: ما شروط صحة الطواف؟ وما دليلها؟
ج: شروط صحة الطواف: أولاً: الإسلام. ثانيًا، وثالثًا: العقل والنية كسائر العبادات. ورابعًا: ستر العورة؛ لحديث: «لا يطوف بالبيت عريان»
стр. 591
متفق عليه. خامسًا: اجتناب النجاسة. سادسًا: الطهارة من الحدث لغير طفل؛ لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه» رواه الترمذي والأثرم.
وقوله ﷺ لعائشة لما حاضت: «أفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تتطهري» رواه البخاري ومسلم.
وقال في «الاختيارات الفقهية»: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلاً، وما روى أن النبي ﷺ لما طاف توضأ، فهذا لا يدل؛ فإنه كان يتوضأ لكل صلاة (من ص ١١٩).
سابعًا: تكميل السبع؛ لأن النبي ﷺ طاف سبعًا فيكون تفسير لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ فيكون ذلك الطواف المأمور به، وقد قال ﷺ : «خذوا عني مناسككم»؛ فإن ترك من السبع ولو قليلاً لم يجزئه، وكذا إن سلك الحجر أو طاف على جداره أو على شاذروان الكعبة لم يجزئه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ يقتضي الطواف بجميعه والحجر منه؛ لقوله ﷺ : «الحجر من البيت» متفق عليه.
ثامنًا: جعل البيت عن يساره؛ لحديث جابر «أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» رواه مسلم والنسائي.
تاسعًا: كونه ماشيًا مع القدرة فلا يجزي طواف الراكب لغير عذر؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة».
ولما ورد عن أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» متفق عليه.
стр. 592
قال البخاري (باب المريض يطوف راكبًا): عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر، وساق بعده حديث أم سلمة. انتهى.
وعن جابر قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يَستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس وليشرف ويسألوه؛ فإن الناس غَشَوهُ، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن عائشة قالت: طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف عنه الناس. رواه مسلم.
فإن فعل لغير عذر، فعن أحمد فيه ثلاث روايات: إحداهن: لا يجزي؛ لأ النبي ﷺ قال الطواف بالبيت صلاة؛ ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر كالصلاة.
والثانية: يجزيه ويجبر بدم وهو قول أبي حنيفة إلا أنه قال: ما كان بمكة؛ فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج أشبه ما لو دفع من عرفة قبل الغروب.
والثالثة: يجزي ولا شيء عليه اختارها أبو بكر وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
لما روى جابر أن النبي ﷺ طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه.
قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي ﷺ ؛ ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل، والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس؛ لأنه أحوط. والله أعلم.
عاشرًا: الموالاة؛ لأنه ﷺ طاف كذلك، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، ويبتدئ الطواف لحدث فيه تعمده أو سبقه بعد أن تطهر كالصلاة وإن أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو حضرت جنازة وهو
стр. 593
فيه صلى، وبنى على ما سبق من طواف؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ولأن الجنازة تفوت بالتشاغل، ويبتدئ الشوط من الحجر الأسود فلا يعتد ببعض شوط قطع فيه.
الحادي عشر: أن يكون الطواف بالبيت داخل المسجد وحول البيت، فلو طاف خارج المسجد أو داخل الكعبة لم يصح طوافه، وإن طاف في المسجد من وراء حائل من قبة وغيرها أجزأ الطواف؛ لأنه في المسجد وإن طافت على سطح المسجد توجه الإجزاء قاله في الفروع، وإن شك في عدد الأشواط أخذًا باليقين ليخرج من العهدة بيقين، ويقبل قول عدلين في عدد الأشواط كعدد الركعات في الصلاة، فإذا تم طوافه تنفل بركعتين، والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم؛ لحديث جابر في صفة حجه ﵊ وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ «فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين» الحديث رواه مسلم، ولا يشرع تقبيله ولا مسحه فسائر المقامات أولى، وكذا صخرة بنت المقدس، ويقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وسورة الإخلاص بعد الفاتحة؛ لما ورد عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، رواه أحمد ومسلم والنسائي.
ويُسن عوده إلى الحجر الأسود فيستلمه لما تقدم، ويُسن الإكثار من الطواف كل وقت ليلاً ونهارًا وله جمع أسابيع بركعتين لكل أسبوع من تلك الأسابيع فعلته عائشة والمسور بن مخرمة، وكونه ﵇ لا يفعله بالاتفاق ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين؛ لأن عمرَ صلَّاهما بذي طُوى وأخَّرَت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة بأمر النبي ﷺ ، والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه ولطائف تأخير
стр. 594
سعيه عن طوافه بطواف وغيره فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار، ويسمى آخره.
س ٢٤٢: اذكر سنن الطواف وما تستحضره من الآداب التي تنبغي للطائف؟
ج: من سننه:
أولاً: الرّمل: وهو سُّنة في حق الرجال دون النساء والعجزة، ويُسن في طواف القدوم خاصةً.
ثانيًا: الإضطباع: وهو أيضًا خاص بطواف القدوم.
ثالثًا: تقبل الحجر الأسود عند بدء الطواف إن أمكن وإلا فلمسه أو الإشارة إليه كافية. رابعًا: قول بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك … إلخ، كلما استلم الحجر أو أشار إليه. خامسًا: الدعاء أثناء الطواف وهو غير مخصوص إلا ما كان من قوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يختم بها الشوط من طوافه. سادسًا: استلام الركن اليماني باليد. سابعًا: الدنو من البيت. ثامنًا: صلاة ركعتين بعد الفراغ من الطواف خلف مقام إبراهيم وأن يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص، وتقدم أدلة هذه السنن.
وينبغي أن يكون الطواف في خشوع تام مع استحضار عظمة الله والخوف منه وأن لا يتكلم إلا لضرورة أو حاجة، وأن لا يؤذي أحدًا بمزاحمة أو غيرها وأن يكثر من الدعاء وقراءة القرآن أو الذكر أو الصلاة على النبي ﷺ ، وأن يغض بصره عن النظر إلى النساء والمُرْد.
ومما ينبغي للنساء أن يتجَنبْن في طوافهن الزينة والروائح الطيبة، وفي الحالات التي يختلط فيها الرجال مع النساء؛ ولأنهن عورة وفتنة، ووجه المرأة هو أظهر زينتها، فلا يجوز لها إبداؤه إلا لمحارمها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
стр. 595
زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، فلا يجوز لهن كشف الوجه عند تقبيل الحجر الأسود إذا كان يراهن أحد من الرجال الأجانب، وإذا لم يتيَسرْ لهن فسحة لاستلام الحجر وتقبيله، فلا يجوز لهن مزاحمة الرجال، بل يطفن من ورائهم، وذلك خير لهن.
س ٢٤٣: إذا فرغ من الطواف وصلى الركعتين، فماذا يعمل بعد ذلك؟
ج: ثم بعد ما يفرغ من ركعتي الطواف وأراد السعي سن عوده إلى الحجر فيستلمه؛ لما ورد عن رسول الله ﷺ «طاف وسعَى رَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن، ثم خرج» الحديث رواه النسائي.
ثم يخرج للسعي من باب الصفا فيرقى الصفا ليرى البيت ويستقبله ويكبر ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: الحمد لله على ما هدانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ لحديث جابر: «أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده».
ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى انصَبَّتْ قدماه في بطن الوادي حتى إذا صَعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة، كما فعل الصفا» رواه مسلم، وكذلك أحمد والنسائي بمعناه.
ويدعو بما أحب؛ لحديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ لما فرغ من
стр. 596
طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يدعو بما شاء أن يدعو» رواه مسلم.
ولا يلبي لعدم نفله، ثم ينزل من الصفا فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم ستة أذرع فيسعى ماشيًا سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر، ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيقول مستقبل القبلة كما قاله في الصفا من تكبير وتهليل ودعاء، ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة، فيلصق عقبه بأصلهما أي الصفا والمروة بابتدائه في كل منهما، والراكب يفعل ذلك في دابته فمن ترك شيئًا مما بينهما لم يجزئه سعيه، ثم ينزل من المروة فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعله سبعًا ذهابه سَعْيَةَ ورجوعه سَعْيَةً يفتتح بالصفا ويختم بالمروة للخبر؛ فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، فلا يحتسب به ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك.
قال أحمد: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم.
وقال ﵊: «إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله » قال الترمذي: حسن صحيح.
س ٢٤٤: بين شروط السعي واذكر أدلتها؟ وتعرض للخلاف مع الترجيح؟ وتكلم عما يُسن في حق المعتمر؟ وعن المتمتع الذي لم يسق هديًا والمعتمر غير المتمتع؟ وما الحكم فيما إذا ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله؟ ومتى يقطع التلبية المتمتع والمعتمر؟ وهل يلبي في الطواف؟
ج: شروط صحته - أي السعي، ثمانية: النية، والإسلام، والعقل لما تقدم، والرابع: المولااة؛ لأنه ﷺ والى بَيْنَه، وقال: «خذوا عني مناسككم» وقياسًا على الطواف.
стр. 597
قال في «الشرح الكبير»: والموالاة في السعي غير مشترطة في ظاهر كلام أحمد ﵀؛ فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة فلقيه قادم بعرفة يقف يسلم عليه ويسأله قال: نعم، أمر الصفا سهل إنما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت؛ فأما بين الصفا والمروة فلا بأس، وقال القاضي: تشترط الموالاة قياسًا على الطواف.
وحكى رواية عن أحمد والأول أصح؛ فإنه نسك لا يتعلق البيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق.
قد روى الأثرم أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سَعَت بين الصفا والمروة فَقَضَتْ طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأسًا أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف؛ لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة وتشترط له الطهارة والستارة، فاشترط له الموالاة بخلاف السعي. انتهى (٣/ ٤٠٨).
والذي يترجح عندي وأرى أنه الأحوط اشتراط الموالاة لمولاته ﷺ له، وقوله: «خذوا عني مناسككم». والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
والخامس: المشي مع المقدرة، قال في «الشرح الكبير»: ويجزئ السعي راكبًا ومحمولاً ولو لغير عذر، وفي «الكافي»: يُسن أن يمشي؛ فإن ركب جاز؛ لأن النبي ﷺ سعى راكبًا.
السادس: كونه بعد طواف ولو مسنونًا كطواف القدوم؛ لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف، وقال: «خذوا عني مناسككم».
والسابع: تكميل السبع يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لما في حديث جابر.
الثامن: استيعاب ما بين الصفا والمروة ليتيقن الوصول إليهما في كل
стр. 598
شوط، والمرأة لا ترقى الصفا والمروة؛ لأنها عورة، ولا تسعى سعيًا شديدًا؛ لأنه لإظهارِ الجَلد ولا يقصد ذلك في حقها، بل المقصود منها السَّتر وذلك تعرض للانكشاف.
قال في «الشرح الكبير»: لا يُسن للمرأة أن ترقى على المروة لئلا تزاحم الرجال؛ ولأن ذلك أستر لها ولا يُسن لها الرمل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا رَمَل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وذلك لأن الأصل في ذلك إظهار الجلد ولا يقصد ذلك في حقهنّ؛ ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي ذلك تعرض للانكشاف فلم يُستحب لهن (٣/ ٤٠٨).
وتُسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي لفعله ﵊، وسنّ تقصير المتمتع إذا لم يكن معه هدي ليحلق شعره بالحج ويتحلل متمتع لم يسق هديًا ولو لبَّد رأسه؛ لأن عمرته تمت بالطواف والسعي والتقصير؛ لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة، قال: «من كان معه هدي؛ فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي، فليطف بالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليحلل» متفق عليه.
ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا والمعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لا في أشهر الحج أو غيرها وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله فعليه دم وعمرته صحيحة.
وروي أن ابن عباس سُئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصر؟ قال: من ترك من مناسكه شيئًا أو نسيه فليهرق دمًا قِيلَ فإنها موسرة، قال: فلتنْحَر ناقةً، ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف؛
стр. 599
لحديث ابن عباس مرفوعًا: «كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر».
قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النووي: الصحيح أنه لا يلبي في الطواف ولا في السعي؛ لأن لها أذكارًا مخصوصة، ومن أجازها كره الجهر بها لئلا يخلط على الطائفين. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س ٢٤٥: اذكر ما تستحضره من سنن السعي وآدابه؟
ج: من سننه الطهارة من الحدث والنجس، فلو سعى مُحْدِثًا أو نجسًا أجزأه؛ لأنها عبادة لا تتعلق بالبيت أشبهت الوقوف بعرفة.
ومنها ستر العورة فلو سعى عريانًا أجزأه ذلك في قول أكثر أهل العلم؛ لكن ستر العورة واجب مطلقًا، ومن سننه: الموالاة بينه وبين الطواف بأن لا يفرق بينهما طويلاً، وقال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى في آخره.
ومن سننه: السعي شديد بين الميلين، وهو سُّنة في حق الرجل القَادِر عليه.
ومن سننه: الوقوف على الصفا والمروة للدعاء فوقهما.
ومن سننه: الدعاء على كل من الصفا والمروة في كل شوط من الأشواط السبعة.
ومن سننه: قول «الله أكبر» ثلاثًا عند رقيِّه على الصفا والمروة في كل شوط، وكذا قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»، ويقول: «لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية
стр. 600
رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسِّرني لليسرى وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخر والأولى، واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت إدعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تتوفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن» هذا دعاء عبد الله بن عمر، قال أحمد: يدعو به، قال نافع بعده: ويدعو دعاءً كثيرًا حتى إنه ليملّنا ونحن شباب.
ومما يَنبغي للساعي أن يغض بصرهِ عن المحارم وأن يكُفَّ لسانه عن المآثم وأن لا يؤذي أحدًا من الساعين أو غيرهم بقول أو فعل، وأن يستحضر في نفسه ذلَّه وفقره وحاجته إلى الله في هداية قلبه وإصلاح حاله ونفسه وغفران ذنوبه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
следующие страницы →