١ - السماحة في الدعوة:
السماحة في الدعوة إلى السنة سِمَةٌ للدعوة الصحيحة المُلْتَزِمة بأحكام هذا الدين، والسماحة تقتضي حُسْنَ الخُلُق وتقدير ظروف الناس، وتتجلى السماحة في مظاهر متعددة، في سلوك الداعية وتصرفاته، وفي أسلوب دعوته الناس، فينبغي للمسلم العناية بهذا الخلق الإسلامي الرفيع. وبما أن السماحة صفة من الصفات التي تميّز بها هذا الدين تتجلى في جميع أحكامه، فكذلك ينبغي أن تَظْهَرَ هذه السماحة في أسلوب الدعوة إليه ومنهجها، فهو دينٌ سمْحٌ يجب أن يُدْعى إليه بالسماحة، وقد قال ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفية السمحة" ١.
وقال ﷺ : "أحبُّ الدِّين إلى الله الحنيفية السمحة" ٢.
стр. 37
وهذا هو الأسلوب المؤثر في الناس، ويشهد بهذا الحكمِ: الشرعُ والعقلُ والفطرةُ والواقعُ، وقد قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِك﴾ ١، فاللين في موضعه الشرعي من السماحة المطلوبة شرعاً.
وليس من السماحة حَمْل الناس على رأي واحدٍ إذا كان في المسألة رأيان صحيحان، أو على صورةٍ واحدة إذا كان في المسألة صورتان مشروعتان.
وليس من السماحة حمْل الناس على الأشد دائماً.
وليس من السماحة حمْل الناس على الأَوْلى دون مراعاةٍ لظروف الناس التي يراعيها الشرع، أو دون مراعاة لطبيعة الحكم الشرعيّ في المسألة.
وليس من السماحة عدم عُذْرِ من عَذَره الله.
إنه ليس مِن السنّة الدعوة إلى السنّة بالغِلظة والتضييق اللذين لا مجال للسماحة معهما، وهذا يخالف طريقة النبي ﷺ في الدعوة إلى أحكام الدين وهدْيه؛ فكيف ندعو إلى السنّة متنكِّبين هدْي النبي ﷺ !.
стр. 38
٢- الرفق في الدعوة:
الرفق في الدعوة إلى الله تعالى بعامّة والدعوة إلى السنّة بخاصة مبدأٌ شرعيّ، ولاسيما في مجال الدعوة إلى الله تعالى، والمراد به التلطف في إيصال الدعوة إلى الآخرين، وليس المراد المداهنة والتنازل عن شيء من هدْي
стр. 39
الإسلام، وقد قال النبي ﷺ قولاً عامّاً في الرفق وعاقبته، فقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ١. فأراد النبي ﷺ هذا العموم "لا يكون في شيء ... ولا ينزع من شيء"، وقال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ٢. فلا يستطيع أحد، بعد هذا البيان النبوي الواضح، أن يُخْرِج الدعوة من هذا الحكم العام.
والرفق المشروع في الدعوة إلى الله تعالى فرعٌ من فروع السماحة، ومَظْهَرٌ من مظاهرها، ودليل على التخلُّقِ بها.
وليس من الرفق تجاهل ظروف الناس وأعذارهم.
وليس من الرفق العجلة المذمومة.
وليس من الرفق عدم مراعاة سنّة التدرج في الدعوة والبيان والتعليم المتآخية مع سنة الله في الخَلْق.
وليس من الرفق الفُحْشُ والبذاء.
وليس من الرفق والسماحة العدول عن هدي النبي المصطفى ﷺ بصفة عامة.
وليس من الرفق والسماحة مُجَانَبَةُ هدْي النبي ﷺ في أنه ما خُيّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
إنه لا يَصحّ أن ندعو إلى السنّة بما ينافي طبيعتها وطبيعة هذا الدين
стр. 40
مِن الشدة والجفاء، على الرغم مِن تأكيد الرسول ﷺ على الرفق بعامّةٍ في الأمور كلها.
стр. 41
٣- اتّباع السنّة شكلاً وروحاً:
من الطرق والأساليب التي يَظْلم بها المسلم السنُّة ويَظْلم بها هَدْي هذا الدين أن لا يأخذ بالسنُّة شكلاً وروحاً، صورةً وحقيقةً، ظاهراً وباطناً، أسلوباً ومضموناً، طريقةً وهَدْياً، وإن من صُوَرِ الإساءة إلى أحكام هذا الدين، وإلى سننه، أن ترى المرء يحرص فيها على الشكل ويزهد في روحها، وفي حقيقتها، وفي مضمونها، وكم يكون الظلم جائراً حينما يتصوّر المسلم ويصوِّر أنّ هَدْي السنن النبويّة إنما هو في الشكل والصورة فقط، وينسى أو يتجاهل الغاية منها، والمعنى فيها، والسرّ الذي شُرِع من أجله الأخذ بالشكل والصورة.
ومما يُؤْسَفُ له أن ترى بعض الناس إذا أوضحت له خطأَ هذا المسلك في طريقة اتّباع هَدْي الإسلام وسننه يأخذ بالمبادرة باتهامك بأنك تكره السنة واتّباعها، وربما أَلقى عليك درساً في بدهيةٍ من البدهيات، وهي أن الصورة والشكل أمرٌ ملازم للسنة، وأنه جزء من السنة، أو أَلقى عليك درساً في أهمية اتّباع السنة!!. وكل ذلك خروج عن الموضوع المختلف فيه إلى موضوع لا خلاف فيه، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف بين مسلمَيْن.
стр. 42
٤- التفريق بين مَوَاطن التصريح ومَوَاطن التلميح:
مِن الفقه أن يُراعِي الإنسان التفريق بين مواطِن كلٍ من التصريح والتلميح، ومواطن كلٍ مِن التفصيل والإجمال؛ فلا يجعل التصريح في مكان
стр. 43
التلميح، ولا يجعل التفصيل في مكان الإجمال، ولا العكس؛ وتظهر أهميّة هذا عند التعرض لبعض الموضوعات، والتعرّض لبعض النصوص وشرحها، والاستدلال بها، فكم يُخالِف الداعي الهدي النبوي حينما يأخذ في تفصيل الإجمال المقصود في بعض أحاديث النبي ﷺ ، في دروس أو ظروف أو حالاتٍ ليس من المقبول فيها عقلاً أو شرعاً أنْ يتجشّم الداعي والمتحدث ذلك التصريح وذلك التفصيل الذي لم يراعِ فيه حال المخاطبين.
стр. 44
٥- مراعاة التدرّج في الدعوة:
مِن الحكمة والاتّباع أن يراعي الداعية مبدأ التدرج في الدعوة إلى السنّة؛ فلقد استقر في المنهج الشرعي النظرُ إلى المقاصد والغايات ورعايتها؛ ومما يوصِلُ إلى تحقيق الغايات والمقاصد الأخذ بسنّة التدرج؛ لئلا تُثْمِرَ الخطوة نتائجَ عكسيّة غير مرغوبٍ فيها؛ وتطبيقاً لهذا المعنى ينبغي أن يكون معلوماً لدى الداعية أنّ تحصيل الأصول مقدَّمٌ على تحصيل الفروع، ولا ما نع مِن تحصيل شيءٍ مِن الفروع قبل الأصول، إذا كانت في الطريق، ولم يكن ذلك على حساب تحصيل الأصول، أمّا إذا كان تحصيل الفروع على حساب الأصول فإن الحكمة، وإنّ مراعاة سنّة التدرج تقتضي تأجيل هذا المقصد إلى وقته المناسب.
стр. 45
٦- تقديم الأهم على المهم:
مِن الحكمة والاتّباع مراعاة: تقديم الأهم على المهم في تطبيق السنّة والدعوة إليها؛ وهذا مطلب شرعيّ ينبغي أن يكون واضحاً في ذهن الداعية
стр. 46
وفي همّه، وهو أنه متى ما تزاحمت الفضائل والأحكام؛ فإنّ عليه أن يُقَدِّم الأهمّ على المهم؛ ليكون دائراً مع هذه القاعدة الشرعية الحكيمة؛ وليكون سائراً على الطريق السديد لتحقيق ما يريد.
ومتى ما تزاحمت أبواب الدعوة أو مجالاتها في موقفٍ ما، أو في ظرفٍ ما، أو مع شخصٍ ما؛ فإنّ عليه أن يُقدِّم الأَولى أو الأَجدى في مقاصد الدعوة وغاياتها.
стр. 47
٧- دفْع المفسدتين بأخفهما:
من الحكمة والاتّباع أيضاً: مراعاة دَفْع المفسدتين بأخفهما في تطبيق السنّة والدعوة إليها، وهذه قاعدة شرعيّة أُخرى يقال فيها ما يقال في القاعدة السابقة؛ إذْ كلاهما مِن مَعينٍ واحدٍ إلا أنّ هذه في باب دفْع المفاسد، وتلك في باب تحصيل المصالح.
стр. 48
٨- ترْك الأَوْلى لمصلحةٍ راجحة:
مِن الحكمة: الأخذ بمبدأِ تَرْك الأَولى لمصلحة شرعية في تطبيق السنّة والدعوة إليها، وهذه قاعدةٌ شرعيةٌ أيضاً ينبغي للداعية أن يراعيها في الدعوة إلى الله تعالى، ولا سيما في باب الدعوة إلى السنن؛ وفي هذا رعاية للغايةِ مِن الدعوة، وهي هداية المدعوّ والوصول معه إلى قناعة بالإسلام وهدْيه كله، فإذا تعارضت مصلحتان قُدِّم تحصيل أَوْلاهما في منهج هذا الدين؛ فالأَولى يُقَدَّم على ما دونه.
стр. 49
٩- الأَخْذ بالرخَص الشرعية:
مِن علامات الاتّباع: الأخْذُ بالرّخص في تطبيق السنّة والدعوة إليها في مواضعها المشروعة، وهذا وجْهٌ مِن أَوْجُهِ اتِّباع أحكام هذا الدين وحِكَمِهِ، ولا فرق بين اتِّباعه في هذا وبين اتّباعه في الأخذ بالسنّة؛ فكلٌ شرْعٌ، وإنما يفرِّق بينهما من لم يفقه الدين.
стр. 50
١٠- البعد عن نزعة التكفير والتفسيق والتبديع:
من الحكمة والسماحة الأخذ بجانب الورع فيما يتعلق بالحكم على بواطن الناس، وعلى ما في طويات أنفسهم، أو استسهال الحكم عليهم بالكفر ونحوه؛ فإنّ إصدار هذه الأحكام منزلَقٌ خَطِرٌ، ومِثْل هذا إنما هو حقٌّ لله ورسوله ﷺ ، وليس لأحدٍ دونهما القول في هذا إلا بحكم الله ورسوله. ولا تخفى نصوص الوعيد الشديد الثابتة عن رسول الله ﷺ في حق مَن أقدم على هذا الأمر بغير أمر الله ورسوله.
ولقد انتشر في المسلمين منذ سنوات داء التكفير والتبديع على غير هدْي الدين وحُكْمه، وإنما على منهج الخوارج، ولكنه للأسف، قد انتشر باسم منهج أهل السنّة والجماعة، وباسم اتّباع الكتاب والسنّة؛ فأصبح الإنسان يُشاهد في المسلمين مَن يتقرَّب إلى الله تعالى بهذا المنهج وهذا الخُلق؛ فيُصبِح الحكم العامّ في المسلمين -عنده-هو البدعة؛ ويُرَتِّب على ذلك وجوب الهجْر، وهو حكمه عنده الذي ينتهجه في حقِّ صاحب البدعة!.
لقد انتشر الحقد والبغضاء بين المسلمين بسبب هذه الوجهة، بل الحقد
стр. 51
الدينيّ، للأسف، وهو أمرٌ ليس عليه مَسْحةٌ مِن دينٍ، ولا مَسْحةٌ مِن خُلُقٍ، ولا مَسْحةٌ مِن عقْل١. وهذا الداء ينبغي أن يتصدى له عباد الله المخلصون العالمون بشرعه الداعون إليه، وأن يُحِلُّوا محله الالتزام بأحكام الإسلام، والأخوّة والمحبة، وحُسْن الظن، والوَرَع والحذر مِن الحيلولة بين الناس وبين رحمة الله وفضله، ويُحِلُّوا محله، أيضاً، منهج أهل السنّة والجماعة، والتعاون والتكافل، وسائر ما جاء به الإسلام لإسعاد البشرية وهدايتها. نسأله تعالى التوفيق والسداد.
стр. 52
١١- البعد عن منهجِ تعميق نقاط الاختلاف وتضخيمها مهما صَغُرتْ:
من الحكمة والسماحة البعد عن نزعة المشاكسة بالحق وبالباطل، وإغفال النظر إلى نقاط الاتفاق مع الطرف الآخَر، والبعد عن نزعة تضخيم نقاط الاختلاف؛ حتى تصبح كأنها هي الوحيدة في نقاط التعامل مع الطرف الآخَر!.
والمسلمون مهما كان الخلاف بينهم، فإنّهم يتفقون في أصْل الأصول: شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله؛ فالغفلة عن هذا والتنبّه لنقاط الاختلاف الفرعية أو الاجتهادية، ليس صواباً ولا حكمةً، بل هذه ظاهرةٌ غالباً ما تَنِمُّ عن عدم الفقه أو عدم الإخلاص، وكثيراً ما تَدُلّ هذه الظاهرة
стр. 53
على نزعةٍ تجاريةٍ في تصدير الدين واستيراده، وإنْ شئتَ فقلْ: وتحريفه. نسأل الله السلامة والعافية.
أمّا الإسلام فإنّه لا يُقِرُّ هذا الاتجاه الخلافيّ المَعْرَكِيّ [نسبةً إلى المعركة] في أسلوب الدعوة، وإنما يُشيع أُسلوب السماحة، والعذر في مواطن الاجتهاد السائغ، والرفق في معالجة نقاط الخلاف، وإقرار الاجتهاد المشروع-ولو كان صاحبه مخالفاً في اجتهاده١.
стр. 54
١٢- السلام والتبسّم في وجْهِ أخيك:
من السماحة والحكمة الحرص على السلام على أخيك المسلم، أيّاً كان حاله، والتبسّم في وجْهه، وطلاقة الوجْه، وإظهار الأُخوّة والمودّة؛ لأنّ هذا هو هدْي الإسلام، لا ما يَنْتهجه بعض الناس اليوم مِن: الهجر، وترْك السلام، والاكفهرار وعبوس الوجْه؛ حتى يبدوَ الواحد وكأنه حاقدٌ على الدنيا كلها، أو كأنه بَيْن فئةٍ من الكافرين المحارِبين له!.
ويَجْهل أو يتجاهل مِثْلُ هذا أن السنّة هي السلام، وردُّ السلام، والتبسّم والبِشْر، على ما تشهد به سنّةُ رسول الله ﷺ وسيرته!.
стр. 55
١٣ - السماحة فيما يتعلق باختلاف تخصصات الدعاة:
فمِن الحكمة والفقه السماحة في مجال اختلاف الأساليب والطرائق الدعوية، وفي مجال اختلاف تخصصات الدعاة، وتنوِّع الجهود الدعوية، طالما أنها سائرة في الطريق الدعويّ الشرعيّ؛ وليس في شيء مِن نصوص الشرع ما يوجب أن تكون الدعوة على نمطٍ واحدٍ أو مجالٍ واحدٍ، وإنما الذي جاءت به النصوص هو رسْم المنهج، وتحديد الغاية والهدف؛ فإذا تحققَ لداعيةٍ ما هذا وذاك كان سائراً في طريق الدعوة إلى الله تعالى؛ فلا يصحّ التحجير عليه بتحليلٍ أو تحريمٍ لم يأذن به الله تعالى.
وبناءً على هذا فإنّ اختلاف تخصصات الدعاة ومجالاتهم، لا يصحّ أن يُنظر ‘إليه على أنه مِن قبيل الخلاف، وإنما هو مِن قبيل اختلاف التنوّع المطلوب لتحقيق الغاية الواحدة، وهي دعوة الناس إلى الله سبحانه، وإلى الأخذ بدينه الذي بعث به رسوله محمداً ﷺ . وعلى النهج كان المحققون أئمة السلف الصالح أئمة الهدى.
وإنْ شئتَ فاقرأ شاهداً على هذا جواب الإمام مالك للعُمري العابد: فقد كتب هذا الثاني رسالةً إلى الإمام مالك يحضّه فيها على العزلة والانفراد والانقطاع للعبادة، ويُرغِّب مالكاً عن اجتماع الناس إليه لأخذ العلم؛ فكتب الإمام مالك له بقوله:
إنّ الله تعالى قسّمَ الأعمال كما قسّم الأرزاق؛ فرُبَّ رجلٍ فتُح له في الصلاة، ولم يُفتَح له في الصوم، وآخَر فتُح له في الصدقة ولم يُفتَح له في
стр. 56
الصيام، وآخر فُتِح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة. ونشْرُ العلم وتعليمه مِن أشرفِ أعمال البر، وقد رضيتُ بما فتح الله فيه مِن ذلك، وما أظن ما أنا فيه بِدُونِ [أيْ أَقَلَّ] مما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبِرٍّ، ويجب على كلٍ منّا أن يَرضى بما قُسِمَ له. والسلام١.
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أيها الإمام، وَلَيْتَك تعلم ما أصاب كثيراً مِن المسلمين مِن البعد عن هذا الهدْي، وهذا الفقه النفيس!.
وما أسعدَ مَن أَخذَ بقولة هذا الإمام هذه، في قضايا التخصص في الدعوة، وتنوِّعِ الجهود الدعوية؛ فقال لأخيه: كلانا على خيرٍ وبِرٍّ، ويجب على كلٍ منّا أن يَرضى بما قُسِمَ له. والسلام!.
стр. 57
المبحث الثالث
نقد المسالك المخطئة في باب التمسك بالسنة والدعوة إليها
نظرات نقدية لمناهج وأساليب شائعة
...
نظرات نقديّة١ لمناهج وأساليب شائعة
تَهْدي النصوصُ السابقة كلُّها -وسواها كثير-إلى وجوب الأخذ بالكتاب والسنّة على بصيرةٍ وفقْهٍ صحيح. وكما توجب هذه النصوص الشرعية اتّباع السنّة فإنها توجب كذلك فِقْه السنّة الفقه السليم، ولهذا جاء الأمر بالتعلّم والتعليم، والأمر لمن لا يَعْلم أن يسأل من يَعْلم، وليس المقصود بالعلم الحفظ مجرّداً من الفقْه، فقد قال ﷺ : "مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدين".
ووقوفاً عند معاني النصوص السابقة وما في معناها أَودُّ أن أستعرض فيما يأتي بعض النظرات النقدية لأخطاء بعض الناس في المنهج والأسلوب في الدعوة إلى السنّة، وفي تطبيقهم السلوكي لها، وما ينبغي تُجاهها.
قواعدُ بين يدي النقد:
قبل إيراد الانتقادات في هذا الباب أودُّ أن أُقَدِّم بعض القواعد والمنطلقات الموجزة في الأسطر التالية:
стр. 58
قواعد بين يدي النقد
مبدأ الدعوة إلى السنة في تطبيق السنة
...
١- مبدأ الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة:
١- ينبغي أن نتّفق أَوّلاً على مبدأِ الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة، والدعوة إلى اتّباع السنّة في الدعوة إلى تطبيق السنّة.
стр. 59
أي أنه ينبغي لنا أن نتَّفق أوّلاً على أمرين:
أوَّلهما: وجوب اتّباع السّنّة في تطبيقنا لها.
ثانيهما: وجوب اتّباع السّنّة في دعوتنا إلى تطبيق السّنّة أيضاً.
стр. 60
٢- أهميّة مراجعة منهجنا وأُسلوبنا في الدعوة:
الحاجة ضروريّة لمراجعة منهجنا وأسلوبنا الدعويّين اللذين نتّبعهما في الدعوة إلى السنّة والعقيدة، وعند المراجعة سيتضح لنا أنَ أهم ما نحتاجه الآن في ذلك الحكمةُ والاستفادةُ من سِيَرِ السلف الصالح وتجاربهم، والاهتداء بالهَدْي النبويّ في منهج الدعوة وأسلوبها، بَيْد أنه لابدّ من اتّهام النفس ومراجعتها والتواضع في هذا الطريق.
يجب أن نتّجه في هذه الفترة إلى الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة؛ لنبتعد عن الإفراط والتفريط اللذين ضلت بهما فئات من الناس، نسأل الله التوفيق والهداية، فـ"من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين".
стр. 61
٣- دعوة الداعي إلى السنّة لا تَمنع مِن نقْده نقداً بنّاءً:
يُنْكِر بعضُ الناس أن يُنْتقد رأيه أو أن ينبّه إلى خطئه؛ لحجةٍ غريبةٍ واهيةٍ، وهي أنه يدعو إلى الكتاب والسنّة، لذلك لا يصح نقده!! وهذه مغالطة وتعامٍ عن الواقع، وإلا فكيف لا يُفرّق الإنسان بين منهجه وأسلوبه وبين الكتاب والسنة؟ كيف يرى منهجه وأسلوبه البشريّين معصومَيْن، لأنه يدعو للوحي المعصوم؟!.
стр. 62
٤- انتقاد الداعي إلى الخير في أخطائه لا يَصُدُّ عن الخير:
وبعض الناس يرفض أن تُنْتقد أخطاؤه في منهجه وأسلوبه في الدعوة إلى السنّة، كما أنه يرفض أن يُنْتقد غيره من الداعين لها بحجةِ أنّ إيجابيةً ظهرتْ في المجتمعات الإسلامية -بسبب التركيز على الدعوة إلى السنّة- وهي اتجاه الناس، بسبب هذه الدعوة، إلى الاهتمام بالسنّة مع ما اشتملت عليه من قصور، وفي هذا خطأ ومغالطة للنفس وللآخرين.
إنّ نقدنا لمنهج الدعوة إلى السنّة والأسلوب المتّبع في ذلك لا يعني إنكار الإيجابيّات، ووجود الإيجابيات لا يعني إنكار السلبيات والتغافلَ عنها أو تجاهلها بل العكس هو الصحيح، فينبغي أن يدفعنا حصول بعض الإيجابيات في منهجنا وأسلوبنا إلى الاهتمامِ بالنقد، والتعرفِ على ما يرافِق هذه الإيجابيات من سلبياتٍ، محافظةً على النتائج الطيبة في المنهج والأسلوب، وفي ذلك زيادة للإيجابيات، وتقليل للسلبيات.
стр. 63
٥- أهمية كلٍّ مِن الفقه العلميّ والفقه العمليّ:
وهما أمران متلازمان، ولكن لا يُدْرِكهما جميعاً بعضُ الناس، فقد يُحَقِّقُ شيئاً من فقهها علمياً بَيْد أن الأمر يَفْلت منه في العمل فيطبّقها تطبيقاً لا يدل على فقهٍ بها، لأنه لا يُراعي هديَ السنّة في تطبيق السنّة أو لا يُراعي هديَ السنّة في الدعوة إلى السنّة، فيتخذ أساليب عملية منفّرة عنها، فهذا لم يفقه السنّة فقهاً عمليّاً، ولاشك في أنها مهمّة صعبة شريفة محبّبة للنفس، أن تسعى في فقْه السنّة بَيْد أنك تحتاج إلى صبر وطُولِ مِرانٍ.
стр. 64
وكثير من الناس من يَنْشط للأمر الأول أعني فقهها علميّاً، وينسى فقه العمل.. ولكنّ الموفق من يوفقه الله للأمرين معاً١.
стр. 65
٦- لاتّباع السنّة علامات:
لاتّباع السنّة علامات، منها:
أ - حبّها حبّاً صادقاً وتعظيمها.
ب- محاولة الاستمساك بها كلها والبدء بما هو أولى.
جـ- عدم مزاحمتها بغيرها في الظاهر والباطن، وتقديهما على ما عداها عند التعارض.
د - الحرص على تعلّمها ومعرفتها.
هـ- الدعوة إليها، بالأسلوب الحسن اللائق بها.
و عدم فتنة الناس عليها.
ز - كَفُّ التطاول عليها، بالأسلوب المتعيّن في إنكار المنكر.
حـ- حبّ المتمسّكين بها الداعين إليها وَفْق هديها.
стр. 66
٧- لا يصْرِفُ عن السنّة خطأُ الداعي إليها:
لا يَصرِفْك -يا أخي- عن السنّة خطأ الداعي إليها، أو سوء تصرّفه، أو سوء فِقْهه، فتكون بذلك ممن يصرفه الباطل عن الحق والخطأ عن الصواب،
стр. 67
بل اتّبع الحق ممن جاءك لأنه الحق، لا لأنه دعاك إليه فلان أو فلان، وهذا مِنْ أوضح الأدلة على معرفتك لقدْر الحق وقيمته، ومن أوضح الأدلة على فقهك، وإلا تَسْلُكْ هذا المسلك الصحيح تكن ممن لا يرضى بالحق إلاّ بشرط عصمة الداعي إليه، وهذا الشرط لا يتوافر في غير النبي ﷺ .
стр. 68
٨- الموقف مِن خطأِ الداعي إلى السنّة:
أ- إذا ساءك تصرفّ ممن يدعوك إلى السنة فلا تَقِفْ مِنْه موقف العدوّ ولا من السنّة، ولكن اقْبَلْ السنّة واشكر له دعوته إياك لها، واعْذره في خطئه واعْلم أنّ فيه شيئاً من الخير ولولا ذلك -غالباً- لَمَا دعاك لها، وأمّا خطؤه فلأنه ليس بمعصوم، وليس ناصحاً لنفسه من لا يقبل الخير إلا من معصوم عن الخطأ.
ب- إذا أخطأ من يدعوك للسنّة أو العقيدة في طريقته أو فَهْمه فلا يكن جوابك ردّ فعل بارتكاب خطأ آخر، بل ينبغي أن يَحْمِلَك ذلك على الغيرة على العقيدة والسنّة بِالتماس الطريق الصحيح في فَهْمهما والدعوة إليهما، وإنما خطؤه داعٍ يدعوك لذلك، إنْ كنتَ مُحِبّاً لهذه العقيدة والسنّة اللتين أكرمك الله بهما، وقد يكون هذا المخطئ ليس لديه الأهلية للقيام بواجب الدعوة إليهما، وكأنه يقول لك بخطئه هذا: أنا راغب في الدعوة إليهما ولكني غير قادرٍ فَقُمْ أنت يا أخي بهذا الواجب فلعلك من القادرين عليه المتعيّن عليهم أداؤه!!.
стр. 69
٩- خطأُ التعصب وخطرُهُ:
يطول تعجّبي من شدة تَعَصُّب الناس لمتبوعيهم الذين لم يكتب الله لهم
стр. 70
العصمة، وأتساءل كثيراً وأُحار: كيف يَتَعَصّبُ الإنسان لمتبوعه الذي ليس بمعصوم ويَغْلو فيه، ويقلّده في الصواب والخطأ؟! وكيف يُصْبح الإنسان -في مِثْلِ هذه الحال- عدوّاً لنفسه، وعدوّاً لمتبوعه، وعدوّاً للناس، وعدوّاً للحق، في حين أنه قد لا يريد هذه المعاني كلها ولا واحداً منها؟! ولكنّه الخطأ المنهجي الذي يجرّ إلى هذه الأخطاء كلها.
ولو أنه منذ البداية اقتدى برسول الله ﷺ -وهو نبيّ الله ورسوله المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وَحْيٌ يُوْحَى- لكان خيراً له وللناس وللحق!.
على أنّ الإنسان ينبغي له أن يُفَرِّق بين التعصب والاتِّباع، والحدُّ الفاصل بينهما هو: قبول الحق إذا بان له، أو عدم قبوله؛ فمتى كان مُوَطِّناً نفسه على قبول الحق؛ ثم يَخْضع له متى ما تبيّن له؛ فهو ليس بمتعصِّب، ولا مانع في هذه الحال من أن يقتدي بمن يَصْلح للقدوة مِن العلماء، ما دام على هذا الشرط. أمّا إذا كان متَّبِعاً لمتبوعه على أي حال، بغضِّ النظر عن الدليل؛ فهذا هو المتعصِّب والمقّلِّد على غير دليل. وللحديث عن هذا الموضوع مجال أوسع غير هذا المجال.
стр. 71
١٠- التعصب واتّباع السنّة:
إذا رأيتُ تعصُّبَ بعض الناس لمتبوعيهم سِوى رسول الله ﷺ ، وغُلوَّهم فيهم وفي تقليدهم لهم في الخطأ والصواب، استشعر قلبي ضرورةَ تعصُّبي لرسول الله ﷺ وسنّته وَفْق سنّته، من غير غلوّ ولا تفريط.
стр. 72
١١- اشتراط الأهلية في الدعوة إلى السنّة:
إذا لم يُحْسن الإنسان الدعوة إلى السنّة ولم يستطع استيعاب هدْي الإسلام في الدعوة فَخَيْرٌ له وللسنّة وللناس أن يتركهم، فيكفّ بذلك شرّه عن السنّة وعن الناس؛ لأن المسألة درجات:
أ - صَدٌّ عن السنّة -بأي أسلوب كان، ولو باسم الدعوة إليها-.
ب- وإمساك عن الصدّ عنها.
جـ- ودعوة إليها بأسلوب محبَّب.
ولاشك أن الخير في الدعوة إليها بالأسلوب الحسن، لكن إذا لم يستطع الإنسان ذلك أو تَرَدَّد فِعْله بين الدعوة إلى السنّة والصدّ عنها فَكَفُّ شَرِّه أَوْلى وأَوْجَب، وهو في هذه الحال ليس من القادرين على الدعوة إليها، فالواجب عليه دعوة نفْسه إليها وتمسُّكها بها.
ومعلوم أنّ من له مال وتحامَقَ في الإنفاق منه -ولو في بعض أوجه الخير والكرم مثلاً بحيث يَضُرُّ بنفسه، أو غيره ممن تجب عليه نفقتهم، أَوْ لهم عليه حقوق -حُكْمَهُ في الإسلام الحجْرُ عليه، ومنْعُه من التصرف في ماله. والسنّة أهم من حُطَام الدنيا، ومَنْ يكون حاله في الدعوة إليها كحال مَنْ أَشرتُ إلى حاله في ماله فهو أولى بالحجر عليه مِنْ صاحب المال ذاك، أعني مَنْعه عن الدعوة المغلوطة إلى السنّة.
стр. 73
١٢- أخطاء مسلكيّة:
يتبيّن مما سبق أَنّ مِن الأخطاء المسلكيّة التي يرتكبها بعض الناس تجاه
стр. 74
السنّة ما يلي:
- الانصراف عن اتباع الحق بسبب خطأ الداعي إليه.
- جعل المتبوعين دليلاً على الحق.
- اشتراط عصمة الداعي لقبول الحق الذي جاء به.
- عدم قبول الحق إلا من أشخاص بأعيانهم بسبب الإعجاب بهم والغلو فيهم، وازدراء مَنْ سواهم.
стр. 75
النظرات النقدية
العجب والغرور
...
النظرات النقديّة:
الانتقادات في هذا الباب وفي غيره كثيرة، ولكنّ المهم أن نتنبَّه لها جميعاً، المخطيء وغير المخطيء على حدٍّ سواء؛ لكي نتحاشاها ونبتعدَ عنها لوجه الله تعالى، وهذه الانتقادات التي سأُوردها هنا هي مما وقفتُ عليه واستغربتُه أن يَصْدر من بعض مَن ينتسب إلى السنّة أو إلى المنهج الشرعي أو إلى طلب العلم الشرعيّ؛ ومِن ثمَّ كانت العناية بهذه الأخطاء لاجتنابها وللتنبيه عليها.
فمِن ذلك:
١ - العُجْب والغرور:
فترى بعض الناس يدعو الآخرين إلى العقيدة أو السنّة متلبساً بشيء من العُجْب الذي يصدّ الآخرين عن قبول الدعوة، مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ الذي يدعو غيره؛ لِيُكْرمه في داره؛ فيقدم له الضيافة بشيء من الفخر والاعتزاز بأنه أكرمه أو أنه هو الذي صنع هذه الأنواع من الطعام؛ فتنقبض نفسه عن كَرَمِهِ وضيافته؛ ويتمنّى لو أنه لم يكن قد دَخَلَ في ساحته.