Полный текст (2 854 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وفي حديث وفد عبد القيس، رواه ابن عباس: وأن تعطوا سهم النبي ﷺ ، والصفي. وقالت عائشة ﵂: كانت صفية من الصفى. رواه أبو داود. وانقطع ذلك بموته ﷺ ؛ لأن الخلفاء الراشدين لم يأخذوه، ولا من بعدهم، ولا يجمعون إلا على الحق، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب حيث كانوا؛ لحديث جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه، رواه أحمد والبخاري؛ ولأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث.
ولا يستحق منهم مولى، ولا من أمه منهم دون أبيه، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث والوصية، ويعطي الغني والفقير لعموم قوله: ﴿وَلِذِي القُرْبَى﴾، وكان ﷺ يعطي أقاربه كلهم، وفيهم من هو غني كالعباس، ويعطي صفية عمته، وسهم لليتامى، اليتيم من لا أب له، ولم يبلغ؛ لحديث: «لا يتم بعد احتلام»، واعتبر فقرهم؛ لأن الصرف إليهم لحاجتهم؛ ولأن وجود المال أنفع من وجود الأب.
ويسوي بين الذكر والأنثى لظاهر الآية، وسهم للمساكين للآية، وهم من لا يجدون تمام الكفاية، فيدخل فيهم الفقراء، فهم صنفان في الزكاة فقط.
وفي سائر الأحكام صنف واحد، وسهم لأبناء السبيل للآية.
ويشترط في ذي قربى ويتامى ومساكين، وأبناء سبيل كونهم مسلمين؛
стр. 807
لأن الخمس عطية من الله تعالى، فلم يكن لكافر فيها حق كالزكاة.
ويجب أن يعطوا كالزكاة، فيعطي المسكين تمام كفايته مع عائلته سنة، وكذا اليتيم.
ويعطي ابن السبيل ما يوصله إلى بلده، ويعم من بجميع البلاد حسب الطاقة، وصحح في «المغني» أنه لا يجب التعميم؛ لأنه متعذر، وفي الانتصار يكفي واحد من الأصناف الثلاثة -وذوي القربى- إن لم يمكنه.
واختار الشيخ تقي الدين ﵀ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كزكاة، وأن الخمس والفيء واحد يصرف في المصالح؛ فإن لم تأخذ بنو هاشم وبنو المطلب أسهمهم رد في كراع وسلاح عدة في سبيل الله، لفعل أبي بكر وعمر، ذكره أبو بكر.
ومن فيه سببان فأكثر، أخذ بها كهاشمي ابن سبيل يتيم؛ لأنها أسباب الأحكام، فوجب ثبوت أحكامها، كما لو انفردت ثم يبدأ من الأربعة أخماس التي للغانمين بنفل، وهو الزائد على السهم لمصلحة، والرضخ: وهو العطاء دون السهم لمن لا سهم له، فيرضخ لمميز، وقن، وخنثى، وامرأة، على ما يراه الإمام أو نائبه، إلا أنه لا يبلغ بالرضخ لراجل سهم راجل، ولا لفارس سهم فارس، لئلا يساوي من يسهم له، ولمبعض بالحساب من رضخ وإسهام.
أما الطفل فلقول سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذرون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة.
وقال تميم بن قرع المهري: كنت في الجيش الذي فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يقسم لي عمر شيئًا.
وقال: غلام لم يحتلم، فسألوا أبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقال: انظروا فإن كان قد أشعر، فاقسموا له، فنظر إلى بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت فقسم لي.
стр. 808
قال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مصر وجيده؛ وأما العبد فلما تقدم، وعن عمير مولى أبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأخبر أني مملوك، فأمر لي من خرثي المتاع، رواه أبو داود. وعنه: يسهم له إذا قاتل، روي عن الحسن والنخعي؛ لحديث الأسود بن يزيد: «أسهم لهم يوم القادسية» يعني العبيد.
وأما النساء فلحديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، فأما بسهم فلم يضرب لهن، رواه أحمد ومسلم. وعنه كان رسول الله ﷺ يعطي المرأة والمملوك الغنائم دون ما يصيب الجيش، رواه أحمد.
وحمل حديث حشرج ابن زياد عن جدته، أن النبي ﷺ أسهم لهن يوم خيبر. رواه أحمد وأبو داود، وخبر أسهم أبو موسى يوم غزوة تستر لنسوة معه على الرضخ وإن غزا قن على فرس سيده، رضخ له وقسم للفرس التي تحته؛ لأن سهمها لمالكها إن لم يكن مع سيده فرسان؛ لأنه لا يسهم لأكثر من فرسين على ما يأتي.
س ٥٣: لمن الغنيمة، وما صفة قسمها؟ ومن الذي لا يسهم له؟ وما مقدار السهم للراجل والفارس؟ وإذا غزا اثنان على فرس فما الحكم؟ ولمن سهم الفرس المغصوب والمعار والمستأجر والحبيس؟ وإذا زادت الخيل عن فرسين أو كان الفرس هجينًا فما الحكم؟ وهل يسهم لغير الخيل؟
ج: الغنيمة: لمن شهد الوقعة من أهل القتال يقسم أمام الباقي، بعد ما سبق بين من شهد الواقعة لقصد القتال، أو لمن يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل لاستعداده للقتال أشبه المقاتل، بخلاف من لم يستعدوا للقتال؛ لأنهم لا نفع فيهم.
стр. 809
ويسهم لمن بعثه الإمام في سرية أو مصلحة؛ لما ورد عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قام، يعني يوم بدر، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وأنا أبايع له» فضرب له رسول الله ﷺ بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره. رواه أبو داود.
وعن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : «إن لك أجر رجل وسهمه» رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويسهم أيضًا لمن أرسله الإمام أو بعثه جاسوسًا أو دليلاً، ولمن خلفه في بلاد العدو، وغزا الأمير ولم يمر به فرجع؛ لأنه في مصلحة الجيش، وهو أولى ممن حضر الواقعة ولم يقاتل، ولو مع منع غريم له، أو منع أب له، لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف، ولا يسهم لمن لا يمكنه القتال لمرض، ولا لدابة لا يمكنه قتال عليها لمرض كزمانة وشلل لخروجه عن أهلية الجهاد، بخلاف حمى يسيرة وصداع ووجع ضرس ونحوه، فيسهم له؛ لأنه لم يخرج عن أهلية الجهاد.
ولا يسهم لمخذل ومرجف ونحوهما، كرام بيننا بفتن ومكانب بأخبارنا؛ لأنه ممنوع من الدخول مع الجيش.
ولا بسهم لمن نهاه الأمير أن يحضر فلم ينته لأنهم عصاة، ولا لكافر لم يستأذن الإمام، ولا لعبد لم يأذن له سيده في غزو لعصيانهما، ولا لطفل، ولا مجنون؛ لأنهما لا يصلحان للقتال.
ولا من فر من اثنين كافرين لعصيانه، فيسهم للرجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، إذا كان عربيًا؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له. متفق عليه.
стр. 810
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهمًا. رواه الأثرم.
وعن أبي عمرة، عن أبيه قال: أتينا رسول الله ﷺ أربعة نفر ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين. رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن المنذر: للرجل سهم، وللفارس ثلاثة، هذا قول عامة أهل العلم في القديم والحديث، وقال خالد الحذاء: لا يختلف عن رسول الله ﷺ أنه أسهم هكذا للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
وإن كان الفرس هجينًا، أو مقرفًا عكس الهجين، فيعطي سهمًا له، وسهمًا لفرسه. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذون، والمقرف: الذي أبوه برذون وأمه عربية.
قالت هند بنت النعمان بن بشير لما تزوجها الحجاج بن يوسف:
وما هند إلا مهرة عربية … سلالة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري … وإن بك إفراف فما أنجب الفحل
وإن كان على برذون، وهو ما أبواه نبطيان، فيكون له سهمان: سهم له وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهمًا. رواه سعيد؛ ولحديث أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان، يقال له: المنذر بن أبي حمضة، فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها، مثل التي لم تدرك، ففصل الخيل، فقال: هبلت الوداعي أمه أمضوها على ما قال. رواه سعيد.
стр. 811
وإن غزا اثنان على فرسهما، فلا بأس به وسهمه لهما بقدر ملكهما فيه، كسائر نمائه، وسهم فرسه مغصوب غزا عليه غاصبه أو غيره، لمالكه، ولو من أهل الرضخ لأن نماءه أشبه ما لو كان مع مالكه؛ ولأن سهمه يستحق بنفعه، ونفعه لمالكه، فوجب أن يكون ما استحق به.
وسهم فرس معار ومستأجر وحبيس لراكبه، إن كان من أهل الإسهام لقتاله عليه مع استحقاقه لنفع الفرس، فاستحقه سهمه، ولا يمنع منه كونه حبيسًا؛ لأنه حبيس على من يغزو عليه.
ويعطي راكب حبيس نفقة الحبيس من سهمه؛ لأنه نماؤه ولا يسهم لأكثر من فرسين من خيل الرجل، فيعطي صاحبها خمسة أسهم: سهم له وأربعة لفرسيه العربيين؛ لحديث الأوزاعي: كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم لرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس.
وروى معناه سعيد عن عمر، ولأن للمقاتل حاجة إلى الثاني؛ لأن إدامة ركوب فرس واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه بخلاف ما زاد.
ولا شيء من سهم ولا رضخ لعير خيل؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ أنه أسهم لعير الخيل، وكان معه يوم بدر سبعون بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزوة من غزواته من الإبل، بل هي غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل، وكذا أصحابه ﵊ من بعده؛ ولأنه لا يمكن عليها كر، ولا فر.
قال الشيخ: ويرضخ للبغال والحمير، وهو قياس الأصول كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان.
قال ابن القيم: ونص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، والعطاء الذي أعطاه رسول الله ﷺ لقريش والمؤلفة، هو من النفل، نفل به النبي ﷺ رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به، وقومهم على
الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع
стр. 812
بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته، واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء، وللإمام أن يفعل ذلك؛ لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة، فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين.
وأن تعين الدفع عن الإسلام والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم تعين عليه. اهـ.
س ٥٤: تكلم عن أحكام ما يلي مع التمثيل لما لا يتضح إلا به: إذا أسقط بعض الغانمين حقه من الغنيمة، إذا تغيرت حال المقاتل، قول الإمام من أخذ شيئًا فهو له، تفضيل الغانمين على بعض، إذا وجد صليب، أو خنزير، من وطئ جارية من الغنيمة، ما الذي يترتب على وطئه لها، الاستئجار للجهاد، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: من أسقط حقه من الغانمين، فسهمه للباقي من الغانمين؛ لأن اشتراكهم اشتراك تزاحم، فإذا أسقط حقه كان للباقين، وإن أسقط الكل حقهم من الغنيمة، فهي فيء تصرف للمصالح؛ لأنه لم يبق لها مستحق معين.
وإذا لحق بالجيش مدد أو تفلت أسير قبل أن تقضى الحرب، أو صار الفارس راجلًا، أو صار الراجل فارسًا قبل أن تقضي الحرب، أو أسلم من شهد الواقعة كافرًا قبل تقضي الحرب، أو بلغ صبي قبل تقضي الحرب، أو أعتق قن قبل أن تقضى جعلوا كمن كان فيها كلها كذلك.
ولا قسم لمن مات، أو انصرفت، أو أسر قبل أن تقضى الحرب؛ لأنهم لم يحضروها وقت انتقال الغنيمة إلى ملك الغانمين؛ وأما قوله الإمام أو نائبه من أخذ شيئًا فهو له فقيل: يحرم؛ لأنه ﷺ والخلفاء بعده كانوا يقسمون الغنائم؛ ولأن ذلك يقضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفر العدو
стр. 813
بهم ولأن الغزاة اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية، فلا ينفرد البعض بشيء؛ وأما قوله ﷺ يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له»، فذاك حين كانت له ثم صارت للغانمين، ولا يستحق المأخوذ بهذه المقالة آخذه إلا فيما تعذر حمله كأحجار وقدور كبار وحطب ونحوه، وترك فلم يشتر لعدم الرغبة فيه. فيجوز قول الإمام من أخذ شيئًا فهو له.
وقيل: يجوز لمصلحة لقوله ﷺ يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له»؛ ولأنهم غزوا على هذا ورضوا به. قال في السياسة الشرعية: فإن ترك الإمام الجمع والقسمة وأذن في الأخذ إذنًا جائزًا فمن أخذ شيئًا بلا عدوان حل له بعد تخميس، وكل ما دل على الإذن فهو إذن؛ وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنًا غير جائز جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحريًا للعدل في ذلك. اهـ.
ويجوز تفصيل بعض الغانمين على بعض لمعنى فيه من حسن رأي وشجاعة فينقل ويخص الإمام بكلب يباح نفعه من شاء من الجيش، ولا يدخله في قسمة؛ لأنه ليس بمال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويصب الخمر ولا يكسر الإناء، ومن مات قبل أن تقضى الحرب، فسهمه لوارثه.
ومن وطئ جارية من الغنيمة، وله فيها حق أو لولده أدب لفعله محرمًا، ولم يبلغ بتأديبه الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهة، والغنيمة ملك للغانمين فيكون للواطئ حق في الجارية، وإن قل فيدرأ الحد عنه كالمشتركة، وكجارية ابنه، وعلى الواطئ مهرها يطرح في القسم، إلا أن تلد منه فيلزمه قيمتها تطرح في المقسم؛ لأن استيلادها كإتلافها وتصير أم ولده؛ لأنه وطء يلحق به النسب أشبه وطء المشتركة، ولده حر لملكه إياها حين العلوق، فينعقد الولد حرًا.
وإن أعتق بعض الغانمين قنًا من الغنيمة أو كان في الغنيمة قن يعتق عليه
стр. 814
كأبيه وعمه وخاله عتق قدر حقه لمصادفته ملكه، والباقي كعتقه شقصًا من مشترك، يعتق قدر ما يملكه وباقيه بالسراية إن كان موسرًا بقيمة الباقي وإلا فبقدر ما هو موسر به منها، وأما أسر الرجال قبل اختيار الإمام فيهم، فلا عتق؛ لأن العباس عم النبي ﷺ عم علي وعقيلًا أخا على كانا في أسرى بدر، فلم يعتقا عليهما؛ ولأن الرجل لا يصير رقيقًا بنفس السبي. ولا تصح الإجارة على الجهاد؛ لأنه عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القرية كالحج فيسهم لأجير الجهاد، وإن أخذ أجرة ردها، وتصح الإجارة لحفظ الغنيمة، وحملها وسوقها ورعيها ونحوه.
* * *
س ٥٥: من هو الغال؟ وحكم سهمه؟ وما الذي يجب حرقه مما معه؟ والذي لا يحرق؟ ومتى يحرق؟ وماذا يستثنى له؟ وإلى أي شيء يرجع ما أخذ مما غل من الغنيمة؟ وإذا تاب فما الحكم؟ وما أخذ من فدية أو أهدي لأمير أو أهدى لبعض الغانمين فما الحكم؟ وما هي الأدلة على ذلك؟
ج: الغلو: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة، سمي غلولًا؛ لأن صاحبه يخفيه في متاعه. ويحرم الغلول وهو كبيرة للوعيد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا، ولا ورقًا، فاغتنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يسمى رفاعة ابن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله، فرمى بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، قال: «كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا أخذها من
стр. 815
الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم»، قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «شراك من نار أو شراكًا من نار» متفق عليه.
وعن عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ ، فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ : «كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة» الحديث رواه أحمد ومسلم، وعن عبد الله بن عمر قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله ﷺ : «هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها» رواه أحمد والبخاري.
فمن كتم ما غنم أو بعضه يجب حرق رحله كله؛ لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال. رواه أبو داود. وعن صالح بن محمد بن زائدة، قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتى برجل قد غل، فسأله سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه، واضربوه»، قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه، قال: بعه وتصدق بثمنه. رواه أحمد وأبو داود.
وبهذا قال الحسن، وفقهاء الشام منهم: مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتى سعيد بن عبد الملك الغال، فجمع ماله وأحرقه وعمر بن عبد العزيز ﵁ حاضر ذلك فلم يعبه.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السُّنة في الذي يغل أن يحرق رحله، وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي: لا يحرق؛ لأن النبي صلى الله عليه
стр. 816
وسلم لم يحرق؛ فإن عبد الله بن عمر روى أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة، فقال: «سمعت بلالًا نادى ثلاثًا»، قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به»، فاعتذر، فقال: «كنت أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك» أخرجه أبو داود؛ ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
قال أهل القول الأول: أما حديثهم أي أهل القول الثاني، فلا حجة لهم فيه؛ فإن الرجل لم يعترف أنه أخذ ما أخذه على وجه الغلول، ولا أخذه لنفسه؛ وإنما تواني في المجيء به، وليس الخلاف فيه؛ ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائبًا معتذرًا والتوبة تجب ما قبلها؛ وأما النهي عن إتلاف المال، فقيد بعدم المصلحة؛ فأما إذا كان فيه مصلحة، فلا بأس به، ولا يعد تضييمًا، كإلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق، وقطع يد السارق، مع أن المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه فأكله إتلافه وإنفاقه إذهابه، ولا يعد شيء من ذلك تضييمًا، ولا إفسادًا، ولا ينهى عنه؛ لكن قال البخاري: قد روى في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال ولم يأمر بحرق متاعه.
وقال الدارقطني:
حرق متاع الغال لا أصل له عن رسول الله، ولم يثبت حرمان سهمه في خير، ولا دل عليه دليل ولا قياس، فبقي بحاله، واختار الشيخ تقي الدين أن تحريق رحل الغال من باب التعزير لا الحد، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة وصوبه في «الإنصاف» وغيره، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس والله سبحانه اعلم ما لم يكن باعه أو وهبه، فلا يحرق؛ لأنه عقوبة لغير الجاني، ومحل
стр. 817
إحراق رحله إذ كان حرًا حيًا؛ فإن مات قبله لم يحرق لسقوطه بالموت كالحدود، فلا يحرق رجل رقيق؛ لأنه لسيده مكلفًا لا صغيرًا، أو مجنونًا؛ لأنهما ليسا من أهل العقوبة، ملتزمًا لأحكامنا، وإلا لم يعاقب على ما لا يعقد تحريمه إلا سلاحًا ومصحفًا، وحيوانًا بآلته ونفقته، وكتب علم وثيابه التي عليه، وما لا تأكله النار، فلا يحرق وذلك كالحديث، وهو للغال.
ويعزر الغال مع ذلك بالضرب ونحوه، ولا ينفي ويؤخذ ما غل للمغنم؛ لأنه حق للغانمين، ومن يشركهم فوجب رده إلى أهله؛ فإن تاب بعد قسم أعطى الإمام خمسه ليصرف في مصارفه، وتصدق ببقيته، روي عن معاوية وابن مسعود؛ لأنه لا يعرف أربابه أشبه المال الضائع.
وما أخذ من فدية أسرى، فغنيمة لقسمه ﷺ فداء أسرى بدر بين الغانمين، ولحصوله بقوة الجيش، وكذا ما أهدي للأمير، أو لبعض قواده، أو أهدي لبعض الغانمين بدار حرب فغنيمته.
وقال الشيخ: ما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد: هدايا العمال غلول. روي مرفوعًا، ويشهد له قصة ابن اللتبية، وكذا محاباة في المعاملة، والمؤاجرة، والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك، هو نوع من الهدية، ولهذا شاطرهم عمر لما خصوا به من أجل الولاية من محاباة وغيرها؛ لأنه إمام عادل يقسم بالسوية، وما أُهدي بدارنا للإمام أو غيره، فللمهدى له، لقبوله ﷺ هدية المقوقس وغيره، وكانت له وحده.
стр. 818
مما يتعلق في قسمة الغنائم نظمًا
تبارك من قد خصّ أمة أحمد … بتحليل غنم كان أكلا لموقد
وما حزته بالجيش قهرًا غنيمة … من أموال أهل الكفر أو أرض جحد
ولو من مباحات لها ثم قيمة … ولقطتهم أو مبهم ولنشد
كذاك ركاز بالجنود استطاعة … ولو في الموات افهم وفدية مهتد
ولم يملكوا بالقهر أموال مسلم … ولا ذمة في الأظهر المتأكد
فأوقفه أن يجهل لمن هو ربه … أحق ولو بعد اقتسام مفسد
وبعد الشر منهم وإسلام آخذ … به اخصصه مجانًا به في المعدد
فإن يلق قبل القسم يعطاه أن يشأ … وإلا فمن مال الغنيمة فاعدد
ويقسم أن يجهل ولا حق بعد ذا … لصاحبه كالمشتري منهم أعضد
ولا إن أتانا آخذ مسلم به … ومستأمنًا قد جاءنا وهو في اليد
وعنه له المقصود إن شاء بقيمة … وما منهم ابتغاه بالثمن اشهد
ولا حق في المشهور من بعد قسمة … وبالثمن إن شا المشتري امنحه وارقد
وإن كان مأخوذًا لا عوض فخذ … من المرء مجانًا على المتوطد
ومتهب أو مشتر إن تصرفا … يصح ومن أقصاهم خذ بأجود
ولم يملكوا عبدًا لنا جاء آبقًا … ولا شارد العجما وفلكا بأوكد
ولا يملكون الحر والوقف مطلقًا … ومستولدات المسلمين بأوطد
وإن يشتري مأسورنا مسلم نوى … رجوعًا فألزم مفتدي ما به فدى
ونملك باستيلائنا الغنم ثانيًا … ولو أنه في دار حرب بأجود
وقسمتها فيها تجوز فإن تبع … فمن مال مبتاع نواها بأوكد
وما للأمير الإشترا من غنيمة … ويلزم من يبتاع رد المزيد
стр. 819
لمن شهد الهيجاء أهلًا لخوضها … ولو تاجرًا أو موجرًا ذا تعدد
ومن غاب عنها في القتال لنفعنا … بإذن الأمير إقسم له لا تردد
ولاحظ للمنوع صحبة جيشنا … ولا لمريض عاجز ومعدد
ومن بعد إحراز الغنيمة جايخ … كذا بين الاستيلا وحوز بأجود
ويبدأ بالأسلاب تعطي لأهلها … كمال لذي عهد وعقد ومهتد
وجعل وأجرًا لحافظين ويقسم … السبقة أخماسًا فخمسًا كذا اعدد
فخذ خمسة لله ثم رسوله … وفي مصرف الفيء اصرفنه بأوكد
وسيان ذو وفر وفقر وقيل ذا … أحق ومولاهم عن القسم أبعد
بأي بلاد الله جلوا وقيل بل … بقطر جهاد كالشآم فقيد
وخمس لأيتام مع الفقر أسوة … وما عم مستغن وناء بمبعد
وصنف فقير والمساكين في سوى … الزكاة لهم خمس من الخمس أرصد
ولابن سبيل المسلم الحر خمسة … وعدد لذي الأوصاف عند التعدد
ومن بعد هذا اتقان ذوي الغنى … ومن قبل تخميس بوجه به جد
ولا سهم في الأولى لذي الكفر … وارضخن له، والمميز، والنساء، واعهد
وكالقن من كاتبته ومدبر … وفي مشكل والحر بعضا تردد
وفي غنم أهل الرضع خميس وما بقي … لهم غنمًا أقسم وقيل بل اجهد
ولا تلزمن في بذل رضخ تساويا … بل إن شئت ساويهم وإن شئت زيد
ولا تعطين رضخًا لذي السهم مثله … ونقضه عن مركوبه عند ترشد
ومن صار منهم مثل أهل سهامها … قبيل تقضي الحرب بالسهم زود
ومن كان يغزل فوق طرف لسيد … فسهماه كالمغصوب تعطي لسيد
وللفرس أرضخ تحت ذي الرضخ مطلقًا … سوى العبد وأسهم للغصيب بأجود
стр. 820
ولا شيء للأباق مثل مخذل … وممنوع دين أو أب فليرقد
وسائرها للفارس ادفع ثلاثة … له واحد منها كراجلهم قد
وللفرسين اقسم فقط والهجين … والبراذين والمقرف سهيم لها طد
ولا شيء يعطي غير خيل وعنه … للبعير المواتي الكر منهم ليفرد
وكن بشهود الحرب معتبرًا … ولا التفاب إلى ما قبل أو بعد فاهتد
فمن شهد الهيجا على الطرف فارس … ومن لا فلا فاحكم بغير تقيد
وقيل اعتبر حال الفتى حين جاءنا … أهو مستحق السهم أم لا فقيد
ولم يستبح شيء بقول الإمام من … حوى منكم شيئًا ينله بأوكد
وعنه يلي مع أمنه من مفاسد … وحاجة تحريض كبدر فجود
وأسهم في الأولى للأجير لخدمة … وللحرب منه سوى أهلها اصدد
وعنه له سهم وعنه إجارة … على الغزو والغوا أجرها أردده ترشد
стр. 821
ووارث ميت الجيش يعطي حقوقه … جميعًا على ما قد تقدم فاشهد
وإن سرايانا تشارك جيشنا … وبالعكس إلا ما يخص بمفرد
ويسهم للمبعوث إن كان غائبًا … لمصلحة الجيش الهمام المجند
وإن رغبوا عنها ففيء وبعضهم … متى رغبوا الباقين بالكل زود
وإن يعط ذو حق بها ولولده … فتاة فأدبه وعن حده حد
وخذ منه مهر المثل غنمًا وقيمة … لها إن ولدت منه وألحقه وافتدت
وإن غل ذو حق له أو لولده … ووالده من قبل قسم وسيد
فأدب بلا قطع وحرق متاعه … الذي كان معه ثم في نص أحمد
إذا كان حرًا عالم الحظر بالغًا … سوى مصحف أو كتب علم مرشد
وآلة حرب أو ثياب وسترة … وآلة مركوب وذا الروح تهتد
ولا تحرقن إن غل عبد متاعه … ولا تمنعن من غل سهمًا بأوطد
стр. 822
وهل سارق من مغنم كغلوله … حكموه على وجهين فارو وأسند
ويعتق من غنم محرز غانم … وذو رحم إن عمه حقه قد
وإلا كعتق الشخص نص عليها … ولا عتق فيما اختاره ذو المجرد
ويختار مجد الدين كالنص إن تكن … رقيقًا وكالقاضي متى تعدد
وإهداء كفر في الغزاة لقائد … الجيوش اغتنامًا ليس فيئًا بأجود
وإن سيده من دار حرب لدارنا … فذاك لمن أهدى له بتفرد
стр. 823
الأرضون المغنومة
س ٥٦: ما هي أصناف الأراضي المأخوذة من كفار؟ وبأي شيء يخير الإمام فيها؟ وما الحكم فيما إذا أسلموا أو انتقلت إلى مسلم؟ وما الذي يلزم الإمام نحوها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: الأرضون المغنومة من كفار ثلاثة أصناف، أحدها: المأخوذة عنوة وهي التي أجلوا أهلها الحربيين عنها، فيخير الإمام تخيير مصلحة بين قسمها بين الغانمين كمنقول، وبين وقفها على المسلمين؛ لأن كلًا ورد فيه خير؛ فإن رسول الله ﷺ قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه، رواه أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة.
ووقف عمر الشام ومصر والعراق، وسائر ما فتحه، وأفره الصحابة ومن بعدهم ذلك. وعن عمر ﵁ قال: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك الناس بيانًا، أي لا شيء لهم ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر؛ ولكني أتركها لهم خزانة يقتسمونها.
قال في الشرح: ولم نعلم أن شيئًا مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر؛ فإن رسول الله ﷺ قسم نصفها فصار لأهله لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمرو من بعده كأرض الشام، والعراق، ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء، فروى أبو عبيدة في كتاب الأموال أن عمر قدم الجابية وأراد قسم الأرضين بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون
стр. 824
فيصير ذلك الرجل الواحد والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسلمًا، وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا أولهم وآخرهم. فصار عمر إلى قول معاذ. وروى أيضًا قال:
قال الماجشون: قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال، ولكن أحسبه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلال وذويه، قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف.
وقال مالك وأبو ثور: يجب قسمها؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، وفعله أولى من فعل غيره، وأجيب بأن عمر وقفها مع علمه بفعل النبي ﷺ ، فدل على أن فعله ذلك لم يكن متعينًا كيف، والنبي ﷺ وقف نصف خيبر، ولو كان للغانمين لم يكن له وقفها.
الثانية: ما جلا أهلها عنها خوفًا منا، وحكمها كالأولى في التخيير المذكور قياسًا عليها؛ لأنه مال ظهر عليه المسلمون بقوتهم، فلا يكون وقفًا بنفس الاستيلاء كالمنقول … فعلى هذا تجري فيها الروايات السابقة؛ لكن لا تصير وقفًا إلا بوقف الإمام لها، صرح به الجماعة؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه، فعلى هذا حكمها قبل وقف الإمام كالمنقول، يجوز بيعها والمعارضة بها، وعنه تصير وقفًا بنفس الظهور عليها، قدمه في «المقنع» وجزم به في «الوجيز»، وقدمه في «المغني» والمحرر والشرح والفروع وغيرهم.
الثالث: المصالح عليها، وهي نوعان: فما صولحوا على أن الأرض لنا ونقرها بالخراج فهي كالعنوة في التخيير، ولا يسقط خراجها بإسلامهم، وعنه تصير وقفًا بنفس الاستيلاء، وجز به في «الإقناع».
والثاني ما صولحوا على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها، فهو كجزية إن أسلموا سقط عنهم، أو انتقلت الأرض إلى مسلم سقط عنهم كسقوط جزية
стр. 825
بإسلام؛ وإن انتقلت إلى ذمي من غير أهل الصلح، لم يسقط خراجها، ويقرون فيها بلا جزية؛ لأنها ليست دار سلام، بخلاف ما قبل من الأرضين، فلا يقرون بها بلا جزية كما في «الإقناع» ويجب على إمام فعل الأصلح للمسلمين.
س ٥٧: إلى أي شيء يرجع في قدر خراج وجزية؟ وما الذي وضعه عمر على الجريب؟ وما مقدار الجريب والقفيز؟ وعلى أي شيء يكون الخراج؟ وعلى من يكون الخراج؟ وهل يحبس به الموسر؟ وتكلم عمن عجز عن عمارة أرضه وعما يجوز بذله للعامل. وما الذي لا خراج عليه؟ وأين مصرف الخراج؟
ج: يرجع في قدر خراج وجزية إلى تقدير الإمام من زيادة ونقص على حسب ما يؤدي إليها اجتهاده، وتطيقه الأرض؛ لأنه أجرة فلم يتقدر بمقدار لا يختلف كأجرة المساكن، ووضع عمر بن الخطاب ﵁ على كل جريب درهمًا وقفيزًا. قال أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام: أعلى وأصح حديث في أرض السواد: حديث عمرو بن ميمون، يعني أن عمر وضع على كل جريب درهمًا وقفيزًا. والقفيز ثمانية أرطال، قيل: بالمكي، وقيل: بالعراقي، وهو نصف المكي، والجريب عشر قصبات في مثلها، والقصبة ستة أذرع بذراع وسط وقبضة، وإبهام قائمة مع كل ذراع، فالجريب ثلاثة آلاف ذراع مكسرة والخراج على أرض لها ماء تسقى به، ولو لم تزرع كالمؤجرة.
ولا خراج على ما لا يناله ماء من الأراضي، ولو أمكن زرعه وإحياؤه ولم يفعل؛ لأن خراج الأرض أجرة الأرض، وما لا ينفعه فيه لا أجرة له.
وما لم ينبت إلا عامًا بعد عام، أو لم ينله الماء إلا عامًا بعد عام، فنصف خراجه يؤخذه في كل عام؛ لأن نفعها على النصف فكذا خراجها، والخراج على المالك، والخراج كالدين، يحبس به الموسر وينظر به المعسر.
стр. 826
ومن عجز عن عمارة أرضه الخراجية أجبر على إجارتها لمن يعمرها، أو على رفع يده عنها؛ لتدفع لمن يعمرها ويقوم بخراجها؛ لأن الأرض للمسلمين، فلا يعطلها عليها.
ويجوز أن يرشي العامل وأن يهدى له لدفع الظلم عنه.
ولا يجوز أن يرشي العامل، أو يهدى له ليدع عنه خراجًا؛ لأنه توصل إلى إبطال حق فحرم على آخذ ومعط، كرشوة حاكم ليحكم له بغير حق، والهدية: الدفع ابتداء، والرشوة: الدفع بعد الطلب، وأخذ الرشوة والهدية حرام لحديث: «هدايا العمال غلول».
ولا خراج على مساكن سواء فتحت عنوة أو صلحًا؛ لأنه لم ينقل، وادي أحمد الخراج عن داره تورعًا.
ولا خراج على مزارع مكة؛ لأن النبي ﷺ لم يضرب عليها شيئًا.
والخراج: جزية الأرض، والحرم كمكة، فلا خراج على مزارعة.
ولا يجوز لأحد تفرقة خراج على نفسه؛ لأن مصرفه غير معين، فيفتقر إلى اجتهاد، ولأنه للمصالح كلها.
ومصرف الخراج كفيء؛ لأنه منه.
وإن رأى الإمام المصلحة في إسقاطه عمن له وضعه فيه ممن يدفع عن المسلمين؛ وفقيه ومؤذن ونحوه؛ جاز له إسقاطه عنه؛ لأنه لا فائدة في أخذه منه ثم رده إليه، ولا يحتسب بما ظلم في خراجه من عشر عليه.
ومن أقام ببلد تطلب منها الكلف بحق، وغيره بنية العدل، أو تقليل الظلم مما أمكن لله تعالى، فكالمجاهد في سبيله. ذكره الشيخ تقي الدين، لقيامه بالقسط والإنصاف.
ومن باشر جبايتها وتحصيلها، إعانة لمن تؤخذ منه لا للأخذ؛ متحريًا
стр. 827
العدل والإنصاف؛ فمأجور بذلك وليس من أعوان الظلمة. قال القاضي مجد الدين من الحنفية في منظومته الفقهية:
ولو بتوزيع المغارم التي … كلفها السلطان للرعية
قام بها شخص بعدل ذكروا … بأنه في ذا القيام يؤجر
س ٥٨: ما هو الفيء؟ وما مثاله؟ وما مصرفه؟ وبأي شيء يبدأ من المصالح؟ ثم ماذا بعده؟ ولماذا لا يخمس الفيء؟ وأين يكون موضع الفاضل؟ وأين مصرف خمس خمس الغنيمة؟ وما مقدار العطاء؟ وإذا استوى اثنان من أهل الفيء فما الحكم؟
ج: أصله من الرجوع، يقال: فاء الظل إذا أرجع نحو الشرق، وسمي المال الحاصل على ما يذكر فيئًا؛ لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين. قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؛ والفيء: ما أخذ من مال كفار غالبًا بحق بلا قتال كجزية، وخراج من مسلم وكافر، وعشر تجارة من حربي ونصفه من ذمي.
وما ترك من كفار لمسلمين فزعامتهم، أوترك عن ميت مسلم أو كافر، ولا وارث له يستغرق. وخرج بقولنا يحق ما أخذ من كفار ظلمًا، كما لمستأمن، وخرج بقولنا بلا قتال الغنيمة؛ ومصرف الفيء: المصالح ومصرف خمس خمس الغنيمة المصالح لعموم نفعها، ودعاء الحاجة إلى تحصيلها، قال عمر: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد فليس لهم فيه شيء، وقرأ عمر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فقال: قد استوعبت المسلمين عامة.
وعلم منه أنه لا يختص بالمقاتلة ويبدأ بالأهم فالأهم، من سد ثغر وكفاية
стр. 828
أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين؛ لأن أهم الأمور حفظ بلاد المسلمين وأمنهم من عدوهم، وسد الثغور وعمارتها وكفايتها بالخيل والسلاح.
وفي وقتنا أيضًا بالمدافع والدبابات، وجميع ما يناسب الحال الحاضرة ويحفظ البلاد، ثم بالأهم فالأهم من سد بثق، وكرى نهر، وعمل قنطرة، ورزق قضاة، وغير ذلك، كإصلاح طرق، وعمارة مساجد، وأرزاق أئمة ومؤذنين وفقهاء.
ولا يخمس الفيء؛ لأن الله تعالى أضافه إلى أهل الخمس، كما أضاف إليهم خمس الغنيمة، ويقسم ما فضل عما يعم نفعه بين أحرار المسلمين غنيهم وفقيرهم؛ لأنهم استحقوه بمعنى مشترك، فاستووا فيه كالميراث، وعنه يقدم محتاج.
قال الشيخ تقي الدين: وهو أصح عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ ولأن المصلحة في حقه أعظم منها في حق غيره؛ لأنه لا يتمكن من حفظ نفسه من العدو بالعدة، ولا بالهرب لفقره، بخلاف الغني، واختار أبو حكيم والشيخ تقي الدين، لاحظ للرافضة فيه.
وذكره في الهدي عن مالك وأحمد، وقيل: يختص بالمقاتلة لأنه كان لرسول الله ﷺ في حياته لحصول النصرة؛ فلما مات صارت بالخيل، ومن يحتاج إليه المسلمون ويكون العطاء كل عام مرة أو مرتين، ويفرض للمقاتلة قدر كفايتهم وكفاية عيالهم.
وإن استوى اثنان من أهل الفيء في درجة قدم أسبقهما في إسلام؛ فإن استويا فيه فأسن؛ فإن استويا فيه فاقدم هجرة وسابقة، ثم إن استووا في جميع ذلك؛ فولي الأمر مخير إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء نبهما على رأيه.
стр. 829
س ٥٩: من الذي يجب له العطاء؟ ومن الذي يملك بيت مال المسلمين؟ وإذا أتلفه إنسان فما الحكم؟ وإذا مات بعد حلول العطاء فلمن يكون حقه، وإذا مات من أجناد المسلمين من له أولاد صغار فما الحكم؟ وإذا تزوجت المرأة والبنات فما الحكم؟ ما حكم الأخذ من بيت المال بلا إذن إمام؟
ج: لا يجب العطاء إلا لبالغ عاقل حر بصير صحيح، يطيق القتال، ويتعرف قدر حاجة أهل العطاء وكفايتهم، فيزيد ذا الولد والفرس، ومن له عبيد في مصالح الحرب حسب كفايتهم، وإن كانوا لتجارة أو زينة لم يجب مؤنتهم، وينظر في أسعار بلادهم؛ لأن الأسعار تختلف والغرض الكفاية؛ ولهذا تعتبر الذرية.
قال الشيخ: وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية؛ فأما من رأى التفضيل؛ فإنه يفضل أهل السوابق والغناء في الإسلام على غيرهم، بحسب ما يراه، كما فعل عمر ﵁، ويخرج من المقاتلة بمرض لا يرجى زواله كزمانة ونحوها.
وبيت المال ملك المسلمين؛ لأنه لمصالحه يضمنه ويحرم أخذ منه بلا إذن إمام لأنه افتيات عليه، ومن مات بعد حلول العطاء، دفع لورثته حقه لاستحقاقه له قبل موته، فينتقل إلى ورثته كسائر حقوقه؛ ودفع لامرأة جندي وأولاده قدر كفايتهم لتطييب قلوب المجاهدين؛ لنهم إذا علموا أن عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على الجهاد، وإذا علموا خلاف ذلك توفروا على الكسب وآثروه على الجهاد، مخافة الضيعة على عيالهم؛ ولهذا قال أبو خالد الهناي:
لقد زاد الحياة إليّ حبًّا … بناتي إنهن من الضعف
مخافة أن يرين الفقر بعدي … وإن يشرين رنقًا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين من كرم عجاف
ولولا ذاك قد سومت مهري … وفي الرحمن للضعفاء كافي
стр. 830
فإذا بلغ ذكورهم أهلًا للقتال، واختاروا أن يكونوا مقاتلة فرض لهم بطلبهم لأهليتهم لذلك كآبائهم؛ ومن الأحكام السلطانية مع الحاجة إليهم وإلا قطع فرضهم، ويسقط فرض المرأة والبنات بالتزويج.
وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا يكتب فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم ضبطًا لهم، ولما قدر لهم، ويجعل لكل طائفة عريفًا يقوم بأمرهمن ويجمعهم وقت العطاء، ووقت الغزو، ليسهل الأمر على الإمام.
стр. 831
من النظم في حكم الفيء ومصارفه
وأقسام أموال الأنام ثلاثة … فمال زكاة فيه بالذكر قيد
وثانيه أموال الغنيمة توجف … الركاب عليها في وغى متوقد
وللفيء مال وهو ما ليس موجب … الركاب عليه في قتال لجحد
كما تركوا خوفًا وعشر وحزية … خراج وخمس الخمس مع إرث مفرد
ومصرفه ما عم نفعًا لديننا … كإصلاح ثغر أو كفاية منجد
وإصلاح أنهار وجسر وخندق … وحصن وسيل مع رباط ومسجد
وأرزاق نقال الشريعة معلقًا … وسد بثوق في الأصح الموطد
وإن تبق من بعد المصالح فضلة … فتقسم في الأحرار من كل مهتد
غنيهم مثل الفقير وعنه بل … يقدم ذو الحاجات منهم فجود
ويجعل ديوانًا أمينًا لضبطه … وكل فئام مع عريف مرشد
وورث نصيب الميت بعد حلوله … وللباذل الخمس إن تشا اردد بمبعد
وقم بصغار الجند والعرس بعدهم … وللبالغ افرض إن رأوا كالمجند
ويسقط إن لم يخدموا فرضهم كذا … بتزويج عرس والبنات فشرد
* * *
стр. 832
٨ - باب الأمان
س ٦٠: ما هو الأمان؟ وما الأصل فيه؟ وما الذي يُراد به هنا؟ وما الذي يحرم به؟ وكم مدته؟ وما حكمه منجزًا أو معلقًا؟ وما الذي يشترط له؟ ومن الذي يصح منه؟ وما صفة التأمين؟ وهل يسري الأمان؟ وكم العقود التي تفيد الأمن؟ وما هي؟ واذكر المحترزات والأدلة والتعاليل.
ج: الأمان: ضد الخوف، وأُريد به هنا ترك القتل والقتال مع الكفار وهو من مكايد الحرب ومصالحه، والعقود التي تقيد الأمن ثلاثة: أمان، وجزية، وهدنة؛ لأنه إن تعلق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور؛ فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصان بالأمان، أو بغير محصور؛ فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصان بالإمام بخلاف الأمان، والأصل فيه آية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾.
قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة، فمن طلب أمانًا ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته، ثم يرد إلى مأمنه.
وروي عن علي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» رواه البخاري، ويحرم قتل، ورق وأسر، وأخذ مال، والتعرض لهم لعصمتهم به، ويشترط أن يكون الأمان من مسلم، فلا يصح من كافر ولو ذميًا؛ لأنه غير مأمون علينا، عاقل فلا يصح من طفل ولا مجنون؛ لأنه لا يدري المصلحة، مختار فلا يصح من مكره عليه، كالإقرار والبيع، غير سكران؛ لأنه لا يعرف المصلحة،
стр. 833
ولو قنًا، أو مميزًا، أو أنثى، فلا تشترط حريته، ولا ذكوريته، ولا بلوغه؛ أما القن فلقول عمر: العبد المسلم رجل من المسلمين، يجوز أمانه، رواه سعيد؛ ولقوله: «ليسعى بها أدناهم»؛ فإن كان لذلك صح أماه للحديث، وإن كان غيره أدنى منه صح من باب أولى، ولأنه مسلم أشبه الحر.
وأما المميز فلعموم الخبر ولأه عاقل فصح منه كالبال.
وأما الأنثى؛ فلقوه ﷺ : «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» رواه البخاري، وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاص ابن الربيع، وأجازه النبي ﷺ .
شرط الأمان عدم ضرر على المسلمين.
ويصح أمان منجزًا، كانت آمن، ويصح معلقًا، نحو من فعل كذا فهو آمن؛ لقوله ﷺ يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن».
ويصح من إمام لجميع المشركين لعموم ولايته.
ويصح من أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم لعموم ولايته في قتالهم؛ وأما بالنسبة لغيرهم، فكأحاد المسلمين.
ويصح -من كل أحد يصح أمانه- لقافلة وحصن صغيرين عرفً.
ويصح أمان بكل ما يدل عليه من قول، أو إشارة مفهومة مع القدرة على النطق؛ لقول عمر: والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء، إلى مشرك، فنزل بأمان، فقتله لقتلته به. رواه سعيد.
ويصح برسالة بأن يراسله بالأمان، وبكتاب أن يكتب له بالأمان، كالإشارة وأولى؛ فإن قال لكافر: أنت آمن، فقد أمنه؛ لقوله ﷺ يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، أو قال لكافر:
стр. 834
لا بأس عليك، فقد أمنه؛ لأن عمر قال للهرمزان: تكلم ولا بأس عليك، ثم أراد قتله. قال أنس والزبير: قد أمنته لا سبيل لك عليه، رواه سعيد.
أو قال: أجرتك؛ لقوله ﷺ لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». أو قال: قف، أو قم، أو لا تخف، أو لا تخش، أو لا خوف عليك، أو لا تذهل أو ألق سلاحك، فقد أمنه لدلالة ذلك عليه، أو قال له: مُتْرَسْ بالفارسية، ومعناه: لا تخف.
قا لابن مسعود: إن الله يعلم لكل لسان، فمن كان منكم أعجميًا، فقال: مترس، فقد أمنه، أو أمن بعضه، أو يده فقد أمنه؛ لأنه لا يتبعض. وقال أحمد: إذا اشتراه ليقتله، فلا يقتله؛ لأنه إذا اشتراه، فقد أمنه.
فإن أشار إليهم بما اعتقدوه أمانًا، وقال: أردت به الأمان، فهو أمان، وإن قال: لم أرد به الأمان، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بمراده.
ويسري الأمان إلى من معه من أهل ومال، تبعًا إلا أن يخصص به، كانت آمن دون أهلك ومالك فلا يسري إليهما، ويجب رد معتقد غير الأمان أمانًا إلى مأمنه، وهو الموضع الذي صدر فيه ما اعتقده أمانًا نصًا، لئلا يكون غدرًا له، ويقبل من عدل قوله: إني أمنته، وإن ادعى الأمان أسير وأنكره من جاء به فقول منكر؛ لأن الأصل عدمه، وإباحة دم الحربي.
س ٦١: تكلم عن ما يلي: من أسلم أو أعطى أمانًا ليفتح حصنًا ففتحه واشتبه بحربيين إذا اشتبه ما أخذ من كافر بما أخذ من مسلم هل فيه جزية؟ مدة الأمان؟ عقد الأمان للرسول والمستأمن، من جاء
بلا أمان وادعى أنه رسول أو تاجر، من جاءت به ريح أو ضل الطريق، ما يبطل به الأمان، إذا أودع أو أقرض مستأمن مسلمًا،
стр. 835
ثم عاد لدار حرب أو انتقض عهد ذمي، ماذا يعمل بماله؟ تصرفه فيه إذا مات بدار حرب.
ج: من أسلم قبل فتح واشتبه، أو أعطي أمانًا ليفتح حصنًا ففتحه واشتبه محربيين، وادعى كل واحد منهم أنه الذي أعطي، أو أنه الذي أسلم قبل، واشتبه علينا الذي أمناه، أو كل أسلم فيهن، حرم قتلهم؛ لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه، أشبه ما لو اشتبهت أخته بأجنبيات، أو ميتة بمذكاة، قاله في الفروع، ويتوجه مثله لو نسي، أو اشتبه من لزمه قود بمن لا يلزمه فيحرم القتل، وإن اشتبه ما أخذ من كافر بحق يما أخذ من مسلم بلا حق، فينبغي الكف عنهما؛ لحديث: «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه»، ولا جزية مدة أمان؛ لأنه لم يلتزمها، ويعقد الأمان لرسول ومستأمن؛ لأنه ﵊ كان يؤمن رسل المشركين؛ لما ورد عن ابن مسعود قال: جاء ابن النواحة، وابن أثار رسولا مسيلمة إلى النبي ﷺ ، فقال لهما: «أتشهدان أني رسول الله؟» قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». قال عبد الله: فمضت السُّنة أن الرسل لا تقتل. رواه أحمد.
وعن نعيم بن مسعود الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب، قال للرسولين: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ : «والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما» رواه أحمد وأبو داود.
وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: بعثتني قريش إلى النبي ﷺ ، قال: فلما رأيت النبي ﷺ وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس
стр. 836
بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم؛ فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع» رواه أحمد وأبو داود. وقال: هذا كان في ذلك الزمان، اليوم لا يصلح، ومعناه -والله أعلم-: إنه كان في المدة التي شرط لهم فيها أن يرد من جاء منهم مسلمًا؛ ولأن لحاجة داعية إلى ذلك، إذ لو قتل لفاتت مصلحة المراسلة.
ومن جاءنا بلا أمان، وادعى أنه رسول أو تاجر، وصدقته عادة قبل منه ما ادعاه، وأن لا تصدقه عاده فكأسير، أو كان جاسوسًا فكأسير، يخير الإمام فيه، ومن جاءت به ريح من كفار، أو ضل الطريق منهم، أو أبق إلينا من رقيقهم، أو شرد إلينا من دوابهم، فهو لآخذه غير مخموس؛ لأنه مباح، وأخذه بغير قتال في دار الإسلام أشبه الصيد والحشيش.
ويبطل أمان بردة من مستأمن لنقضه له.
ويبطل بخيانة؛ لأن الخيانة غدر، وهو لا يصلح في ديننا.
وإن أودع مستأمن مالًا، أو أقرض مستأمن مسلمًا مالًا، أو ترك المال ببلاد الإسلام، ثم عاد لدار حرب، أو انتقض عهد ذمي بقي أمان ماله، ويبعث ماله إليه إن طلبه لبقاء؛ لأمان فيه، ويصح تصرفه فيه بنحو بيع وهبة لبقاء ملكه، وإن مات بدار حرب، فماله بدار الإسلام لوارثه؛ لأن الأمان حق لازم متعلق بالمال، فبموته ينتقل لوارثه؛ فإن عدم وارثه ففيء لبيت المال، وإن استرق وقف ماله؛ فإن عتق أخذه، وإن مات قنا ففيء.
وإن أسر فأطلق بشرط أن يقيم عندهم مدة، أو أن يأتي ويرجع إليهم، أو أن يبعث مالًا، وإن عجز عاد إليهم، ورضي لزمه الوفاء؛ لحديث: «إنا لا يصلح في ديننا الغدر» ولأنه في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر
стр. 837
مفسدة عليهم؛ لأنهم لا يأمنون بعد مع دعاء الحاجة إليه.
وإن أكرهوه عليه لم يلتزمه الوفاء لهم إلا المرأة إذا أسرت ثم أطلقت بشرط أن ترجع إليهم، فلا يحل لها أن ترجع لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾ ولأنه تسليط على وطئها حرامًا، وألا يؤمنوه فيقتل ويسرق أيضًا كما له الهرب؛ لأنه لم يؤمنهم، ولم يؤمنوه، ولو جاءنا حربي بأمان ومعه مسلمه، لم ترد معه، ويرضى لتركها بدار الإسلام.
стр. 838
مما يتعلق بالأمان نظمًا
يصح أمان الكفر من كل مسلم … يكلف ولو أسري وأنثى وأعبد
وليس لذي كفر أمان ومكره … ومن رب تمييز يصح بأوكد
ومن صح منه صح إخباره به … كمرضعة أو حاكم متشدد
ويمضي أمان من إمام لكلهم … ومن قائد فيمن يقاله قد
وشرطها تعيين مدة أمنهم … ولو طال لا عشر السنين بأوكد
ومن واحد منا لفعل غير أو … حصين ولا تقبل لمصر ومحتد
ويحصل حتى بالإشارة منهم … إذا فهموا والشخص من بعضه اشهد
ووجهان في الق السلاح مترس … ومبتاع أسرى إن يرد قتلهم ذد
ويقبل إنكار المشير أمانهم … بها ثم مخط القصد للمأمن أردد
ومن شرط أمن بالأمان قبولهم … ومن رد حلل قتله لا تردد
ومن يعطه مع شرط نفع فلم يجد … به ينتقض بالعكس أوف بموعد
وإن يدعي المأمور أخذ موحد … به جا فينكر خذ بقول الموحد
وإن يدعي من بعد أسر أمانه … فلا قتل وارققه بغير تردد
وإن قال ذو الإسلام ملكي شربته … فلا قتل فليحكم به ملك مهتد
ومن يبلغ أمنًا لاستماع القرآن … أو تعرف حكم الدين يعطي ويردد
ومن يهد أو يعطى الأمان بحصنه … ليفتح فيفتح مع تداعيه فاشهد
стр. 839
بتحريم قتل الجمع نصًا ورقهم … وقيل أقرعن وارقق سوى قارع قد
وإن يشتبه فتاح حسن بجعل … أقسمن وعنه فأقرع وللقارع ارقد
وللرسل أو مستأمن صح عقده … لا جزية في النص كالهدنة اشهد
وآت بلا أمن كدعوى رسالة … ومعداد بحر ذو متاع معدد
له الأمن منا ريب فقر كما مضى … وعين ودون الفرض كالعان فأردد
وإن ضل حربي أو أنعامه إلى … بلاد الهدى أو مركب ذو تشرد
فهو غير مخموس في الأولى لواجد … وعن أحمد فيئًا للإسلام فأعدد
وعنه لمن قد حل في أرضهم من … القرى كلتهم لا تخصصنه بوجد
وأمن الفتى أمن له ولمال الذي … معه إلا الغائب إن لم يقيد
ويبقى أمورًا لا تضر وينثي … إلينا ومع قصد الثوى والتنكد
فقد زال أمن النفس مع ماله الذي … نأذى معه لا مال لدينا بأوكد
وإن نقض الذمي عهدًا فما له … من الفيء في الأولي إذا لم يعرد
وما لم تقل فيء ليعطاه من بغي … ووارثه حتى لدينا بأجود
فإن فقدوا فاجعله فيئًا فإن أسر … فرق فمال المرء قفه وأرصد
فإن حر فاردده إليه وإن يمت … رقيقًا ففيئًا ماله في المجود
وقيل بنفس الرق فيئًا وقيل بل … لوارثه لو كان حرًا فزود
وإن عبد حربي أثاب وجاءنا … بمولاه مأسورًا وأهلًا ومتلد
فكلهم للعبد وهو محرز … وفي دار حرب أن يقم رقه أمدد
ومن يقتحم أرض العدو بأمنهم … ألا لا يخنهم والربى لا يعقد
ويلزمه إيصال كل حقوقهم … إليهم إذا جاءوا وإلا ليردد
وإن يطلقوا منا أسيرًا ويشترطوا … ثواه لديهم يوف في نص أحمد
стр. 840
وإن أطلقوا من غير شرط وأمنوا … ليهرب ولا يجني جناية مفسد
وإن أطلقوا مع شرط رق أو انتفا … أمان ليقتل ثم يسرق ويعتد
وإن أحلفوه تنعقد غير مكره … وقيل بإلزام الثوى بمعبد
وإن أطلقوا مع شرط بعث مقرر … إليهم وإلا فليعد أن يفقد
وإلا رضي يرجع لعجز بأوكد … وإلا فلا كالخود في نص أحمد
ومبتاع منهم مسلم برضاه في الشرا … والوفا أولى بقصد التردد
يرد له المبذول بالأذن مطلقًا … وإلا فبذل العرف دون المزيد
ويلزم إن وأتى افتكاك عنائنا … وبالطفل فالأنثى قبيل الفتى افتدى
стр. 841
٩ - باب الهدنة
س ٦٢: ما هي الهدنة؟ وما الأصل فيها؟ ومن الذي يعقدها؟ وإذا زال فما الحكم؟ وما حكم الهدنة على مال وعلى غيره؟ وهل عقدها لازم أم جائز؟ وما حكم اشتراط نقضها لمن شاء؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: أصل الهدنة: السكون، يقال: هدن يهدن هدونًا إذا سكن، وهدنته أي سكنته، وشرعًا العقد على ترك القتال مدة معلومة، وتسمى الموادعة، والمعاهدة، والمسالمة، والمهادنة وهي لازمة.
وفي «الإنصاف»: يكون العقد لازمًا على الصحيح في المذهب.
وقال الشيخ تقي الدين: ويكون أيضًا جائزًا ومتى زال من عقدها لزم الثاني الوفاء، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.
ومن السُّنة ما روى مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة، أن النبي ﷺ صالح قريشًا على وضع القتال عشر سنين، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيها دنوهم حتى يقووا، أو طعمًا في إسلامهم، أو التزام الجزية، أو غير ذلك من المصالح.
وتجوز على غير مال؛ لأن النبي ﷺ هادنهم يوم الحديبية على غير مال، وتجوز على مال يأخذه منهم، فإنها إذا جازت على غير مال، فعلى مال أولى، وإن هادنهم مطلقًا، لم يصح.
стр. 842
وقال الشيخ تقي الدين: تصح وتكون جائزة ويعمل بالمصلحة؛ لأن الله تعالى أمر بنبذ العهود المطلقة، وإتمام الموقتة.
وقال ابن القيم وغيره على ما في الصحيحين: أن فريقًا صالح النبي ﷺ يعني عام الحديبية سنة تسع- فيه دليل على جواز صلح الإمام لعدوه، ما شاء من المدة، ويكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء، وهذا هو الصواب، وهو موجب حكم رسول الله ﷺ ، الذي لا ناسخ له.
وذكر أيضًا صلحه لأهل خيبر عما له يقرهم فيها ما شاء، وأن هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز صلح الإمام لعدوه، ما شاء من المدة فيكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء.
وفي قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآيات البراءة من المعاهدين، إلا من كان له عهد إلى أجل، وهذا يبين أن تلك العهود كانت مطلقة ليست إلى أجل معين؛ خلافًا لمن قال: لا تجوز المهادنة المطلقة، ولا يجوز ونقركم ما أقركم الله، حتى ادعى الإجماع في ذلك وليس بشيء. انتهى.
وفي «المغني»: ولا يجوز أن يشترط نقضها لمن شاء منهما؛ لأنه يقضي إن ضد المقصود منها، وإن شرط الإمام لنفسه ذلك دونهم لم يجز أيضًا، ذكره أبو بكر؛ لأنه ينافي البيع والنكاح.
وقال القاضي والشافعي: يصح؛ لأن النبي ﷺ صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى، ولا يصح هذا فإنه عقد لازم، فلا يجوز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة، ولم يكن بين النبي ﷺ ، وبين أهل خيبر هدنة، فإنه فتحها عنوة وإنما ساقاهم، وقال لهم ذلك.
وهذا يدل على جواز المساقاة وليس بهدنة اتفاقًا، وقد وافقوا الجماعة في أنه
стр. 843
لو شرط في عقد الهدنة: إني أقركم ما أقركم الله لم يصح، فكيف يصح منهم الاحتجاج مع إجماعهم مع غيرهم على أنه لا يجوز اشتراطه.
* * *
س ٦٣: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا شرط في الهدنة شرطًا فاسدًا، ما مثال الشرط الفاسد والشرط الصحيح؟ إذا هرب منهم قن فأسلم، إذا جنوا على مسلم، حمايتها إذا خيف نقض عهدهم، إذا نقض الهدنة بعضهم، اذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: إن شرط العاقد في الهدنة شرطًا فاسدًا أو شرط في عقد ذمة شرطًا فاسدًا كرد امرأة إليهم أو رد صداقها أو رد صبي مميز أو رد سلاح، أو شرط إدخالهم الحرم، بطل الشرط دون عقد، كالشروط الفاسدة في البيع، وبطلانه في رد المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾، وحديث: «إن الله منع الصلح في النساء».
وفي رد صداقها؛ لأنه في مقابلة بعضها فلا يصح شرطه لغيرها، وفي الصبي المميز؛ لأنه مسلم يضعف عن التخلص منهم أشبه المرأة، وفي السلاح؛ لأنه إعانة على المسلمين، وفي إدخالهم الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ ويصح شرط رد طفل منهم؛ لأنه غير محكوم بإسلامه.
وجاز في هدنة شرط رد رجل جاء منهم مسلمًا للحاجة؛ لما ورد عن البراء ابن عازب قال: «صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء، على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه» الحديث متفق عليه.
وعن أنس أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ ، فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: «إنه من ذهب منا إليهم
стр. 844
فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا» رواه مسلم؛ فإن لم تكن حاجة، لم يصح شرطه، أو لم يشرط رده لم يرد إن جاء مسلمًا أو بأمان.
وجاز للإمام أمر من جاء منهم مسلمًا سرًا لقتالهم، وبالفرار منهم، فلا يمنعهم أخذه ولا يجبره عليه؛ لأن أبا بصير، لما جاء إلى النبي ﷺ وجاء الكفار في طلبه قال له النبي ﷺ : «إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله تعالى أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا» فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه، رجع إلى النبي ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، وأنجاني الله منهم، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ، ولم يلمه، بل قال: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال» فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل، ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا يمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لهم وأخذوها، وقتلوا من معها.
فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه، ولا يرد أحدًا جاء ففعل.
فإن تحيز من أسلم منهم وقتلوا من قدروا عليه منهم، وأخذوا من أموالهم، جاز، ولا يدخلون في الصلح حتى يضمهم إليه بإذن الكفار، للخبر، ولو هرب منهم قن فأسلم، لم يرد إليهم؛ لأنه لم يدخل في الصلح وهو حر؛ لأنه ملك نفسه بإسلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.
ويؤاخذون بجناياتهم على مسلم من مال وقود، وحد قذف، وسرقة؛ لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمان من المسلمين في النفس والعرض والمال، ولا يحدون لحق الله تعالى؛ لأنهم لم يلتزموا حكمنا.
ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا، وينتقض عهدهم بقتالنا أو مظاهرة علينا أو قتل مسلم أو أخذ ماله.
стр. 845
ويجب على الإمام حمايتهم ممن تحت قبضته؛ لأنه أمنهم منهم إلا من أهل الحرب، فلا يلزمه حمايتهم منهم؛ لأن الهدنة لا تقتضيه، وإن سباهم كافر ولو كان السابي منهم، لم يصح لنا شراؤهم؛ لأنهم في عهدنا وليس علينا استنقاذهم لكون السابي لهم ليس في قبضتنا.
وإن سبا بعضهم ولد بعض وباعه، أو باع ولد نفسه، أو باع أهليه، صح البيع، إلا ذمي، فليس له بيع ولده، ولا ولد غيره، ولا أهليه؛ لأن عقد الذمة أكيد لأنه مؤيد.
وإن خيف من مهادنين نقض عهدهم بأمارة، نبذ الإمام إليهم عهدهم، بأن يعلمهم أن لا عهد بينه وبينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنتوهم سواء في العلم، ويجب إعلام أهل الهدنة بنبذ العهد قبل الإغارة عليهم للآية، وينتقض عهد نساء أهل الهدنة وذريتهم، بنقض رجالهم تبعًا لهم؛ لأنه ﷺ قتل رجال بني قريظة، حين نقضوا عهده وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، ولما نقضت قريش عهده بعد الهدنة، حل له منهم ما كان حرم عليه منهم؛ ولأن عقد الهدنة موقت ينتهي بانتهاء مدته فيزول بنقضه وفسخه كالإجارة بخلاف الذمة.
وإن نقض الهدنة بعضهم فأنكر الباقون على من نقص بقول أو فعل، إنكارًا ظاهرًا، أو كاتبونا، أقر الباقون على العهد بتسليم من نقض الهدنة إن قدروا عليهم، أو بتمييز الناقض عنهم، ليتمكن المسلمون من قتالهم؛ فإن أبو التسليم، أو التمييز مع القدرة على أحدهما انتقض عهد الكل بذلك.
قال في الشرح: فإن امتنع من التمييز، أو إسلام الناقض، صار ناقضًا؛ لأنه منع من أخذ الناقض فصار بمنزلته، وإن لم يمكنه التمييز لم ينتقض عهده؛ لأنه كالأسير.
وفي «الإنصاف» -في آخر أحكام الذمة- وكذا أي في نقض العهد، من لم ينكر عليهم، أو لم يعتزلهم، أو لم يعلم بهم الإمام.
следующие страницы →