← Книги сунны

Книги сунны · id 11194

عمدة الأحكام الكبرى

عبد الغني المقدسي

Полный текст (595 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومما وقع له في رحلته إلى أصبهان قوله: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل! فقلت: ماله؟ قالوا: هذا رجل شمسي- يعني: يعبد الشمس- فضاق صدري. وقلت للرجل: ما أضفتني إلا مع كافر؟ قال: إنه كاتب وله عندنا راحة، ثم قمت بالليل أصلي والشمسي يستمع فلما سمع القرآن تزفَّر، فلما كان بعد أيام جاء إليّ الذي أضافني، وقال: إن الشمسي يريد أن يُسْلِم، فمضيت إليه فأسلم، وقال: من تلك الليلة- لما سمعتك تقرأ القرآن- وقع الإسلام في قلبي. وفي هذه الرحلة اجتمع بالحافظ أبي موسى المديني، وسمع منه. ورحل أيضًا إلى الموصل، وحران، وهمدان، وغير ذلك، وهو في كل رحلاته يفيد، ويستفيد، وينشر سنة النبي ﷺ . ٤ - أوقاته أما حفاظه على الوقت فلا يعرف له نظير في زمانه في ذلك. قال أخوه العماد: ما رأيت أحدًا أشد محافظة على وقته من أخي. قال الضياء: كان شيخنا الحافظ- ﵀ لا يكاد يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة؛ فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن الناس القرآن، وربما قرأ شيئًا من الحديث، فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينًا، ثم يقوم ويتوضأ، فيصلي ما شاء الله له أن يصلي إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر، ويشتغل إما للتسميع بالحديث، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر

стр. 37

بعد المغرب، وإن كان مفطرًا صلى من المغرب إلى عشاء الآخرة، فإذا صلى العشاء الآخرة نام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانًا يوقظه، فيتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، وربما توضأ في الليل سبع مرات أو أكثر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه. وقال الضياء: سألت خالي الإِمام موفق الدين عن الحافظ؟ فكتب بخطه، وقرأته عليه: كان جامعًا للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم إياه، وقيامهم عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها،﵀. وقال نصر بن رضوان المقرى: ما رأيت أحدًا على سيرة الحافظ، كان مشتغلًا طول زمانه. وقال الضياء: وكان قد ضعف بصره من البكاء، والنسخ، والمطالعة، وكتب بخطه المتقن مالا يوصف كثرته، ولم يزل ينسخ ويصنف، ويحدث ويفيد المسلمين، ويعبد الله حتى توفاه الله على ذلك. قلت: نسخ الكثير- خاصة مصنفاته- بخطه المليح، الشديد السرعة، الغير منقوط غالبًا، وكثير مما نسخه إلى اليوم في المكتبة الظاهرية بدمشق، والتي نقلت فيما بعد إلى مكتبة الأسد الوطنية.

стр. 38

٥ - إِفادته قال الضياء: كان الحافظ ﵀ مجتهدًا على طلب الحديث، وسماعه للناس من قريب وغريب، فكان كل غريب يأتي يسمع عليه، أو يعرف أنه يطلب الحديث يكرمه ويبره، ويحسن إليه إحسانًا كثيرًا، وإذا صار عنده طالب يفهم شيئًا أمره بالسفر إلى المشايخ بالبلاد، ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه، وأحيى الله به حديث رسول الله ﷺ ، فمن سمع حديثًا من أصحابنا كان بسببه، ومن كان من غير أصحابنا كان طلبهم حسدًا له؛ لما يرون من حرصه، وكثرة طلبه. سمعت أبا إسحاق؛ إبراهيم بن محمد الحافظ يقول: ما رأيت الحديث في الشام كلّه إلا ببركة الحافظ؛ فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرّضني. وسمعت أبا موسى ابن الحافظ يقول: أوصاني أبي عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذي تعبنا عليه. يعني: الحديث. وحرَّضني على السفر إلى مصر، وسافر معنا ولده أبو سليمان وله نحو عشر سنين، وبعث معنا "المعجم الكبير" للطبراني، وكتاب البخاري، و"السيرة"، وكتب إلى زين الدين علي بن نجا يوصيه بنا. وسيَّر قبلنا ولديه محمدًا وعبد الله إلى أصبهان، وكان عبد الله صغيرًا، ثم سفَّر إسماعيل بن ظفر إلى أصبهان، وزوّده، وأعطاه ما احتاج إليه، وقبل ذلك حرَّض أبا الحجاج، يوسف بن خليل على السفر. قال الذهبي: هو رحَّل ابن خليل إلى أصبهان، ورحل ابنيه العز محمدًا

стр. 39

وعبد الله إلى أصبهان، وسفَّر ابنَ أخته؛ محمد بن عمر بن أبي بكر (١)، وابن عمه، علي بن أبي بكر. وكان هو ﵀ يقرأ الحديث ليلة الخميس ويوم الجمعة بجامع دمشق، ويجتمع الخلق، وكان يقرأ ويَبكي ويُبَكّي الناس كثيرًا، حتى إن من حضر مجلسه مرة لا يكاد يتركه؛ لكثرة ما يطيب قلبه، وينشرح صدره فيه، وكان إذا فرغ دعا دعاءًا كثيرًا. وقال الضياء أيضًا: سمعت شيخنا أبا الحسن؛ علي بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فأشتهي أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم -وكنت حاضرًا بجامع القرافة- فقرأ أحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه، وقرأ جزءًا، ففرح الناس بمجلسه فرحًا كثيرًا، فقال ابن نجا: قد حصل الذي كنت أريده في أول مجلس. وسمعت بعض من حضر مجلسه بمصر بمسجد المصنع (٢)، يقول: إن الناس بكوا حتى غشي على بعضهم. قال: وقال بعض المصريين: ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ، فأخرجنا من القبور. وكان يجلس بمصر في غير موضع يقرأ الحديث. ٦ - من فتاويه نقل ابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" شيئًا من فتاويه، وهي:

стр. 40

• سئل عن حديث: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، هل هو منسوخ؟ فأجاب: بل هو محكم ثابت، لكن زيد فيه وضم إليه شروط أخر، وفرائض فرضها الله على عباده. وذكر قول الزهري في ذلك. • وسئل عمن كان في زيادة من أحواله، فحصل له نقص؟ فأجاب: أما هذا فيريد المجيب عنه أن يكون من أرباب الأحوال وأصحاب المعاملة. وأنا أشكو إلى الله تقصيري وفتوري عن هذا وأمثاله من أبواب الخير، وأقول، وبالله التوفيق: إن من رزقه الله خيرًا من عمل أو نور قلب، أو حالة مرضية في جوارحه وبدنه، فليحمد الله عليها، وليجتهد في تقييدها بكمالها، وشكر الله عليها، والحذر عن زوالها بزلة أو عثرة. ومن فقدها فليكثر من الاسترجاع، ويفزع إلى الاستغفار والاستقالة، والحزن على ما فاته، والتضرع إلى ربه، والرغبة اليه في عودها إليه، فإن عادت، وإلا عاد إليه ثوابها وفضلها إن شاء الله تعالى. • وسئل مرة أخرى في معنى ذلك؟ فأجاب: أما فقدان ما نجده من الحلاوة واللذة، فلا يكون دليلًا على عدم القبول؛ فإن المبتدئ يجد مالا يجد المنتهي، فإنه ربما ملت النفس وسئمت؛ لتطاول الزمان، وكثرة العبادة. وقد روي عن رسول الله ﷺ : أنه كان ينهى عن كثرة العبادة والإِفراط فيها، ويأمر بالاقتصاد خوفًا من الملل. وقد روي أن أهل اليمن لما قدموا المدينة جعلوا يبكون، فقال أبو بكر ﵁: هكذا كنا حتى قست القلوب.

стр. 41

• وسئل عن يزيد بن معاوية؟ فأجاب: خلافته صحيحة. قال: وقال بعض العلماء: بايعه ستون من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم ابن عمر. وأما محبته: فمن أحبه فلا ينكر عليه، ومن لا يحبه فلا يلزمه ذلك؛ لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، فيلتزم محبتهم إكرامًا لصحبتهم، وليس ثم أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين، كعبد الملك وبنيه. وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه؛ خوفًا من التسلق إلى أبيه، وسدًا لباب الفتنة. • وسئل عن دخول النساء الحمام؟ فأجاب: إذا كان للمرأة عذر، فلها أدت تدخل الحمام؛ لأجل الضرورة والأحاديث في هذا أسانيدها متقاربة. قد جاء النهي والتشديد في دخولهن. وجاءت الرخصة للنفساء والسقيمة. والذي يصح عندي: أنها إذا دخلت من عذر فلا بأس إن شاء الله، وإن استغنت عن الدخول وكان له عنها غناء، فلا تدخل. وهذا رأينا في أهلنا ومن يأخذ بقولنا. نسأل الله التوفيق والعفو والعافية. ٧ - أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر قال الضياء: كان لا يرى منكرًا إلا غيره بيده، أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قد رأيته مرة يهريق خمرًا، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًا في بدنه، وفي أمر الله، وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر المنكر، ويكسر الطنابير والشبابات.

стр. 42

قال خالي الوفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار النكر إذا رآه، وكنا مرة أنكرنا على قوم، وأرقنا خمرهم، وتضاربنا، فسمع خالي؛ أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا! فلما جئنا إلى الحافظ طيب قلوبنا، وصوَّب فعلنا، وتلا: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ. .﴾ [لقمان: ١٧]. وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان قال: "كان بعض أولاد صلاح الدين قد عُملت لهم طنابير، وحُملت إليهم، وكانوا في بعض البساتين يشربون، فكسرها. قال: فحدثني الحافظ، قال: فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور إذا قوم كثير معهم عصي، فخففت المشي، وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي، فقال: أنا ما كسرت لكم شيئًا، هذا هو الذي كسر! قال: فإذا فارس يركض، فترجل، وقبل يدي، وقال: الصبيان ما عرفوك. وكان قد وضع الله له هيبة في النفوس". وقال الضياء: "سمعت بعض أصحابنا يحكي عن الأمير درباس المهراني؛ أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتكلم مع بعض الحاضرين في أمر ماردين وحصارها وكان حاصرها قبل ذلك، فسمع الحافظ كلامه. فقال: أيش هذا؟! وأنت بعدُ تريد قتال السلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك، أما ... أما؟! قال: فما أعاد ولا أبدى! ثم قام الحافظ وقمت معه، فقلت: أيش هذا؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا الرجل، ثم تعمل هذا العمل؟! قال: أنا إذا رأيت شيئًا لا أقدر أصبر.

стр. 43

وسمعت أبا بكر بن الطحان قال: "كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند درج جيرون (١)، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا، ثم صعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه؛ ليناظره في الدف والشبابة، فقال: ذاك عندي حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة فيجيء هو، ثم قرأ الحديث، فعاد الرسول، فقال: قد قال: لا بد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول وخفنا أن تجري فتنة، فما جاء أحد بعد ذلك". فكان -بحقٍّ- أمَّارًا بالمعروف نهّاءًا عن المنكر. ﵀. ٨ - عقيدته لا شك أن عقيدة الحافظ عبد الغني عقيدة سلفية أثرية، وإن افترى عليه المبتدعة الأشاعرة، وغيرهم، حتى إنه لم يسلم من بعض الحنابلة!! فقد كان ﵀ "متمسكًا بالسنة على قانون السلف، ولم يزل بدمشق يحدث، وينتفع به الناس إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل؛ من الفقهاء، وشنعوا به عليه". قلت: ابتلي ﵀، وأوذي كثيرًا بسبب عقيدته السلفية (٢)، ولكنه ما دارى ولا لان. ولما طُلب منه أن يكتب عقيدته، كتب: أقول كذا لقول الله كذا، وأقول كذا لقول رسول الله ﷺ كذا، حتى أتى على المسائل التي شنعوا بها عليه، فلما رأى الملك الكامل ما كتب الحافظ، قال: أيش أقول في هذا، يقول بقول

стр. 44

الله ، وقول رسوله ﷺ . فخلَّى عنه. قلت: ولا يُتهم من ألف في نصرة العقيدة السلفية -في كل عصر ومصر- إلا من عصبيٍّ، أو مفتر، أو قليل ورع، أو صاحب هوى ومراء، أو من حاسد. نعوذ بالله من الخذلان. وهذا الحافظ ﵀ قد ألف في الحصدة مؤلفات على مذهب السلف الصالح ﵃، فله "كتاب التوحيد"، وقد قرأته -مخطوطًا- وما فيه إلا الأثر، وله "كتاب الأربعين من كلام رب العالمين" وكتاب "الصفات" وكتاب "اعتقاد الشافعي". فرحمه الله من سلفي أثري متبع. ٩ - ما ابتلي به الحافظ ابتلي الحافظ ﵀ كثيرًا، كغيره من أهل السنة، قال ابن قدامة: "وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم". فقد آذوه، وبلغ بهم الحال أن وشوا به إلى الحكام. وبلغ الحال من بعضهم أن أرسل إلى الملك العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار! ولكنه ﵀ لم يكن ممن تأخذه في الله لومة لائم، وأكثر ما جر عليه البلاء قيامه بنشر أحاديث النزول والصفات، وكعادة أهل البدع والضلال في كل عصر ومصر، وموقفهم من الآثار ومتبعيها، فقد قاموا عليه، ورموه بالتجسيم، وأما هو ﵀ فقد كان قويًا في الحق، يجهر به، ولم يكن يداريهم كما فعل غيره من علماء عصره.

стр. 45

قال الضياء: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكّي الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرًا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، فجعلوا لهم وقتًا لقراءة الحديث، وجمعوا الناس (١)، فكان هذا ينام، وهذا بلا قلب، فلم تشتف قلوبهم بذلك! فشرعوا في المكيدة؛ بأن أمروا الإِمام الناصح أبا الفرج؛ عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي الواعظ بأن يجلس يعظ في الجامع تحت قبة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ. فلما بلغني ذلك قلت لبعض أصحابنا: هذه مكيدة والله. ما ذلك لحبهم الناصح، وإنما يريدون أن يعملوا شيئًا. فأول ذلك أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا الوقت، ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم يجلس الحافظ بعد صلاة العصر، فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه، فدسوا له رجلًا ناقص العقل من بيت ابن عساكر (٢)، فقال للناصح كلامًا معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب ذلك الرجل وهرب فأتبع وخبّئ في الكَلاسة، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة. فمشوا إلى الوالي، وقالوا: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا.

стр. 46

ثم إنهم جمعوا كبراءهم ومضوا إلى القلعة إلى الوالي، وقالوا: نشتهي أن يحضر الحافظ عبد الغني، وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك، فانحدروا إلى دمشق؛ خالي الإِمام موفق الدين، وأخي الإِمام الشمس البخاري وجماعة الفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ؛ فإنك حادٌّ، ونحن نكفيك، فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا بذلك، فناظروه، وكان أجهلهم يغرى به، فاحتد. وكانوا قد كتبوا شيئًا من اعتقاداتهم، وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فأبى، ولم يفعل. فقالوا للوالي: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء وهو يخالفهم، وكان الوالي لا يفهم شيئًا، فاستأذنوه في رفع منبره، فأرسلوا الأسرى، فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين. وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعي، وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مقامهم في الجامع (١)، ففاتتهم صلاة الظهر! ثم إن الناصح ابن الحنبلي جمع السوقة وغيرهم، وقال: إن لم يخلونا نصلي باختيارهم صلينا بغير اختيارهم، فبلغ ذلك القاضي (٢) -وهو كان

стр. 47

صاحب الفتنة -فأذن لهم بالصلاة، وخاف أن يصلَّى بغير إذنه! وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند! ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة يقرأ الحديث، وكان الملك العادل في بلاد الشرق، فقال أهل بعلبك للحافظ: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق؛ نؤذي من أذاك، فقال: لا، ثم إنه توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابنا بسفره، فبقي مدة بنابلس، يقرأ الحديث. وجاء شاب من أهل دمشق بفتاوى من أهلها إلى صاحب مصر الملك العزيز، ومعه كتب: أن الحنابلة يقولون كذا وكذا، مما يشنعون به ويفترونه عليهم، وكان ذلك الوقت قد خرج -أي: الملك- نحو الإسكندرية يتفرج، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة، فلم يرجع إلا ميتًا؛ فإنه عدا به الفرس خلف صيد، فشبّ به الفرس وسقط عليه، وخسف صدره، فأقيم ابنه صبي، فجاء الأفضل ابن صلاح الدين من صرخد وأخذ مصر، وعسكر وكرّ إلى دمشق، فلقي الحافظ عبد الغني في الطريق، فأكرمه إكرامًا كثيرًا، وبعث يوصي به بمصر. فلما وصل الحافظ إلى مصر تلقي بالبشر والإكرام، وأقام بها يُسمع الحديث بمواضع منها وبالقاهرة، وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذى الحافظ لو أرادوه. ثم جاء الملك العادل، وأخذ مصر، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ،

стр. 48

وسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار، فاستدعي وأكرمه العادل، حتى قال الحافظ نفسه: "والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل عليّ وقام لي، والتزمني، ودعوت له، ثم قلت: عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذُكر أمر السنة، فقال: ما عندك شيء تعاب به، لا في الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين". فلما كان اليوم الثاني من دخوله عليه، إذا الأمراء مثل سركس وأزكش قد جاءوا إلى الحافظ، فقالوا: آمنا بكرامتك يا حافظ. وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد ما خفت من هذا الرجل، فقلنا: أيها الملك! هذا رجل فقيه! أيش خفت منه؟ قال: لما دخل ما خيل إليّ إلا أنه سبع يريد أن يأكلني. فقلنا: هذه كرامة للحافظ. ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقي الحافظ بمصر، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الملك الكامل علي إخراجه من مصر. واعتقل في دار سبع ليالى، فكان يقول: ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي وقال الشجاع ابن أبي زكريا الأمير: قال لي الملك الكامل يومًا: هاهنا رجل فقيه، قالوا: إنه كافر. قلت: لا أعرفه. قال: بلى. هو محدِّث. قلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ قال: هذا هو. فقلت: أيها الملك! العلماء أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا، وأنت هاهنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، أو أرسل إليك شفاعة، أو رقعة؛ يطلب منك شيئًا؟ قال: لا. فقلت: أيها الملك! والله هؤلاء القوم يحسدونه، فهل في هذه البلاد أرفع

стр. 49

منك؟ قال: لا. فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء كما أنت أرفع الناس هاهنا. فقال: جزاك الله خيرًا كما عرفتني هذا. تم إني أرسلت (١) رقعة إلى الملك الكامل أوصيه به، فأرسل إليّ: تجئ. فمضيت إليه، وإذا عنده جماعة، منهم شيخ الشيوخ - يعني: ابن حمويه - وعز الدين الزنجاني الأمير، فقال لي الملك: نحن في أمر الحافظ، فقلت: أيها الملك! القوم يحسدونه، ثم بيننا شيخ الشيوخ - وحلّفته-: هل سمعت من الحافظ كلامًا يخرج عن الإِسلام؟ فقال: لا والله. ما سمعت عنه إلا كل جميل وما رأيته قط. ثم تكلم ابن الزنجاني، فمدح الحافظ مدحًا كثيرًا، ومدح تلامذته، وقال: أنا أعرفهم، فما رأيت مثلهم. فقلت: وأنا أقول شيئًا آخر. فقال: ما هو؟ فقلت: لا يصل إليه شيء يكرهه حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف. فقال الملك الكامل: لا يؤذى الحافظ. فقلت: اكتب خطك بذلك، فكتب. تم طلب من الحافظ أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا لقول الله كذا، وأقول كذا لقول رسول الله ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل التي يخالفونه فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: أيش أقول في هذا، يقول بقول الله وقول رسوله ﷺ ؟! ومما ابتلي به ما وقع له في أصبهان فقد كان الحافظ أبو نعيم أخذ علي الحافظ ابن منده أشياء في كتاب "معرفة الصحابة"، وكان الحافظ أبو موسى المديني يشتهي أن يأخذ علي أبي

стр. 50

نعيم في كتابه "معرفة الصحابة"، فما كان يجسُر، فلما جاء الحافظ عبد الغني إلى أصبهان أشار إليه بذلك، فأخذ علي أبي نعيم في كتابه "معرفة الصحابة" نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا، فلما سمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخُجَنْدي طلب الحافظ عبد الغني، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ، وما أُخرج من أصبهان إلا في إزار؛ وذلك أن بيت الخُجَنْدي أشاعرة، وكانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد (١). ومما ابتلي به ما وقع له بالموصل قال الضياء: سمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع "الجرح والتعديل" للعقيلي، فأخذني أهل الموصل، وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه، قال: فجاءني رجل طويل معه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئًا، ثم إنهم أطلقوني. وكان يسمع هو وابن البرني، فأخذ ابن البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئًا، فهذا كان سبب خلاصه، والله أعلم. ١٠ - شيوخه سمع بدمشق من أبي المكارم، عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي علي؛ الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي، وأبي المعالي؛ عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر، وأبي عبد الله؛ محمد بن حمزة بن أبي جميل، وغيرهم. وسمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي. وسمع ببغداد من الفقيه أبي محمد؛ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي،

стр. 51

وأبي طالب؛ المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي، وأبي الفضل؛ المبارك بن المبارك بن صدقة السمسار، وأبي الفتوح؛ عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن الوكيل، وأبي بكر؛ أحمد بن المقرب الكرخي، وأبي المعالي؛ أحمد ابن عبد الغني بن محمد الباجسرائي، وأبي الحسن؛ سعد الله بن نصر بن الدجاجي، والحافظ أبي أحمد؛ معمر بن عبد الواحد بن الفاخر، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان، وأبي المظفر؛ يحيى بن علي بن خطاب الخيمي وأبي بكر، عبد الله بن محمد بن النقور، وأبي القاسم؛ يحيى بن ثابت بن بندار، وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وأبي المكارم المبارك بن محمد بن المعمر البادرائي، وأبي الحسن، علي بن المبارك بن الحسين بن نغوبا الواسطي وأبي محمد؛ عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب، وجماعة كبيرة. وسمع بهمذان من أبي المحاسن؛ عبد الرزاق بن إسماعيل، وأبي سعيد المطهر بن عبد الكريم، وأبي الفرج؛ إسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومسانيين، وغيرهم. وسمع بأصبهان من الحافظين: أبي موسى؛ محمد بن أبي بكر المديني، وأبي سعد؛ محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ، وأبي الفتح؛ عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وأبي العباس؛ أحمد بن أبي منصور أحمد. ابن محمد بن ينال، وأبوي رشيد: حبيب بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ، وإسماعيل بن غانم بن خالد البيع، وأبي غالب؛ محمد بن محمد بن ناصر، وأبي عبد الله؛ سفيان، وأبي القاسم؛ علي ابني أبي الفضل بن أبي طاهر الخرقي، وأبي بكر بن يمان بن أبي الفوارس ابن أبي الفتح السباك، وجماعة سواهم.

стр. 52

وسمع بمصر من العلامة أبي محمد؛ عبد الله بن بري، وأبي عبد الله؛ محمد بن علي الرحبي، وأبي الحسن؛ علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي وجماعة سواهم. وسمع بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر؛ أحمد بن محمد الأصبهاني السِّلفي، وأبي محمد؛ عبد الله بن عبد الرحمن العثماني، وأبي القاسم؛ عبد الرحمن بن خلف الله المقرئ، وأبي الحسين؛ يحيى ابن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وغيرهم. ١١ - تلاميذه قال الذهبي: حدث عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله والفقيه أبو سليمان؛ أولاده، والحافظ الضياء، والخطيب سليمان بن رحمة الأسعردي، والبهاء عبد الرحمن، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، والزين ابن عبد الدائم، وأبو الحجاج بن خليل، والتقي اليلداني، والشهاب القوصي، وعبد العزيز بن عبد الجبار القلانسي، والواعظ عثمان بن مكي الشارعي، وأحمد ابن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبو عيسى عبد الله بن علاق الرزاز، وخلق. آخرهم موتًا سعد الدين محمد بن مهلهل الجيتي (١). قلت: وتلاميذه كُثر، وفي بلدان متعددة، فقد قال المنذري في "التكملة" (٢/ ١٩): "حدث ببغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية ... حضرت عنده عدة مرات، وحدث من لفظه بشيء من روايته وأنا حاضر، ولم أجد لي عنه سماعًا، وقد أجاز لي في رجب سنة ست وتسعين وخمس مئة".

стр. 53

١٢ - ثناء الناس عليه وحبهم له رغم عداوة أهل البدع للحافظ وكيدهم له، إلا أن مكانته كانت رفيعة، كما يظهر ذلك لمن يقرأ ترجمته، وما قاله فيه معاصروه. قال الضياء: ما أعرف أحدًا من أهل السنة رآه إلا أحبه ومدحه كتيرًا. وقال: سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ بأصبهان، فيصطف الناس في السوق؛ ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها، يعني: من حبهم له، ورغبتهم فيه. وقال: ولما وصل إلى مصر أخيرًا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع لا نقدر نمشي معه؛ من كثرة الخلق، يجتمعون حوله. وهذه أقوال بعض المصنفين فيه: ١ - قال عنه الذهبي في "السير" (٢١/ ٤٤٣): "الإِمام، العالم، الحافظ الكبير، الصادق، القدوة، العابد، الأثري، المتبع، عالم الحفاظ ... صاحب الأحكام الكبرى، والصغرى". وقال (٢١/ ٤٦٥): "وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم، والتأله، والصدع بالحق، ومحاسنه كثيرة". ٢ - قال المنذري في "التكملة" (٢/ ١٧): "الفقيه الحافظ ... كتب الكثير، وله تصانيف مفيدة، ولم يزل يجمع، ويَسمع ويُسمع". ٣ - وقال ابن رجب في "الذيل" (٢/ ٥): "الحافظ، الزاهد أبو محمد، ويلقب تقي الدين، حافظ الوقت، ومحدثه". ٤ - قال عنه ابن الملقن في خطبة كتابه "الإِعلام" (ج/ ق ٢/ ب): "فصل

стр. 54

في نبذة مختصرة من حال مصنف هذا الكتاب - يعني: العمدة الصغرى- المبارك، الذي عم النفع به، وكم من قاصد تحداه فلم ينل شيئًا من مرتبته، وهذا مما يدل علي صدق نية مؤلفه، وعلو منزلته، هو: الحافظ، الإِمام، محدث الإِسلام ... صاحب التصانيف". ٥ - قال عنه ابن كثير في "البداية" (١٣/ ٤٣): "كان نادرًا في زمانه في أسماء الرجال" حفظًا، وإتقانًا، وسماعًا، وسردًا للمتون". ٦ - قال أبو الحاسن بن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (٦/ ١٨٥): "كان إمامًا حافظًا متقنًا مصنفًا، ثقة عابدًا، زاهدًا، ورعًا سمع الكثير، ورحل إلى البلاد، وكتب الكثير، وهو أحد أكابر أهل الحديث، وأعيان حفاظهم". ٧ - قال ابن العماد في "شذرات الذهب" (٤/ ٣٤٥): "وإليه انتهى حفظ الحديث متنًا وإسنادًا، ومعرفة بفنونه مع الورع والعبادة، والتمسك بالأثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ٨ - قال ابن عبد الهادي في "طبقات المحدثين" (٤/ ١٤٧): "الإِمام، الحافظ الكبير، محدث الإِسلام، وأحد الأئمة الأعلام، صاحب التصانيف النافعة". ١٣ - مصنفاته صنف الحافظ عبد الغني ﵀ كتبًا كثيرة في السنن، والآثار والعقيدة، والآداب، والرجال، وغير ذلك. قال ياقوت: "صنف كتبًا في علم الحديث حسانًا مفيدة" (١).

стр. 55

وهذه أسماء ما وقفت عليه من تلك المصنفات: ١ - أحاديث الأنبياء. جزء. ٢ - أحاديث الشعر. جزء. ٣ - أخبار الحسن البصري. جزء. ٤ - تحريم القتل وتعظيمه. جزء. ٥ - التوحيد. جزء. ٦ - حديث الإفك. جزء. ٧ - ذكر النار. جزء. ٨ - فضائل عمر بن الخطاب. ٩ - المصباح في عيون الأحاديث الصحاح. وهو كتاب يشتمل علي أحاديث "الصحيحين"، قال الذهبي: "هو مستخرج عليهما بأسانيده"، ويقع الكتاب في ثمانية وأربعين جزءًا (١). ١٠ - نهاية المراد من كلام خير العباد. وهو كتاب في السن، مات ﵀ ولم يبيضه كله، ويقع في نحو مئتي جزء. ١١ - اليواقيت. مجلد. ١٢ - تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين مجلد. ١٣ - الآثار المرضية في فضائل خير البرية. أربعة أجزاء. ١٤ - الروضة. أربعة أجزاء. ١٥ - الذكر. جزءان.

стр. 56

١٦ - الأسرار. جزءان. ١٧ - التهجد. جزءان. ١٨ - الفرج. جزءان. ١٩ - الصلات من الأحياء إلى الأموات. جزءان. ٢٠ - الصفات. جزءان. ٢١ - محنة الإمام أحمد. ثلاثة أجزاء. ٢٢ - ذم الرياء. جزء كبير. ٢٣ - ذم الغيبة. جزء ضخم. ٢٤ - الترغيب في الدعاء والحث عليه. جزء كبير. ٢٥ - فضائل مكة. أربعة أجزاء. ٢٦ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. جزء (١). ٢٧ - فضائل رمضان. جزء. ٢٨ - فضائل عشر ذي الحجة. جزء. ٢٩ - فضائل الصدقة. جزء. ٣٠ - فضائل الحج. جزء. ٣١ - فضائل رجب جزء. ٣٢ - وفاة النبي ﷺ . جزء. ٣٣ - الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ . جزء. ٣٤ - الأربعين.

стр. 57

٣٥ - الأربعين. آخر. ٣٦ - الأربعين من كلام رب العالين. ٣٧ - الأربعين. بسند واحد. ٣٨ - اعتقاد الإمام الشافعي. جزء كبير. ٣٩ - الحكايات. سبعة أجزاء. ٤٠ - غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ. مجلدان. ٤١ - لجامع الصغير لأحكام البشير النذير. لم يتم. ٤٢ - ذكر القبور. جزء. ٤٣ - الأحاديث والحكايات. مئة جزء، وكان يقرؤها للعامة. ٤٤ - مناقب عمر بن عبد العزيز. جزء. قال الذهبي: "وأشياء كثيرة جدًا ما تمت، والجميع بأسانيده، بخطه المليح الشديد السرعة". • وأما الكتب التي ليست بأسانيد، فهي: ٤٥ - عمدة الأحكام الكبرى. وسماه ابن رجب "الأحكام" علي أبواب الفقه، وقال عنه الذهبي: "أحكامه الكبرى"، وهو كتابنا هذا. ٤٦ - العمدة في الأحكام، وهو "الصغرى" (١). ٤٧ - درر الأثر علي حروف المعجم. قال ابن وجب: "تسعة أجزاء"، وقال الذهبي: "مجلد".

стр. 58

٤٨ - سيرة النبي ﷺ . جزء كبير. ٤٩ - النصيحة في الأدعية الصحيحة. جزء. ٥٥ - الاقتصاد في الاعتقاد. جزء كبير. ٥١ - تبين الإِصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة. جزء كبير. وقال الذهبي: "جزءان، تدل على براعته وحفظه". قال الحافظ الضياء: "وشاهدت بخط الحافظ أبي موسى المديني على كتاب "تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة" الذي أملاه الحافظ عبد الغنى، وقد سمعه عليه أبو موسى، وأبو سعد الصائغ، وأبو العباس بن ينال الترك، وخلق كثير. قال أبو موسى - عفا الله عنه -: قل من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإِمام ضياء الدين (١) أبي محمد عبد الغني ابن عبد الواحد المقدسي - زاده الله توفيقًا - وقد وفق لتبيين هذه الغلطات ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهم، زاده الله علمًا وتوفيقًا". قال الذهبي في "تاريخ الإسلام": "وهو مجلد صغير، أبان فيه عن حفظ باهر، ومعرفة تامة". ٥٢ - الكمال في أسماء الرجال. والحافظ عبد الغني أول من ألف في رجال الكتب الستة، ومؤلفه هذا هو أول المؤلفات في هذا الباب، وهو الأصل لما بعده، وأثنى على كتابه هذا العلماء، فقال عنه المزي: "هو كتاب نفيس، كثير الفائدة" (٢) وقال عنه ياقوت الحموي: "جوّده جدًا" (٣).

стр. 59

• الباب الثاني: التعريف بالمؤلَّف ١ - اسم الكتاب. ٢ - نسبة الكتاب للمؤلف. ٣ - مصادر المؤلف في الكتاب. ٤ - موضوع الكتاب. ٥ - منهج الحافظ عبد الغني في الكتاب. ٦ - ملاحظات لا مؤاخذات. ٧ - بين العمدتين.

стр. 60

١ - اسم الكتاب إن اسم الكتاب الذي خلصت إلى إثباته على الغلاف هو: "عمدة الأحكام الكبرى". وقد ذكرت أسباب هذا الاختيار في ص (٨١ - ٨٢). ٢ - نسبة الكتاب إِلى المؤلف أما نسبة هذا الكتاب للحافظ عبد الغني ﵀ فهي يقينية لا ريب في ذلك، بل هذا الكتاب من أبرز ما ينسب إلى الحافظ من مؤلفات، إذ جميع من ترجموا للحافظ نصوا على ذلك، بل إن إمامًا كبيرًا كالذهبي ﵀ صدَّر تعريفه للحافظ عبد الغني في "السير" (٢١/ ٤٤٣) بقوله: "صاحب الأحكام الكبرى والصغرى" ثم أعاد ذكرها في مصنفات الحافظ. وأيضًا ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٣/ ٤٢) صدَّر ترجمته بقوله: "صاحب التصانيف المشهورة، من ذلك: الكمال في أسماء الرجال، والأحكام الكبرى، والصغرى، وغير ذلك". ثم الدلائل الموجودة على النسخة الخطية أيضًا لا تدع مجالًا للشك في ذلك، انظر وصف النسخة ص (٨١) وما بعدها. وأيضًا نقل ابن الملقق في كتابه "الإِعلام" عن "العمدة الكبرى" - هذا الكتاب - كثيرًا، وهذه النقول متطابقة تمامًا مع هذه النسخة، سوى موضعين اثنين، وقد أشرت إليهما في حاشية ص (٣٥٠ و ٤٥٠) (١).

стр. 61

٣ - مصادر الكتاب نص الحافظ عبد الغني ﵀ في المقدمة على مصادره في هذا الكتاب فقال: ص (٣ - ٤): "فما كان فيه مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فهو مما اجتمعَ عليه الإِمامان: محمد بنُ إسماعيل البُخاري، ومسلم بنُ الحجّاج النيسابوري. وعَلَامةُ البُخاري على انفرادِه: خ. وعَلَامَةُ مسلم على انفراده: م. وعَلَامَةُ أبي داود؛ سليمان بنِ الأشعث السجستاني: د. وعَلَامَةُ أبي عبد الرحمن أحمد بن شُعَيب بن عليّ النَّسائي: س. وعَلَامَةُ أبي عيسى؛ محمد بن عيسى بن سَوْرة التِّرْمذيّ: ت. وعَلَامَةُ أبي عبد الله؛ محمد بنِ يزيد بن ماجه القَزْويني: ق. ورُبما أضفنا الشيء إلى غير هؤلاء فَنُسمّيه". أهـ. قلت: فهذه الكتب الستة قد نص الحافظ عليها صراحة، وأما غيرها فلم يسمها في هذه المقدمة، وقد جردتها كاملةً، فكانت كالتالي: ١ - مسند الإمام أحمد، وقد عزا إليه في ستة مواطن، وهى الأحاديث ذوات الأرقام (٣٣ - ٧٠ - ٨٠ - ٨١ - ٨٦ - ٢٥٧). ٢ - رواية واحدة من "الزهريات" لمحمد بن يحيى الذُّهْلِيّ برقم (٩٥). ٣ - رواية واحدة من "الموطأ" للإِمام مالك برقم (٢١٢). ٤ - رواية واحدة من "كتاب الدعاء" للطبراني برقم (٢٥٨)، وقد ذكر إسناد الطبراني، وحكم عليه بالضعف.

стр. 62

٥ - ذكر جملة: "ولا يعز من عاديت" في قنوت الوتر، ولم يعزها لمصدر، غير أنه بعد أن ذكر أصل الحديث وعزاه لـ: "د س ق ت"، قال: "وفي غير هذه الرواية ... "، ثم ذكر الجملة الماضية، وهي عند الطبراني في "المعجم الكبير"، وفي "السنن الكبرى" للبيهقي. تلكم هي مصادر الحافظ عبد الغني ﵀ في هذا الكتاب. ٤ - موضوع الكتاب كما هو واضح مما كتب على غلاف النسخة فإن موضوع الكتاب خاص بأحاديث الأحكام والحلال والحرام، وهي الأحاديث التي تعنى بالأحكام الشرعية. وقد كان لعلماء الإِسلام عناية خاصة بأحاديث الأحكام، فهذا الدوري يقول: "سمعت أحمد بن حنبل، وسئل - وهو على باب أبي النضر؛ هاشم بن القاسم - فقيل له: يا أبا عبد الله! ما تقول في موسى ابن عبيدة، وفي محمد بن إسحاق؟ قال: أما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدَّث أحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وأما محمد بن إسحاق، فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعني المغازي ونحوها - فأما إِذا جاءك الحلال والحرام أردنا قوما هكذا"، وقبض الدُّوريّ أصابع يده الأربع من كل يدٍ، ولم يضم الأبهام. وعن عبد الرحمن بن مهدي؛ أنه قال: "إذا روينا في الثواب والعقاب

стр. 63

وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال". وجاء نحو ذلك عن ابن المبارك أيضًا. وهو وإن كان لا يعني قبولهم في فضائل الأعمال بالأحاديث الضعيفة؛ فإنه يبين بوضوح عناية أئمة الإسلام بأحاديث الأحكام. وقد اعتنى بجمع هذه الأحاديث الحفاظ في كتبهم، وإفراد كتب مستقلة بهذا النوع من الأحاديث. وقد كان الحافظ عبد الغني ﵀ من أوائل مَن وضعوا لبنات هذا البناء وأحكمه، فلم يسبقه. بإفراد هذا النوع من الأحاديث -فيما أعلم- سوى عبد الحق الإِشبيلي ﵀ (٥٨١ هـ) بأحكامه "الكبرى"، و"الوسطى"، و"الصغرى" (١). ثم بعد الحافظ عبد الغني ﵀ بكتابيه في الأحكام؛ "الكبرى" و"الصغرى" تتابع الناس. ٥ - منهج الحافظ عبد الغني في الكتاب نستطيع أن نقول: إن المؤلف بنى كتابه هذا على ملامح أساسية، وهي: أولًا: افتتح كتابه بمقدمة موجزة جدًا، حدد فيها مصادره في هذا الكتاب، وهي - بصفة أساسية - الكتب الستة، واتخذ لكل مصدر من تلك المصادر رمزًا خاصًا به. ثانيًا: رتب كتابه على أبواب الفقه، فبدأ بكتاب الطهارة ثم كتاب الصلاة

стр. 64

فكتاب الجنائز ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وهو كتاب العتق. ثم قسم الكتاب الواحد أبوابًا, فمثلًا كتاب الطهارة جعله في ثلاثة وعشرين بابًا، مفتتحًا الأبواب بـ: "باب الدليل على وجوب الطهارة"، ثم: "باب وجوب النية في الطهارة، وسائر العبادات"، ثم: "باب من ترك لمعة لم يصبها الماء لم تصح طهارته"، ... وهكذا. ثم يفتح هذه الكتب والأبواب بأصح الأحايث، مبتدءًا بالأحاديث المتفق عليها قبل غيرها. مصدرًا الحديث بذكر راويه من الصحابة ﵃، فيقول: عن أبي هريرة وضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ .. فيذكر الحديث ثم يقول: وعن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ... فيذكره، وهكذا. وغالبًا يقتصر على اسم الصحابي إلا إذا دعت الحاجة فقد يزيد اذكر التابعي، وقد يذكر أكثر من ذلك من الإِسناد حسب الحاجة. ثالثًا: اختياره للأحاديث بعناية شديدة مما يدل على تبحره في حفظ السنة وبلوغه الغاية في فقهها. رابعًا: لا يغفل الإِشارة إلى بعض الروايات والألفاظ حينما يسوق الأحاديث، وهو في هذه الروايات قد يعزوها مطلقًا دون بيان راويها، والغالب يبين ذلك. خامسًا: تحريره لألفاظ الحديث، وحسن سياقته، وهو في هذا فارس لا يجارى ولا يبارى، وأعرفه في هذا الباب من قديم - عند تحقيقي للصغرى - وخاصةً في أحاديث "الصحيحين" ورواياتهما وألفاظهما، ومن أجل ذلك

стр. 65

كنت أثق ثقة تامة في ألفاظه وعزوه، ورجعت إلى أصول خطية صحيحة من أجل بيان صحة عزو الحافظ، ودقته في رواياته التي يسردها؛ لئلا يهجم جاهل فيخطئه اغترارًا ببعض المطبوعات (١). سادسًا: ضم زيادات الحديث الواحد بعضها إلى بعض، وتنسيقها وسياقها مساق الحديث الواحد، وهو آية في ذلك، ومن أوضح الأمثلة على ما أقول في هذا الكتاب الحديث رقم (٣٥٤) ص (١٩٧)، وهو حديث أنس في الصدقات. فقد نظمه على نسقٍ واحدٍ، مع أن البخاري أورده في "صحيحه" في عشرة مواطن. سابعًا: أتبع كل حديث بذكر من أخرجه من الأئمة. ثامنًا: تعرض بعد ذلك لأمور أهمها: ١ - نقل كلام بعض أهل العلم على الأحاديث، وقد أكثر من النقل عن الترمذي خاصة. ٢ - تعرض لذكر الشواهد - وإن كان في مواطن قليلة - كما عقب الحديث رقم (١٣٤)، وهو حديث النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. ومع أن الحديث متفق

стр. 66

عليه، إلا أنه قال: "وفي الباب: عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرة، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، وعائشة ﵃، والصنابحي ولم يسمع من النبي ﷺ ". ٣ - شرحه للغريب، فقد قام ﵀ عقب بعض الأحاديث بضبط الغريب وشرحه، ولكنه لم يشرح كل الغريب، وهو في هذا الشرح لا ينقل عن غيره إلا القليل، كنقله عن الخطابي ص (٩)، ونقله عن "سنن أبي داود" كما في ص (٢٠٥) تحت "باب تفسير أسنان الإِبل". ٤ - بيانه لبعض المبهمات -وإن كان نادرًا- كقوله عقب الحديث رقم (٧٠٧): "الرجل: هو ماعز بن مالك". هذه باختصار أهم ملامح منهج الحافظ عبد الغني ﵀ في هذا الكتاب النفيس. ٦ - ملاحظات لا مؤاخذات ١ - لاحظت أن الصنف ﵀-على غير عادته- أورد عددًا من الأحاديث غفلًا من التخريج، وهذه الأحاديث بأرقام (٢٣٢ - ٢٣٣ - ٢٣٤ - ٥٩٩ - ٦٢٧ - ٦٩٤ - ٦٩٨ - ٧٤٦). ٢ - لاحظت أنه في الأحاديث المتفق عليها يكثر من عبارة "متفق عليه" وأحيانا يستعمل الرمز "خ م"، وفي حديث واحد (٢٥٢) قال: "م خ" بتقديم مسلم على البخاري، وكان الحديث لمسلم وحده!

стр. 67

كما لاحظت على هذا النوع من الأحاديث أنه يكتفي غالبًا بالعزو للصحيحين، وقد يضيف لهما غيرهما، كما في الحديث رقم (٤) فقد خرجه بقوله: "متفق عليه د ت س ق"، وقد يعبر عن ذلك بتعبير آخر، فقد قال عقب الحديث (٩١): "رواه الجماعة"، وأيضًا في حديث (٣٧٧) قال: "أخرجه الجماعة". والمراد بالجماعة هم أصحاب الكتب الستة. ٣ - أما إذا كان الحديث في غير "الصحيحين"، فلم أجده اهتم بعزوه إلى أصحاب السنن جميعًا، وإنما يكتفي ببعضهم، كما في الحديث رقم (٧٩٢) وغيره. ٤ - لكني وجدته في بعض الأحاديث قد عزاها لأدنى الأعلى! مثل الأحاديث (٤٣ - ٣٦٤ - ٤٨٤ - ٤٨٥ - ٤٩١). فقد عزا الأحاديث الأول والثاني والرابع والخامس للترمذي، وكلها عند مسلم, وعزا الثالث للترمذي أيضًا، وهو في "الصحيحين". والحديث رقم (٢٦٨) عزاه لأبي داود والنسائي، وهو عند مسلم. والحديث رقم (٦٩٧) عزاه لأبي داود والنسائي والترمذي، وهو عند البخاري. وقد يهم -أحيانًا- في العزو، فمثلًا: الحديث رقم (٢١) عزاه للبخاري، وهو لمسلم. والحديث رقم (٣٤) عزاه لابن ماجة في جملة من عزاه لهم، ولم يروه ابن ماجة. والحديث (١٨٣) عزاه للبخاري ومسلم، ولم يروه البخاري.

стр. 68

والحديث رقم (٥١٣) عزاه للبخاري ومسلم وهو من أفراد مسلم. والحديثان رقم (٦٧٦ و ٨٣٤) عزاهما للبخاري ومسلم، وهما من أفراد البخاري. ٥ - لاحظت أنه قال في حديث واحد: "صحيح. متفق عليه"، ولم يتكرر هذا منه في هذا الكتاب، وهذا الحديث برقم (٩)، وانظر مقدمة "بلوغ المرام"، وما كتبته هناك. ٦ - لاحظت أنه ﵀ في بعض الأحاديث المتفق عليها بين "الكبرى" و"الصغرى" يزيد في "الكبرى" روايات لنفس الحديث لا يذكرها في "الصغرى"، انظر مثلًا (٣٦٩ و ٣٧١ و ٥٦٠). ٧ - لاحظت أنه تصرف في بعض الأحاديث -وهذا نادر- فأوردها بالمعنى، انظر رقم (٥٦). ٨ - لاحظت أنه أفصح بحكمه على بعض الأحاديث في هذا الكتاب، وإن لم يكن هذا منهجًا له، انظر مثلًا: (٩ و ١٥٢ و ٢٥٨ و ٢٧٥ و ٣٣٥ و ٣٣٦ و ٣٥٩ و ٣٦١). ٩ - له تنبيهات وترجيحات لبعض الأوهام الواقعة في بعض الأحاديث ومن ذلك: (١٦٩ و ١٩٧ و ٧١٨). ١٠ - القاعدة الأساسية عند الحافظ عبد الغني أنه إذا أراد نقل كلام أحد المصنفين ممن روى الحديث أَخَّرَ علامته؛ ليتبعه بالقول المنقول عنه. كصنيعه عند الحديث رقم (١٢)، فإنه قال: "د ت طرفًا منه، وقال: حديث حسن صحيح". فالذي روى الطرف وقال هذا القول هو الترمذي.

стр. 69

وكمثل صنيعه عند الحديث رقم (١١٢)، فإنَّه قال: "د س مختصر"، فيكون الذي روى الحديث مختصرًا هو النسائي. وكقوله في الحديث رقم (٣٧): "د س نحوه"، فتكون الرواية لأبي داود، ونحوها للنسائي. وكقوله في الحديث رقم (١٨٨): "خ د وزاد ... "، فقوله: "وزاد" عائد لأبي داود. . . وهكذا. فاعرف هذا؛ فإنه مهم. وأما إن خالف هذه القاعدة أفصح عن مراده. فمثلًا الحديث رقم (٥٦٢)، قال فيه: "د ت"، ثم ذكر زيادة لأبي داود، فنص على ذلك صراحة، وقال: "زاد أبو داود". ولكني لاحظت أنه خالف هذا المنهج في مواطن - وما كان يحسن ذلك - ليست كثيرة، منها: أ- حديث رقم (١٥١)، قال فيه. "ت ق وقال ... "، والقول للترمذي وليس لابن ماجة. ب- حديث رقم (٢٤٩)، قال فيه: "م ت ق وقال ... "، والقول أيضًا للترمذي، وليس لابن ماجة. جـ- حديث رقم (٨١١)، قال في تخريجه: "خ ت م" هكذا"، ثم قال: "وزاد ... "، والزيادة للترمذي. هذه بعض الملاحظات على هذا الكتاب النفيس أجملتها هنا، ولم أدّخر جهدًا في التعليق على كل ما عَنّ لي مما يخدم الكتاب ويقربه للقارئ، أسأل الله أن أكون قد وفقت في ذلك.

стр. 70

٧ - بين العمدتين لقد كتب الله القبول لأحكام الصنف "الصغرى"، فتداولها الناس، وحفظها الطلاب، وشرحها العلماء، وأفردوا رجالها بالتراجم. وفي هذه العجالة نحاول أن نقارن بين الكتابين "الكبرى"، و"الصغرى" وذلك من عدة أوجه: أولًا: عدد الكتب والأبواب تزيد عدد كتب "الكبرى" عن عدد كتب "الصغرى" بثلاثة كتب من حيث العدّ، فالصغرى تحوي (١٩) كتابًا، بينما "الكبرى" تحوي (٢٢) كتابًا. فأول ما نجد الخلاف نجده في "كتاب الفرائض" في "الكبرى"، ولكنه خلاف لفظي فقط، إذ هو موجود في "الصغرى"، ولكن ضمن "كتاب البيوع" وتحت "باب الفرائض"، لا "كتاب الفرائض". وأول الخلاف الحقيقي هو ذكر "كتاب الظهار" في الكبرى، ولا وجود له في "الصغرى"، ولا لأحاديثه؛ وذلك لأنها ليست مما اتفق عليها الشيخان، ولا أخرجها أحدهما، وساق الصنف في "الكبرى" في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث هي من أحاديث السنن. ثمَّ أفرد المصنف في "الكبرى" ص (٤٧٧) كتابًا باسم: "كتاب السبق"، ولم يفعل ذلك في "الصغرى"، ولكنه أدرج حديثه ضمن "كتاب الجهاد". هذا من حيث الكتب، أما من حيث الأبواب فلا شك أن الخلاف في ذلك كبير بين "الكبرى"، وبين "الصغرى". فمثلًا عدد أبواب كتاب الطهارة في الصغرى (٧) أبواب، بينما في

стр. 71

"الكبرى" (٢٣) بابًا، وكتاب الصيام في "الصغرى" عدد أبوابه (٤) أبواب، بينما في "الكبرى" (٢٢) بابًا، ولم يبوب في "الصغرى" أثناء كتاب النكاح إلا لباب واحد، هو: باب الصداق، بينما في بوّب لستة أبواب. فمثل هذه الكتب الفرق بين أبوابها في "الكبرى" و"الصغرى" كبير. ولكن توجد كتب أخرى الفرق فيها ضئيل جدًا كمثل كتاب الصلاة، فأبوابه في "الصغرى" (٢٣) بابًا، وفي "الكبرى" (٢٥) بابًا. بل توجد بعض الكتب في الكتابين بغير تبويب مطلقًا سوى اسم الكتاب، مثال ذلك كتاب الجنائز. ثانيًا: الأحاديث أ- عدد أحاديث "الصغرى" - حسب ترقيمي لها - (٤٢٣) حديثًا، وأما عدد أحاديث "الكبرى" فهو (٨٦٠) حديثًا، فالكبرى إذن أكثر من ضعف الصغرى. ب- انفرد كل كتاب من الكتابين بأحاديث لا توجد في الكتاب الآخر. فمثلًا انفردت "الكبرى" بالأحاديث التي من غير "الصحيحين" وهذا أمر طبيعي؛ وذلك للنهج الذي سار عليه المصنف في "الصغرى". وانفردت "الكبرى" أيضًا بأحاديث في "الصحيحين" أو في أحدهما ولا غبار في ذلك أيضًا؛ وذلك لاختلاف حجم الكتابين. وهناك بعض الأحاديث - وهي قليلة جدًا - انفردت "الكبرى" بزيادة روايات فقط في هذه الأحاديث عن "الصغرى"، وكذا عكسه أيضًا، ولا ضير في ذلك أيضًا.

стр. 72

أما أن تنفرد "الصغرى" بأحاديث لا توجد في "الكبرى" فهنا الغرابة تكون؛ وذلك لأهمية الأحاديث التي في "الصغرى"، وللدقة في اختيارها، وكلها أحاديث وثيقة الصلة بموضوع الكتاب، ومع ذلك وجدنا المصنف ﵀ قد زاد في "الصغرى" أحاديث لم يوردها في "الكبرى"! بل إن زيادات "الصغرى" ليست قليلة، فقد بلغت (٨٩) حديثًا. جـ - ترتيب الأحاديث في الكتابين واحد تقريبًا، وذلك في الأحاديث المتفق عليها بين "الصغرى" و"الكبرى"، فلم يحدث اختلاف في الترتيب سوى بعض التقديم والتأخير داخل أحاديث كتاب الجهاد، وسوى الحديث رقم (٩١) في "الكبرى" - وهو حديث العرنيين - فقد أورده في كتاب الطهارة تحت "باب البول يصيب الأرض، وغيره"، بينما أورده في "الصغرى" برقم (٣٤٩) في كتاب الحدود، ولكل وجه، وهو من فقه الحافظ ﵀. ثالثًا: الغريب لا يكاد الفرق يذكر بين الكتابين في هذا الأمر، وإن كان شرح الغريب في "الصغرى" أكثر منه في "الكبرى"، وكذلك الأمر بالنسبة للمبهمات، وقد نقلت زوائد المصنف من "الصغرى" في حواشي "الكبرى". رابعًا: دقة المصنف في الكتابين هذه بعض النماذج من الكتابين تصلح للمقارنة في هذا الباب أسوقها حسب ترتيبها في "الكبرى": ١ - حديث رقم (٩) في غسل المستيقظ من النوم يديه قبل إدخالهما في الإِناء، في هذا الحديث زاد المصنف في "الصغرى" لفظ: "ثلاثًا"، بعد قوله:

стр. 73

"في الإِناء"، ولم يذكر هذا اللفظ في "الكبرى"، وما في "الكبرى" أجود؛ لعدم وجود هذا اللفظ في "صحيح البخاري". ٢ - حديث رقم (١١٨) وهو حديث قضاء الحائض للصوم دون الصلاة أورده المصنف في "الصغرى" على أنه متفق عليه، بينما عزاه في "الكبرى" لمسلم وأبي داود، وهو أدق؛ إذ ليس في رواية البخاري تعرض لقضاء الصوم. ٣ - حديث رقم (٢٢٨) أورده الحافظ في "الصغرى"، وعندما أورده في "الكبرى"، لم يعزه لغير أبي داود! ٤ - حديث رقم (٣٠٥)، وهو حديث تكفين النبي ﷺ ، قال في "الصغرى": " ... يمانية بيض، ليس فيها قميص ... "، بينما في "الكبرى"، زاد: "سحولية من كرسف" بعد قوله: "بيض"، وما في "الكبرى" أدق؛ لوجود هذه الزيادة في "الصحيحين". ٥ - حديث رقم (٣٩٦)، وهو حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن الوصال في الصوم. أورده الحافظ في "الصغرى" إلى قوله: " .... فليواصل إلى السحر"، وعزاه لمسلم! ولكنه في "الكبرى"، زاد فيه: "قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت لي مطعم يطعمني، وساقٍ يسقيني" وعزاه للبخاري وحده. والذي في "الكبرى" هو الصواب، وما في "الصغرى" وهم. ٦ - حديث رقم (٤٠١)، وهو في النهي عن صوم يوم الجمعة، أورده في "الصغرى"، وقال: "زاد مسلم: ورب الكعبة"، وأما في "الكبرى"، فنقله بلفظ: "ورب هذا البيت" وما في "الكبرى" هو الموافق لما في "صحيح مسلم".

стр. 74

٧ - حديث رقم (٤٩٦)، وهو قول ابن عمر: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، لكل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما. جعله في "الصغرى" متفقًا عليه، بينما لما ساقه في "الكبرى"، قال: "كل"، بدل: "لكل"، وزاد لفظ: "كل"، بعد قوله: "إثر"، ثمَّ قال: "متفق عليه؛ لفظ البخاري. ومسلم نحوه، إلا أنه لم يذكر: ولم يسبح بينهما ... إلى آخره."، وما في "الكبرى" هو غاية الدقة والصواب. ٨ - حديث رقم (٥٠١)، زاد في "الكبرى": "وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع"، وهي زيادة هامة، وهي في "الصحيحين"، وما ذكرها المصنف في "الصغرى". ٩ - حديث رقم (٥٤٦)، أورده الحافظ في "الصغرى" بلفظ مسلم وسكت! بينما في "الكبرى" أورده بلفظ البخاري، وعزاه له وحده. ١٠ - حديث رقم (٥٥٤)، وهو حديث جابر بن عبد الله، قال: جعل- وفي لفظ: قضى- النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة. أورده المصنف في "الصغرى" على أنه متفق عليه، وكان هذا الحديث محل انتقاد على الحافظ في "الصغرى". ولكنه لما ساقه في "الكبرى"، قال: "رواه البخاري وحده". ثمَّ أورده في "الكبرى" (٥٥٦) أيضًا بلفظ آخر، وعزاه لمسلم وحده، وصنيعه ﵀ في "الكبرى" صواب ودقيق، وسالم من النقد الموجه

стр. 75

إلى صنيعه في "الصغرى". ١١ - حديث رقم (٧٣٠)، أورده في "الصغرى" دون تعقيب، وفي "الكبرى" قال: "مختصر من حديث طويل"، وهو كما قال. ١٢ - حديث (٨٣٨) أورده في "الصغرى" على أنه متفق عليه، وقال في "الكبرى": "متفق على معناه ت". وما في "الكبرى" أدق وأصوب. وبعد: فهذه نماذج تبين جهد الحافظ في هذا الكتاب، وشدة تحريه، ودقته في الروايات، والعزو، وغير ذلك، وفي أثناء الكتاب هناك الكثير من هذا الباب، كما يتضح ذلك في تعليقاتي لكل قارئ.
следующие страницы →