← Акыда

Акыда · id 11195

دعوة إلى السنة في تطبيق السنة منهجا وأسلوبا

عبد الله الرحيلي

Полный текст (202 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٥ الدعوة إلى الفقه في الدين، والتربية عليه عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يُرِد الله به خيراً يفقّهْهُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ٢. ومن الأساليب النبوية في الدعوة: الدعوة إلى الفقه في الدين، والتدريب عليه.

стр. 142

إن هذا الحديث تربيةٌ على الفقه في الدين، ودعوة للفقه في الدين، فما أحرى المسلم أن يقف عند معنى هذه التربية، وهذه الدعوة: "مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقّهْهُ في الدين". إنه ينبغي للمسلم أن يسائل نفسه: ماذا يفقه من دينه؟ والفقه شيء نفيس ليس هو الحفظ، بل الحفظ شيء آخر، ولهذا قال ﷺ : "ليبلِّغ الشاهد الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يُبلِّغ من هو أوعى له منه" ١. والداعية إلى الإسلام هو أَولى المسلمين بالفقه في الدين، حتى يدعو إليه على بصيرة، ويعرف إلى ماذا يدعو الناس؟ وكيف يدعو الناس؟ وما هي الأولويات؟ وهل يتدرج في الدعوة؟ وأيّ أسلوب يعتمد في دعوته؟ فما أحوجه إلى أن يتعرف: هل رُزِق الفقه في الدين؟. ما أكثر مَنْ يُحْسن الظن بنفسه، وهو لا يتجاوز وظيفة الحفظ فقط، وما أكثر مَنْ لا يعرف الفقه أصلاً، ولا يظنه غير الحفظ، أوْ لا يعرف الفقه إلا التمذهب بمذهب أحد الأئمة أو قراءة عبارات الفقهاء وحفظ آرائهم. وما أحوج الداعية إلى أن يسلك هذا الأسلوب النبويّ في التربية على الفقه في الدين، فبالفقه يكون الخير للإنسان وللمجتمع. وكثير من الدعاة قد يَجْمع الناسَ على عواطف فقط، قد تكون طيبة ولكنها لا تكفي، ولكنها ليست هي نصوص الدين، ولكنها ليست هي

стр. 143

مقاصد الدين كلها، ويُربّي أتباعه وتلاميذه على العاطفة وعلى الغيرة ولكن على غير بصيرة. وهذا نقْص، وخلل شديد، تكون له آثاره السيئة فيما بعد -ولو أرضى العواطف الإيمانية أول الأمر- وقد قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿قُل هَذِهِ سَبِيلِي أُدعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيْرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبعَني﴾ ١. فإذا كانت الدعوة واجبة، فإن الواجب أن تكون على بصيرة وعلى فقه وفهم ووعي. وبذلك الفهم والفقه ينبغي أن يكون الداعية أول مَنْ يَعْتني. وينبغي أن يكون العِلْم هو الأساس الذي تُبنى عليه الدعوة، بل العلم شرط للقول والعمل. ولهذا قال الإمام البخاري: العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلم أنَّه لا إِلهَ إلاّ الله﴾ ٢. فبدأ بالعلم. وإن العلماء هم ورثة الأنبياء. ورّثوا العلم، مَنْ أَخَذَه أخذ بحظ وافر. ومَنْ سلك طريقاً يَطْلب به عِلْماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة. وقال جلّ ذكره: ﴿ ... إنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ﴾ ٣. وقال: ﴿ ... وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُون﴾ ٤. وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصحابِ السَّعير﴾ ٥.

стр. 144

وقال : ﴿ ... هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ ١. وقال النبي ﷺ : "مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقّهْه في الدين" ٢. "وإنما العلم بالتعلّم" ٣. وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حكماء فقهاء علماء٤.

стр. 145

ولم يفتأ النبي ﷺ يدعو إلى التعليم والتعلّم وإلى الفقه في الدين، وأقوالُه وسيرتُه تشهد بذلك.

стр. 146

المبحث السادس: مذهب أهل السنة والجماعة في خلاف الأمة في العبادات مدخل ... مذهب أهل السنّة والجماعة في خلاف الأمة في العبادات توطئة: كَتَبَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضوع رسالة نفيسة١، ينبغي أن تُقرأ في سبيل تَصوُّرِ منهجِ الإسلام في مثل هذا القضايا المهمة؛ فأحببت نقل خلاصةٍ لها هنا٢، نظراً لأهميتها، ونظراً لموافقتها لهذا الموضوع الذي أَعْرضه، وكذلك نقلت بعض المعاني من رسالته الأخرى التي عنوانها: قاعدة في توحّد الملّة وتعدّد الشرائع وتنوعّها، وتوحّد الدّين المليّ دون الشرعي٣، كما نقلت هنا في البداية شيئاً مِن أسباب الخلاف مِن رسالته الأخرى: رفْع الملام عن الأئمة الأعلام.

стр. 147

وقد تصرّفتُ في العبارات في كثيرٍ مِن الأحيان، مع المحافظة على المعنى، وحافظتُ في أحيانٍ كثيرة أيضاً على العبارات، كما زدتُ بعض المعاني للربط أو للتوضيح فقط؛ فَجُلُّ الكلام كلامه إلا ما ندَر، وقد تصرَّفت في كلامه بالتقديم والتأخير والحذف إذا كان الكلام استطراداً أو فيه غموضٌ على القاريء، واعتنيتُ في هذا النقل بعلامات الترقيم، والتفقير وإحالة الآيات والأحاديث، وتصويب الأخطاء المطبعية دون الانشغال أو الإشغال بالتنبيه عليها. وتبقى كلٌ مِن الرسالتين مرجعاً لمن أراد التأكد أو الاستزادة، وإن كنت قد نقلتُ جُلَّ ما فيهما. ومما دعاني إلى هذا التصرّف في عبارات الشيخ، رحمه الله تعالى، ما رأيته مِن صعوبةٍ في ترتيب كلام الشيخ، وذلك بسبب كثرة الاستطرادات، وصعوبة الأسلوب على كثيرٍ مِن القرّاء في زماننا هذا. مدخلٌ إلى الموضوع: حصَلَ بين الأمّة خلافٌ في صفات العبادات الظاهرة، مثل: الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر، والتسليم في الصلاة، ورفع الأيدي فيها، ووضع الأكفّ فوق الأكف، ومثل التمتعِ والإفراد والقِران في الحج، ونحو ذلك. وهذا الخلاف مبنيٌّ على الرواية أو على الرأي. فالخلاف المبنيّ على الرواية راجعٌ إلى أسبابٍ، والخلاف المبنيّ على الرأي راجعٌ إلى أسبابٍ.

стр. 148

وقد تحدَّث شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عن هذا الموضوع في رسالةٍ أخرى قيّمةٍ جديرة بالقراءة، وهي "رفْع الملام عن الأئمة الأعلام"؛ لعل مِن المناسب في هذا المدخل إيراد ما يهمنا منها؛ فمما قال فيها، محدِّداً لأسباب الخلاف هذه، قوله: وبعد: فيجب على المسلمين -بعد موالاة الله تعالى ورسوله ﷺ موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصاً العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم. يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. إذ كل أمة -قبل مبعث نبينا محمد ﷺ فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول ﷺ في أمته. والمُحْيُونَ لِمَا مات من سنته. بهم قام الكتاب، وبه قاموا. وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. وليعلم: أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاماً- يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، وعلى أن "كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ "، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيح بخلافه، فلابد أن يكون له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.

стр. 149

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة -ثم ذكرها الإمام- ومنها ما يلي١: ?- أن لا يكون الحديث قد بلغه. - أن يكون الحديث قد بَلَغه لكنه لم يَثْبت عنده. - اعتقاد ضعف الحديث باجتهادٍ قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر ... - اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطاً يخالفه فيها غيره. - أن يكون الحديث قد بلغه، وثبت عنده، لكن نسيه. - عدم معرفته بدلالة الحديث. - اعتقاده أن لا دلالة في الحديث. - اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلّ على أنها ليست مراده. - اعتقاده أن الحديث معارَض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله -إن كان قابلاً للتأويل- بما يصلح أن يكون معارِضاً بالاتفاق؛ مثل آية أو حديث آخر، أو إجماع. وتحدّث الإمام ابن تيمية عن السبب الأول فقال:

стр. 150

السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه. ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلّف أن يكون عالماً بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه -وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية، أو حديثٍ آخر، أو بموجب قياس، أو موجب استصحاب - فقد يوافق ذلك الحديث مرةً، ويخالفه أخرى. وهذا السبب: هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة. وقد كان النبي ﷺ يُحدِّثُ، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل الشيء، فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً، ويُبَلِّغه أولئك -أو بعضهم- لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر: قد يحدِّث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئاً، ويشهده بعض من كان غائباً عن ذلك المجلس، ويبلّغونه لمن أمكنهم. فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء. وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومَن بعدهم بكثرة العلم، أو جودته. وأما إحاطةُ واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط١. وقال: فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كلَّ واحد من الأئمة، أو

стр. 151

إماماً مُعَيّناً؛ فهو مخطئ خطأً فاحشاً قبيحاً. ولا يقولَنَّ قائل: إن الأحاديث قد دُوِّنت وجُمعت، فخفاؤها -والحال هذه- بعيد. لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جُمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ﵏. ومع هذا فلا يجوز أن يُدَّعى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة. ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ ، فليس كلُّ ما في الكتب يعلمه العالم. ولا يكاد ذلك يحصل لأحد. بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها. بل الذين كانوا قبلَ جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير. لأن كثيراً مما بلغهم -وصحَّ عندهم- قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية. فلقد كانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية١. وختم هذا الموضوع بقوله: فلا بد أن نؤمن بالكتاب كله. ونتبع ما أُنزل إلينا من ربنا جميعه، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض. ولا تلين قلوبنا لاتِّباع بعض السنة، وتَنْفِر

стр. 152

عن قبول بعضها بحسب العادات والأهواء؛ فإن هذا خروج عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين١. ومِن أوسعِ أبواب الخلافات بين العلماء الخلاف في فهم الرواية ومدلولها. وفيما يلي حديثٌ عن طبيعة هذا الخلاف في العبادات الظاهرة، وبيان مؤدَّاهُ عند الأئمة، وبيان المنهج الصحيح في التعامل مع هذا الخلاف، وسيكون الحديث عن هذا وفق العناصر التالية: - اجتماع الكلمة ومكانته في الإسلام. - الآثار السيئة للتنازع والاختلاف. - أنواع الفساد المترتبة على الخلاف. - طريق العصمة من الفُرقة هو الاعتصام بالأصلين. - الأصل الأول: الاعتصام بالجماعة. - أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة. - الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة. - أمثلةٌ على تطبيقات هذا الأصل. - ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز. - اختلاف التنوع في الأعمال المشروعة. - المفاضلة بين الأعمال.

стр. 153

- الاختلاف الذي أقرِّوا عليه وساغ لهم العمل به.

стр. 154

اجتماع الكلمة ومكانته في الاسلم * ... مثل قوله: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة" ١. وقوله: "فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" ٢. وقوله: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه؛ فإن من فارق الجماعة قِيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ٣. وقوله: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول تَحْلق الشَّعْر ولكن تَحْلق الدين" ٤.

стр. 155

وقوله: "من جاءكم وأَمْركم على رجل واحد منكم، يريد أن يُفرّق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً مَنْ كان" ١. وقوله: "يُصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أَخطؤوا فلكم وعليهم" ٢. وقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرقة، منها واحدة ناجية، واثنتان وسبعون في النار" -قيل: ومَن الفِرقة الناجية؟ قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة" ٣. وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها، هو: التفرق والاختلاف فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم، وإنْ كان بعض ذلك مغفوراً لصاحبه، لاجتهاده الذي يُغْفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو لغير ذلك. لكن يُعْلم أنّ رعايته من أعظم أصول الإسلام. ولهذا كان امتياز أهل

стр. 156

النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة والجماعة، ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره. وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو: "الإجماع" فإن الله لا يَجْمع هذه الأمة على ضلالة. ومِن الناس مَن يُخالف أهل السنّة والجماعة وهدْي هذا الدين؛ متعللاً بما ورد عنهم مِن الخلاف في تلك المسائل، كالروافض والمعتزلة، ونحوهم، ممن ينتحل القياس والعقل، ويَطعن في كثير مما ينقله أهل السنّة والجماعة، ويعللون ذلك بما ذُكِر من الاختلاف ونحوه، وربما جَعل ذلك بعضُ أرباب الملة من أسباب الطعن فيها وفي أهلها، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه الأمور الصغار ساعياً في هدم قواعد الإسلام الكبار. وبهذا يتبين مكانة اجتماع الكلمة على الهدى والدين مِن خلال نصوص الدين ومقاصده، ويتبين أن مادّة الاجتماع هي التي جاء بها هذا الدين، لا الافتراق؛ وأيُّ شيء يَجمع الكلمة أعظم مِن هذا الذي جاء به الإسلام، وأمرَ به: إذا كان الله تعالى: - قد أمرنا بطاعته، وطاعة رسوله، وأولي الأمر منّا. - وأمرنا عند التنازع في شيء أن نرده إلى الله وإلى الرسول. - وأمرنا بالاجتماع والائتلاف. - ونهانا عن التفرق، والاختلاف.

стр. 157

- وأمرنا أن نستغفر لمن سبقنا بالإيمان. - وسمّانا المسلمين. - وأمرنا أن ندوم عليه إلى الممات. فهذه النصوص، وما كان في معناها، توجب علينا الاجتماع في الدين، كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين. وولاةُ الأمور فينا هم خلفاء الرسول. قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، ويكثرون"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أوفوا بيعة الأول فالأول، وأَدّوا لهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" ١. وقال أيضاً: "العلماء ورثة الأنبياء" ٢. ورُوي عنه أنه قال: "وددت أني قد رأيت خلفائي". قالوا: ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يحيون سنتي، يعلمونها الناس" ٣؛ فهؤلاء هم ولاة

стр. 158

الأمر بعده، وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسّرها السلف ومَنْ تبعهم من الأئمة، كالإمام أحمد وغيره، وهو ظاهرٌ، قد قررناه في غير هذا الموضع.

стр. 159

الآثار السيئة للتنازع والاختلاف: كانت الخلافات الفقهية بين الأئمة مبنيةً على أدلةٍ ترجع إلى الرواية أو الرأي، وعلى قواعد وأصولٍ علمية في الاستدلال. وجميعهم متفقون على طلب الحق بدليله، والحفاظ على كيان الإسلام وأهله، وهُمْ-بهذه الرغبة، وهذه الغاية-متفقون غير مختلفين؛ لأنّ غايتهم واحدة على أيّ حالٍ، سواء اتفقوا في الرأي الفقهيّ أو اختلفوا. وعلى الرغم مِن هذا إلا أنّ مَن جاء بعدهم، ممن خفيت عليه هذه الحقيقة مِن أتباعهم قد خالف هذا المنهج، بسبب تعصّبه لمتبوعه، وغلوّه فيه، واتخاذه

стр. 160

مقياساً له دائما في تمييز الحق والصواب. وبهذا المسلك استحكمت في بعض الناس ظاهرة التعصب والغلوّ، وأصبح بعض الناس يتعامل مع ظاهرة الخلافات الفقهية تعاملاً غير فقيه، وأصبح بعضهم يتجاوز الحق إذا جاء على لسان المخالف له؛ وحصلت-بسبب هذا التنازع والخلاف في العبادات الظاهرة والشعائر-أنواعٌ مِن الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون.

стр. 161

أنواع الفساد المترتبة على الخلاف: وأهم أنواع الفساد المترتبة على هذا الخلاف ما يلي: أحدها: جهْل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون، الذي يحبه الله ورسوله، والذي سنّه رسول الله ﷺ لأمّته، والذي أمرهم باتباعه. الثاني: ظلْم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض، وبغيهم عليهم: تارة بنهْيهم عمّا لم ينه الله عنه. وبغْضهم على ما لم يبغضهم الله عليه. وتارة بترك ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم، لعدم موافقتهم لهم على الوجه الذي يؤثرونه، حتى إنهم يُقَدِّمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات مَنْ يكون مؤخَّراً عند الله، ورسوله، ويَتْركون من يكون مقدَّماً عند الله ورسوله لذلك١.

стр. 162

الثالث: اتّباع الظن وما تهوى النفس، حتى يصير كثير منهم متديِّناً باتّباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن أهل السنّة والجماعة، كالخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم. وقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَلاَ تَتَّبِع الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ١. وقال في كتابه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. الرابع: التفرّق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف، حتى يصير بعضهم يبغض بعضاً ويعاديه، ويحب بعضاً ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض٣. وهذا كله من أعظم الأمور التي حرّمها الله ورسوله. وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنّة التي شرعها

стр. 163

رسول الله ﷺ لأمته، ومِنْ أهل الفُرْقة بالفُرْقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها رسوله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ في شَيءٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَة، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَآتَيناهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَومَ الْقِيَامَة﴾ ٦.

стр. 164

النوع الخامس: هو شكُّ كثير من الناس وطعْنهم في كثير مما أهلُ السنّة والجماعة عليه متفقون، بل وفي بعض ما عليه أهل الإسلام، بل وبعض ما عليه سائر أهل الملل متفقون، وذلك: - من جهة نقلهم وروايتهم تارة. - ومن جهة تنازعهم ورأيهم أخرى. أما الذي مِن جهة النقل والرواية: فقد عُلِم أن الله حفظ هذا الدين، كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظَون﴾ ١؛ فحفظ الله الذكر الذي أنزله على رسوله. وأَمرَ أزواجَ نبيه بذكْره، أي بأن يَذكرنَهُ، حيث يقول: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَة﴾ ٢. وحَفِظه من أن يقع فيه من التحريف ما وقع فيما أَنزل قبله. كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة. فعصم حروف التنزيل أن تُغَيَّر. وحفظ تأويله أن يَضِلّ فيه أهل الهدى المتمسكون بالسنّة والجماعة. وحفظ أيضاً سنّة رسول الله ﷺ عما ليس فيها، من الكذب عمداً أو خطأ، بما أقامه من علماء أهل الحديث وحفّاظه الذين فحصوا عنها وعن

стр. 165

نَقَلَتِها ورواتها، وعلموا من ذلك ما لا يعلم غيرهم، حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول منها إجماعاً معصوماً من الخطأ، لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع، وعلموا، هم خصوصاً، وسائر علماء الأمة، بل وعامتها، عموماً ما صانوا به الدّين عن أن يزاد فيه أو ينقص منه مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس، وأن مقادير ركعاتها ما بين الثنائي، والثلاثي، والرباعي، وأنه لم يفرض عليهم من الصوم إلا شهر رمضان، ومن الحج إلا حج البيت العتيق، ومن الزكاة إلا فرائضها المعروفة، إلى نحو ذلك. وعلموا كَذِبَ أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن النبي ﷺ لعلْمهم بكذب من يَنْقل عنه نقلاً واضح الكذب؛ إمّا لمعارضته للأمر المنقول الصحيح عنه ﷺ ، أو لكونه مما تتوافر الدواعي لتواتر نقْله عنه، لو كان صحيحاً١.

стр. 166

طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة مدخل ... طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة: إذا تَبَيّنَ بعضُ ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد، فنحن نذكر طريق زوال ذلك، ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات. وذلك ببيان الأصلين اللذين هما: السنّة والجماعة. المدلول عليهما بكتاب الله فإنه إذا اتُّبِعَ كتاب الله، وما تضمنه من اتّباع رسوله، والاعتصام بحبله جميعاً، حصل الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء.

стр. 167

الأصل الأوّل: الاعتصام بالجماعة: أمّا الأصل الأول وهو الجماعة -وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق؛ ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنّة- فنقول:

стр. 168

يتبيَّنُ هذا الأصل بتطبيق القواعد التالية: - القاعدة الأُولى: غالبُ الخلاف إنما هو في أمور مستحبة ومكروهة: عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات، لا في واجبات ومحرمات. فهذه قاعدة بها يتوصّل الباحث عن طريق النجاة في هذا الأمر إلى فهْم حقيقة الخلاف الوارد عن الأئمة في أبواب الفقه. أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة: المثال الأول: الرجل إذا حج متمتعاً أو مفرداً أو قارناً كان حجه مُجْزئاً عند عامة علماء المسلمين. وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك١. المثال الثاني: الأذان، سواء رجّع فيه أو لم يرجّع، فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وسواء ربّع التكبير في أوله أو ثنّاه، وإنما يُخالِف في ذلك بعض شواذ المتفقهة، كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة بـ:"حي على خير العمل". المثال الثالث: الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية، بأيتها أقام صحت إقامته عند عامة

стр. 169

علماء الإسلام، إلا ما تنازع فيه شذوذ الناس. المثال الرابع: الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز، لا يبطل الصلاة، وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما، أو يكره الآخر، أو يختار أن لا يقرأ بها. فالمنازعة بينهم في المستحب، وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عامة العلماء، فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما: هل هما واجبان أم لا؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فهذا في الجهر الطويل بالقدر الكثير، مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر. فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة بذلك، وما أعلم أحداً قال به، فقد ثبت في الصحيحين١ عن النبي ﷺ أنه كان في صلاة المخافتة يُسمعهم الآية أحياناً٢.

стр. 170

وأيضاً فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن الزبير ونحوه، ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره، وتكلم الصحابة في ذلك ولم يُبطِل أحدٌ منهم صلاةَ أحدٍ في ذلك، وهذا مما لم أعلم فيه نزاعاً، وإن تنازعوا في وجوب قراءتها، فتلك مسألة أخرى. المثال الخامس: القنوت في الفجر، إنما النزاع بينهم في استحبابه، أو كراهيته وسجودِ السهو لتركه، أو فعله، وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة مَنْ ترك القنوت، وأنه ليس بواجب، وكذلك مَنْ فَعلَه إذْ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا الموضع، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء فيما أعلم. المثال السادس: القنوت في الوتر هل هو في جميع الحول أو النصف الآخر من رمضان؟ إنما هو في الاستحباب، إذ لا نزاع أنه لا يجب القنوت، ولا تبطل الصلاة به،

стр. 171

وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده. المثال السابع: تكبيرات العيد الزوائد، إنما النزاع في المستحب منها، وإلاّ فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله. المثال الثامن: أنواع الألفاظ في التشهد كلها جائز، ما أعلم في ذلك خلافاً، إلاّ خلافاً شاذّاً، وإنما النزاع في المستحب. المثال التاسع: أنواع الاستفتاح في الصلاة. وأصل الاستفتاح، إنما النزاع في استحبابه، وفي أي الأنواع أفضل، والخلاف في وجوبه خلافٌ قليلٌ. - القاعدة الثانية: إذا كان خلافهم إنما هو في الاستحباب عُلِم اجتماعهم على الجواز: وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِم الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن، فإن جميعها جائز، وإن كان من الناس من يختار بعض القراءات على بعض. وبهذا يزول الفساد المتقدم فإنه إذا عُلِم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة، لم يكن النزاع في الاختيار ضاراً، بل قد يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها.

стр. 172

ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يُظْلم مَنْ يختار المفضول، ولا يُذَمّ، ولا يُعاب، بإجماع المسلمين. بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين. - القاعدة الثالثة: لا يجوز أن يُعْطَى الحُكم الفرعيّ فوق حقه، ولا أن يُنْقَصَ عنه: ولا يجوز التفرّق بذلك بين الأمة. ولا أن يُعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون مَنْ أتى بغير ذلك المستحب من أمورٍ أخرى واجبة ومستحبة أفضلَ بكثير. ولا يجوز أن تُجعل المستحبات بمنزلة الواجبات، بحيث يمتنع الرجل مِنْ تركها، وَيَرى أنه قد خرج من دينه، أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون تَرْك المستحبات لمعارضٍ راجح أفضلَ من فعلها، بل الواجبات كذلك. - القاعدة الرابعة: مراعاة ائتلاف القلوب يُقَدَّم على بعض المستحبات: ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسناً، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب. وقد أخرجا في الصحيحين١ عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت

стр. 173

لها باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه". وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يَتْرك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعاً لنفرتها. ولهذا نصّ الإمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة. قال القاضي لأن أهلها إذْ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها للتأليف وليعْلِمَهم أنه يُقرأ بها، وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرءونها بحال فيجهر بها ليعْلِمَهم أنه يُقْرأ بها، وأن قراءتها سنّة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع وإجزائه عُلِم أنه داخل في المشروع، فالتنازع في الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات، وبعض العبادات، وبعض العلماء ونحو ذلك، بل قد أمر النبي ﷺ كُلاًّ من القرّاء أن يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمَنْ خالف في ذلك كان ممن ذمّه الله ورسوله، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك.

стр. 174

الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة: وأما الأصل الثاني: فنقول: السنّة المحفوظة عن النبي ﷺ فيها من السعة والخير ما يزول به الحرج، وإنما وقعت الشبهة لإشكال بعض ذلك على بعض الناس.

стр. 175

أمثلة على تطبيقات هذا الأصل: المثال الأول: الأذان فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ سنّ في الإقامة الإيتار والشفع، ففي الصحيحين١: أنه أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وفي صحيح مسلم٢: أنه علّم أبا محذورة الإقامة مثنى مثنى، مثل الأذان، فإذا كان كل واحد من مؤذني رسول الله ﷺ قد أمره النبي ﷺ بأحد النوعين، صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف آخر، وكلاهما قرآن أَذِنَ الله أن يُقْرأ به. وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في أذان أبي محذورة، وهو محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن. المثال الثاني: الجهر بالبسملة والمخافتة بها، صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة بها عن أكثرهم، وعن بعضهم الأمران جميعاً. وأما المأثور عن النبي ﷺ فالذي في الصحاح والسنن يقتضي أنه لم يكن يجهرُ بها، كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته.

стр. 176

ففي الصحيح١ حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بيّنة لا شبهة فيها. وفي السنن أحاديث أُخَرُ مثل حديث ابن مغفَّل وغيره. وليس في الصحاح والسنن حديثٌ فيه ذكْرُ جهْرِهِ بها. والأحاديث المصرِّحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لم يخرِّجوا في أمهات الدواوين منها شيئاً. ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة، وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يجهر بها إذ كان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات، ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وهذا يناسب الواقع، فإن الغالب على أهل مكة كان الجهرَ بها، وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها، وكذلك أكثر البصريين، وبعضهم كان يجهر بها، ولهذا سألوا أنساً عن ذلك. ولعلّ النبي ﷺ كان يجهر بها بعض الأحيان أو جهراً خفيفاً، إذا كان ذلك محفوظاً، وإذا كان في كتب الحديث نفسها أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة.

стр. 177

المثال الثالث: القنوت، وأمْره بيّنٌ لا شبهة فيه عند التأمل التام. فإنه قد ثبت في الصحاح١ عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رُعَل وذَكْوان وعُصَيّة ثم تركه، ولم يكن ترْكه نسخاً له، لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر٢. وثبت عنه أنه قنت أيضاً في المغرب والعشاء، وسائر الصلوات، قنوت استنصار. فهذا في الجملة منقول ثابت عنه، لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تَرَكَه تَرْكَ نسخٍ، فاعتقد أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه مازال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا. والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قَنَتَ لسبب، وَتَرَكَه لزوال السبب، فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب، لأنه ثبت أنه تركه لَمّا زال العارض، وثبت في الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، هكذا ثبت عن أنس وغيره، ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه -وهو القنوت الدائم في الصبح- لا قبل الركوع ولا بعده، ولا في كتب الصحاح والسنن شيء من ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك

стр. 178

الأشجعي وغيرهما. ومن المعلوم قطعاً أن الرسول ﷺ لو كان كل يوم يقنت قنوتاً يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة؛ فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض، وقنوت الوتر؛ فالقنوت الراتب أولى أن يُنْقل دعاؤه فيه، فإذا كان الذي يستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر، عُلِم أنه ليس فيه شيء عن النبي ﷺ . وهذا مما يُعْلم باليقين القطعي كما يُعْلم عدم النص على هذا وأمثاله، فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نَقْلَ ذلك، فإنه مما يُعْلم بطلانه قطعاً. ولذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعليّ وغيرهما هو القنوت العارض، قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب ... إلخ، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى، وكذلك دعاء عليّ عند قتاله لبعض أهل القبلة، والحديث الذي فيه عن أنس أنه لم يَزَلْ يَقْنُت حتى فارق الدنيا مع ضعف في إسناده، وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع. وفي الصحاح عن أنس أنه قال: لم يقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع إلا شهراً. والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل، إذْ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة، فتارة يكون في السجود، وتارة يكون في القيام.

стр. 179

المثال الرابع: كيفيّة حجّة الوداع، فإنها وإن اشتبهت على كثير من الناس، فإنما أُتوا من جهة الألفاظ المشتركة، حيث سمعوا بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضاً يقولون: إنه أفرد الحج، ويقول بعضهم: إنه قرن العمرة إلى الحج. ولا خلاف في ذلك؛ فإنهم لم يختلفوا أن النبي ﷺ لم يحل من إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي، ونحره يوم النحر، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام، لا هو ولا أحد من أصحابه، إلا عائشة أمر أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم أدنى الحِلّ. وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه، فيها أنه لم يَطُفْ بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول. فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج، لم يَقْرِن بها عمل العمرة كما يَتَوهم مَنْ يقول: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، ولم يتمتع تمتعاً حَلّ به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي، بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، ويُهِلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم".

стр. 180

ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز: يختلف الخلاف بحسب المسائل التي فيها الخلاف: أ- فالأصول الثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام
следующие страницы →