Полный текст (2 854 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بكذا إذا أخبر به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلاً غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، وأرجفوا في الشيء: خاضوا فيه، قال الشاعر:
أبا لأراجيف يا ابن اللؤم توعدني … وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا
قال الله تعالى: ﴿عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ الآية، ويمنع مكاتبًا بأخبارنا، ليدل العدو على عوراتنا، ويمنع راميًا بيننا بالعداوة، وساعيًا بيننا بالفساد والفتن. قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ الآية.
ويمنع معروف بنفاق وزندقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُواًّ﴾ وأن هؤلاء مضرة على المسلمين فلزم الإمام منعهم، وعليه منع صبي لم يشتد ومجنون؛ لأنه لا منفعة فيهما، ولأن في دخولهما أرض العدو تعريضًا للهلاك.
ويمنع نساء للافتنان بهن مع أنهن لسن من أهل القتال؛ لاستيلاء الخور والجبن عليهن، ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن، فيستحلوا منهن ما حرم الله تعالى، إلا عجوزًا لسقي ماء ونحوه، كمعالجة جرحى؛ لما ورد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين الجرحى. رواه مسلم والترمذي وصححه.
وعن أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام وأداوي لهم الجرحى، وأقوم على المرضى. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. قال جمع: وامرأة الأمير لحاجته إليها لفعله ﷺ .
س ٤٣: ما حكم الاستعانة بالكافر وأهل الأهواء في شيء من شؤون المسلمين؟
стр. 772
وما حكم إعانة أهل الأهواء؟ وما صفة سير الجيش؟ وما الذي ينبغي للأمير أن يعمل نحو العدو؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.
ج: يحرم أن يستعين بكافر، لحديث عائشة أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فقال له: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك» متفق عليه؛ ولأن الكافر لا تؤمن غائلته، ومكره لخبث طويته. والحرب تقضي المناصحة، والكافر ليس من أهلها إلا لضرورة؛ لحديث الزهري: أن النبي ﷺ استعان بناس من المشركين في حربه، وبهذا حصل التوفيق بين الأدلة والضرورة، مثل كون الكفار أكثر عدادًا أو يخاف منهم، وحيث جاز اشتراط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين؛ فإن كان غير مأمون عليهم، لم يجز كالمرجف وأولى.
وتحريم استعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين من غزو وعمالة، أو كتابة أو غيرها، لعظم الضرر؛ لأنهم دعاة إلى عقائدهم الباطلة، فهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم يدعون إلى ذلك، واليهود والنصارى لا يدعون إلى دياناتهم؟
وتكره الاستعانة بذمي في ذلك، وتحرم توليتهم الولايات، وتحرم إعانة أهل الأهواء على عدوهم إلا خوفًا من شرهم، ويُسن أن يخرج الإمام بالجيش يوم الخميس؛ لما ورد عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ خرج في يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. متفق عليه.
ويسير بالجيش برفق، كسير أضعفهم؛ لحديث «أمير القوم أقطعهم»، أي أقلهم سيرًا، لئلا ينقطع أحد منهم؛ فإن دعت حاجة إلى الجد في السير جاز؛ لأن النبي ﷺ جد حين بلغه قول عبد الله بن أبي ليخرجن الأعز منها الأذل، ليشتغل الناس عن الخوض فيه.
стр. 773
ويعد الإمام والأمير للجيش الزاد؛ لأنه لابد منه وبه قواهم، وربما طال سفرهم فيهلكون، حيث لا زاد لهم، ويحدثهم بما يقوي نفوسهم من أسباب النصر، فيقول مثلاً: أنتم أكثر عددًا، وأشد أبدانًا، وأقوى قلوبًا ونحوه؛ لأنه مما تستعين به النفوس على المصابرة، وأبعث لها على القتال.
ويعرف عليهم العرفاء -وهو القائم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس- فيجعل لكل جماعة من يكون كمقدم عليهم ينظر في حالهم ويتفقدهم؛ لأنه ﷺ عرف عام خيبر على كل عشرة عريفًا، وورد العرافة حق؛ وأما قوله: «العرفاء في النار» فتحذير للتعرض للرياسة، لما في ذلك من الفتنة، ولأنه إذا لم يقم بأمرها استحق العقوبة، ويعقد لهم الأولوية البيض، وهي العصابة تعقد على قناة ونحوها. قال صاحب «المطالع»: اللواء راية لا يحملها إلا صاحب جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش. اهـ.
قال ابن عباس: «كانت راية النبي ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض» رواه الترمذي.
وعن جابر أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض، رواه أبو داود. ويعقد لهم الرايات وهي أعلام مربعة، ويغير ألوانها ليعرف كل قوم رايتهم؛ لقوله ﷺ للعباس حين أسلم أبو سفيان: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله تعالى، فيراها. قال: فحبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ ، ومرت به القبائل على راياتها؛ ولأن الملائكة إذا نزلت مسومة بها. نقل حنبل.
ويجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به عند الحرب، لئلا يقع بعضهم على بعض لما روى سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع أبي بكر زمن النبي ﷺ فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت، رواه أبو داود.
стр. 774
وعن المهلب أن رسول الله ﷺ قال: «إن بيتكم العدو، فليكن شعاركم: حم لا ينصرون» رواه الترمذي وأبو داود.
وعن سمرة بن جندب قال: كان شعار المهاجرين: عبد الله، وشعار الأنصار: عبد الرحمن. رواه أبو داود.
ويتخير الإمام أو الأمير لهم من المنازل أصلحها لهم كالخصبة، وأكثرها ماء ومرعى؛ لأنها أرفق بهم وهو من مصلحتهم، ويتبع مكانها فيحفظها ليأمنوا هجوم العدو عليهم، ولا يغفل الحرس والطلائع.
ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي؛ لأنها سبب الخذلان، وتركها داع للنصر، وسبب للظفر.
ويمنع جيشه من التشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال، ويعد الأمير الصابر في القتال بأجر ونفل ترغيبًا له فيه، ويخفي أمره ما أمكن إخفاؤه لئلا يعلم العدو به. عن كعب بن مالك، عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد غزوة، وروى بغيرها. متفق عليه.
ويبعث العيون على العدو ممن له خبرة بالطرق حتى لا يخفى عليه أمر العدو، ويهتم باقتفاء آثار العدو ومعرفة أسرارهم، كما كان ﵇ يهتم باقتفاء أخبار العدو، ومعرفة أسرارهم واستطلاع خباياهم، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم، فقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة، في اثني عشر مهاجرًا، بعد أن دفع إليه كتابًا أمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما مضى اليومان، نظر عبد الله في كتاب رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: «إذا نظرت إلى كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم»، كما أن رسول الله ﷺ عندما علم بعير أبي سفيان، تحمل خيرات قريش كلها إلى الشام، أمر نفرًا من المسلمين أن
стр. 775
يخرجوا إليها لعل الله أن يجعلها لهم، فلما اقتربوا من الصفراء بعثوا بسيس بن عمرو وعدى بن الرعباء إلى بدر يستطلعان أخبار العير، وقد ذهب رجلان من المسلمين إلى بدر يستقيان ويتنسطان الأخبار، وبينما هما كذلك إذ بجارية تطالب أخرى بدين عليها، فتجيبها صاحبتها أن سوف تعطيها الذي لها عندما تأتي العير في الغد، أو بعد الغد، فتعمل لهم وتؤجر منهم، فيسرع الرجلان إلى رسول الله ﷺ يخبرانه بيوم قدوم العير.
ثم إن الجمعين، لما قاربا بدرًا، وتسابقا إلى الماء، بعث رسول الله ﷺ عليًا وسعدًا والزبير إلى بدر يتجسسون، فجاؤوه بعبدين لقريش، وهو قائم يصلي، فلما انتهى من صلاته سألهما عن مكان قريش، فقالا: وراء هذا الكثيب، ثم قال لهما: «كم القوم؟» فقالا: لا علم لنا، فقال: «كم ينحرون كل يوم؟» فقالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا، فقال ﷺ : «القوم ما بين تسعمائة وألف»، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل ابن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنفل، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو بن عبدود. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» وفي غزوة أُحد بعث الرسول أنسًا ومؤنسًا، ابني فضالة يلتمسان قريشًا، فعلما أنها قاربت المدينة، وأخبر الرسول ﷺ بذلك، وبعث من بعدهما الحباب بن المنذر، فأتاه بخبرها، ولم يلبث أن خرج سلمة بن سلامة، فرأى قريشًا تسرع بخيلها حتى لتكاد تدخل المدينة، فرجع إلى القوم يحدثهم بما رأى.
стр. 776
وفي غزوة المريسيع عندما علم الرسول ﷺ أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق خرج في قومه ليحارب المسلمين، أرسل بريدة بن الحصيب الأسلمي يتأكد له الأمر، فلما لقي الحارث وعلم أخباره، رجع إلى رسول الله ﷺ يقص عليه ما سمع، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن ندب المسلمين للقاء بني المصطلق.
وفي غزوة الخندق عندما علم الرسول ﷺ أن قريظة نقضت عهدها وانضمت إلى حيي بن أخطب عدو الله ورسوله، أرسل سعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير ليعلموا أمر قريظة، ويروا إن كانت على عهدها مع رسول الله ﷺ أم خرجت عليه.
فلما سأل هؤلاء كعب بن أسد، وقال لهم: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، انصرفوا إلى رسول الله يخبرونه، وفي سنة ست من الهجرة قبل صلح الحديبية أو عهدها، بعث الرسول عدة سرايا، كان منها سرية عكاشة ابن محصن الأزدي، الذي خرج في أربعين رجلاً إلى الغمر، وقد أرسل هؤلاء الطلائع -جريًا على سُّنة رسول الله- فوجدوا من دلهم على ماشية أعدائهم، فغنموا مائتي بعير ساقوها إلى المدينة، وعندما خرج الرسول ليعتمر عمرة الحديبية في ألف وبضع مئات من أصحابه، وبلغ ذلك الحليفة بعث عينًا له يستطلع.
فلما اقترب الرسول من عسفان، أتاه عينه، فسأله عما جاء به من أخبار قريش، فقال له الرجل: قد سمعت بمسيرك فخرجوا وقد لبسوا جلود النمر، ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم.
وقبيل يوم حنين بعث ﵇ عبد الله بن أبي حدود الأسلمي،
стр. 777
وأمره أن يدخل في صفوف عدوه، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم وسمع منهم ما أجمعوا عليه من حرب المسلمين، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر.
ويشاور في أمر الجهاد المسلمين ذا الرأي والدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾.
وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وعن أنس أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا. رواه أحمد ومسلم.
وعن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . رواه أحمد والشافعي، وروى البغوي بسنده، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله ﷺ ، وللاستشارة فوائد كثيرة، ذكرها بعض المفسرين، لا نطول بذكرها، يغني عنها أمر الله لرسوله ﷺ ، ولنعم ما قيل في ذلك:
وشاور إذا شاورت كل مهذب … لبيب أخي حزم لترشد في الأمر
ولا تك ممن يستبد برأيه … فتعجز أو لا تستريح من الفكر
ألم تر أن الله قال لعبده … وشاورهمو في الأمر حتمًا بلا نكر
وقال بشار بن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … برأي نصيح أو نصيحة حازم
стр. 778
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فريش الخوافي قوة للقوادم
ويصف الجيش، فيتراصون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ والسر في ذلك أنهم إذا كانوا كذلك نشط بعضهم بعضًا، وزادت قوتهم المعنوية، وتعاضدوا، وتنافسوا في الطعان والنزل والكر، وأدخلوا الروع والفزع والذعر في نفوس الأعداء.
ويجعل في كل جنبة من الصف كفورًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة، وبطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار فدعوتهم … الحديث. رواه مسلم. ولأنه أحوط للحرب، وأبلغ في إرهاب العدو، ويدعو بما في حديث أنس، كان النبي ﷺ إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» رواه أبو داود وغيره.
ولا يميل إمام أو أمير مع قريبه، ولا مع ذي مذهبه؛ لأنه يفسد القلوب ويكسرها، ويشتت الكلمة، فربما خذلوا عند الحاجة إليهم، ويحرم قتال من لم تبلغه الدعوة قبلها، وتُسن دعوة من بلغته للخبر، وتقدم البحث أوسع من هذا.
* * *
س ٤٤: تكلم عما يلي: بذل جعل لمن يعمل ما فيه غناء، مثل لذلك جعل جارية لمن يفعل ما فيه نفع ومصلحة للمسلمين، واذكر ما يتفرع على ذلك
стр. 779
من المسائل، النفل في البداء والرجعة، بعث السرايا، الأدلة الدالة على ما تذكر أو التعليلات.
ج: يجوز أن يجعل أمير جعلاً معلومًا من مال المسلمين، ويجوز أن يجعل من مال الكفار، مجهولاً لمن يعمل ما فيه نفع للمسلمين كنقب سور، أو صعود حصن، أو يدل على طريق سهل، أو قلعة لتفتح، أو على ماء في مفازة ونحوه كدلالة على مال يأخذه المسلمون، أو عدو يغيرون عليه، أو ثغر يدخل منها إليه؛ لأنه ﷺ قد استأجر هو وأبو بكر في الهجرة من دلهم على الطريق، وجعل النبي ﷺ الثلث والربع، مما غنموه وهو مجهول؛ لأن الغنيمة كلها مجهولة ويستحقه مجهول له بفعل ما جوهل عليه، بشرط أن لا يجاوز جعل مجهول من مال كفار ثلث الغنيمة بعد الخمس؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ جعل أكثر نه.
ويجوز أن يعطي الأمير ذلك بلا شرط؛ لأنه ترغيب للجهاد، ولو جعل الأمير لمن يفعل ما فيه مصلحة للمسلمين جارية معينة، على فتح حصن من الكفار، فماتت قبل فتح الحصن فلا شيء له؛ لأن حقه تعلق بعينها، وقد تلفت بغير تفريط، فسقط حقه منها كالودية، وإن أسلمت وهي أمة أخذها -كحرة جعلت بعد فتح- إلا أن يكون المجعول له الجارية كافرًا، فله قيمتها إن أسلمت كحرة جعلت له وأسلمت قبل الفتح.
وإن فتحت قلعة صلحًا، ولم يشترط المسلمون الجارية على أهل القلعة، وأبى أهل القلعة الجارية، وأبي مجعول له أخذ القيمة عنها. فسخ الصلح لتعذر إمضائه، لسبق حق صاحب الجعل، وتعذر الجمع بينه وبين الصلح.
وإن بذلوا الجارية مجانًا، لزم أخذها ودفعها غليه. قال في الفروع: والمراد غير حرة الأصل، وإلا وجبت قيمتها؛ لأن حرة الأصل غير مملوكة، وكل
стр. 780
موضع أوجبنا القيمة، ولم يغنم الجيش شيئًا؛ فإنها تعطي من بيت المال لأنه مال المصالح.
الأنفال: جمع نفل بالتحريك وبسكونها، والغنيمة: قال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل. وقال عنترة:
إنا إذا احمر الوغى نروي القنا … ونعف عند مقاسم الأنفال
أي الغنائم، وأصل النفل: الزيادة، وسميت الغنيمة به؛ لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة، مما كان محرمًا على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهد من أجل الجهاد، ويطلق النفل على معان أخر منها: اليمين، والابتغاء، ونبت معروف. والنافلة: التطوع لكونها زائدة على الواجب، والنافلة: ولد الولد؛ لأنه زيادة على الولد.
ولأمير في بداءة دخول دار حرب، أن ينفل الربع فأقل بعد الخمس، وله أن ينفل في رجوع من دار حرب الثلث، فاقل بعد الخمس؛ لما روى عبادة ابن الصامت، أن النبي ﷺ كان ينفل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. وفي رواية: كان إذا أغار في أرض العدو، نفل الربع، وإذا قفل راجعًا وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: «ليرد قوى المؤمنين على ضعيفهم» رواه أحمد.
وعن حبيب بن مسلمة: أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بداءته، ونفل الثلث عد الخمس في رجعته. رواه أحمد وأبو داود، وروى الأثرم عن عمر بن الخطاب، أنه قال لجرير بن عبد الله في قومه يريد الشام: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس، من كل أرض وسبي.
ولا تجوز الزيادة على الثلث لأن نفل النبي ﷺ انتهى إليه.
ويجوز النقص منه؛ لأنه إذا جاز ألا ينقل شيئًا، فلأن يجوز تنفيل قليل
стр. 781
أولى، ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط؛ لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق، وزيد في الرجعة على البدء لمشقتها؛ لأن الجيش في البداءة ردة عن السرية، وفي الرجعة منصرف عنها، والعدو مستيقظ، ولأنهم مشتاقون إلى أهليهم، فيكون أكثر مشقة ولا يعدل شيء عند أحمد الخروج في السرية مع غلبة السلامة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل» متفق عليه.
стр. 782
من النظم مما يلزم الإمام والجيش
ويلزم عند السير منع مخذل … ومرجفهم مع كل أعجف أو ردي
ومخشى عون للعدو منافق … وساع بشحنا بيننا ومفسد
ورديء نساء غير عجف قواعد … يعالجن جرحى ثم يسقين من صدى
ولا يستعن بالكفر إلا ضرورة … ويمشي برفق مستعد التزود
وعن أحمد إن كان يقوى لدفعهم … إذا نصر الأعداء وإلا ليردد
وإن تجدن من كل مركوبه اجعلن … على فاضل واحتم لخوف الردى قد
ويظهر أسباب التضافر بينهم … ويعقد رايات بكل مسود
وكل قبيل فليقدم عليهم … عريفًا حفيظًا كافيًا للتفقد
وكل فئات فليعين شعارهم … وفي كل حرز أو صلاح ليجهد
ويبعث أكفاء العيون تحرزًا … ويردع عن فعل الخنا كل مفسد
وذا الرأي شاوره وذا الصبر والغنا … بأجر وتنفيل على غيره عد
ويكتم مهما اسطاع يا صاح … ووار بغير القصد عن مقتصد
وصفهم واجعل على كل جانب … نجيبًا ودع ميل الهوى لا تنكد
ودعوتنا من لم تبلغه حر من … قتالهم قبل الدعاء وأكد
ومن بلغته قاتلن قبله أن تشا … ودعوتهم من قبل حسن وسدد
وبذلك اجعل جلب نفع مجوز … وعلما به الشرط من سوى مال جعد
стр. 783
إذا لم يجاوز بعد خمس ثلثيه … في الأولى ودون الشرط ما زاد فاردد
وما منعوه بذله ورآه للمصالح … من مال المصالح فأعدد
فمع فقد جعل عين أو نوع مطلق … وفقدان فتح صاحب الجعل شرد
ولا يمنع الإسلام تسليم جعله … رقيقًا قبيل الفتح أو بعده اشهد
وقيمة حر الأصل إن يهد قلبه … وقيمته عين لذي الكفر ترشد
وإن صولحوا من غير شرط لجعله … وظن به بالقيمة الصلح أفسد
وقيد احتمال ماله غير قيمة … كحرة أصل سلموها بأبعد
وشرطك ربعا بعد خمس مجوز … لنفل السرايا في الدخول به جد
وبالثلث بعد الخمس في رجعة ولا … تبق لهم والجيش بعدهم اعدد
وقولين في تنفيله ذاك شرط أو … زيادة فوق الثلث بالشرط قيد
وليس لهم من غير شرط تنفل … وجائز التنقيص دون التزيد
وإن ير تنفيلاً لإغناء أو رجا … غناء يجز من بعد خمس وقيد
ونفل السرايا للنقوع وغيره … وكالسلب اخصص في سواهم بمرقد
س ٤٥: ماذا يلزم الجيش من طاعة الإمام؟ وما حكم إحداث أمر بلا إذنه؟ تكلم عن المبارزة بوضوح، واذكر ما تستحضره من الأدلة.
ج: يلزم الجيش طاعة الأمير في غير معصية، ويلزمهم النصح والصبر معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 784
«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفق عليه.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» متفق عليه. وعنه قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، يقول لنا: «فيم استطعتم» متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية» متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة» رواه البخاري.
وأما الدليل على النصح، فعن أبي رقية تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لِمَن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم. وعن جرير بن عبد الله ﵁، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، متفق عليه. فلو أمرهم الأمير بالصلاة جماعة، وقت لقاء العدو فأبوا، عصوا للمخالفة.
وأما الدليل على الصبر، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ وعن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي
لقى فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: «أيها النسا لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» الحديث متفق عليه.
ويلزمهم اتباع رأيه، والرضا بقسمته الغنيمة وبتعديله لها؛ لأن ذلك من جملة
стр. 785
طاعته ولا يخالفونه ينشعب أمرهم، فلا خير مع الخلاف، ولا شر مع الائتلاف. قال ابن مسعود: الخلاف شر. ذكر ابن عبد البر: ولا يجوز لأحد أن يتعلف -وهو تحصيل العلف للدواب- ولا يتحطب، ولا يبارز، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثًا إلا بإذن الأمير؛ لأنه أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقوتهم، فإذا خرج إنسان أو بارز بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو فيأخذوه، أو يرحل بالمسلمين، ويتركه فيهلك أو يكون ضعيفًا لا يقوى على المبارزة، فيظفر به العدو فتكسر قلوب المسلمين، بخلاف ما إذا أذن؛ فإنه لا يكون إلا مع انتفائه المفاسد، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِنَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.
ولا ينبغي أن يأذن في موضع إذا علم أنه مخوف؛ لأنه تغرير بهم؛ وأما الانغماس في الكفار، فيجوز بلا إذن لأنه يطلب الشهادة، ولا يترقب منه الظفر، وإلا بالمقاومة بخلاف المبارزة، فتتعلق به قلوب الجيش، ويرتقبون ظفره، فلو طلب البراز كافر، سن لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، لمبارزة الصحابة ﵃.
عن علي ﵁ قال: تقدم عتبة بن ربيعة، ومعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب شاب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنا أردنا بني عمان، فقال رسول الله ﷺ : «قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث» فأقبل حمزة إلى عتبه، وأقبلت إلى شيبة، واختلفت ابن عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منا صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد، فقتلناه واحتملنا عبيدة، رواه أحمد وأبو داود.
وعن قيس بن عبادة، عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة، قال قيس: فيهم نزلت هيه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا
стр. 786
فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة وربيعة والوليد بن عتبة. وفي رواية أن عليًا قال: فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. رواهما البخاري، وعن سلمة بن الأكوع قال: بارز عمي يوم خيبر مرحب اليهودي، رواه أحمد في قصة طويلة ومعناه لمسلم، وبارز البراء بن مالك مرزبان الدارة، فقتله وأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفًا؛ ولأن في الإجابة إليها إظهارًا لقوة المسلمين، وجلدهم على الحرب، فإن لم يعلم من نفسه المكافأة لطلب البراز، كرهت إجابته لئلا يقتل، فيكسر قلوب المسلمين، وكان الأمير لا رأي له فعلت المبارزة بغير إذنه.
فإن شرط الكافر المبارز أن لا يقتله غير الخارج إليه، أو كان هو العادة لزم لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ ولقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم»، ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة؛ لأن لا عهد له ولا أمان.
ويباح للرجل المسلم الشجاع طلبها ابتداء، ولا يستجب له ذلك؛ لأنه لا يأمن أن يقتل فتنكسر قلوب المسلمين، فإن انهزم المسلم المجيب لطالب البراز، والداعي إليه أو أثخن بجراح، فلكل مسلم الدفع عنه، والرمي للكافر المبارز لانقضاء قتال المسلم معه، والأمان إنما كان حال البراز، وقد زال وأعان حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة، حين أثخن عبيدة.
وإن أعان الكفار صاحبهم، فعلى المسلمين عون صاحبهم، وقتال من أعان عليه دون المبارزة؛ لأنه ليس بسبب من جهته؛ فإن استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم انتقض أمانه وجاز قتله.
س ٤٦: ما هو السلب؟ ومن الذي يستحقه؟ ومتى يستحقه؟ وبأي شيء تقبل دعوى القاتل للسلب؟ وإذا كان القاتل صبيًا، أو امرأة، فما الحكم؟
стр. 787
وإذا قتله اثنان فما الحكم؟ وما الحكم فيما إذا أسره إنسان فقتله الإمام أو استحياه؟
ج: السلب بفتح السين واللام، ما على القتيل من ثياب وسلاح ودرع وحلي، وما معه من خيل ودابته التي قاتل عليها، وما كان بمنزلة الخيل، والدابة في وقتنا هذا، وآلات الركوب لأنها تابعة له، ويستعان بها في الحرب فأشبه السلاخ، ويدخل في ذلك التاج، والبيضة، والمنطقة، وأسورة، وران، وخف بما في ذلك من حية، وسيف، ورمح، ولت، وقوس، ونشاب؛ لأنه يُستعان به في حربه.
وإذا قتل مسلم كافرًا فله سلبه سواء قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه أو لم يقل؛ لعموم الأدلة، عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حل عاتقه، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: مال للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ ، فقال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه» الحديث متفق عليه.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «من قتل رجلاً فله سلبه»، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم. رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: «من تفرد بدم رجل، فقتله فله سلبه»، قال: فجاء أبو طلحة بسلب أحد وعشرين رجلاً. رواه أحمد.
وعن عوف بن مالك، أنه قال لخالد بن الوليد: أما علمت أن النبي ﷺ ، قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. رواه مسلم، وكذا إذا أثخنه
стр. 788
فصار في حكم المقتول، فله سلبه؛ لما ورد عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته، لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فقال: فابتدراه بسفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مستحما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء. متفق عليه. ووجه ذلك أن ابن مسعود وقف على أبي جهل يوم بدر، فلم يعط سلبه، وقضى به النبي ﷺ لمعاذ بن عمرو بن الجموع؛ لأنه أثبته.
ومن غرر بنفسه بأن قدم على مبارزة من يغلب على ظنه أنه لا يقدر عليه، فقتله حال الحرب لا قبلها ولا بعدها، ولا عبدًا بإذنه سيده، أو كان امرأة أو صبيًا بإذن إمام، أو نائبه فله سلبه؛ لحديث: «من قتل قتيلاً فله سلبه»، وللأحاديث المتقدمة.
وقال الشيخ تقي الدين: في هذا نظر؛ فإن حديث ابن الأكوع كان المقتول منفردًا، ولا قتال هناك، بل كان المقتول قد هرب منهم، انتهى من «الإنصاف».
стр. 789
ولا يستحق السلب مخذل، ولا مرجف، ولا عاص، كرام بيننا يفتن؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، ويستحق السلب القاتل بشرطه، ولو كان المقتول صبيًا أو امرأة إذا قاتلوا للعمومات، لا إن رماه بسهم من صف المسلمين، أو قتله مشتغلاً بأكل ونحوه، أو منهزمًا فلا يستحق سلبه لعدم التغرير بنفسه، أشبه قتل شيخ فان، وامرأة، وصبي، ونحوهم ممن لا يقتل.
ولو قطع مسلم يدي الكافر ورجليه، فله سلبه، ولو قتله غيره لأنه كفى المسلمين شره؛ ولأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل، فأدرك ابن مسعود أبا جهل، وبه رمق فأجهز عليه، فقضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
وإن قتله اثنان فأكثر فسلبه غنيمة؛ لأنه ﷺ لم يشرك بين اثنين في سلب، ولأنه إنما يستحقه بالتغرير في قتله، ولا يحصل بالاشتراك وإن أسره فقتله الإمام أو استحياه، بأن أبقاه حيًا رقيقًا، أو بفداء، أو من فسلبه ورقيته إن رق وفداؤك إن فدى غنيمة؛ لأن الذي أسره له بقتله، ولأنه قد أسر المسلمون يوم بدر أسرى، فقتل النبي ﷺ منهم واستبقى منهم، ولم ينقل أنه أعطى أحدًا ممن أسرهم سلبًا ولا فداء، وإن قطع يده ورجله وقتله آخر، فسلبه للقاتل.
ولا تقبل دعوى القتل إلا بشهادة رجلين؛ لأن الشارع اعتبر البينة، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، ففي الحديث المتفق عليه المتقدم قريبًا أنه ﷺ قال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه»، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، وكالقتيل العمد، وقيل: يعطي السلب إذا قال: أنا قتلته، ولا يسأل ببينة؛ لأن النبي ﷺ قبل قول أبي قتادة، وجوابه الخبر الآخر، وبأن خصمه أقر له فاكتفى بقوله.
стр. 790
وقال جماعة من أهل الحديث: يقبل شاهد ويمين كغيره من الأموال، ونفقته ورحله وخيمته غنيمة؛ لأن ذلك ليس من اللبوس، ولا مما يُستعان به في الحرب.
س ٤٧: تكلم عن أحكام ما يلي: الكذب في الحرب، الخيلاء فيه، تخميس السلب، الخديعة في الحرب.
ج: يجوز الكذب في الحرب؛ لما روى البخاري، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم»، قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: «قل»، فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد انبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يضير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين، فقال: نعم أهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم؟ قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟ فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة، فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة. قالت: إني أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب، قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلان. وفي رواية أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر، فقال: إذا جاء فأني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، وقال مرة: ثم أشمكم،
стр. 791
فنزل إليهم متوشحًا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، فقال: عندي أعطر نساء العرب، وأجمل نساء العرب، فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه.
وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب، مما يقول الناس، إلا في الحرب والإصلاح بين الناس. وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وتستحب الخيلاء في الحرب؛ لما ورد عن جابر بن عتيك: أن النبي ﷺ قال: «إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله؛ فأما الغيرة التي يحبها الله، فالغيرة في الريبة؛ وأما الغيرة التي يبغض الله، فالغيرة في غير الريبة؛ والخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصدمة؛ والخيلاء التي يبغض الله، كاختيال الرجل في الفخر والبغي» رواه أبو داود والنسائي.
ويكره التلثم في القتال وعلى أنفه، لا لبس علامة كريش نعام، ولا يخمس السلب؛ لحديث عوف وخالد إن النبي ﷺ لم يخمس السلب. رواه أحمد وأبو داود؛ ولأن قوله ﷺ : «فله سلبه» يتناول جميعه.
وتجوز الخديعة في الحرب للمبارز وغيره؛ لما ورد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرب خدعة» متفق عليه، وروي أن عمر بن عبد ود، لما بارز عليًا قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب علي فضربه، فقال عمرو: خدعتني، فقال: الحرب خدعة، وفي غزوة الخندق، إن نعيم بن مسعود بن عامر من بني غطفان، أتى رسول الله ﷺ ، فقال:
стр. 792
يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله ﷺ : «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة» فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان، أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، حتى تكون بأيديكم ثقة لكم، على أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى تناجزوه، قالوا: فقد أشرت رأي ونصح. ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه ورجال قريش: يا معشر قريش قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمرًا رأيت أن حقًا علي أن أبلغكم نصحًا لكم، فاكتموا علي. قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود، قد ندموا عل ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم يهود فالتمسوا رهنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحدًا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت. قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان ذلك مما صنع الله لرسوله ﷺ ، أرسل
стр. 793
أبو سفيان ورؤوس من غطفان، إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى تناجزوا محمد أو نفرغ مما بيننا وبينه، فقالوا لهم: إن اليوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث بعضنا فيه حدثًا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدًا؛ فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليها الرسل بذلك الذي قالت بنو قريظة. قالت: قريش وغطفان تعلمون، والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحدًا من رجالنا، وإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك استمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تأتونا رهنًا، فأبوا عليهم وحذل الله بينهم، وفرق جمعهم، ثم أرسل الريح بالمطر والرعد والبرق، وقذف في قلوب الذين كفروا الرعب، فولوا الأدبار.
стр. 794
من نظم ابن عبد القوي
مما يتعلق بما يلزم الجيش
ويلزم كل الجيش نصح أميرهم … وطاعته في طاعة الله قيد
وليس لهم أن يخرجوا من معسكر … ولا يبرزوا إلا بإذن مجدد
وندب لذي بطش شجاع برازه … بإذن أمير كافر إذا تمرد
ومن دون إذن حر من مطلقًا وللضعيف … بالإذن إكره وحلل لمبتدي
ولا تنصرن ذا السلم مع شرط كافر … سوى مثخن مع كلمه أو معرد
وقبل براز جوزن قتل كافر … سوى مع كون القتل غير معود
وقاتل من الكفار أعوان كافر … وإن يرض أو يستصرخ اقتله واقدد
ومن يستطع في الحرب خدعة كافر … أجزه بلا كره ولو مات ترشد
وإن يرده ذو السلم أو يرد غيره … يكن غير مخموس له سلب الرد
لتعميم حكم الشرع فيما أباحه … الإمام له أو لم يبحه بأوكد
ويشرع قتل العلج والحرب قائمًا … مخاطرة ذا منعة وتجلد
ويعطاه ذو وضخ ولو كان كافرًا … وقاتل سبي قاتلوا في المجود
ولا تعطه الممنوع سهمًا ورضخه … كزمن بلا إذن يبارز بأوكد
وللمدعي بالشاهد اقض وقيل أو … بفرد وإيلاء وقيل بمفرد
стр. 795
وللقاطع الأطراف لا قاتل أبح … وللقاتل المقطوع واجده جد
وقيل كمقطوع اثنتين غنيمة … وقتل الإمام العاني أوذ إذن اشهد
وقيل لمرد والشريكي وآسر … وعبد له إن رق والمال إن قد
وأسلابه آلات حرب ولبسه … لدى الحرب مع حلي بغير تقيد
وفي الأشهر المركوب فيه وممسك … العنان بآلات له لم تقيد
ويكره في قتل العدا كل مثلة … ويكره نقل الروس لا سلب ملحد
وخيمته مع رحلة وجنيبه … وأمواله للغانمين لتردد
* * *
س ٤٨: تكلم عن أحكام ما يلي: الغزو بلا إذن الإمام. من دخل دار حرب بلا إذن الإمام فغنم شيئًا. من أخذ من دار حرب ركازًا ومباحًا له قيمة إعلاف الدابة ما أحرزه من طعام. القتال بسلاح من الغنيمة. ليس الثوب والقتال على فرس منها. أخذ شيء مما أحرز من الغنيمة. التضحية بشيء فيه الخمس الفاضل عما أخذه الغزاة، من أخذ دابة لغزوه عليها أو سلاح أو غيره إذا خرج الإمام على رجل ألا يصحبه فنادى بالنفير. ما هي النهدة وما حكمها؟ وتكلم عن كتبهم وما وجد معهم من الملاهي والمحرمات.
ج: لا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير؛ لأنه أعرف بالحرب وأمره موكول إليه، ولأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه، فالغزو أولى إلا أن يفجأهم عدو يخافون شره، وأذاه، فيجوز قتالهم بلا إذنه لتعين المصلحة فيه، ولما في التأخر من الضرر، وحينئذ لا يجوز التخلف لأحد إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكن والأهل والمال.
ومن لا قوة له على الخروج، ومن منعه الإمام، والدليل إلى جوازه
стр. 796
بلا إذن الإمام، أنه لما أغار الكفار على لقاح أي نوق النبي ﷺ ، فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة وتبعهم فقاتلهم بغير إذن. فمدحه النبي ﷺ وقال: «خير رجالنا سلمة بن الاكوع»، وأعطاه سهم فارس وراجل.
وكذا إن عرضت لهم فرصة يخافون فوتها بتركه للاستيذان؛ فإن لهم الخروج بغير إذنه لئلا تفوتهم، ولأنه إذا حضر العدو صار الجهاد فرض عين، فلا يجوز التخلف عنه، وإذا دخل قوم ذو منعة أولاً أو دخ لواحد ولو عبدًا دار حرب بلا إذن إمام أو نائبه، فغنيمتهم فيء لأنهم عصاة بالافتيات. ومن أخذ من الجيش أو اتباعه من دار حرب ركازًا، أو مباحًا له قيمة في مكانه، فهو غنيمة؛ لحديث عاصم بن كليب، عن أبي الجويرة الجرمي قال: لقيت بأرض الروم جزء فيها ذهب في إمارة معاوية، وعلينا معن بن يزيد السلمي، فأتيته بها فقسمها بين المسلمين، وأعطاني مثل ما أعطى رجلاً منهم، ثم قال: لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك»، ثم أخذ يعرض على من نصيبه فأبيت. أخرجه أبو داود. فإن لم تكن له قيمة كالأقلام والمسن، فلآخذ ولو صار له قيمة بنقله ومعالجته.
ومن أخذ طعامًا أو علفًا، ولو بلا إذن أمير، ولا حاجة فله أكله، وله إطعام سبي اشتراه، وله علف دابته؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. رواه سعيد وأبو داود.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه. رواه البخاري، وعن ابن عمر: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلاً، فلم يؤخذ منهم الخمس. رواه أبو داود.
стр. 797
وعن عبد الله بن المغفل قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: «كنا نأكل الجزور في الغزو، ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا منه مملوءة» رواه أحمد، ولسعيد أن صاحب جيش الشام كتب لعمر: إنا أصبنا أرضًا كثيرة الطعام والغلة، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه دع الناس يعلفون ويأكلون.
فمن باع منهم شيئًا بذهب أو فضة، ففيه خمس الله وسهام المسلمين؛ فإن أحرز الطعام والعلف، أو وكل الإمام من يحفظه، فلا يجوز أن يأكله أو يعلفه دابته إلا لضرورة؛ لأنه صار غنيمة للمسلمين، وتم ملكه عليه.
ولا يجوز أن يعلف منه دابة لصيد، كجارح وفهد لصيد، لعدم الحاجة إليها ويرد فاضلاً من طعام، وعلف، ولو كان يسيرًا لاستغنائه عنه. ويرد ثمن ما باع من طعام وعلف للخبر، ولو كان يسيرًا لاستغنائه عنه، ويرد ثمن ما باع من طعام وعلف للخبر، وتقدم قريبًا، ويجوز القتال بسلاح من الغنيمة، ويرده مع حاجة وعدمها لقول ابن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل، فوقع سيفه في يده فأخذته، فضربته حتى برد، رواه الأثرم، ولعظم الحاجة إليه مع بقائه.
ولا يجوز القتال على فرس أو نحوها من الغنيمة، ولا لبس ثوب منها، لما ورد عن رويفع بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتاع مغنمًا حتى يقسم، ولا أن يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلفه رده فيه، ولا أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» رواه أحمد وأبو داود.
ولا يجوز أخذ شيء من طعام أو غيره في دار إسلام أو حرب، مما أحرز
стр. 798
من الغنيمة إلا لضرورة؛ لأنه إنما أبيح الأخذ قبل جمعه، ولأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين، وصار كسائر أملاكهم؛ فإن لم يجد ما يأكله كله جاز له الأخذ لحفظ نفسه ودوابه.
ولا تجوز التضحية بشيء فيه الخمس، وله دهن بدنه ودابته، وله شرب شراب لحاجة إلحاقًا له بالطعام.
ومن أخذ ما يستعين به في غزاة معينة، فالفاضل مما أخذه له؛ لأنه أعطيه على سبيل المعاونة والنفقة، لا على سبيل الإجازة، كما لو أوصى أن يحج عنه فلان بألف، وأن لا يكن أخذه في غزاة معينة، فالفاضل يصرفه في الغزو.
وإن أخذ دابة غير عادية، ولا حبيس لغزوه عليها ملكها بالغزو؛ لحديث عمر: حملت رجلاً على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، فظننت أنه بائعه برخص. الخبر متفق عليه. فلولا أنه ملكه ما باعه، ولم يكن ليأخذه من عمر، فيقيمه للبيع في الحال، فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه، أشار إليه أحمد؛ فإن لم يغز ردها، ومثل الدابة سلاح أعطيه ليغزو به، فيملكه بالغزو؛ فإن باعه بعد الغزو، فلا بأس، ولا يشتريه من تصدق به. ولا يركب دواب السبيل في حاجة نفسه؛ لأنها لم تسبل لذلك، ويركبها ويستعملها في سبيل الله؛ لأنها سبلت لذلك.
وإذا قال الإمام لرجل: أحرج عليك ألا تصحبني؟ فنادى الإمام بالنفير، لم يكن إذنًا له في الخروج لتقديم الخاص على العام.
ولا بأس النهدة في السفر فعله الصالحون، كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضًا بعد ما يلقى وفيه رفق، ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة، يدفعونه إلى رجل منهم ينفق عليهم، ويأكلون منه جميعًا، ولو أكل بعضهم أكثر من بعض لجريان العادة بالمسامحة.
ولا يتخذ النعل والجرب من جلودهم، ولا الخارط والحبال، بل ترد
стр. 799
كسائر أموالهم، وكتبهم المنتفع بها ككتب الطب واللغة والشعر، ونحوها. وإن كانت مما لا ينتفع به، وأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة، وإلا فلا.
ويُقتل الخنزير، ويُكسر الصليب، ويُراق الخمر، وتُكسر أوعيته، إن لم يكن فيهما نفع للمسلمين وإلا أبقيت، وتكسر آلات اللهو كالتليفزيون والسينما والراديو والبكم والعود ويحرق الدخان وتسكر الشبش التي يشرب بها وآلات توليعه وتطفئته وتتلف جميع الملاهي؛ لأنها محرمات بيعًا وشراء واستعمالاً.
стр. 800
من النظم في وجوب إذن الأمير
ويحرم غزو دون إذن أميرهم … إذا لم يفت غنم ولم يفج معتد
وإن خيف فوت الغنم أو بغت العدا … فلا إذن وليغزو سوى حفظ قد
ومن يعط شيئًا في غزاة لعونه … فيغزو فيفضل أو حمى فوق أجرد
وليس حبيسًا أو معارًا لفرضه … ولا قال أنفق في الجهاد له أشهد
وإن تغز دون الإذن من غير منعة … رجالاً فيحووا مغنمًا فبأوكد
له بعد خمس والجميع بثان … وفي جعله في الفيء ثالثة زد
وإن كان فيهم منعة فهو ملكهم … سوى الخمس ولأوهى يكن فيئًا اعدد
وأكلك مطعومًا وعلف بهائم … يجوز بلا إذن وعن بيعه زد
ولو كان دهنًا أو شرابًا لحاجة … وعن غير مطعوم وتابعه أصدد
وفاضل مطعوم إذا عدت رده … وعن أحمد تحليل نزر مزهد
وما حيز في الأقوى احظرن لا ضرورة … وقيمة ما بعث أو ثمنه إن نمى اردد
وجائز استعمال آلة حربهم … له غير مركوب وثوب بأوكد
وحظر على شرط على حارس لها … ركوب لمغنوم وبالشرط جود
وما اختص من كتب بهم بيعه احظرن … سوى جلد أو ورق ولا غنم افتد
* * *
стр. 801
س ٤٩: تكلم بوضوح عما يلي: الغنيمة، دليلها، إذا أخذ حربي مالنا، إذا وجد وسم على حبيس، إذا استولى الكفار على حر، فداء الأسير بخيل أو سلاح.
ج: الغنيمة أصلها إصابة الغنم من العدو، وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي، ومنه قول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتى … رضيت من الغنيمة بالإياب
ومثله قول الآخر:
ومطعم الغنم مطعمه … أنى توجه والمحرم محروم
وتعريف الغنيمة اصطلاحًا: هي ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به كهارب استولينا عليه، وهدية الأمير ونحوهما، والأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية، وقد اشتهر وصح أنه ﷺ قسم الغنائم، وكانت في أوائل الإسلام خاصة لرسول الله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ الآية. ولم تحل الغنائم لغير هذه الأمة؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ولم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم، كانت تنزل نار من السماء تأكلها» متفق عليه.
ويملك أهل الحرب ما لنا بقهر، ولو اعتقدوا تحريمه؛ لأن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم كالبيع، وفي القواعد الفقهية: أنهم لا يملكون إلا بالحيازة، إلا دارهم، وفي «الاختيارات الفقهية» لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه. انتهى. وما اختاره الشيخ تقي الدين أقرب إلى الصواب فيما أرى. والله أعلم.
стр. 802
وإذا ملك مسلم أختين ونحوهما فوطئ إحداهما، ثم استولى عليها الكفار فله وطء الأخرى، لزوال ملكه عن أختها، وإن أسلموا وبأيديهم شيء من ذلك، فهو لهم، ولا يملكون وقفًا، ويعمل بوسم على حبيس لقوة الدلالة عليه كما يعمل بقول مأسور استولى عليه من كفار هو ملك فلان فيرد إليه، ولا يملكون حرًا ولا ذميًا؛ لأنه لا يضمن بالقيمة، ولا تثبت عليه اليد بحال، ومتى قدر على الذمي رد إلى ذمته لبقائها، ولم يجز استرقاقه، ويلزم فداؤه، ولا يجوز فداء على أسير بخيل ولا سلاح؛ لأنه إعانة على المسلمين.
س ٥٠: تكلم عما يلي: إذا استولى أهل الحرب على حرة أو أمة، إذا أخذنا الحرة أو أم الولد منهم، إذا ولدت منهم، إذا أبى الولد الإسلام، إذا اشترى مسلم أسيرًا من كافر، واذكر الدليل على ما تقول.
ج: ينفسخ باستيلاء أهل الحرب نكاح أمة مزوجة استولوا عليها وحدها لملكهم لرقبتها ومنافعها، وكنكاح كافرة سبيت وحدها، ولا ينفسخ به نكاح حرة مزوجة؛ لأنهم لا يملكونها، وإن أخذتا الحرة منهم، أو أخذنا منهم أم الولد ردت حرة لزوج لبقاء نكاحه، ورد أم ولد لسيد حيث عرف. ويلزم سيدًا أخذها قبل قسمة مجانًا، وبعد قسمة بثمنها، ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له.
وولد الحرة من أهل الحرب، كولد زنا؛ لأنه لا ملك لهم فيها ولا شبهة ملك.
وإن أبى ولد مسلمة حرة، أو غيرها من أهل الحرب، الإسلام ضرب وحبس حتى يسلم؛ لأنه مسلم تبعًا لأمه، فلا يقر على الكفر.
ولمشتر أسيرًا من كافر رجوع على الأسير بثمنه بنية رجوع عليه؛ لما روى سعيد، عن عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به
стр. 803
من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد القسم فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم؛ فإن الحر لا يباع، ولا يشترى.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه … » الحديث رواه أحمد والبخاري.
س ٥١: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أخذ من أهل الحرب مال مسلم أو معاهد، إذا باع كافر مال المسلم، أو المعاهد، أو وهبه، أو نحو ذلك، متى تملك الغنيمة؟ وأين تقسم؟ إذا غلب العدو على الغنيمة بمكانها.
ج: إذا أخذ منهم مال مسلم، أو معاهد بشراء أو قتال، وأدركه ربه بعد قسمه، فلربه أخذه بثمنه؛ لحديث ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له كان المشركون أصابوه، فقال له النبي ﷺ : «إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة، ولئلا يفضي إلى ضياع الثمن على المشتري، وحرمانه ما أخذه من الغنيمة وحقها ينجبر بالثمن».
فرجوع صاحب المال في عين ماله بثمنه جمع بين الخفين كأخذ الشقص بالشفعة.
ولو باع مال المسلم أو المعاهد آخذه من الكفار، أو وهبه، أو وقفه، أو أعتقه من انتقل إليه فيلزم، ولربه أخذه من آخر مشتر، وأخر متهب كأول آخذ.
قال ابن رجب في القواعد: والأظهر أن المطالبة تمنع التصرف كالشفعة وإن وقفه، أو أعتقه لزم وفات على ربه.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب؛ لأن الاستيلاء التام سبب الملك، وقد وجد لثبوت أيدينا عليها حقيقة، ولزوال ملك كفار عنها، ويجوز
стр. 804
قسمة الغنيمة في دار حرب؛ لما روى أبو إسحاق الفزاري قال: قلت للأوزاعي: هل قسم رسول الله ﷺ شيئًا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إيما كان للناس يبيعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم، ولم يقفل رسول الله ﷺ عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة، إلا خمسها: وقسمها، قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وحنين.
ويجوز بيع الغنيمة في دار الحرب، لما تقدم، ولثبوت الملك فيها، ولو غلب العدو على الغنيمة بمكانها، فأخذها من مشتر فهي من ماله فرط أولاً؛ لحديث الخراج بالضمان، وهذا نماؤه للمشتري، فضمانه عليه؛ ولأنه مبيع مقبوض أشبه ما لو بيعت بدار الإسلام.
س ٥٢: تكلم عما يلي: الجيش، السرية، عددها. بأي يبدأ في قسم ما غنمته السرية، وما غنمه الجيش، وماذا يعمل بعد ذلك وما هو الصفي؟
ج: الجيش: الجند، أو السائرون لحرب أو غيرها. السرية: القطعة من الجيش، تخرج منه وتعود فيه، وهي من مائة إلى خمسمائة، والسرية التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار.
وتضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمة الجيش، قال ابن المنذر: روينا أن النبي ﷺ قال: «وترد سراياهم على قعيدتهم».
وفي تنفيله ﷺ في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث، دليل على اشتراكهم في الباقي.
وإن أنفذ الإمام من دار الإسلام جيشين، أو سريتين فأكثر، انفرد كل بما غنمه، لانفراده بالجهاد بخلاف المبعوثين من دار الحرب.
ويبدأ في قسم بدفع السلب إلى مستحقه، وبرد مال مسلم ومعاهد إن كان وعرف، ثم بأجره جمع غنيمة وحملها وحفظها؛ لأنه من مؤنتها كعلف دوابها
стр. 805
ودفع جعل من دل على مصلحة من ماء، أو قلعة، أو ثغرة يدخل منها إلى حصن ونحوه؛ ولأنه في معنى السلب.
ثم يخمس الباقي على خمسة أسهم، ثم يخمس خمسة على خمسة أسهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية. ومقتضاها أن يقسم على ستة أسهم، وجوابه: أر سهم الله ورسوله ﷺ كالشيء الواحد بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ وإن الجهة جهة مصلحة سهم الله ولرسوله ﷺ مصرفه كالفيء في مصالح المسلمين كلها لحديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ تناول بيده وبرة من بعير، ثم قال: «والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم».
وعن عمرو بن عبسة، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه. رواه أحمد وأبو داود، فجعله لجميع المسلمين، ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم الأهم فالأهم، وقال طائفة من العلماء هو لمن يلي الخلافة بعده: لما روى أبو الطفيل قال: جاءت فاطمة ﵂ إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه، تطلب ميراثها من النبي ﷺ ، قال: فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه-: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله إذا أطعم نبيًا طعمة فهي للذي يقوم من بعده، وإني رأيت أن أردها على المسلمين» رواه أبو داود، فانفق هو وعمر وعلي والصحابة، على وضعه في الخيل والعدة في سبيل الله.
وكان ﷺ قد خص من المغنم بالصفي، وهو ما يختاره ﷺ قبل القسمة للغنيمة، كثوب، وجارية، وسيف؛ لحديث أبي داود، أنه ﷺ كتب إلى بني زهير بن قيس: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي إنكم آمنون بأمان الله ورسوله».
стр. 806
وفي حديث وفد عبد القيس، رواه ابن عباس: وأن تعطوا سهم النبي ﷺ ، والصفي. وقالت عائشة ﵂: كانت صفية من الصفى. رواه أبو داود. وانقطع ذلك بموته ﷺ ؛ لأن الخلفاء الراشدين لم يأخذوه، ولا من بعدهم، ولا يجمعون إلا على الحق، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب حيث كانوا؛ لحديث جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه، رواه أحمد والبخاري؛ ولأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث.
ولا يستحق منهم مولى، ولا من أمه منهم دون أبيه، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث والوصية، ويعطي الغني والفقير لعموم قوله: ﴿وَلِذِي القُرْبَى﴾، وكان ﷺ يعطي أقاربه كلهم، وفيهم من هو غني كالعباس، ويعطي صفية عمته، وسهم لليتامى، اليتيم من لا أب له، ولم يبلغ؛ لحديث: «لا يتم بعد احتلام»، واعتبر فقرهم؛ لأن الصرف إليهم لحاجتهم؛ ولأن وجود المال أنفع من وجود الأب.
ويسوي بين الذكر والأنثى لظاهر الآية، وسهم للمساكين للآية، وهم من لا يجدون تمام الكفاية، فيدخل فيهم الفقراء، فهم صنفان في الزكاة فقط.
وفي سائر الأحكام صنف واحد، وسهم لأبناء السبيل للآية.
ويشترط في ذي قربى ويتامى ومساكين، وأبناء سبيل كونهم مسلمين؛
стр. 807
لأن الخمس عطية من الله تعالى، فلم يكن لكافر فيها حق كالزكاة.
ويجب أن يعطوا كالزكاة، فيعطي المسكين تمام كفايته مع عائلته سنة، وكذا اليتيم.
ويعطي ابن السبيل ما يوصله إلى بلده، ويعم من بجميع البلاد حسب الطاقة، وصحح في «المغني» أنه لا يجب التعميم؛ لأنه متعذر، وفي الانتصار يكفي واحد من الأصناف الثلاثة -وذوي القربى- إن لم يمكنه.
واختار الشيخ تقي الدين ﵀ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كزكاة، وأن الخمس والفيء واحد يصرف في المصالح؛ فإن لم تأخذ بنو هاشم وبنو المطلب أسهمهم رد في كراع وسلاح عدة في سبيل الله، لفعل أبي بكر وعمر، ذكره أبو بكر.
ومن فيه سببان فأكثر، أخذ بها كهاشمي ابن سبيل يتيم؛ لأنها أسباب الأحكام، فوجب ثبوت أحكامها، كما لو انفردت ثم يبدأ من الأربعة أخماس التي للغانمين بنفل، وهو الزائد على السهم لمصلحة، والرضخ: وهو العطاء دون السهم لمن لا سهم له، فيرضخ لمميز، وقن، وخنثى، وامرأة، على ما يراه الإمام أو نائبه، إلا أنه لا يبلغ بالرضخ لراجل سهم راجل، ولا لفارس سهم فارس، لئلا يساوي من يسهم له، ولمبعض بالحساب من رضخ وإسهام.
أما الطفل فلقول سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذرون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة.
وقال تميم بن قرع المهري: كنت في الجيش الذي فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يقسم لي عمر شيئًا.
وقال: غلام لم يحتلم، فسألوا أبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقال: انظروا فإن كان قد أشعر، فاقسموا له، فنظر إلى بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت فقسم لي.
стр. 808
قال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مصر وجيده؛ وأما العبد فلما تقدم، وعن عمير مولى أبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأخبر أني مملوك، فأمر لي من خرثي المتاع، رواه أبو داود. وعنه: يسهم له إذا قاتل، روي عن الحسن والنخعي؛ لحديث الأسود بن يزيد: «أسهم لهم يوم القادسية» يعني العبيد.
وأما النساء فلحديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، فأما بسهم فلم يضرب لهن، رواه أحمد ومسلم. وعنه كان رسول الله ﷺ يعطي المرأة والمملوك الغنائم دون ما يصيب الجيش، رواه أحمد.
وحمل حديث حشرج ابن زياد عن جدته، أن النبي ﷺ أسهم لهن يوم خيبر. رواه أحمد وأبو داود، وخبر أسهم أبو موسى يوم غزوة تستر لنسوة معه على الرضخ وإن غزا قن على فرس سيده، رضخ له وقسم للفرس التي تحته؛ لأن سهمها لمالكها إن لم يكن مع سيده فرسان؛ لأنه لا يسهم لأكثر من فرسين على ما يأتي.
س ٥٣: لمن الغنيمة، وما صفة قسمها؟ ومن الذي لا يسهم له؟ وما مقدار السهم للراجل والفارس؟ وإذا غزا اثنان على فرس فما الحكم؟ ولمن سهم الفرس المغصوب والمعار والمستأجر والحبيس؟ وإذا زادت الخيل عن فرسين أو كان الفرس هجينًا فما الحكم؟ وهل يسهم لغير الخيل؟
ج: الغنيمة: لمن شهد الوقعة من أهل القتال يقسم أمام الباقي، بعد ما سبق بين من شهد الواقعة لقصد القتال، أو لمن يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل لاستعداده للقتال أشبه المقاتل، بخلاف من لم يستعدوا للقتال؛ لأنهم لا نفع فيهم.
стр. 809
ويسهم لمن بعثه الإمام في سرية أو مصلحة؛ لما ورد عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قام، يعني يوم بدر، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وأنا أبايع له» فضرب له رسول الله ﷺ بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره. رواه أبو داود.
وعن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : «إن لك أجر رجل وسهمه» رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويسهم أيضًا لمن أرسله الإمام أو بعثه جاسوسًا أو دليلاً، ولمن خلفه في بلاد العدو، وغزا الأمير ولم يمر به فرجع؛ لأنه في مصلحة الجيش، وهو أولى ممن حضر الواقعة ولم يقاتل، ولو مع منع غريم له، أو منع أب له، لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف، ولا يسهم لمن لا يمكنه القتال لمرض، ولا لدابة لا يمكنه قتال عليها لمرض كزمانة وشلل لخروجه عن أهلية الجهاد، بخلاف حمى يسيرة وصداع ووجع ضرس ونحوه، فيسهم له؛ لأنه لم يخرج عن أهلية الجهاد.
ولا يسهم لمخذل ومرجف ونحوهما، كرام بيننا بفتن ومكانب بأخبارنا؛ لأنه ممنوع من الدخول مع الجيش.
ولا بسهم لمن نهاه الأمير أن يحضر فلم ينته لأنهم عصاة، ولا لكافر لم يستأذن الإمام، ولا لعبد لم يأذن له سيده في غزو لعصيانهما، ولا لطفل، ولا مجنون؛ لأنهما لا يصلحان للقتال.
ولا من فر من اثنين كافرين لعصيانه، فيسهم للرجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، إذا كان عربيًا؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له. متفق عليه.
стр. 810
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهمًا. رواه الأثرم.
وعن أبي عمرة، عن أبيه قال: أتينا رسول الله ﷺ أربعة نفر ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين. رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن المنذر: للرجل سهم، وللفارس ثلاثة، هذا قول عامة أهل العلم في القديم والحديث، وقال خالد الحذاء: لا يختلف عن رسول الله ﷺ أنه أسهم هكذا للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
وإن كان الفرس هجينًا، أو مقرفًا عكس الهجين، فيعطي سهمًا له، وسهمًا لفرسه. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذون، والمقرف: الذي أبوه برذون وأمه عربية.
قالت هند بنت النعمان بن بشير لما تزوجها الحجاج بن يوسف:
وما هند إلا مهرة عربية … سلالة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري … وإن بك إفراف فما أنجب الفحل
وإن كان على برذون، وهو ما أبواه نبطيان، فيكون له سهمان: سهم له وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهمًا. رواه سعيد؛ ولحديث أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان، يقال له: المنذر بن أبي حمضة، فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها، مثل التي لم تدرك، ففصل الخيل، فقال: هبلت الوداعي أمه أمضوها على ما قال. رواه سعيد.
следующие страницы →