ففي الصحيح١ حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بيّنة لا شبهة فيها.
وفي السنن أحاديث أُخَرُ مثل حديث ابن مغفَّل وغيره.
وليس في الصحاح والسنن حديثٌ فيه ذكْرُ جهْرِهِ بها.
والأحاديث المصرِّحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لم يخرِّجوا في أمهات الدواوين منها شيئاً.
ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة، وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يجهر بها إذ كان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات، ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وهذا يناسب الواقع، فإن الغالب على أهل مكة كان الجهرَ بها، وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها، وكذلك أكثر البصريين، وبعضهم كان يجهر بها، ولهذا سألوا أنساً عن ذلك.
ولعلّ النبي ﷺ كان يجهر بها بعض الأحيان أو جهراً خفيفاً، إذا كان ذلك محفوظاً، وإذا كان في كتب الحديث نفسها أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة.
стр. 177
المثال الثالث:
القنوت، وأمْره بيّنٌ لا شبهة فيه عند التأمل التام.
فإنه قد ثبت في الصحاح١ عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رُعَل وذَكْوان وعُصَيّة ثم تركه، ولم يكن ترْكه نسخاً له، لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر٢. وثبت عنه أنه قنت أيضاً في المغرب والعشاء، وسائر الصلوات، قنوت استنصار.
فهذا في الجملة منقول ثابت عنه، لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تَرَكَه تَرْكَ نسخٍ، فاعتقد أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه مازال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا.
والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قَنَتَ لسبب، وَتَرَكَه لزوال السبب، فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب، لأنه ثبت أنه تركه لَمّا زال العارض، وثبت في الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، هكذا ثبت عن أنس وغيره، ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه -وهو القنوت الدائم في الصبح- لا قبل الركوع ولا بعده، ولا في كتب الصحاح والسنن شيء من ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك
стр. 178
الأشجعي وغيرهما.
ومن المعلوم قطعاً أن الرسول ﷺ لو كان كل يوم يقنت قنوتاً يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة؛ فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض، وقنوت الوتر؛ فالقنوت الراتب أولى أن يُنْقل دعاؤه فيه، فإذا كان الذي يستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر، عُلِم أنه ليس فيه شيء عن النبي ﷺ .
وهذا مما يُعْلم باليقين القطعي كما يُعْلم عدم النص على هذا وأمثاله، فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نَقْلَ ذلك، فإنه مما يُعْلم بطلانه قطعاً.
ولذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعليّ وغيرهما هو القنوت العارض، قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب ... إلخ، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى، وكذلك دعاء عليّ عند قتاله لبعض أهل القبلة، والحديث الذي فيه عن أنس أنه لم يَزَلْ يَقْنُت حتى فارق الدنيا مع ضعف في إسناده، وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع.
وفي الصحاح عن أنس أنه قال: لم يقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع إلا شهراً.
والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل، إذْ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة، فتارة يكون في السجود، وتارة يكون في القيام.
стр. 179
المثال الرابع:
كيفيّة حجّة الوداع، فإنها وإن اشتبهت على كثير من الناس، فإنما أُتوا من جهة الألفاظ المشتركة، حيث سمعوا بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضاً يقولون: إنه أفرد الحج، ويقول بعضهم: إنه قرن العمرة إلى الحج. ولا خلاف في ذلك؛ فإنهم لم يختلفوا أن النبي ﷺ لم يحل من إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي، ونحره يوم النحر، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام، لا هو ولا أحد من أصحابه، إلا عائشة أمر أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم أدنى الحِلّ.
وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه، فيها أنه لم يَطُفْ بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول.
فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج، لم يَقْرِن بها عمل العمرة كما يَتَوهم مَنْ يقول: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، ولم يتمتع تمتعاً حَلّ به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي، بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، ويُهِلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم".
стр. 180
ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز:
يختلف الخلاف بحسب المسائل التي فيها الخلاف:
أ- فالأصول الثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام
стр. 181
المحض، وهم أهل السنّة والجماعة.
ب- وما تنوّعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة، فهو بمنزلة ما تنوّعت فيه الأنبياء.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللهِ نُوْرٌ وَكِتَابٌ مُبينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ٢.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٣.
стр. 182
اختلاف التنوُّع في الأعمال المشروعة:
والتنوع قد يكون في الوجوب تارة، وفي الاستحباب أخرى.
أمثلةُ التنوُّع في الواجبات:
فتنوُّعهم في الواجبات مثل: وجوب الجهاد على قومٍ، وعلى قومٍ الزكاة، وعلى قومٍ تعليم العلم. وهذا يقع في فروض الأعيان، وفي فروض الكفايات.
أمثلةٌ لاختلاف التنوّع في فروض الأعيان:
ومِن ذلك:
- ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة، والجمعة، في مكانه مع أهل بقعته.
стр. 183
- ويجب عليه زكاة نوعِ ماله، بصرفه إلى مستحقه لجيران ماله.
- ويجب عليه استقبال الكعبة من ناحيته.
- والحج إلى بيت الله من طريقه.
- ويجب عليه بِرُّ والديه، وصِلَته ذوي رحمه.
- والإحسان إلى جيرانه، وأصحابه، وممالكيه، ورعيته.
- ونحو ذلك من الأمور التي تتنوع فيها أعيان الوجوب، وإن اشتركت الأمة في جنس الوجوب.
وتارة تتنوّع بالقُدْرة والعجز: كتنوّع صلاة المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والآمن والخائف.
أمثلةٌ لاختلاف التنوّع في فروض الكفايات:
وفروض الكفايات تتنوّع بتنوّع فروض الأعيان، ولها تنوّع يخصّها وهو أنها تتعيّن على من لم يَقُمْ بها غيرُهُ، فقد تتعين في وقتٍ ومكانٍ، وعلى شخص، أو طائفة، وفي وقت آخر، أو مكان آخر، على شخص آخر، أو طائفة أخرى، كما يقع مثل ذلك في الولايات، والجهاد، والفتيا، والقضاء، وغير ذلك.
وأما اختلاف التنوّع في الاستحباب فهو أبلغ، فإن كل تنوّع يقع في الوجوب، فإنه يقع مثله في المستحب، ويزداد المستحب بأنّ كل شخص إنما يُستحب له من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى- التي يقول الله فيها: "وما
стр. 184
يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" ١- ما يَقْدر عليه، ويفعله وينتفع به، والأفضل له من الأعمال ما كان أنفع له، وهذا يتنّوع تنوّعاً عظيماً.
فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقاً، إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل، ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه، وقد لا ينتفعون به بل قد يتضررون إذا طلبوه، مثل:
- من لا يمكنه فهم العلم الدقيق، إذا طلب ذلك فإنه قد يُفْسد عقله ودينه.
- أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر.
- أو لا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى.
- أو لا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه، والصبر على حقوقها.
ولهذا قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه : "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك" ٢.
стр. 185
وقال النبي ﷺ لأبي ذر لَمّا سأله الإمارة: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين ولا تَوَلّين مال يتيم" ١.
وروي عنه أنه قال للعباس عمه: "نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها" ٢.
стр. 186
المفاضلة بين الأعمال:
ولهذا إذا قلنا: هذا العمل أفضل، فهذا قول مُطْلَقٌ، ثم المفضول يكون أفضل في مكانه، ويكون أفضل لمن لا يَصْلح له الأفضل ٣. وهذه قاعدة عامّة ينبغي أن تحكَّمَ في باب المفاضلة بين الأعمال.
أمثلة على قاعدة المفاضلة هذه:
مِن الأمثلة على هذه القاعدة ما يلي:
أ- المفاضلة بين الذكْر وقراءة القرآن:
стр. 187
فقراءة القرآن أفضل من الذّكْر، بالنص والإجماع والاعتبار.
أما دلالة النص على أنه أفضل فقوله ﷺ : "أفضل الكلام بعد القرآن أربع "وهي من القرآن" سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ١.
وقوله ﷺ : "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" ٢.
وقوله عن الله: "مَنْ شغله قراءة القرآن عن ذِكْري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ٣.
وقوله: "ما تَقَرَّب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" ٤.
وقول الأعرابي له: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزيني في صلاتي فقال: "قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ٥.
стр. 188
وأما دلالة الإجماع على أنّ قراءة القرآن أفضل مِن الذكْر، فقد حكاه طائفة، ولا عبرة بخلاف جهال المتعبّدة.
وأما دلالة الاعتبار على أنّ قراءة القرآن أفضل مِن الذكْر: فإن الصلاة يجب فيها القراءة، فإنْ عجز عنها انتقل إلى الذكر، ولا يجزيه الذِّكرُ مع القدرة على القراءة، والمبدَل منه أفضلُ من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدَّل.
وأيضاً فالقراءة يشترط لها الطهارة الكبرى، كما يشترط للصلاة الطهارتان، والذِّكْر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى؛ فعُلِم أن أعلى أنواع ذكر الله هو الصلاة، ثم القراءة، ثم الذِّكْر المطْلَق، ثم الذِّكر في الركوعِ والسجودِ أفضل بالنص والإجماع من قراءة القرآن.
وكذلك كثير من العُبّاد١ قد يَنْتفع بالذكر في الابتداء ما لا يَنْتفع بالقراءة؛ إذ الذكر يعطيه إيماناً، والقرآن يُعْطيه العلم، وقد لا يفهمه، ويكون إلى الإيمان أحوج منه، لكونه في الابتداء. والقرآن مع الفهم لأهل الإيمان أفضل بالاتفاق.
فهذا وأمثاله يُشْبه تنوع شرائع الأنبياء فإنهم متفقون على أن الله أمر كلاً
стр. 189
منهم بالدين الجامع وإن تَعَبّدَهُ١ بتلك الشِّرْعة والمنهاج، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كلَّ مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به، إما إيجاباً وإما استحباباً، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم، ولا أخطأ أحد منهم، بل كلهم متفقون على ذلك يُصدِّق بعضهم بعضاً.
الاختلاف الذي أُقرِّوا عليه وساغ لهم العمل به:
وأما ما يشبه اختلاف التنوّع السابق ذكْره من وجه دون وجه٢، فهو ما تنازعوا فيه مما أُقِرُّوا عليه، وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك-فلم تُفرِّق بينهم تلك الخلافات-:
١- كاجتهاد الصحابة في قطع النية وتركها.
٢- واجتهادهم في صلاة العصر لَمَّا بعثهم النبي ﷺ إلى بني قريظة، وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم في الطريق في الوقت، وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة، وأَخّرها قوم إلى أن وصلوا
стр. 190
وصلّوها بعد الوقت، تمسكاً بظاهر لفظ العموم. فلم يُعَنِّف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين، وقال ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" ١.
٣- وقد اتفق الصحابة -في مسائل تنازعوا فيها- على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم. كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث والعطاء، والسياسة، وغير ذلك.
٤- وحَكَمَ عمر أول عام في الفريضة الحِماريّةِ٢ بعدم التشريك، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعةٍ مثل الأولى، ولَمَّا سئل عن ذلك قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي.
وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل، ولا ضلالة، ودلّ الكتاب والسنّة على وجوب متابعتهم٣.
стр. 191
٥- وتنازعوا في مسائل عِلْمية اعتقاديّة:
- كسماع الميت صوت الحي.
- وتعذيب الميت ببكاء أهله.
- ورؤية محمد ﷺ ربه قبل الموت.
وكان هذا الخلاف بينهم مع بقاء الجماعة والألفة!. وهو الأمر الذي يَغيب عن كثيرٍ مِن المختلفين فيما بينهم مِن المسلمين في زماننا هذا، ولكن نَعِيب زماننا والعيب فينا، نسأل الله أن يَهدينا!.
وهذه المسائل التي اختلفوا فيها:
أ - منها ما أحدُ القولين خطأ قطعاً.
ب- ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور -أتباع السلف-، والآخر مؤدٍّ لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه، وهل يُقال له مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع.
جـ- ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم في نفس الأمر.
د- ومذهب أهل السنّة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ، فهذا النوع-أي مِن اختلاف العلماء والأمراء مِن أهل السنّة والجماعة الاختلاف السائغ- يشبه النوع الأول-أي الأنبياء في شرائعهم- من وجه دون وجه.
стр. 192
أما وجه المخالفة: فلأن الأنبياء ﵈ معصومون من١ الإقرار على الخطأ، بخلاف الواحد من العلماء والأمراء، فإنه ليس معصوماً من ذلك؛ ولهذا يسوغ، بل يجب، أن نبين الحق الذي يجب اتِّباعُهُ، وإن كان فيه بيان خطأِ مَنْ أخطأ من العلماء والأمراء.
وأما الأنبياء فلا يُبَيِّنُ أحدُهما ما يُظْهر به خطأَ الآخر.
وأما المشابهة: فلأن كلاً مِن المجتهدين المختلفين مأمور باتباع ما بَانَ له من الحق بالدليل الشرعي كأمْر النبي ﷺ باتباع ما أوحي إليه، وليس لأحدهما أن يوجب على الآخر طاعته، كما ليس ذلك لأحد النبيين مع الآخر، وقد يظهر للمجتهد من الدليل ما كان خافياً عليه، فيكون انتقاله بالاجتهاد عن الاجتهاد، ويشبه النسخ في حق النبي، لكن هذا في حق المجتهد رفعٌ للاعتقاد، وذاك في حقِّ النبيّ رفعٌ للحكم حقيقةً، وعلى الأتباع اتّباع مَنْ وُلِّي أمرهم من الأمراء والعلماء فيما ساغ له اتّباعه وأُمر فيه باتّباع اجتهاده، كما على الأمة اتّباع أي نبيٍّ بُعث إليهم، وإن خالف شرعُه شرعَ الأول، لكنّ تَنَوّعَ الشروعِ لهؤلاء، وانتقاله، لم يكن لتنوّع نفس الأمر النازل على الرسول، ولكن لتنوّعِ أحوالهم، وهو إدراكُ هذا لما بلغه من الوحي سمعاً وعقلاً، وعجْز الآخر عن إدراك ذلك البلاغ، إما سمعاً لعدم تمكنه من سماع ذلك النص، وإما عقلاً لعدم فهمه لما فهمه الأول من النص، وإذا كان
стр. 193
عاجزاً سقط عنه الإثم فيما عجز عنه، وقد يتبين لأحدهما عجز الآخر وخطؤه ويعذره في ذلك، وقد لا يتبين له عجزه، وقد لا يتبين لكل منهما أيهما الذي أدرك الحق وأصابه؛ ولهذا امتنع مَن امتنع من تسمية مثل هذا خطأً؛ قال لأن التكليف مشروط بالقدرة؛ فما عُجِزَ عنه من العلم لم يكن حُكْمَ الله في حقّه، فلا يقال: أخطأه.
وأما الجمهور فَيقولون: أخطأ، كما دلت عليه السنّة والإجماع، لكن خطؤه معذور فيه، وهو معنى قوله: عجز عن إدراكه وعلمه. لكن هذا لا يمنع أن يكون ذاك هو مراد الله ومأموره -فإنّ عجْز الإنسان عن فهم كلام العالم لا يمنع أن يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى- وأن يكون الذي فهمه هو المصيب الذي له الأجران.
ولهذا تنازعَ أصحابنا فيمن لم يُصِب الحكم الباطن، هل يقال: إنه مصيب في الظاهر لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاده١، أوْ لا يطلق عليه اسم الإصابة بحالٍ، وإن كان له أجرٌ على اجتهاده وقصده الحق؟. على قولين: هما روايتان عن أحمد؛ وذلك لأنه لم يُصِب الحكم الباطن، ولكن قَصَدَ الحق، وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به؟.
التحقيق أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه، فهو مصيب من هذا الوجه، من جهة المأمور المقدور، وإن لم يكن مصيباً من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق.
стр. 194
يوضح ذلك أن السلطان نوعان:
١- سلطان الحجة والعلم، وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطاناً، حتى روي عن ابن عباس، أن كل سلطان في القرآن فهو الحجة.
٢- الثاني: سلطان القدرة.
والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين، فإذا ضَعُف سلطان الحجة كان الأمر بقدْرِه، وإذا ضَعُفَ سلطان القدرة كان الأمر بحَسَبِه،، والأمر مشروط بالقدرة على السلطانين، فالإثم ينتفي عن الأمر بالعجز عن كل منهما، وسلطان الله في العلم هو الرسالة، وهو حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٢.
وقال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ٣، ونظائره متعددة:
أمثلةٌ ونظائر لهذا الاتفاق وهذا الاختلاف:
ومِن أمثلة هذا ما يلي:
أ - اختلاف المذاهب والطرائق.
стр. 195
ب - اختلاف العبادات والتوجهات.
جـ - اختلاف المسالك العلمية.
أ - اختلاف المذاهب والطرائق:
فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء، إذا قصدوا بها وجْه الله تعالى، دون الأهواء؛ ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع، الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أُنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنّة بحسب الإمكان، بعد الاجتهاد التام، هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء، وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له، وهو الدين الأصلي الجامع، كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له، ويثابون على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لأنه من شرعة رسوله ومنهاجه، كما يثاب كل نبي على طاعة الله في شرعه ومنهاجه، ويتنوّع شرعهم ومنهاجهم مثل أن يَبْلُغَ أحدَهم الأحاديثُ بألفاظ غير الألفاظ التي بلغت الآخر، وتُفَسّر له بعض آيات القرآن بتفسير يخالف لفظُه لفظَ التفسير الآخر، ويتصرف في الجمع بين النصوص واستخراج الأحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع الذي سلكه غيره.
ب - اختلاف العبادات والتوجهات:
وكذلك في عباداته وتوجهاته قد يتمسك هذا بآية أو حديث، وهذا بحديث أو آية أخرى.
стр. 196
جـ - اختلاف المسالك العلمية:
وكذلك في العلم: من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالِم، فتكون هي شرعهم، حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته، فيرجح الراجح منهما، فتتنوّع في حقهم الأقوال والأفعال السالفة لهم من هذا الوجه.
وهم مأمورون بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، كما أمرت الرسل بذلك، ومأمورون بأن لا يفرقوا بين الأمة، بل هي أمة واحدة، كما أُمِرَتِ الرسل بذلك، وهؤلاء آكد؛ فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد، وأما القدْر الذي تنازعوا فيه فلا يقال: إن الله أمر كلاً منهم باطناً وظاهراً بالتمسك بما هو عليه، كما أمر بذلك الأنبياء -وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام- فإنما يقال: إن الله أمر كلاً منهم أن يطلب الحق بقدْر وسعه وإمكانه، فإن أصابه وإلا فلا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها، وقد قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١.
وقال الله: قد فعلت٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ٣:
- فمَنْ ذَمَّهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى.
- ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله،
стр. 197
وينتصر لها بغير هدى مِن الله؛ فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى من الله.
- ومن فعل ما أُمر به بحسب حاله مِن اجتهاد يَقْدِر عليه، أو تقليدٍ، إذا لم يقدر على الاجتهاد، وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد؛ إذِ الأمر مشروط بالقدرة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١.
فعلى المسلم في كل موطنٍ أن يُسْلِم وجهه لله، وهو محسن ويدوم على هذا الإسلام.
فإسلام وجهه: إخلاصه لله.
وإحسانُ فِعْلِه: فِعْلُهُ الحسن.
فتدبرْ هذا فإنه أصلٌ جامعٌ نافعٌ عظيمٌ.
انتهى هنا كلام الإمام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، ولعله يكون نبراساً لكل مسلم راغبٍ في معرفة الحق واتّباعه في هذه القضية المهمّة، لاسيما في زماننا هذا الذي أطلّت فيه- منذ سنين- على المسلمين فِتَنٌ آخذٌ آخرها بأولها، وكأنها لا أولَ لها ولا آخر، نسأل الله أن يُسلّمنا وإياهم منها، وأن يَردّنا إلى هدْي ديننا، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه!.
стр. 198
أبرز المعاني التي تناولها هذا البحث
أُوجِزُ بعض المعاني البارزة التي أكَّد عليها هذا الموضوع في النقاط الآتية:
ضرورة العناية بسنّة المصطفى ﷺ ، والغيرة عليها وعدم التهوين من شأنها، فهي من الدين، وقد أمر الله ورسوله بالأخذ بها.
تأكيد الدعوة إلى السنّة بصورة مؤكَّدة تتناول اتّباع السنة شكلاً ومضموناً ومنهجاً وأسلوباً، والاهتداء بهدي السنّة في تطبيقها والدعوة إليها.
دعوة الداعي إلى السنّة لمراجعة منهجه وأسلوبه في دعوته وتطبيقه لها مُحْتَكِماً في ذلك إلى الفقه المطلوب في الدين.
تأكيد الدعوة، من حيث المنهج، إلى الأخذ بالسنن كلها وعدم الدعوة إلى الاقتصار على بعضها وإهمال بعضٍ آخر، أو عدم حصر الاقتداء في بعض السنن دون بعضٍ آخر.
لا ينبغي التركيز على السنن الظاهرة ونسيان غيرها من السنن.
تحتاج السنّة إلى فِقْهين لابدّ منهما للاهتداء بهديها، ولا يُغني أحدهما عن الآخر، هما:
١- الفقه العلميّ.
٢- الفقه العمليّ.
دعوة الناس إلى حب السنّة وتعظيمها ينبغي أن يَسبق دعوتهم إلى
стр. 199
التمسك بها، أو محاسبتهم عليها.
إذا لم يُحْسن الإنسان الدعوة إلى السنّة بالحكمة فعليه أن يَكُفّ عن الإساءة إليها؛ بأن لا يرتكب أساليب في الدعوة إليها منفِّرة عنها.
على الداعي إلى السنّة أن يبتعد عن الحرص على إصدار الأحكام على الآخرين، تجاه عقائدهم ومدى اتّباعهم للسنّة، وكثرة التبديع.
لاتّباع السنّة علامات ينبغي أن تتوافر في الداعي إليها ومن يريد امتثالها والتأسّي بها.
لا ينبغي للإنسان أن يتعصب لمتبوعه الذي لم يكتب الله له العصمة من الخطأ.
ينبغي أن لا يَصْرف المسلمَ عن السنّة خطأُ الداعي إليها أو سوء تصرّفه.
ينبغي للداعي إلى السنّة أن يتعرّف على الأخطاء في فهم السنّة والدعوة إليها ليبتعد عنها، ولن يتعرّف على ذلك إلا بتمحيصٍ ودراسةٍ نقديّةٍ ومحاسبةٍ دقيقةٍ لنفسه في سلوكه وتصرفاته وفَهْمه في ضوء نصوص الكتاب والسنة والمنهج السديد لفهمهما.
أهمية فصْل الكتاب والسنّة عن أخطائنا، وإبرائهما مِن ذلك، واعترافنا بأخطائنا، ورجوعنا عنها إلى الكتاب والسنّة.
أهمية التفريق بين نقْد أخطائنا وبين نقد السلف، وعدم حمْل أي نقْدٍ يُوَجَّهُ لنا على أنه نقْدٌ للسلف.
стр. 200
إنّ السماحة في الدعوة، والرفق، والتدرّج، وتقديمَ الأهم على المهم، ودفع المفسدتين بأخفّهما، وتَرْك الأَوْلى لمصلحة شرعية، والأخذ بالرخص الشرعية، كل ذلك من السنّة.
إنّ الشدّة والغِلظة في الدعوة خطأٌ يأباه هذا الدين، ويَرُدُّه سيرة سيد المرسلين ﷺ ؛ وأنّ الرفق واللين قد جاء الأمر بهما أمراً عامّاً، وجاء الثناء عليهما ثناءً عامَّاً، ليس في ذلك حالةٌ مستثناةٌ مِن هذا الأمر وهذا الثناء؛ بخلاف الشدة والغِلظة؛ فإنّ ما جاء مِن النصوص التي يمكن أن يُستدَل بها عليهما، لا تَدُل على ذلك صراحةً، ثم لم يأتِ ذلك في صورة الدعوة العامّة إليهما، وإنما في حالاتٍ استثنائيةٍ قد تقتضي ذلك.
إنّ في سيرة الرسول ﷺ التطبيقات العملية للسنن وسائر الأحكام الشرعية، فعلى الداعية أن يلتمس المُثُلَ العليا والأسوة الحسنة في سيرة المصطفى الثابتة عنه ﷺ ، على أن يفقهها الفقه الصحيح.
ينبغي أن لا نَضيق بالخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية؛ لأنه هو مقتضى الاجتهاد الذي أَمَرَنا الله تعالى به، إلا أن اجتهاد المجتهد يجب أن يكون منضبطاً بضوابط الاجتهاد الشرعية.
ينبغي أن نفتح آذاننا وقلوبنا لرأي المخالِف ونَسْمع منه فلربما يكون الحق معه، فيَلْزَمُنَا اتّباعه.
ينبغي أن يكون قَصْدنا عندما ندخل في نقاش أو مناظرة مع الطرف المقابل هو محاولة استكشاف الحق في أيّ الجانبين هو لنتّبعه، لا قصْد
стр. 201
إقناع الطرف المقابل فقط، لأنه هو الذي على الباطل!.
ينبغي أن نفرّق بين صحة الدليل وبين فقه الدليل.
لا ينبغي في المسائل الخلافية أن نستدل بصلاح صاحب الرأي فنستغني به عن التحقق من إصابته في رأيه واجتهاده.
هذا إلى غير ذلك من المعاني التي وردت في هذا الموضوع مما لا تغني عنها هذه النقاط.
стр. 202
الخاتمة
وبعدُ -وقد انتهى الموضوع- فلعلّ مِن المناسب هنا التأكيد على الغاية مِن هذا العرض له، والسمة التي حُرِص على أن يكون عليها هذا العرض.
فأمّا الغاية فالنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم؛ وأيُّ غايةٍ أخرى فهي ساقطةٌ مِن الحساب-يعْلم الله-ولا باقي إلا الباقي سبحانه وما تعلّقَ به.
وأمّا السّمَةُ فهي ما رآه القاريء الكريم، مِن بُعْدٍ عن التسميات للأشخاص والهيئات، وإنما هو تتبُّعُ الأخطاء مجرّدةً عن أصحابها؛ لأن الغاية النصيحة، لا الفضيحة، والغاية إسقاط الخطأ، لا إسقاط المخطيء، ونعوذ بالله أن يكون في نفوسنا حقدٌ أو حسدٌ لأحدٍ مِن المسلمين.
على أنّ بعض الأخطاء تكشف صاحبها شئنا أم أبينا، ولا بدَّ مِن ذكْرها ومعالجتها على أساس الاعتراف بها أنها أخطاء ومشكلات تنتظر الحل وإعادة النظر؛ فحينئذٍ نكون مضطرين معذورين، إن شاء الله تعالى، وعُذْرنا-إضافةً إلى ذلك هو أننا ليس في غايتنا شيء آخر غير النصح والإصلاح؛ فالمرجوّ أن لا يُعادينا-والحالة هذه- مَن فيه صلاح.
وأعتذر للأخ القارئ إن زلّ القلم أو ندّ اللسان بنوع إساءة، فإنما
أردت الخير.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.