بين فريقين من المسلمين: إن شريط "الفديو" موجود وقد صوّرنا فيه هذا؛ فلْتشاهدوا الشريط؛ للتثبت والعدل في الحُكْم بين الطرفين. فقالوا: نحن لا نشاهد "الفديو".
نعم: لا يشاهد "الفديو" حتى في مثل هذا المباح. ولا يشاهد "الفديو" حتى في مثل هذه القضية الواجب فيها التثبت، ولا يشاهد "الفديو" مع أنه يفجر في الخصومة، ولا يلتزم الصدق، ويكفِّر بعض المسلمين بل العلماء المجاهدين محدَّدين بأسمائهم!! فأي ورعٍ هذا؟! وأي فهمٍ هذا؟!.
قال خطيبٌ في خطبةِ الجمعة في مسجدٍ من المساجد: أُفٍ لإسلامٍ فيه أناشيد إسلامية!!.
أَحدُ الناس إذا وَجَدَ شريطاً فيه أناشيد إسلامية، فإنه يدوس عليه بقدمه؛ ولا يراعي حتى ما فيه من اسم الله تعالى!!.
قال بعض الناس لشخصٍ: هل فلان من جماعةِ كذا-وسمّى جماعةً يعاديها-؟. قيل له: ولماذا السؤال؟. قال: لأني رأيته واقفاً يوماً مع فلان، وهو مِن هذه الجماعة!!.
وهذا مِن أغرب ما يُمْكِن سماعُهُ مِن المقاييس؛ فهل إذا وقفَ شخصٌ مع يهوديّ يُصْبح يهوديّاً، وهل إذا وقف كافر مع مسلم يصبح مسلماً، وهل إذا وقف إنسانٌ مع سلفيّ يصبح سلفيّاً، وهل إذا وقف إنسان مع شافعيٍّ يصبح شافعيّاً!!.
سأل أحد الناس شيخه عن الدليل على: أن منهجهم وأسلوبهم في الدعوة هو المنهج الصحيح. فقال: الذي يدل على هذه الحقيقة، هو أننا ندعو
стр. 107
للكتاب والسنّة، وماذا بعد الكتاب والسنّة؟!.
ولا أدري كيف يَصْدر مثلُ هذا الجواب، لولا الغفلة ولولا الخطأ البشري، الذي قد يُعْذر فيه الإنسان بَيْد أن ذلك لا يُسوِّغ للإنسان الاستمرارَ في خطئه أو التمادي فيه.
إنّ منهج اتّباع الكتاب والسنّة لا يُسوِّغ لصاحبه الخلط بين نصوص الوحي الإلهيّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والاجتهاد البشري الذي قد يخطئ وقد يصيب عند فهم تلك النصوص أو عند تطبيقها.
ولاشك في أن الورع، والفقه في الدين، والغيرة على الدين، كل هذه تدعو الإنسان لإدراك هذا المعنى نظريّاً وعمليّاً، وما سيرةُ أئمة السلف من هذه الأمة عنّا ببعيد، وفّقنا الله تعالى وإخواننا المسلمين لذلك، ووقانا شرّ أنفسنا وسيئات أعمالنا!.
стр. 108
المبحث الرابع: بيان تطبيقي لبعض المسالك المخالفة
مسالك مخطئة تجاه الخلافات الفرعية
...
مسالك مخطئة تجاه الخلافات الفرعية
لقد ابتليتِ الأمَّة الإسلامية في هذا العصر بظهور مسالك مخطئة مضرة بالأمة تجاه التعامل فيما بين أفرادها بشأن المسائل الفرعية والخلافات الفرعية، ولقد ظهر شيء من الروح الجدَلِيّة لدى كثيرٍ من المسلمين الصالحين مع نزعة إلى الشدة والغِلْظة والفظاظة، في طريقة الدعوة، وفي الحوار، والموقف، حتى في المسائل الفقهية الخلافية، ويمكن تلخيص مسالك هذه الطريقة فيما يلي:
أ - الروح الجدلية في مجال التعرّف أو التعريف بالأحكام الشرعية.
ب- الشدة والفظاظة في الحوار.
جـ- التحزب على أساس الخلافات الفرعية.
د- تجرؤ صغار الطلاب على الخوض في تفاصيل الخلافات الفرعية وأدلتها والترجيح بينها.
وقد ترتّب على هذه الطريقة كثير من المفاسد التي لا يقرّها الإسلام،
ومن ذلك:
- تَفَرُّق الصف الإسلامي على مسائل فرعية، ففي سبيل الحماس لها والأخذ بالصواب فيها نُسِيَتْ وحدة الأمة واجتماع كلمتها على هذا الدين. بل ونُسِيَتْ بعض الأصول في كثير من الأحيان في سبيل التمسك بالصواب في المسائل الخلافية في تلك الفروع!.
стр. 109
- ترتّب على ذلك التفرّق وذلك الأسلوبِ كثيرٌ من الجدل العقيم المنهي عنه شرعاً، القاتل للوقت وللمودة، وكثيرٌ من المشاحنات والبغضاء المذمومة شرعاً والتي لا تليق في حق المسلم تجاه أخيه المسلم!.
- وترتّب على ذلك ظهور التعصّبات والتحيّزات التي يرافقها الجهل والظلم، بدعوى الحرص على الحق والصواب في تلك الأمور الخلافية من المسائل الفرعية والأساليب والوسائل!!.
- وترتّب على ذلك تجرؤ كثير من صغار الطلاب على الاجتهاد والفتيا و "المشيخة" أو "الزعامة" العلمية أو الدعوية من قِبَل هؤلاء الصّغار الذين لم يأتوا بجديد سوى الخلاف والفرقة والابتعاد عن الجادة، مع التجاهل لآداب العلم وحقوق التعامل، وكان يسعهم الحرص على الخير في منهجٍ وسط يُبْعدهم عن كل هذه الأنواع من الشر!.
- لقد نَتَجَ عن هذه المسالك المخطئة في الدعوة وفي طلب العلم والتفقّه في الدين والتعامل مع المخالفين تضخيم بعض الأحكام الفرعية والغلوّ في السنن والمستحبات، وذلك أمرٌ لا يقرّه الدين، لأن السنن والمستحبات هي من الدين وينبغي أن تؤخذ على أنها كذلك، ولا يجوز أن يُتَجاوز بها قَدْرها، كما أنه لا يجوز أن تُنْقص عن قَدْرها الذي وضعها الله فيه، وإلى هذا المعنى يُشير ما جاء عن علي ﵁ من قوله في الوتر: إن الوتر ليس بحتم، ولا كصلواتكم المكتوبة، ولكن رسول الله ﷺ أوتر. ثم قال: "يا أهل القرآن
стр. 110
أوتروا فإن الله وِتْرٌ يحب الوتر١".
والدِّين بين الغالي والجافي، والمُفْرِط والمفرّط، ونتج عن هذا الخلل -كما قلت- الوقوع فيما نهى الله تعالى عنه من التفرّق في الدين والتفرّق في الصف، وآياتُ الله تعالى أعظمُ شاهد في نهي الله تعالى أشد النهي عن الأمرين كليهما، وكذا سيرة الرسول ﷺ ، وسيرة فقهاء هذه الأمة: أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف، فمن تأمل ذلك كله أدرك الحق في هذه المسألة.
وإن المُصْلِحَ الحقّ هو ذلك الذي يسعى في الإصلاح من غير أن يرافق إصلاحه إفساد، أو مِنْ غير أن يتلبّس إصلاحه بإفساد يَعْلَمُهُ أو لا يَعْلَمُهُ!.
стр. 111
مفاهيم مغلوطة تجاه الالتزام بالكتاب والسنّة
وخطأ آخر من أخطاء بعض الناس في هذا العصر، ارتكبه في سبيل الدعوة إلى السنّة وإلى الاحتكام إلى الكتاب والسنّة، وهذا الخطأ هو الجمود باسم الاتّباع. لا شكّ في أن الاتّباع للكتاب والسنّة واجب، وأن الخضوع والتسليم لهما لازم لكل مسلم، ولا خِيرَةَ للمسلم أمام حكم الله وحكم رسوله، كما أنه لا يَصْلُحُ للمسلم أن يتقدم بين يدي الله ورسوله بالقول أو التشريع والحكم، هذا أمرٌ لا جدال فيه، ولكنّ الخطأ والجناية على الكتاب والسنّة هما في الحرْص على الجمود، وعدم الفقهِ وسعةِ البصيرة في فهم الكتاب والسنّة في ضوء نصوصهما ومقاصدهما الشرعية.
فترى فينا:
- مَنْ يتسرع إلى جَعْل التحريم هو الأصل.
- ومَنْ يميل إلى التشديد في فهْم الأحكام.
- ومَنْ يَتّجه إلى القول الواحد دائماً في المسائل الخلافية، أو التي فيها متسع شرعاً، وإبطال ما عداه.
- ومَنْ ينظر إلى المستحبات النظرَ إلى الواجبات.
- ومَنْ يتوهم أن السنّة في كل الأمور ليست إلا شيئاً واحداً. فيحجّر المرء بهذا واسعاً. في حين أن السنّة في مسألةٍ ما قد تكون على وجهين، وليست وجهاً واحداً، أو يكون الأصل في بعض الأمور أن السنّة فيه الإطلاق، وليس التقييد والتحديد.
стр. 112
ومن أمثلة هذه المفاهيم المغلوطة:
- الظن بأنّ شرْب الماء واقفاً لا يجوز مطلقاً، وأنه لا يجوز إلا قاعداً؛ وقد ورد الأمران عن النبي ﷺ ، وهذا بغضّ النظر عما يمكن أن يستنبطه الفقيه من حُكْمٍ من الروايات في هذا.
- ومن ذلك: الظن بأنّ صلاة ركعتين قبل المغرب واجبةٌ، فقد أمر بها النبي ﷺ مؤكِّداً: "صَلُّوا قبل المغرب ركعتين، صلُّوا قبل المغرب ركعتين".
وقال في الثالثة: "لمن شاء" ١ فمن فعلها فقد أحسن، ومن تركها فلا حرج؛ فلا يَصِحُّ أن يَظنَّ أحدٌ بعد هذا أنّ الأمر للوجوب.
- ومن ذلك: التضييق في مسألة: الدعاء وألفاظه في كثيرٍ من مواضعه وأحواله، فإن ذلك التضييق ليس عليه دليل صحيح؛ ومعلومٌ أنّ في الدعاء ألفاظاً مأثورة عن رسول الله ﷺ هي أفضل ما يمكن أن يدعو به الإنسان، ولكن لا حرج أن يدعو الإنسان بسواها، بل قد قال النبي ﷺ في تعليمه للتشهد: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو٢". نَعَمْ هكذا في الصلاة يدعو في هذا الموضع بما شاء بأمر رسول الله ﷺ ، ولكن لا يُدْرِكُ هذا المعنى مَنْ يظن أن السنّة لا تكون إلاّ شيئاً واحداً، وحالة واحدة، وصورة واحدة، في كل الأحوال، وأنها دائماً في نظره لا تَعني إلا التحديد دون التخيير، في كل أمر من الأمور!.
стр. 113
أحاديث ظاهرها يُعَارِض مبدأَ الرفق والحكمة
١- جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " ... كلاّ والله لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطراً ولتقصرنّه على الحق قصراً ... " ١.
٢- وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ القائم على حدود الله والمُدْهن٢ فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبّون على الذين في أعلاها فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تَصْعَدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإننا
стр. 114
ننقبها من أسفلها فنستقي. فإن أَخذوا على أيديهم فمنعوهم نَجوا جميعاً وإن تركوهم غرقوا جميعاً" ١.
٣- وقال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
ولاشك في أن معاني هذه النصوص هي من أحكام الدين ومقاصده، ولا يستطيع أحد أن يُبْطلها، أو ينفي ثبوتها ضمن ما شرعه الله من أحكام ومقاصد جليلة لهذا الدين، فقد أوجب الله تغيير المنكر، بَيْدَ أَنه إنما يكون بالأسلوب والطريق الذي أمر الله به، فينبغي أن ينزّل الحكم على ما أنزله الله عليه.
والخطاب في مثل هذه النصوص عامّ للأمة، بما فيهم السلطان ونائبه والعلماء والدعاة وسائر المسلمين، وهو خطاب لمجموع الأمة وليس لفرد من أفرادها، والمراد منه مَنْع المنكر بالوسائل المناسبة المطلوبة من كل شخص، وليس لفردٍ ليس له سلطة شرعية أن يقوم بإزالة المنكر بالقوة، فقد يؤدّي
стр. 115
ذلك إلى منكر أكبر، وهذه النصوص لا يراد بها ذلك، والنصوص الأخرى تَمْنع مثل هذا. وكيف يُفْهم من نصوص الشريعة أنه يجوز فِعْل مثل هذا المنكر وهي التي تأمر بإزالة المنكر؟!.
إن هذه النصوص مراد فيها معنى إيجاب تغيير المنكر مع توافر أسلوب الحكمة والاستطاعة، ومنها قوله ﷺ : "مَنْ رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
ومن العجيب أن يأخذ بعض الناس مثل هذا النص وحده معزولاً عن بقية النصوص الأخرى ذات العلاقة بالموضوع، وينزّله -بسبب ذلك- على غير معناه الذي عناه الشارع، فلا يَفْهم منه إلا إيجاب تغيير المنكر، ولا يَلْتفت إلى ضرورةِ تَوَافُرِ شروط التغيير للمنكر ووسائله وأساليبه المناسبة، وقد يتمسك ببعض الأساليب التي لا تليق شرعاً بالتغيير، مع أن هذا النص ليس فيه الأمر بغير أسلوب الحكمة، والنصوص الأخرى لا توهم جواز تغيير المنكر بمنكر، أو الخروج عن الحكمةِ والأسلوب الرفيق، الهادي إلى الله تعالى: "وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
على أن هذا أيضاً لا يُبْطل القول بـ"إن الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن" بَيْد أنه ينبغي أن ينزّل كل شيء في منزله الصحيح، فإذا لم يمكن التغيير بأسلوب الدعوة والهداية فإنه يتعيّن على مَنْ له سُلْطان، مِنْ ولاية عامة أو خاصة، أن يستخدم سلطانه في تغيير المنكر، وهنا يقال: "إن الله ليزع
стр. 116
بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، بشرط أن لا تكون البداية بهذا، وإنما بأسلوب الدعوة والرفْقِ والأُخوةِ واللين والمحبة؛ لأنه يمكن أن نقول أيضاً، "إن الله ليزع بالقرآن ما لا يزع بالسلطان"، فمن يَنْظر للواقع ولفطرة الناس لا يمتري في ذلك، بل إن هذا هو الأصل، وأما التغيير بالسلطان فهو بمثابة الكي يكون آخر الدواء إذا قدّر أن المصلحة الشرعية تقتضي التغيير به.
ولا يفوت هنا أن أُنبِّه إلى أنّ هذا إنما هو في مجال التعامل العام مع عموم الناس، أما القضايا المرفوعة للسلطان فلها أحكامها القضائية الشرعية المعلومة، فليست مما فيه هذا الموضوع.
وأخيراً ينبغي هنا التنبُّهُ إلى دلالةٍ مهمّة، تدل عليها النصوص الواردة في كلٍ مِن الرفق واللين، والشدّة والغِلظة، وهي دلالة مجموع النصوص، والنظر إلى مقْصدها العامّ؛ فبالنظر إلى جميعها يتبيّنُ لنا: أَنّ الشدّة والغِلظة في الدعوة خطأٌ يأباه هذا الدين، ويَرُدُّه سيرة سيد المرسلين ﷺ ؛ وأنّ الرفق واللين قد جاء الأمر بهما أمراً عامّاً، وجاء الثناء عليهما ثناءً عامَّاً، ليس في ذلك حالةٌ مستثناةٌ مِن هذا الأمر وهذا الثناء؛ بخلاف الشدة والغِلظة؛ فإنّ ما جاء مِن النصوص التي يمكن أن يُستدَل بها عليهما، لا تَدُل على ذلك صراحةً، ثم لم يأتِ ذلك في صورة الدعوة العامّة إليهما، وإنما في حالاتٍ استثنائيةٍ قد تقتضي ذلك؛ ولهذا جاء لفظ الحديث الشريف: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنْزع من شيء إلا شانه" ١. وهكذا ما ماثَلَهُ مِن الأحاديث
стр. 117
التي سبقت الإشارة إليها١؛ بينما لا نجِدُ في نصوص الشرع مثل هذا العموم في الحديث عن الشدّة والغِلظة!.
وأَمرٌ آخر نلاحظه في دلالة هذه النصوص، وهو أن الرفق واللين لم يَرِد في النصوص الشرعية ذمٌّ لهما مطلقاً؛ بينما قد ورَدَ في النصوص الذمُّ للشدّة والعنف؛ كما في قوله ﷺ : "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" ٢. وقوله ﷺ : "إن الله رفيق يُحِبُّ الرفْق في الأمر كله" ٣. وقوله ﷺ : "يَسِّروا ولا تُعسّروا وَبشِّروا ولا تُنفّروا" ٤. وقد سبق ذكْر هذه الأحاديث في "بيان المنهج والأسلوب الصحيحين للأخذ بالسُّنَّة والدعوة إليها".
стр. 118
وبهذا يتبيّن أنه لا دليل في الشرع يدعو إلى العنف والشدّة في الدعوة١، وأنه لا حجةَ لصنفين مِن الناس في هذا الباب:
الصنف الأول: مَن أخطأ عن براءةٍ وحُسْن قصدٍ؛ فأخذ بجانب الشدّة في الدعوة ظنّاً منه بأن هذا هو طريق الدعوة إلى الله تعالى. ومِثْل هذا نقول له: اتّق الله وصَحّح الفهم.
الصنف الثاني: مَن اتخذ الدين تُكأةً لأَكْل الدنيا، وزَعمَ أن الشدة والغِلظة هما طريق الدعوة إلى محاسن هذا الدين، وليس هدفه الدين، وإنما الدنيا!. ومِثْل هذا نقول له: اتّق الله؛ فإنّ القضيةُ عندك ليست قضية فَهْم، وإنما هي قضيّة لَهْم!.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، فلولاه ما اهتدينا إليه.
стр. 119
المبحث الخامس: أمثلة تطبيقية على الموضوع
أمثلة لتعدد الصور لبعض السنن
...
أمثلة لتعدُّدِ الصُّوَر لبعض السنن
تعدُّد الصوَر مِما يتبيّن به منهج الإسلام في الدعوة إلى السنة، ويتبين به كذلك طبيعة السنة في هذا الدين.
وقد تَبَيَّنَ مما سبق أنّ السنّة في أمرٍ ما قد لا تَلْزم صورة واحدة محدّدة في جميع الأحوال، بل قد تكون السنّة في أمْرٍ ما على صُوَرٍ متعددة، والسنن التي جاءت على هذا الوجه كثيرة، ومن هنا لَزِم التنبيه إلى هذا الأمر؛ كي لا يأخذ المرء وجهاً واحداً من السنّة في موضوعٍ ما ويُبْطلُ الوجه الآخر من السنّة، ولا أريد حصْر هذا النوع من السنن هنا، وإنما أضرب بعض الأمثلة لها فيما يلي ليستبين المعنى، فمن ذلك:
١- الدعاء للميت في صلاة الجنازة١، قال ابن قدامة ﵀ بعد أن ذكر الآثار الواردة في ذلك: وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه، وليس فيه شيء مؤقت٢ أي محدّد لا يجوز إلا به.
٢- ويُسنّ تعزية أهل الميت، قال ابن قدامة ﵀: يستحبّ تعزية أهل الميت. لا نعلم في هذه المسألة خلافاً٣.
ومع ذلك فليس في ألفاظ التعزية شيء محدَّد لا تجوز إلا به أو ينبغي
стр. 120
التقيّد به، قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم في التعزية شيئاً محدوداً١.
٣- والردّ من المعزَّى على من عزّاه ليس فيه ألفاظ محدّدة من باب أولى.
٤- وغسْل الأعضاء في الوضوء بين مرّة واحدة إلى ثلاث مرات، كل ذلك مجزئ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
٥- وعدد الركعات في قيام الليل أقله ركعتان سوى الوتر، ولا حدّ لأكثره. وقد جاءت روايات متعدّدة في صلاة النبي ﷺ من الليل، وبين بعضها خلاف في العدد، فبعضها أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، وفي بعضها أنه كانه يصلّي ثلاث عشرة ركعة٣.
والصواب أن التحديد في عدد الركعات ليس هو الأصل في قيام الليل، وأن الصحابة الذين رووا التحديد في قيام النبي ﷺ كل منهم روى ما رأى، ﵁، وقد قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى ... " ٤، فأطلق ولم يحدد.
стр. 121
ومن هنا يُعْلَم أنه ما كان ينبغي أن تُجْعل صلاة التراويح وعدد ركعاتها -هل هي عشرون ركعة أو أقل أو أكثر- قضيةً يُثار فيها الخلاف والتعصب للآراء!.
٦- وعدد ركعات الوتر قد جاءت فيه روايات متعددة مختلفة، ما بَيْنَ ثلاث ركعات إلى تسع أو إحدى عشرة ركعة١. وليس الأصل في ذلك تحديد عددٍ مُعَيّن، فقد قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفْت الصبح فأوتر بواحدة". متفق عليه٢.
٧- وكيفية صلاة الوتر، قد جاءت بها الروايات على صور متعددة، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من كل??أوتأو ركعتين وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهّد ولم يُسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهّد ويسلّم، وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهّد ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويُسلّم ... "٣.
فإذا كانت الروايات في كيفية صلاة الوتر يُفْهَمُ منها هذه الصُّوَرُ كلها فلماذا تثار فيها الخلافات والتعصبات للآراء ومذاهب الأئمة؟!.
стр. 122
لعلّ في هذه الأمثلة التفصيلية كفاية لإثبات الحقيقة التي أشرت إليها من أنّ السنة في بعض الأمور قد لا تَلْزم صورة واحدة أو وجهاً واحداً. ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة أخرى كثيرة غير هذه. ولكن أكتفي -إضافة إلى ما سبق- بسرد إجماليّ لبعض الأمثلة الأخرى فيما يلي:
٨- الترجيع في الأذان، وعدم الترجيع، كل ذلك جائز١.
٩- الإفراد في الإقامة، والتثنية، كل ذلك جائز٢.
١٠- الجهر بالبسملة، والمخافتة بها في الصلاة، كلاهما جائز٣.
١١- ألفاظ التشهّد المتعددة الثابتة عن النبي ﷺ ، كلها جائزة، ولا ينبغي أن يُرَدَّ بعضها ببعض.
١٢- أنواع الاستفتاح الثابتة في الصلاة، كلها جائزة.
١٣- ألفاظ الدعاء الثابتة للمتزوج، كلها جائزة.
١٤- ألفاظ الدعاء الثابتة لمن أطعم الطعام، كلها جائزة.
١٥- وكذلك الحال بالنسبة لخطبة الحاجة، فهي واردة عن النبي ﷺ ، ولكنها ليست لازمة في كل حال، كما تدل عليه الروايات الأخرى الثابتة عن النبي ﷺ .
стр. 123
مثال رائع لمنهج السلف في نقد بعضهم بعضاً
لقد ألّف ابن قتيبة ٢١٣-٢٧٦هـ رحمه الله تعالى كتاباً بعنوان: "إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد"، استدرك فيه على أبي عبيد في نيِّفٍ وخمسين موضعاً، وتعاظم بعض الناس في عصره وبعد عصره أن يَعْرض مثلُه بالنقد لأبي عبيد.
وقدّم ابنُ قتيبة للكتاب بمقدمة جميلة أوضح فيها المنهج المتعيّن على المرء في هذا الباب.
وقد أحببت نقلها هنا لأضرب بابن قتيبة مَثَلاً جميلاً يليق بعلمه وفضله، أرجو أن يكون في ذلك ذكرى لنا في هذا العصر الذي أصابنا فيه ما أصابنا، نسأل الله العافية.
قال ابن قتيبة١ رحمه الله تعالى: لعلّ ناظراً في كتابنا هذا يَنْفر من عنوانه، ويستوحش من ترجمته٢، ويربأ بأبي عبيد ﵀، عن الهفوة، ويَأْبَى له الزلة، ويتحشم قَصْب العلماء، وهَتْك أستارهم. ولا يعلم ما تقلدناه من إكمال ما ابتدأ: من تفسير غريب الحديث، وتشييد ما أَسس، وأن ذاك
стр. 124
هو الذي أَلْزَمَنا إصلاح الفساد، وسدَّ الخلل. على أنّا لم نقل في ذلك الغلط إنه اشتمالٌ على ضلالة، أو زيغٌ عن سنة. وإنما هو في رأيٍ قَضَى به على معنى مستتر، أو حرفٍ غريب مشكل.
وقد يتعثر في الرأي جِلّة أهل النظر والعلماء المبرِّزون، والخائفون لله الخاشعون، فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم- وهم قادة الأنام، ومعادن العِلْم، وينابيع الحكمة، وأَوْلى البَشَرِ بكل فضيلة وأَقْربهم من التوفيق والعصمة- ليس منهم أحد قال برأيه في الفقه إلا وفي قوله ما يأخذ به قوم، وفيه ما يرغب عنه آخرون ... وكذلك التابعون ... والناس يختلفون في الفقه وَيَرَدُّ بعضهم على بعض في الحلال أنه حرام، وفي الحرام أنه حلال، وهذا طريق النجاة أو الهلكة، لا كـ"الغريب" و"النحو" و"المعاني" التي ليس على الهافي فيها كبير جُناح، كالشافعي يَرُدُّ على الثوري وأصحاب الرأي١ وعلى مُعَلِّمِه مالك بن أنس.
وأبو عبيد يختار من أقاويل السلف في الفقه، ومن قراءتهم، ويرذل منها، ويدل على عورات بعضها بالحجج البيّنة.
وعلماء اللغة أيضاً يختلفون، وينبّه بعضهم على زلل بعض، والفرّاء يَرُدُّ على إمامه الكسائي، وهشام يَرُدُّ على الفرّاء، والأصمعيُّ يُخطِّئ المفضّلَ ... وهذا أكثر من أن يحاط به، أو يوقف من ورائه.
стр. 125
ولا نعلم أن الله أَعطى أحداً من البشر مَوْثِقاً من الغلط، وأماناً من الخطأ، فنستنكف له منها، بل وَصَلَ عباده بالعجز، وقَرَنهم بالحاجة، ووصفهم بالضعف، والعجلة، فقال: ﴿ ... وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيْفاً﴾ ١، ﴿وخُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٢، ﴿ ... وَفَوْق كُلِّ ذِي عِلْمٍ عليمٌ﴾ ٣.
ولا نَعْلَمَهُ خَصَّ بالعِلْم قوماً دون قوم، ولا وقَفَهُ على زمن دون زمن، بل جَعَلَهُ مشترَكاً مقسوماً بين عباده، يفتح للآخِر منه ما أغلقه عن الأول، وينبه المُقِلَّ منه على ما أغفل عنه المُكْثِرَ، ويُحْييه بمتأخر يتعقب قول متقدم، وتالٍ يَعْتبر على ماضٍ٤.
وأوجبَ على كل من علم شيئاً من الحق أن يظهره وينشره، وجعل ذلك زكاة العلم، كما جعل الصدقة زكاة المال. وقد قيل: اتقوا زلة العالم. وزلة العالم لا تُعْرف حتى تُكْشف، وإن لم تعرف هلك بها المقلِّدون، لأنهم يتلقونها من العالم بالقبول، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها، وإقامة الدلائل عليها وإحضار البراهين.
وقد يَظُّنُّ من لا يعلم من الناس، ولايضع الأمور مواضعها أن هذا اغتياب للعلماء، وطَعْنٌ على السلف، وذِكْر للموتى، وكان يقال: اعْفُ عن ذي قَبْرٍ،
стр. 126
وليس ذاك كما ظنوا لأن الغيبة سَبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذِكْرهم بالفواحش والشائنات. وهذا هو الأمر العظيم المشبَّه بأكل اللحوم الميتة. فأما هفوة في حرف، أو زلة في معنى، أو إغفال، أو وَهَمٌ أو نسيان -فمعاذ الله أن يكون هذا من ذلك الباب، أو أن يكون له مشاكلاً أو مقارباً، أو يكون المُنَبِّهُ عليه آثماً؛ بل يكون مأجوراً عند الله، مشكوراً عند عباده الصالحين، الذين لا يميل بهم هوى، ولا تَدْخلهم عصبية، ولا يَجْمعهم على الباطل تحزُّب، ولا يَلْفِتُهم عن استبانة الحق حَسَدٌ.
وقد كنّا زماناً نعتذر من الجهل. فقد صِرْنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العِلْم١، وكنا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه والدلالة فصِرْنا نرضى بالسلامة. وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال!!. ولا يُنْكَرُ مع تَغَيُّرِ الزمان، وفي الله خَلَفٌ. وهو المستعان.
ونذكر الأحاديث التي خالَفْنا الشيخَ أبا عبيد ﵀، في تفسيرها. على قلتها في جنب صوابه. وشُكْرِنا ما نَفَعَنا الله به من عِلْمه، معتدِّين في ذلك بأمرين:
أحدهما: ما أوجبه الله على مَنْ عَلِمَ في علمه.
والآخر: أَلاّ يَقِفَ ناظرٌ في كتابنا على حرفٍ خالفناه فيه، فيقضي علينا
стр. 127
بالغلط، ونحن من ذلك إن شاء الله سالمون. وما أولاك رحمك الله بِتَدَبُّرِ ما نقول: فإنْ كان حقاً، وكنتَ لله مُرِيداً، أن تتلقاه بقلب سليم، وإن كان باطلاً، أو كان فيه شيء ذَهَبَ عنّا، أن تَرُدّنا عنه بالاحتجاج والبرهان، فإن ذلك أبلغُ في النُّصرَة، وأوجب للعذر، وأشفى للقلوب.
انتهى كلام الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى. ولعل في كلامه هذا عِبْرة وعِظَةً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!.
والمرجوُّ مِن القاريء العزيز أن يعود فيقرأَ كلامه مرةً أُخرى متأمّلاً محاسِنَهُ، وجوانب الأدب فيه، ومَوَاطِنَ الأُسْوَةِ.
стр. 128
أمثلة نبوية لمناهج وأساليب دعوية
مدخل
...
أمثلة نبوية لمناهج وأساليب دعويّة
توطئة:
هذه أمثلةٌ اخترتها مِن تطبيقات النبيّ ﷺ ، انتقيتها من صحيح الإمام البخاري، رحمه الله تعالى. وليس المقصود منها الحصر، وإنما ضرْب الأمثلة على بعضِ ما دعا إليه هذا البحث في ما مضى من موضوعاته. وكلُّ مسلمٍ مدعوٌّ إلى أن يتأمّل أحاديث النبي ﷺ ، سواء منها الذي في صحيح الإمام البخاري أو في غيره، ويستقي منها الأُسوة والقدوة في نهْج الرسول القدوة.
стр. 129
الملاطفة والدعاء
عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علّمه الكتاب" ١.
وفي رواية: "اللهم علمه الحكمة" ٢، وفي رواية: "اللهم فقهه في الدين" ٣.
стр. 130
من الأساليب النبوية في التربية: الملاطفة والدعاء.
أسلوبٌ نبوي في التربية والدعوة والتعليم ما أروعه إنه أسلوب التودّد، والملاطفة، هكذا!: ضمني رسول الله ﷺ . إنه تواضعٌ وتربية على التواضع، ودعوة إليه بالقدوة الحسنة، إنه تعليم مِنْه ﷺ -بسلوكه- للأسلوب الأمثل في تأليف القلوب، وتنشئتها على الحب وعلى قبول الدعوة. فبهذا المعنى ينبغي أن يهتم الداعية وفي مِثْل هذا المثل الرائع ينبغي أن يَنْظر مَنْ يَجْتهد في تقديم الدعوة للإسلام في فظاظة وغلظة، وإذا نفر منه الناس ومن دعوته حمّلهم العتْبَ، وأقام لنفسه العذرَ، واغتبط أنه أُوذي في سبيل الله!.
وكان الأحرى به أن يفتش عن عيوب نفسه، وأن يحمّل نفسه التّبعة في صدّ الناس عن طريق الله بسبب مخالفته لهذه السنّة النبوية الفريدة الحكيمة.
وأسلوبٌ آخَرُ هو: الدعاء، يتجلى في سيرته ﷺ من خلال هذا الحديث، الدعاء لمن تدعوه إلى الله ومَنْ تُربيه ومَنْ تُعلّمه، وفي هذا أكثرُ من معنى شريف.
ففيه سؤال الله تعالى أن يوفقه لما تريد، ولما تطلبه، ولما ترشده إليه، والله سبحانه هو القادر على ذلك المعين الموفِّق له.
وفي الدعاء معنى تربوي هو توجيه المدعو له -بطريق القدوة الحسنة- إلى التوجه إليه سبحانه ودعائه، وعدم الاتّكال على الجهد والسبب مِن دونه .
وفي الدعاء لَفْتٌ لنظر المدعو له -من خلال عبارات الدعاء- إلى ما ينبغي أن يهتم به كالعلم بالكتاب، والفقه في الدّين مثلاً.
стр. 131
وفي دعائه ﷺ تعليم للدعاة من بعده أن يفعلوا ذلك وأن يقتدوا به فيه، وكم يَغْفل الدعاة في عصرنا عن هذه السنّة وهذا الأسلوب النبويّ القدوة، وكم يَغْفل عنه الآباء والمربون. وكم يركن كثير منهم إلى جهده ثم هو لا يوفَّق!!.
إنّ هذا الحديث النبوي الشريف دعوة لنا لننتهج الملاطفة والتودد في الدعوة والتربية ولننتهج -أيضاً- أسلوب الدعاء والتوجه إلى الله سبحانه بسؤاله تحقيق ما نصبوا إليه تجاه المدعو والمربَّى. إن لكل منهما أثراً فورياً على النفس يدركه كل إنسان عنده أحاسيسه ومشاعره!.
стр. 132
٢
اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب
عن ابن مسعود قال: كان النبي ﷺ يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا١.
ومن الأساليب النبوية في التربية والتعليم: اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب.
وهذا أسلوبٌ نبويّ آخر في الدعوة، وسط بين الإفراط والتفريط، يحكيه الصحابي الجليل الذي تلقّاه من النبي ﷺ وذاق أثره الطيّب وطبّقه هو عمليّاً:
стр. 133
كان النبي ﷺ يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا. نعم هكذا حتى ولو كان الواعظ رسولَ الله!! ذلك أنه يُراعِي الظروف النفسية للسامعين فيتحدث حين يكون للحديث قابلية أفضل واستعداد أحسن، لتلقّي كلمات المتكلم وفهْمها واستيعابها، وكثرةُ المواعظ المتتابعة قد لا تُجدي بل قد تدعو للسآمة والملل، وهذا عكس ما يرتجيه بمواعظه فهو يتجنبه.
إنه ﷺ يراعي سنّة التدرج الطبيعي، ويتطلب الإقناع الراسخ الثابت ولو جاء بطيئاً، ويتحاشى الإيمان المتقلِّب غير الثابت ولو جاء أول الأمر في طفْرة عارمة.
وأيضاً فإنه ﷺ يَسُنّ السنّة لمن بعده من الدعاة، المقتدين به، المقتفين أثره، فهو يرسم لهم الطريق عملياً بسيرته!.
فينبغي لهم أن يقتدوا به في ذلك عملياً فهو أُستاذ الطريق، ودليل السالك إلى الله . لقد كان يتخوّل أصحابه بالموعظة، وهو هو، وأصحابه هم أصحابه، رضوان الله عليهم، الذين اختارهم الله لصحبته، واختاروا طريقه وارتضوا سنته، ولزموا الاقتداء به، وأَحبوا ذلك وتركوا في سبيله الدنيا وزخرفها، ولكنه كان يتخوّلهم بالموعظة في الأيام مخافة السآمة عليهم، أي يتعهدهم بالموعظة في الأيام، وذلك أمْرٌ وسطٌ بين التهاون وترْك التذكير والوعظ الذي يُنْسى، وبين الوعظ والتذكير المستمر الذي يُمِلُّ، وكلا هذين داءٌ خطير يتحاشاه ﷺ بسيرته هذه، فيتخولهم ويتعهدهم بالموعظة.
ومِنْ تخوّله لهم بالموعظة أنه يتحيَّن المناسبات لمواعظه، فتقع موقعها في النفوس:
стр. 134
فمِنْ جَدْيٍ١ ميْت يمرّ به في الطريق مع أصحابه يشبّه به الدنيا٢.
ومِنْ رَجُل يمرّ به في نَفَرٍ من أصحابه في نشاط وقوة مشمّراً عن ساعده للعمل فيسأل أصحابه عن رأيهم فيه ثم يوجههم بمناسبة ذلك، ورجلٍ آخر يَمُرُّ حسن الهيئة وأخر رثُّ الهيئة يتفاوتان في الإيمان والإخلاص، يسأل أصحابه عن رأيهم فيهما فيقوّمون حالهما بمظهرهما فقط، فيقول في الرجل قوي الإيمان الذي كان رثّ الهيئة: هذا خير من مِلْءِ الأرض مثل هذا٣.
ومن مناسبةٍ ليومٍ فاضلٍ أو شهرٍ أو أيامٍ أو عيدٍ أو آيةٍ تنزل أو حالةٍ تَحْصل أو قصة تقال أو فعلٍ صائب أو عملِ خيرٍ يفعله أحد أصحابه، أو خطأٍ يرتكبه أحد الناس إلى غير ذلك من المناسبات الداعية للتوجيه والتعليم والوعظ.
لقد كان حريصاً ﷺ على الدعوة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 135
المنكر، ولكن حرصه على ذلك لم يُخْرجه عن الحكمة واختيار أفضل السبل وأيسرها للوصول للغاية.
كان ﷺ ، بتدرجه في التعليم وتحيّنه الفرص والمناسبات يختار الوقت المناسب للكلمة الطيبة، لأن وضع الكلمة الطيبة في غير موضعها ليس بمحمود وليس دعوة.
رأيت مرة رجلاً يبدو لي أن فيه خيراً، ومعه كتاب، فجلس في غرفة الانتظار في المستشفى مع المنتظرين، وأخذ يقرأ في الكتاب لنفسه رافعاً صوته طمعاً في أن يستفيد المنتظرون معه دورهم للطبيب. لم يُقَدِّر ظروفهم النفسية وطبيعة المكان الذي هم فيه!!.
ما أجمل الفقه في الدين مع الإيمان القوي، وإن النية الطيبة والرغبة في الخير وحدها لا تكفي ما لم ينضم إليها الفقه والحكمة والأسلوب الحسن لوضع النصيحة والكلمة الطيبة في موضعهما.
وما أعظم الفرق بين مَثَل وَمَثَل، ورَجُل ورَجُل، وداعية وداعية!!.
نسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والاقتداء بخير العباد.
стр. 136
٣
استخدام الرسائل والوسائل المتاحة المشروعة
عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلاً وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه
стр. 137
مزّقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمَزَّقوا كل ممزق١.
ومن الأساليب النبوية في التربية والتعليم: استخدام الرسائل وجميع الوسائل المتاحة المشروعة.
وهذا أسلوبٌ دعوي نبويّ آخر يَظهر فيه حِرْص النبي ﷺ على استخدام الوسائل الدعوية المشروعة الممكنة ويدل على أنه لم يقتصر ﷺ على وسيلة واحدة في الدعوة كالاتصال الشخصيّ مثلاً. فها هو ذا هنا يستخدم أسلوب الرسائل يوجهها إلى البلدان ... ومِن ذلك رسالته هذه إلى كسرى، ورسالةٌ أُخرى إلى هِرَقْل عظيم الروم٢، وسِوى ذلك مِن الرسائل.
إنه الاستثمار للإمكانات المتاحة كلها التي يسخّرها الله تعالى للداعية، وما إرسال الرسائل منه ﷺ إلا عنوانٌ لهذا المعنى، ودعوةٌ عملية للدعاة في عصره، ومِنْ بعد عصره لتذكُّر هذا الأمر.
فإذا تهيأت أسبابٌ أخرى بعد ذلك للدعوة فينبغي أن يأخذ بها الداعية، سواء أكانت "إذاعة مسموعة" تَبْلُغ بها الكلمةُ الواحدة مسامع الدنيا كلها وتصل إلى مسامع ملايين البشر مئات الأقطار! أم كانت إذاعة مرئية، أو "انترنت"، أو بريداً "إلكترونياً"، أو شريطاً مسجَّلاً، "كاسيت" أو "فيديو" أو
стр. 138
كتاباً، أو رسالة مخطوطة أو مطبوعة أو صحيفة أو مكالمة هاتفية أو غير ذلك.
لا شكّ في أن وجوب امتداد كلمة الداعية من وجوب الدعوة ذاتها، فإذا كانت الدعوة واجبة على المسلم بإمكاناته المحدودة، فإنها واجبة عليه عند توافر الإمكانات المؤثِّرة لديه، كوجوب الدعوة أو أشد، وعندما يُتِيح الله للمسلم وسيلة للدعوة واسعة الانتشار فإن استخدامه لها في الدعوة واجب أيضاً كوجوب الدعوة أو أشد.
إن كلمة في المسجد للتوجيه والدعوة أمْرٌ طيب، ولعل أطيب منه كلمة في الإذاعة المسموعة، تتجاوز حدود المسجد، وعدد المصلين، وتتجاوز حدود القطر الذي يقف فيه المتكلم.
وإنّ كلمةً يقولها الداعية نصحاً لبائع أشرطة الغناء الماجن مثلاً أَمْرٌ طيب، ولعل أطيب منه رسالة يكتبها في ذلك المعنى ويوجهها لأَلْفِ بائعٍ مثله.
ومع هذا فإنه يلزم الأخذ بكل الطرق هذه، ولا يُكتفى بواحد منها عن الآخر.
ترى ما مدى استخدام الداعية للوسائل المتاحة؟.
لاشك في أن التقصير كبير.. ولو أن كل مسلم أخذ بالوسائل المتاحة له في الدعوة لكان الأثر كبيراً أيضاً، ولبلغت الكلمة الطيبة القلوب والأسماع في مختلف بقاع الأرض، ولكننا قصّرنا في هذا الجانب، فكانت النتيجة ما نرى الآن!! وكثير ممن يُفكر في الدعوة لا يكاد يراها سوى كلمة عابرة يقولها في الطريق وهو ماض لشأنه ثم هو يرى بعد ذلك أنه قد قام بواجب الدعوة، وهيهات هيهات!! والله المستعان.
стр. 139
٤
التعرّف على حال المدعوين لمراعاة أسباب استجابتهم
عن أنس بن مالك قال: كتب النبي ﷺ كتاباً. أو أراد أن يكتب. فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضّة نَقْشُهُ: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده١.
ومن الأساليب النبوية في الدعوة: التعرف على حال المدعوّين لمراعاة أسباب استجابتهم.
يرى بعض الناس أن على الداعية أن لا يقيم وزناً لاعتبارات المدعوين من الكفار، ومشاعرهم، وأمزجتهم، وأن الداعية حينما يقيم وزناً لذلك، أو يحسب له حساباً في دعوته وأسلوبه في مخاطبتهم يكون قد انهزم، وانحرف بطريق الدعوة وأخطأ الطريق!.
وهذا خطأ في أسلوب الدعوة، وضعْفٌ في فقْه الداعية لدعوته، يردُّه فعل النبي ﷺ ؛ ذلك أنه لا يضره في دعوته أن يَخْتِمَ الكتاب مثلاً، ودينُهُ لا يُحرِّم ذلك، والموجَّه لهم الخطاب لا يقرءون الخطاب إلا مختوماً، إِذَنْ فليتخذ خاتماً نَقْشُهُ: محمد رسول الله، ويلبسه في يده ﷺ !!.
وهذا التصرف منه ﷺ عنوانٌ للمسائل المماثلة، فينبغي للداعية أن يتخذ
стр. 140
منها المَوْقِفَ نَفْسَه ولا ينبغي أن يَقْتصر فِقْهنا للحديث على أنه يجوز أن يُخْتم الكتابُ، وأنه يجوز لبْس خاتم الفضة١.
إنّ على الداعية -كي ينجح في إيصال الدعوة إلى قلوب المدعوين- أن يُراعيَ أعرافهم وتقاليدهم وأمزجتهم وثقافاتهم في حدود ما يجيزه الإسلام، ولاسيما في دعوتهم أول الأمر، طالما أن ذلك لا يُخْرج الداعية إلى تحليل حرام أو تحريم حلال، فإن هذا أمر إذا تَنَبَّه له قد يكون مفتاحاً لقلوبهم، وسبباً لهدايتهم.
стр. 141
٥
الدعوة إلى الفقه في الدين، والتربية عليه
عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يُرِد الله به خيراً يفقّهْهُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ٢.
ومن الأساليب النبوية في الدعوة: الدعوة إلى الفقه في الدين، والتدريب عليه.
стр. 142
إن هذا الحديث تربيةٌ على الفقه في الدين، ودعوة للفقه في الدين، فما أحرى المسلم أن يقف عند معنى هذه التربية، وهذه الدعوة: "مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقّهْهُ في الدين".
إنه ينبغي للمسلم أن يسائل نفسه: ماذا يفقه من دينه؟ والفقه شيء نفيس ليس هو الحفظ، بل الحفظ شيء آخر، ولهذا قال ﷺ : "ليبلِّغ الشاهد الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يُبلِّغ من هو أوعى له منه" ١.
والداعية إلى الإسلام هو أَولى المسلمين بالفقه في الدين، حتى يدعو إليه على بصيرة، ويعرف إلى ماذا يدعو الناس؟ وكيف يدعو الناس؟ وما هي الأولويات؟ وهل يتدرج في الدعوة؟ وأيّ أسلوب يعتمد في دعوته؟ فما أحوجه إلى أن يتعرف: هل رُزِق الفقه في الدين؟.
ما أكثر مَنْ يُحْسن الظن بنفسه، وهو لا يتجاوز وظيفة الحفظ فقط، وما أكثر مَنْ لا يعرف الفقه أصلاً، ولا يظنه غير الحفظ، أوْ لا يعرف الفقه إلا التمذهب بمذهب أحد الأئمة أو قراءة عبارات الفقهاء وحفظ آرائهم.
وما أحوج الداعية إلى أن يسلك هذا الأسلوب النبويّ في التربية على الفقه في الدين، فبالفقه يكون الخير للإنسان وللمجتمع.
وكثير من الدعاة قد يَجْمع الناسَ على عواطف فقط، قد تكون طيبة ولكنها لا تكفي، ولكنها ليست هي نصوص الدين، ولكنها ليست هي
стр. 143
مقاصد الدين كلها، ويُربّي أتباعه وتلاميذه على العاطفة وعلى الغيرة ولكن على غير بصيرة. وهذا نقْص، وخلل شديد، تكون له آثاره السيئة فيما بعد
-ولو أرضى العواطف الإيمانية أول الأمر- وقد قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿قُل هَذِهِ سَبِيلِي أُدعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيْرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبعَني﴾ ١.
فإذا كانت الدعوة واجبة، فإن الواجب أن تكون على بصيرة وعلى فقه وفهم ووعي. وبذلك الفهم والفقه ينبغي أن يكون الداعية أول مَنْ يَعْتني.
وينبغي أن يكون العِلْم هو الأساس الذي تُبنى عليه الدعوة، بل العلم شرط للقول والعمل.
ولهذا قال الإمام البخاري: العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلم أنَّه لا إِلهَ إلاّ الله﴾ ٢. فبدأ بالعلم. وإن العلماء هم ورثة الأنبياء. ورّثوا العلم، مَنْ أَخَذَه أخذ بحظ وافر. ومَنْ سلك طريقاً يَطْلب به عِلْماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة.
وقال جلّ ذكره: ﴿ ... إنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ﴾ ٣.
وقال: ﴿ ... وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُون﴾ ٤.
وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصحابِ السَّعير﴾ ٥.
стр. 144
وقال : ﴿ ... هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : "مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقّهْه في الدين" ٢. "وإنما العلم بالتعلّم" ٣.
وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حكماء فقهاء علماء٤.
стр. 145
ولم يفتأ النبي ﷺ يدعو إلى التعليم والتعلّم وإلى الفقه في الدين، وأقوالُه وسيرتُه تشهد بذلك.