← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وذبحك غير البدن يا صاح سُّنة … ولا بأس في عكس لفعل معدد وسم وكبر ثمت انو لذبحها … وأن تترك الأولى بفعلك فاشهد فإن لم تسمى ساهيًا فمباحة … على أشهر الأقوال عكس التعمد ويحرم ذبح من مجوس وعابد … سوى الله والمرتد والمتولد ومن لبة المنحور موضع ذبحه … إلى الرأس أنى شئت في العنق اقدد وبشرط قطع الحلق ثم مريه … وعنه مع الأوداج فارو وأسند وبكره إعجاله بقطعك عضوها … قبيل زهوق الروح مع حله اشهد وعن ذبح حمل الأم يجزي ذبحها … إذا بان كالمذبوح أو ميتًا قد وميقات ذبح الهدي عن ترك واجب … وعن فعل محظور متى شئت فاقدد من الزمن المحتوم إيجابه به … وإن تستبح للعذر إن شئت فابتدي وبعد صلاة العيد أو بعد قدرها … لمن لم يصل وقت ذبح المرصد لأضحية والهدي عن متعة وعن … قران وهدي النذر فافقه وحدد وقد قيل من بعد الصلاة وخطبة … وقد قيل مع ذبح الإمام المقلد فإن لم يصليها الإمام بمصره … فبعد الزوال الذبح حسب فقيد ويومان بعد العيد مع ليلتيهما … وفي الليل قول لا يجوز فقلد فإن فات فاقض الفرض حتمًا ونقله … لتنحر فإن تقضي تثابن وتحمد

стр. 667

٢ - فصل فيما يتعلق به الهدي والأضحية س ١٠: تكلم عما يتعين به الهدي والأضحية وما لا يتعين به، وحكم نقل الملك فيما تعين، وحكم تعيين معلوم العيب، وإذا بانت معينة مستحقة، وحكم ركوبها. ج: يتعين هدي بقوله: ها هدي، أو بتقليده النعل أو العرى وآذان القرب بنية كونه هديًا أو بإشعاره بنية الهدي لقيام الفعل الدال على المقصود مع النية مقام اللفظ كبناء مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه، وتتعين أضحية بقوله: هذه أضحية. ويتعين كل من الهدي والأضحية بقوله: هذا أو هذه لله ونحوه، ولا يتعين هدي ولا أضحية بنية ذلك حال الشراء؛ لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة، فلم يؤثر فيه مجرد نية كالعتق والوقف، ولا يتعين هدي ولا أضحية بسوقه مع نيته كإخراجه مالاً للصدقة به فلا يلزمه التصدق به للخير، وما تعين من هدي أو أضحية جاز نقل الملك فيه، وشراء خير منه لحصول المقصود به مع نفع الفقراء بالزيادة، ولا يجوز بيع ما تعين في دين ولو بعد موت، وإن لم يترك غيره كما لو كان حيًا، وتقوم ورثته مكانه في أكل وصدقة وهدية، وإن عين معلوم عيبه في هدي أو أضحية تعين، وكذا لو عين معلوم العيب مما في ذمته من هدي أو أضحية فيلزمه ذبحه، ولا يجزئه هديًا ولا أضحية، ويملك ردّ ما علم عيبه بعد تعينه كما يملك أخذ أرشه، ولو بانت معيبة مستحقة لزمه بدلها، ويباح لمهد ومضح أن يركب هديًا وأضحية معينين لحاجة فقط بلا ضرر. قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي

стр. 668

وابن المنذر وأصحاب الرأي؛ لأن النبي ﷺ قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا» رواه أبو داود. ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوز عند الضرورة للحديث؛ فإن نقصها الركوب ضمن النقص لأنها تعلق بها حق غيره؛ وأما ركوبها مع عدم الحاجة ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز لما تقدم. والثانية: يجوز لما روى أبو هريرة: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، فقال: يا رسول الله، إنها بدنة. فقال: «اركبها» ويلك في الثانية أو في الثالثة» متفق عليه. * * * س ١١: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا ولدت معينة من هدي أو أضحية، شرب لبنها، جز صوفها، ونحوه، إعطاء الجزار منها، ماذا يعمل بجلدها وجلها، بيع شيء منها إذا سرق مذبوح من هدي أو أضحية، إذا ذبح في وقتها بلا إذن ربها واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف. ج: إن ولدت معينة ابتداء أو عما في ذمته من هدي أو أضحية ذبح ولدها معها؛ لأنه تبع لأمه سواء كان حملاً حين التعيين أو حدث بعده إن أمكن حمله أو سوقه إلى النحر، وإلا يمكن حمله ولا سوقه فهو كهدي عطب، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، ولم يضرها ولا نقص لحمها؛ لما روي عن علي ﵁ أن رجلاً سأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وأنها وضعت هذا العجل، فقال: «لا تحلبها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» رواه سعيد والأثرم. وقال أبو حنيفة: لا يحلبها ويرش على ضرعها الماء حتى ينقطع اللبن؛ فإن احتلبها تصدق به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة، فلم يجز لمضح

стр. 669

الانتفاع به كالولد والذي يترجح عندي القول الأول؛ ولكن الصدقة به أفضل خروجًا من الخلاف. والله أعلم. ويباح أن يجز صوفها ونحوه كوبرها وشعرها لمصلحة، كما لو كانت تسمن به وله الانتفاع به وبجلدها كلبنها؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: دفت دافة من أهل البادية حضرت الأضحى زمان رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ادخروا الثالث وتصدقوا بما بقي» فلما كان بعد ذلك، قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويحملون من الودك ويتخذون من الأسقية، فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قالوا: يا رسول الله، نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال رسول الله ﷺ : «إنما نهيتكم من أجل الدافة، فكلوا وتصدقوا وادخروا» فدل على أنه يجوز اتخذ الأسقية منها، وكان مسروق وعلقمة يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه؛ فإن كان بقاء الصوف ونحوه أنفع لها لقيها حرًا أو بردًا حرم جزه. ويستحب أن يتصدق بالجلد والصوف ونحوه. ويحرم بيع شيء منها أي الذبيحة، هديًا كانت أو أضحية، ويحرم بيع الجلد والجل، لما ورد عن علي ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنة، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها» الحديث متفق عليه. وللمضحي والمهدي إعطاء الجازر منها هدية وصدقة؛ لما في حديث علي: وأن لا أعطي الجزر منها شيئًا، وقال: «نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه؛ ولقوله ﷺ في حديث أبي قتادة بن النعمان: «ولا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها». قال الميموني: قالوا لأبي عبد الله: فجلود الأضحية نعطيها السلاخ، قال: لا، وحكى قول النبي ﷺ «لا تعط في جزارتها شيئًا منها»، قال:

стр. 670

إسناده جيد، وإن عين أضحية أو هديًا فسرق بعد الذبح، فلا شيء عليه. وكذا إن عينه عن واجب في الذمة، ولو كان وجوبه في الذمة بالنذر، فلا شيء فيه؛ لأنه أمانة في يده، فلا يضمنه بتلفه بلا تعد ولا تفريط كوديعة، وإن لم يعين ما ذبحه عن واجب في ذمته، وسرق ضمن. وإن ذبح المعينة من هدي أو أضحية ذابح في وقتها بلا إذن ربها؛ فإن نواها عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير لم تجز واحدًا منهما، أو نواها عن نفسه ولم يعلم أنها أضحية الغير وفرق لحمها لم تجزئ عن واحد منهما، وضمن ذابح ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة إن لم يفرق لحمها، وضمن قيمتها صحيحة إن فرقه؛ لأنه غاصب متلف عدوانًا، وإلا يكن الذابح يعلم أنها أضحية الغير بأن اشتبهت عليه، ولم يفرق لحمها أو علمه ونواها عن ربها أو أطلق أجزأت عن مالكها، ولا ضمان. * * * س ١٢: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا ضحى اثنان كل بأضحية الآخر غلطًا، إذا أتلف المعينة أجنبي أو صاحبها، إذا مرضت فخاف عليها، إذا فضل عن شراء المثل شيء. ج: إذا ضحى اثنان كل منهما بأضحية الآخر غلطًا كفتهما، ولا ضمان على واحد منهما للآخر استحسنًا لإذن الشرع فيه، ولو فرقا اللحم، وإن بقي لحم ما ذبحه كل منهما تراداه؛ لأن كل منهما أمكنه أن يفرق لحم أضحيته بنفسه، فكان أولى به. وإن أتلفها أجنبي أو أتلفها صاحبها فضمنها بقيمتها يوم التلف تصرف قيمتها في مثلها لتعينها بخلاف من تعين لعتق، فلا يلزمه صرف قيمته في مثله، ولو مرضت معينة فخاف صاحبها عليها موتًا، فذبحها، فعليها بدلها لإتلافه إياها، ولو تركها بلا ذبح فماتت، فلا شيء عليه؛ لأنها كوديعة عنده، ولم يفرط.

стр. 671

وإن فضل شيء عن شراء المثل، بأن كان المتلف شاة مثلاً تساوي عشرة، ورخصت بحيث يساوي مثلها خمسة اشترى بالفاضل عن شراء المثل شاة، أو اشترى به سبع بدنة، أو سبع بقرة إن أمكن، وإن شاء اشترى بالعشرة كلها شاة؛ فإن لم يبلغ الفاضل ثمن شيء من ذلك تصدق به أو بلحم يشتري به، ويتصدق به. * * * س ١٣: تكلم عن الهدي العاطب، وجعل علامة على الهدي ليعرف، وعن ما إذا تلف أو عاب، وعما إذا سرق المعين في الذمة، وتكلم عن استرجاع العاطب والمعيب والضال. ج: إن عطب بطريق هدي واجب، أو تطوع بنية دامت، أو عجز عن المشي صحبة الرفاق ذبحه موضعه وجوبًا، وسن غمس نعله في دمه، وضرب صفحته بالنعل المغموسة في دمه لتعرفه الفقراء فتأخذه. وحرم أكله أو أكل حاضنه من الهدي الذي عطب ونحوه لحديث ابن عباس أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: «إن عطب منها شيء فخشيت، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب بها صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك» رواه مسلم. وفي لفظ: «ويخليها والناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أصحابه» رواه أحمد. وعن ناجية الخزاعي، وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ ، قال: قلت كيف أصنع بما عطب من البدن، قال: «انحره واغمس نعله في دمه، واضرب صفحته، وخل بين الناس وبينه، فليأكلوه» رواه الخمسة إلا النسائي. وإن تلف الهدي أو عاب بفعله أو تفريطه، لزمه بدله كأضحية، يوصله إلى تمراء الحرم، وإلا يتلف أو يعيب بفعله أو تفريطه أجزأ ذبح ما تعيب عن واجب بالتعيين كتعيينه معينًا، فبرئ عن عيبه؛ لحديث أبي سعيد قال: ابتعنا كبشًا

стр. 672

نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي ﷺ : «فأمرنا أن نضحي به» رواه ابن ماجه. وإن وجب ما تعيب، بلا فعله ولا تفريطه، قبل تعيين كفدية من دم متعة وقران، أو لترك واجب أو فعل محظور، وكدم منذر في الذمة إذا عين عند ما تعيب، فلا يجزيه ذبحه عما في ذمته؛ لأن الواجب دم صحيح، فلا يجزي عنه معيب. وعليه نظير ما تعيب، ولو راد الذي عينه عما في ذمته كدم تمتع، عين عنه بقورة مثلاً فتعيَّبت بفعله أو تفريطه يلزمه بقرة نظيرها لوجوبها بالتعيين. وإن كان بغير تفريطه ففي «المغني» لا يلزمه أكثر مما كان في ذمته؛ لأن الزيادة وجبت بتعيينه، وقد تلفت بغير تفريطه فسقطت كما لو عين هديًا تطوعًا، ثم تلف. قاله في القاعدة الحادية والثلاثين ومعناه في الشرح. وكذا لو سرق المعين عما في الذمة أو ضل ونحوه، كما لو غضب فيلزمه نظيره، ولو زاد عما في الذمة. قال أحمد: من ساق هديًا واجبًا، فعطب أو مات، فعليه بدله. وليس له استرجاع عاطب ومعيب وضال ومسروق وجد ونحوه، كمغصوب قدر عليه؛ لما روى الدارقطني عن عائشة: أنها أهدت هديين فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير بهديين، فنحرتهما، ثم عاد الضالان، فنحرتهما، وقالت: هذه سُّنة الهدي، ولتعلق حق الله به، بإيجابه على نفسه، فلم يسقط بذبح بدله. س ١٤: متى يجب سوق الهدي؟ ومتى يُسن؟ وما الذي يُسن إشعاره، والذي لا يُسن؟ وأين موضع الإشعار؟ وأين موضع التقليد؟ وما حكمه؟ وإذا نذر هديًا وأطلق فما المجزئ؟ وإذا نذر فهل تجزئ البقرة؟ وتكلم عما إذا عين شيئًا بنذر، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل. ج: يجب هدي بنذر لحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ولأنه نذر طاعة، فوجب الوفاء به كغيره من النذر، وسواء كان منجزًا أو معلقًا.

стр. 673

ومن النذر إن لبست ثوبًا من غزلك فهو هدي فلبسه، ونحوه من النذور المعلقة، على شرط إذا وجد وسن سوق حيوان أهداه من الحل؛ لأن النبي ﷺ فعله، فساق في حجة الوداع مائة بدنة، وكان يبعث بهديه إلى الحرم وهو بالمدينة. ولا يجب سوقه أي الهدي؛ لأنه ﷺ لم يأمر به. والأصل عدم الوجوب إلا بالنذر؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، ويستحب أن يقفه بعرفة، روي عن ابن عباس، وكان ابن عمر لا يرى هديًا إلا ما وقفه بعرفة. وسن إشعار بدن، وإشعار بقر بشق صفحته اليمنى من سنام أو شق محل السنام، مما لا سنام له من إبل أو بقر حتى يسيل الدم. وسن تقليدهما مع غنم النعل وآذان القرب والعري؛ لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله ﷺ ، ثم أشعرها، ثم بعث بها إلى البيت، فما حرم عليه شيء كان له حلاً متفق عليه. وعن عائشة: أن النبي ﷺ أهدى مرة إلى البيت غنمًا، فقلدها. رواه الجماعة، وفعله الصحابة أيضًا؛ ولأنه إيلام لغرض صحيح فجاز، كالكي والوسم والحجامة، وفائدته توقي نحو لص لها وعدم اختلاطها بغيرها؛ وأما الغنم فلا تشعر لأنها ضعيفة، وصوفها وشعرها يستره؛ وأما تقليده، فلحديث عائشة -وتقدم قبل ثلاثة أسطر-. وإذا ساق الهدي من قبل الميقات، استحب إشعاره وتقليده في الميقات؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها وقلدها نعلين» الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي

стр. 674

- ﷺ الهدي، وأشعره وأحرم بالعمرة. رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وإذا نذر هديًا مطلقًا، فأقل مجزي عن نذره شاة جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع من بدنة، أو بقرة لحمل المطلق في النذر على المعهود الشرعي. وإن ذبح البدنة أو البقرة كانت كلها واجبة لتعينها عما في ذمته بذبحها عنه، وإن نذر بدنة أجزأُته بقرة إن أطلق البدنة لمساواتها لها. وإن نذر معينًا أجزأه ما عينه، ولو كان صغيرًا أو معيبًا أو غير حيوان، كعبد وثوب ودراهم وعقار، والأفضل كون الهدي من بهيمة الأنعام، لفعله ﷺ . * * * س ١٥: أين محل الهدي عند الإطلاق وعند التعيين للموضع؟ تكلم بوضوح عن الدماء التي يؤكل منها والتي لا يؤكل منها، واذكر ما تستحضره من الدليل والتعليل. ج: على الناذر إيصاله إن كان مما ينقل، أو إيصاله ثمن غير منقول كعقار لفقراء الحرم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ ولأن النذر يحمل على المعهود شرعًا، وسُئل ابن عمر عن امرأة نذرت أن تهدي دارً، قال: تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم، وكذا إن نذر سوق أضحية إلى مكة أو قال: لله عليَّ أن أذبح فيلزمه للخير. وإن عين بنذره شيئًا غير الحرم، ولا معصية فيه، تعين ذبحًا وتفريقًا لفقراء ذلك الموضع؛ فإن كان الموضع الذي عينه به صم أو شيء من أمر الكفر أو المعاصي، كبيوت النار، والكنائس ونحوها، فلا يوف بنذر. لما ورد عن ميمونة بنت كردم قالت: كنت ردف أبي فسمعته يسأل النبي ﷺ : يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: «أهي وثن أو طاغية» قال: لا، قال: «أوف بنذرك» رواه أحمد وابن ماجه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله،

стр. 675

إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية. قال: «لصنم؟» قالت: لا. قال: «لوثن؟» قالت: لا، قال: «أوف بنذرك» رواه أبو داود؛ ولأن نذر المعصية يحرم الوفاء به لقول النبي ﷺ ، لا نذر في معصية الله؛ ولقوله ﷺ : «ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه». وسن أكله وتفرقته من هدي التطوع لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وقال جابر: كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي ﷺ ، فقال: «كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا» رواه البخاري، والمستحب أكل اليسير؛ لحديث جابر «أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها» رواه أحمد ومسلم؛ ولأنه نسك، فاستحب الأكل منه كأضحية. ولا يأكل، من هدى واجب. ولو كان إيجابة بنذر أو تعييين غير دم متعة وقران؛ لأن سببهما غير محظور: فأشبه هدى التطوع؛ ولأن أزواج النبي ﷺ ، تمتعن معه في حجة الوداع؛ وأدخلت عائشة الحج على العمرة؛ فصارت قارنة؛ ثم ذبح عنهن النبي ﷺ البقرة؛ فأكلن من لحومها؛ احتج به أحمد؛ وقال الشيخ: يأكل مما عينه لا مما في ذمته.

стр. 676

مما يتعلق بالهدي والأضحية وتعيين هدي التلفظ حاصل … وإشعاره مع نية وتقلد وأضحية باللفظ لا باشترائه … بنيته حال الشراء في الموطد فما لم يعين منهما لك ظهره … وما زاد واسترجاع ما لم تقدر وليس يزيل الملك تعيين هديه … وأضحية من قبل ذبح بأوطد فإن شا يهبها أو يبيعها ويبدلن … بأجود في الأولى ومثل بمبعد وإن تفتقر فاركب إذا لم يضرها … ومع ذبحها إيجاب ذبح المؤكد ويضمنها إن نقصها بركوبها … لتعليق حق الغير ياذا الترشد ومن درها فاشرب عن الولد فاضلاً … وجز متى ينفع وللفقر أجد ولا تعط جزارًا من اللحم أجرة … ولا جلدها حتمًا ولا الشعر وارقد وإن شئت أبقيه لنفعك دائمًا … إذا كان من أضحية لا من الهدي وأما الهدايا الواجبات فكلها … إلى أهلها أوصل بغير تقيد وإن سرقت من بعد ذبحك أجزأت … وفي أي وقت مجزئ ذبح معتد ولا غرم أن ينوي بذبح لربها … كذلك أن ينوي له في المؤكد وعن أحمد الزمه في ذا ضمانها … ولم يجز عن كل على نص أحمد ومتلفها ألزمه قيمتها وإن … يكن ربها ألزمه بالمتزيد من المثل أو من قيمة يوم هلكها … وقيل من التعيين حتى التفسد فإن مثلها أدى وأخرجه فاضلاً … أجز واشترى مقدارها وبه جد وليس عليه غرم ثاو وضائع … بلا رهنه وانحر لخوف الردى قد فإن مات لم يذبحه مع خوف هلكه … ضمنت لتفريط وإلا فلا أشهد وإن يتعيب بعد إجراء ذبحه … وكان له هديًا وأضحية زد إذا كان عن هدي عليك محتم … وإلا فلا تضمن إذا لم تنكد وإن كل هدي واجب عن محله … فذاك متى أفشى نواه وجدد

стр. 677

ومن دمه عَلِّم بصفحته لكي … تدل على تحليله كل مرمد ولا يأكلن منه ولا رفقة له … وسيان ذو وفر وفقر ملدد كذا حكم هدي النقل إن لم يعد فإن … يعد قبل ذبح فهو ملك له طد ولا فرق في الأحكام بين معين … بنقل وعما كان في الذمة اطرد وإن بنو أو ما ضل أو غاب أو عطب … فضمنه ما في ذمة بمجدد ولا ترجعن في عاطب ومعيبه … وضائعه من بعد ذبح بأوكد وموصل هدي لم يعين محله … سليمًا فذاك يجزي عن متقصد ويشرع سوق الهدي من حله وأن … توقفه في الموقف المتأكد وإشعار بدن في يمين سنامها … وتقليد كل نحو نعل مقدد ولا شيء فيما قد تقدم واجب … وموج هدي نذره غير ما ابتدى وتجزئ في الإطلاق شاتك عن دم … كذا سبع إحدى البدن والبقر احدد وواجبها سبع إذا ما ذبحتها … بوجه ووجه كلها واجب جد ويجزيك ما أجزأك أضحية وما … يرد بعيب في الضحايا هنا اردد ومنها تعين يجر إيصاله إلى … ربا مكة من غير تعيين مقصد ولو إنه نذر معب وإن ترد … سوى مكة في النذر يلزم فاقصد ويشرع ترك الأكل من هدي نقله … لإخراجه لله جد لا تردد ولا يطمعن من واجب المهدي محرم … سوى الأكل من هدي لغير المفرد يحرم أكل من هدايا نذوره … وأكلك أيضًا من هدايا التصيد وقولان في تحليل باقي دمائه … التي وجبت في المذهب النفل فاعمد * * * س ١٦: متى تجب الأضحية؟ وأيما أفضل ذبحها أم الصدقة بثمنها؟ وما صفة العمل بلحمها؟ وما حكم الأكل منها؟ وما الذي يضمن منها؟ وهل لمالكها

стр. 678

لإهداء منها، وإذا منع الفقراء اللحم حتى أنتن، فما الحكم؟ وهل يكفي إطعام الفقير عن تمليه، وما حكم الادخار؟ واذكر الدليل أو التعليل. ج: تجب الأضحية بالنذر لحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطع، وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها»، وكذا هدي لحديث: «ما عمل ابن آدم عملاً أحب إلى الله من هراقة، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فيطيبوا بها نفسًا» رواه ابن ماجه - وقد ضحى النبي ﷺ وأهدى الهدايا والخلفاء بعده، ولو أن الصدقة بالثمن أفضل لم يعدلوا عه. وسن أن يهدي وأن يأكل ويتصدق أثلاثًا؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا في الأضحية، قال: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث». قال الحافظ: قال أبو موسى: هذا حديث حسن، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال الحسن: القانع: الذي يسألك، والمعتر: الذي يتعرض لك ولا يسألك. وقال مجاهد: القانع: الجالس في بيته، والمعتر: الذي يسألك، فجعلها بين ثلاثة، فدل على أنها بينهم أثلاثًا؛ ولقول ابن عمر: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهل بيتك، وثلث للمساكين، وإن أطعمها كلها أو أكثرها فحسن ولا يجب الأكل منها، ولا الإهداء منها؛ لأن النبي ﷺ نحر خمس بدنات، وقال: «من شاء فليقتطع، ولم يأكل منها شيئًا، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله، فلم يجب الأكل منها كالعقيقة» فيكون الأمر للاستحباب. ويضمن إن أكلها كلها ضمن أقل ما يقع عليه الاسم كالأوقية بمثله لحمًا، وقيل: العادة، وقيل: الثلث، ويعتبر تمليك الفقير فلا يكفي إطعامه؛ لأنه إباحة.

стр. 679

وما ملك مضح أو مهد أكله كأكثرها فله هديته؛ لأنها في معنى أكله، وإلا يملك أكله، ضمنه بمثله لحمًا كبيعه وإتلافه. ويضمن الهدي والأضحية، أجنبي أتلفه بقيمته كسائر المتقومات، وإن منع الفقراء منه حتى أنتن، ضمن نقصه وإن انتفع به وإلا فإنه يضمن قيمته كإعدامه. ونسخ تحريم الادخار للحوم الأضاحي، لحديث: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم» رواه مسلم، ولحديث عائشة مرفوعًا: «إنما نهيتكم للدافة التي دفت، فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادخروا» قال الشيخ: إلا زمن مجاعة لأنه سبب الادخار، وقال: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه عند غيبته، أو امتناعه كالنفقة عليهم. * * * س ١٧: ما الذي يحرم على مريد الأضحية؟ ومتى أول وقت التحريم وآخره؟ واذكر الدليل والخلاف. ج: إذا دخل عشر ذي الحجة، حرم على من يضحي أو يضحي عنه أخذ شيء من شعره، أو ظفره، أو بشرته إلى الذبح؛ لحديث أم سلمة مرفوعًا: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي». وفي رواية: «ولا من بشرته». وقيل: يكره لقول عائشة ﵂: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي. متفق عليه. والذي يترجح عندي القول الأول. والله سبحانه أعلم. وقد أجيب عن حديث عائشة، بأنه في إرسال الهدي، ومن «شرح الإقناع»، قال: وأيضًا، فحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص، فيحمل العام عليه،

стр. 680

وأيضًا فحديث أم سلمة من قوله، وحديث عائشة من فعله. وقوله مقدم على فعله لاحتمال الخصوصية؛ فإن أخذ شيئًا من شعره أو ظفره أو بشرته تاب إلى الله تعالى لوجوب التوبة من كل ذنب. وقال في «شرح الاقتباس»، قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة، وإلا فلا إثم كالمحروم، وأولى ولا فدية عليه إجماعًا، سواء فعله عمدًا وسهوًا. وإذا كان عند المضحي أكثر من واحدة، فإذا ذبح الأولى حل له الأخذ من شعره وظفره وبشرته.

стр. 681

من النظم مما يتعلق بالأضحية وبادر إلى أضحية مستجيدها … وليست بذبح واجب في المؤكد وذبحك نفلاً فائق بذل قيمة … ولم يجز غير الذبح في فرضها قد وتجزئ أهل البيت شاة جميعهم … ولا يمنع الإيجاب أكلاً بأجود فيشرع إهدا الثلث والصدقات بالثليث … وجوز أكل ثلث فازهد وأوسطها أهد وكل أنث ثلثها … كذا الحكم في هدي التطوع قيد ويجزئك القدر المسمى وقيل ما … تهودي وقيل الثلث غير مقيد ويضمن ما يأتي على الكل ثلثها … وقيل الذي يجزي تصدقه قد وإما تعين في الضحايا معيبة … يجب ذبحها لحمًا وإن تبر جود ولا نقض من أضحية الميت دينه … ووراثهُ فيها كحكم الملحد وفي العشر لا تقطع من الشعر إن ترد … تضح ولا ظفر وحرم بأجود

стр. 682

٣ - العقيقة س ١٨: ما هي العقيقة؟ وما حكمها؟ ومن المخاطب بها؟ ومتى وقتها؟ وما هي الحكمة فيها؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف. ج: أصل العقيقة، صوف الجذع، وشعر كل مولود من الناس، والبهائم الذي تولد عليه، يقال: عقيقية وعقة أيضًا بالكسر، وبه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه عقيقة؛ لأنه يزال عنه الشعر يومئذ فسميت باسم سببها. وقال زهير يذكر حمارًا وحشيًّا: أذلك أم أقب البطن جار … عليه من عقيقته عفاء وقال امرؤ القيس: فيا هند لا تنكحي بوهة … عليه عقيقته أحسبا هو الذي شعر رأسه شقرة، وقيل: إنه مأخوذ من العق، وهو الشق والقطع، فسميت الذبيحة عقيقة؛ لأنه يشق حلقومها، وهي سُّنة مؤكدة عند الجمهور لأمره ﷺ وفعل أصحابه والتابعين المستفيض، قال مالك: لا اختلاف فيه عندنا، وهو المعمول به في الحجاز قديمًا وحديثًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. لما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: «لا أحب العقوق» وكأنه كره الإسم، فقالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له، قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة» رواه أحمد وأبو داود

стр. 683

والنسائي. وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ عقّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وعبد الحق؛ لكن رجح أبو حاتم إرساله، وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه. وقيل: واجبة شرعت فدية يفدي بها المولود، كما فدى الله إسماعيل الذبيح بالكبش، وكانت تفعل في الجاهلية، فأقرها الإسلام وأكدها، وأخبر الشارع أن الغلام مرتهن بها. فعن سمرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمي» رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي. قال شيخ الإسلام: العقيقة فيها معنى القربان والشكر والصدقة والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع عند النكاح، فلأن يشرع عند الغابة المطلوبة، وهو وجود النسل أولى. وقال أحمد: إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سُّنة واتبع ما جاء به عن ربه. قال ابن القيم: وهذا لأنها سُّنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة على الوالدين، وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل، بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به، فصار سُّنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عن ولادته بذبح يذبح، ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان. اهـ. في «تحفة المودود». وفي العقيقة مصالح، منها: إظهار البِشْر النعمة، ومنها: نشر النسب، ومنها: اتباع سبيل السخاء وعصيان داعي الشح والبخل، فإن فات الذبح في اليوم السابع، ففي أربعة عشر، فإن فات، ففي إحدى وعشرين؛ لحديث بريدة عن النبي ﷺ قال: «في العقيقة تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عباس القطان، ويروى عن عائشة نحوه،

стр. 684

ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعق أي يوم أراد لأنه قد تحقق سببها، وهي سُّنة في حق الأب. * * * س ١٩: ما مقدار العقيقة للذكر والأنثى؟ وما حكم ذبحها قبل السابع أو قبل الولادة؟ وهل يجزي فيها شرك في دم؟ وضح ذلك. وما الذي يُسن فعله في اليوم السابع غير الذبح؟ وهل يعق غير الأب، وإذا كبر ولم يعق عنه فما الحكم؟ وهل يعق عن اليتيم؟ ج: السُّنة أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة، لما ورد عن أم كرز الكعبية، أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: «نعم، عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، لا يضركم ذكرانًا أو إناثًا» رواه أحمد والترمذي وصححه، وتقدم حديث عمرو بن شعيب في الجواب الذي قبل هذا. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة» رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي لفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين» رواه أحمد وابن ماجه. ولأنه إنما شرع للسرور بالمولود، والسرور بالغلام أكثر، ولكونها فداء النفس، أشبهت الدية في كون الأنثى على النصف من الذكر؛ وهذا قول الأكثر. وكان ابن عمر يقول: شاة شاة؛ لحديث بن عباس: «أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» رواه أبو داود. وقال مالك: شاة عن الذكر، والأنثى؛ كما هو قول ابن عمر، والقول الأول عندي أنه أرجح. والله سبحانه أعلم.

стр. 685

قال ابن القيم في الهدي: فإن قيل عقه عن الحسن والحسين، يكفي كبش، يدل على أن هديه أن على الرأس رأسًا. قالوا: ولأنه نسك، فكان على الرأس مثله كالأضحية، ودم التمتع، فالجواب: أن أحاديث الشاتين من الذكر، والشاة من الأنثى، أولى أن يؤخذ بها لوجوه: أحدها: كثرتها. ثانيًا: أنها من فعل النبي ﷺ وأحاديث الشاتين من قوله، وقوله عام، وفعله يحتمل الاختصاص. الثالث: أنها متضمنة لزيادة؛ فكان الأخذ بها أولى. الرابع: أن الفعل يدل على الجواز؛ وللقول يدل على الاستحباب، والأخذ بهما ممكن فلا وجه لتعطيل أحدهما. الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين، كانت عام أُحد، والعام الذي بعده، وأم كرز سمعت من النبي ﷺ ما روته عام الحديبية، سنة ست بعد الذبح، عن الحسن والحسين، قاله النسائي في كتابه الكبير. السادس: أن قصة الحسن والحسين، يحتمل أن يراد بها بيان جنس المذبوح، وأنه من الكباش لا في تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة، وكن تسعًا؛ ومرادها الجنس لا التخصيص بالواحدة. السابع: أن الله سبحانه فضل الذكر على الأنثى، كما قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [٣٦:٣] ومقتضى التفاصيل ترجيحه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل، في جعل الذكر كالأنثيين في الشهادة، والميراث والدية، فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام. الثامن: أن العقيقة تشبه العتق عن المولود؛ فإنه رهين بعقيقته، فالعقيقة تفكه وتعتقه، وكان الأولى أن يعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، كما أن عتق الأنثين يقوم مقام عتق الذكر، كما في «جامع الترمذي» وغيره.

стр. 686

عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوًا منها» وهذا حديث صحيح انتهى باختصار من (ص ١١، ١٢، ١٣، ١٤). ويجوز ذبحها قبل السابع، قال في «تحفة المودود في أحكام المولود»: والظاهر أن التقيد بذلك، أي بالسابع، ونحوه استحبابًا، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر، وما بعده أجزأه، والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل، ولا تجزي بدنة أو بقرة إلا كاملة، فلا يجزي فيها شرك في دم لعدم وروده، وينوي عقيقة لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». ويسن حلق رأس صبي يوم السابع وتسميته؛ لحديث سمرة بن جندب مرفوعًا: «كل غلام رهينته بعقيقته تذبح يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» رواه الأثرم وأبو داود، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق عنه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال ابن القيم: كانت التسمية حقيقتها تعريف الشيء المسمى؛ لأنه إذا وجد وهو مجهول الاسم، لم يكن له ما يقع تعريفه به، فجاز تعريفه يوم وجوده، وجاز تأخير التعريف إلى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقة عنه، ويجوز قبل ذلك وبعده، والأمر فيه واسع. واتفقوا على أن التسمية للرجال والنساء فرض، حكاه ابن حزم وغيره، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ دليل على جوزه يوم الولادة، وقال ﷺ : «ولد لي الليلة ولد، سميته باسم أبي إبراهيم» متفق عليه.

стр. 687

ولهما عن أنس: أنه ذهب بأخيه إلى رسول الله ﷺ حين ولدته أمه، فحنكه وسماه عبد الله، والتسمية للأب، فلا يسمي غيره مع وجوده. قال ابن القيم: وهذا مما لا نزاع فيه بين الناس؛ ولأنه يدعي يوم القيامة باسمه، واسم أبيه. ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره كأجنبي؛ فإن عق غير الأب، والمولود عن نفسه بعد أن كبر، لم يكره لعدم الدليل عليها. وقيل: يعق عن نفسه استحبابًا، إذا لم يعق عنه أبوه؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتهن بها. قال الشيخ: يعق عن اليتيم من ماله كالأضحية أولى لأنه مرتهن بها بخلاف الأضحية، وقال بعضهم: مشروعة ولو بعد موت المولود. * * * س ٢٠: تكلم بوضوح عما يلي: ماذا يسن بعد حلق رأس ذكر، الأذان والإقامة في أذني المولود، التحنيك، صفته، حكمه إذا اجتمع عقيقة وأضحية ونوى بالأضحية عنهما، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تمثيل. ج: يُسن أن يتصدق بزنة شعره فضة، لما ورد عن أبي رافع أن حسن ابن علي ﵄ لما ولد أرادت أمه فاطمة ﵂ أن تعق عنه بكبشين، فقال رسول الله ﷺ : «لا تعقي عنه؛ ولكن احلقي شعر رأسه، فتصدقي بوزنه من الورق»، ثم ولد حسين ﵁ فصنعت مثل ذلك. رواه أحمد. وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين ﵄ كبشًا كبشًا. رواه أصحاب السنن، ولفظ الترمذي: عق النبي ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة» فوزناه فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم.

стр. 688

وسن أن يؤذن في أذن المولود اليمنى ذكرًا كان أو أنثى حين يولد، وأن يقام في اليسرى؛ لما ورد عن أبي رافع قال: رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسين، حين ولدته فاطمة الصلاة. رواه أحمد، وكذلك أبو داود والترمذي وصححه، وقالا: الحسن، وللبيهقي عن ابن عباس أنه أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد، وأقام في أذنه اليسرى، وفيه ضعف. وقال ابن اليم وغيره: سر التأذين أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه من الدنيا، وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وهروب الشيطان من الأذان، وأن تكون الدعوة إلى الله سابقة دعوة الشيطان وغير ذلك من الحكم. وسن أن يحنك المولود بتمرة بأن تمضع، ويدلك بها داخل فمه، ويفتح فمه حتى ينزل إلى جوفه منها شيء؛ لما في «الصحيحين» من أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، زاد البخاري: ودعا بالبركة ودفعه إليَّ، وكان أكبر ولد أبي موسى، وروى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أسماء: أنها حملت بعبد الله ابن الزبير، فولدت بقباء، ثم أتت رسول الله ﷺ فوضعته في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم وضعها في فيه. قال النووي وغيره: اتفق العلماء على استحاب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر، فما في معناه أو قريب منه من الحلو، أو أن يكون المحنك من الصالحين، وإذا اجتمع عقيقة وأضحية، ونوى بالأضحية عنهما أجزأت عنهما. قال ابن القيم ﵀ في كتابه «المودود في أحكام المولود»: كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سُّنة مكتوبة، وقع ما صلاه عنه وعن ركعتي الطواف، وكذا لو ذبح المتمتع

стр. 689

والقارن شاة يوم النحر، أجزأ عن دم المتعة أو القران، وعن الأضحية، وفي معناه لو اجتمع هدي وأضحية، فتجزي ذبيحة عنهما لحصول المقصود منهما بالذبح، وهو معنى قول ابن القيم. * * * س ٢١: تكلم عما يلي: لطخ رأس الصبي بزعفران، صفة العمل بعظمها ولحمها وأعضائها ما يعطي منها، وهل بينها وبين الأضحية فرق، وماذا يقول عند ذبحها، واذكر شيئًا من فوائدها، وما هي للفرعة، وما هي المعتبرة وما حكمها، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف. ج: يستحب أن يلطخ رأسه بالزعفران، أو غيره من الخلوق؛ لما ورد عن بريدة الأسلمي، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه أبو داود؛ ولما روت عائشة ﵂ قالت: كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوفًا. قال ابن القيم في «التحفة»: وسن لهم أن يلطخوا الرأس بالزعفران الطيب الرائحة، الحسن اللون، بدلاً عن الدم الخبيث الرائحة النجس العين، والزعفران من أطيب الطيب وألطفه وأحسنه لونًا، وكأن حلق رأسه إماطة الأذى عنه، وإزالة للشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس مع ما فيه من التخفيف عن الصبي، وفتح مسام الرأس ليخرج البخار منها بيسر وسهولة، وفي ذلك تقوية بصره وشمه وسمعه. انتهى. ويستحب أن يفصلها أعضاء ولا يكسر عظمها؛ لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: السُّنة شاتان مكافأتان عن الغلام، وعن الجارية تطبخ جدولاً، ولا يكسر لها عظم ويأكل ويطعم ويتصدق، وذلك يوم السابع. ويستحب أن يعطي القابلة فخذًا، لما في مراسيل أبي داود عن جعفر

стр. 690

ابن محمد، عن أبيه أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: «أن ابعثوا إلى القابلة منها برجل»، وكالأكل والهدية والصدقة. روى ابن المنذر عطاء، عن أبي كرز وأم كرز، قالا: قالت امرأة من أهل عبد الرحمن بن أبي بكر لما ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزورًا، فقالت عائشة: لا بل السُّنة شاتان مكافأتان يتصدق بهما عن الغلام، وشاة عن الجارية تطبخ ولا يكسر لها عظم فتأكل وتطعم وتتصدق، يكون ذلك في السابع؛ فإن لم يفعل ففي الرابع عشر؛ فإن لم يفعل: ففي إحدى وعشرين. قال ابن المنذر: وقال الشافعي: العقيقة سُّنة واجبة، ويتقي فيها من العيوب ما يتقي في الضحايا. انتهى. ويجتنب في العقيقة ما يجتنب في الأضحية، فلا تجزي فيها العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها ونحوها، ويباع جلدها ورأسها وسواقطها، ويتصدق بثمنها، بخلاف الأضحية؛ لأن الأضحية أدخل منها في التعبد، والذكر أفضل في العقيقة؛ لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبش كبش. وحكمها حكم الأضحية في الضمان إذا أتلفها، والولد فيذبح معها، واللبن والصوف أو الشعر أو الوبر، فتستحب الصدقة، والذكاة فلا يجزي إخراجها حية والركوب، وما يجوز من الحيوان مما تقدم في الهدي والأضحية كاستحقاق استسمامها، وأن أفضل ألوانها البياض لاشتراكها في تعلق الفقراء بهما. ويقول عند ذبحها: بسم الله، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان بن فلان؛ لحديث عائشة، قالت: قال النبي ﷺ : «اذبحوا على اسمه فقولوا: بسم الله لك وإليك، اللهم هذه عقيقة فلان» رواه ابن المنذر، وقال: هذا حسن. قال ابن القيم: ومن فوائدها أنه قربان يقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا، والمولود ينتفع بذلك غاية الانتفاع كما ينتفع بالدعاء، وإحضاره

стр. 691

مواضع النسك والإحرام عنه، وغير ذلك. ومن فوائدها أنها تفك رهان المولود؛ فإنه مرتهن بعقيقته، قال الإمام أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، وقال عطاء بن أبي رباح: مرتهن بعقيقته، قال: يحرم شفاعة ولده، ومن فوائدها أنها فدية يفدي بها المولود كما فدى الله سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش. انتهى. الفرعة هي ذبح أول ولد الناقة، والعتيرة ذبيحة رجب؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه. وقيل: يكرهان، وهذا القول أرجح. والله أعلم.

стр. 692

من النظم ما يتعلق بالعقيقة عن ابن بشاتين اعققن وعن ابنة … بشاة لندب لا وجوب بأوكد فإن لم تجد شاتين بالشاة فاجتز … عن ابن وفرقها جدولا تسدد ولا تكسرن عظمًا لها ثم حكمها … كأضحية في كل حكم معدد وفى سابع فاذبح ورابع عشرة … متى فات ثم إحدى وعشرين فاقصد وحنكه من تمر أوان ولادة … وفي أذنيه بالأذانين غرد وفي سابع يسمى ويحلق رأسه … ومن ورق مقداره زنة جد ويكره ختن الطفل في سابع على الأصح … وفي إحدى وعشرين جود فإن فات أخره لوقت اشتداده … وأسماءه حسن فعبد وحمد وعن نفسك اعقق حين تكبر واقضها … فقد فعل المختار ذا فيه فاقتد وبيع جلود والسواقط جائز … وقيمتها أعط الفقير بأجود وليس بمسنون عتيرة مزجب … ولا فرعة البدن أول مولد * * * س ٢٢: تكلم بوضوح عما يلي، أحب الأسماء إلى الله التسمية بأكثر من واحد، ما يكره من الأسماء، المحرم من الأسماء، ما لا يكره التسمي به، تغيير الاسم القبيح، الكنى والألقاب. ج: تقدم أن التسمية للأب، ويُسن أن يحسن اسمه لقوله ﷺ : «إنكم تدعون يوم القيامة، بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود. وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن؛ لما ورد عن

стр. 693

ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» رواه مسلم في «صحيحه»، وعن جابر قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا كرامة، فأخبر النبي ﵊، فقال: «سم ابنك عبد الرحمن» متفق عليه. وكل ما أضيف إليه اسم من أسماء الله فحسن، كعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعبد السلام، وعبد القادر، وعبد العظيم، وعبد الحميد، وعبد المحسن، وعبد الرزاق، وعبد الخالق، وعبد السميع، وعبد المهيمن، وعبد المجيد. وقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسمكم»، وكذا أسماء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كإبراهيم، ونوح، ومحمد، وموسى، وعيسى، وسليمان وشببها لحديث ونهب الجشمي مرفوعًا: «تسموا بأسماء الأنبياء» الحديث رواه أحمد، وحديث: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» وتجوز التسمية بأكثر من واحد، كما يوضع له اسم وكنية ولقب. قال ابن القيم: وأما أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، فلما كانت نعوتًا دالة على المدح والثناء، لم تكن من هذا الباب، بل من باب تكثير الأسماء لجلالة المسمى وعظمته وفضله؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾. وفي «الصحيحين» من حديث جبير بن معظم قال: قال رسول الله ﷺ : «لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» انتهى. والاقتصار على اسم واحد أولى، لفعله ﷺ في أولاده. ويكره من الأسماء حرب، ومرة، وحزب، ونافع، ويسار، وأفلح، ونجيح، وبركة، ويعلى، ومقبل، ودافع، ورياح، والعاصي، وشهاب، والمضطجع، ونبي ونحوها؛ وكذا ما فيه تزكية كالنقي، والزكي، والأشرف، والأفضل، وبرة. قال القاضي: وكل ما فيه تفخيم وتعظيم؛ روى مسلم في «صحيحه» عن

стр. 694

سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجاحًا ولا أفلح؛ فإنك تقول: أثم هو، فلا يكون». وفي «التحفة»: وفي معنى هذا مبارك، ومفلح، وخير، وسرور، ونعمة وما أشبه ذلك؛ فإن المعنى الذي ذكره له النبي ﷺ التسمية بتلك الأربعة موجود فيها، فإنه يقال: أعندك سرور، أعندك نعمة، فيقول: لا، فتشمئز القلوب من ذلك، وتتطير به، وتدخل في باب المنطق المكروه. وفي الحديث: أنه كره أن يقال خرج من عند برة مع أن فيه معنى آخر يقتضي النهي، وهو تزكية النفس بأنه مبارك، ومفلح. وقد لا يكون كذلك، كما رواه أبو داود في «سننه»: أن رسول الله ﷺ نهى أن تسمى برة، وقال: «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم»، وفي «سنن ابن ماجه»: عن أبي هريرة، أن زينب كان اسمها برة، فقيل: تزكي نفسها فسماها النبي ﷺ زينب، ومنها التسمية بأسماء الشياطين كخنزب، والولهان، والأعور، والأجدع. قال الشعبي عن مسروق: لقيت عمر بن الخطاب، فقال: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع، فقال عمر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الأجدع شيطان»، وفي «سنن ابن ماجه» وزيادات عبد الله في مسند أبيه، من حديث أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: «إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء» وشكا إليه عثمان بن أبي العاصي، من وسواسه في الصلاة، فقال: «ذلك شيطان يقال له خنزب» وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه: أن رجلاً كان اسمه الحباب، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقال: «الحباب شيطان».

стр. 695

ومنها أسماء الفراعنة، والجبابرة كفرعون وقارون وهامان والوليد، قال عبد الرزاق في «الجامع»: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: أراد رجل أن يسمي ابنًا له الوليد، فنهاه رسول الله ﷺ ، وقال: «أنه سيكون رجل يقال له الوليد، يعمل في أمتي بعمل فرعون في قومه»، وقد كان النبي ﷺ يشتد عليه الاسم القبيح، ويكرهه من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال، حتى إنه مر في مسير له بين جبلين، فقال: ما اسمهما؟ فقيل: فاضح ومخز، فعدل عنهما، ولم يمر بينهما! وكان ﵇ شديد الاعتناء بذلك. ومن تأمل السُّنة، وجد معاني الأسماء مرتبطًا بها حتى كأن معانيها مأخوذة منها، وكأن الأسماء مشتقة من معانيها، فتأمل قوله ﵊: «أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله»، وقوله لما جاء سهيل بن عمرو يوم الصلح: «سهل أمركم»، وقوله لبريدة لما سأله عن اسمه، فقال: «بريد»، قال: «يا أبا بكر، برد أمرنا»، ثم قال: «ممن أنت؟» قال: من أسلم، فقال لأبي بكر: «سلمنا»، ثم قال: «ممن؟» قال: من سهم، قال: «خرج سهمك»، ذكره أبو عمر في استذكاره حتى أنه كان يعتبر ذلك في التأويل، فقال: رأيت كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب بن طاب، فأولت العاقبة لنا في الدنيا والرفعة لنا، وأن ديننا قد طاب. وإذا أردت أن تعرف تأثير الأسماء في مسمياتها، فتأمل حديث بن المسيب عن أبيه، عن جده، قال: أتيت إلى النبي ﷺ ، فقال: «ما اسمك؟» قلت: حزن، فقال: «أنت سهل»، فقال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد. رواه البخاري في «صحيحه». والحزونة: الغلظة، ومنه أرض حزونة وأرض سهلة. وتأمل ما رواه مالك في «الموطأ»: عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: أبن من؟ قال: ابن

стр. 696

شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيتها؟ قال: بذات لظى، قال عمر: أدرك أهلك فقد هلكوا واحترقوا؛ فكان كما قال عمر. انتهى. ويحرم التسمية بملك الأملاك، وسلطان السلاطين، وشاهنشاه؛ فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل يُسمى ملك الأملاك»، وفي رواية: أخنى بدل من أخنع. وفي رواية لمسلم: «أغيظ رجل عند الله يوم القيامة، وأخبثه رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله»، ومعنى أخنع وأخنى: أوضع. وقال ابن القيم ﵀: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الأحكام في الحقيقة هو الله، وقد كان جماعة من أهل الدين يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي القضاة وحاكم الحكام قياسًا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك. وهذا محض القياس. قال: وكذلك تحرم التسمية بين الناس، وسيد الكل، كما يحرم بسيد ولد آدم؛ فإن هذا ليس لأحد إلا لرسول الله ﷺ وحده، فهو سيد ولد آدم، فلا يحل لأحد أن يطلق على غيره ذلك. انتهى. ويحرم التسمية بما لا يليق إلا بالله كقدوس، والبر، وخالق، ورحمان؛ لأن معنى ذلك لا يليق بغير الله تعالى. وقال ابن القيم: ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب ﵎، فلا يجوز التسمية بالأحد، والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب ﵎، ولا تجوز تسمية الملوك القاهر، والظاهر، كما لا يجوز تسميتهم بالجبار، والمتكبر، والأول، والآخر، والباطن، وعلام الغيوب. انتهى. عن أبي شريح، إنه كان يكني أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، فقال: إن قومي إذا اختلفوا

стр. 697

في شيء أتوني فحكمت فرضي كلا الفريقين، فقال: «ما أحسن هذا، فمال من الولد؟» قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شريح، قال: «فأنت أبو شريح» رواه أبو داود وغيره. قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى، وعبد عمرو، وعبد علي، وعبد الكعبة، ومثله عبد النبي، وعبد الحسين، وعبد المسيح؛ قال ابن القيم: وقوله ﷺ : «أنا ابن عبد المطلب»، فليس من باب إنشاء التسمية بل من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، قال ﵀: وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره كالسميع والبصير، والرؤوف، والرحيم، فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق، بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى. قال: ومما يمنع منه التسمية بأسماء القرآن وسوره، مثل: طه، ويس، وحم، وقد نص مالك على كراهة التسمية بياسين، ذكر السهيلي؛ وأما ما ذكره العوام: أن يس وطه من أسماء النبي ﵊ فغير صحيح، ولا حسن، ولا مرسل، ولا أثر عن صحابي؛ وإنما هذه الحروف مثل: ألم وحم وآلر ونحوها. انتهى. ويحرم أن يقال لمنافق أو كافر: يا سيدي، ويستحب تغيير الاسم القبيح؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ غير اسم عاصية وقال: «أنت جميلة». وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة: أن زينب كان اسمها برة، فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول الله ﷺ زينب. وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن المسيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «ما اسمك؟» قال: حزن، قال: «أنت سهل»، قال: لا، السهل

стр. 698

بوطأ ويمتهن. قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونه. وروى أبو داود في «سننه»، عن أسامة بن أخدري: أن رجلاً كان يقال له أسرم، كان في النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ ، فقال: «ما اسمك؟» قال: أصرم، قال: «بل أنت زرعة». قال أبو داود: وغير رسول الله ﷺ اسم العاص، وعزيز، وعقلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وشهاب، وحباب، فسماه هاشمًا، وسمى حربًا سلمًا، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضًا يقال له عفرة: خضرة، وشعب الضلالة: سماه شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بنو الرشدة، وسمى بنو غوية: بني رشدة. قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار، وغيَّر النبي ﷺ اسم المدينة، وكان يثرب فسماها طيبة، كما في «الصحيحين» عن أبي حميد، قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال: «هذه طيبة»، ولا بأس بالكنى كأبي فلان وأبي فلان، وأم فلان وأم فلانة. وتباح تكنية الصغير، في «الصحيحين» من حديث أنس قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان النبي ﷺ إذا جاء يقول له: «يا أبا عمير، ما فعل النفير؟»، وكان أنس يكنى قبل أن يولد له بأبي حمزة، وأبو هريرة كان يكنى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك. وأذن النبي ﷺ لعائشة أن تكنى بأم عبد الله، وهو عبد الله ابن الزبير، وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر، هذا هو الصحيح لا الحديث الذي روى أنها سقطت من النبي ﷺ سقطًا فسماه عبد الله وكناها به؛ فإنه حديث لا يصح، قاله في «التحفة». وقال: ويجوز تكنية الرجل الذي له أولاد بغير أولاده، ولم يكن لأبي بكر ابن اسمه بكر، ولا لعمر ابن اسمه حفص، ولا لأبي ذر ابن اسمه ذر، ولا لخالد ابن الوليد ابن اسمه

стр. 699

سليمان، وكان يكنى أبا سليمان، والكنية نوع تكثير وتفخيم للمكنى وإكرام له، كما قال الشاعر: أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوءة اللقب وفي «الإقناع وشرحه»: ولا ينكر التكني بأبي القاسم بعد موت النبي ﷺ ، وصوبه في تصحيح الفروع، قال: وقد وقع فعل ذلك من الأعيان، ورضاهم به يدل على الإباحة، وقال في الهدي: والصواب أن التكني بكنيته ممنوع، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ممنوع منه. اهـ. فظاهره التحريم، ويؤيده حديث: «لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي» اهـ. ومن لقب بما يصدقه فعله جاز. ويحرم من الألقاب ما لم يقع على مخرج صحيح؛ لأنه كذب، ولا بأس بترخيم الإسم المنادى كقوله ﷺ لزوجته الصديقة بنت الصديق: «يا عائش» بحذف التاء، وكقوله ﷺ لبنته فاطمة الزهراء: «يا فاطم»، ولا بأس بتصغير الإسم مع عدم أذى بذلك، كتصغير أنس إلى أنيس، إذ قد يُراد بالتصغير التعظيم والتعجيب، ولا يقل سيد لرفيقه يا عبدي، ولا لأمته يا أمتي؛ وفي الحديث الصحيح: «ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي». والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 700

٤ - كتاب الجهاد س ٢٣: تكلم عن فضل الجهاد وحكمه وتعريفه، ولماذا ختم به العبادات؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة. ج: الجهاد مشتق من الجهد وهو المشقة، يقال: أجهد دابته إذ حمل عليها في السير فوق طاقاتها، وقيل: هو المبالغة واستفراغ ما في الوسع. يقال: جهد في كذا أي جد فيه وبالغ، ويقال: اجهد جهدك في الأمر أي ابلغ غايتك. قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في اليمين، واجتهدوا فيها. وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفر. وختم به العبادات؛ لأنه أفضل تطوع البدن، وعده بعضهم ركنًا سادسًا لدين الإسلام، فلما أورده بعد الأركان الخمسة، وهو ذروة سنام الإسلام، وموجب الهداية وحقيقة الإخلاص والزهد في الدنيا، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرقعة في الدنيا فهم الأعلون في الآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ لآية، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 701

أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيات، وقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْه﴾ الآية. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، سُئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» فجعل الجهاد أفضلَ مِن الحج، ولهما عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيله». وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» رواه البخاري ومسلم، ولهما أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله»، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وجهاد في سبيلي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفسي بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئة يوم يكلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا ولكن لم أجد سعة فأحملنهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل» رواه مسلم. وعن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قاتل فوق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحًا في سبيل الله تعالى أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزو ما كانت لونها الزعفران

стр. 702

وريحها المسك» رواه أبو داود والترمذي، وعن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى استأذن رسول الله ﷺ ، فقال: «لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من مقامه في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله، فواق ناقة وجبت له الجنة» رواه الترمذي. وعن معاذ ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك، وهو يقول: «لا تستطيعونه»، ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله»، وعنه ﷺ قال: «أن في الجنة مائة درجة أمدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» رواه البخاري. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف»، وعن عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار». وحكمه فرض؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. وهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً

стр. 703

وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾. ولو كان فرضًا على الجميع ما وعد تاركه الحسنى، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾؛ ولأن النبي ﵊ كان يبعث السرايا، ويقيم هو وأصحابه؛ ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة، وطلب المعاش والعلم فيؤدي إلى خراب الأرض، وهلاك الخلق، وتأتي المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض إن شاء الله. * * * س ٢٤: ما معنى الكفاية في الجهاد؟ ما حكمه في حق غيرهم؟ وهل هنا عبارة توضح فرض الكفاية؟ واذكر لذلك بعض الأمثلة. ج: معنى الكفاية في الجهاد أن ينهض قوم يكفون في قتالهم إما أن يكون جندًا لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تبرعًا؛ بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع عنها. ويبعث في كل سنة جيشًا يغيرون على العدو في بلادهم. ويُسن الجهاد في حق غير الكافين بتأكد؛ لحديث أبي داود عن أنس مرفوعًا: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» رواه أبو داود. وفرض الكفاية هو ما قصد حصوله من غير شخص معين؛ فإن لم يوجد إلا واحدًا تعين عليه كرد السلام، والصلاة على الجنازة من المسلمين. ومن ذلك الصنائع المباحة المحتاج إليها لمصالح الناس غالبًا الدينية والدنيوية، البدنية والمالية، كالزرع والغرس، ونحوهما؛ لأن أمر المعاد والمعاش، لا ينتظم إلا بذلك؛ فإذا أقام بذلك أهله بنية التقرب، كان طاعة، وإلا فلا. ومن ذلك إقامة الدعوة إلى دين الإسلام ودفع الشبه بالحجة، والسيف لمن عاند؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

стр. 704

ومن ذلك سد البثوق وحفر الأنهار والآبار وتنظيفها، وعمل القناطر والجسور والأسوار وإصلاحها، وإصلاح الطرق والمساجد لعموم حاجة الناس إلى ذلك. ومن ذلك الفتوى، وتعليم الكتاب والسُّنة، وسائر علوم الشريعة، كالفقه وأصوله، والتفسير والفرائض وما يتعلق به من حساب ونحو ولغة وتصريف وقراءات، وعكس العلوم الشرعية علوم محرمة أو مكروهة. * * * س ٢٥: تكلم بوضوح عن شروط وجوب الجهاد، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل، واذكر ما تستحضره ممن لا يجب عليه. ج: بشرط خمسة: أحدها: التكليف، فلا يجب على صبي ولا على مجنون؛ لما روى علي -كرم الله وجهه-: أن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»، وروى عروة بن الزبير قال: رد رسول الله ﷺ يوم بدر نفرًا من أصحابه استصغرهم منهم عبد الله بن عمر، وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة ابن أوس، ورجل من بني حارثة، فجعلهم حرسًا للذراري والنساء. الثاني: السلامة من الضرر؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وهو العمى والعرج، والمرض والضعف؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾. ولأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد، ومن في بصره سوء أو شيء يمنعه من رؤية عدوه، وما يتقيه من السلاح لِمَ يلزمه الجهاد؛ لأنه في معنى العمى في عدم إمكان القتال، وإن لم يمنعه من ذلك لم يسقط عنه فرضه.

стр. 705

ويجب على الأعشى الذي يبصر في النهار دون الليل، وعلى الأعور لأنهما يتمكنان من القتال، ولا يجب على أقطع اليد أو الرجل؛ لأنه إذا سقط عن الأعرج، فالأقطع أولى؛ ولأنه يحتاج إلى الرجلين في المشي، واليدين ليتقي أحدهما ويضرب بالأخرى. وكذا لا يلزم الأشل، ولا من قطع منه ما يذهب بذهابه تقع اليد أو الرجل؛ لأنه ليس بصحيح. الثالث: الحرية: فلا يجب على العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾، والعبد لا يجد ما ينفق؛ ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة، فكم يجب على العبد؟ ولما روي «أنه ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام لا الجهاد». الرابع: الذكورية، فلا يجب على المرأة؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه. واللفظ له إسناده صحيح وأصله في الصحيح؛ ولأن الجهاد هو القتال، والمرأة ليست من أهله، لضعفها وخورها، ولهذا لما رأى بعض الشعراء امرأة مقتولة، قال الشاعر: إن من أكبر الكبائر عندي … قتل بيضاء حرة عطبول كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول ولا يجب الجهاد على الخنثى المشكل؛ لأنه يجوز أن يكون امرأة، فلا يجب بالشك. الخامس: الاستطاعة؛ لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب، والمستطيع هو الصحيح الواجد بملك، أو بذل إمام ما يكفيه، ويكفي أهله في غيبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية. وفي «الكافي»: الاستطاعة وجدان الزاد والسلاح وآلة القتال. انتهى.
следующие страницы →